00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

التعريف بالدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • من نحن (2)
  • الهيكلة العامة (1)
  • المنجزات (14)
  • المراسلات (0)
  • ما قيل عن الدار (1)

المشرف العام :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرته الذاتية (1)
  • كلماته التوجيهية (11)
  • مؤلفاته (3)
  • مقالاته (67)
  • إنجازاته (5)
  • لقاءاته وزياراته (14)

دروس الدار التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (8)
  • الحفظ (15)
  • الصوت والنغم (11)
  • القراءات السبع (5)
  • المفاهيم القرآنية (6)
  • بيانات قرآنية (10)

مؤلفات الدار ونتاجاتها :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المناهج الدراسية (7)
  • لوائح التحكيم (1)
  • الكتب التخصصية (8)
  • الخطط والبرامج التعليمية (2)
  • التطبيقات البرمجية (9)
  • الأقراص التعليمية (14)
  • الترجمة (10)
  • مقالات المنتسبين والأعضاء (30)
  • مجلة حديث الدار (51)
  • كرّاس بناء الطفل (10)

مع الطالب :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات الأشبال (24)
  • لقاءات مع حفاظ الدار (0)
  • المتميزون والفائزون (14)
  • المسابقات القرآنية (22)
  • النشرات الأسبوعية (48)
  • الرحلات الترفيهية (12)

إعلام الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الضيوف والزيارات (158)
  • الاحتفالات والأمسيات (71)
  • الورش والدورات والندوات (60)
  • أخبار الدار (33)

المقالات القرآنية التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (151)
  • العقائد في القرآن (62)
  • الأخلاق في القرآن (164)
  • الفقه وآيات الأحكام (11)
  • القرآن والمجتمع (69)
  • مناهج وأساليب القصص القرآني (25)
  • قصص الأنبياء (ع) (62)

دروس قرآنية تخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (17)
  • الحفظ (5)
  • القراءات السبع (3)
  • الوقف والإبتداء (13)
  • المقامات (5)
  • علوم القرآن (1)
  • التفسير (13)

تفسير القرآن الكريم :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علم التفسير (87)
  • تفسير السور والآيات (175)
  • تفسير الجزء الثلاثين (37)
  • أعلام المفسرين (16)

السيرة والمناسبات الخاصة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النبي (ص) وأهل البيت (ع) (98)
  • نساء أهل البيت (ع) (35)
  • سلسلة مصوّرة لحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) (14)
  • عاشوراء والأربعين (41)
  • شهر رمضان وعيد الفطر (19)
  • الحج وعيد الأضحى (7)

اللقاءات والأخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • لقاء وكالات الأنباء مع الشخصيات والمؤسسات (40)
  • لقاء مع حملة القرآن الكريم (41)
  • الأخبار القرآنية (95)

الثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الفكر (2)
  • الدعاء (16)
  • العرفان (5)
  • الأخلاق والإرشاد (18)
  • الاجتماع وعلم النفس (12)
  • شرح وصايا الإمام الباقر (ع) (19)

البرامج والتطبيقات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (3)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : المقالات القرآنية التخصصية .

        • القسم الفرعي : القرآن والمجتمع .

              • الموضوع : نظريّة القرآن في تقنين المجتمع .

نظريّة القرآن في تقنين المجتمع

الدكتور عبد الجبّار شرارة

لعلّ من نافلة القول التأكيد على أنَّ الحياة الإنسانيّة، بدون منهج واضح وتقنين شامل، تقع في التخبّط والفوضى والاضطراب، ويُبقيها ذلك أسيرةً للتجارب المتعثّرة التي تعتمد غالباً على ما يفرزه الواقع (واقع التجربة) من خطأ وصواب، وفي ذلك كما لا يخفى، إهدارٌ كبير لفرَص البناء الحقيقي والنهضة والرُّقِيّ، فضلاً عمّا يستلزمه (انعدام التقنين الصالح) من تضحياتٍ لا مبررَ لها، ولقد كان في مقدّمة أسباب إخفاق التجارب البشريّة في هذا المجال، إغفالها لأهميّة العلاقة بين (الروح والجسد) في الحياة الإنسانيّة، وما استتبع ذلك من الإهمال للفعاليّات والأنشطة الروحيّة ودورها في الحياة الاجتماعيّة.

إنَّ تشخيص حقيقة وطبيعة العلاقة بين الروح والمادّة، وحلّ هذه (الإشكاليّة) كان القرآن قد سبق إليها، فتصدّى إلى رسم المنهج وتحديد أبعاده في تقنين الحياة الإنسانيّة، آخذاً بنظر الاعتبار أبعاد الإنسان في الزمان والمكان، مراعياً طبيعته الازدواجيّة في تركيبه الداخلي، ليختزل بذلك المعاناة التي يتعرّض إليها المجتمع البشري عِبرَ تجارب الخطأ والصواب.

قال تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 38).

ويظهر هنا أنّ القرآن الكريم قد شخّصَ الحقيقة الموضوعيّة القائلة بأنّ الإنسان بصفته خاضعاً لظروف الزمان والمكان، وينبعث دائماً في تقييماته وآرائه من نزعاته وأهوائه؛ لذلك فمن الطبيعي سيادة حالة التظالم والخصومات والاعتداء، كما أشار إلى ذلك القرآن قائلاً: (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (الأعراف: 24).

واستناداً إلى ذلك فالإنسان عندما يتصدّى لوضع القواعد القانونيّة سيكون تحت تأثير تلك النزعات والأهواء، ومن هنا اتجه القرآن الكريم إلى بيان الشريعة العامّة، وتكفّل بتحديد القواعد والمبادئ والأحكام العادلة والملائمة للإنسان،

كما نبّه إلى ذلك في قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: 18)، ولقد تضمّنت تلك القواعد والأحكام الحلول والمعالجات لإشكاليّات الحياة الإنسانيّة، كما إنّها وفّت بحاجات الإنسان الروحيّة والماديّة على حدٍّ سواء.

إنَّ الهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن التصوّر القرآني العام أي (نظريّة القرآن) في تقنين المجتمع، وذلك بتحديد الأُسُس والمنطلقات التي تقوم عليها النظريّة. ثمّ تبيّن الجوانب الأساسيّة فيها، من القواعد المُلزمة في نطاق الأُسرة، بصفتها المجتمع المصغّر، وفي ميدان الفعاليّات والعلاقات بين أفراد المجتمع.

ومن هنا يتحدّد المنهج في هذه الدراسة إذ سنتناول ذلك في مباحثٍ، فنعرض في البحث الأوّل أُسُس النظريّة القرآنيّة ونحدّد ملامحها العامّة، ثمّ ننتقل إلى المبحث الثاني، فنعرض تقنين الفعاليّات المختلفة للفرد والمجتمع، فنتكلم على التقنين في نطاق الأُسرة، ثمّ نتكلّم على الحقوق الخاصّة والعامّة – كما اخذ بها أهل القانون الحديث – .

وفي كل ذلك سنعرض المعالم النظريّة دون التفاصيل، وسنقوم باستنطاق النصوص القرآنيّة، مستعينين بأحاديث الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته الأطهار عليهم السّلام ، وبملاحظات العلماء والمفسّرين، ومنه تعالى نستمدّ العون والتسديد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

  المبحث الأول: أُسُس النظريّة وملامِحها

إنّ القرآن الكريم يصدّقُ بعضه بعضاً(1)، ويفسّرُ بعضه بعضاً. وهذه حقائق متسالم عليها عند العلماء والمفسّرين(2)، وعليه فإذا أُريد فهمُ أمر كلّي، أو استكشاف حقيقةٍ، أو استخلاص نظريّة من القرآن الكريم، فيلزم مراعاة ذلك، والنظر بذاك اللحاظ.

