00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

التعريف بالدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • من نحن (2)
  • الهيكلة العامة (1)
  • المنجزات (14)
  • المراسلات (0)
  • ما قيل عن الدار (1)

المشرف العام :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرته الذاتية (1)
  • كلماته التوجيهية (11)
  • مؤلفاته (3)
  • مقالاته (66)
  • إنجازاته (5)
  • لقاءاته وزياراته (14)

دروس الدار التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (8)
  • الحفظ (15)
  • الصوت والنغم (11)
  • القراءات السبع (5)
  • المفاهيم القرآنية (6)
  • بيانات قرآنية (10)

مؤلفات الدار ونتاجاتها :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المناهج الدراسية (7)
  • لوائح التحكيم (1)
  • الكتب التخصصية (8)
  • الخطط والبرامج التعليمية (2)
  • التطبيقات البرمجية (9)
  • الأقراص التعليمية (14)
  • الترجمة (10)
  • مقالات المنتسبين والأعضاء (30)
  • مجلة حديث الدار (51)
  • كرّاس بناء الطفل (10)

مع الطالب :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات الأشبال (23)
  • لقاءات مع حفاظ الدار (0)
  • المتميزون والفائزون (14)
  • المسابقات القرآنية (22)
  • النشرات الأسبوعية (48)
  • الرحلات الترفيهية (12)

إعلام الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الضيوف والزيارات (158)
  • الاحتفالات والأمسيات (70)
  • الورش والدورات والندوات (60)
  • أخبار الدار (33)

المقالات القرآنية التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (150)
  • العقائد في القرآن (62)
  • الأخلاق في القرآن (164)
  • الفقه وآيات الأحكام (10)
  • القرآن والمجتمع (68)
  • القصص القرآني (40)
  • قصص الأنبياء (ع) (23)

دروس قرآنية تخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (17)
  • الحفظ (5)
  • القراءات السبع (3)
  • الوقف والإبتداء (13)
  • المقامات (5)
  • علوم القرآن (1)
  • التفسير (13)

تفسير القرآن الكريم :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علم التفسير (87)
  • تفسير السور والآيات (175)
  • تفسير الجزء الثلاثين (37)
  • أعلام المفسرين (16)

السيرة والمناسبات الخاصة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النبي (ص) وأهل البيت (ع) (96)
  • نساء أهل البيت (ع) (35)
  • سلسلة مصوّرة لحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) (14)
  • عاشوراء والأربعين (41)
  • شهر رمضان وعيد الفطر (19)
  • الحج وعيد الأضحى (7)

اللقاءات والأخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • لقاء وكالات الأنباء مع الشخصيات والمؤسسات (40)
  • لقاء مع حملة القرآن الكريم (41)
  • الأخبار القرآنية (95)

الثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الفكر (2)
  • الدعاء (16)
  • العرفان (3)
  • الأخلاق والإرشاد (18)
  • الاجتماع وعلم النفس (12)
  • شرح وصايا الإمام الباقر (ع) (19)

البرامج والتطبيقات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (3)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : تفسير القرآن الكريم .

        • القسم الفرعي : تفسير الجزء الثلاثين .

              • الموضوع : 79 ـ في تفسير سورة النازعات .

79 ـ في تفسير سورة النازعات

العلامة الشيخ حبيب الكاظمي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)﴾

إنّ هذه السورة مفتتحة بالعديد من الأقسام بالملائكة، فمنها:

﴿النَّازِعَاتِ وهي التي تنزع أرواح الكفار؛ شديدة في نزعها من أبدانها.

﴿النَّاشِطَاتِ التي تنزع أرواح المؤمنين؛ رفيقة بهم عند استلالها من أجسادهم.

﴿السَّابِحَاتِ المسرعة في تنفيذ الأوامر الإلهية؛ كقبض أرواح المؤمنين، وإيصالها إلى مقرّها في مقعد الصدق عند المليك المقتدر بسرعة.

﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا المتقدّمة في سيرها، سواءً لقبض الأرواح، أو لتبليغ خطاب الوحي للأنبياء.

﴿الْمُدَبِّرَاتِ التي تدبّر شؤون الوجود، فهي الواسطة بين الأوامر الإلهية الصادرة ومقدّرات الكائنات المنجزة.

وهذه الأقسام بدورها تدلّ على تنوّع عمل الملائكة تبعاً لتعدّد مراتب عبوديّتها، ولا يخفى أنّ ما تدبّره الملائكة هو من الأمور المهمّة، حيث جاء الأمر بصيغة النكرة ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا لإفهام هذه الأهمّية.

إنّ ساعة النزع والموت لمن الساعات المهمّة في حياة البشر، ومن هنا استحقّ أن ينوّع الله تعالى بيان عمل الملائكة، بحسب حالات نزع الكافر وغيره، وطريقة إيصال الأرواح إلى مكانها اللائق بها.

