00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

التعريف بالدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • من نحن (2)
  • الهيكلة العامة (1)
  • المنجزات (14)
  • المراسلات (0)
  • ما قيل عن الدار (1)

المشرف العام :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرته الذاتية (1)
  • كلماته التوجيهية (11)
  • مؤلفاته (3)
  • مقالاته (69)
  • إنجازاته (5)
  • لقاءاته وزياراته (14)

دروس الدار التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (8)
  • الحفظ (15)
  • الصوت والنغم (11)
  • القراءات السبع (5)
  • المفاهيم القرآنية (6)
  • بيانات قرآنية (10)

مؤلفات الدار ونتاجاتها :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المناهج الدراسية (7)
  • لوائح التحكيم (1)
  • الكتب التخصصية (8)
  • الخطط والبرامج التعليمية (2)
  • التطبيقات البرمجية (9)
  • الأقراص التعليمية (14)
  • الترجمة (10)
  • مقالات المنتسبين والأعضاء (32)
  • مجلة حديث الدار (51)
  • كرّاس بناء الطفل (10)

مع الطالب :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات الأشبال (36)
  • لقاءات مع حفاظ الدار (0)
  • المتميزون والفائزون (14)
  • المسابقات القرآنية (22)
  • النشرات الأسبوعية (48)
  • الرحلات الترفيهية (12)

إعلام الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الضيوف والزيارات (158)
  • الاحتفالات والأمسيات (72)
  • الورش والدورات والندوات (61)
  • أخبار الدار (33)

المقالات القرآنية التخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (151)
  • العقائد في القرآن (62)
  • الأخلاق في القرآن (163)
  • الفقه وآيات الأحكام (11)
  • القرآن والمجتمع (69)
  • مناهج وأساليب القصص القرآني (25)
  • قصص الأنبياء (ع) (66)

دروس قرآنية تخصصية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • التجويد (17)
  • الحفظ (5)
  • القراءات السبع (3)
  • الوقف والإبتداء (13)
  • المقامات (5)
  • علوم القرآن (1)
  • التفسير (14)

تفسير القرآن الكريم :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علم التفسير (87)
  • تفسير السور والآيات (175)
  • تفسير الجزء الثلاثين (37)
  • أعلام المفسرين (16)

السيرة والمناسبات الخاصة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النبي (ص) وأهل البيت (ع) (103)
  • نساء أهل البيت (ع) (35)
  • سلسلة مصوّرة لحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) (14)
  • عاشوراء والأربعين (44)
  • شهر رمضان وعيد الفطر (19)
  • الحج وعيد الأضحى (7)

اللقاءات والأخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • لقاء وكالات الأنباء مع الشخصيات والمؤسسات (40)
  • لقاء مع حملة القرآن الكريم (41)
  • الأخبار القرآنية (95)

الثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الفكر (2)
  • الدعاء (16)
  • العرفان (5)
  • الأخلاق والإرشاد (18)
  • الاجتماع وعلم النفس (12)
  • شرح وصايا الإمام الباقر (ع) (19)

البرامج والتطبيقات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (3)

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : السيرة والمناسبات الخاصة .

        • القسم الفرعي : النبي (ص) وأهل البيت (ع) .

              • الموضوع : السجن في فكر الإمام الكاظم (ع) .

السجن في فكر الإمام الكاظم (ع)

 السيد عبدالله السيد هاشم العلي

من دعاء لإمامنا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام أنه قال: اللَّهم إنك تعلمُ أني كنتُ أسألك أن تُفرِّغَني لعبادتك، اللَّهُم وقد فعلتَ، فَلَكَ الحمدُ[1].

السجن مفهوم قديم وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، حيث يقول سبحانه وتعالى على لسان فرعون في حواره مع نبي الله موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ {23}قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ{24}قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ{25}قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ{26}قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ{27}قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ{28}قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ{29}}[2]، وكذلك أيضاً في قصة نبي الله يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، يقول الله سبحانه وتعالى{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ {32}قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ{33}فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{34}ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ{35}وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ{36} قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ{37}وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ{38}يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ{39}مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{40}يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ {41}} [3].

ومعنى السجن في اللغة هو الحبس، والسجن البيت الذي يحبس فيه السجين[4]، والسجن بالفتح المصدر[5]، ومعناه الاصطلاحي هو تعويق الشّخص ومنعه من التّصرّف بنفسه، والخروج إلى أشغاله ومهمّاته الدّينيّة والاجتماعيّة[6]، وليس من لوازمه الجعل في بنيان خاصّ معدّ لذلك، بل الرّبط بالشّجرة حبس، والجعل في البيت أو المسجد حبس[7].

وقد اتفق العلماء على مشروعية السجن، وأنه من العقوبات التعزيرية والتأديبية، وليس له الصدارة والأولوية بين أنواع التعزير الأخرى، بل هو أشبه بالعقوبة الاحتياطية، لأن وطأته شديدة وآثاره السلبية كبيرة على الفرد وأسرته وعلى المجتمع عموماً، فهو من الوسائل الرادعة للمتخلفين والمجرمين، مضافاً إلى أنّه لا مفر من الحبس، والتوقيف في بعض الأحيان وذلك للحد من فرار المتهمين، أو الضغط والتضييق على المدينين لإجبارهم على أداء ديونهم، ولهذا فإنّ أحكام السجن لها موقع خاص في الفقه الإسلامي.

ويمكن تقسيم السجن بحسب فلسفته إلى عدة أقسام منها:

(1) السجن الايذائي: وهذا النوع من السجن يكون عادة للأشخاص الذين يرتكبون المخالفات، فالسجن يسلبهم الحرية ليقفوا على قبح أفعالهم، ويردعهم عن تكرارها في المستقبل، ولكي يعتبر الآخرون بذلك.

(2) السجن الاصلاحي: وهذا النوع من السجن يستفاد منه لحبس الأفراد الذين يعتادون على الاُمور السيئة، والذين لا ينفع معهم النصح والارشاد، فلا مهرب من حبسهم في هذا السجن، وعزلهم عن المجتمع لمدّة قصيرة أو طويلة، لإصلاحهم وإجبارهم على ترك ما اعتادوا عليه من أمور سيئة.

(3) السجن الاحتياطي: وهذا النوع من السجن يستفاد منه في الحوادث المهمة كمقتل نفس محترمة، ولم يُعرف القاتل ولكن يُتهم البعض بالقتل، وحينئذ لابدّ من التحقيق للتعرف على القاتل، ولمنع هروب المتهمين وعدم التمكن من القبض على القاتل بعد ثبوت الأدلة الكافية، لابدّ من توقيف المتهمين فترة التحقيق المؤقتة، فمن ثبتت براءته قدّم الاعتذار إليه وأُطلق سراحه، ومن ثبت جُرمه عوقب بالعقاب الذي يستحقه.

(4) السجن التأديبي: وهذا النوع من السجن يُستفاد منه عادة في حق الأطفال الذين لا تشملهم القوانين، في مقابل ارتكابهم بعض الجرائم والأخطاء، ليتم تأديبهم وتربيتهم.

(5) السجن الاستحقاقي: وهو يستخدم في حق الشخص الذي في ذمته دينٌ لآخر، ويمتنع عن أدائه إليه مع تمكنه من الأداء، فهنا قد يحبس المدين حتى يضطر إلى دفع ما عليه للدائن.

