00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

التعريف بالدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • من نحن (2)
  • الهيكلة العامة (1)
  • المنجزات (12)
  • المراسلات (0)
  • ما قيل عن الدار (1)

المشرف العام :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرته الذاتية (1)
  • كلماته التوجيهية (10)
  • مؤلفاته (3)
  • مقالاته (57)
  • إنجازاته (4)
  • لقاءاته وزياراته (14)

دروس الدار التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (8)
  • الحفظ (15)
  • الصوت والنغم (11)
  • القراءات السبع (5)
  • المفاهيم القرآنية (6)
  • بيانات قرآنية (10)

مؤلفات الدار ونتاجاتها :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المناهج الدراسية (7)
  • لوائح التحكيم (1)
  • الكتب التخصصية (8)
  • الخطط والبرامج التعليمية (2)
  • التطبيقات البرمجية (9)
  • الأقراص التعليمية (14)
  • الترجمة (10)
  • مقالات المنتسبين والأعضاء (26)
  • مجلة حديث الدار (51)
  • كرّاس بناء الطفل (10)

مع الطالب :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات الأشبال (23)
  • لقاءات مع حفاظ الدار (0)
  • المتميزون والفائزون (14)
  • المسابقات القرآنية (22)
  • النشرات الأسبوعية (48)
  • الرحلات الترفيهية (12)

إعلام الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الضيوف والزيارات (158)
  • الاحتفالات والأمسيات (69)
  • الورش والدورات والندوات (60)
  • أخبار الدار (33)

المقالات القرآنية التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (151)
  • العقائد في القرآن (62)
  • الأخلاق في القرآن (166)
  • الفقه وآيات الأحكام (14)
  • القرآن والمجتمع (68)
  • القصص القرآني (40)
  • قصص الأنبياء (ع) (23)

دروس قرآنية تخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (17)
  • الحفظ (5)
  • القراءات السبع (3)
  • الوقف والإبتداء (13)
  • المقامات (5)
  • علوم القرآن (1)
  • التفسير (9)

تفسير القرآن الكريم :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علم التفسير (87)
  • تفسير السور والآيات (179)
  • تفسير الجزء الثلاثين (29)
  • أعلام المفسرين (16)

السيرة والمناسبات الخاصة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النبي (ص) وأهل البيت (ع) (96)
  • نساء أهل البيت (ع) (35)
  • سلسلة مصوّرة لحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) (14)
  • عاشوراء والأربعين (41)
  • شهر رمضان وعيد الفطر (19)
  • الحج وعيد الأضحى (2)

اللقاءات والأخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • لقاء وكالات الأنباء مع الشخصيات والمؤسسات (40)
  • لقاء مع حملة القرآن الكريم (41)
  • الأخبار القرآنية (95)

الثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الفكر (2)
  • الدعاء (16)
  • العرفان (1)
  • الأخلاق والإرشاد (18)
  • الاجتماع وعلم النفس (12)
  • شرح وصايا الإمام الباقر (ع) (19)

البرامج والتطبيقات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (3)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : المقالات القرآنية التخصصية .

        • القسم الفرعي : القرآن والمجتمع .

              • الموضوع : الانحراف الاجتماعي ومعالجته على ضوء النظرية القرآنية .

الانحراف الاجتماعي ومعالجته على ضوء النظرية القرآنية

د . زهير الاعرجي

ربما يعزى نجاح النظرية القرآنية في تحليلها ومعالجتها لظاهرة الانحرف الاجتماعي الى أربعة اسباب رئيسية ، لم تلتفت اليها النظريات الاجتماعية المعاصرة كنظريات ( الانتقال الانحرافي ) ، و(القهر الاجتماعي ) ، و( الضبط الاجتماعي ) ، و( الالصاق الاجتماعي ) التي سنتناولها بالنقد لا حقاً باذن الله . وهذه الاسباب الاربعة هي : الاول : العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي جاء بها الاسلام وحاول تطبيقها على الافراد . الثاني : العقوبة الصارمة ضد المنحرفين كالقصاص والدية والتعزير . الثالث : المساواة التامة بين جميع الافراد امام القضاء والشريعة في قضايا العقوبة والتأديب والتعويض . الرابع : المشاركة الجماعية في دفع ثمن الجريمة والانحراف ، كإلزام عائلة المنحرف دفع دية القتيل عن طريق الخطأ ، ودفع دية القتيل الذي لا يعرف قاتله من بين المال.

فعلى الصعيد الاول ، نادى الاسلام بالعدالة الاجتماعية واعتبرها الاساس في بناء المجتمع السليم من الانحرافات الشخصية القائمة على الاساس الاقتصادي أو السياسي ، كالغصب والسرقة والاعتداء على حقوق الآخرين . وقد فصلنا القول في ذلك في الفصل الثاني من هذه الكتاب.

وعلى الصعيد الثاني ، فان ديناً متكاملاً كالاسلام لابد وان يطرح للانسانية المعذبة نظاماً يعالج فيه مختلف زوايا الانحراف ، ويحلل من خلاله ـ بكل دقة ـ دوافع الجريمة في المجتمع الانساني ، ويشرع ـ على ضوء ذلك ـ احكاماً صارمة لقلع منشأ الانحراف من جذوره النابتة في عمق النفس البشرية ؛ لأن الخالق عز وجل أدرى بتلك النفس الانسانية التي صممها وأنشأها : ( ( ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها ) ) (1) . فمن أجل مكافحة الجريمة وتعويض الضحية ، صنف النظام الاسلامي العقوبات الى قسمين ؛ هما : العقوبات الأدبية والعقوبات المادية . فالعقوبات الأدبية تشمل جانبين ايضاً ؛ وهما : الاول : الحدود ، وهي العقوبات المقدرة في الكتاب والسنة ؛ بمعنى ان الشارع لم يسمح للقاضي الشرعي التصرف في أمر تقديرها ، كالقصاص في جرائم القتل والقطع والجرح ، كما اشار قوله تعالى الى ذلك : ( ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الالباب ) (2) ، وعقوبات الزنا ، واللواط ، والسحاق ، والقيادة ، والقذف ، والسرقة ، والسكر ، والارتداد ، وقطع الطريق . والثاني : التعزيرات ؛ وهي العقوبات التي فوض أمر تقديرها وتحديدها لنظر الحاكم الشرعي ، فيعاقب عليها بما يراه مناسباً ، كعقوبة التزوير والغيبة ونحوها.

والعقوبات المادية : هي الديات ، أو المال الواجب دفعه بسبب الجناية على النفس أو مادونها : ( وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الاخطأً ، ومن يقتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ، ودية مسلمةٌ الى أهله الا ان

____________

 (1) الشمس : 7 ـ 8.

(2) البقرة : 179.

يصدقوا ) (1) . وتشمل جانبين ايضاً ، وهما : اولاً : الديات المقدرة على لسان الشارع ، كدية النفس والاعضاء ، وثانياً : الديات التي فوض أمر تقديرها الى الحكومة ، أو الخبراء الموثوق بهم.

وبالاجمال : فان الاسلام صنف الانحراف الى اربعة اصناف ، وهي :

1 ـ جرائم الاعتداء على النفس البشرية وما دونها ، وفيها القصاص أو الدية مع الشروط.

2 ـ جرائم ضد الملكية وفيها القطع ، والمقاصة ، ووجوب رد المغصوب.

3 ـ الجرائم الخلقية ، وفيها الرجم والقتل والجلد.

4 ـ جرائم ضد النظام الاجتماعي ، كالمحاربة والاحتكار ونحوها وفيها التعزير أو الغرامة ، وأوجب في الديات غير المقدرة شرعاً الارش أو الحكومة.