هذا كلّه إذا كانت الآيات ناظرة إلى تصرّفات الملائكة، وهناك ما يدلّ على أنّ الآيات ناظرة إلى حالات النجوم بحسب حركتها في السماء [التبيان، ج10، ص251. مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10، ص651]، وهناك ما يدلّ على أنّها ناظرة إلى حالات المجاهدين في ميادين القتال؛ وهذا يؤيّد ما قيل عن القرآن الكريم بأنّه حمّال ذو وجوه.

إنّ نزع الأرواح من الأجساد متناسب مع شدّة ترسّخها في عالم الشهوات، فكما يصعب نزع السهم من الجسد لحيلولة نصالها الصغيرة من الخروج، فكذلك الأمر في أرواح الكافرين، فإنّ الملائكة تبالغ في نزع تلك الأرواح كالقسي تنزع بالسهم؛ أي: تُمدّ بجذب وترها إغراقاً في المدّ، وهذا معنىً قيل في تفسير ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا.

إنّ عظمة الملائكة تتجلّى في أنّها مدبّرة للأمر ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، أضف إلى القَسَم بها في سور عديدة، مثل: سورة الصافات وسورة المرسلات؛ فهي وسائط التبليغ، والحال بأنّ الله تعالى ينسب هذا الأمر الخطير إلى نفسه قائلاً: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [سورة يونس، 3] بفارق أنّ الملائكة وكيلة في التدبير، والله تعالى هو الأصيل في كل شؤونه.

فهل من الغريب بعدها أن ننسب ذلك إلى كبار أوليائه الذين هم وسائط في الفيض، وفي رتبة مخدومي الملائكة؟!

إنّ انشغال الملائكة بتدبير أمور الوجود الكبرى بأمر من الله تعالى، لا ينافي استغراقها في تسبيح الله عزّ وجلّ بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء، 20-19] فالمطلوب من الإنسان كخليفة لله تعالى في الأرض ـ الذي يضاهي الملائكة في رتبتهم ـ أن يصل إلى هذه الدرجة من الجمع بين الانشغال بالخلق، والاستغراق بالخالق!

والطريق إلى ذلك قد تُشير إليه الآية؛ وهو إحساس الإنسان بمقام العندية المستفاد من كلمة ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [سورة الأنبياء، 19]، وكأنّ هذا هو مفتاح الوصول إلى الذكر المستغرق.

إنّ انتساب حوادث الوجود كالإماتة والرازقية وغيرها إلى أسباب متعدّدة ـ بعد انتسابها إلى الله تعالى ـ إنّما هي كانتساب الكتابة إلى القلم واليد في طول الانتساب إلى الإنسان لا في عرضه، وحينئذٍ لا غرابة في انتساب أمور الوجود إلى أسباب متعدّدة، كانتساب الموت إلى ملك الموت ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة السجدة، 11] أيضاً بعد الانتساب إلى الله تعالى.

وبذلك تبقى عظمة الربوبية بحالها بملاحظة الطولية هذه في كل مواردها.

إنّ من خصوصيات القيامة أنّ فيها صيحتين عظيمتين توجبان الاضطراب، فعُبّر عنهما بـ﴿الرَّاجِفَةُ التي توجب الاضطراب العظيم و﴿الرَّادِفَةُ وهي التالية لها، وقد استعمل القرآن نفس مادّة الاشتقاق بالنسبة للمنافقين في المدينة قائلاً: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ [سورة الأحزاب، 60] فكان حديث هؤلاء في نشر الأراجيف، بمثابة الزلزال المُدمّر لاطمئنان المجتمع.

إنّ حالات الكفار المنكرين للبعث في عرصات القيامة، تشبه حالات قلوب المؤمنين في الدنيا في أنّها:

﴿وَاجِفَةٌ؛ أي: مضطربة من خوف الله تعالى، كوجل قلوب المؤمنين.

﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ لخشوع قلوبهم، وهي من أجلِّ صفات المؤمنين في الدنيا!

والحال أنّه بجانب هذه الصفات المشتركة في الآخرة، هناك صفة تخصّ المؤمنين في الدنيا وهي أنّهم ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة الأحقاف، 13]، فالكمال كل الكمال أن تكون صفات القلوب في الآخرة، متحقّقة في الحياة الدنيا وهي دار التكامل والقرب.

إنّ أرض القيامة بعد النفخة الثانية تتحوّل إلى ما يصفه القرآن الكريم ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ؛ أي: مستوية خالية من النبات، لذا ينبغي للإنسان ـ عندما ينظر إلى مباهج الحياة الدنيا ـ أن يتذكّر ذلك اليوم الذي تزول فيه جميع معالم الأرض، ويبقى معلم واحد يتمثّل في كل شيء كان منتسباً إلى الله تعالى، إذ إنّ الباقي هو وجهه الكريم، ويلحق به كل ما انتسب إليه.

