00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

التعريف بالدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • من نحن (2)
  • الهيكلة العامة (1)
  • المنجزات (14)
  • المراسلات (0)
  • ما قيل عن الدار (1)

المشرف العام :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرته الذاتية (1)
  • كلماته التوجيهية (14)
  • مؤلفاته (3)
  • مقالاته (69)
  • إنجازاته (5)
  • لقاءاته وزياراته (14)

دروس الدار التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (6)
  • الحفظ (14)
  • الصوت والنغم (11)
  • القراءات السبع (5)
  • المفاهيم القرآنية (6)
  • بيانات قرآنية (10)

مؤلفات الدار ونتاجاتها :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المناهج الدراسية (7)
  • لوائح التحكيم (1)
  • الكتب التخصصية (8)
  • الخطط والبرامج التعليمية (5)
  • التطبيقات البرمجية (10)
  • الأقراص التعليمية (14)
  • الترجمة (10)
  • مقالات المنتسبين والأعضاء (32)
  • مجلة حديث الدار (51)
  • كرّاس بناء الطفل (10)

مع الطالب :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات الأشبال (36)
  • لقاءات مع حفاظ الدار (0)
  • المتميزون والفائزون (14)
  • المسابقات القرآنية (22)
  • النشرات الأسبوعية (48)
  • الرحلات الترفيهية (12)

إعلام الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الضيوف والزيارات (158)
  • الاحتفالات والأمسيات (75)
  • الورش والدورات والندوات (62)
  • أخبار الدار (33)

المقالات القرآنية التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (151)
  • العقائد في القرآن (62)
  • الأخلاق في القرآن (163)
  • الفقه وآيات الأحكام (11)
  • القرآن والمجتمع (69)
  • مناهج وأساليب القصص القرآني (25)
  • قصص الأنبياء (ع) (81)

دروس قرآنية تخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (17)
  • الحفظ (5)
  • القراءات السبع (3)
  • الوقف والإبتداء (13)
  • المقامات (5)
  • علوم القرآن (1)
  • التفسير (14)

تفسير القرآن الكريم :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علم التفسير (87)
  • تفسير السور والآيات (175)
  • تفسير الجزء الثلاثين (37)
  • أعلام المفسرين (16)

السيرة والمناسبات الخاصة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النبي (ص) وأهل البيت (ع) (103)
  • نساء أهل البيت (ع) (35)
  • سلسلة مصوّرة لحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) (14)
  • عاشوراء والأربعين (44)
  • شهر رمضان وعيد الفطر (19)
  • الحج وعيد الأضحى (7)

اللقاءات والأخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • لقاء وكالات الأنباء مع الشخصيات والمؤسسات (40)
  • لقاء مع حملة القرآن الكريم (41)
  • الأخبار القرآنية (95)

الثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الفكر (2)
  • الدعاء (16)
  • العرفان (5)
  • الأخلاق والإرشاد (18)
  • الاجتماع وعلم النفس (12)
  • شرح وصايا الإمام الباقر (ع) (19)

البرامج والتطبيقات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (3)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : المقالات القرآنية التخصصية .

        • القسم الفرعي : علوم القرآن الكريم .

              • الموضوع : رؤية قرآنية لمنهاجية التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي ( القسم الثاني ) .

رؤية قرآنية لمنهاجية التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي ( القسم الثاني )

د. منى ابو الفضل

إن مهمة علماء الفقه بالأمس لم تستدع غير النظر الجزئي في وسائط الحفاظ على بنية الأمة ـ أما اليوم فاختلفت المهمة باختلاف الموقف، حيث المطلوب إعادة تشييد هذه الأمة بعد أن نقضت بمراجعات ولم يبق لها سوى نواتها الأولى ـ التي أوجدتها نشأة ( ونقصد بها العقيدة ) وعلى ذلك فإن فقه العصر هو فقه سنن الاجتماع ـ ولا يقتصر على أحكام الاجتماع ـ بل إنه لابد من مراجعة شاملة لمفهوم فقه الأحكام ـ حتى يتأتى الانتقال بالأحكام إلى مقاصدها الشرعية، وعندها تعتبر الأحكام وسائط فاعلة فيتأمين حيوية الجماعة، وفي دعم أواصر اللحمة والتماسك الداخلية، ولا تكون مجرد سياج خارجي لا يعدو أن يجمد في قالبه الشكلي المجرد.

إن الخروج من دائرة النص إلى محصول الأحكام والإطلاق في الخطاب القرآني، متجاوزاً شكليات النظام إلى مضامينه من شأنها هنا وهناك أن تفتح آفاقاً جديدة في التعامل مع القرآن الكريم.

ونحن ـ في هذا المقام ـ إذ ندعو إلى تبني النظرة الكلية في سياق الخطاب القرآني، وإلى الانطلاق من الوحدة الموضوعية في التعامل مع القرآن الكريم في مجالات تخصصاتنا الاجتماعية، فنحن في ذلك لا نقدم على نظرة غير مسبوقة، قدر ما ندعو إلى تبني هذه النظرة عملياً والعمل بمقتضاها في دروب منهاجيتنا، دون الوقوف بها عند حد التأمل والإقرار النظري لها.

وتأكيداً لهذه الحقيقة نورد بعض ما جاء في هذا الشأن قديماً وحديثاً ـ ليس على سبيل الاستشهاد ـ قدر ما يكون ذلك من أجل التدبر للتزود والاستمداد حتى نستطيع أن نواصل ونضيف إلى ما قدمه من سبقنا ـ دون أن نقف عند بابهم قانعين بما أتوا به ـ ومن نماذج هذه الخلاصات المستفيضة القيمة النافذة التي نرى أن تكون جديرة بأن تؤخذ قواعد انطلاق لنا ما جاء به الإمام الشاطبي في موافقاته من أن السورة مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، وأنه لا غنى لمتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية.

وربما تجلّت هذه الحقيقة في الرؤية المعمارية النافذة التي أتى بها صاحبها حديثاً، خاصة لما تنطوي عليه من إيماءات في الاستدراك والمراجعة، بعد طول ممارسة ومعايشة واستئناس واعٍ للموقع القرآني فنعود إلى ما قاله د. دراز في موضع آخر لنتعرف ليس فقط حقيقة وحدة المبنى المضمن في البيان القرآني، ولكن لنلمح معالم الوحدة المعنوية التي ينطوي عليها، ولنتدبر معا هذا التعقيب لدقة بيانه ونفاذ تصويره، ليكون موضعاً للاسترشاد في منهاجية التعامل مع الخطاب القرآني إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً.. فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول فلاتزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع والتقسيم والتنسيق، ولا شيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامن والالتحام، كل ذلك بغير تكلف ولا استعانة بأمرمن خارج المعاني نفسها، وإنما هو حسن السياق ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلاً، والمختلف مؤتلفاً، ولا تقف في نظرة كلية على القرآن الكريم إزأ روعة التماسك المعماري للنظم والبنيان، بل نجدنا إزاء تلاحم عضويلا يقل روعة وإحكاماً، من شأنه أن يؤكد حيوية الخطاب القرآني ومن شأنه أن ينتقل من ثبات الأساس البنياني إلى قوة دفع للشحنات الفاعلة والمحركة التي يحملها هذا البنيان.

ولماذا نقول: إن هذه المعاني تتسق في السورة كما تتسق الحجرات في البنيان؟، لا ـ بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من نفسيهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل، ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب، ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين ـ وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كمايأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد ـ مع اختلاف وظائفه العضوية)(1).

ولنا هنا أن نشير إلى أنه بقدر استيعاب المبادرات التي يقوم بها الأئمة والمجتهدون في مجال التفسير لمعاني القرآن الكريم، لهذه النظرة الكلية وبقدر تمكنهم من جوهر الوحدة التيينطوي عليها النظم القرآني، في معناه ومقصده وليس فقط في شكله وبنيانه، بقدر ما تأتي هذه التفسيرات وافية نافذة شاملة تحمل فيها دلالات توجيهية عملية بالنسبة للجمهورالذي تخاطبه.. ونجد نماذج للتفاسير الحديثة التي تستوي على قاعدة النظرة القرآنية الشاملة.. لتنطلق منها عند أحد المستويات في تناول الآيات والجزئيات، وعند مستوى آخر لتتخذ منها منفذاً في تنزيل الدلالات المستفادة من الذكر الحكيم على قضايا العصر، في أعمال الشهيد سيد قطب ولا يخفى كذلك من أن قوة ونفاذ أسلوب الشيخ متولي شعرا ويفي التفسير القرآني إنما مرجعها هذه النظرة القرآنية الشاملة إلى مواضع التناول الخاصة حتى وأنه يقدم النموذج الحي المعاصر على نهج تفسير القرآن بالقرآن في جدلية يتفاوت فيها الاستقراء  للجزئيات لبناء النسيج الكلي والاستنباط للكليات لتنزيلها عن واقع الجزئيات. أما عن نماذج الدراسات في مجال الاجتماعيات التي تحمل آثار الاجتهاد في فروع التخصص من منطلق استيفاء لأبعاد النظرة القرآنية الكلية، فربما وجدنا نموذجاً لذلك في أعمال الشيخ الطاهر بن عاشور ولا شك أن دراسة د. عبد الله دراز في مجال الأخلاقيات، لتقدم خير نموذج لاحتواء المسلك المتكافي وطبيعة البحث في التخصص، حيث إنه قدم لنا الدليل العملي والأسوة الحسنة إزاء ما نحن بصدده في هذا المقام، وهو أنه ما من مجال في التنقيب في مجال من مجالات التخصص في علوم الأمة، من موقع المتطلع لإرساء قواعد هذه العلوم والمعارف على أسسها الإسلامية السليمة، دون أن يتوافر لمجتهد التخصص قدر من الإلمام بخصائص مصادره التي يستقي منها، وهو ـ إذ يقبل على التحقق من هذا الشرط، عليه أن يقبل على تحصيل جملة ما جاء به أئمة سبقوا في هذاالمجال. وجاءوا بما جاءوا به من نفائس قلما استدركها اللاحقون، ولكن لا ينبغي أن يستغرق في تفصيلاتها، ولا أن يقف عند منجزاتها، بل عليه أن يستخلص ما يفيده فيتوجهه نحو هذا المعنى لإضفاء قيمة جديدة فوق قيمتها المختزنة، وأن يعمل على الإضافة من خلالها ـ للمستجد في مجاله.

ويجدر بنا أن نشير كذلك في صدد الجهود المستجدة الرائدة في هذا المجال والتي تسعى إلى تخريج رؤية مستقلة وبديلة لواقع التطور الحضاري المعاصر، من استقراء جديد لمنهج الوحي القرآني، ذلك الاجتهاد الذي أقدم عليه مؤلف العالمية الإسلامية الثانية ـ والذي أخِذَ ـ بناءً على تفسير مبتكر لآي الذكر الحكيم في سياقها الكلي يتلمس موضع الغيب في الفعل الإنساني ـ على مدى التجارب الحضارية المختلفة ليخرج منها بدلالات ترتبط بمايحمله الواقع الحضاري المعاصر من قابليات وإمكانات في تطوره. وقد يختلف الناظر في هذا العمل، مع صاحبه في بعض منطلقاته، وقد يتحفظ على بعض نتائجه، فضلاً عما قد يستوقفه في مواضع متفرقة من أسلوب التناول .. غير أنه ـ لا يسعه إلا أن يجد في هذا الاجتهاد آفاقاً جديدة جديرة بالنظر والاعتبار.