وهذه الاحكام الشرعية هدفها الردع أكثر من الانتقام ، حتى ان القصاص الذي يبدو ظاهراً قضية انتقامية يؤدي في الواقع دوراً اساسياً في ردع الانحراف وتأديب المنحرفين ؛ فانزال الاذى المماثل بالجاني أمضى تأثيراً من عقوبة السجن ، التي آمن بها النظام القضائي الغربي (2) . والسارق الذي تؤدبه الشريعة الاسلامية بقطع اليد يعتبر أكثر انتاجاً من السارق الذي يقبع في سجون الانظمة الرأسمالية مثلاً سنوات معطلاً طاقته الانتاجية ومستهلكاً موارد النظام الاجتماعي . وما ان يخرج الى اجواء الحرية مرة

___________

(1)  النساء : 92.

(2)  (ارفينك كوفمان ) . اللجوء : بحوث حول الموقف الاجتماعي للمصابين بالامراض العقلية ونزلاء السجون . شيكاغو : آلدين ، 1961 م.

اخرى حتى يرتكب انحرافاً مماثلاً لذلك ادخله السجن أول مرة.

وعلى الصعيد الثالث ، فان الاسلام نادى بالمساواة بين الافراد في العقوبة والتعويض ، فالسارق مع توفر الشروط يقطع حتى لو كان يشغل أعلى وظيفة سياسية في الدولة لإطلاق الآية الكريمة ( والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما ) (1) ، وعدم تخصيصه بفئة معينة من السراق مثلاً . والزاني مع توفر الشروط يقام عليه الحد كائناً من كان . ولا يستثنى أحد لسبب طبقي أو وراثي من اقامة الحدود الشرعية . وهنا يكمن الفرق بين النظامين التشريعي الاسلامي والقضائي الغربي الرأسمالي . ففي حين يفلت مجرمو الطبقة الرأسمالية من قبضة العقاب ، باعتبار ان العقاب المعنوي لافراد الطبقة العليا اشد ايلاماً من العقاب الجسدي ؛ يصون التشريع الاسلامي النظام القضائي من عبث الاصابع البشرية التي يدفعها الهوى والطموح الشخصي . وبعد اربعة عشر قرناً من الزمان ، لم يستطع مقننٌ واحد ـ أياً كان مذهبه ـ من تغيير حكم القرآن في قطع يد السارق أو قتل القاتل المتعمد أو جلد الزانية والزاني ؛ في حين ان القوانين الوضعية تبدلت تبدلاً جذرياً خلال القرون الماضية من عمر البشرية.

ولاشك ان الافراد جميعأً بمختلف ألوانهم وهيئاتهم متساوون امام الشارع ، فالاسود والابيض والاصفر سواسية كاسنان المشط في مثولهم امام الحاكم الشرعي وانزال العقاب بهم أو تبرئتهم : ( ان الله يأمر بالعدل

____________

(1) المائدة : 38.

والاحسان  (1) ،  ان الله يحب المقسطين  (2) ، بل ان الشارع يعاقب من يميز على اساس اللون ، أو يتعدى حدود القصاص ، ويلزمهم بدفع مقدار التعدي.

ولابد ان نذكرهنا ، ان النظرية الاسلامية قد ميزت الانحراف بانواعه وطرقه المتعددة ، واعتبرت فيه الاسباب الموجبة . فاخذت الاضطراب العقلي ، وعدم البلوغ مثلاً ، بعين الاعتبار في انشاء الحكم على القاتل . وميزت بين قتل العمد ، وقتل الخطأ ، والقتل الشبيه بالخطأ ؛ وافردت لكل واحد منها حكماً خاصاً. وأعطت الشريعة للاحداث والصبيان فرصة لعلاج انحرافهم بدل إنزال العقاب بهم.

وعلى الصعيد الرابع ، فان الاسلام شجع المشاركة الجماعية في دفع الانحراف بطرق عديدة ؛ منها :

اولاً : ان ولي الامر مسؤول شرعاً عن دفع الدية اذا ارتكب من يتولاه انحرافاً يستوجب دفع تلك الغرامة . ثايناً : ان العلاقة الاسرية التي أكد عليها الاسلام تساهم من خلال التعاون والتآزر على اصلاح الفرد المنحرف في الاسرة . ثالثاً : العاقلة ، وهم العصبة من قرابة الاب كالاخوة والاعمام واولادهم ، التي تتحمل دية القتل الخطأ ، ودية الجناية على الاطراف ونحوها ، ضمن شروط معينة . والمدار في كل ذلك ان الافراد في المجتمع ملزمون اخلاقياَ ، بارشاد واصلاح ذويهم ودرء خطر الانحراف عنهم.

____________

(1)  النحل : 90.

(2)  الممتحنة : 8.

الانحرافات الاجتماعية الرئيسية واساليب معالجتها

ولاشك ان الانحرافات التي فصلتها الشريعة وأوجبت فيها العقوبات الادبية والمادية ، تأخذ مجريين شرعيين ؛ الاول : ما يستدعي ارتكابها التعدي على حقوق الله سبحانه وتعالى ، وهي الزنا واللواط وشرب المسكر ؛ لأنها تعد مخالفة لأمر الله ، ولا يجوز العفو فيها بعد قيام البينة وثبوت الحد . والثاني :

ما يستدعي ارتكابها التعدي على حقوق الله وحقوق الفرد معاً ، كالقذف والسرقة والقتل ، لأن فيها جهة شخصية متضررة ، فيتوقف اقامة الحد على المطالبة من المتضرر أو من يرثه . ويجوز للحاكم الشرعي اقامة الحد فيما يتعلق بحقوق الله بمجرد علمه ، ولكنه لا يستطيع القيام بذلك فيما يتعلق بحقوق الناس كالسرقة والقذف.

: ـ جرائم الاعتداء على النفس الانسانية وما دونها 1  وهي جرائم القتل والجراح والشجاج وإسقاط الجنين ، وقد أوجب فيها الاسلام القصاص ، أو دفع الدية ، وأوجب كفارة القتل في مواضع معينة ، وأباح للمعتدى عليه الدفاع عن نفسه في كل الاحوال.

فالقصاص ـ وهو من اقتفاء الاثر (1) ، كما في قوله تعالى : ( وقالت

____________

(1)  مجمع البيان ج 20 ص 270.

لاخته قصيه ... ) (1) ، وشرعاً وجوب المماثلة في القتل والقطع بشروطها الشرعية ـ يعتبر من أقصر الطرق الى تحقيق العدالة القضائية : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  (2) ( وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والانف بالانف ، والاذن بالاذن ، والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون  (3) . ففي حين يعلن الاسلام بكل قوةٍ وجوب المماثلة في القصاص ، يقوم النظام الغربي ـ في تشريعه لعقوبة الانحراف ـ بفرض القيود على حرية المجرم عن طريق السجن ، أو العلاج الطبي ، أو خدمة مؤسسات الادارة المحلية ، أو بتعويض الضحية مالياً (4) . وهذه الاساليب لا تبعد المنحرف عن انحرافة ولا تقدم للضحية مثالاً واقعياً لمعاقبة الجاني ، بل تربك النظام الاجتماعي وتستهلك موارده المالية ؛ لان السجن والطب النفسي اثبتا فشلهما في علاج المنحرف علاجاً حقيقياً ( لاحظ دراساتنا حول الانحراف الاجتماعي واساليب العلاج في الاسلام).

وقد ذهب أكثر الفقهاء الى ان القاتل المتعمد لو مات قبل الاقتصاص منه ، اخذت الدية من ماله اذا كان له مال ، أو من مال ارحامه اذا لم يكن له مال ، لقوله تعالى : ( فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) (5) ، وللرواية المروية عن

____________

(1)  القصص : 11.

(2)  البقرة : 194.

(3)  المائدة : 45.

( 4) ( مارشال كلينارد ) و( روبرت ميير ) . علم اجتماع السلوك المنحرف . الطبعة السادسة . نيويورك : هولت ، راينهارت ، وونستن ، 1985 م.

(5) الاسراء : 33.

الامام الصادق (ع) عندما سئل عن هروب القاتل ، فقال : ( ان كان له مال اخذت الدية من ماله ، والا فمن الاقرب فالاقرب فان لم يكن له قرابة أداه الامام ، فانه لا يبطل دم امرئ مسلم)  (1).