إنّ من كان مورداً للعناية الإلهية ـ التي بها صار منادىً لمولاه ـ هو الأقدر على مواجهة طغاة الفراعنة، فالأمر يحتاج إلى قوّة في التسلّط على باطن المقبلين تارةً، وعلى ظاهر المعرضين، أي: قوّة عددهم وعدّتهم، تارةً اُخرى؛ وكلاهما لا يتسنّى إلا بمدد من عالم الغيب، وقد أمدّ الله تعالى موسى (ع) بالقوّتين على ما بيّنه من قصصه في القرآن الكريم.

إنّ الحديث مع جانب القدس الإلهي لا يكون إلا في أجواء القدس والطهارة، ولهذا اختار الله تعالى الوادي المقدّس للحديث مع كليمه المقدّس (ع)، وأمر خليله (ع) أن يطهّر بيته للطائفين ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة، 125]، ومنع المشركين أن يعمروا مساجد الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ [سورة التوبة، 17] وأمرنا بأخذ الزينة عند كل مسجد ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف، 31].

ومن هنا أمكن أن يقال: إنّ مَن يريد أن يكون بيته محلاً لمناجاة المولى، فلا بُدّ أن يكون طاهراً (ظاهراً) من الخبث، وطاهراً (باطناً) من حدث المعاصي والذنوب.

إنّ مَن يريد القضاء على الفساد الاجتماعي، لا بُدّ وأن يعالجه بالقضاء على مناشئه وعلى رأس تلك المناشئ هو سلوك حكام الجور؛ فالناس على دين ملوكهم [علل الشرائع، ج1، ص14] ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا [سورة النمل، 34].

ومن هنا، فإنّ الله تعالى أمر موسى (ع) بمقارعة فرعون في أوّل خطوة من خطواته الإصلاحية ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى.

إنّ طغيان المخاطب لا يمنع أبداً من القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك:

لإمكان تحقّق التأثير عليه ولو بعد حين، كانقلاب كبار العصاة عمّا كانوا عليه كسحرة فرعون.

من أجل إتمام الحجة عليه فتكون العقوبة أشدّ، والانتقام أوجه!

إنّ في الآيات الدالّة على هلاك فرعون إشعاراً بالقدرة الإلهية القابضة على مُلك الجبابرة، وهذا بدوره يُعدّ سلوة للمؤمنين عندما يبتلون بطواغيت عصورهم ممّن هم أقلّ سطوة من الفراعنة! وفيها أيضاً إثارة للرعب في قلوب الظالمين عندما يعلمون دقّة مكر الله تعالى، إذا أراد المكر بقوم كافرين.

إنّ القرآن يعلّمنا الرفق والموعظة الحسنة في دعوة العباد إلى الله تعالى:

فهذا فرعون وهو من أقسى خلَق الله تعالى، مدعوّ إلى التزكية بنحو التلطّف في السؤال ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى.

وبالقول اللّيّن ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [سورة طه، 44] مع مَن كان يدّعي الربوبية العليا، ومَن كان يذبح الرضّع من الأبناء.

وهذا موسى (ع) نسب الربّ إلى فرعون قائلاً: ﴿إِلَى رَبِّكَ رغم أنّه لم يعترف بإله موسى (ع).

إنّ المطلوب من العبد إحداث تغيير في نفسه بمجاهدة من عنده، وإلا فإنّ الله تعالى قادر على إحداث هذا التغيير من دون مجاهدة من عبده، كما يُحدث كل تغيير في عالم الوجود، ولهذا نرى موسى (ع) يطلب من فرعون أن يتزكّى بنفسه ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ولم يقل: لأزكّيك مثلاً!

إنّ عبارة التزكية متكرّرة في دعوات الأنبياء (ع) فهي إن كانت:

بمعنى النموّ؛ دلّت على التكامل الإنساني ونموّه المتصل، والذي يكون من خلال اتّباع رسالة الأنبياء.

بمعنى الطهارة والتنزّه؛ دلّت على أن التخلّص من شوائب النفس البشرية أيضاً يكون من خلال ذلك.

لا بُدّ في مواجهة البعيدين عن طريق الهدى، من ذِكر ما يحبّبهم إلى الطريق وينسجم مع فطرتهم؛ بدلاً من طلب التعبّد بما يثقل عليهم! ومن هنا لم يدعُ موسى (ع) فرعون للتعبّد بأحكام شريعته، وإنّما طلب منه التزكية التي لا يختلف عليها أحد ممّن له فطرة غير ممسوخة، وهي مطلوبة حتى لمن لم يتديّن بدين أصلاً.

إنّ رسالة الأنبياء متمثّلة في هداية مَن يمكن هدايته تارةً، وبمواجهة مَن يستنكف عن قبول الهداية تارةً اُخرى، وهذا ما كان متجلّياً في حياة إبراهيم وموسى (ع) وهو معنى عدم انفكاك الدين عن سياسة العباد.