إنّنا نفترض في ضوء ذلك، أنَّ القرآن الكريم في نظريّته لتقنين المجتمع ينطلق أولاً، من حقيقةٍ مفادها، أنّ تغيير المجتمع الإنساني وتطويره باتجاه الكمال والرقيّ والصلاح، لا يتحقّق ما لم يتمّ تغيير المحتوى الداخلي (3) للإنسان، فكراً ونفسيّةً وقناعات وسلوكاً،

وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: (اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

والتغيير هنا أشمل وأعمّ، واستناداً إلى ذلك، يتّجه القرآن الكريم في إطار تقنين المجتمع إلى وضع المنهج الشامل لضبط التفكير والفعاليّات العقليّة، وهذا له أولويّته في التصوّر القرآني – كما نعتقد – لمدخليّه ذلك أصلاً في انضباط الإنسان داخل المجتمع، بلحاظ أنّه ما لم ينفتح وجدانه على (القواعد القانونيّة) لا يتحقّق تفاعله الايجابي معها. لاحظ قوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 191)، فالتفكير الصحيح يقود إلى الاستنتاج الصحيح، والاستنتاج الصحيح يقود إلى الاعتقاد السليم، والاعتقاد يقود إلى الانقياد، والانقياد إلى الحق، وفيه السلامة والنجاة.

ويتجه القرآن الكريم بعد ذلك إلى ضبط الفعاليّات داخل نطاق الأُسرة بصفتها (الوحدة الاجتماعيّة المصغّرة)، وبلحاظ أنّ الأُسرة تمثّل بيئة الإنسان ومهدِه وأجواء تنشئته، وهو ينشدُّ إليها لأكثر من اعتبار.

لقد كان تدخّل القرآن الكريم في تنظيم العلاقات وتقنينها داخل نطاق الأُسرة تدخّلاً واسعاً وتفصيليّاً، إذ أخضعها إليه تكويناً وصياغةً وإنشاءً، وأحكمها وفق ضوابط معيّنة، وحدّد بدقّة الحقوق والواجبات حفاظاً عليها من الانحلال، آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة الإنسان وما يُمكن أنّ يحدث من إشكاليّات، وما يحتمل من طوارئ، بما في ذلك انحلال الزواج وما قد ينشأ عنه من آثار تستدعي المعالجة الحاسمة،

فقال تعالى مثلاً: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق: 6).

ثمّ نجدُ القرآن الكريم بعد انجاز هذه المهمّة يتّجه إلى ضبط الفعاليّات الاجتماعيّة المتنوّعة، بتقنين العلاقات المختلفة الناشئة من الأنشطة الاقتصاديّة أو غيرها، وما ينشأ أيضاً من التزامات بحكم الفعل والتصرّف.

ومن هنا نجدُ العناية بالحقوق الخاصّة والعامّة(4)، وإذا كان هذا ما يُمكن ملاحظته وتسجيله من خلال عمليّة استقراء لمقاصد القرآن وأهدافه وغاياته، وما يُمكن تلمّسه بوضوح في موارد كثيرة – كما سيتضح – فكلّ ذلك يشكّل – في نظرنا – الملامح العامّة لاتجاهات (التقنين) في القرآن الكريم.

إنَّ المعالم الأساسيّة أو الهيكل العام للنظريّة القرآنيّة يُمكن تصويره كما يأتي: يبدأ القرآن ويهتم أوّلاً، برسم المنهج السليم للتفكير، أي أنَّ عمليّة التقنين تبدأ من تقنين الفعاليّة العقليّة والفكريّة ثمّ يتمُّ التدرّج إلى تقنين الفعاليّات والعلاقات في داخل الأُسرة، ثمّ يتمُّ التحوّل إلى تقنين العلاقات في إطار المجتمع، إنَّ هذه النظرة الشموليّة تتّضح من الاعتبارات التي نبّهنا عليها قبل قليل، ولذا يجب فهم النظريّة القرآنيّة في مجال التقنين بهذه الأبعاد.

إلاّ أنّنا مع ذلك سنقتصر في هذه الدراسة على ما يتّصل بالأُسرة وبالمجتمع، بلحاظ أنَّ ذلك هو المساحة المشتركة، بين التقنين الوضعي والتقنين الإسلامي (القرآني)، وهو الذي يقتضيه فنيّة العنوان الرئيس في هذه الدراسة.

والآن آن الأوان للتعرّض إلى أُسُس النظريّة القرآنيّة.

  أُسُس النظريّة:

الواقع إنَّ أهمَّ ما يُمكن الاعتماد عليه في هذا المجال هو ما يأتي:

أولاً: النصوص القرآنيّة الصريحة التي تؤكّد شموليّة القرآن الكريم في معالجاته لكلّ شيء، وعنايته بكلّ شيء، وعدم تفريطه بشيءٍ من الأشياء له علاقة بالإنسان، ومن تلك الموارد والآيات،

قوله تعالى: (وما فَرطنا في الكتاب من شيءٍ..) (الإنعام: 38)،

وقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتابَ تبياناً لكل شيء..) (النحل: 89)،

وقوله تعالى: (كتابٌ أُحكمت آياتُه ثمّ فُصلت من لدن حكيم خبير) (هود: 1)،

وقوله تعالى: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل اليكُمُ الكتابَ مفصّلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربِّك بالحق فلا تكونَنَّ من الممترين..) (الأنعام: 114).

فهذه النصوص جدُّ صريحة في كفالة القرآن لجميع المتطلّبات، ووفائه للحاجات الإنسانيّة، التي من أخصّها العناية بتنظيم شؤون الحياة المختلفة.

ثانياً: التأكيدات التي وردت في القرآن الكريم على أنّه – أي القرآن – جاء ليخرج الناس جميعاً من الظلمات إلى النور، ومن الظلم والتظالم إلى العدل والتراحم، ومن الفوضى والتداعي إلى النظام والتماسك، وفي هذا الصدد نجد مجموعة من الآيات المباركة تصرّح بذلك، وتشير إليه.

قال تعالى: (كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناسَ من الظلمات إلى النور) (إبراهيم: 1).

وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون...) (المائدة: 54).

وقال تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريدُ ظلماً للعالمين) (آل عمران: 108).

وقال تعالى: (وهذا كتابٌ مصدّقٌ لساناً عربياً لينذرَ الذين ظلموا وبُشرى للمحسنين إنَّ الذين قالوا ربُّنا الله ثمّ استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا همّ يحزنون) (الأحقاف: 12 – 13).

وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

وإلى هذا المعنى كانت فاطمة الزهراء عليها السّلام قد أشارت في خطبتها قائلةً: (وكنتم على شفا حفرةٍ من النار، مُذقةٍ الشاربِ، ونُهزةَ الطامع، وقُبسةَ العَجْلان، ومَوطئَ الأقدام... أذلةً خاسئين تخافون أنْ يتخطّفكم الناس من حولِكم، فأنقذكم الله بمحمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم بَعدَ اللتيا والتي ...) (5).

ثالثاً: التحذيرات السديدة من مخالفة الأحكام الإلهيّة والأوامر الإلهيّة كما في قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63).

وقال تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ)(المائدة: 49).

وكذلك نجد القرآن الكريم ينعت الذين لا ينصاعون إلى أحكام الله المُنزلة، بالفسق مرّة وبالكفر أُخرى وبالظلم ثالثة:

قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الفاسقون) (المائدة: 47).

 (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: 44).

 (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظالمون)(المائدة: 45).

ولازم هذا أنْ يكون الله تعالى قد أنزل هذه الأحكام، وأنْ تكون مثل هذه الأحكام مستوعبة كلَّ مجالات الحياة، وكلّ الشؤون التي تهُمّ البشر ليصحَّ لهم عدم المخالفة باللجوء إلى الأحكام غير الإلهيّة، وإلاّ لكانت الحجّة لهم لا عليهم. وقد قال تعالى (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) (الأنعام: 149).

هذا وقد قال تعالى في نفس الوقت: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمّد: 24)

وقال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(ص: 29).

وقال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)(القمر: 22).

ثمّ أوكل لرسوله الكريم نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأهل بيته الطاهرين، بلحاظ أنّهم من الراسخين في العلم الذين يعلمون التنزيل، ويعلمون المحكم والمتشابه، أوكل إليهم البيان والإيضاح(6).