(6) السجن السياسي: ويستخدم هذا النوع من السجن في حق الأشخاص الذين يقومون بنشاطات سياسية معارضة لمصلحة المجتمع والنظام الحاكم، وقد تكون تلك النشاطات أحياناً غير معارضة لمصلحة المجتمع، بل قد تكون في مصلحته ولكنها مخالفة لمطامع الحكم المتسلط على رقاب أبناء المجتمع.

وقد استخدم النوع الأخير من السجن لكسر روح المقاومة المعنوية أو الجسدية عند المصالحين والمناضلين الثائرين ضد الحكام الظالمين والمتسلطين على مقدرات الأُمة، فيلقون بهم في السجون لأجل ذلك، وأحياناً يكون الحبس توأماً مع الاهانة والتعذيب الروحي والجسدي، حيث إنّ الجبّارين وعندما يضيقون ذرعاً بجهاد هؤلاء يحاولون التفكيك بينهم وبين قواعدهم ومؤيديهم، فيلقون بهم في السجون.

وعندما نقرأ في التاريخ الإسلامي نلاحظ أن السجون في عهد الدولة الأموية والعباسية شهدت أموراً غريبة عجيبة لا يقرها دين ولا عرف, ولا تمتّ للإسلام بأي صلة, فقد كان هناك ما يعرف بالسجون العامة والسجون الخاصة، فالسجون العامة كسجن المطبق الذي بناه المنصور الدوانيقي في بغداد عام 146هـ، وأعده لخصومه السياسيين ،والمغضوب عليهم من خاصته، وكبار دولته، والذي يوزع على أمهات المدن, واشتهرت في عهد العباسيين, وهذه السجون لا يعرف فيها الليل من النهار, ويموت الإنسان فيها ألف موتة، أما السجون الخاصة فهي كسجن الديماس للحجاج، الذي كان يحتوي على مائة وعشرين ألفاً بين رجل وامرأة، عارين من اللباس، يعيشون تحت الشمس اللافحة نهاراً والبرد القارص ليلاً، وكان قد أمر السجانين أن يكونوا على سور السجن، فإذا أراد أحد أن يتكئ على الحائط في وقت الظل رموه بالنشاب من على السور حتى يتحول إلى الشمس، وكان أحدهم إذا تكلم وتضرع يتلو عليه السجان قوله تعالى{اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}[8]، وكان يأمر أن يعطي السجناء الخبز الممزوج بالرماد، والماء الممزوج بالملح، وكان سجنه يسبب تغيير لون الإنسان الذي يعيش فيه لمدة، حتى أن الأمهات لم يكن يعرفن أولادهن إذا زرنهم بعد إصرار كثير لتغير وجوههم وعدم حلق رؤوسهم وقص أظفارهم، إذ كان كل ذلك ممنوعاً في داخل سجون الحجاج، وكانت المرافق في السجن عارية مكشوفة، فكل سجين يجب عليه أن يتخلى حيث يراه الناس، إلى غير ذلك من موبقات سجن الحجاج.

إذن يشكل السجن أحد مظاهر مصادرة حرية الإنسان، فالسجن يظل هو السجن، حتى لو كانت قضبانه من ذهب، لأنه سالب لقيمة الحرية، ذلك المشترك الذي يجتمع الناس عليه، وتنزع إليه فطرتهم، لهذا نجد أن الإمام الكاظم كان يدعو الله عزّ وجلّ أن يخلصه من السجن: يا مُخَلِّصَ الشَّجَرِ مِنْ بَيْنِ رَمْلٍ وَطينٍ وَماءٍ وَيا مُخَلِّصَ اللَّبَنِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَيا مَخَلِّصَ الْوَلَدِ مِنْ بَيْنِ مَشيمَةٍ وَرَحِمٍ وَيا مُخَلِّصَ النّارِ مِنْ بَيْنِ الْحَديدِ وَالْحَجَرِ وَيا مُخَلِّصَ الرُّوحِ مِنْ بَيْنَ الاْحْشاءِ وَالأْمْعاءِ خَلِّصْنى مِنْ يَدَىْ هارُونَ[9].

من هنا يأتي التسائل عن كيفية التوفيق والجمع بين هذا الدعاء الذي يبين الإمام فيه شدة كرهه للسجن وبين الدعاء الذي يبين فيه الإمام أن السجن نعمة كان الإمام يدعو الله بأن يروقه إياها: اللَّهم إنك تعلمُ أني كنتُ أسألك أن تُفرِّغَني لعبادتك، اللَّهُم وقد فعلتَ، فَلَكَ الحمدُ.

فهل كانت عبادة الإمام الكاظم عليه السلام خارج السجن أقل من عبادته في داخل السجن؟، هل كان الإمام عليه السلام مشغولاً بحيث كان لا يمكنه التفرغ للعبادة، وعندما أصبح في السجن حصل على الوقت الكافي للعبادة؟

لقد أجمع الرواة على أن الإمام الكاظم عليه السلام كان من أعظم الناس طاعة لله، ومن أكثرهم عبادة له، وكانت له ثَـفَنات من كثرة السجود لله، كما كانت لِجدِّه الإمام السجاد عليه السلام، حتى لُقِّب عليه السلام بذي الثـفنات، وكان من مظاهر عبادته عليه السلام أنه إذا وقف مُصلّياً بين يدي الخالق العظيم، أرسل ما في عينيه من دموع وخَفقَ قلبُه، وكذلك إذا ناجى عليه السلام ربَّه أو دعاه، ويقول الرواة: إنه عليه السلام كان يصلي نوافل الليل، ويَصِلُها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويَخُرّ لله ساجداً ، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد لله حتى يقرب زوال الشمس، وكان من مظاهر الطاعة عنده عليه السلام أنه دخل مسجد جَدِّه رسول الله صلى الله عليه وآله في أول الليل فسجد عليه السلام سجدة واحدة، وهو يقول بِنَبْراتٍ تَقطر خوفاً من الله: عَظُم الذنبُ عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، وجعل عليه السلام يُردّد هذا الدعاء بإنابة وإخلاص وبكاء حتى أصبح الصباح.

دخل أبو حنيفة على الإمام الصادق عليه السلام فقال له: رأيت ابنك موسى عليه السلام يصلي والناس يمرون بين يديه، فلا ينهاهم وفيه ما فيه، فقال أبو عبدالله عليه السلام: أدعوا لي موسى، فدعي فقال له: يا بني أن أبا حنيفة يذكر أنك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم، فقال: نعم يا أبة إن الذي كنت أصلي له كان أقرب إلي منهم، يقول الله تعالى{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[10]، قال: فضمه أبو عبدالله عليه السلام إلى نفسه، ثم قال: يا بني بأبي أنت وأمي يا مودع الأسرار[11].

كان الإمام عليه السلام كثير الاستغفار يقول لبعض أصحابه: إني استغفر الله كل يوم خمسة آلاف مرة[12]. وكان عليه السلام كثير الشكر والحمد لله تعالى، فعن هشام بن أحمد: كنت أسير مع أبي الحسن في بعض طرق المدينة، إذ ثنى رجله عن دابته فخرّ ساجداً، فأطال وأطال، ثم رفع رأسه وركب دابته، فقلت: جعلت فداك قد أطلت السجود فقال عليه السلام: إني ذكرت نعمة أنعم الله بها عليّ، فأحببت أن أشكر ربي.