ولسنا بصدد تفسير القرآن الكريم، وله أولو العلم من أهله، ولكننا إزاء جهد إنشائي تأسيسي في مجالات المعرفة المعاصرة، وخاصة هذه المجالات التي لها علاقة مباشرة برصد وتوجيه اتجاهات الاجتماع البشري، ونحن إزاء هذه المهمة لا يسعنا إلا الرجوع إلى مصادر وجودنا الحضاري والكياني، لنستمد منها قاعدة الانطلاق وأساس البناء. وهذا ما يهمنا بالدرجة الأولى عندما نبحث في خصائص الكتاب القرآني من جانب،وعندما نسوقه نماذج من الأعمال المتاحة التي سبقت في هذا المضمار ـ مع تسليمنا بتفاوت خطاها في مجال عطائها، ولكن الذي يستوقف النظر فيهن جميعاً، هو اشتراكها في قاسم مشترك، فهي جميعاً تلجأ إلى الوحي كمصدر أساسي في تقويم المعرفة المعاصرة، وهي إذ تقدم على ذلك تعتمد الخطاب القرآني كعنصر حيوي فاعل في واقع المدركات المعاصرة، وفي سعيها هذا يتفاوت مقدار ما تنجزه بقدر استيعابها لأبعاد النظرة الكلية في التعامل مع مصادرها، وكأننا هنا إزاء ما جئنا به في صدد الوعي المنهاجي كضرورة يقتضيها التعامل مع مصادر تنظيرنا الإسلامية، تكون على أعقاب مرحلة تحول حقيقية بأن تجاوز بنا العقدة المنهاجية إلى ارتياد أبواب الوثبة الحضارية المرتقبة ـ ولكننا نرى كذلك أن النماذج التي تنطلق في تعاملها مع الخطاب القرآني من منطلق شمولي، وتلك التي تسعى لتنزيل ما تستفيده من النظرة الكلية على الواقع الاجتماعي جملة، وفي مجال المعرفة المتخصصة بسنن واتجاهات هذا الواقع على وجه خاص، إنماهي من القلة بمكان، ولا تزال فيه الجهود الفردية المتفرقة.. لا ترقى بعد لأن تقدم الدفعة التي من شأنها أن تحدث تغييراً نوعياً في المناخ المعرفي السائد، والذي كما سبق أن رأينا أنه لا يزال يتسم بالفوضى والتخبط والسطحية من جانب وباستمرار فيض المؤثرات الفكرية الوافدة من جانب آخر، حتى ينتهي به الأمر إلى الإغراق والتعمية بالنسبة للجهود القليلة المجدية المتاحة في الميدان.

ولا مناص هنا، إذا ما أريد الانتفاع بهذه الجهود، وتضعيف مؤثراتها في ميادين المعرفة المتخصصة، من أن تخضع لمزيد من المنهجة والتنسيق. وفي مقدمة مقتضيات هذه المنهجة، يكون التذرع بالوعي المنهاجي السليم، والذي يحتل فيه الوعي بخصائص الخطاب القرآني وموقعه من عمليات التنظير الصادرة في سلم الأولويات الإدراكية لباحث التخصص، وذلك بوصفه المدخل لرصيد الفعاليات الفكرية والحركية في الأمة، والمخزون لكل من الأصول المعرفية والمنهجية التي يتوقف عليها الانطلاق الحضاري في هذه المجالات. وليس ما أوردناه حول طبيعة هذا الخطاب، وحيوياته، ومنحاه ووجهته إلا أمثلة على ما تعنيه في هذا الصدد، أما السبيل إلى التحقق من المزيد من المنهجة في جهودنا المتعددة في مجالات التخصص المتنوعة، فلا يتأتى إلا بتوفير القنوات التي تضمن الانتقال بالمدركات المستمدة من مصادر التنظير الأولوية، ونعني بها في هذا المقام الخطاب / البيان القرآني، من موضعها ـ في ثنايا الوحي المحفوظ، إلى دائرة نفاذها العملي ـ ومحيط  تحقق إشعاعها الهادي، في مجالات الفعل الحضاري للاجتماع البشري هذه القنوات التي تترجم المدركات المعرفية من مستوى إلى مستوى وتنزل بها من موضع الإطلاق إلى مواضع التخصيص، تعد خطوة أساسية في سبيل ربط العلوم الاجتماعية بمنابعها الإسلامية، وتضع عمليات البحث والتكثيف التي تقتضيهاعملية المنهجة، على أول الطريق الصحيح فتكون هذه القنوات بمثابة الشرايين التي تغذيهذه العمليات في تتابع واتصال، وتؤمنها من عواقب الانفلات أو الانكفاء التي من شأنها أن تستنزفها أو تقعدها عن الاستواء على قاعدة الاستيعاب والتراكم التي هي أساس تشييد الصرح المعرفي. فما هذه القنوات التي تحمل أصول المدركات المستمدة من مصادر التنظير الإسلامي، والتي من شأنها أن تدفع بعمليات التنظير ذاته قدماً؟ وكيف السبيل لإقامتها في موقع العمليات الميدانية... أي عندما ننزل إلى ميدان التخصص ونريدأن نصعد به إلى منابعه لإنضاجه وإثرائه؟

لنتخذ من العلوم السياسية ـ مثالاً على مجال التخصص الذي نقصده.. ولنحدد موضوعها في القضية الأم التي تتفرع عنها مباحثها، وهي قضية السلطة في أبعادهاومستوياتها المختلفة، والسلطة، إذا حللناها إلى عناصرها وجدناها تنطوي على أوامر ونواه وجملة من المواقف والقرارات والأحكام التي تحمل معنى الوجوب والإلزام. أما مصدر الوجوب فإنه يرجع إلى امتلاك الجهة المعنية لحجية معينة في مجالها حجية العلم، والخبرة. كما أنها ترجع في المبدأ والمنتهى إلى التمكن من أدوات الفرض والإلزام. أماموضع ممارسة السلطة وأدواتها فهي الجماعة،ـ ومن ثم نستطيع أن نعرف السلطة بأنهاالمرجع في أمور الجماعة ـ بمعنى أنها السلطة التي يستوجب مراجعتها عند القضاء فيالأمر، والجهة التي تتولى توجيه الجماعة لتحقيق مقاصدها من خلال القيام على تدبير أمرها، درءاً للمفاسد وجلباً للمصالح، ومن ثم فإن لكل سلطة مجالاً يتسع أو يضيق بمقتضى الأحوال كما أن كل سلطة تخضع لجملة من المعايير الأخلاقية والموضعية فيتقويم ممارستها والحكم على أدائها.

ولا يخفى أننا تعمدنا في تعريفنا موضوع (السلطة) على هذا النحو إبراز مواقع الالتقاء والتواصل التي توجد بين مصادر التنظير، ومجال التخصص. فلأول وهلة تبدو الأواصرالموضوعية التي تربط بين مجال الفقه ـ وهو على رأس علوم الأمة الشرعية ـ ومجال العلوم السياسية ـ وهو في مقدمة علوم الاجتماع حديثاً. ولا تقتصر هذه العلاقة على موضوع مشترك، وإنما تتجاوزها إلى العلاقة العضوية بالمصادر التي يقتضيها الموضوع المشترك.

ولننظر فيما جاء به الشاطبي في موافقاته، وهو يحدد العلاقة بين المصادر الأصلية التي يتوجبها موضوع الفقه ـ وهو هنا ينصب على فقه الأحكام الشرعية ـ دون فقه الإمامة ـ وذلك لما تحمله من إسقاطات تجدي في مجال التأصيل لعلم السلطة.

(... السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، أما القرآن فهو كلية الشريعة، وينبوع لها... ولأن الله جعل القرآن تبياناً لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة في جملته، لأن الأمر والنهي ما في الكتاب (يعني ذلك أن القرآن وإن اشتمل على علوم خمسة... فإن أول ما يعني به هو الأمر والنهي ـ أي التكاليف الشرعية، اعتقادية، وعملية...).

ولا شك أن أول ما يترتب على هذه الحقيقة هو مفهوم خاص للسلطة يجعل منها ظاهرة مشتقة، ولا توجد في ذاتها وإنما توجد بحكم علاقتها بمصدر أعلى، وهو التنزيل. فإذا كانت السلطة هي المرجع النهائي في أمور الجماعة، فإن للسلطة مرجعاً منزلاً يجعل من عملية التأصيل للسلطة عملية بحث في علاقات ترابطية تنازلية ـ وتشابكية تصاعدية ـ أي تبحث في تدرج السلم القيمي في مواقع المسؤولية والالتزام في الجماعة. ويعني ذلك أن السلطة ظاهرة وتخصصاً ـ لابد لها من أصول ومداخل وقواعد ومنطلقات تميزها في منظور الفعل الحضاري الإسلامي ـ منها في المنظور الوضعي الذي يسودالمجال المعرفي المعاصر ـ مثلها ـ مثل الشريعة مفهوماً وظاهرة وتخصصاً عند المقارنة بالقانون الوضعي. ولكن هل يعني هذا التماثل بين موضوع السلطة في أساسه وموضوع الشريعة أن المناهج والطرق التي تبلورت في ظل العلوم التقليدية، والتي هي جزء من ميراثنا الحضاري الفكري، إنما تصلح كذلك لتكون قاعدة انطلاق علومنا الحديثة فيمناهجها وطرق التعامل مع الظواهر فيها كذلك؟

هذا ما نترك الإجابة عنه لموضع آخر. يكفي هنا أن نؤخر ما نراه في هذا الصدد على النحو الذي يدعم من المقومات المنهجية التي نقترحها إزاء التعامل مع مصادر التنظيرالإسلامية في مجالات التخصص المعاصرة، إن هذه الأخيرة تقتضي تبني النظرة الكلية في تناول الظواهر، وفي اعتماد أساليب الدمج والتوليف بين الأجزاء في إطار الكليات، والبحث في العلاقات الارتباطية الرأسية والأفقية في هذا السياق. فضلاً عن أن هذاالتناول للظواهر الاجتماعية موضع النظر، يفرض المرونة والحيوية بالقدر الذي يتسع لمتابعة عوامل الدفع الحضاري ـ أي التغير والحركة ـ بل بالقدر الذي يتسع لتوليد هذه العوامل في إطار تتحدد فيه العلاقات بوضوح بين المتغيرات والثوابت... ومعطيات الحركة ومحاور الارتكاز.. أما المنطلقات التي قامت عليها العلوم الشرعية من فقه وأصول، فقد انصرفت إلى الجزئيات دون الكليات وانغلقت في دائرة المباحث اللفظية ـ حتى أن علم أصول الفقه قلما نظر إلى مقاصد الشريعة، وإنما اقتصر على النظر في الألفاظ والاستدلال على الأحكام القياسية، حتى باتت هذه العلوم موضعاً للممارسات الذهنية التجريدية، التي تدور في جزئيات النصوص وتقاسيم الألفاظ وتباين التفريعات على التفريعات ـ حتى أنه اقترن ضياع الرؤية الكلية مع الابتعاد رويداً بهذه العلوم عن مجالات الحياة وانحسار تأثيرها العقلي فيها.