ومع تأكيد القرآن الكريم على القصاص او المماثلة عيناً بعين وسناً بسن ، الا انه في الوقت نفسه وضمن اطاره الاخلاقي يحبب لاولياء المقتول العفو عن القاتل مع الامكان ) فمن تصدق به فهو كفارة له (2) ( وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا واصلح فأجره على الله)  (3).

اما الدية ، فان الاصل في وجوبها قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الا خطأً ومن قتل مؤمنأً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمةٌ الى اهله الا ان يصدقوا فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الى اهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً ) (4) . ولاشك ان الدية عامل مهم من عوامل التعويض المالي المختص بجرائم قتل الخطأ وشبه العمد ؛ فانهما يوجبان الدية دون القصاص . ويوجب الدية ايضاً التراضي بين الطرفين . وفي الضرب الذي لا يجرح ولكنه يولد احمراراً ونحوه ، الارش أو الحكومة . وفي الضرب الذي يسبب الالم فقط : التعزير . وتتعين دية المقتول عمداً في حالات استثنائية فقط ؛ منها : فوات المحل ، كموت القاتل ونحوه.

____________

(1) الجواهر ج 42 ص 330.

(2) المائدة : 45.

(3) الشورى : 40.

(4) النساء : 91.

ومن المسلم به ان الدية المقدرة شرعاً في قتل المسلم الذكر عمداً الف دينار ذهب ، وهو ما يعادل اكثر من 3.5 كيلو غرام ذهباً ، أو ما قدر شرعاً من الشياه والابل والابقار والحلل والفضة . وهذه الكمية من المال كافية لاغناء العائلة المفجوعة بفقد معيلها ، حتى لا تمد يدها استعطاءً للناس . والاصل في احكام الديات ان القاتل يضمن الدية اذا كان قاصداً القتل أو الفعل الذي يؤدي اليه.

ولم يتوقف دفع الدية على القتل فحسب ، بل تعدى الى تلف الاعضاء كالعين والانف والشفة واللسان والاسنان ونحوها ، والى تلف المنافع كالعقل والسمع والبصر والشم والنطق ونحوه ، والى الجراح المختصة بالرأس والوجه كالحارصة والدامية والباضعة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمأمومة ونحوها . وفي غير ذلك يتعين الارش الذي تقدره الحكومة.

وبطبيعة الحال فان تقدير قيمة الضمان ، في النظام الاسلامي ، تخدم المجتمع عن طريق عاملين ؛ الاول : تعويض الضحية أو اسرته تعويضاً مالياً يسد حاجاتها الاساسية التي حرمت من اشباعها بفقدان المعيل ، والثاني : ردع الانحراف الاجتماعي ، بابلاغ المنحرفين علناً بأن انحرافهم لا يمر دون ثمن باهض يدفعونه لصالح الضحية وبالتالي لصالح النظام الاجتماعي.

ولاشك ان اشراك العاقلة في دفع الدية ، واشراك القسامة في التحليف حالة اللوث ، يعتبران من أهم العوامل الرادعة للانحراف الاجتماعي ؛ لأن الفرد ـ لكونه كائناً اجتماعياً ـ فانه يرتبط بعشيرته ومحلته وقريته بروابط الزواج والاخوة والاسرية والمصلحة الاجتماعية . وهذه الروابط تقلل من فرص زيغه عن اعراف وقوانين النظام الاجتماعي العام ، وتجعل الجريمة التي يرتكبها فضيحة اجتماعية تجلب عليه وعلى اسرته وعشيرته ، وصمةً وعاراً لا تمحو آثارها السنون . اما اذا كانت الجناية خطأً ، فان مشاركة العصبة أو العشيرة في تسديد ثمنها المالي ، يعتبر بمثابة المشاركة الجماعية في مساعدة العائلة المفجوعة ، وتقويتها امام المحن والمصاعب الاقتصادية القادمة.

وتكمن اهمية العاقلة في المشاركة في دفع دية الخطأ بما يلي :

1 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع دية الخطأ يخفف من تحمل الفرد كاهل دفع تلك الدية لوحده ، وهو مبلغ هائل ، كما هو واضح.

2 ـ ان مساهمة العاقلة في دفع الدية يساهم في تقوية العلاقات والاواصر الاجتماعية بين ابناء العشيرة الواحدة ويجعلها تقف متحدة في المحن والمصائب التي يتعرض لها افرادها.

3 ـ ان جمع مبلغ الدية عن طريق العاقلة يخفف من العبء الذي تتحمله عائلة المجني عليه ، خصوصاً اذا عجز الجاني عن تسديد ذلك المبلغ ، فتصبح العائلة المفجوعة ضحية لجريمة اقتصادية ومعاشية خارجة عن ارادتها . فتكون العاقلة عندئذ وسيلة ضمان لاستلام الدية.

نقطة مهمة اخرى نود ان نعرضها هنا ، وهي ان القيمومة الشرعية على الاسرة هي المقياس في مقدار الدية ، وليس تفضيل جنس على جنس آخر كما يدعيه اعداء النظرية الدينية . فدية قتل الذكر المسلم عمداً الف دينار ذهب أو نحوه ، ودية المرأة الحرة المسلمة على النصف من اصناف الديات الست، سواءً كانت الجناية عليها عمداً أو خطأً أو شبه عمد ، صغيرة كانت أو كبيرة ، عاقلة كانت أو مصابة بالاضطراب العقلي ( الجنون ) . وكذلك في حالة الجراح والقطع والشجاج ، فان المرأة ـ الضحية ـ تتساوى مع الرجل قصاصاً ودية الى حد الثلث ، فان زاد عن الثلث رجعت ديتها على النصف من الرجل . ولاشك ان مقادير هذه الديات لم توضع لتقدير قيمة المرأة ، فيكون مقدارها نصف قيمة الرجل مثلاً . بل ان الاسلام أراد منها معالجة وضع ما بعد الجريمة . فالرجل المقتول الذي يفترض فيه ان يكون معيلاً لعائلة ما ، تذهب ديته الى عائلته التي افتقدت المعيل ، فيكون الدخل المقدر بالف دينار ذهب أو نحوه ضماناً لنفقات العائلة المعيشية . اما المرأة المقتولة ، فان ديتها المقدرة بنصف دية الرجل تدخل وارد الرجل الذي يفترض فيه ان يكون قيماً على عائلته ، زوجة كانت المجني عليها أو اختاً أو بنتاً. ودليل آخر على مساواة الاسلام للمرأة والرجل في نظام العقوبات ، هو ان حد القذف وحد المسكر وهو ثمانون جلدة يتساوى فيه القاذف والشارب ، ذكراً كان أم أنثى.

اما فيما يتعلق بالاجهاض او الاسقاط المتعمد للجنين ، فان النظام الاسلامي شرع أدق العقوبات الخاصة بهذا الانحراف ، فقسم ديته بحسب عمر الجنين ؛ ففي النطفة المستقرة في الرحم عشرون ديناراً، وفي العلقة أربعون ، وفي المضغة ستون ، وفي العظم ثمانون ، وفي الجنين التام الذي لم تلجه الروح مائة دينار ، وفي الجنين الذي ولجته الروح دية كاملة (1) . وهذا الحكم الشرعي يرجع بالتأكيد الى اصالة قوله تعالى في خلق الانسان : ( ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم

____________

(1)  الكافي ج 7 ص 343.

خلقنا النطقة علقة ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحماً ، ثم انشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين  (1).

وفي حين حل الاسلام مشكلة الاجهاض من الصميم قبل نشوء الثورة الصناعية بقرون ، الا ان قضاة النظام الرأسمالي الغربي يحاولون لحد اليوم الاجابة على السؤال الذي يناقش أحقيقة المرأة في الاجهاض . فمنذ تشريع المحكمة الامريكية العليا سنة 1973 م القاضي بشرعية الاجهاض في قضية) جين رو ضد هنري ويد ( (2) ، والقانون يتبدل بين شد وجذب ، وجواز وحرمة ، وكلما يتبدل عضو من اعضاء المحكمة العليا يتبدل القانون الخاص بالاجهاض . وهذا الاضطراب دليل قوي على فشل النظام الاجتماعي الغربي في معالجة مشاكل قضائية خطيرة عالجها الاسلام بكل دقة قبل اربعة عشر قرناً من الزمان.