ومن هنا يكون قد قطع العذرَ على كل أحد (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) (الإنعام: 115).

رابعاً: لقد نهانا الله تعالى عن الاحتكام إلى الطاغوت، أو إلى الأهواء قال تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا به) (النساء: 60)، وقال تعالى: (ولئن اتبعتَ أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انّك إذاً لمن الظالمين) (البقرة: 145). وقال تعالى: (وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 119).

وقال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ)(المائدة: 49).

والطاغوت (هو كلّ رئيس في الضلالة، وكلّ من يعبد من دون الله، وكلّ شيطان وكلّ كافر) (7)، واستناداً إلى هذه المجموعة من الآيات، فلو لم يكن القرآن الكريم قد تعهّد وتكفّل بالوفاء بكلّ ما يحتاجه البشر، ولو لم يشتمل ويتضمّن حلاًّ ومعالجةً للخصومات والنزاعات وفق أحكام محدَّدةٍ، لما كان معنى للنهي عن الاحتكام إلى الآخرين، بالأخص وإنَّ الإطلاق الوارد في النهي عن الاحتكام إلى الطاغوت، ينصرف إلى مُطلق الأحكام غير الإلهيّة، وتأييدا لذلك، فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السّلام كما في رواية أبي بصير، أنّه قال: (مَن حَكَم في درهمَين، بغير ما أنزل الله عزّ وجل، فهو كافرٌ بالله تعالى) (8).

إنَّ ما استظهرناه من هذه الشموليّة والاستيعاب، والأُسُس التي اعتمدناها في ذلك، استفدناه أيضاً ومباشرةً ممّا نبّه إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقد جاء عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال عن القرآن الكريم: (كتابُ الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدَكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من ترَكَهُ من جبّار، قصمَهُ الله ومن ابتغى الهدى في غيره، أضلّه الله، فهو حبلُ الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء..) (9).

وجاء عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) في معرض ذمّه للاختلاف في كتاب الله، قال: (تَرِدُ على احدهم القضيّة في حكمٍ من الأحكام، فيحكُم فيها برأيِه، ثمّ تردُ تِلك القضيّة بِعَينِها على غيره، فيَحكُم فيها بخلاف قولِه، ثمّ يجتمع القُضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، وإلهُهُم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابُهم واحد! أفأمَرَهُم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم كانوا شُركاء له، فلَهُم أنْ يقولوا وعليه أنْ يرضى؟! أم أنزل الله ديناً تامّاً فقصّرَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن تبليغه وأدائه؟ والله سبحانه وتعالى يقول: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38)، وفيه تبيان لكل شيء، وذكَر أنَّ الكتاب يُصدّق بعضُه بعضاً، وأنّه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النساء: 82) (10).

وقال عليه السّلام في موضع آخر: (ألا وإنَّ فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم ونظم أمركم) (11).

وهنا لابدَّ من التنبيه إلى أنّ القرآن الكريم قد خوّل النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ليس فقط وظيفة البيان والتبيين لآيات الكتاب العزيز، وأحكام القرآن المجيد، كما نصّ في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 44)، وإنّما خولَّه أيضاً بما أوحى إليه وبما علّمه وهداه (التشريع) (12)، كما صرّحت الآية المباركة: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7).

وهنا لابدَّ أنْ نفترض أنّ وقت النبيّ الأكرم لم يكن يسعه لبيان كلّ الأحكام والتشريعات لمجموع الناس وعامّتهم، ولذا اختصَّ بهذا الأمر من هو منه(13) يبلّغ عنه أعني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لينهض بهذه المسؤوليّة ويكمّل هذا الدور. ولدينا على الأمر شواهد وأدلّة وأرقام كثيرة نوردُ منها ما يعززُ هذا الرأي ويدعمه .

لقد جاء عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنّه قال: (كنتُ سألتُ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعطاني، وإذا سكتُّ ابتدأني) (14). وفي حديث طويل تحدّث الإمام عليّ عليه السّلام في هذا الصدد قائلاً: (ما نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آيةٌ إلاّ اَقرأنيها وأملاها عليُّ، فكتبتُها بخطّي، وعلّمني تأويلَها وتفسيرَها، وناسِخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا اللهَ لي أنْ يعطيني فهمهاً وحفظهاً، فما نسيتُ آيةً من كتاب الله تعالى وعلماً أملاه وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك رسول الله علماً علّمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون إلاّ علّمنيه وحفظته، ولم أَنسَ حرفاً واحداً منه..) (15).

وقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود- قال: (إنَّ القرآن اُنزل عَلى سبعة أحرف، ما منها حرفٌ إلا وله ظهرٌ وبطن وإنَّ علي بن أبي طالب عنده من الظاهر والباطن)(16) وورد عن ابن عبّاس أنَّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عهَد إلى عليٍّ سبعين عهداً، لم يعهَد- إلى غيره...)(17).

وذكر السيُوطي أنّ معمر روى عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: (شهدتُ عليّاً يخطبُ وهو يقول سلوني، فو الله لا تسألونني عن شيءٍ إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آيةٍ إلا وأنا أعلمُ: أبليلٍ نزلت أم بنهارٍ أم في سهل أم في جبل) (18).

ومن هنا يتّضح لدينا أنَّ القرآن الكريم قد تكفّل بتقديم الحلول والمعالجات لسائر الشؤون الإنسانيّة، وفي مختلف المجالات، وأنّ هذه تغطّي المساحة الكبيرة والأساسيّة للتشريع الإسلامي، (ومصدر استكشاف هذا النوع من التشريعات هو الرجوع إلى القرآن الكريم مباشرةً أو إلى سنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أو إلى خلفائه المعصومين الذين يمثلون امتداده التشريعي) (19).

وقد قدّمنا من الأدلّة: والنصوص ما يكفي في تثبيت المطلب، وأمّا ملامح النظريّة ومعالمها، فقد اتّضحت لدينا أيضاً، ولم يَبْقَ إلا الخوض في التفاصيل والكشف عن الجوانب الأساسيّة الأُخرى للنظريّة القرآنيّة، وهذا ما نعرض له في المبحث الثاني.

  المبحث الثاني: تقنين فعاليّات الفرد والمجتمع

إنَّ القرآن الكريم يتّجه فعلاً، وفي سبيل إثبات مصداقيّته، في وفائه بالحاجات الأساسيّة، وتنظيم العلاقات داخل الإطار الاجتماعي، يتّجه إلى تقديم أطروحته فيحدّد (القواعد الملزمة) والمناهج العمليّة في هذا الإطار.

وحتّى نتبيّن ذلك بوضوح نلجأ إلى تعريف القانون والقاعدة القانونيّة، ونعرض للهيكليّة التي يقدّمها القانون، في هذا المجال، ثمّ نتبين في ضوء ذلك نظريّة القرآن، فالقانون: (هو مجموعة القواعد التي تنظّم نشاط الأشخاص والمجتمع، وتقوم على احترامها سلطة عامّة تُوقعُ الجزاء على من يخالفها) (20).

والقاعدة القانونيّة باعتبارها قاعدة سُلُوك ونظام يَتَحَتّم الخضوع لها. أمّا مضمون القاعدة من الناحية العمليّة فهو تخويل الفرد حقاً أو فرض واجب عليه. (21)

وقد مُثّل بأنَّ القاعدة التي تقضي بأنّ العقود المُنشأة على الوجه القانوني تُلزم المتعاقدين.