لم يكن من عجيب أن ينتهي الأمر بهذه العلوم إلى أن تصبح نهاية في ذاتها، فصارت ميداناً لكثير من الجدل والاختلافات التي ضاعفت من هامشيتها وجدواها بالنسبة للحياة العامة. ويلفت العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور النظر إلى حقيقة هامة في هذا الشأن عندما يلحظ أنه «قد استمر الخلاف في الفروع لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع إذ كان علم الأصول لم يدون إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين على أن جمعاًمن المتفقهين كان هزيلاً في الأصول، وقل من ركب متن التفقه، لذلك لم يجعل علم الأصول منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه، وعسر أو تعذر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال(2).

ولا شك والأمر كذلك، أنه يصعب اتخاذ ميراثنا الأصولي قاعدة لانطلاق في مجال المنهاجية في العلوم الاجتماعية الحديثة، وذلك ما لم تتم عملية مراجعة شاملة له، ـ تعتمد إلى وضع الجزئي في إطار الكلي وتقابل المنحنى اللفظي بمنحنى فكري، حكمي،وتعيد الموازين في الأسس التي تمتد جذورها العميقة في ميراثنا الحضاري المتميز ـ عندئذ يمكن هذه الأصول بأهدافها الحيوية، وإعادة دمج ثمارها في واقع الحياة وعندهايكون في إمكان العقل المسلم المعاصر تضعيف طاقاته الذهنية ومضاعفة عطائه الفكري في مجالات التخصص وهو يسهم في بعث الأمة وتدشين أبنيتها المعاصرة، وإلى أن يتحقق ذلك، وإلى أن يتم وضع قواعد وأسس التواصل الحضاري مع ميراث غني وثمين من جهود من سبقنا، فإنه لا يبقى لنا ونحن بصدد بناء أصولنا المنهاجية المعاصرة إلا أن نرجع إلى المصادر الأصلية، ومنبع ورأس القواعد والأسس جميعاً، في القرآن الكريم وتستأنس بما جاء فيه من خطاب، وبيان وآيات بينات، لنستمد منه تلك الأصول، سواءفي مادتها أو في طرائقها، أو في علاقاتها وكيفياتها أو في مناحيها وغاياتها بحيث يمكن أن نستخلص من هذه الأصول ما يتكامل بعضها ببعض، وما يتكافأ وموضوع نظره، ومامن شأنه أن يضفي جملة عناصر ومقومات الحيوية والفعالية الراشدة على مباحثه. وقد رأينا كيف أنه في ضوء ما يتيحه العصر الحديث من توسيع في المدركات وشمول في آفاق الرؤية والنظر، فإنه لا يسعنا ونحن نسترجع قرآننا، لنعود به في مركز حياتنا الدنيا،وليعود بذلك بنا إلى تبوّؤ إمامتنا فيما استخلفنا له بين الأمم، لا يسعنا إلا أن نسترجعه من موقع أكثر استيعاباً لحقيقته الكلية، فيكون لنا في الخطاب القرآني الموعظة والحكمة والبرهان، والذكرى، والبيان والتبيان، لمعالم المنهاجية التي تعالج بها الأمور، ونتناول من خلالها الظواهر، نظرياً وعملياً، وفهماً وتكييفاً، تفقهاً وترشيداً، فنكون بذلك إزاء منهاجية تستمد من التنزيل هي في نفس الوقت أكثر تكافؤاً مع دواعي عصر أبعد انبساطاً فيالآفاق والمدركات.

وعلى ذلك، فإن الوسيط المنهاجي الذي نستمده من المصدر القرآني يقوم بربط المباحث المتفرعة في مجال التخصص بالحقل القرآني إنما يوفر الرؤية الكلية المستمدة من طبيعة مصدره ـ وبالتالي يقدم الإطار المرجعي الذي يحفظ وحدة فروع التخصص من جانب ويمكن من إقامة علاقات النسبة والتناسب بينهما، ويؤمنها من الانشطار في تفريعات تبعدها عن مدار الغايات والمقاصد ـ والتي يكون بقاؤها مرهوناً ببقاء الرؤية الكلية. وعلى ذلك، فإن كان مفهوم السلطة يتميز في المنظور الإسلامي اكثر منه في المنظور الوضعي، فإنما يكون ذلك بمقدار ارتباطه بمصدر هذا التمايز، وبقدر ما تستمر علاقاته بين الوسائل والمتغيرات المختلفة في المنظومة القيمية الكلية المستمدة من هذا المنظور.ولكن مما يستوجب النظر في هذا المقام، ونحن نربط بين النظرة الكلية للظواهر موضع التخصص، والنظرة الكلية التي تستمد من طبيعة المصدر القرآني هو أن هذه النظرة لاتقتصر على موضع الظاهرة في كلياتها.. أي على العلاقات الارتباطية التي توجد بين مستويات ومكونات هذه الظاهرة في جملة الإطار المرجعي، وإنما نجد أن هذه النظرة الكلية تحكم التعامل في داخل هذه المستويات وفيما بين المكونات وبعضها ، أي أنهاتتخلل حيويات المنهاجية ولا تقف عند أبعادها ومعالمها الخارجية. ولنتخذ على ذلكالنهج مثلاً مجالاً من مجالات التفسير، وقد أجاد الإمام الشاطبي في تحديد العلاقة بين أجزاء السور وبعضها وآياتها ومقاطعها.. وأخذ ينبه إلى ضرورة مراعاة ذلك في سياق بيانه لموقع المكي من المدني والدلالات الناشئة عن ذلك فيقول: (المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه على بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل... والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على متقدمه. دل على ذلك الاستقراء. وذلك إنما يكون بيان عمل أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله)(3).

وينجم عن مثل هذه العلاقة التتابعية، التوافقية، نتائج عملية، منها نسق التنشئة القرآني، الذي جعل من الشريعة متممة ومكملة لمكارم الأخلاق في نفس الوقت الذيجعل من مكارم الأخلاق القاعدة والوسط لاستواء الشريعة ونفاذها، وإذا ما عمدنا إلى نظرة مقارنة على مستوى كليات السور، وجدنا سورة الأنعام، التي هي من أوائل السورالمكية، تأتي بالكليات والقواعد في مجال العقائد والأصول ـ بينما تأتي سورة البقرة، وهي فيمقدمة السور المدنية مفصلة لتلك القواعد، جامعة لأحكام الشريعة، مبينة لتكاليفها. أما إذانظرنا إلى القرآن الكريم على مستوى نظمه أجزاء، وجدنا أنه ليس بغريب الجمع بين السورتين الحاويتين، لأصول المجمل والمفصل من مكي ومدني، في سياق الثلث الأول من أجزائه الثلاثين ـ وقد اختص هذا الثلث ـ وفقاً للترتيب التوفيقي ـ بالتأصيل والتفصيل لقواعد ومراحل وأبعاد التنشئة المتكاملة للأمة الوسط ـ أمة الفرقان ـ وأمة النبي ـ والتيمكث الرسول الكريم على مدى عشرين عاماً أو يزيد، وهي زمن التنزيل، ينشئها ويرعاها، من نبت يسير، إلى أن اشتد عودها واكتملت ملامحها، بتمام الرسالة وكمال الدين، فصارت هي الوعاء المستخلف على حمل الأمانة ـ أمانة التبليغ والشهادة. ومن ثم، فقد جاء التنزيل في خطته التربوية التي أشار إليها د. دراز، ليست فقط متعددة المستويات والأبعاد، ولكنها جاءت على أكثر من مدخل... المدخل الفردي لتكوين الجماعة، وهو المدخل الذي استوجبه التتابع الزماني للتنزيل، والمدخل الجمعي لتقويم الفرد، وهو المدخل الذي استوجبه تمام الرسالة واستقامة الجماعة، التي (تركها) خلفهاالرسول الأمين لتكون علامة لبدء مرحلة جديدة في التاريخ الإنساني، وقد اصطبغ بوجهته الغائية، كتاريخ العقل الحضاري. وعندما ننظر إلى الخطاب القرآني ـ عند هذا المستوى من المقاصد والغايات ندرك أهمية وموقع الكثير من الظواهر في تاريخناوميراثنا الإسلامي، بصفتها مؤشرات في الفعل الحضاري، وعلامات في طريق النهضة الحضارية، لو قدر لنا أن نستعيد الكرة(4) على أئمة الكفر والفسوق والعصيان الذين علوافي الأرض بغير الحق، وملأوها بغياً وفساداً وجوراً في غيبة الرادع الوازع والميزان القسط... وهي مؤشرات وعلامات، علينا أن نستوعبها في مسافاتنا المنهاجية، التي يقوم عليها الصرح المعرفي البديل في الاجتماعيات والإنسانيات.

ومن هذه المؤشرات، على سبيل المثال وليس الحصر، حقيقة التقويم الهجري ـ الذيارتبط ببداية تأسيس الجماعة، كجماعة منتظمة تحكم علاقاتها فيما بينها، وعلاقاتها بالجماعات الأخرى، قواعد ضابطة معلومة، ترتكز إلى معنويات يدعمها سياج تنظيميتشريعي ويجمعها ويكملها وازع القوة والسلطان، الذي يخضع بدوره لأصول معنوية عقدية تثبته وتوجهه وتحكمه ـ وهكذا تأتي السورة المدنية ـ تتلاحق وتتضافر في نظم محكم المعاني والبيان، لتفصل وتبين في أحكام وتمام معالم هذه الأمة وخصائصها، ومقوماتها، ومدارجها، ومكانتها بين الأمم قديمها وحديثها، ومسؤوليتها الآجلة منها والعاجلة، وفي مقدمة كل ذلك وقبله وبعده، لتفصل في وجهة هذه الأمة وقبلتها ـ ولأن هذا القرآن كلام واحد ـ متسق، يتداخل في وحداته ويتكامل في معانيه ومقاصده على نحولا يقل عنه في وحدة وتكامل مبانيه وطرائقه، فإنه من الطبيعي أن نجد في الثلث الأول المدني الصبغة، الجمعي المنحي والآني المحمل (في وضعه الاجتماعي الدنيوي، ومساره التاريخي العاجل) ما يتخلله من مكيات على نحو ما رأيته في سورة الأنعام، من وجوه تكامل وتماثل، أو على النحو من التقابل والإسقاطات في البعد الزمني، كما يمكن أن نراه في سورة الأعراف، وهكذا تكون السورة في باقي القرآن اختلافاً محتملاً في محاور التركيز ـ ومحاور التركيب، وتفاوتاً في النسب والتناسب في ضوء الأغراض المعنية فيكل جزء، ولكنها لا تخلو جميعاً من قدر معلوم من النماذج والائتلاف بين المدني والمكي ـ في التنزيل.