:  ـ جرائم ضد الملكية  2ولا ريب ان النظرية الاسلامية الخاصة بالعقوبات الجنائية تنظر الى الجرائم المتعلقة بالملكية نظرة خاصة وترتب عليها عقوبات صارمة ؛ لأن ضمان سلامة حقوق الناس من تعدي الاخرين يعتبر من أهم اسباب استقرار النظام الاجتماعي وتطوره الاقتصادي . ولاشك ان الاقرار باحكام اليد ودلالتها على الملكية ، تضع للمجتمع الانساني الحدود العامة لانتقال الملكية ، ودوران المال بين افراد النظام

____________

(1) المؤمنون : 13 ـ 14.

(2)  ( آرثر شوستاك ) و( كيري مكلوث ) . الاجهاض والرجال : الخسائر ، الدروس ، والحب .

نيويورك : مطبعة العلوم الانسانية ، 1984 م.

الاجتماعي عيناً كان ذلك المال أو نقداً ، منقولاً كان أو غير منقول . ولولاها لاضطرب النظام الاقتصادي والاجتماعي ، وانعدم البيع والشراء الذي هو الاصل في سد حاجات الناس الاستهلاكية والكمالية . ولذلك فان اقرار الاسلام لهذا الاصل وربطه بالصدق العرفي ينسجم مع الطبيعة الفطرية للتعامل الاجتماعي وتنظيم سلوك الافراد.

وتنقسم الجرائم المتعلقة بالملكية الى قسمين :

القسم الاول : الانحرافات التي تؤدي الى سلب الملكية من مالكها قهراً وظلماً كالغصب ويتحقق بصدق الاستيلاء عرفاً على حق الغير . وقد شدد الاسلام على حرمة غصب اموال الناس . وحرم الصرف بالمال مطلقاً الا مع العلم بالاذن الشرعي ، لقوله تعالى : ( ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل(1) ، وعموم قوله (ص) : ( لايحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه ) (2) ، وقوله (ص) ايضاً : ( من غصب شبراً من الارض طوقه الله من سبع ارضين ) (3).

ان حرمة الغصب تتعدى من مجرد الاثم الى وجوب الرد على الغاصب وضمانه تلف المادة المغصوبة . فالغاصب ـ حسب النظرية الاسلامية ـ يتحمل مسؤولية كاملة في ارجاع المادة المغصوبة سليمةً من كل عيب ، بل يتعين عليه وجوب الرد فوراً ودون تأخير ؛ بينما لا يتحقق الضمان ولا الفورية في قانون العقوبات الرأسمالي الغربي (4).

____________

(1)  البقرة : 188.

(2)  الكافي ج 7 ص 274.

(3)  كنز العمال ج 10 ص 639.

(4)  ( جاك جيبز ) . الجريمة ، العقاب ، والردع . نيويورك : السفاير ، 1975 م.

ولاشك ان المباشرة أو التسبيب أو اجتماعهما في تلف المغصوب توجب الضمان بأي حال من الاحوال ، باعتبار ان الخطابات الوضعية تشمل الجميع . وعليه فان الطفل والمجنون اذا اتلفا مال الغير ، تعين على وليهما دفع البدل ان كان لهما مالٌ ؛ والمسبب لتلف مال الغير يدفع للمالك بدل التالف من المثل والقيمة ؛ والمستولي على مال الغير بغير اذن ونحوه يدخل في عهدته ، وعليه مسؤولية تلفه اذا تلف . والنتيجة ان وجوب الضمان يحفظ اموال الافراد من الضياع والتلف ، ويصون الثروة الاجتماعية والانسانية من الهدر والتبذير.

القسم الثاني : السرقة وهي سلب مال الغير المودع في حرز سراً وفيها شروط . ولعل السرقة أشد من الغصب ، باعتبار ان انتهاك حرمة الشيء المسروق الذي اطمأن صاحبه على سلامته بالسر والحرز ، يعرض النظام الاجتماعي لمخاطر كبيرة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع الاسلامي . وقد أوجب الشارع الحد فيها على السارق دون الغاصب ، كما ورد في قوله تعالى) : والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم  (1).(

ونستلهم من كتب السيرة والتاريخ عدالة النظرية الاسلامية في معاقبة المنحرفين . فقد روي ان امرأة من طبقة الاشراف سرقت ، فتشفع لدى رسول الله (ص) أحد الصحابة ، فقام (ص) وخطب في الناس خطبة قوية قصيرة ، معلناً فيها مبدأ مساواة جميع الافراد امام الشريعة والقانون : ( ايها الناس ، انما ضل من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه ،

____________

(1) المائدة : 38.

واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها  (1)

ولابد للسارق ـ بموجب الشريعة الاسلامية ـ من اعادة المادة المسروقة ( الغرم ) حيث لا يسقط عنه بحال من الاحوال حتى مع اقامة الحد . وهذا الضمان لا تلتزم به النظرية الغربية . فاذا صرف السارق المال المسروق في المجتمع الرأسمالي فانه يعاقب بالسجن ولا يجبر على رد ما سرقه الى صاحبه (2).

ولايحد السارق الا بتوفر الشروط الشرعية ، وهي البلوغ والعقل ، لقاعدة ( رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ ) (3) ، والاختيار (4)، وارتفاع الشبهة (5) ، وكون المال المسروق في حرز (6) ، وان تبلغ قيمة المسروق نصاب القطع وهو ربع دينار ذهب (7) . بمعنى ان المضطر الجائع لايقطع اذا سرق ما يسد رمقه ورمق عائلته . بل ان وجود الشبهة تدرأ تنفيذ الحد لقاعدة ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) (8) . واذا تمت السرقة في مكان عام غير مقفل لا يقطع ايضاً ، لأن القطع مختص بكون المال المسروق موضوع في حرز أو نحوه . ومن المسلم به

____________

(1)  البخاري ـ كتاب الحدود باب12.

(2) (اليوت كيري ) . مواجهة الجريمة : التحدي الامريكي . نيويورك : بانثيون ، 1986 م.

(3)  سفينة البحار ج 1 ص 530.

(4)  من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 43.

(5)  المقنع للشيخ الصدوق ص 147.

(6)  تفسير العياشي ج 1 ص 319.

(7)  المقنع للصدوق ص 150.

(8)  المصدر السابق ص 147.

ان الفرد المسروق اذا طلب عدم معاقبة السارق بالحد ، يترك السارق دون قطع ، لأن عقوبة السرقة متعلقة بالحقوق المالية للناس وليست من حقوق الله.

وطريقة القطع ـ المراد منها تأديب المنحرفين وردعهم عن ارتكاب الجريمة ـ لاتجعل الفرد المذنب معاقاً عن العمل الانتاجي . فالاصل في القطع ، هو الاصابع الاربع فقط من اليد اليمنى للمنحرف ، فتترك له الراحة والابهام . وهذا لا يعتبر تعطيلأً لانتاجية الفرد ، بل ان للفرد الحق بعد توبته الدخول في الحقل الانتاجي الاجتماعي ليكون عضواً نافعاً في مجتمعه الانساني ، علماً بأن عنصر ابداع الانسان في العمل والبناء يعتمد على الابهام وراحة اليد بالاصل . وفكرة القطع تناقض تماماً فلسفة نظام العقوبات الغربي التي جعلت السجن محور العقوبات ، مما سبب انخفاضاً في الانتاج واستهلاكاً لموارد وثروات المجتمع ، لأن السجين معطل عن الانتاج الاجتماعي بالاكراه (1).