إذن لم تختلف عبادة الإمام الكاظم عليه السلام في السجن – لا في الكم ولا في الكيف – ولا في خارج السجن، وإنما الإمام الكاظم عليه السلام يشير في هذا الدعاء إلى ما يعرف الآن في إدارات التخطيط ورسم الاستراتيجيات بالتحليل الرباعي (SWOT) كأداة تحليل استراتيجي عامة في عدة مجالات، والذي يعتمد على تحويل التحديات والمعوقات إلى فرص وقدرات تنافسية، وذلك باستثمار فاعليته وطاقاته الذهنية ومعارفه التي تمثل الثروة الحقيقية التي تمتلكها الإنسان ، وينقسم هذا التحليل كما كتبت حروفه الأربعة بالإنجليزية إلى S-W-O-T ويمكن تعريفها كما يلي:

(1) القوة: عناصر القوة التي يمتلكها الإنسان الرسالي، والتي تميزه عن غيره، كالمستوى العلمي، ومقدار الوعي الذي متلكه، وسعة الاطلاع والثقافة، وقوة الشخصية، وغيرها، وهى ترجمة لكلمة Strengths.

(2) الضعف: نقاط الضعف التي يشعر الإنسان الرسالي بوجودها في شخصيته أو في البرنامج الذي يطرحه ويسعى لتحقيقه في المجتمع، وهى ترجمة لكلمة Weaknesses.

(3) الفرص: وهي التي يمكن أن تأتي من الخارج أو من البيئة المحيطة به، أو الظروف التي يمر بها أو يعيشها، وهي ترجمة لكلمة Opportunities.

(4) التهديدات: وهي التي يمكن أن تأتي من الخارج أو من الداخل من المجتمع المحيط به، وتسبب اضطرابات أو إرباكات في مسيرة الإنسان نحو تحقيقه أهدافه، وهي ترجمة لكلمة Threats.

فالإنسان الرسالي في المجتمع مهمته هي أن يكون متحكمًا في التغيير بدلاً من أن يكون ضحية له، لذا ينبغي له أن يحدد نقاط قوته، وإذا ما ركز عليها يمكنه أن يقوم بعمل إسهامات عظيمة في مجتمعه، لذا نجد بأنه بالرغم من استخدام أشد اساليب القمع والاضطهاد والسجون والقتل والتشريد والإقصاء ضد الشيعة والعلويين من آل النبي صلى الله عليه وآله، وهي الممارسة التي بلغت ذرواتها الأكثر عنفاً في عهد هارون الرشيد،لم تتمكن هذه الأساليب من التأثير على النهج الرسالي الذي كان ينتهجه أهل البيت عليهم السلام، حتى عندما عمدت السلطات العباسية إلى سجن الإمام عليه السلام، لم يضعف بالشكل الذي كانت تتمنّاه السلطة، فقد كان الإمام عليه السلام يقود الأمة والمجتمع الرسالي ويدير أعمالها وهو في السجن، الأمر الذي جعل السلطة في حالة هسترية، فأخذت تنقله من سجن إلى سجن.

وهذا ما يجب أن نستوحيه للمسلمين الذين تفرض عليهم الظروف الصعبة القاسية دخول سجون الكافرين والطاغين، ويتعرّضون فيها للكثير من الضغوطات القاسية مما يمارسه السجّانون عليهم، ليُسقطوا مواقفهم، ويهزموا روحياتهم، ويقودوهم إلى بعض الأوضاع السلبيّة، في ما يلوّحون به من الوعد بالتخفيف عنهم في حالات الألم الشديد، فإنَّ بإمكانهم أن يستلهموا روحانية الإيمان بالله في الانفتاح على التفكير به سبحانه والخشوع له تعالى والدعاء في كلِّ مهماتهم، لترتفع معنوياتهم من خلال ذلك، لينفصلوا عن الجوِّ الخانق إلى الجوِّ الرحب الواسع في آفاق الله، في رحمته ولطفه ورضوانه.

إننا نحتاج إلى استلهام هذا السلوك العبادي الذي كان يعيشه الإمام موسى الكاظم(ع)، وذلك في ما يجب أن تعيشه التربية الإسلاميّة في إعداد العلماء والدعاة إلى الله، بالتأكيد على الجانب الروحيّ في حركة الجوِّ العباديّ الذي يرتفع بالإنسان المؤمن إلى آفاق الروحانية العليا التي تجعل العلاقة بالله هي الغاية العظيمة التي يتحرّك نحوها، في ما يريده لنفسه من حركةٍ وحياةٍ في الاتجاه العمليّ الذي يُعدّ نفسه له في القيام بمهمة خدمة الإسلام في الدعوة إليه، والجهاد في سبيله، والعمل الدائب من أجل إعادة الإسلام إلى الحياة على مستوى الحكم والشريعة والمنهج والحركة الشاملة.

ولذا يحتاج إلى طاقةٍ روحية كبيرة، فيما هي روحانية الفكر والممارسة، انطلاقاً من التحديات الكثيرة التي تواجهه على مستوى الترغيب أو الترهيب، في المغريات التي تقدّم إليه، وفي التهاويل التي تدور في آفاقه، من أجل إسقاط موقفه للانحراف به عن الخطّ، أو لإرباك الواقع الإسلامي من خلاله، فإنَّ العلم لا يكفي في صيانة صاحبه إذا لم يرافقه إيمانٌ يتعمّق في مواقع الروح العميقة في وعي الإنسان.

لقد شهدت الساحة في فترة إمامة الإمام الکاظم عليه السلام ألواناً متعددة من الاضطهاد والقمع والاعتقالات التعسفية، لذا تعتبر دراسة هذه الفترة التاريخية من (148هـ _ 183هـ) من أهم الفترات في تاريخ بني العباس، إذ تميزت هذه الفترة بأحداث ووقائع تاريخية خطيرة تجلت فيها الملاحقات والقتل الفردي والجماعي والاعتقالات، تحت کل حجر ومدر يتجه إليه الرساليون، لهذا وقبل أن نتطرق إلي استراتيجية التحرك عند الإمام الکاظم عليه السلام لابد من الاطلالة علي معطيات الواقع السياسي والفکري والاجتماعي.

أولاً: الوضع السائد في الدولة الإسلامية، فقد شهدت المرحلة التي عاشها الإمام الكاظم عليه السلام، اضطرابات ونزعات اجتماعية وسياسية، خطط لها ونظم حركتها زعماء النهج الجاهلي، بقصد صرف الأمة عن مسيرتها الارتقائية الحضارية في التكامل الروحي والمفاهيمي، حيث أدت تلك الأفعال المشبوهة إلى ابتعاد المسلمين عموماً عن ممارسة التجربة الصحية والواعية للإسلام، وإدخالهم في متاهات الكفر والعصبية البغيضة، المعبرة عن ميل انحداري شديد نحو كرسي الحكم وعرش السلطنة، حتى لو كلف ذلك الأمة خسارة نهجها المشرق، وطموحات رسالتها الإنسانية، ومنظومتها الفكرية والقيمية.