وليس هذا التمازج والتوليف قاصراً على الكليات المعنوية والبيانية (أو التركيبية) ولكننا نجدها تتخلل التفصيلات والمواضع الجزئية، على نحو يؤكد الدلالات التنشئية والأبعاد المعنوية الهادفة التي توجد بين المقدمات والخلاصات، وبين المراحل والخطوات وبعضها ـ ونكتفي هنا بالتدليل على ذلك من خلال متابعة نموذجين الأول خاص بتوجيه موضوعي في جانب سلوكيات الجماعة ـ الأمة ـ وهي إزاء تدبير اءمرها ـ بغض النظر عن المستوى والمدار الذي يتعلق به هذا الأمر ـ ويقصد به الشورى.. فقد جاء التوجيه في هذا الصدد في الفترة المكية.. في مرحلة إرساء أصول الكليات، ورسم المعالم العامة لسلوكيات الجماعة (قارن كذلك مطلع سورة المؤمنين) ـ ثم إذا بهذه التوجهيات والتلميحات المنشئة لهذه الأنماط تتحول في الآيات المدنية إلى صيغة الأمر الذي يؤكد ويعزّز هذه الأنماط. فهذاهو التوجيه والتقرير الإلهي: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) يتحول إلى الأمر الحق (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) وذلك في أعقاب ملابسات وخبرة فعلية في ميدان العمليات، وهو الميدان الذيكانت تنصهر فيه ملامح الجماعة عبر تفاعلها بالمواقف في نفس الوقت الذي كانت تتلقى فيه دروسها الأولى في الفعل الحضاري من خلال ما تبذله من نفس ونفيس، وما تتحمله من جهد وإنفاق، لتكييف تلك المواقف والأحداث وتوجيهها بالحق صوب الحق. وكذلكنجد الإعداد التمهيدي لخير أمة أخرجت للناس.. عبر مراحل ومواقف مختلفة في الفترة المكية، والتي نجدها مجملة في المقطع الأول في سورة المؤمنين (الآيات من 1 إلى 9)حتى إذا بنا ننتهي نحن إزاء تأكيد وتركيز لجملة الخيرية، ومناط التفضيل في صيغة الإلزام والتكليف: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)....

بل وإننا إزاء النظرة الكلية المقارنة إزاء الوحدة الموضوعية المعنية، ونقصد بها أهداف خطاب التنشئة القرآنية، يجدر بنا أن نعرض للمقارنة والمقابلة بين المقطع الأخير لسورة الحج ـ وهي مكية بآية تأسيس الأمة الوسط ـ وقد أتت في مطلع الجزء الثاني، في سورة البقرة، وحتى تكتمل عناصر هذه المقارنة والمقابلة، فإن علينا أن نأخذ هذه الآية فيسياقها الخاص بالقبلة، وسياقها العام الذي عهد لتأسيس هذا الكيان الجماعي المستقل بين (الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) كنبت حنيف مؤصل... بل علينا أن نأخذ جملة الآيات التأسيسية فيخير أمة أخرجت للناس(5) كذلك في سياقها الخاص والعام.. وعنذئذ نستطيع أن نتبين بحق موقع المقطع الأخير لسورة الحج.. وخاصة الآية الخاتمة(6) ـ على أنها من محكم الآيات البينات التي أتت بكليات مجملة أو أصول حاوية، لخصائص وملامح ومقومات ومقاصد الجماعة الأمة... تلك الأصول التي تتأكد معالمها، وتفصل وتكمل، على مدارتنزيل البينات في الفترة المدنية.

وختاماً، فإننا نستطيع توظيف النظرة الكلية في متابعة الوحدة الموضوعية على مستوى الجزء، إذا ما نظرنا إلى الثلث الأول المدني النزعة وأخذنا نتابع خطة الترويض والصهر، والتشييد والصقل لهذا الكيان الجماعي ـ عبر الخطاب القرآني في هذا المستوى.وهو ما نطلق عليه خطاب التنشئة.. لنرى كيف تتداخل وتتصاعد، وتتشابك وتلتحم مراحل هذه التنشئة، إلى أن يصل أوجه ـ حيث تلتقي الخطوط المختلفة وتتكاثف الخيوط، في سورتي الأنفال والتوبة، وكأننا نجد في الأمر التكليفي (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)..(7) ـ وهي تأتي في مطلع الجزء العاشر، في نهاية الربع الأول من الحزب ـ مجمل وخلاصة وتمام وكمال هذه التنشئة التي تتحقق بها مقومات وعناصرالأمة الجهادية، الأمة ذات الوظيفة الحضارية، التي تحمل الأمانة ـ أمانة التوحيد والهدى،والحق والعدل، وما يستتبعها من واجبات التبليغ والشهادة، والتي تحمل في نفس الوقت، الأدوات والمقومات (والمسوغات) التي تمكنها من القيام بأمانتها. وهكذا تأتي محاورهذا الجزء الأخير تتكثف حول الأحكام العملية التي تنسب أثر مواقف الدفع والمدافعة لدحض الباطل وإقامة الحق ـ فتأتي تارة لتسد منافذ الخلاف والشقاق (مثل ما يحدث عند تقسيم الغنيمة والأنفال) أو لتدرأ مواضع الوهن والخلل في لحمة الجماعة وسداها (كما هو واقع عند اختلاط معايير الولاء والولايات).

وهكذا يتم إحكام قواعد وأسس البنيان، بعد أن تم تثبيت لبناتها الواحدة تلو الأخرى عبر تداخل الأحكام وتشابكها، من أحكام اعتقادية ومعنوية، وتشريعية، في سياق يوحي بواقع التواصل والتلاحم والاستمرار والتآزر، وجملة الدعم والاعتماد المتبادل، لهذه الدوائر المتمايزة والمتصلة، اعتماداً على حقيقة الارتباط بين مجالات الحياة المختلفة المنبثقة بدورها عن وحدة هذه الحياة ـ وإن تعددت الأطوار والمداخل.

نخرج من هذا العرض لأحد المؤشرات المتبطنة في ثنايا تاريخنا والمستنبطة منه ـ بوسائط تستمد من استقراء الخطاب القرآني، إلى جانب الجماعة الأمة ـ هي حجز زاوية في حركة الفعل الحضاري، ووجدنا كيف أن اعتماد الرؤية الكلية المستمدة من وجوه وشمول واتساق وغائية الخطاب القرآني تقدم لنا إمكانات منهاجية تتكافاً مع مقتضيات الموقف أو الظاهرة موضع النظر والتخصص، والمصادر المعنية ـ منبع التنظير والقياس والتقويم ـ وإذا كانت الأمة هي وعاء الرسالة ـ من منطلق الخطاب القرآني، فإن الأمة ـ هي وعاء السلطة من منطلق مدركات التخصص ـ ومن ثم يمكننا أن نتبين ما سبق وأشرناإليه أعلاه، من أن من مقتضيات التعامل المنهاجي مع مصادر التنظير الإسلامي، إيجاد هذاالوسيط الذي ينقل المدركات المستمدة من المنظور الإسلامي إلى مجالات التخصص حتى يمكننا بلورة هذه الأخيرة في ضوء هذا المنظور. وبالتالي حتى تستوي قاعدة المعرفة البديلة في مجال (السلوكيات) على أصول منهاجية أصيلة خاصة بها، متكافئة في طبيعتها، متسقة في مقاصدها. وعلى ذلك فإنه من جراء عمليات المطابقة والتواؤم،بين أصول مصدرية، وكليات تخصصية.. يمكننا أن ندخل في دائرة بناء الأطر المرجعية المطلوبة ـ ونعود لنذكر أن هذا المطلب هوام تأمين الرؤية الكلية في مباحثنا التفصيلية.

التوحيد الاستخلاف الامة القاعدة  = الشرعة

الشكل رقم (1).

رابعاً: الإطار المرجعي للتعامل مع القرآن الكريم:

تتمثل دعامات هذا الإطار في منظومة نسقية تتكون من مفاهيم محورية أو مفاهيم مركزية، لأنها تمثل مركزاً لدائرة من المفاهيم الأخرى التي تتداعى وتتصل في إطارالمفهوم الأم... وتشكل في نفس الوقت، قاعدة ومحاور لبنيان متكامل تتمثل طبقاته فينسيج محكم الاتساق والتدرج. ونكون إزاء دوائر تلتحم مراكزها وتتكامل أبعاده وتنطوي في إطار هذا التكامل، وعبر هذا التلاحم على نوع من الترتيب التنازلي، وعلاقة تناسبية يترتب عليها رؤية معينة للأولويات أما الاتساق فهو سمة هذه المنظومة النسقية سواء كان ذلك في أساسها التكويني ـ والتركيبي أو في أصولها الحيوية.

ودعامات هذا الإطار أربع، وكأنها الأوتاد الأربعة التي تشد قواعد البيت العتيق...قبلة الأمة، ومدار المناسك، ومهبط العمارة والتشييد.

الدعامة الأولى: هي عقيدة التوحيد، التي على أساسها قامت الدعامات الأخرى،وبها استقامت ملامحها.

والدعامة الثانية هي الاستخلاف ـ مناط الخلق وغايته ـ ومقياس الأمانة ومنطوقها ـ أما الدعامة الثالثة فهي وعاء هذا الاستخلاف وأداته، وقرار هذه العقيدة ونبتها وهيالأمة ـ وتأتي بعدها أساساً لها، تؤمنها في وسائط بلوغ المهمة، السرعة، والتي عند الأمة بضمانات القيام على الاستخلاف.

ونكون بذلك إزاء الدعامة الرابعة التي تكتمل بها المنظومة النسقية، ويستوي عليها الإطار المرجعي للتعامل مع القرآن الكريم ـ (ومصادر التنظير عامة) في محاولتنا إرساءأصولنا المنهاجية في مجال العلوم الاجتماعية.

ولاشك أن هذا الإطار المرجعي الذي يستمد من التصور الإسلامي إنما يعد إطاراًمرجعياً للفعل الحضاري ـ بما ينطوي عليه من أركان هذا الفعل. فلكل فعل حضاريمنظومة قيمية تشكل البواعث والمنطلقات والدوافع والأبعاد المعنوية لهذا الفعل وأهدافه ـ وهي عادة ما يطلق عليها (الثقافة) ـ كما أن لكل فعل حضاري قاعدته البشرية التيتحمل هذه المنظومة القيمية وتتفاعل من خلالها مع البيئة ـ عبر الزمان والمكان ـ وهذه هي الجماعة التي تحمل سمات مميزة ـ أياً كانت تسميتها ـ ثم إن لكل فعل حضاري من المسالك والطرائق والوسائل التي تصطنعها الجماعة، والتي تتغير من حقبة تاريخية إلى أخرى ـ والتي قد تتفاوت فيها الجماعات، بقدر تمكنها من بيئتها المادية، وبقدر ماتدركه من الأسباب الفنية والعقلية، والتي تستثمرها في بلوغ أهدافها(8).