ولتصوير هذه المسألة في القرآن فإنّنا نجد النصَّ على لزوم الوفاء بالعقد المنشأ على الوجه الشرعي، يتبين ذلك في قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) (المائدة:)، والآية تتضمّن صفة الإلزام، وهي بضميمة قوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل) (البقرة: 188) التي مقتضاها النهي عن الأكل بالباطل بمعنى إجراء العقد على خلاف الشرع(22)، فيتحصل لدينا نصٌّ قانوني محدّد. وقد ذهب الفقهاء إلى أصالة اللزوم في العقود. (23)

ثمّ إنّ القانون، في تنظيمه لسلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع، إنّما يفعل ذلك ببيان حقوقهم وواجباتهم... والقاعدة القانونيّة بلحاظ أنّها قاعدة اجتماعيّة (تفرض نظاماً معيّناً، وهي ذاتُها التي تخوّل الحقّ، فتضع بين يدي الشخص سلطة تمكّنه من أنْ يعمل على وجهٍ معيّن، في علاقاته بغيره، أو تفرض عليه واجباً في هذا السبيل) (24)

وسنتبيّن ذلك بوضوح، في نطاق الأُسرة حسب النظريّة القرآنيّة، وفي نطاق التعامل والعلاقات بين الأفراد، وما ينشأ عادة من التصرّفات الشرعيّة والفعليّة من التزامات.

وهنا يلزم التنبيه إلى أمرٍ مهم، وهو إنَّ القرآن الكريم وإنْ اعتنى عناية مباشرة بعمليّة التقنين والتشريع، في نطاق الأُسرة والمجتمع، ولكنّه أوكل جانباً من ذلك إلى النُخبة المتخصّصة أي (الفقهاء) كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى:

 (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ....) (التوبة: 122) وهنا قيمة حضاريّة كُبرى يُنبّه إليها القرآن العظيم، وهي احترام ذوي الاختصاص.

إنَّ دور الفقهاء، في هذا الصدد، أي في سَنّ القوانين، يكون في مجالٍ ما اصطلح عليه بمنطقة الفراغ، كما نبّه إلى ذلك الشهيد الصدر (رض). (25)

وذكر السيّد الهاشمي (أنّ للفقهاء دورين في هذا المجال ، أي التشريعي).

الأوّل: دور الكشف وتفسير التشريعات الإسلاميّة الثابتة، في أصل الشريعة والإفتاء بها، من قِبَل الفقيه، وهو في هذا المجال كَكُلّ مكتشف يبتغي الوصول إلى الواقع الموضوعي المشرّع، من قبل الله تعالى أو الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن خلال الأدلّة المقرّرة لعمليّة الاجتهاد. والاجتهاد لا يعني التشريع.

والثاني: دور ملء منطقة الفراغ بوصفه وليّاً للأمر بناءً على النظريّة السياسيّة التي ذهب إليها أكثر علماء الإماميّة...). (26)

إنَّ التشريع أيَّ تشريع، بوجهٍ عام، له ثلاث وظائف كُبرى في المجتمع، كما يقول الدكتور الزرقا، وهذه الوظائف هي (العلاج والوقاية، والتوجيه. فهو علاجٌ للعلل الاجتماعيّة، وهو وقاية من العلل والمشكلات المتوقّعة، وهو توجيه وتمهيد لاستمرار التكامل حتّى يبلغ تنظيم الحقوق والالتزامات والمصالح مستواه الأكمل.

ولكي تَتَحقّق هذه الوظائف الثلاث يجب أنْ يكون – أي التشريع- إلزاميّاً، وإلاّ كان من قبيل المواعظ والإرشادات الأخلاقيّة. ثمّ لكي تضمن له الطاعة في العمل والتطبيق يحتاج الشرع إلى نوع من الأحكام يسمّى بالمؤيدات، وهي إمّا زواجر مدنيّة كبطلان العقود المخالِفة للنظام، وإمّا عقوبات تأديبيّة كالسجن والغرامات على الجرائم العدوانية). (27)

ونبّه الدكتور الزرقا إلى أنَّ (النظام القانوني في الشريعة الإسلاميّة تضمن قواعد وأحكاماً أساسيّة في كلا الميدانين، أي ميدان الحقوق الخاصّة بنوعَيها المدني والجنائي، وميدان الحقوق العامّة بفرعيها الداخلي والخارجي أي الدستوري والإداري والمالي والدولي). (28)

وهذه في الواقع أهم فروع القانون كما أشار إليها الدكتور الصدّة في كتابه مبادئ القانون. (29)

ونحن يهمّنا إلقاء الضوء على وجود مثل هذه الحقوق المشار إليها في النصوص القرآنيّة إمّا تصريحاً أو إشارة..

واستناداً إلى ذلك سنتناول بالعرض قسم (الحقوق الخاصّة) أوّلاً، ونتكلّم في البداية على (الأحوال الشخصيّة) أي القواعد القانونيّة، في نطاق الأُسرة، كما ثبتّها القرآن الكريم، ثمّ ننتقل إلى الحديث عن الالتزامات ونتكلّم في هذا المجال على العقود بشكل عام وما يتعلّق بها، ثمّ نتحوّل إلى الحديث عن الحقوق الجنائيّة، والمبادئ التي يُحتكم إليها في هذا النطاق.

وننتقل بعد ذلك إلى (الحقوق العامّة)، ونتناول أوّلاً ما اصطلح عليه (بالحقوق الداخليّة) التي تتضمن الناحية الدستورية وما يتّصل بها من مبادئ ، ثمّ الناحية الإدارية، ثمّ الناحية الماليّة.. ونتحوّل إلى الكلام على الحقوق الخارجيّة أي (الدولة) فنتكلّم على المبادئ القانونيّة، في هذا الإطار.

ونحن إنّما اعتمدنا وترسمّنا هذا (المنهج القانوني) ، للتأكيد على أنّ القرآن قد كان سبق التشريعات الحديثة في الاهتمام بهذه الجوانب المهمّة، ووضع القواعد والأحكام المُلزمة التي تكشف عن شموليّته وطابعه القانوني أيضاً.

المطلب الأوّل: تقنين الأسرة

إنَّ الأسرة في نظر القرآن الكريم تُعدُّ اللبنة المهمّة في البناء الاجتماعي، وعلى مدى سلامتها ومتانة العلاقات القائمة في داخلها، يتوقّف سلامة البناء برمّته. ولقد أشارت الآية المباركة إلى هذه الحقيقة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء...) (النساء: 1). كما أشار القرآن إلى أمرٍ له مدخليّة في استقامة البناء الأُسري، قال تعالى: (خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)(سورة الروم: 21). فالسكن هنا والمودّة والرحمة عناصر أساسيّة في التماسك.

ثمّ لفَت القرآن النظر إلى أنّ الزواج، وفق قواعد الشرع، يتّسق ويتناغم مع سائر الوجودات الأُخرى التي هي من بدائع صنع الله تعالى، فقال تعالى: (خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)(يس: 26). إذ فيها تنبيه إلى أنَّ ظاهرة الزوجيّة تحكم الموجودات كلّها، وأنّ هذه الموجودات تجري على نواميس وقوانين لا تحيد عنها.

قال تعالى: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)(الجاثية: 22).

وقال تعالى: (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)(الحجر: 19).

وقال تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(يس: 38).

وفي كلّ ذلك تنبيهات وإشارات واضحة إلى تحكّم القوانين في كلّ أنحاء الوجود وأجزائه. (30)

وبناءً على ذلك، فإنّ الأُسرة يجب أنْ تتكوّن وتتشكّل وفق قانون، وأنّها يجب أنْ تنضبط فعاليّاتها وفق قانون، وأنْ تنشأ العلاقات وتتوزّع الحقوق والواجبات أيضاً وفق قانون.

لقد جعل القرآن الكريم قيام الأسرة على أساس المودّة والرحمة، كما أُشير في الآية المذكورة. وأُلزم الزوج بالمعاشرة بالمعروف كما في قوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19). والأمر هنا ليس (وعظيّاً) بل هو يتضمّن صفة الإلزام، (31) وهنا أصلٌ عظيم ومرتكز مهم في بناء الأُسرة وسلامتها.

لقد أوكل القرآن الكريم إنشاء العلاقة الزوجيّة إلى الطرفين (الذكر والأُنثى) ونبّه إلى أنْ تكون هناك قناعة لكلّ واحدٍ بالآخر، ثمّ طلب إجراء العقد شكلاً وغايةً أي في الصيغة والمقصد استناداً إلى قواعد إجرائيّة معيّنة. وقد قال تعالى في هذا الصدد: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء)(النساء: 3).