وبالعودة إلى المراجع التاريخية المعتمدة كمصادر دراسية أساسية في الحقل التاريخي الإسلامي، نجد إن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام عاصر في حياته عدة خلفاء، ممن أتسم حكمهم بالاستبداد والفردية والتسلط والظلم، وشدة الضغوطات الأمنية، ووطأة الخطط السياسية التي كانوا يضعونها، والتي كان إمامنا عليه السلام واعيا لها، ومدركا لحجم وأبعاد خطورتها، على المدى القريب والبعيد.

 

لقد قضت تلك الخطط بالسيطرة على مقدرات الأمة، ونهب خيراتها من خلال إتباع سياسة الترغيب والترهيب، والتأكيد على مبدأ القوة الحديدية والقمعية الذي طبع كل تاريخهم، وذلك من خلال ما يلي:

(1) قتل الناس الأبرياء: حيث يكشف لنا هذا الحدث التاريخي عن سياسة المنصور الخشنة مع العلويين، والتي أراد بها الايحاء لابنه المهدي بأن الخلافة لا تستقيم إلاّ بهذه الطريقة، فقد ملأ خزانة برؤوس العلويين شيوخاً وشباباً وأطفالا وأوصى ريطة زوج المهدي أن لا تفتحها للمهدي ولا يطلع عليها إلاّ بعد هلاكه، حيث ينقل الطبري في تاريخه: أنه لمّا عزم المنصور على الحج، دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي، وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر فأوصاها بما أراد، وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم اليها وأحلفها ووكّد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحداً إلاّ المهدي، ولا هي إلاّ أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى يفتحا الخزانة، فلمّا قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح وأخبرته أنه تقدم إليها أن لا تفتحه ولا تُطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة، فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب، ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكاناً[13].

يقول عبيدالله البزاز النيسابوري: کان بيني وبين حميد بن قحطبة معاملة، فرحلت إليه في بعض الأيام، فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعليّ ثياب السفر لم أغيرها، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر، فلما دخلت إليه رأيته في بيت يجري فيه الماء فسلمت عليه وجلست، فأتي بطشت وإبريق فغسل يديه، ثم أمرني فغسلت يدي، وأحضرت المائدة وذهبت عنّي أنّي صائم وأني في شهر رمضان، ثم ذکرت فأمسکت يدي، فقال لي حميد: مالك لاتأکل؟، فقلت أيها الأمير هذا شهر رمضان، ولست بمريض ولا بي علّه توجب الإفطار، ولعل الأمير له عذر في ذلك، أو علّه توجب الإفطار، فقال: ما بي علّه توجب الإفطار وأني لصحيح البدن، ثم دمعت عيناه وبکي. فقلت له بعد ما فرغ من طعامه: ما يبکيك أيّها الأمير؟ فقال: أنفذ إليّ هارون الرشيد وقت کونه بطوس في بعض الليل أن أجب، فلما دخلت عليه رأيت بين يديه شمعه تتقد وسيفاً أخضر مسلولاً، وبين يديه خادم واقف، فلما قمت بين يديه رفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين؟، فقلت: بالنفس والمال، فأطرق ثم أذن لي بالانصراف. فلم ألبث في منزلي حتي عاد الرسول إليّ وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: أنا والله أخاف أن يکون قد عزم علي قتلي، وأنّه لمّا رآني استحيا مني، فعدت إلي بين يديه فرفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين؟، فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد، فتبسم ضاحکاً، ثم أذن ليّ في الانصراف. فلّما دخلت منزلي لم يلبث أن عاد الرسول إليّ فقال: أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو علي حاله، فرفع رأسه إليّ فقال: کيف طاعتك لأمير المؤمنين، فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين فضحك، ثم قال ليّ: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم. قال: فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلي بيت بابٍ مغلق ففتحه، فإذا به بئر في وسطه، وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة، ففتح باب بيت منها، فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب، شيوخ وکهول وشبان مقيدون، فقال ليّ: إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وکانوا کلهم علوّية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه، حتي أتيت علي آخرهم، ثم رمي بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر، ثم فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلويّة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون فقال ليّ: إن أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر، حتي أتيت علي آخرهم، ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة عليهما السلام مقيدون عليهم الشعور والذوائب، فقال ليّ: أن أمير المؤمنين يأمرك أن تقتل هؤلاء أيضاً، فجعل يخرج إليّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه فيرمي به في تلك البئر، حتي أتيت علي تسعة عشر نفساً منهم، وبقي شيخ منهم عليه شعر، فقال ليّ: تباً لك يا مشؤوم أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت علي جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد ولدهم علي وفاطمة عليهما السلام، فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي، فنظر إليّ الخادم مغضباً وزبرني، فأتيت علي ذلك الشيخ أيضاً فقتلته، ورمي به في تلك البئر، فإذا کان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فما ينفعني صومي وصلاتي وأنا لا أشك أني مخلد في النار[14].

(2) تبذير الأموال العامة في أماكن اللهو والطغيان، وهدر ثروات العباد على مظاهر الترف والبذخ الزائل والزائف، فإذا لاحظنا الأموال التي كانت تجبى لهارون الرشيد من أطراف البلاد، لوجدناها تفوق ضخامتها ورقمها أموال كل من سبقه من الحكام، إلا أنها مع الأسف الشديد كانت تنفق على غير مصالح المسلمين، مثل التفنن في الملذّات، في يوم من الأيام أنشده أبو العتاهية هذه الأبيات:

بـأبي مَنْ كان في قلبي له مـرّةً حُبٌّ قليلٌ فسُرِقْ

يا بني العبّاس فيكم مَلِكٌ شُعَبُ الإِحسان منه تفترقْ

إنّما هارونُ خيرٌ كلُّه مات كلّ الشرّ مُذْ يوم خُلِقْ

وغنّاه ابراهيم الموصلي بها فأعطى كل واحد منهما مائة ألف درهم، ومائة ثوب[15].

كان هارون مولعاً بالجواري حريصاً على الاستمتاع والتلذّذ بهنّ، حتى أفرط في ذلك وكان له قصة مع الجارية (غادر) جارية أخيه الهادي، وكانت حسناء من أحسن الناس وجهاً وغناءاً، وكان الهادي يحبها وشك ذات يوم بأن الرشيد سيتزوجها حال مماته، فقال للرشيد: أريد أن تحلف بأنك لا تتزوجها بعدي، فحلف واستوفى عليه الأيمان؛ من الحج راجلاً وطلاق الزوجات، وعتق المماليك، وتسبيل ما يملكه، ثم أحلفها بمثل ذلك فحلفت، فلم يمض على ذلك الاشهر، فمات الهادي وبويع الرشيد فبعث إلى (غادر) وخطبها[16].

وكان الرشيد شديد التعلق بلعب القمار[17]،وبذل الأموال الطائلة من أجل هذه الألعاب، وامتدّ سلوك هذا الحاكم الفاسد إلى الأُمة، حيث اُشيع في البلاد الإسلامية كل أنواع الفساد، وتحوّلت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في عصره إلى مسرح للّهو والرقص، وحانات الخمور ودور المجون، حتى أصبحت هذه المظاهر سمة بارزة يتميّز بها ذلك العصر، وعكس لنا الشعراء انطباعاتهم وأحاسيسهم باللهو وحبّ الجواري والتلذّذ بالخمرة، وكرّس أبو نؤاس مجهوده الفكري، فيوصف الأكواب والكؤوس، والسقاة والخمّارين والندماء، وافتتن الناس بخمرياته.