وكأن الإطار المرجعي المستمد من التصور الإسلامي ـ والذي يشكل وسيط التعامل مع مصادر التنظير الخاصة بصرح معرفي متميز ـ إنما يتطابق ومستلزمات الفعل الحضاري ـ أو الفعل الاجتماعي الحضاري ـ في مقاييسه المطلقة ـ وذلك بما يقدمه هوفي مجاله من أركان هذا الفعل والمتمثلة في المنظومة القيمية المستقلة من المعتقدات والأخلاقيات والمعارف، وفي القاعدة البشرية المميزة التي تستمد أهدافها من ثقافتها ـوفي الوسائط أو السبل التي تؤمنها، أو التي توفر شروطها لإنجاز الفعل وتحقيق الوظيفة الحضارية.

الشكل رقم (2)

ولكن لأن الفعل الحضاري الذي يصدر عن عقيدة التوحيد لا يتطابق فقط مع مقتضيات الفعل الحضاري المطلق، وإنما هو فعل حضاري معلوم الصبغة فإنه لابد أن يكون له ما يميزه ويكسبه معالمه الخاصة في اتجاه أكثر وضوحاً وتحديداً ـ ولذلك. يجيء الإطار المرجعي للفعل الحضاري الإسلامي ليبين ويجلّي ما قد يكون ضمنياًومستبطناً في النموذج المطلق، فيضيف ركن المقاصد والغايات، كدعامة مستقلة فيمنظومته النسقية ـ وذلك بتخصيص ركن الاستخلاف. ومن جانب آخر، فان اتخاذالشرعة تعبيراً عن وسائط التحقيق والإنجاز، إنما من شأنه أن يضفي على جملة المهارات والفنون الأدائية والتطبيقية، والناجمة أساساً عن الملاك العقلي في الحضارة،بعداً كيفياً يستمد من الإطار التنظيمي بالعام الذي يحتويها، ويحول دون انفلاتها من دائرة الفعل الحضاري في جوهره الأخلاقي والإنساني (9) أما مصدر التمايز والتخصيص في الفعل الحضاري الإسلامي، فإنما مرجعه إلى تمايز المنظومة القيمية، والتي تنبثق هيفي الجوهر والأساس من عقيدة التوحيد، ومن ثم تعد المنظومة النسقية التي تنتظم الفعل الحضاري هنا منظومة اعتقادية ـ قيمية، ويكون فيها التوحيد بمثابة الناظم والأساس معاًالذي ينتظم كافة المفاهيم الأخرى، والذي يتخلل المستويات المختلفة في الأطارالمرجعي للفعل الحضاري(10).

فالتوحيد إذن هو مصدر ومحور تلك المنظومة النسقية التي يقوم عليها الإطارالمرجعي، على نحو يوضحه البيان التالي(3):

الله

التوحيد

الانسان

الخلافة

دوائر الحياة الدنيا

الولاء الالتزام الهدى الاسلام الامانة

الشكل رقم (3)

المنظومة الشقية القيمية كمنظومة تعبدية

بل إننا من خلال هذا الناظم الأساسي، نسطيع أن نولد الأطر المرجعية الفرعية، على مستويات مختلفة، سواء كان ذلك على مستوى التخصص المعنيّ أو داخل التخصص.. كما أننا نستطيع أن نتحقق من اتساقها وتماسكها، سواء على المستوى الأفقي، أي فيمابين الأطر المرجعية عند مستوياتها المختلفة، أو على المستوى الرأسي: بمعنى أن يكون هذا الاتساق قائماً، داخل كل مستوى في ذاته. ولو أننا انتقلنا إلى مستوى آخر للتصور، ونظرنا إلى هذه الأطر المرجعية من زاوية مكوناتها لاستطعنا أن نميز بين المفاهيم على مستويات ثلاثة. أما المستوى الأول فيمثله (المفاهيم الكلية الإطارية)، وهي التيتنطوي على المنظومة النسقية للفعل الحضاري الإسلامي، ويعقب ذلك سلسلة المفاهيم المحورية التي تنتظم دائرة محددة من دوائر الفعل الحضاري، وهذا ما نطلق عليه مستوى التخصص، والذي نتمثله هنا لأغراضنا، في علم السياسة ـ ونكوّن عندهذا المستوى بتناول المفاهيم الكلية المقيدة ـ تمييزاً عن المفاهيم المطلقة عند المستوى الأول..ويقتضي التأصيل لمجال التخصص أن ننتقل إلى تعميق هذه المفاهيم الكلية من خلال توليد جملة من المفاهيم الفرعية، كمقدمة لعمليات التنظير واستنباط النماذج التحليلية وغيرها من أدوات النظر العلمي في هذا المجال ونرى في النموذج البياني التالي تفصيل مانحن بصدده ـ على سبيل المثال:

العدل

الظلم الامر

البغي النهىُ الاستخلاف

البيعة الطاعة

الشورى العصيان

الجهاد التوحيد الحكم التوحيدُ الأمة

الانفاق القضاء

الفساد الولاية

الاحسان الاصلاحُ الشرعة

الوحدة التدبير

الاعتصام

الاطار المفهومي للفعل الحضاري

الشكل رقم (4)

ودون الخوض في مضمون أو محتوى هذه المفاهيم، ودلالتها العملية في موضع الفعل الحضاري، نكتفي في هذا المقام بأن نوجز بعض الملاحظات العامة حول المفاهيم الإطارية:

1 ـ إن من خصائص (المفهوم الإطاري) ـ والتي هي أيضاً من شروط تحققه، أن يكون من الكليات الجامعة، التي تحمل ملامح المنظومة القيمية الاعتقادية والكليات الجامعة وتحوي بدورها جملة من المفاهيم الفرعية.

2 ـ تتسم هذه المفاهيم بقابلية لتوليد واستيعاب المفاهيم الجديدة فيما يستجد من فرعيات وجزئيات نطاقها الحيوي.

3 ـ كذلك توجد علاقة ترابطية واضحة فيما بين المفاهيم الإطارية وبعضها... تحكم نزولاً وصعوداً، كذلك تنتظم في علاقات تقاطعية من خلال تشابك المفاهيم الفرعية المتولدة عنها.

4 ـ كذلك يلاحظ وجود نوع من تدرج وتتابع في سن المفاهيم الإطارية من واقع انبثاقها عن المنظومة القيمية الاعتقادية التي تنتظمها أصلاً.

وتأتي هذه الخصائص للمفاهيم الإطارية التي نحن إزاءها في إطار جملة من الخصائص العامة للمفاهيم الإسلامية على اختلاف مستوياتها والتي يمكن اءن نجمل بعض ملامحها على الوجه التالي:

* هي وسيط للربط والتأليف وتحقيق التواصل بين مجالات الحياة المختلفة ـ حيث إنها تتخللها جميعاً. (مثال: مفاهيم الشورى، البيعة، العقد).

* هي محتوى لقيم فاعلة ـ وتخللها للدوائر المختلفة للعقل الحضاري يكسب تلكالدوائر ما بهامن اتساق ويصبغها بملامح مشتركة.

* هي مصدر تأمين قدر من التوازن بين المركز، وتوفر قابليات التصويب الذاتيداخل الجماعة لاستدراك الاختلالات التي تقع في مسار وأطوار الفعل الحضاري.

إن وحدة منبت هذه المفاهيم، كذلك طبيعة هذه المفاهيم، من شأنها دعم الأطرالمرجعية في المستويات المختلفة ودفعها في اتجاه تأكيد منبعها التوحيدي (الاعتقادي).

* التوحيد ـ كناظم لتلك المفاهيم كلا على حدة، وفي نظمها جمعاً يكسبها أبعاداًجانبية تنعكس في طبيعة الفعل الحضاري الثابت عنها وتحيل بينه وبين أحادية الاتجاه.

* تعكس هذه المفاهيم جملة التصور الإسلامي في بعده الحركي الأدائي الذي يرتبط بمعنى التحقق ويدفع إليه وفقاً. ويتضح ذلك في وجود (فعل الوجوب) الذي يلازم مفاهيم الأداء في المنظومة النسقية الإسلامية للفعل الحضاري ـ أياً كان المستوى الذيتدرك عنده هذه المنظومة.

وتفصيلاً لبعض الجوانب التي أوجزناها في هذه الملاحظات المجملة.. وحتى يتضح لنا جانب من أبعادها العملية ـ نتخذ من (الاستخلاف) ـ أحد المفاهيم الإطارية فيالإطار المرجعي للفعل الحضاري لنتابعه عبر المفاهيم الفرعية ـ في سياق المنظومة الاعتقادية ـ القيمة والتحقق من حقيقة الترابط والتتابع والاتساق الذي يوجد داخل الإطار المرجعي عند مستوياتها المختلفة.. سواء فيما بين المفاهيم الإطارية ذاتها، أو عندمستوى التفريعات النابعة عنها.

إذا ما انتقلنا من بناء الإطار المرجعي على النحو السابق فإننا يمكن أن نتخذه منطلقاًلنا في التعامل مع المصدر القرآني في مجال التخصص المعنيّ. ولكننا سرعان ما نجدناإزاء مرحلة تالية في العمل المنهاجي حيث يكشف التعامل المباشر مع السورة أن هناكحاجة لعمليات مرحلية، تبدأ باستقراء وتخريج جملة المفاهيم الفرعية الواردة فيالسورة والتي تكون لها دلالات معنوية في ضوء المفاهيم الكلية، سواء منها المفاهيم الإطارية أو عموميات التخصص. ويلي ذلك عملية تحديد لنماذج الآيات المحورية، التي يمكن أن تشكل ـ من خلال ظاهرة المفاهيم الواردة فيها، أو من خلال ما تستبطنه من معان معقولة، ترتبط بالإطار المرجعي ذاته ـ مفتاحاً لاستخلاص الدلالات الواردة في السورة أو اكتشاف المنحى العام لها من منظور الفعل الحضاري القرآني ويمكن بذلك أن نكون عند أولى المستويات لتكثيف موضوعي ـ من منطلق الكليات ـ يقدم لنا رصيداًمن المدخلات التي يمكن البناء عليها.

خامساً: نماذج للتحليل في ضوء المفاهيم المرجعية:

الشورى: وفيها من المفاهيم المركزية التالي: (الأمة، والولاية، الحكم، الشرع، القضاء،الأمر، العدل، الفرقة، الحق، والميزان، الباطل، البغي، الشورى، الإصلاح، الإثم).

الآيات: 37، 38، 39

(فيها وصف للمؤمنين) خصائص الأمة الوسط التي قوامها اجتناب المعاصي (كبائر الإثم والفواحش)، وامتثال المعروف في مقدماتها الاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة وتدبير أمرهم بالشورى والإنفاق في سبيل الله ـ والجهاد في سبيل الحق.

كذلك الآيات سياق الآيات التالية:

7 ـ 10 (13) (15) (17) (21).

والمحور: تأكيد وحدة الأمة وربطها بشرعة الحق والإحالة على وظيفتها الحضارية من موقع استخلافها من قبل الحق لتحكم بالحق بين الأمم.

الحديد: العزة + الحكمة + الملك. القدرة + العلم ـ الأمر.

الاستخلاف ـ الميثاق ـ الأمر ـ الفتنة ـ الحق (الكتاب) ـ الميزان ـ القسط ـ البأس.