وقال تعالى: (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ ...) (النور: 22). والأيم يطلق على الرجل والمرأة غير المتزوّج.

وقال تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً...) (البقرة: 231).

إنَّ القرآن حدّد بادئ ذي بدء من يجوز للإنسان أنْ يقترن بها، ومَن لا تجوز سواء كان ذلك على سبيل التأبيد أم التأقيت (32)

فقال تعالى: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً*حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً*وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء)(النساء: 23 – 35).

والقاعدة الآمرة (33) هنا في حرمة الأصناف التي ذكرت في الآيات المباركة روعِيَ فيها احترام إنسانيّة الإنسان وفطرته من وجه، واجتناب تداخل الحقوق والواجبات من وجه آخر.

وعلى أية حال فالقرآن يقرّر أنَّهُ إذا تمَّ عقد الزواج، وفق القواعد المذكورة، أخذ صفة الإلزام استناداً إلى كلّية (أوفوا بالعقود)(المائدة: 1). ويترتّب الأمر الشرعي، ويجب المهر بالدخول(34) قال تعالى: (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)(النساء: 4) ثمّ يبدأ سريان الالتزامات المتقابلة.

فالزوج يلزمه المعاشرة بالمعروف، ويلزمه الإنفاق على الزوجة، وأداء الاستحقاقات المطلوبة قال تعالى: (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) (البقرة: 232). والزوجة يلزم أنْ تطيع الزوج ولا تخلَّ بمقتضى العقد، وبما بينها وبين زوجها قال تعالى: (ولهنّ مثلُ الّذي عليهنّ) (البقرة: 228).

وقال تعالى: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ)(النساء: 24).

وقال تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: 24).

وعندما يحصل الإنجاب، ويرزقان الولد كما أشار اليه تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ)(الشورى: 49).

فحينئذٍ تتّسع دائرة الالتزامات وتنشأ حقوق جديدة، فيثبت النسب ، وينشأ حقّ البنوّة وحقّ الأبوّة.

قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ)(الأنعام: 151).

وفي نطاق الحقوق التي تنشأ من العلاقات بين أفراد الأُسرة الواحدة، نجد القرآن الكريم يُولي اهتماماً خاصّاً، فيوجب على الأبناء حُسن معاملة الآباء، ووجوب النفقة لهما، وعدم التضجّر منهما، مهما كانت الظروف والأحوال، والقواعد هنا كلّها من قبيل (القواعد الآمرة) كما يُصطلح عليها في القانون. أي لا يجوز مخالفتها.

قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) (الإسراء: 23).

قال الأردبيلي في بيانه لمعنى الآية:

ولقد بالغ الله سبحانه وتعالى في التوصية لهما، حيث شفّع الإحسان لهما بتوحيده تعالى ... ثمّ لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر... ثمّ أمر بالخضوع والتذلّل لهما (35) بقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)(الإسراء: 24).

ولم يقتصر الأمر في الإحسان والمعروف في حالة كونهما مسلمين، بل حتّى لو كانا مشركين قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا...) (العنكبوت:8).

وفي سورة أُخرى (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) (لقمان: 15).

وفي الكشّاف قال في التفسير:

وإنْ كنت مأموراً بحسن مصاحبتهما في الدنيا ثمّ إليّ مرجعُكَ ومرجعهُمَا فأُجازيك على إيمانك وأُجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم الدنيا... (36)

ونظراً لما يتميّز به القرآن الكريم من الواقعيّة ومعرفة خصائص البشر وطبيعتهم، ونظراً لكونه الشريعة الخالدة، لكلّ البشر في جميع الأزمان، فقد أخذ في حسابه وقوع الافتراق بين الزوجين، وأعطى هذا الأمر مشروعيّةً في الحالات المُوجبة، ولكنّه تدخّل في هذه المسألة، ووضع جملةً من القواعد المُلزمة والإجراءات المناسبة، تقليصاً لما ينتج عنه من آثار، ورعاية لحقّ المرأة من جهة أُخرى:

قال تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (الطلاق: 1).

والظاهر هنا كما يقول الأردبيلي (أنّه لابدّ من وقوع الطلاق، في وقت خاصّ صالح للعدّة، وأنَّ ذلك واجبٌ وشرط الصحّة لأنّها واردة لبيان تعليم الطلاق). (37)

ثمّ ينتقل القرآن إلى أمرٍ آخر يتّصل بالسابق فيقول: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (البقرة: 231).

ثمّ يقول لاحقاً: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 232).

والعضل يعني الحبس والتضييق.

ثمّ يبيّن التعليمات الأُخرى فيما يتعلّق بمسألة العدّة فيقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)(الأحزاب: 49).

والمراد بالنكاح هنا (العقد، وبالمسّ: الدخول بهنَّ) (39).

أي تخلية من غير ضرار ، كما قرّر في قوله تعالى: (ولا تُمسِكُوهِنَّ ضراراً) (البقرة: 231).

ثمّ بيّن القرآن الكريم عدد التطليقات المُمكنة فقال: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 229).

وتتضمن الآية أيضا (تخيير الأزواج بعد أنْ علّمهم كيف يطلقوهنَّ بين أنْ يُمسكوا النساء بحسن المعاشرة، والقيام بحقّهنَّ الواجب عليهنَّ، وبين أنْ يسرّحوهنَّ السراح الجميل الذي علّمهم) (40).

ولم يكتف القرآن بذلك التدخّل الواسع والتفصيلي، في هذا الميدان، بل بيّن أيضاً أنواع انحلال عقد الزواج، فقد يتمّ الانحلال والفرقة بغير الطلاق، كما اصطلح عليه الفقهاء مثلاً بالخُلع والمبارات.

قال تعالى: (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: 229).

وهناك ما اصطلح عليه بالظِهار: وهو كما لو أقدم الإنسان على عدم مراعاة الحدود الشرعيّة وسمّى الأشياء بغير أسمائها كمَن قال لزوجته (أنت عليَّ كظهر أميّ) (41) واليه الإشارة في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم)(المجادلة: 2) فهذا قول مُنكَر وباطل في نظر القرآن الكريم، ولذا حرّم القرآن الزوجة هنا على الزوج ما لم يقدّم الكفّارة أي الغرامة. (42)

وهناك نوع آخر من انحلال الزواج يُسمّى بالإيلاء كمَن حلَف أنْ لا يقرب زوجته قال تعالى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:226ـ227).

ثمّ هناك الخيانة الزوجيّة وهي موجبة للافتراق، وأخيراً الارتداد وإليه الإشارة في قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (الممتحنة: 10).

أمّا إذا انحلَّ الزواج بالموت فتنشأ هنا التزامات وحقوق من نوع آخر، فتجب على المرأة عدّة المتوفّى عنها زوجها، واليه أشارت الآية المباركة: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة: 234).

ثمّ ذكرت الآيات المباركة أنَّه: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 234).

أي (إذا انقضت عدّتهن، فلا مانع من التعرّض للخطبة، والخطاب بالتزويج بالوجه الذي لا يُنكر شرعاً) (43)

وإذا حصل الموت فهنا يتمُّ التوارث، وتوزّع التركة وفق الموازين والأنصبة والأسهم التي تكفّلت بها منظومة المواريث كما أشارت الآية المباركة:

 (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً) (النساء: 7).

فالميراث أمر قهري لا يحقُّ لأحدٍ تعديله أو إلغاؤه... (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) (النساء: 11).

لقد توسّعنا نسبياً في إيراد أكثر الأحكام المتعلّقة بالأُسرة فيما يتّصل (بالقواعد المُلزمة) غالباً في مجال الحقوق والواجبات، ويحقُّ لنا أنْ نتساءل قبل أنْ ننهي البحث في هذا المطلب، عن السرّ في تدخّل القرآن تدخلاً واسعاً وتفصيليّاً، في نطاق الأُسرة، كما اتَّضح لدينا من العرض السريع للآيات السابقة.