(3) ملاحقة المؤمنين والصلحاء والانقياء، ولذا من الخطوات التي خطاها الإمام موسى عليه السلام مع شيعته هو التشديد على أهمية الالتزام بالتقية كقيمة تحصينية، تحافظ على الوجود الشيعي، وتقيه من الضربات الخارجية، روى معمّر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القيام للولاة، فقال عليه السلام: قال أبو جعفر عليه السلام: التقية ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له[18].

لقد کانت التقية أو ما يصطلح عليه حديثاً بالعمل السري هو الغطاء الذي کان من خلاله تحرك الإمام الکاظم عليه السلام ليحمي الوجود الحيّ لحرکته، وليحافظ علي أتباعه من خطر التصفية وحرب الإبادة، التي کانت تستهدف تقويض آخر أمل حقيقي للنهوض بالأمة، والأخذ بيدها نحو خيرها وصلاحها، بالتخلص من أولئك النفعيين والمصلحيين الذين جاءوا إلي صهوة الحکم عبر القوة.

(4) الضرب على أوتار القومية والعشائرية عبر إذكاء وإشاعة الصراع القومي والعشائري والطائفي، في يوم من الأيام قال هارون للإمام عليه السلام: خبّروني أنكم تقولون أن جميع المسلمين عبيدنا، وجوارينا، وأنّكم تقولون: من يكون لنا عليه حق ولا يوصله إلينا فليس بمسلم.

فقال له عليه السلام: كذب الذين زعموا أننّا نقول ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصح البيع والشراء عليهم، ونحن نشتري عبيداً وجواري، ونقعد معهم ونأكل معهم، ونشتري المملوك ونقول له: يا بنيّ، وللجارية:يا بنتي، ونقعدهم يأكلون معنا تقرّباً إلى الله سبحانه، فلو أنهم عبيدنا وجوارينا ما صح البيع والشراء[19].

(5) إتباع سياسة كم الأفواه، وشراء الذمم والضمائر، وتأجير العقول، وبالتالي إدخال الأمة بكل مواقعها في غياهب المجهول، فمن الأساليب التي استخدمتها السلطات العبّاسية عامة، اتّخاذ (وعّاظ السلاطين) بعد أن غيّب الإمام موسى الكاظم عليه السلام عن المسرح السياسي والفكري، وظاهرة وعّاظ السلاطين هى بديل يرعاه الحاكم ويدعمه بما أوتي من قوة، ليغطّي له الفراغ من جانب، وتؤيد له سياسته من جانب آخر، إذ يوحي للأُمة بأنه مع الخط الإسلامي السائر على نهج السنة النبويّة، لذا وجد من (مالك بن أنس ) وأمثاله ممن تناغم معه في الاختيار العقائدي الذي لا يصطدم مع سياسته، ووجد من تجاوب مع رغبته وكال له ولأسرته المديح والثناء، الأمر الذي دفع أن يفرض (الموطأ) على الناس بالسيف، ثم جعل لمالك السلطة في الحجاز على الولاة وجميع موظّفي الدولة، فازدحم الناس على بابه، وهابته الولاة والحكّام، وحينما وفد الشافعي عليه فشفّع بالوالي لكي يسهّل له أمر الدخول عليه، فقال له الوالي: إني أمشي من المدينة إلى مكة حافياً راجلاً، أهون عليّ من أن أمشي إلى باب مالك، ولست أرى الذل حتى أقف على باب داره[20].

وفي الواقع ابتليت الأمة الإسلامية منذ زمن بعيد بطبقة من الناس بلباس أهل العلم والدين، وخدعوا البسطاء من الأمة بزهدهم الظاهري، وتقواهم القشري، ومظهرهم العلمائي، ولكن كانوا من أعوان الظالمين، ووعاظ السلاطين، والمتسكعين على موائد الملوك والأمراء والرؤوساء، وهم الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي، وإذا فسدا فسدت أمتي، قيل يا رسول الله ومن هما؟ قال: الفقهاء والأمراء[21].

عندما نتأمل في سيرة الإمام الكاظم عليه السلام نجد أنفسنا أمام تجربة ريادية في التصدي رغم قساوة الظروف السياسية، حيث بلغ القمع والإرهاب ذروته، فحياة الإمام الکاظم عليه السلام ثروة غنية بالعطاء الفکري الخالد، وهي تجربة تقف بتحد صارخ أمام کل التبريرات التي يمکن أن يطلقها البعض حين اشتداد البأس، وحين تأزّم الأوضاع، وحين اتجاهها کتحديات صعبة في طريق تحقق الأهداف، فهذا هو الإمام عليه السلام يخوض تجربة مريرة وعنيفة لقيادة العمل الرسالي من خلف القضبان الحديدية، وقام عليه السلام في مواجهة هذه الانحرافات بعدة أمور منها:

أولاً: تأكيد الانتماء السياسي لخطّ أهل البيت عليهم السلام ومنهجهم، والمتمثل برفض الظلم والظالمين، وقد تشدد عليه السلام على محبيه وشيعته، وحرّم عليهم الانفتاح أو التعاون مع السلطات العباسية الظالمة، وأخذ يعمّق في نفوسهم النزاهة والدقة في رفض الظلم، ليمتلكوا وعياً سياسياً يحصّنهم من الانجراف مع التيار الحاكم، أو الاستجابة لمخططات الاحتواء بشكل وآخر، وهذا ما نلمسه بشكل واضح من موقفه عليه السلام مع صفوان الجمّال الذي يكشف عن دقّة المنهج التربوي عند الإمام عليه السلام مع شيعته في هذه المرحلة.

دخل صفوان بن مهران الأسدي على الإمام موسى الكاظم عليه السلام فقال له: يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحداً، قال صفوان: جعلت فداك، أي شيء هو؟، فقال عليه السلام: اكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون الرشيد!، قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد، ولا للهو، ولكن لهذا الطريق -يعني طريق مكة- ولا أتولاّه بنفسي، ولكن أبعث معه غلماني.

قال عليه السلام: يا صفوان أيقع كراك عليهم؟، قال: نعم جعلت فداك. قال عليه السلام: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟، قال: نعم. قال عليه السلام: من أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو وارد للنار. فقام صفوان في الوقت وباع جماله، وأعرض عن مهنته، فبلغ ذلك هارون، فأرسل خلفه، فلما مثل عنده قال له: يا صفوان! بلغني أنك بعت جمالك، قال: نعم، قال: ولم؟، قال: أنا شيخ كبير، وإنّ الغلمان لا يفون بالأعمال. قال: هيهات هيهات !! إني لاعلم من أشار عليك بهذا، أشار عليك موسى بن جعفر. قال: مالي ولموسى بن جعفر. قال: دع عنك هذا، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك[22].

كذلك حينما أراد الحسين – شهيد فخ – الخروج لتفجير ثورته المعروفة في سنة 169هـ، والتي انتهت بمقتله مع أصحابه جميعاً رضوان الله عليهم، ودّعه الإمام الکاظم عليه السلام بما يوضح موقفه السياسي من الثورة من جهة، ومن السلطة العباسية من جهة ثانية، حيث يقول عليه السلام في وداعه: إنك مقتول فأجد الضراب، فإن القوم – أي بني العباس – فساق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً ويسرون وشرکاً، فإنا لله وإنّا إليه راجعون، احتسبکم عند الله من عصبة[23].