وآيات القرآن الكريم مليئة بالشواهد الدالّة على هذين الأمرين، أعني إرسال الرسل لهداية الخلق كافّة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سورة سبأ، 28] ومقاتلة مَن يقف بوجه الهدى الإلهي كافّة أيضاً ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [سورة التوبة، 36].

إنّ هناك ارتباطاً ـ في منطق القرآن الكريم ـ بين الهداية ﴿أَهْدِيَكَ﴾ والتزكية ﴿تَزَكَّى﴾ والخشية ﴿فَتَخْشَى﴾ إذ ليس الإيمان منحصراً بالعبادات الجوارحية، التي قد لا تلازم هذه الأمور.

ومن هنا أيضاً يُعلم أن مَن يريد هداية الخلق، لا بُدّ وأن يكون واصلاً إلى هذه المقامات وواجداً لها، وإلا فإنّ فاقد الخشية والتزكية لا يؤثّر في غيره!

إنّ الله تعالى طلب من موسى (ع) أن يرفع من سقف الطلب لفرعون الذي ادّعى الربوبية، فجعل المطلوب منه بعض الأمور التي قد لا يرى البعض أنّه مكلّف بها، من قبيل التزكية والخشية، فلِمَ نرى البعض يُعفي نفسه من هذه المقامات، وهو على درجة مقبولة من الإيمان؟

إنّه من الممكن القول بأنّ مراحل التأثّر بمواعظ الأنبياء والأوصياء (ع) تتمثّل بالتعلّم أوّلاً ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة البقرة، 129] ثمّ الخشية ثانياً ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر، 28] وثمرتهما الخوف من الله تعالى والانزجار عن نواهيه ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [سورة فاطر، 18] إذ إنّ التفاعل الباطني مترتّب على وجود أرضية الخشية، ولهذا جعلت الآية العِبرة مترتّبة على الخشية ﴿لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى.

إنّ التزكية تتمّ على مرحلتين:

فمنها (التزكية الإجمالية) المتمثّلة في التخلّص من الذنوب، ثمّ تلقّي الهداية الإجمالية.

ثمّ (التزكية التفصيلية) الملازمة للخشية، ومن بعدها يصبح العبد مؤهّلاً للهداية الخاصة التفصيلية.

وقد ذكرت الآية التزكية أوّلاً، ثمّ الهداية، ثمّ الخشية ﴿تَزَكَّى و﴿أَهْدِيَكَ و﴿فَتَخْشَى.

إنّ العمل على البعد الأنفسي مقدّم على العمل الآفاقي الخارجي، فموسى (ع):

عمل على الفتح العاطفي والفكري في عالم الأنفس، مستعيناً بلين القول، والدعوة إلى التزكية والخشية على نحو العرض والاقتراح، لا على نحو الزجر والأمر.

أراه الآيات الكبرى في عالم الآفاق من العصا واليد البيضاء وغيرها، إتماماً للحجّة أو تأكيداً لها.

ومن المعلوم أنّ باب المعجزة لا ينفتح إلا نادراً، بخلاف باب التأثير الباطني؛ فهو مفتوح دائماً لمن أراد أن يعمل به، مستعيناً بسنن الأنبياء.

إنّ وظيفة مَن أقبل الله تعالى عليه ـ وخصّه بالألطاف الخاصّة ـ تتمثّل في استثمار ذلك لهداية الخلق ومقارعة الطواغيت؛ بدلاً من الاستئناس بالحظوظ الأنفسية كما ذهب إليه أهل الرهبانية، فأوّل عمل للأنبياء (ع) بعد البعثة، هو إرشاد الضالّين ومواجهة المغضوب عليهم، وهو ما نراه جليّاً أيضاً في حياة النبي الخاتم (ص).

إنّ الله تعالى يمدّ أنبياءه بما يوجب قوّة جانبهم متناسباً مع قوّة خصومهم، ومن هنا أمدّ موسى (ع) بآيات عديدة، منها ما في هذه السورة ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى وذلك لقوّة خصمه الذي ادّعى الربوبية، بل الربوبية العليا بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى إضافة إلى بلوغ حضارته الأوج في العمران وغيره بشهادة أهرامات مصر، وفي هذا قوّة لقلوب كل الدعاة إلى الله تعالى وفي كل العصور! إذ إنّ قوّة ما يأتيهم من المدد متناسبة مع قوّة الأعداء، فلا خوف عليهم من هذه الناحية ولا هم يحزنون.

إنّ المنحرفين عن طريق الهدى لا يتورّعون عن أيّ باطل ـ ولو كان واضح البطلان عندهم ـ ومن هنا تشبّث فرعون بتكذيب أصدق الناس في زمانه وهو موسى (ع) ﴿فَكَذَّبَ﴾ رغم الآيات البيّنات، ومنها إبطال السحر الذي اعترف به السحرة أنفسهم ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [سورة الأعراف، 119-120].