ونحن نرى في هذا الصدد أنَّ حرص القرآن الكريم على الاهتمام بهذه الوحدة الاجتماعية المصغّرة، وتشريع الأحكام في كلّ أمر يتّصل بها إنّما هو بهدف أنْ تكون أحسن وأكمل وأحكم ضبطاً وتنظيماً، ليتحقّق الاستقرار والانضباط في أجوائها. حتّى إذا اتّصل الفرد بالمجتمع، وتمَّ التعامل بأيّ صورة ونحو، من أنحاء التعامل، فإنَّه سيجري وفق المقرّرات والقواعد واللوائح التي وضعها (الشارع المقدّس)، فلا يجد الإنسان كلفة زائدة، ولا يتبرّم عندما يُطلب منه أنْ يخضع للقواعد القانونيّة، في نطاق التعامل الاجتماعي، بلحاظ أنّ التنشئة الاجتماعيّة التي تمّت في نطاق الأسرة، كانت قد رَسّخت احترام القانون والخضوع (لقواعده الآمرة).

وهنا ضابط آخر يُساعد على عدم حصول المنازعات والمخاصمات.

وهناك ملحظ آخر:

إنَّ القرآن الكريم في سعة تدخّله بوضع (اللوائح القانونيّة) أعني التفصيلات الوافية، في نطاق الأُسرة، أخذ بضرورة وضع الاحتياطات المناسبة والضروريّة، في عدم ترك العلاقات، بين أفراد الأُسرة الواحدة، عرضةً للاجتهاد، فالأحكام هنا يجب أنْ تكون قطعيّة واضحة ومحدّدة، كما لاحظناه في مسائل الطلاق ومسائل الإرث مثلاً، وأخذ الاحتياطات هنا بلحاظ أنّ المجتمع قد ينفلت من الخضوع للقواعد والأحكام التي أرادها الشرع، إذا كان فيها مجال للاجتهاد والتأويل،

وكما وقع ويقع مثلاً، في نطاق التعامل التجاري والمالي، إلاّ أنّ ذلك قد لا يؤدّي إلى خرابٍ شامل، لانّ المجتمع حينئذٍ قد يتعارف ويتواضع على أساليب وأُصول في التعامل وإنْ كانت غير مشروعة في نظر الشرع.

وهذا أمرٌ لا يؤدّي إلى انفراط عقد المجتمع، ولا إلى فوضى (الحقوق والواجبات)، وهو ربما يُمكن تلافيه وإصلاحه بينما لو قُدّر أنْ يحدث مثل هذا في نطاق الأسرة أعني الانفلات لأدّى ذلك إلى الانهيار الشامل الذي لا إصلاح بعده، ولا استدراك لما يُمكن أنْ ينشأ من جرائه. ومن هنا نلاحظ تكرار مثل قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) (البقرة: 229). ونحو ذلك.

وبناءً على ذلك فنحن نعتبر أكثر أحكام الأُسرة جاءت تفصيليّة في القرآن الكريم. ولذلك لا نتّفق مع الدكتور الزرقا في قوله: (إنَّ قليلاً من الأحكام تناولتها – أي الشريعة -(45) بالتفصيل، ويذكر أحكام المواريث وبعض العقوبات فقط، دون الإشارة إلى أحكام الأُسرة.

  المطلب الثاني: الحقوق الخاصّة والحقوق العامّة

يهدف القرآن الكريم، في عمليّة تقنين المجتمع، إلى ضبط الفعاليّات الاجتماعيّة المتنوّعة، سواء في نطاق التعامل المالي أو غيره، ويرمي أوّل ما يرمي إلى الحيلولة دون نشوء حالة النزاع والخصومة، وذلك بإقرار الحقوق والواجبات، كما يستفاد مثلاً من قوله تعالى: (ولهنَّ مثل الذي عليهن) (البقرة: 822) إذا أعطينا صفة التعميم لهذه القاعدة، بقاعدة نفي الضرر (46)، بمعنى أنّه – أي القرآن – في الوقت الذي يقرُّ للإنسان حقّاً يفرض عليه واجباً، فالإنسان في ممارساته لحقّه في التصرّف الشرعي مثلاً يلزم أنْ لا يلحق بالغير ضررا، وهذا ما يُستفاد مثلاً من قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضارّ كاتب ولا شهيد) (البقرة: 282).

وقوله تعالى: (ولا تمسكوهنّ ضراراً) (البقرة: 231) وقوله تعالى: (من بعد وصيةٍ يوصي بها أو دين غير مُضار) (النساء: 12) ، وقوله تعالى: (لا تُضارّ والدةٌ بولدِها ولا مَولُودٌ له بوَلدِه) (البقرة: 222).

ومع كلّ ذلك فإنّ وقوع النزاع والتخاصم أمرٌ لا مفرّ منه، ولذا اتّجه القرآن، في هذا الصدد، إلى وضع لائحة النظام القضائي، كما سنشير إليه في محلّه.

إنّنا هنا – وكما أشرنا – سنتكلّم على الحقوق الخاصّة والعامّة، وفق الهيكليّة القانونيّة، وسنكتفي هنا بذكر المبدأ القانوني ، وإيراد الآية التي تصرّح به أو تشير إليه. لأنَّ غايتنا هنا هو رسم أبعاد النظريّة القرآنيّة لا الدخول في التفاصيل.

وستلتزم بما نبّه عليه الدكتور الزرقا من الهيكليّة المذكورة، لتتكون لدينا صورة كليّة، عن تقنين المجتمع في القرآن الكريم. لقد ذكر الدكتور الزرقا(47) أنَّ النظام القانوني في الشريعة تضمّن قواعداًَ وأحكاماً أساسيّة في كلا الميدانَين، ميدان الحقوق الخاصّة بنوعيها المدني والجنائي، وميدان الحقوق العامّة بنوعيها الداخلي والخارجي أي الدستوري والإداري والمالي والدولي، وعليه سنعرض أوّلاً لميدان الحقوق الخاصّة.

  أولاً: الحقوق الخاصّة

استوفينا الحديث في حقوق الأُسرة في المطلب السابق، وهي تدخل ضمن هذا القسم أصلاً، وقد أفردناها بالبحث لأكثر من اعتبار نوّهنّا عنه، أمّا هنا فسنتحدّث عن الحقوق المدنيّة أوّلاً ثمّ الحقوق الجنائيّة – كما اصطُلح عليها –

  1- الحقوق المدنيّة:

أـ اعتبر القرآن كلَّ فعلٍ ضارٍ بالغير مُوجباً لمسؤوليّة الفاعل أو المتسبّب، بالتعويض عن الضرر (48) ولو كان عن خطأ:

قال تعالى: (ومن قَتَل مُؤمناً خطأ فتحريرُ رقبة مؤمنةٌ وديّة مسلّمةٌ إلى أهْلِه) (النساء: 92).

وإذا كان عن عمدٍ وقصد، فقد أوجب العقوبة قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (البقرة: 179).

وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) (البقرة: 178).

وهناك التزامات تنشأ بإرادة الفرد كالوصيّة مثلاً، كما أشار القرآن: (إنْ تَرَكَ خيراً الوصيّة) (البقرة: 180).

ب- في العقود: أقرّ القرآن في العقود الأُسثس الآتية:

أولاً: العقد المشروع ملزم لعاقده دون غيره، كما إنَّ إقرار الشخص لا يسري إلاّ على نفسه (49) قال تعالى: (أوفوا بالعقود) (المائدة: 1).

ثانياً: الشروط العقديّة مُلزمة للعاقدين(50) إلاّ ما يُخالف النظام العام والآداب. وإليه الإشارة في قوله تعالى: (وأوفوا بالعهد) (الإسراء: 34). وإنّما يلزم الوفاء بالعقد وبالشرط إذا لم تخالف أُصول الشريعة ومبادئها استناداً إلى قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (النساء:29).