وأکد الإمام عليه السلام موقفه السياسي مرة أخري عندما نظر إلي رؤوس القتلي بينهم الحسين – شهيد فخ – وابنه بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، مضي والله مسلماً، صالحاً، صّواماً، قّواماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنکر، ما کان في أهل بيته مثله[24]، بل نجد في تصريح الخليفة العباسي ما يفنّذ زعم ذوي الاتجاهات التي تدعي عزوف الإمام عليه السلام عن العمل السياسي، إذ باشر الخليفة الهادي العباسي لما سمع بأخبار الثورة بتوجيه أصابع الاتهام فوراً إلي الإمام الکاظم عليه السلام حيث قال: والله ما خرج حسين إلّا عن أمره ولا اتّبع إلّا محبته، لأنه صاحب الوصية في أهل هذا البيت قتلني الله إن أبقيت عليه[25].

ثانياً: النفوذ في الجهاز الحاكم عن طريق أصحابه، بالنفوذ والاندساس في مواقع السلطة، فقد تصدّر أصحاب الإمام عليه السلام مواقع سياسية مهمّة في الحكومة العبّاسية، وكان الإمام عليه السلام يُثني ويثمن عمل هؤلاء، لكن كان يشترط التعاون وقضاء حوائج المؤمنين وإلاّ فإنه ينتفي غرض المهمة، فمن أولئك الأعاظم والأجلاّء:

(1) علي بن يقطين، تقلد أعلى منصب أيام المهدي ومن بعده عينه هارون وزيراً له[26].

(2) حفص بن غياث الكوفي، ولي القضاء في بغداد الشرقية، والكوفة من قبل هارون[27].

(3) عبد الله بن سنان بن طريف، كان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد[28].

(4) الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، كان يكتب للمنصور والمهدي[29].

(5) محمد بن اسماعيل بن بزيع، أحد وزراء الدولة العبّاسية[30].

(6) الحسن بن راشد: كان وزيراً للمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد[31].

ومن هنا نستطيع أن نقدّر مدى حنكة الإمام عليه السلام وتخطيطه، للمحافظة على المواقع المهمة لشيعته في جهاز السلطة من إقرار فضلاء صحابته على قبولهم ولاية الحاكم الجائر، فإنّهم أعلم بهذا الخط وشؤونه من عامة المؤمنين.

ثالثاً: الاهتمام بترتبية الشيعة من خلال وصاياه وتوجيهاته لهم، ومتابعته وإشرافه على تكامل بناء هذه الجماعة وأفرادها، فيقوم بتطبيق ما يدعو إليه عملياً، لتشكل خطواته نموذجاً ومناراً يهتدي به أبناء مدرسته، ولهذا المجال يمكن أن نستشهد بمثال واحد وهو موقفه عليه السلام من علي بن يقطين، عندما أراد إبراهيم الجمّال أن يدخل على علي بن يقطين ولم يأذن له، فلما حجّ علي بن يقطين في تلك السنة، واستأذن في الدخول على الإمام في المدينة حجبه، فرآه ثاني يومه فقال علي بن يقطين: يا سيدي ما ذنبي؟، فقال عليه السلام: حجبتك لأنك حجبت أخاك ابراهيم الجمّال، وقد أبى الله أن يشكر سعيك، أو يغفر لك إبراهيم الجمّال.

فقال: سيدي ومولاي من لي بإبراهيم الجمّال في هذا الوقت، وأنا بالمدينة وهو بالكوفة؟، فقال عليه السلام: إذا كان الليل، فامض إلى البقيع وحدك، من غير أن يعلم بك أحد من أصحابك وغلمانك، واركب نجيباً هناك مسرّجاً. يقول الراوي: فوافى البقيع وركب النجيب، ولم يلبث أن أناخه على باب إبراهيم الجمّال بالكوفة، فقرع الباب وقال: أنا علي بن يقطين، فقال إبراهيم الجمّال من داخل الدار: وما يعمل علي بن يقطين الوزير ببابي؟! فقال علي بن يقطين: يا هذا إنّ أمري عظيم وآلى عليه أن يأذن له، فلمّا دخل قال: يا إبراهيم إنّ المولى عليه السلام أبى أن يقبلني، أو تغفر لي، فقال: يغفر الله لك. فآلى علي بن يقطين على إبراهيم الجمّال أن يطأ خدّه، فامتنع إبراهيم من ذلك، فآلى عليه ثانياً ففعل، فلم يزل إبراهيم يطأ خده، وعلي بن يقطين يقول: اللّهم اشهد، ثم انصرف وركب النجيب، وأناخه في ليلته بباب الإمام عليه السلام بالمدينة فأذن له ودخل عليه فقبله[32].

رابعاً: الاهتمام بالجانب العلمي والفكري، فكان عصر الإمام الكاظم عليه السلام استمراراً للمسيرة العلمية والثقافية التي حقّقها الصادقان عليهما السلام حتى تخرج في عهده عليه السلام عدد مهم من الفقهاء الرواة، الذين أصبحوا بمستوى العطاء الذي قدمه الإمام الكاظم عليه السلام للاُمة الإسلامية في حقلي النظرية والتطبيق معاً، وتبلور كثير من القواعد الاصُولية والفقهية في مجال الاجتهاد الفقهي في هذه المدرسة العملاقة، ثمّ إنّ انتشار التشيع واتّساع حجم الولاء والانتماء لخط أهل البيت عليهم السلام.

مضافاً إلى ذلك تعميق الفکر الرسالي الرصين لمواجهة تيارات الانحراف، حيث شهدت هذه الفترة ظهور ونمو تيارات ومذاهب فلسفية وعقائدية خطيرة، وکذا برزت مدارس التفسير والرواية، کما کثرت الفرق الکلامية، وتعددت مذاهب الفقه، ودخلت علوم جديدة في استنباط الأحکام واستخراجها، کالمنطق والفلسفة وعلم الکلام وعلوم اللغة، کما أدخل القياس والاستحسان والعمل بالرأي.

وموجة هذه الاتجاهات الفکرية والعقائدية لم تکتف عند حد المداولات الفکرية الصرفة، وإنّما جاءت لتضيف شيئاً ما علي واقع الإسلام کرسالة حضارة وفکر وعقيدة، بل دفعت بعض الفقهاء والقضاة لمحاباة الحکام، وهنا کان لابد أيضاً من الوقوف بحزم أمام مثل هذه التيارات للحد من تأثيراتها السلبية في الأمة، وکذلك لتوعية وإرشاد جماهير الأمة لما فيه خيرها وصلاحها ولتعريفها بالإسلام الرسالي الصحيح.

وهذا هو الذي كان يخشاه الحكام، كلٌ بمقدار نباهته وغوره الى عمق هذا الخط، حتى أثار هذا النشاط الواسع والخط التثقيفي المعمق حفيظة هارون الرشيد تجاه شخص الإمام الكاظم عليه السلام، حيث كان يراه الندّ الحقيقي الذي يهدد سلطانه، لذا كان هارون جرئياً في الإقدام على سجن الإمام عليه السلام وعزله عن أتباعه، ولكنّ أصحاب الإمام عليه السلام كانوا على اتصال مستمر به وهو في قيد السجن، ويشهد لذلك تنوّع التراث الذي وصلنا عن الإمام الكاظم عليه السلام، ونستطيع أن نلمس ذلك بكل وضوح من خلال مطالعة مسنده الذى يبلغ ثلاثة أجزاء فيما يقرب من ألف صفحة تقريباً، وقد اشتمل على أنواع المعرفة العقائدية والتأريخية والتربوية والأخلاقية والأحكام الشرعية، والأدعية والزيارات، وما يرتبط بمجال توثيق الرجال، وسائر ما يرتبط ببيان عصر الإمام الكاظم عليه السلام، واحتجاجاته مع الحكام والمخالفين.