إنّ أهل الباطل جادّون في باطلهم بل هم مجتهدون فيه، فهذا فرعون ﴿أَدْبَرَ يَسْعَى إذ لا يخلو السعي من جِدّ واجتهاد، فالمؤمنون أولى بالسعي في طلب حقّهم، ومن هنا حقّ لأمير المؤمنين (ع) أن يشكو قومه قائلاً: «فيا عجباً عجباً واللهِ يميتُ القلب ويجلبُ الهمَّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرّقكم عن حقّكم؛ فقبحاً لكم وتَرَحاً»! [نهج البلاغة، الخطبة 27]

والقرآن الكريم يُشير في آية اُخرى إلى أنّ ما يصيب المؤمن من الأذى في سبيله يصيب الكفار أيضاً، بفارق البون الشاسع بما لا يقاس في عاقبة الفريقين ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [سورة النساء، 104].

إنّ الطغاة يستغلّون في كل العصور أدوات الإعلام الجماعي، وقد كانت لفرعون القدرة على جمع الناس وإعلامهم بما يريد، كما يفيده قوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى، وقوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [سورة الشعراء، 53]. ومن هنا يُعرف أيضاً أنّ مقارعة مَن هكذا صفته، إنّما تكون بأدوات مشابهة؛ أي: قوّة الإعلام لجمع الأنصار والأعوان في طريق الهدى.

إنّ لله تعالى نوعين من العقوبة: فهناك عقوبة مؤخّرة ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم، 42]، وهناك عقوبة اُخرى معجّلة! فالبعض يريه الله تعالى الخزي في الدنيا قبل الآخرة وهذا ما جرى لآل فرعون؛ فأمّا عذاب الدنيا ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [سورة الأعراف، 136] وفي الآخرة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [سورة غافر، 46]، ويجمعهما قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.

ومن الممكن القول: إنّ مَن ينازع الله تعالى في سلطانه يُعجّل في عقوبته، خلافاً للعاصي الذي لا يرى في نفسه حالة تحدّ لربّه، بل يرى في باطنه ذلّة لما اقترفه.

إنّ القران الكريم لم يسرد قصص الأنبياء (ع) من أجل التسلية على نحو استماع الحكايات، أو صبّها في قوالب فنّية مجرّدة، وإنّما هي للاعتبار واستلهام الدروس، وذلك لا يكون إلا لمَن له أرضية الخشية من ربّه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى، فالعقل المستفيد إنّما هو مقترن مع القلب المستلهِم الخاشع، لما يراه من الأحداث والأشخاص والأشياء.

إنّ القرآن الكريم يؤكّد في آية ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ وفي آية اُخرى ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [سورة غافر، 57] على حقيقة أنّ خلق السماوات أعظم من خلق الإنسان! ومن هنا جعل القدرة على خلق الأشدّ تعقيداً؛ دليلاً على القدرة على إعادة خلق الأقلّ في ذلك، وهذا ما يُفسّر حالة المؤمن عندما يتأمّل في خلق السماوات ـ وخاصّة عند القيام في جوف اللّيل ـ فإنّه يستحضر حقيقة أنّ المتأمَّل فيه وهو الكون؛ أعظم من المتأمِّل وهو الإنسان نفسه؛ ممّا يوجب بدوره إحساساً بالتصاغر والتذلّل!

إنّ من طرق التأثير على المخاطب هو استثارته بالسؤال ـ حتى لو كان الجواب عنده واضحاً ـ وذلك لتحريك فكره في مسار ما يريده المتكلّم، ومن هنا، يسأل الربّ المتعال عباده ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ليعترفوا بضعفهم في بواطنهم.

إنّ الطريق المتعارف لتذكير العباد بخالقهم هو ذكر الآيات الآفاقية، ولهذا يُكثر القرآن الكريم من ذكر السماوات والأرض ـ ومنها هذه الآيات ـ للانتقال من المحسوس إلى المعقول، ولكن هناك من العباد مَن لا يحتاج إلى هذا الطريق المتعارف، وهم الذين تجلّى لهم الله تعالى في أنفسهم بنوعٍ من أنواع التجلّي.

ليس من المعيب أبداً أن يستمتع الإنسان بمتاع الدنيا من دون أن يعيقه ذلك عن عبادة ربّه، فإنّ الله تعالى ذَكر نعمة الأرض ـ وما أخرج منها من الماء والمرعى وكذلك الجبال ـ في سياق النعم الإلهية، وحاشا أن يمنّ على العباد بما فيه صدّ عن سبيله، ويؤكّد هذه الحقيقة أيضاً قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [سورة الأعراف، 32].

إنّ المتاع عندما يُنسب للغير يُفهم منه ضمناً أنّ صاحب المتاع في رتبة أعلى منه؛ لاستيلائه عليه وتصرّفه فيه، ولهذا صار صاحباً ومالكاً له؛ ولكن مَن عشق هذا المتاع صار مملوكاً له، والحال أنّ القرآن الكريم يريد منّا أن نكون نحن أصحاب المتاع ﴿مَتَاعًا لَكُمْ، لا أن يكون المتاع صاحباً لنا، ولهذا قيل في حقيقة الزهد أنّها عدم مالكية الأشياء للإنسان [التحقيق في کلمات القرآن، ج4، ص356]، لا عدم مملوكيّتها له.