ـ الجرائم الخلقية  3ولما كانت رسالة الاسلام العظيمة اجتماعية المنشأ ـ فتتعامل مع الفرد والمجتمع ضمن الاطار الاخلاقي المرسوم لها من قبل السماء ـ اصبح تعاملها الشديد مع الجرائم والانحرافات الخلقية امراً حتمياً ؛ لأن القاعدة الاخلاقية هي الاصل في ضمان سلامة اجهزة النظام الاجتماعي وتكاملها لبناء المجتمع الانساني السعيد . وهذا الاطار الاخلاقي الذي نادت به الشريعة وتبنته على امتداد تاريخها الحافل بالوقائع والاحداث ،

____________

(1)  ( جاك جيبز ) . العرف ، الانحراف ، والسيطرة الاجتماعية . نيويورك : السفاير ، 1981 م.

هو الذي حفظ المجتمع الاسلامي من الانحرافات التي يعيشها المجتمع الغربي وهو في أوج تقدمه المدني والاقتصادي (1) . وأهم الجرائم والانحرافات الاخلاقية التي يواجهها النظام الاجتماعي هي الانحرافات الجنسية كالزنا واللواط والمساحقة والقيادة ، والانحرافات السلوكية كالقذف وشرب الخمر ، والانحرافات العقائدية كالارتداد.

والاصل في العقوبات الاخلاقية القرآنية لردع المنحرفين هو التشديد والحسم ، فتتعين عقوبة القتل في الزنا بذات محرم نسباً ، وفي الاغتصاب الجنسي ونحوها ؛ والرجم في الزانية المحصنة والزاني المحصن ؛ والجلد على الزاني والزانية غير المحصنين ؛ والجلد والرجم معاً في الشيخ والشيخة المحصنين الزانيين ؛ والجلد والتغريب والجز في البكر الزاني الذي تزوج ولم يدخل . ومع ان هذا التفصيل يستند الى السنة الشريفة الا ان دليل تحريم الزنا ظاهر في النص القرآني الشريف : ( ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا ) (2) ، وقوله تعالى في وصف المؤمنين : ( ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاماً ) (3) ( الزاني لا ينكح الا زانيةً أو مشركةً والزانية لا ينكحها الا زانٍ أو مشركٌ وحرم ذلك على المؤمنين (4) ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم

____________

(1)  ( جاك جيبز ) . العرف ، الانحراف ، والسيطرة الاجتماعية . نيويورك : السفاير ، 1981 م.

تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  (1).(

ويحد اللوطي بالقتل ضرباً بالسيف أو حرقاً بالنار أو الالقاء من شاهق ، أو هدم الجدار عليه . وهذا اللون من الانحراف من أخطر مراتب الانحرافات الجنسية ؛ ومعناه اللغوي : اللصوق ، وسمي لواطاً نسبة الى قوم لوط الذين ادانهم القرآن الكريم بالقول : ( اذ قال لهم اخوهم لوط الا تتقون . اني لكم رسول امين فاتقوا الله واطيعون ، وما اسألكم عليه من أجر ان اجري الا على رب العالمين ، اتأتون الذكران من العالمين ، وتذرون ما خلق لكم ربكم من ازواجكم بل انتم قوم عادون ) (2) ( أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ) (3) ، وقد شدد التحريم فيه ، كما ورد في قول رسول الله (ص) : ( من جامع غلاماً جاء جنباً يوم القيامة ، لا ينقيه ماء الدنيا ، وغضب الله عليه ، ولعنه واعد له جهنم وساءت مصيرا  (4).(

وفي السحق مائة جلدة ، وقيل ان « اصحاب الرس كانت نساؤهم سحاقات » (5) ، وهو « اشارة الى قوله تعالى : ( وعاداً وثمود واصحاب الرس ) (7) » (6) . وفي القيادة ـ وهو الجمع بين فردين على الحرام ـ خمسٌ وسبعون جلدة ، وفي القذف والسكر ثمانون جلدة ، لقوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين

____________

(1)  النور : 2.

(2)  الشعراء : 161 ـ 166.

(3)  العنكبوت : 29.

(4)  الكافي ج 2 ص 70.

(5)  جمع البيان ج 19 ص 107.

(6) الفرقان : 38.

(7)  تفسير القمي ص 465.

جلدة ) (1) ، وقوله ايضاً : ( انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان  (2) وللنص الوارد عن أمير المؤمنين (ع) : ( ان الرجل اذا شرب الخمر سكر ، واذا سكر هذى ، وان هذى افترى ، فاجلدوه حد المفتري  (3).

ولاشك ان هذا التشديد في التعامل مع المنحرفين اخلاقياً منسجم مع النظرية الاخلاقية الاسلامية . فلابد من أجل بناء مجتمع متكامل نظيف يهتم بحقوق الاسرة وحقوق الافراد الذين يشكلون تركيبتها البشرية وحقوق النظام الاجتماعي ، من انزال أقصى العقوبات الجسدية بالذين يحاولون تمزيق ذلك النظام الاسري والاجتماعي عن طريق الانزلاق في الشهوات المحرمة وخلط الانساب . وبطبيعة الحال ، فان الاسلام لم يغفل حاجة الفرد المتعلقة بالجنس ، بل اشبعها ضمن ضوابط الزواج الشرعية والعرفية، وجعل العقاب صارماً فيما وراء ذلك.

ومع التشديد المذكور في انزال العقاب بفعلية الانحراف ، هناك تشديد آخر في الشهادة على الجرائم الخلقية ، وخصوصاً الزنا واللواط والسحق وهو اربعة شهود ، وفي القيادة والقذف والسكر شاهدان . ففي ثبوت الزنا الموجب للحد رجماً أو جلداً ينبغي شهادة اربعة عدول يتواردون على الشهادة برؤية الواقعة رؤية دقيقة ، ولابد من اتفاقهم على المشهود به زماناً ومكاناً وفعلاً . واذا نقص عدد الشهود عن أربعة ، أو اختلفوا في

___________

(1) النور :  4

(2) المائدة : 90.

(3) الكافي ج 7 ص 215.

التفصيل حد الشهود على القذف ثمانين جلدة ، وهذا مصداق قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً واولئك هم الفاسقون الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم ) (1) ، وقد ورد ان ثلاثة شهود شهدوا على رجل بالزنا ، فقال امير المؤمنين علي (ع) : اين الرابع ؟ قالوا : الآن يجيء ، فقال : ( حدوا الشهود ، فليس في الحدود نظر ساعة ) (2) . ولاشك ان هذا التشديد في دقة الشهادة وعدالة الشهود ، له ناحيتان ايجابيتان ؛ الاولى : ردع الافراد عن اتهام الآخرين بالزنا بمجرد الظن أو الشك . فلابد من اجتماع الاربعة على رؤية الواقعة بتفصيلاتها الدقيقة ، والا فستكون العقوبة من نصيبهم . الثانية : ان الذي يرتكب هذا الانحراف امام اربعة رجال دون ادنى حياء ، يستحق العقوبة الجسدية لانه عنصر افساد للنظام الاجتماعي ينبغي استئصاله دون رحمة.

وقد جعل الاسلام تطبيق الحدود آخر الحلول لمعالجة الجريمة والانحراف . فقد أمر الافراد اولاً بالستر والتوبة وسد الحاجات الغريزية بالطرق الشرعية . فاذا استتر المنحرف وتاب الى الله قبل قيام البينة فهو في ستر الله ولا يقام عليه الحد : ( الا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فان الله غفور رحيم (3) ، ولكن اذا أقر على نفسه بالجرم أو ثبت عليه الجرم بالبينة اقيم عليه الحد . وقد ورد في الروايات ان الامام (ع) مسؤول عن تزويج

____________

(1) النور : 4 ـ 5.

(2) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 24.

(3) النور : 5.

الزانية بحيث يعصمها عن ارتكاب هذا الانحراف ؛ وهو دليل قوي على ان أهم اسباب انحراف الفرد هو الحاجة المالية أو الغريزية التي لا تسد الا عن طريق الزواج الشرعي.