وهكذا نرى كيف حوّل الإمام الكاظم عليه السلام إقامته في السجن إلى فرصة للعبادة المتواصلة، كما كانت حاله خارج السجن التي يعيش فيها الفرح الروحي مع الله، كما هي حالة أولياء الله الذين يشغلهم حبُّ الله عن التفكير في الآلام الصغيرة، فقد ورد في التواريخ أنَّ هارون الرشيد عندما أرسله إلى البصرة وسُجِن فيها سنة كاملةً عند أحد أقرباء الرشيد، وهو عيسى بن موسى، وقد راقب الإمام الكاظم عليه السلام طوال مدّة إقامته في السجن: هل يتألم من وضعه، وما هي انفعالاته؟ فكان لا يراه إلا مشغولاً بعبادة الله، ولم تبدر منه أيّة كلمة تجاه هذا الشخص الذي تولّى حبسه، ولا بالنسبة إلى الرشيد، حيث كان منصرفاً إلى العبادة والتضرّع إلى الله تعالى، ولما طلب الرشيد من عيسى بن موسى أن يقتله، كتب إليه: كتبت إليَّ في هذا الرجل، وقد اختبرته طول مقامه، بمن حبسته معه عيناً عليه، لينظروا حيلته وأمره وطويَّتهُ ممن له المعرفة والدراية، ويجري من الإنسان مجرى الدم، فلم يكن منه سوء قطّ، ولم يكن عنده تطلّعٌ إلى ولاية ولا خروجٌ ولا شي‏ءٌ من أمر الدنيا، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلّمه مني، وإلا سرّحت سبيله، فإنَّني منه في غاية الحرج.

واستجاب الرشيد لطلبه، وأتى به إلى بغداد، فوضعه تحت عين الفضل بن الربيع، وكان هذا الرجل متعاطفاً مع الكاظم عليه السلام، يقول بعض من كان يزور الفضل: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالسٌ على سطح، فقال لي: أدنُ مني، فدنوت منه حتى حاذيته، ثم قال لي: أشْرِفْ إلى البيت في الدار، فأشرفت، فقال: ما ترى في البيت؟، قلت: ثوباً مطروحاً، فقال: انظر حسناً، فتأمّلت ونظرت فتيقّنت فقلت: رجلٌ ساجد، فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا مولاك، قلت: ومَنْ مولاي؟ فقال: تتجاهل عليَّ؟ فقلت: ما أتجاهل، ولكني لا أعرف لي مولى، فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر، إنِّي أتفقده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أُخبرك بها، إنَّه يصلّي الفجر فيعقّب ساعة في دُبُر صلاته، إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدةً، فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكّل من يترصّد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدى‏ء الصلاة من غير أن يجدّد وضوءاً، فأعلم أنَّه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلّى العصر سجد سجدةً، فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس، وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يُحدث حَدَثاً، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة، فإذا صلّى العتمة، أفطر على شويِّ (تصغير شواء، أي شواء قليل) يُؤتى به، ثم يجدّد الوضوء، ثم يسجد ثم يرفع رأسه، فينام نومةً خفيفةً، ثم يقوم فيجدِّد الوضوء، ثم يقوم، فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلستُ أدري متى يقول الغلام إنَّ الفجر قد طلع، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبُه منذ حُوِّل إليَّ. فقلت: اتّقِ الله، ولا تُحْدثنَّ في أمره حَدَثاً يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنَّه لم يفعل أحدٌ بأحدٍ منهم سوءاً إلا كانت نعمته زائلة، فقال: قد أرسلوا إليَّ في غير مرّة يأمرونني بقتله، فلم أُجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني.

وقد ورد في تاريخ أبي الفداء عن شقيقة السندي بن شاهك حينما سُجن الإمام عليه السلام في بيت أخيها عن عبادة الإمام في السجن: أنّه إذا صلَّى العتمة حمد الله ومجّده ودعاه إلى أن يزول الليل، ثم يقوم ويصلّي حتى يطلع الصبح، فيصلّي الصبح، ثم يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثم يصلّي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات عليه السلام.

حياة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تشع بالنور والجمال والخير، وتحمل العطاء السمح، والتوجيه المشرق للأمة، وتتميز بالصلابة في الحق، والصمود أمام الأحداث، وبالسلوك النير الذي لم يؤثر فيه أي انحراف أو التواء، وإنما كان متسماً بالتوازن، ومنسجماً مع سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهديه واتجاهه، والتزامه بحرفية الإسلام، وقد أصر طغاة عصره على ظلمه فعمدوا إلى اعتقاله وزجّه في ظلمات السجون، وبقي فيها حفنة من السنين يعاني الآلام والخطوب، ولم يؤثر عنه أنه أبدي أي تذمر أو شكوى أو جزع مما ألم به، وإنما كان على العكس من ذلك يبدي الشكر لله، ويكثر من الحمد له على تفرغه لعبادته، وإنقطاعه لطاعته.

لقد حاول العباسيون التضيق على الإمام عليه السلام بشتى الطرق، ولم يتركوا عملاً أو فعلاً اعتقدوا بأنه يوصلهم لحاجتهم إلا وفعلوه، وفي المقابل لم يترك الإمام عليه السلام أي وسيلة لتوقض الأمة من غفوتها إلا واستعملها, لهذا لم يرى بني العباس إلا السجن الوسيلة الوحيدة التي توقف حركة الإمام عليه السلام ونشاطه، ولكن هيهات هيهات للسجون أن تحجب النور الساطع، وللظلمة أن تمنع من الاتصال بالله سبحانه وتعالى، فنورهم يملئ الأرض، ومبتغاهم عبادة إلله, فوجد هارون العباسي إن وسيلة السجن لم تفي بالغرض لأن أثار الإمام عليه السلام في كل مكان، لهذا دس له السم ومات الإمام الكاظم عليه السلان شهيداً مسموماً في 25 رجب عام 183ه فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

أبا الرضا

يا موسى بن جعفر

لقد علّمتنا كيف نهضم المحن لنصوغها عزماً وإرادة

وكيف نفجّر من ظُلَم المطامير وضيقها أنواراً سنيّة وآفاقاً رحبة

وكيف نبلور الرفض استقطاباً جارفاً واستجابةً عارمةً

لقد وهبت لنا بفكرك السامي وأناتك الرائعة نهج البقاء، فلك من محبّيك كلّ الحبّ والولاء

————————————–

[1] : المفيد، محمد بن محمد بن النعمان: 2 : 240، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان الطبعة الثانية 1414ه. 

[2] : سورة الشعراء. 

[3] : سورة يوسف. 

[4] : الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين: 6 : 56، تحقيق مهدى المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، الطبعة: الثانية 1410 ه. 

[5] : الجوهري، الصحاح: 5 : 2133. 