إنّ الله تعالى ينسب متاع الدنيا إلى البشر والأنعام على حدّ سواء ﴿لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ، ولكن المائز فيما بينهما إنّما يكون في أمور اُخرى ألا وهو التعقّل والتفكّر؛ ومن هنا صار الإنسان حيواناً ناطقاً.

إنّ مصيبة العبد يوم القيامة بلوازم عمله، أعظم من كل مصيبة مرّت عليه، ومن هنا سمّيت بـ ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى‏؛ أي: الغالبة، ووصفت بالكبرى للتأكيد على فداحتها، وعليه، فإنّ تصوّر هذا المعنى يوجب تحمّل مصائب الدنيا؛ دفعاً لما هو أشدّ منها!

إنّ الإنسان في عرصات القيامة ـ وخاصّة عندما تُبرّز الجحيم لأهلها ـ في ذكر مستمرّ لسعيه في الحياة الدنيا ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى، وهذا بحدّ ذاته عذاب لأهله؛ لأنّه يقارن بين المقدّمات الماضية والنتائج المستمرّة؛ فيرى حقيقة أنّ اللّذائذ قد فنت، والتبعات قد لازمت!

فكم من المناسب أن يكون هذا التذكّر ـ وهو في دار الدنيا ـ تداركاً لما يمكن تداركه، وهذا هو لبّ المحاسبة والمراقبة التي يجعل الإمام الكاظم (ع) تاركها خارجاً عنهم بقوله: «ليس منّا مَن لم يحاسب نفسه في كل يوم» [بحار الأنوار، ج١، ص١٥٢].

إنّ أرضية الطغيان في العبد ﴿طَغَى﴾ توجب أن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ﴿وَآثَرَ﴾ فقد جعلتهما الآية الكريمة مقترنتين، كما أنّ أرضية الخوف من مقام الربّ ﴿خَافَ﴾ توجب نهي النفس عن الهوى ﴿وَنَهَى﴾ كما يستفاد من هذه السورة أيضاً. والقاعدة العامّة المستفادة من مجموع القرآن الكريم هي أنّ الأرضية الباطنية للإنسان منشأ لكثير من الآثار الظاهرية.

إنّ المشكلة ليست في مفردات الحياة الدنيا والمتمثّلة: بالنساء، والبنين، والقناطير المقنطرة، والخيل المسوّمة، والأنعام، والحرث ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ [سورة آل عمران، 14 وإنّما في إيثارها على رضا الربّ المتعال ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وفي تزيّنها في صدور العباد ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [سورة الحجر، 39] وفي كونها موجبةً لطغيان العبد ﴿لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [سورة العلق، 7]. وبعبارة جامعة: إنّ المشكلة كامنة في العُلقة، لا العلاقة.

قيل في تفسير ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ الذي يوجب الخوف منه تعالى وجوه، منها:

مقامه للحساب يوم القيامة، فكأنّ المراد مقام العبد عند ربّه عند نصب الموازين.

علمه بأفعال العبد ومراقبته له من جهة أنّه تعالى قائم على كل نفس بما كسبت ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة الرعد، 33].

أنّها جهة الربوبية وما يستلزمها من شؤون الربوبية.

والذي يجمع هذا كلّه في مقام التأثير، هو عمل العبد على تنمية ذلك الباطن الذي يدرك هذه المعاني، ويوجب النهي عن الهوى، والذي يؤدّي بدوره إلى سلامة الجوارح أخيراً، وعليه، فإنّ العمل الجوانحي مقدّم على العمل الجوارحي، تقدّم العلّة على المعلول، وتقدّم الفرش على النقش.

إنّ الالتفات إلى مقام الربّ، إنّما هو بمعنى أن يرى الإنسان أنّ جميع تقلّباته بمرأى من قِبل الله تعالى، فهذا الالتفات لِمن موجبات الاستقامة على الطريقة في السرّ والعلن، وبذلك تنتفي أو تقلّ حالات التذبذب بين الإقبال والإدبار، التي يشتكي منها حتى الأولياء.

وممّا يؤيّد أنّ المراد من مقام الربّ ما ذكرناه آنفاً، ما روي عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «من علم أنّ الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر؛ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال؛ فذلك الذي خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى» [الكافي، ج2، ص70].

إنّ خوف الإنسان قد يكون:

لسبب طبيعي خارج ذاته: كخوف الإنسان من حيوان مفترس أو عدوّ بشري.

لتقصير مرتبط بذاته: كخوف الجاني من العذاب عند القصاص.

للإحساس بعظمة مَن يعتقد بعظمته: كخوف التلميذ من اُستاذه خوفاً، يشوبه الإحساس بهيبته.