: ـ جرائم ضد النظام ـ الاجتماعي العام  4 ولما كان الاسلام يعكس جوهر العدالة الاجتماعية بين الافراد ، فان نظامه السياسي والقضائي والاقتصادي لابد وان يتحرك بكل قوة لمعاقبة المنحرفين الذين يحاولون العبث بمقدرات الافراد على الصعيد الاجتماعي . ولذلك فان الانحرافات التي يقوم بها هؤلاء الافراد ـ وتؤدي بقصد او دون قصد الى زعزعة النظام الاجتماعي ، كإرهاب الناس ، واحتكار اقواتهم ، وظلمهم ـ تعتبر جرائم تستحق نوعاً من العقوبات المنصوص عليها في الشريعة ؛ ومن امثلة هذه الجرائم : المحاربة.

فالمحاربة هي ارادة الافساد في الارض . والمحارب هو الذي يجهز سلاحه لإرعاب الناس ، ذكراً كان أم انثى ، قوياً كان أم ضعيفاً ، لعموم الآية في قوله تعالى : ( انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)  (1).

ولاشك ان من أهم نتائج هذا التشريع هو استتباب الامن والسلام الاجتماعي في المجتمع الاسلامي . فليس لاولياء المقتول عن طريق المحاربة العفو عن المحارب ، بل ان على الامام قتله بأي شكل من الاشكال ، الا اذا تاب من تلقاء نفسه ؛ فعندئذ يسقط الحق العام ، لقوله تعالى : ( الا الذين

____________

(1) المائدة : 33.

تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم ) (1) وهذا الامن الاجتماعي الذي ينعم به المجتمع الاسلامي يعتبر من أهم مصادر استقرار النظام وتنشيط طاقات افراده الانتاجية.

ولاشك ان الدولة في الاسلام ينبغي ان تتمتع بأمان اقتصادي ومعاشي ينعم به جميع الافراد ؛ بل ان اي انتهاك لهذا الامان يجب ان يعامل بقوة اخلاقية وشرعية من قبل الحاكم الشرعي أو الدولة بمؤسساتها القضائية والتنفيذية . والاحتكار ـ وهو خزن المادة الغذائية الاساسية التي يحتاجها الافراد وقت الاضطرار من أجل رفع سعرها أو إضرار الدولة ـ يمثل هذا الانحراف الموجه ضد النظام الاجتماعي العام . الا ان الاسلام يتعامل مع هذا الانحراف الاقتصادي تعاملاً حاسماً ، فيجبر المحتكر على بيع المادة المحتكرة فوراً . وفي عهد الامام علي (ع) لمالك الاشتر اشارة الى ذلك : ( فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل به وعاقب في غير اسراف ) (2) . وهذا التشريع ـ اضافة الى تجنيبه الافراد للفوضى الاقتصادية والمعيشية ـ منسجم تماماً مع تطلعات الاسلام نحو العدالة الاجتماعية بين الافراد.

اما فيما يتعلق بظلم الحاكم ، فان المجتمع الانساني لما كان بحاجة مستمرة الى نظام اجتماعي مستقر ، وبحاجة ماسة الى مدير يدير هذا النظام ويرعى شؤونه المالية والقضائية والدفاعية والسياسية ، تعين ان تكون للقائد شروط ومواصفات موضوعية مستمدة من الشريعة نفسها . وقد جابه القرآن الكريم بكل قوةٍ النظام السياسي الظالم وأدان وجوده

___________

(1)  المائدة : 34.

(2) نهج البلاغة ص 615.

اللاشرعي بمختلف الاساليب ، وجعل فرعون مثلاً يعكس فساد جوهر الظلم السياسي : ( واذ نادى ربك موسى ان ائت القوم الظالمين قوم فرعون الا يتقون ) (1) ، ( ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً  (2) وقد خاب من حمل ظلما (3)  ( انه لا يحب الظالمين ) (4) . وورد ما يشير الى وجوب الكفر بالحكومة التي لا تقضي بما انزل الله و تعمل في الناس بالجور والظلم والعدوان وسماها بالطاغوت ، فقال عز وجل : ( الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ) (5) . وفي خطبة الامام الحسين بن علي (ع) في الناس في ( منى ) تأكيد آخر على التصدي للظلم الاجتماعي : ( اعتبروا ايها الناس بما وعظ الله به اولياءه من سوء ثنائه على الاحبار اذ يقول : ( لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) (6) . وقال : ( لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) (7) . وانما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين اظهرهم المنكر والفساد فلا ينهون عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون والله يقول : ( فلا تخشوا

____________

(1)  الشعراء : 10 ـ 11.

(2)  الفرقان : 19.

(3)  طه : 111.

(4)  الشورى : 40.

(5) النساء : 60.

(6) المائدة : 63.

(7) المائدة : 78 ـ 79.

الناس واخشون ) (1) ، وقال : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (2) . فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها اذا أديت وأقيمت ، استقامت الفرائض كلها هينها وصعبها ؛ وذلك ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء الى الاسلام مع رد الظالم ، ومخالفة الظلم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها)   (3).

واذا كان الاسلام دين العدالة الاجتماعية حقاً ـ وهو بالتأكيد كذلك ـ فان أول عدو يسعى لمحاربته ، هو نظام الظلم الاجتماعي والسياسي ضد الافراد . ولذلك ، فان قاعدة العدالة الاجتماعية المتمثلة باطار الحكم الاسلامي والدولة الاسلامية يجب ان تستمر حتماً، حتى قيام الساعة ؛ ان كانت تحت أمر النبي (ص) أو الامام المعصوم (ع) أو نائبه الفقيه الجامع للشرائط ( يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول ، واولي الامر منكم ) (4) . فلا مكان للحاكم الظالم في دنيا الاسلام ، دنيا العدالة الاجتماعية والحقوقية.

____________

(1)  المائدة : 44.

(2)  التوبة : 71.

(3)  تحف العقول للحراني ص 237.

(4) النساء : 59.

النظريات الاجتماعية الغربية المتعلقة بالانحراف ونقدها

وهذه النظريات هي من أهم الافكار الاجتماعية التي انتجتها اوروبا الغربية وامريكا الشمالية في عصر التصنيع والنهضة العلمية . وهي اربع نظريات ؛ اولها : نظرية ( الانتقال الانحرافي ) ، وثانيها : نظرية ( القهر الاجتماعي ) ، وثالثها : نظرية ( الضبط الاجتماعي ( ، ورابعها : نظرية ( الالصاق الاجتماعي ) . فنظرية ( الانتقال الانحرافي ) تؤمن بأن الانحراف سلوك مكتسب ، حيث يتعلم الفرد الانحراف كما يتعلم الفرد الآخر السلوك الذي يرتضيه النظام الاجتماعي (1) . بمعنى ان الانحراف اذا ظهر في بيئة اجتماعية معينة فلابد له من الاستمرار والازدهار حتى يتعمق في التركيبة الثقافية والاجتماعية لتلك البيئة . وينتقل ذلك الطابع الانحرافي من فرد الى آخر ثم من جيل الى آخر دون ان يتغير الدافع الذي يؤدي الى ارتكاب الجريمة لدى الفرد . ولما كان الانسان يولد نقياً من بذرة الانحراف ، فان العوامل التي تساعده على تكوين شخصيته الاجرامية لابد وان تكون متسلسلة الحدوث خلال مسيرته التطورية من الطفولة وحتى البلوغ . بمعنى ان هذه العوامل مرتبطة قطعاً بالبيئة التي يعيشها الفرد خلال ادوار نموه المختلفة ، وأهمها على الاطلاق انفتاحه على المنحرفين عن طريق الصداقة والمودة.

وتتجاهل هذه النظرية جوهر المشكلة الانحرافية ، وهي ان الدافع

____________

(1)  ( ادوين سوذرلائد ) . مبادئ علم الاجرام . فيلادلفيا : ليبنكوت ، 1939 م.