ثالثاً: العقود كلّها رضائيّة (51) أي أنّها تنعقد بالتراضي، وإليه الإشارة في قوله تعالى: (إلاّ أنْ تكونَ تجارة عن تراضِ منكم) (النساء: 28).

رابعاً: الالتزام بحسن النيّة في العقد، ويقصد به خُلُوّه من الغبن والغش والتغرير والتدليس ونحو ذلك (52) . وهذه الأمور يعتبرها الشرع أكلاً للمال بالباطل، وقد جاء قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (النساء: 29).

  2- الحقوق الجنائيّة:

أ- كلّ فعل ممنوع يعتبر ارتكابه جريمة، وكلّ جريمة لها عقوبة قال تعالى: (ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين) (البقرة: 19).

وقال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (البقرة: 194).

وقال تعالى: (وجزاء سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها) (الشورى: 40)

ب – حدّدت الشريعة في القرآن الكريم جرائم معيّنة أوجبت عليها نوعاً من العقوبة. وقد أطلق على هذه الجرائم جرائم الحدود، وهي:

- حدّ الزنا (والزانية والزاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدة) (النور: 2).

- ثمّ حدّ السرقة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (المائدة: 38).

- ثمّ جريمة قطع الطريق والسلب وحدّها القتل قال تعالى: (إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا...) (المائدة: 33).

- ثمّ جريمة القذف أي رمي المحصنات بالزنا ونحوه: قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً) (البقرة: 179).

إلا أنّ القرآن هنا أجاز العفو لوليّ الدم (53) قال تعالى: (فمَن عُفيَ لهُ مِن أخيهِ شيء) (البقرة: 178).

وقال تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: 40).

وقد يكون من المناسب أنْ نورد هنا جملة من المبادئ والقواعد القانونيّة في إطار القانون الجنائي، ومنها:

1- لا عقوبة إلا بنصٍّ خاص أو عام، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: 15).

2- العقوبة على الجاني فقط، مباشراً أو متسبّباً قال تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الإسراء: 15)، (الأنعام: 164).

3- مبدأ المعاملة بالمثل يعتبر ساري المفعول (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلّها).

4- جواز الأخذ بمبدأ العفو في جريمة القتل بالنسبة لوليّ الدم. (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) (البقرة: 178).

  ثانيا: قسم الحقوق العامّة

1- الحقوق الدستوريّة:

أقرّت الشريعة والقرآن الكريم ثلاثة مبادئ أساسيّة هي:

أ – الحريّة التامّة للناس دون إخلال بالنظام العام والآداب أو التجاوز على حدود حريّة الغير، وفي هذا الصدد نجد:

- قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).

وقوله تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99).

وقوله تعالى: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (البقرة: 60).

ب- المساواة أمام القانون، فلا امتياز لنسب ولا لطبقة (54) من الناس، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

وقال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...). (النساء:1)

ج – قيام الحكم على أساس الشورى: ونعني به إعطاء الأمّة دور الحكَم (55) أو الرقابة والإشراف (56).

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38).

وقال تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران 159).

2- الناحية الإداريّة:

وقد أشار القرآن الكريم أنَّ لوليّ الأمر في الدولة صلاحيّات إداريّة تنفيذيّة وانَّ في يده جميع السلطان. (57)

قال تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59).

  3- في الناحية الماليّة العامّة:

حدّد القرآن أنّ الأموال في واقعها هي للأمّة، وإنّما الحاكم له النيابة فيها. (58)

واليه الإشارة في قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7).

وقال تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ...) (الأنفال: 41).

أمّا في مجال الحقوق الخارجيّة أي في نطاق العلاقات مع المجتمعات الأُخرى فقد أقرَّ القرآن المبادئ والقواعد الآتية:

1- الشعوب متساوية في الحقوق الإنسانيّة:

قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 13).

2- المعاملة يجب أنْ تقوم على أساس العدل:

قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ). (الممتحنة:8)

وقال تعالى: (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8).

3- المعاهدات محترمة بين الأمم والدول وهي ملزمة:

وقال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (الرعد: 20).

وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً) (الإسراء: 34).

وقد ذكر العلامة الطباطبائي أنّ الوفاء بالعهد يشمل الفردي والاجتماعي. (59)

4- المعاملة بالمثل جائزة، ولا يجوز المحاربة بدون إنذار:

قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194).

وقال تعالى : (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).(البقرة :190)

وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) (البقرة: 84).

وإلى هنا نكون قد بينّا الملامح العامّة للنظريّة القرآنيّة، في تقنين المجتمع، على سبيل الاختصار. ويشفع لنا في هذا الإيجاز أنّنا إنّما نريد أنْ نرسم صورة كليّة. وقد اكتفينا بهذا القدر، ونعتقد أنَّ فيه كفاية إنْ شاء الله.

والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة: الخطبة 18: 6- 61، ضبط الدكتور صبحي الصالح.

(2) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 4: 196.

(3) الشهيد الإمام الصدر (رض): منابع القدوة في الدولة الإسلاميّة: 17- 18 (طبعة طهران، مؤسّسة بعثت).

(4) الدكتور مصطفى الزرقا: المدخل الفقهي العام 1: 32.

(5) ابن أبي الحديد المعتزلي: راجع الخطبة في نهج البلاغة: 4: 93، 78.

(6) العلاّمة الحجّة عبد الله الجوادي الآملي: خمس رسائل: 7- 8: (مؤسّسة النشر الإسلامي: قم 1404هـ).

(7) فخر الدين الطريحي: مجمع البحرين 1: 276 باب الألف أوّله طاء، وراجع الكشّاف للزمخشري 1: 525.

(8) الحرّ العاملي: وسائل الشيعة 18: 18 (طبعة 5، طهران، 1401هـ).

(9) الطبرسي: مجمع البيان 1:15 من المقدّمة (دار إحياء التراث العربي، ط1، 1412 هـ).

(10) نهج البلاغة: الخطبة رقم 18: ضبط الدكتور الصالح.

(11) الخطبة رقم 158: المصدر السابق.

(12) العلامة السيّد محمود الهاشمي: مصدر التشريع ونظام الحكم: 42 (مطابع نمونه. قم. 1408هـ).

(13) راجع مسند الإمام أحمد بن حنبل 1: 3 (طبعة دار صادر، في قصّة تبليغ سورة براءة) وراجع الكشّاف للزمخشري 2: 243، والرواية في صحيح الترمذي 5: 594.

(14) الشيخ منصور ناصف: التاج الجامع للأصول من أحاديث الرسول (ص) 3: 335، (طبعة مصوّرة، باموق، اسطنبول).

(15) نهج البلاغة: خطبة رقم 210، ضبط الدكتور الصالح، وراجع بحار الأنوار للمجلسي 92: 99 (طبعة طهران).

(16) السيوطي: نقله في الإتقان 4: 234 (الطبعة المحقّقة).

(17) حلية الأولياء 1: 68 (طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط5).

(18) الإتقان السابق، وراجع طبقات ابن سعد 2: 338 (دار الكتب العلميّة، بيروت).

(19) السيّد الهاشمي: مصدر التشريع: 70.

(20) الدكتور عبد المنعم فرج الصدّة، مبادئ القانون 6 (دار النهضة العربيّة، بيروت ، 1977).

(21) المصدر نفسه.

(22) الزمخشري: الكشّاف: 1: 233 (طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1987).

(23) راجع هداية العباد للمرجع الديني السيّد محمّد رضا الگلپايگاني 1: 353.

(24) الصدّة: مبادئ القانون :7.

(25) الشهيد الصدر: لمحة فقهيّة تمهيديّة عن مشروع دستور الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران: 14.

(26) العلامة السيّد محمود الهاشمي: مصدر التشريع: 70.

(27) الدكتور الزرقا: المدخل الفقهي العام: 1: 34، راجع الميزان: 4: 109.

(28) المصدر السابق.

(29) الصدّة: مبادئ القانون: 34.