الآيات: (7) (8) ثم سياق الآيات التالية (9 ـ 12) (2) (25).

ومفادها: أن القيام بالاستخلاف في مال الله جزء لا يتجزأ من شرعة الميزان والحق،وأن تلك الشرعة لا تكتمل ما لم يزع السلطان ما لم يزعه الإيمان.

 [متابعة]  : نماذج من السور التي يمكن معالجتها في ضوء المفاهيم المرجعية:

النور: الشهادة ـ الإصلاح ـ الإثم ـ الفاحشة ـ الأمر ـ المنكر ـ الاتباع ـ التزكي ـ الوفاءـ الحق ـ الإكراه ـ التقلب ـ الحساب ـ الملك الطاعة ـ الحكم ـ الاستخلاف ـ التبدل ـ(المخالفة) ـ الفتنة.

محاور السورة: 21، 51، 52، 54، 55، 56، 62، 63.

مفاد السورة في منظورنا الحضاري المرجعي: يؤخذ في نظمه / بناء السورة قدر مايؤخذ في فحوى آياتها المركزية.

فالتزكي هو شرط قيام لمجتمع ـ جدير بمهمة الاستخلاف. والتزكي هو القاعدة التيتستوجبها شرعة الأمة وتؤمنها ـ ولا تستقيم أمور الحكم في الجماعة إلا بالتزام الشرعة وتوسيع رقعة المعروف في المجتمع، وعندئذ تتحقق شروط الاستخلاف، وتعود الأمة عزيزة قوية بعد كبوة من الذلة والهوان.

وبجانب استيفاء شروط التزكي (الأبعاد الأخلاقية / المعنوي في الأمة) ـ وإدراكبواعث التمكن (الأبعاد السلطوية في الأمة) يتجلى صاحب الشرع وصاحب الأمر فيسياق من آيات بينات تبرهن على الألوهية مدارها آية (النور)(35) تليها الآيات: (41 ـ45)، وكأنها تؤكد العمق المعنوي ـ الذي يشكل أساس التزام المعنوي الذي تؤسس عليه قواعد الحكم والتشريع والسلوكيات والآداب التي تكون منها لحمة الجماعة، والتي منهاتستمد مناط الاصطفاء والخيرية.

لنظم هذه السورة على هذا النحو دلالة خاصة ـ إذا ما وضعناها في ميزان الإطارالمرجعي ـ حيث يبرز بجلاء «التوحيد» كالناظم الذي يتخلل سرعة الأمة ويعدها لمهمة الاستخلاف.

سورة الإسراء:

القضاء ـ الفساد ـ العلو ـ البأس ـ وآزره ـ قرية ـ أمر ـ فسق ـ أولى بأس ـ (المترفين)ـ (الأوابين) ـ الولي (أولياء) السلطان ـ الوفاء ـ العهد ـ (المسؤولية) ـ ( الاتباع) (النزغ) ـفتنة ـ الإمام ـ سنة الله ـ (الاستفزاز) (الخروج) الباطل ـ الحق ـ (الأرض) الملك.

محاور السورة:

مطلع السورة: سياق الآيات 10 ـ 10)، سياق الآيات(23) (39)، سياق الآيات (16) ـ (17) ـ (58) (إهلاك القرى)، السياق التالي 71 ـ 77 ـ 73 + 76 (الفتنة والاستفزاز للخروج على الحق والخروج من الأرض) ـ 78 ـ 82 ( نسك قرآنية للتزكيوالانتصار على الباطل والبلوى)، (103) ـ (104) (108).

كذلك الآيات التالية: (29) ـ 110) (111).

فيسياق الآيات 9، 82 (86 ـ 88)، (105 ـ 107).

مفاد السورة في ضوء الإطار المرجعي للفعل الحضاري:

أبرز ما في هذه السور الإسقاط الزماني الذي تحمله. كذلك تنطوي على مضامين تستبطنها، غير مصرح بها ـ ومع ذلك فهي من الخطورة بمكان في ضوء المفاهيم الإطارية ـ بل إن هذه المفاهيم ذاتها مستبطنة، تفهم من سياق السورة، ولا يصرح بها.

ومع ذلك فإن هذه السورة تقدم لنا إشارات بينة بخصوص حقيقة «الاستخلاف » ـوعلى الرغم من تعدد القرون الماضية واللاحقة التي تخضع لفتنة البلاء ونسبة الاستبدال،إلا أن هناك تقابلاً واضحاً بين بني إسرائيل (قوم موسى) وأمة القرآن. ويأتي سياق الآيات (23 ـ 39) ليركز قواعد الشرعة والمنهاج وهي تحوي ضمناً محتوى مواثيق وعهود بنيإسرائيل، ولكنها تجيء مطوية فيه الشرعة التي هيمنت عليها ونسختها... لتولي الأمانة إلى الأمة الوسط، (قارن 29 ـ 110) وهي أمة التوحيد وركيزتها القرآن.. ورسولها خاتم الأنبياء والمرسلين. (90 ـ 96) وخطاب المسؤولين موجه إلى أفراد هذه الأمة فرادى وجمعاً، كما أن منهج التزكي والاعتصام بالقرآن موكول إلى المؤمن في نفسه وإلى جماعة أمة الحق.

أما إطار الحركة والتبدل والتحول والموعظة ـ فهو إطار تاريخي ممتد من نشأة الخليقة (في تكريم بني آدم ـ ومطلع أنباء الحوادث التاريخية المحورية) ( نوح وموسى)إلى مشهد الخروج الأكبر يوم القيامة.

فكاءننا إزاء سورة تنطوي على تعميق اءبعاد زمنية وكشف أعماق جوانبها فيالأمة.

سورة الحج:

(الجدل) ـ الاتباع ـ الولاية ـ الحق ـ (الضرر) (النفع) ـ النصر ـ (الإهانة) (التكريم)(الظلم) (الصد عن سبيل) (حرمات الله) فاجتنبوا ـ أمة ـ منسكاً ـ سخر ـ يدافع ـ دفع ـقوي ـ عزيز ـ التمكّن (في الأرض) ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ قرية (أهلكناها) ـ حكم ـ الفصل ـ فتنة ـ شقاق ـ الملك هاجروا ـ (الرزق) (الرضى) ـ البغي ـالعقاب ـ الحق ـ الباطل ـ الأمر ـ (الإذن) ينازع ـ سلطاناً ـ علم ـ (السطو) الخير ـ الفلاح ـالجهاد ـ ملة ـ الشهادة ـ الاعتصام ـ المولى.

محاور السورة:

17 ـ 15 ـ 25 ـ 31 ـ 34 ـ 38.

السياق التالي (41 ـ 38) ـ (60 ـ 56) ـ 67 ـ 78.

مفاد السورة من منظور الإطار المرجعي:

أما المستوى الآخر من التعامل مع آيات الذكر الحكيم في ضوء إطارنا المرجعي، فإنه ينطلق من الجزئي ليحلله في مواضعه ويعيد تركيبه في سياقات مختلفة تمكن من تخريج (الأنماط) وبناء النماذج القياسية. ويعتمد هذا التناول على تحديد قاعدة من المفاهيم المستخرجة من مجال التخصص، ولا يشترط أن تكون هذه المفاهيم من عموميات التخصص أو من (خصوصيات العموم) أو متفرعة عنها... إذ إنه لن تتحقق عملية الاستخلاص في هذا المضمار إلا من خلال الاستقصاء المنهاجي ذاته، وعندئذ يمكن استخلاص عدة نماذج، في ضوء معايير متباينة، يمكن اعتمادها في مواقع مختلفة، فتحقق قدراً أكبر من المرونة والإثراء في المنهاجية الكلية. ولا ينبغي أن ننسى أن الهدف الأساسي من المنهاجية هدف عملي لا يقف عند حد بناء المفاهيم والاتساق والأنماط والنماذج من خلال التنقيب وإرسال النظر وتقليبه في محيط التبيان القرآني، ولكن الهدف هو التوصل إلى تلك الأدوات المنهاجية التي تمكن من فهم الواقع والتعامل معه، تقريراً أو تصويباً أو تقويماً أو الانطلاق به صوب الحق والخير والمعروف. إذن فالتفاعل المنهاجي المباشر مع آيات الذكر الحكيم يستوجب تعاملاً ذهنياً تجريدياًوتعاملاً عملياً يعتمد في عمليات التنزيل على الواقع والتحريك بين التجريدات الذهنية ومواضع الفعل والحركة.

ويمكن إيجاز طبيعة التعامل في سياق تتابع يكون بمثابة الدليل المرشد للباحث فيهذا المجال على النحو التالي:

الخطوة الأولى :

وتتطلب تحديد جملة من مصطلحات التخصص. ويقتضي البت في حصيلة هذه الاصطلاحات الوعي بقضية المصطلح في مجال التخصص وما قد يتطلبه ذلك من إعادة النظر في طبيعة هذا المجال ذاته، فهو يحدد في ضوء منطوق العصر، والاستخدامات السائدة فيه أو المتعارف عليها بين أصحاب هذا التخصص من الرصيد التراثي الإسلاميـ وليست المسألة مسألة اختيار بين نقيضين، قدر ما هي مسألة تحديد معالم هذا المجال في ضوء يحقق التكافؤ المنهاجي المفترض في الأسس المعرفية الحضارية البديلة.. فعندها تتوافر نواة مستقلة للبناء، يمكن في ضوئها، انتقاء المصطلح وتنقيح المفاهيم واستيعابها في إطار هذه النواة ـ القاعدة. سواء كانت هذه التنقية لمفاهيم متداولة أومفاهيم تراثية. إذن فالخطوة الأولى ـ تنطوي على تنبيه إلى قضية المصطلح.. من خلال عملية اعتماد قاعدة من المفاهيم الأولية التي يتم انتقاؤها ـ بصفة ـ أساسية عبر المطابقة والمقابلة بين روافد التخصص والروافد المرجعية الأصلية ـ أي المصدر القرآني ـ المهم ألا تعتبر محصلة هذه العملية عند هذه المرحلة، محصّلة نهائية.. وإنما هي مفاتيح أولية للعلوم يتم تنقيحها وبلورتها، أو تنقيتها وتكملتها من خلال المراحل التي تتوالى فيكشف المادة.

تأتي الخطوة الثانية في التعامل مع مصادرنا الأم بتوظيف هذه المفردات المشتقة من تعريفنا لمجال التخصص، على النحو السابق، والكشف عنها في موضعها سواء في الآية الكريمة أو في سياقها في موضع جملة من آيات السورة. فكأن عملية الكشف فيالموضع هنا تقتضي وقفتين : وقفة مع السياق المباشر ـ والسياق الاتصالي، أو السياق الإجمالي، وهو يتراوح في مستوياته : ما بين مستوى «المقطع » في السورة، والمقاطع المتقابلة، وعبر السور، ولا بأس من الاستعانة ببعض التفاسير المنتقاة في هذه المرحلة..كتفسير القرطبي مثلاً بين التفسيرات المتقدمة وتفسير في ظلال القرآن والتحرير والتنويربين التفسيرات المعاصرة، وذلك للاسترشاد بالقسط الأدنى المفيد من الأبعاد التاريخية واللغوية، دون الاستغراق فيها والانحباس في أطرها.