الرئيسي للانحراف هو عدم اشباع الحاجات الانسانية الاساسية للمنحرفين من قبل النظام الاجتماعي . فالانحراف عموماً لا يحتاج الى معلم ؛ فالسارق الجائع يعرف بالغريزة كيف يفعل فعلته ، والقاتل يعرف بالغريزة كيف يقتل ، والغاصب في مجتمع منحل يعرف كيف يتعامل مع ضحيته . وفي كل هذه الجرائم يكون الدافع والحاجة عاملين مهمين من عوامل ارتكاب الفعل نفسه . اضف الى ذلك : ان هذه النظرية تقصر عن التمييز ما بين الانحراف الاقتصادي والانحراف الاخلاقي والسياسي ، وتعجز عن تفسير ظهور الانحراف بين افراد الطبقة الرأسمالية الذين لايرتبطون بأية فئة منحرفة اجتماعياً.

ويعتقد ( اميلي ديركهايم ) مؤسس نظرية ( القهر الاجتماعي ) بأن الانحراف ظاهرة اجتماعية ناتجة عن القهر والتسلط الاجتماعي الذي يمارسه بعض الافراد ضد البعض الآخر (1) . فالفقر باعتباره انعكاساً صارخاً لانعدام العدالة الاجتماعية بين الطبقات ، يولد رفضاً للقيم والاخلاق الاجتماعية التي آمن بها الرعيل الاكبر من افراد النظام الاجتماعي . وما الانحراف الا صورة من صور ذلك الرفض الاجتماعي . والفرد الذي لا يصل الى تحقيق اهدافه عن طريق الوسائل المقررة اجتماعياً ، يسلك مسلكاً منحرفاً يؤدي به الى هدفه كالسرقة ، والرشوة ، والبيع الذي يحرمه القانون . وهنا يلعب القهر الاجتماعي دوراً في توليد ضغط لدى بعض الافراد كي ينحرفوا اجتماعياً.

____________

(1)  (اميلي ديركهايم ) . تقسيم العمل في المجتمع . جيلنكو ، الينوي : المطبعة الحرة ، 1964 م . الطبعة الاولى صدرت في عام 1893 م.

الا ان هذه النظرية فيها خلل واضح ، وهو تجاهلها للانحراف الناتج عن الاضطرابات العقلية والامراض النفسية ، وهو انحراف غير مرتبط بالقهر الاجتماعي . وتعجز هذه النظرية أيضاً عن تفسير ظاهرة الانحراف بين افراد الطبقة الرأسمالية الغنية ، ومصاديقها القتل والاعتداء والاغتصاب ، مع انهم يملكون كل وسائل الثروة والمنزلة الاجتماعية ، ومع ملاحظة انتفاء ظاهرة القهر الاجتماعي عنهم.

اما نظرية ( الالصاق الاجتماعي ) فهي تشير الى حقيقة مهمة تجعلها محور فكرتها الرئيسية ، وهي ان الانحراف الاجتماعي انما هو نتاج نجاح مجموعة من الافراد بالاشارة الى افراد آخرين بأنهم منحرفون (1) . وتستند فكرة النظرية على فرضية الصراع الاجتماعي بين الافراد ومحاولة اتهام بعضهم البعض بالحيود والزيغان عن المجرى العام للسلوك الاجتماعي . وتقسم الانحراف الى قسمين ؛ الاول : الانحراف المستور ، والثاني : الانحراف الظاهر . فعندما يتهم افرادٌ بالانحراف علناً ، فان الوضع النفسي والاجتماعي للمتهمين سوف يتبدل بالمقارنة فيما لو بقي الانحراف مستوراً . فاذا ألصقت تهمة السرقة بشخص مثلاً ، وتهمة الرشوة بشخص آخر ، وتهمة التجديف بثالث ، شعر هؤلاء الافراد بالاهانة الاجتماعية ؛ لأن الآثار المترتبة على انحرافهم تعني : اولاً : انزال العقوبات التي اقرها النظام الاجتماعي بهم . وثانياً : افتضاح امرهم امام الناس . وثالثاً : انعكاس ذلك الافتضاح على

____________

(1)  ( هاورد بيكر ) . الخارجون : دراسات في علم اجتماع الانحراف . نيويورك : المطبعة الحرة ، 1963 م . وايضاً : (ادوين ليمرت ) . الانحراف الانساني ، المشاكل الاجتماعية ، والسيطرة الاجتماعية . انجلوود كليفز ، نيوجرسي : برنتس ـ هول ، 1967 م.

معاملة بقية الافراد لهم . ولذلك فان الصفات القاسية التي يستخدمها النظام ضدهم كصفات السرقة والرشوة والتجديف انما وضعها في الواقع : النظام الاجتماعي والسياسي وألصقها بهؤلاء الافراد.

ولكن هذه النظرية بتشديدها على فكرة الالصاق ، تبرر بصورة غير مباشرة ظاهرة الانحراف المستور ؛ لان الانحراف اذا لم يلصق بفئة من الافراد فانه سيصبح سلوكاً طبيعياً . ولكن السارق في البيع والشراء يعد سارقاً بغض النظر عن الصاق التهمة به أو عدم الصاقها به . والمرتشي يعد مرتشياً ان الصقت التهمة به ام لا . والقاتل الذي لم تكشف جريمته يعتبر قاتلاً في كل الاحوال ، أالصقت التهمة به ام لم تلصق . وهذه النظرية تعطي الفرد مبرراً لاستمرار الانحراف ، فالمنحرف يجد عذراً بإلقاء سبب انحرافه على النظام الاجتماعي ، ولا يقيم لدافعه الذاتي نحو ارتكاب الجريمة وزناً . وهذا يتنافى مع الاصول العامة للتجريم التي تأخذ الدافع الذاتي والنية المسبقة بنظر الاعتبار.

ولعل نظرية ( الضبط الاجتماعي ) تعتبر من أقرب النظريات الغربية الى الواقع القرآني . فتعتقد هذه النظرية بأن الانحراف ظاهرة ناتجة عن فشل السيطرة الاجتماعية على الافراد (1) ؛ لان الانحراف يتناسب عكسياً مع العلاقة الاجتماعية بين الافراد . فالمجتمع المتماسك رحمياً يتضاءل فيه الانحراف ، على عكس المجتمع المنحل . ولو درسنا نسب انتحار الافراد في المجتمع الانساني للاحظنا انها اكثر انتشاراً في المجتمعات التي لاتهتم

____________

(1)  ( اميلي ديركهايم ) . تقسيم العمل في المجتمع . جيلنكو ، الينوي : المطبعة الحرة ، 1964 م . وايضاً : ( ترافيس هيرشي ) . اسباب الجنوح . بيركلي ، كاليفورنيا : مطبعة جامعة كاليفورنيا ، 1969 م.

بعلاقات القربى والعشيرة وصلة الرحم . وعلى هذا الاساس آمنت هذه النظرية بان افراد المجتمع المتماسك من ناحية العلاقات الرحمية والانسانية أكثر طاعة للقانون وأكثر اتباعاً للقيم التي يؤمن بها من افراد المجتمع المتحلل في علاقات افراده الاجتماعية . وبالجملة ، فان الافراد الذين تربطهم الاواصر الاجتماعية المتينة ، وينغمسون في اعمالهم ونشاطاتهم ، ويستثمرون في المجتمع اموالهم واولادهم ، ويطبقون ـ بكل ايمان ـ احكام دينهم ؛ فهؤلاء تتضاءل عندهم فرص الانحراف الاجتماعي ، وتزداد من خلال سلوكهم فرص الاستقرار والثبات على الخط الاجتماعي السليم.

وهذه النظرية تعكس ـ بشكل جزئي ـ بعض المفاهيم القرآنية التي تتعامل مع العلاقات الاجتماعية وتأثيراتها الايجابية في ضبط سلوك الافراد ، كصلة الرحم : ( والذين يصلون ما أمر الله به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (1) يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ما أنفقتم من خيرٍ فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خيرٍ فان الله به عليم ) (2) ، واكرام الجار : ( ... والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) (3) ، والنهي عن الظلم : ( ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً ) (4) . وحرمة اذى المؤمنين : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً واثماً مبيناً  (5)( ،

____________

(1)  الرعد : 21.