(30) الميزان: 305و 17: 88- 91.

(31) الأردبيلي: زبدة البيان: 607.

(32) المصدر نفسه: 522 – 533.

(33) الصدّة: مبادئ القانون: 54.

(34) زبدة البيان: 510.

(35) المصدر السابق.

(36) الزمخشري: الكشّاف 3: 494.

(37) زبدة البيان: 591.

(38) السابق: 588.

(39) المصدر السابق: 597.

(40) المصدر السابق: 600.

(41) المصدر السابق: 605.

(42) المصدر السابق: 610.

(43) المصدر السابق.

(44) الشيخ الجوادي الآملي: خمس رسائل: 204.

(45) المدخل الفقهي العام 1: 22.

(46) راجع في حاكميّة قاعدة الضرر: رسائل الشيخ الأنصاري: 296 (الطبعة القديمة، وجداني، قم).

(47) الزرقا: المدخل الفقهي 1: ص34.

(48) المصدر السابق 1: 41.

(49) المصدر السابق 1: 42.

(50) الأردبيلي: زبدة البيان: 462، راجع الميزان للعلاّمة الطباطبائي 5: 108.

(51) الأردبيلي: زبدة البيان: 462.

(52) المدخل الفقهي: المصدر السابق.

(53) زبدة البيان: 667.

(54) السيّد الهاشمي: مصدر التشريع: 90.

(55) و(56) المصدر السابق: 103، وراجع في تفصيل المسألة.

الإمام الراحل الخميني (رض): الحكومة الإسلاميّة أو ولاية الفقيه، الشهيد الصدر، بحث حول الولاية: ولمحة فقهيّة.

السيّد محمّد باقر الحكيم: الحكم الإسلامي بين النظريّة والتطبيق. أساس الحكومة الإسلاميّة للسيّد كاظم الحائري.

(57) المصادر السابقة.

(58) الشهيد الصدر: راجع خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي: 11.

(59) راجع الميزان: 5: 158 – 159 ، 160 – 161.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2009/05/11   ||   القرّاء : 2702





 
 

كلمات من نور :

من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها .

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 أسلوب القرآن البديع*

 الاقتداء بنهج النبي (صلّى الله عليه وآله)

 منهاج الإمام السجّاد (عليه السّلام) في التربية الروحية *

 ميثاق الإمامة في آية الولاية *

 أحسن القصص / فوز الشّيعة

 أحسن القصص / آداب الوصيّة

 أحسن القصص / نار تحرق رزق الطّامعين

 أحسن القصص / رجال مقاومون أوفياء

 أحسن القصص / أرباب أضعف من الذّباب

 أحسن القصص / امتنان قريش

ملفات متنوعة :



 106 ـ في تفسير سورة قريش

 شعيشع: كان ( محمد رفعت) يدعو الجميع إلى فهم معاني آيات القرآن قبل التلاوة

 مسؤولية الأمة تجاه القرآن الكريم

 القـران والتحريف (القسم الثاني)

 سلسلة دروس في الوقف والابتداء (الدرس التاسع)

 الشيخ ميثم التمّار.. أوّل قارئ عراقي يحصل على قراءة مصرّح بها من قبل وزارة الأوقاف المصرية

 آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني: آيات القرآن تثبت أن كل الكائنات فی العالم ذات علم وشعور

 كلمة شكر للمساهمين بتسنّم الدار المراتب الأولى في المسابقة القرآنيّة للعام ١٤٤٠هـ

 إصفهان تستضيف المسابقات الدولية للقرآن الكريم في العام القادم

 هيمنة القرآن على الكتب السماوية

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 13

  • الأقسام الفرعية : 71

  • عدد المواضيع : 2144

  • التصفحات : 8403146

  • التاريخ : 17/06/2019 - 23:37

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 فدك قراءة في صفحات التاريخ

 تساؤلات معاصرة (باللغة العربية)

 مبدأ الرفق ومسؤولية الأب اتجاه الأسرة

 الحرّية في المنظور الإسلامي

 شذرات توضيحيّة حول بعض القواعد الفقهيّة

 تأثر الأحكام بعصر النص

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 1

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 3

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4



. :  كتب متنوعة  : .
 المختصر الميسّر في التجويد المصوّر

 الأخطاء الشائعة في تلاوة القرآن على رواية حفص

 اشكالات قرآنية - أسالة وردود

 تفسير نور الثقلين ( الجزء الثاني )

 الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء السابع عشر

 تفسير النور - الجزء الرابع

 تفسير نور الثقلين ( الجزء الرابع )

 فهرس أحاديث حول القرآن

 وسيلة المعلّمين في رسم وتجويد الكتاب المبين

 تفسير النور - الجزء الثامن

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 حول امتناع إبليس من السجود

 الشفاعة في البرزخ

 في أمر المترفين بالفسق وإهلاكهم

 التشبيه في قوله تعالى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}

 هل الغضب وغيره من الانفعالات ممّا يقدح بالعصمة؟

 كيف يعطي الله تعالى فرعون وملأه زينة وأموالاً ليضلّوا عن سبيله؟

 كيف لا يقبل الباري عزّ وجلّ شيئاً حتى العدل {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}؟

 حول المراد من التخفيف عن المقاتلين بسبب ضعفهم

 توهّم التعارض بين الآيتين {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}، و {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ}

 حول المراد من قوله تعالى: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 ما المقصود بالآيات المتشابهات ؟

 هل الجنة التي وعدنا بها هي جنّة آدم (ع) وهي مخلوقة ؟

 ماذا كانت لغة نبي الله آدم في الجنة. وعندما نزل الى الارض ماذا كانت لغته. وما هو السبب تعدد لغات العالم؟

 ماهو المقصود من ان الله (يخرج الحي من الميت) وبالعكس في آيات القرآن؟

 ورد قوله تعالى : ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً )

 ما هو المراد من إن الله «مغني» و«مقني»؟

 هناك أشخاص لا يمتنعون من العمل في أيّ مجال للحصول على الثروة أو القدرة، وليس لديهم ذلك الورع الذي يحجزهم عن الوقوع في المعاصي، هؤلاء الأشخاص كيف خاطبهم القرآن الكريم؟

 كيف رأى ذو القرنين الشمس تغرب في عين ٍحمئةٍ ؟

 أريد أن أعلم هل أن الطهارة مطلوبة عند لمس الآيات القرآنية المكتوبة على الأحجار ؟

 هل إن الوصايا والملاحظات التي تتعلق بالحفظ تقتصر في قاعة الدرس ومع التلاميذ؟

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 ابتهال شهر الصيام تحية وسلاما

 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن...

 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب... - بأسلوب التحقيق

 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب... - بأسلوب التدوير

 شعاع تراءا من علي وفاطم

 إنّ في الجنة نهراً من لبن

 رمضان تجلى

 وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

 يا ابن الحسن روحي فداك

 يا من بولائك نفتخر



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (20955)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (9875)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (6919)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6467)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5547)

 الدرس الأول (5199)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (4922)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (4896)

 الدرس الاول (4732)

 درس رقم 1 (4668)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (5210)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3522)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (2626)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2566)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2434)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (1989)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (1901)

 تطبيق على سورة الواقعة (1794)

 الدرس الأول (1776)

 الدرس الأوّل (1709)



. :  ملفات متنوعة  : .
 الجزء العشرون

 عبس

 الدرس التاسع عشر

 الحج 23 - 38

 سورة الناس

 61- سورة الصف

 سورة آل عمران

 الفتح 27 إلى 29+الضحى+قريش+الكوثر

 القارعة

 سورة البقرة

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (6160)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (5783)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (5169)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (4981)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (4541)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4468)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (4395)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (4304)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (4290)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (4217)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1711)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (1557)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1452)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (1451)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1161)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1136)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1104)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (1083)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (1064)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (1061)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 آية وصورة 4

 آية وصورة 3

 لقاء مع الشيخ أبي إحسان البصري

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 خير النبيين الهداة محمد ـ فرقة الغدير



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net