وعليه، فإنّ خوف أولياء الله تعالى إنّما هو من القِسم الثالث، لعدم وجود مخوف بذاته، ولا لتحقّق تقصير من فعله، بل للنظر إلى مقام العظمة المورث لحالة من حالات الخوف المقدّس.

لا بُدّ أن يكون تعامل الإنسان مع هواه ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ كتعامل الأب مع الابن الجاهل الذي لا يعرف مصلحته، فيهوي إلى ما فيه رداه فيردعه ردعاً، وهذا يختلف عن النهي عند الآمرين بالمعروف بالوعظ المجرّد.

وعليه، فلا يكون التعامل مع الهوى في النفس، كتعامل الناصح مع غيره والذي يكون عادةً بين النظيرين.

إنّ القانون الإلهي سارٍ على جميع المخلوقات سواءً في عالم الآفاق أو الأنفس، ومن هنا فإنّ الآية تُعطي الضابطة العامّة: فـ﴿مَنْ طَغَى سقط في طريق الردى إذ الجحيم مأواه و﴿مَنْ خَافَ وصل إلى ذروة الهدى إذ الجنة مأواه، لوضوح أنّ مَن اتبع طريق الأسباب وصل إلى المسبّبات، تماماً كما هو الأمر كذلك في عالم الطبيعة.

إنّ البعض يستغرق في الجزئيات التي ليست لها ثمرة عملية، مثلُه في ذلك كمثل المشركين الذين كانوا يسألون عن وقت الساعة، فجابههم القرآن الكريم بقوله: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ردعاً لهم عن هذا التطفّل الذي لا طائل تحته، وكذلك بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾.

ومن الممكن أن نُسرّي مثل هذا التوبيخ، إلى مَن يبحث عن توقيت الفَرَج ـ مثلاً ـ دون أن يُعدّ نفسه لإعانة صاحب الفَرَج، وإلى مَن يتحرّى فلسفة الأحكام معوّلاً التزامه عليها.

إنّ الله تعالى رغم أنّه فتح باب العلوم الظاهرة لعامّة العباد، وباب العلوم الخفية لخصوص الأنبياء والأوصياء (ع)؛ إلا أنّه استأثر ببعض العلوم التي لا يحيط البشر بشيء منها، ومن تلك العلوم ما يتعلّق بالساعة، فمنتهى علمها إنّما هو عند عالم الغيب والشهادة ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.

وهذا كلّه لا ينافي أن يطلب العبد من ربّه علماً واسعاً كثيراً بحسب سعة إنائه، بل يطلب منه أن يوسّع من إنائه أوّلاً، ثمّ يغدق عليه من عطائه ثانياً!

إنّ الأنبياء (ع) بُعثوا مبشّرين ومنذرين، ولكن لا يعني ذلك أنّ نسبة الإنذار والتبشير على حدّ سواء قياساً على الطبقات، إذ إنّ الإنذار يتأكّد للقوم الغافلين المعاندين دون التبشير، ولهذا ذكرت الآية خصوص الإنذار لمنكري القيامة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا.

وعليه، فإنّ المؤمن في دعوته إلى الله تعالى، يوازن بين الإنذار والتبشير بحسب حالات من يتعامل معهم.

إنّ الأنبياء (ع) جاؤوا لرفع المستوى التكاملي لكل فرد، ولكن التأثّر بدعوتهم يحتاج إلى أرضية إجمالية للقبول، وهو ما يستلزم وجود حالة ـ ولو إجمالية ـ من الخشية بالنسبة إلى المبدأ تارةً ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ [سورة يس، 11]، وإلى المعاد تارةً اُخرى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا.

وعليه، فإنّ مَن ليس بناؤه على التأثّر والاتباع داخل نفسه، فإنّه لا يمكنه أن يتّبع الأنبياء خارجاً مصداقاً لقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [سورة البقرة، 6].

إنّ الالتفات إلى حقيقة فنائية الدنيا وقصرها بالنسبة إلى الآخرة، لمن موجبات ردع العبد عن التوغّل في الشهوات؛ لأنّ العاقل بطبيعته يتجاوز عن الربح الأقل لحيازة الربح الأكثر؛ فكيف إذا لم تكن هناك نسبة بينهما؟! إذ ما نسبة الحياة الأبدية إلى لبثٍ في عشية أو ضحى ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا بل إلى ساعة كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [سورة الروم، 55].

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2019/04/04   ||   القرّاء : 43





 
 

كلمات من نور :

إذا قال المعلّم للصبي : قل ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فقال الصبي : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، كتب الله براءة للصبي وبراءة لأبويه وبراءة للمعلّم .