(2)  البقرة  215 :

(3)  النساء : 36.

(4)  الفرقان : 19.

(5)  الاحزاب : 58.

والنهي عن احتقار الناس : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيراً منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالالقاب ، بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ، ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون ) (1) ، واصلاح ذات البين : ( انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين اخويكم ، واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (2) ، والتعاون على الخير : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان  (3).(

ومع كل هذه الاقتباسات ـ التي اقتبسها ( اميلي ديركهايم ) لتصميم نظريته الخاصة بالضبط الاجتماعي من المفاهيم القرآنية ـ تبقى تلك النظرية عاجزة عن عرض الصورة الاجتماعية الشاملة للانحراف وطرق معالجته . فديركهايم لم يتناول معالجة الانحراف بين الافراد الذين تتوفر فيهم جميع عناصر منع الانحراف الاجتماعي ، كالطبقات الرأسمالية في الدول الصناعية ، وبابوية القرون الوسطى في اوروبا ، والتجار الاثرياء في الانظمة الحرة مع انهم يتمتعون بأفضل الصلات العائلية والعشائرية ، ويمارسون أفضل الهوايات الفكرية والبدنية ويستثمرون اموالهم في العقارات والمزارع والمصانع ، ويعتقدون بدياناتهم المختلفة.

والخلاصة : ان هذه النظريات الاجتماعية الغربية الاربع تفشل في تفسير ظاهرة الانحراف والتجريم بالصورة الدقيقة الشاملة المستوعبة لكل

____________

(1) الحجرات : 11.

(2) الحجرات : 10.

(3) المائدة : 2.

مفردات الواقع الاجتماعي . فهذه النظريات ـ منفصلةً ـ لا تستطيع تفسير جرائم المقامرة ، وانحراف الاحداث ، وتعاطي المخدرات، والتحايل في دفع حقوق الفقراء ... وكل نظرية من هذه النظريات تنظر للجرييمة بشكل تجزيئي محدود ولا تنهض بمستوى النظرة الكلية للمشكلة الانحرافية بحيث تستوعب كل مفردات وتشكيلات الاجرام الفردي والجماعي في المجتمع الانساني.

 منقول من موقع الجامعة الاسلامية لعلوم اهل البيت

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2008/10/19   ||   القرّاء : 4039





 
 

كلمات من نور :

القرآن ربيع القلوب .

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 قدسية أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن

 86 ـ في تفسير سورة الطارق

 هي أحمد الثاني

 القرآن والعترة

 أهمّية سلامة النفس

 القرآن عنوان حياة المسلم

 الشيخ محمد فهمي عبد السيّد عصفور ضيفاً على الدار

 الدار تستقبل وفداً قرآنياً من جامعة المصطفى (ص)

 مبدأ الصلابة والثبات

 رحلة ترفيهية إلى مطعم رز سفيد وملعب كرة القدم

ملفات متنوعة :



 سلسلة دروس في الوقف والابتداء (الدرس الثاني)

 سلسلة حلقات في الصوت والنغم للأستاذ السيد محمدرضا محمدي (الحلقة السادسة)

 السيد حسن النمر والشيخ عبّاس المازني في زيارة لدار السيدة رقية (ع)

 أربعين الحسين (عليه السلام) *

 معايير الصدّيق

 الخشوع في قراءة القرآن الكريم

 الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مفجر نور الإيمان

 النشرة الاسبوعية ( العدد 44 )

 انطلاق الدورة الرابعة لطلاب التلاوة في دار السيدة رقية (ع) لعام1437هـ

 قصة قوم تبّع

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 13

  • الأقسام الفرعية : 71

  • عدد المواضيع : 2084

  • التصفحات : 7970041

  • التاريخ : 23/01/2019 - 11:32

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 تأثر الأحكام بعصر النص

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 1

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 3

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 5

 دروس في تدبر القرآن جزء عمَّ الجزء الثلاثون

 اشراقات قرآنية (تقرير دروس آية الله الجوادي الآملي

 تفسير النور - الجزء العاشر

 تفسير النور - الجزء التاسع



. :  كتب متنوعة  : .
 الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثامن)

 دروس منهجية في علوم القرآن ( الجزء الأول)

 وسيلة المعلّمين في رسم وتجويد الكتاب المبين

 دروس في علوم القرآن

 أساليب ومقدمات الحفظ

 كتاب المقنع

 البيان في تفسير القرآن

 منار الهدى في بيان الوقف والابتداء

 دروس قرآنية في تزكية النفس وتكاملها

 تفسير القرآن الكريم في أسلوبه المعاصر

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 هل يتأثر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسحر

 خلق الرسول الكريم وسيرته المالية

 النجاة من عذاب البرزخ

 في تحريم الخمر والميسر

 في إجبار المستضعفين وعدم معاجلة المستكبرين بالحساب

 القصص القرآنية مبنية على وقائع تاريخية حقيقية

 الرزق بين الأسباب ومشيئته تعالى

 كيف نفهم الكتاب ولا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟ وكيف هو آيات بيّنات؟

 من الذي منعها أن تعبد الله وهي مالكة لقومها؟

 سجود غير ذوات الأرواح وتسبيحها



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 سؤال في المهدوية

 ما هو تعريف النسخ وما هي الحكمة منه؟

 نظرية دارون نظرية اثبت علماؤنا بطلانها

 ما هي الأسباب الكامنة وراء استخدام هكذا أساليب لمواجهة للدين الإسلامي؟ وما هي الاتهامات التي ذكرها القرآن الكريم؟

 هل ثنوية الوجود الإنساني (الروح والبدن) من مؤيدات القول بالتعددية (البلوراليسم)؟

 هل يوجد علماء قائلون بالتحريف ؟

 ماذا يعني إن الله ((رحمن)) و((رحيم))؟

 على رأي أبي بن كعب ما هي الآيات التي حذفت من سورة الأحزاب؟

 ما هو الفرق بين مناهج التفسير، والموضوعات المختلفة للتفسير؟

 ملاك التمييز بين صفات الذات والفعل

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 أنوارك زينب والكرم في ثغر الدنيا تبتسم

 لِمَن السَنا

 إن الله و ملائكته يصلون على النبي ...

 مدائح للإمام المهدي (عج)

 الأستاذ أمير كسمائي (2) _سورة الأحزاب _الآية 40

 الأستاذ أمير كسمائي (1) _سورة الأحزاب _الآية 40

 الأستاذ أمير كسمائي _سورة آل عمران _الآية 144

 اللهم رب شهر رمضان

 رمضان يا خير الشهور تحية

 كلمة سماحة آية الله السيد منير الخباز (حفظه الله) في حفل تكريم حفاظ القرآن الكريم



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (20589)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (9574)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (6690)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6231)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5367)

 الدرس الأول (4774)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (4768)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (4748)

 الدرس الاول (4597)

 درس رقم 1 (4512)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (5099)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3467)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2474)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2379)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (2217)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (1925)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (1833)

 تطبيق على سورة الواقعة (1729)

 الدرس الأول (1682)

 الدرس الأوّل (1648)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة الانشقاق

 سورة البروج

 الانفال 23 - 34

 سورة الانسان

 درس رقم 2

 كل القلوب إلى الرسول تميل ـ عامر الكاظمي

 بابي انت وامي ياأمير المؤمنين ـ مقام الحجاز

 الدرس الثاني عشر

 الدهر 1 - 22

 حتى متى يا امتي

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (5912)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (5558)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (4993)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (4790)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (4314)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4243)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (4148)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (4100)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (4090)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (4011)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1640)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (1500)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1386)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (1381)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1105)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1069)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1045)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (1014)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (999)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (994)



. :  ملفات متنوعة  : .
 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 آية وصورة 2

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي

 مجموعة من قراء القرآن الكريم

 تواشيح السيد مهدي الحسيني ـ مدينة القاسم(ع)

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 سورة الرعد 15-22 - الاستاذ رافع العامري

 خير النبيين الهداة محمد ـ فرقة الغدير

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السادس



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net