أما الخطوة الثالثة:

فهي تقتضي عمليات فرز أو تصنيف لهذه المفردات المفهومية، وفقاً لمعايير يمكن استقراؤها من الموضعين ومن واقع الممارسة ذاتها، دون افتراض لمعايير مسبقة. وهدف هذه الخطوة الإقدام على تخريج الأنماط واستنباط النماذج والنسق التي يمكن أن تتآلف لتشكل قاعدة للانطلاق في مجال التنظير في التخصص. وتأتي المرحلة التالية فيالتعامل مع الفروض المطروحة والمفاهيم والنماذج المقدمة.. وهي مرحلة الاختبار... أوالتنزيل على الواقع التاريخي، سواء عند موقف معين، أو عند الانتقال من موقف إلى موقف.

وللأفق التاريخي مواضع أو لحظات ما بين الماضي والحاضر والمستقبل والإسقاط المستقبلي من الأهمية بمكان، إذ إن عليه يتوقف الدفع التحريكي الواعي لتوجه الموقف في اتجاه مقصود ومعلوم. ومن الأهمية بمكان أن تتسع قاعدة المنهاجية في مجال علوم الأمة لتستوعب هذا البعد انطلاقاً من كل مقتضيات التخصص والوجوبيات النابعة من تكاليف الاستخلاف، وأداء الأمانة، ومن الواضح أن هذه المرحلة التطبيقية تستوجب تطويراً لمنهاجية التعامل مع مصادر التنظير الأخرى، خاصة تلك التي تبرز فيها أبعادالتطبيق والممارسة والخبرة العملية ـ وتخص منها السينة والخبرة التاريخية، أما محورالتركير في بناء قاعدة الأساس في المفاهيم وأدوات التحليل فتقف بها عند مستوى الخطوات الثلاث الأولى في هذه المرحلة.

ونكتفي هنا بهذه الخطوة العامة والملامح العريضة للدليل المرشد للتعامل مع آيات الذكر الحكيم، دون الإحالة على نماذج توضيحية لما كنا قد شرعنا فيه فعلاً في هذا المجال ـ في مقام آخر ـ ولكننا نرى أنه قد يكون من المفيد إدراج بعض الملاحظات الأولية، التي لمسناها من خلال تعاملنا الاستطلاعي في هذا المجال، عساها أن تكون موضع نظر العاملين في هذا المجال.

الملاحظة الأولى: إنه لابد من التمييز بين مستويات التعامل مع مصادر الذكر الحكيم ـ بحيث إن المدخل الذي أوردناه (كخطوة أولى) ـ يكون أحد هذه المستويات ـ ومدى نجاح هذا المستوى هو أمر مرهون على الخريطة الاصطلاحية التي اتخذنا منها مفاتيح التخصص.

غير أن التعامل الفعلي مع القرآن الكريم يكشف عن حقيقة هامة وهي أن الكثير من المضامين التي نبحث عنها في مجال التخصص قد حملها السياق العام للآيات ـ دون أن تحملها اصطلاحات الموضع بعينه ـ فكان المضمون يأتي متضمناً في سياق المعنى الإجمالي للآية، ويتم كشفه من خلال الاستدلال المنطقي أو الموضوعي. وأوضح مثال على ذلك، أن الآيات الكريمة التي تفيد معاني (الأمر) و(النهي) كثيرا ما تأتي دون ذكرلأي من المصطلحين فيها ـ ولكن مفادها يكشف من خلال الصيغة اللفظية ـ وليس من المفاهيم ـ فكأن عملية حصر الآيات التي تحمل المضامين المرادة، لابد أن تعتمد كذلكعلى المدخل السياقي، ـ ويكون التعامل عند هذا المستوى أكثر تركيباً.

واستطراداً لهذه الملحوظة وتفريعاً عنها ـ فإنه يتصور ألا يأتي المضمون المراد فيسياق الآية الواحدة ـ ولكنه قد يأتي في جملة آيات، تشكل في سياقها الكلي (وحدة موضوعية) والأمر يقتضي عند هذا المستوى من التعامل قدراً أكبر من الأحكام والتعمق في معايير وضوابط الاستدلال حتى يمكن استيعاب مضمون السياق العام وتخريج دلالته في مجال التخصص. ومن الواضح أنه بقدر بلورة الإطار المرجعي الذي ينطويعلى كليات التصور في مجال التخصص تكون القدرة في التعامل عند هذا المستوى.

ومقتضى ذلك أن رشاد التناول للمصادر، يتحقق عملياً في مراحل متلاحقة من تجديد الوسائط المنهاجية، سواء من خلال مزيد من التركيب في أدواتنا المتاحة أوبموجب ابتكار المداخل التي تتكافأ وهذا المستوى إلا أننا يجب أن نشير إلى حقيقتين في هذا المستوى من التعامل مع سياق الوحدة الموضوعية للآيات الكريمة ـ الحقيقة الأولى: هي أنه عند التعامل المباشر، قلما انتظمت جملة من الآيات التي تأتي في سياقهاالكلي بدلالات موضوعية في مجال التخصص... دون ما يرد فيها لفظ من ألفاظ المفاتيح والتي تدخل ضمن مصطلحات الأساس. أو التي يمكن توليدها وتفريعها عنها. وحيث إن هذه الأخيرة ترتبط بالمفاهيم الإطارية، فإنه يبقى، تأكيداً لما سبق وقلناه ـ أن استيعاب دلالات الوحدة الموضوعية ـ والآخر يكون المقطع فيه الوحدة الموضوعية في (سورة قريش) يمكن استدلال الأبعاد السياسية الخاصة بمبادى ء تنظيمية في الجماعة كمؤشرعلى وجود علاقة طردية ـ أو معامل ترابط إيجابي ـ ما بين توافر الحريات العامة (متمثلة هنا في حرية الانتقال)، والاستقرار السياسي من جانب والوفرة والرخاء من جانب آخر.وهذه الدلالة تخرج من (الوحدة الموضوعية) وليس من آية في ذاتها ـ غير أن وجودمادة (إيلاف) وهي من مترادفات وردت في خريطة اصطلاحات الأساس ـ وهيتترادف مع مفاهيم تولدت عن المفاهيم الإطارية كما جاء في (شكل رقم 5) أعلاه ـيمكن أن يقدم مدخلاً للتعامل.

كذلك، إذا ما أخذنا سياق الآيات (40 ـ 46) في (سورة البقرة) يمكن أن نستخرج منها جملة من الأوامر والنواهي تشكل ضوابط الأداء والوفاء للاستخلاف في الأمة (أوفي أمة من الأمم) ـ وذلك دون التصريح بمادة الأمر والنهي ـ في أكثرها، ودون إيرادمفهوم الاستخلاف في لفظه. ومع ذلك فالسياق العام في هذا المقطع ـ لا يخلو كذلك من بعض مصطلحات الأساس أو مفاتيح التخصص، سواء في مستوى التفريعات المتولدة من المفاهيم الإطارية أو جاء ذلك في تفريعات كليات موضع التخصص المباشر.

أما الحقيقة الثانية ـ فهي تؤكد أهمية التكامل بين الخطوات والمراحل التي يشتمل عليها المرشد التحليلي. فتحليل السياق الذي ترد فيه المادة الاصطلاحية ـ سوآء على مستوى مجموعة من الآيات للبحث عن نسيج الوحدة الموضوعية، أو على مستوى المادة اللفظية ـ بحثاً عن أنماط من العلاقات الارتباطية بينها والتي يمكن من خلالها التأصيل للمفاهيم وتخريج الأنماط القياسية في مجال التخصص ـ من مقومات عمليات الكشف.. ثم أن هذه وتلك، ليست إلا المقدمات الضرورية للانتقال إلى المرحلة التالية فيالتعامل الموضوعي، والتي ترتكز ـ في هذا المستوى ـ إلى الواقع الذي يراد تقويمه ـومؤدى هذا التكامل بين خطوات ومراحل المرشد التحليلي، أنه عبر الالتزام بمعانيالتوالي، والاطراد والضبط والانتظام، يتحقق لدينا رصيد من العمل المنهاجي الذي يمكن من التعامل المجدي، مع مصادر الذكر الحكيم، سواء تم ذلك عند المستوى المباشرالمعلن.. أو (الظاهري) أو كان ذلك عند المستوى غير المباشر المتضمن ـ الذي يستبطن فيه الدلالات.

وخلاصة ذلك أن تعدد مستويات التعامل يفرض تعدد مداخل التناول المنهاجي، وأن تعدد هذه المداخل، إنما هو في التحليل النهائي السبيل الذي يكفل تكامل منهاجية التعامل. ويحقق أكبر قدر من الاستفادة الممكنة من مكنون معين لا ينضب.

غير أن الاستفادة العملية في التأصيل النظري في مجال التخصص تستوجب أن يتم تناول هذه المداخل في ضوء رصيد من الوعي المنهاجي حتى يمكن إدراك مواضع التقاطع والالتقاء بينها جميعاً، وتوظيف النتائج التي تأتي بها ـ كل من منطقها ومنطلقها،في إطار منطق متكامل يستوعب الكليات.

من جانب آخر، فإنه مع التسليم بنواقص كل مدخل على حدة، فإنه لابد مع ذلك، من البداية المنهجية المنظمة في التعامل مع مصادرنا أياً كان هذا المدخل، حيث إنه في غياب مثل هذا التصور المنهاجي، فإن عملنا في كشف تلك المصادر لن يتجاوز عمليات تصنيف وتبويب محدودة الدلالة والنفع، غير قادرة على أن تقود العقل المسلم المعاصرخارج دائرته المحدودة، والتي تجعله أسير مستنقع من السطحيات والتفاهات مستغرق في مطويات التفصيل والتخصيص والتفريع والتفريغ أما تلك الوثبة الحضارية التي أشرناإليها في بداية بحثنا، والتي يمكن من خلالها أن يلج العقل المسلم إلى حيويات فقه عصري جديد، دعامته التعمق، ورحابة الأفق، ووعي حضاري فاعل، فإن هذا يتوقف على تطوير وتجويد الوعي المنهاجي في الأُمة.

والمقومات المنهاجية التي عرضنا لها، والتي تجعل من الإطار المرجعي لأصول الفعل الحضاري أساساً لها، وبما يستوجبه هذا الإطار من مقومات ضرورية، كإدراكنا لجوانب وأبعاد كوامن الخطاب القرآني للاستئناس بها في درب المنهاجية الساعية لوصل مجالات التخصص في علوم الأمة، بينابيع حيويتها ومصادر تجددها وكذلك بما استتبعه هذا الإطار من توابع وملحقات جاءت لتكمله، وتوجهه وجهة عملية قاصدة، فإن طرح المنهاجية على هذا النحو، يجعل منها بمثابة الخطة (الاستراتيجية) التي ترشد أي عمل جزئي يتم في مجال التعامل مع المصادر، ويكون من شأن وجود مثل هذا التخطيط المحيط البعيد المدى، أي ينتقل بأي جهد ـ مهما انحسر نطاقه ـ من البعد الكمي الذي لابدأن ينطوي عليه أي جهد إلى البعد الكيفي أو النوعي، الذي ليس بالضرورة ملازماً لكل جهد.