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 معرفةُ الله بين العقل والنقل

 القرآن والحسين طراوة دائمة

 معرفة الله حقَّ معرفته *

 عاشوراء الحزن وتجدّد المصائب

 78 ـ في تفسير سورة النبأ

 تمام الطاعة في أداء الشعائر بولاية عليّ (عليه السلام)

 79 ـ في تفسير سورة النازعات

 الإمام الرضا (عليه السلام)

 80 ـ في تفسير سورة عبس

 شوّال وإشراقة العيد السعيد

ملفات متنوعة :



 للقرآن ظاهر وباطن

 الرجعة في القرآن الكريم

 عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن *

 107 ـ في تفسير سورة الماعون

  حديث الدار (49 و 50)

 إقامة المسابقة الوطنية لحفظ وتلاوة القرآن الكريم في انجلترا

 القرآن الکريم والدعاء

 القرآنُ الكريم عِند أهل البيت (عليهم السّلام)

 القرآن كتاب النور

 الاسرة في القرآن الكريم

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 13

  • الأقسام الفرعية : 71

  • عدد المواضيع : 2110

  • التصفحات : 8218497

  • التاريخ : 23/04/2019 - 07:13

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 فدك قراءة في صفحات التاريخ

 تساؤلات معاصرة (باللغة العربية)

 مبدأ الرفق ومسؤولية الأب اتجاه الأسرة

 الحرّية في المنظور الإسلامي

 شذرات توضيحيّة حول بعض القواعد الفقهيّة

 تأثر الأحكام بعصر النص

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 1

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 3

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4



. :  كتب متنوعة  : .
 بيانات قرآنية

 اشكالات قرآنية - أسالة وردود

 تفسير شبر

 دروس في علوم القرآن

 الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء السادس)

 الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثاني)

 تفسير النور - الجزء الخامس

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4

 تفسير النور - الجزء السادس

 تفسير النور - الجزء الرابع

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 الإمام الجواد أعظم بركةً على شيعتنا

 التوجّه في الصلاة

 كتب أخلاقية للمطالعة

 هل يتأثر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسحر

 خلق الرسول الكريم وسيرته المالية

 النجاة من عذاب البرزخ

 في تحريم الخمر والميسر

 في إجبار المستضعفين وعدم معاجلة المستكبرين بالحساب

 القصص القرآنية مبنية على وقائع تاريخية حقيقية

 الرزق بين الأسباب ومشيئته تعالى



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 ما هو المراد من التوحيد الصفاتي؟

 ما هي أفضل الطرق لتفسير القرآن؟

 اذا كان ربي حفظ القرآن الكريم فلماذا لم يحفظ كتبة السابقة

 ما هي القراءات؟ وما هي عوامل نشوئها وتطوّرها؟

 دعوة قرآنية لرؤية نظام السماوات بحاسة البصر

 في سورة الفاتحة اعاني من لفظ حرف الضاد في كلمة غير المغضوب وكلمة ولا الضالين لاني تعلمت من مدة طويلة على لفظها ولا الضالين ماذا لو انهيت صلاتي وتذكرت اني نطقتها ولا الظالين ماحكم صلاتي؟

  ما علة قول ( كذلك اللهُ ربي ) بعد سورة ( الإخلاص ) ؟

 ما هي حقيقة القلوب، هل هي المضغة والعضلة الموجودة في جسم الإنسان أم هي شيء معنوي، وإذا كانت كذلك فلماذا نسبت إلى الصدور؟

 ملاك التمييز بين صفات الذات والفعل

 قراءة سور العزائم للحائض

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 يا ابن الحسن روحي فداك

 يا من بولائك نفتخر

 في مولد العباس (عليه السلام)

 حُبُ الحسين (ع)

 عرج على المصطفى _ عيد المبعث

 ولادة الإمام علي عليه السلام

 أين الرجبيون - فرقة الغدير

 ولادة السيدة الزهراء (ع) بصوت الأستاذ جابر الثامري

 أنوارك زينب والكرم في ثغر الدنيا تبتسم

 لِمَن السَنا



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (20813)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (9741)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (6834)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6370)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5476)

 الدرس الأول (4979)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (4856)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (4844)

 الدرس الاول (4682)

 درس رقم 1 (4603)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (5157)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3497)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2525)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (2476)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2404)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (1957)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (1865)

 تطبيق على سورة الواقعة (1760)

 الدرس الأول (1739)

 الدرس الأوّل (1682)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة الحجر

 سورة الكوثر

 سورة البلد

 سورة فاطر 1 - 38

 سورة الزمر

 سورة المؤمنون

 سورة الدخان

 سورة التوبة

 علي حبه جنه ـ مقام البيات

 الانفال 23 - 34

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (6044)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (5676)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (5091)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (4897)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (4449)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4369)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (4300)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (4208)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (4205)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (4115)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1679)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (1532)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1422)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (1420)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1130)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1098)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1079)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (1054)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (1034)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (1031)



. :  ملفات متنوعة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع

 سورة الاحزاب ـ السيد حسنين الحلو

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس العاشر

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 تواشيح السيد مهدي الحسيني ـ مدينة القاسم(ع)

 آية وصورة 5



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net