وإنه لمن شأن المنهاجية التي تستأنس بمنهج الحق، أن تكون لديها مقومات القوامة على سائر المناهج الوضعية، وأن يكون من شأنها القيام على تقويم ما أتت به تلكالمنهاجية الوضعية على اختلاف دروبها، من عواقب سلبية وعبثية في مسار الواقع الحضاري المعاصر، وذلك عن طريق ردها عن ميلها مع الهوى، بعيداً عن معالم الاستقامة، إلى الوسط المستقيم، صراط شرعة الحق والعدل، وصدق من قال، وقوله الحق: (إن هذا القرآن يهدي للتي هى أقوم...).

 المصادر :

ـــــــــــــــــــــــ

(1) النبأ العظيم ص 155.

(2) من مقاصد الشريعة الإسلامية ـ مكتبة الاستقامة ـ المطبعة الفنية تونس 1366هـ .

(3) إلا أننا نأخذ مقالة بشيء من التحفظ ـ فنقر جانب الترابط العضوي الذي يراه بين الآيات، ولكن لا نرى أن هذا الترابط يقتصر على البعدالزمني، وإن كان لمعرفة السياق الزمني أثر في التأصيل للأحكام التشريعية، فإن هذه الأحكام التشريعية هي جزء من بيان وكلام أعم وأشمل، والذي يستفاد منه جملة ملامح التصور أو الرؤية الكونية الإسلامية وعلى ذلك، فإن بناء صرح المنهاجية لدينا يعتمد على أدوات تحليلة أخرى غيرالاستدلال والاستقراء على النحو الذي أتى به أئمتنا.

(4) راجع سورة الإسراء.

(5) انظر سورة الشورى رقم (38)، وسورة آل عمران الآية رقم (159)، والمعروف أن الأمر بالتزام الشورى قد جاء عقب موقعة أحد ـ وما لحق بالمؤمنين من أذى إثر تغليب رأي الجماعة على خلاف ما رأى الرسول عليه الصلاة والسلام فهل من درس أنفذ على إلزام الجماعة الشورى، سلوكاً عاماً ـوذلك فيما قد يبدو أنه في أبعد الميادين عنها ـ وهوميدان القتال. حيث تقوم التربية القتالية في الجيوش الحديثة على الطاعة العمياء لأوامر القادة ؟.

(6) انظر في ذلك كتابات: الدراسة الرائدة في مجال تطبيق نظم الهندسة البيئية في المحيط الإسلامي. وكتابات ضياء الدين سردار التي تستوحى من منظور حضاري مستقبلي.

(7) الآية 60.

(8) وكأننا بذلك نتجاوز الاصطلاح الفقهي الذي يقصر الشرع على أحكام المعاملات والحدود، ونرجع بالمفهوم إلى مصدره القرآني الذينرى فيه ما يجعل من (الشرعة) مفهوماً حاوياً لكل سبيل من شأنه أن يبلغ بالأمة غايتها، ومن شأنه أن تستقيم به خطواتها نحو مقاصدها. ومن جانب آخر،فإن تحديد الإطار المرجعي على هذا النحو الذييضفي البعد الأخلاقي الغائي على كافة الأدوات (والمنتجات) المعرفية والفنية والتحصيلية ـ أي محصّلة العلوم التطبيقية ومنتجاتها (التقنية) إنما يكون من قبل سد الذرائع، أما دعاوي الحيدة العلمية والتجرد القيمي والحيل المذهبية التي تفصل بين ثقافة الجماعة ومنتجاتها الحضارية المادية.

(9) ولا شك أن من أوفى ما كتب في هذا الموضوع،من منطلق يتكامل مع المداخل الذي نعرضه هنا هومؤلف فقيدنا الشهيد الدكتور إسماعيل راجيالفاروقي ـ وهو من رواد دعوة إسلامية العلوم الاجتماعية منذ مداخلته في المؤتمر الأول للتعليم فيالعالم الأسلامي ـ والذي عقد في مكة المكرمة في(1977)، أما كتابه الذي نحيل عليه هنا فهو كتابه في التوحيد وأبعاده العملية، وهو من مطبوعات المعهد.

(10) راجع تفاصيل ذلك فيما جاء في كتابنا فينظرات جديدة في تناول الإسلام.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2009/04/05   ||   القرّاء : 3626





 
 

كلمات من نور :

خيركم من تعلم القرآن وعلمه .

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 الإمام الصادق والحفاظ على الهويّة الإسلاميّة

 اختتام الدروس الرمضانية عبر البث المباشر لعام ١٤٤١هـ

 المصحف المرتل بصوت القارئ الشيخ حسن النخلي المدني

 تأملات وعبر من حياة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) *

 تأملات وعبر من حياة نبي الله لوط (عليه السلام) *

 تأملات وعبر من حياة نبي الله موسى (عليه السلام) * - ق 1

 تأملات وعبر من حياة نبي الله موسى (عليه السلام) * - ق 2

 تأملات وعبر من حياة نبي الله موسى (عليه السلام) * - ق 3

 السيد الحكيم: هذا مشروع يُغبط عليه القائمون

 نبذة مختصرة عن فرقة الغدير للإنشاد الإسلامي - قم المقدسة

ملفات متنوعة :



 استحالة تحريف القرآن الكريم

 حول شخصيّة الامام الباقر (عليه السلام)

 الهرمنيوطيقا ومعضلة فهم النص *

 الآن : تحميل برنامج نور الأنوار 2 في القرآن الكريم من دار السيدة رقية (ع)

 الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه

 الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في القرآن

 الإعجاز القرآني (6)

 العلاّمة الجليل أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي (رحمه الله)

 كلمة المشرف العام للدار لحفل الختام والتكريم لمسابقة الذكر الحكيم 12 بالبحرين

 الإصلاح بين المؤمنين

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 13

  • الأقسام الفرعية : 71

  • عدد المواضيع : 2197

  • التصفحات : 9678771

  • التاريخ : 16/07/2020 - 19:23

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 رسالة الإمام الصادق عليه السلام لجماعة الشيعة

 فهم القرآن - دراسة على ضوء المدرسة العرفانية _ الجزء الثاني

 فهم القرآن - دراسة على ضوء المدرسة العرفانية _ الجزء الأول

 تفسير القرآن الكريم المستخرج من آثار الإمام الخميني (ره) - المجلد 5

 تفسير القرآن الكريم المستخرج من آثار الإمام الخميني (ره) - المجلد 4

 تفسير القرآن الكريم المستخرج من آثار الإمام الخميني (ره) - المجلد 3

 تفسير القرآن الكريم المستخرج من آثار الإمام الخميني (ره) - المجلد 2

 تفسير القرآن الكريم المستخرج من آثار الإمام الخميني (ره) - المجلد 1

 السعادة و النجاح تأملات قرآنية

 فدك قراءة في صفحات التاريخ



. :  كتب متنوعة  : .
 تفسير آية الكرسي ج 3

 بين التجويد القرآني والتذوق الموسيقي

 توجيهات الداني لظواهر الرسم القرآني

 الميزان في تفسير القرآن ( الجزء السادس)

 الحقائق القرآنية

 فدك قراءة في صفحات التاريخ

 أساليب ومقدمات الحفظ

 ترجمة كتاب تساؤلات معاصرة إلى اللغة الإنجليزية

 تفسير الصافي ( الجزء الأول)

 المنهج الجديد في حفظ القرآن المجيد

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 إمكان صدور أكثر من سبب نزول للآية الواحدة

 تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل المؤنّث

 حول امتناع إبليس من السجود

 الشفاعة في البرزخ

 في أمر المترفين بالفسق وإهلاكهم

 التشبيه في قوله تعالى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}

 هل الغضب وغيره من الانفعالات ممّا يقدح بالعصمة؟

 كيف يعطي الله تعالى فرعون وملأه زينة وأموالاً ليضلّوا عن سبيله؟

 كيف لا يقبل الباري عزّ وجلّ شيئاً حتى العدل {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}؟

 حول المراد من التخفيف عن المقاتلين بسبب ضعفهم



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 منشأ عصمة الأنبياء ؟

 اذا كان ربي حفظ القرآن الكريم فلماذا لم يحفظ كتبة السابقة

 هل النظر في ملکوت السماوات و الأرض و ما خلق الله من شئ، ينتهي الي حد و مقدار و مخلوقات و تنوعات و عجائب مما نراه و ما لانراه؟

 هل تجزي قراءة سورة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين سهواً ؟

 ما هي الأوقات المناسبة لحفظ القرآن؟

 مستويات النزول القرآني، وعلاقتها بحقيقة الإسراء

  ما حكم تلاوت القرآن الكريم مصاحبا لموسيقى كتلك التي تصاحب بعض الأدعية و ما حكم انشاد أو تأدية شعر يحتوي على آيات من الذكر الحكيم ؟

 قراءة القرآن والأدعية على الفراش

 لماذا جاء إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعجل حنيذ إلى ضيفه مع أنّهم كانوا قلّة؟ وما هو سبب توجّسه منهم خيفة بمجرّد أن رأى أيديهم لا تصل إليه؟

 ما المراد من قوله: {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}؟ ومَن هُم هؤلاء الذين تعنيهم الآية أو تشملهم؟

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 الصفحة 20

 الصفحة 19

 الصفحة 18

 الصفحة 17

 الصفحة 16

 الصفحة 15

 الصفحة 14

 الصفحة 13

 الصفحة 12

 الصفحة 11



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (21797)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (10417)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (7422)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6989)

 الدرس الأول (6021)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5992)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (5344)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (5306)

 الدرس الاول (5194)

 درس رقم 1 (5183)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (5538)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3768)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (3120)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2825)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2649)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (2245)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (2100)

 الدرس الأول (2057)

 تطبيق على سورة الواقعة (2051)

 الدرس الأوّل (1942)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة الواقعة

 سورة الزلزلة

 3- سورة آل عمران

 سورة الطلاق

 سورة الانفال

 سورة الانفطار

 سورة الاحزاب

 سورة المؤمنون

 89- سورة الفجر

 لِمَن السَنا

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 أحمد الطائي _ سورة الفاتحة

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (6749)

 القارئ أحمد الدباغ - سورة الدخان 51 _ 59 + سورة النصر (6343)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (5449)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (5027)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4898)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (4835)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (4756)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (4755)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (4645)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (4523)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1962)

 القارئ أحمد الدباغ - سورة الدخان 51 _ 59 + سورة النصر (1764)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1645)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1393)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1364)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1340)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (1286)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (1286)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (1274)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (1267)



. :  ملفات متنوعة  : .
 أحمد الطائي _ سورة الفاتحة

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثامن

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الذاريات ـ الاستاذ السيد محمد رضا محمد يوم ميلاد الرسول الأكرم(ص)

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس العاشر

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار

 خير النبيين الهداة محمد ـ فرقة الغدير



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net