[6] : الكاساني، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع: 7 : 100، تحقق علي محمد معوض، عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1424هـ. 

[7] : ابن فرحون، إبراهيم شمس الدين محمد، تبصرة الحكام: 2 : 232، تحقيق جمال مرعشلي، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية 1423ه. 

[8] : سورة المؤمنون: 108. 

[9] : الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: 460 ح 613/3، تحقيق قسم الدراسات الاسلامية، مؤسسة البعثة، قم، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الأولى 1417ه. 

[10] : سورة ق: 16. 

[11] : الكليني، محمد بن يعقوب، فروع الكافي: 3 : 297 ح 4، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش. 

[12] : الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: 16 : 86 ح 21054/8، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم المقدسة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثانية 1414ه. 

[13] : الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك: 6 : 343 – 344، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

[14] : الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا: 2 : 100 – 102، تحقيق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1404ه.

[15] : الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة: 3 : 398، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان.

[16] : ابن الساعي، علي بن أنجب، نساء الخلفاء: 46، تحقيق مصطفى جواد، دار الجمل، بيروت، لبنان.

[17] : الأغاني: 9 : 126 – 127.

[18] : الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي: 2 : 219 ح 12، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش.

[19] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 145 – 147 ح 21، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.

[20] : الحسني، هاشم معروف، سيرة الأئمة الاثني عشر: 2 : 326.

[21] : الصدوق، محمد بن علي، الخصال: 36 – 37 ح 12، تحقيق علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين، قم المقدسة، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الأولى 1403ه.

[22] : رجال النجاشي: 198 برقم 525، وكان من موالي بني أسد بالكوفة. والخبر من اختيار معرفة الرجال: 440 ح 828.

[23] : الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي: 1 : 366 ح 18، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الطبعة الثالثة 1367ه.ش.

[24] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 165، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.

[25] : المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 48: 151، دار إحياء التراث العربي،بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 1403ه.

[26] : اختيار معرفة الرجال: 430 ح 805 و 433 ح 815 و 434، ح 819 و 820 و 437، ح 824، والفهرست لابن النديم : 328.

[27] : رجال النجاشي: 134 برقم 346 وفي اختيار معرفة الرجال: 390 ح 732 قال: هو عامّي وفي تنقيح المقال : 1 : 355.

[28] : اختيار معرفة الرجال: 411 ح 771 و في رجال النجاشي: 214 برقم 558 من موالي بني العباس، وجامع الرواة : 1: 487.

[29] : رجال النجاشي : 306 رقم 837 .

[30] : اختيار معرفة الرجال: 564 ح 1065 وفي رجال النجاشي: 330 برقم 893.

[31] : انظر ترجمته في فهرست أعلام الكشي: 26 في أخبار عديدة. وفي النجاشي: 38 برقم 76 وفى منهج المقال : 98.

[32] : حسين عبدالوهاب، عيون المعجزات: 91، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، جمهورية العراق، الطبعة الأولى 1369ه. 

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/05/19   ||   القرّاء : 2986





 
 

كلمات من نور :

ما من رجل علم ولده القرآن إلاتوج الله أبويه يوم القيامة تاج الملك ، وكسيا حلتين لم ير الناس مثلهما .

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 تأملات وعبر من حياة أيوب (ع) *

 إحياء ذكرى شهادة صغيرة الحسين (ع) في محفل نوراني

 منهج التفسير الإشاري وأقسامه *

 دار السيدة رقية (ع) تقيم دورة تخصصية لمركز أنيس النفوس للعلوم القرآنية

 خبث المنافقين

 بعض من علوم الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) *

 تأملات وعبر من حياة يونس (ع) *

 تأملات وعبر من حياة نوح (ع) *

 دروس من نهضة الحسين عليه السلام *

 أبو الفضل العباس (ع) .. انطباعات عن شخصيّته وعناصره النفسية *

ملفات متنوعة :



 التغيير الإيجابي ثقافة وسلوك

 المَشروعُ الإبراهيمي في القُرآن الكريم (1)

 فن تلاوة القرآن الكريم و أدواته

  اقامة محفل قرآني دولي لعشاق القرآن الكريم

 القرآنُ الكريم عِند أهل البيت (عليهم السّلام) (*)

 تقرير جلسة المراجعة والمباحثة وزيارة سماحة الشيخ محمد اللويم

 لقاء مع القارئ الأستاذ السيد محمد رضا المحمّدي الموسوي

 تنمية الإيمان لدی الطفل

 حديث الدار (28)

 المدح في القرآن *

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 13

  • الأقسام الفرعية : 71

  • عدد المواضيع : 2174

  • التصفحات : 8758096

  • التاريخ : 16/10/2019 - 06:26

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 فدك قراءة في صفحات التاريخ

 تساؤلات معاصرة (باللغة العربية)

 مبدأ الرفق ومسؤولية الأب اتجاه الأسرة

 الحرّية في المنظور الإسلامي

 شذرات توضيحيّة حول بعض القواعد الفقهيّة

 تأثر الأحكام بعصر النص

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 1

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 3

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4



. :  كتب متنوعة  : .
 رسم الطالب عبدالله المسمى: الإيضاح الساطع على المحتوى الجامع

 فواصل الآيات القرآنية ـ دراسة بلاغية دلالية

 المرحلة التمهيدية للقراءة الصحيحة للقرآن الكريم

 الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الأول )

 ترجمة كتاب تساؤلات معاصرة إلى اللغة الإنجليزية

 دروس منهجية في علوم القرآن ( الجزء الثاني)

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 الميزان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)

 متى جمع القرآن؟

 تفسير نور الثقلين ( الجزء الخامس )

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 إمكان صدور أكثر من سبب نزول للآية الواحدة

 تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل المؤنّث

 حول امتناع إبليس من السجود

 الشفاعة في البرزخ

 في أمر المترفين بالفسق وإهلاكهم

 التشبيه في قوله تعالى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ}

 هل الغضب وغيره من الانفعالات ممّا يقدح بالعصمة؟

 كيف يعطي الله تعالى فرعون وملأه زينة وأموالاً ليضلّوا عن سبيله؟

 كيف لا يقبل الباري عزّ وجلّ شيئاً حتى العدل {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}؟

 حول المراد من التخفيف عن المقاتلين بسبب ضعفهم



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 الخضر وموسى عليه السلام، إشكالية تستدعي الحلّ

 أهم ميزات التفسير المعاصر

 ما المقصود من نزول القرآن الكريم في ليلة واحدة ؟

 ماالفرق بين النفس والروح؟

 هل يجب على من حفظ قسطاً من القرآن الكريم أن يداوم عليه لئلا ينساه ؟ وهل تجب معاودة الحفظ في صورة نسيان ذلك ؟

 ما هوالمحكم والمتشابه في القرآن الكريم؟

 الغاية من معراج الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)

 دعوة قرآنية لرؤية نظام السماوات بحاسة البصر

 كيف يصف القرآن مالكية الإنسان على مصادر الثروة في هذا العالم؟

 ما معنى أن لا ينظر الله تعالى إليهم؟

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 اقرأ كتاب الله...

 أنشودة: يناديهم يوم الغدير نبيهم

 بمناسبة عيد الغدير الأغر: اليوم أكملت لكم دينكم _ الترتيل

 بمناسبة عيد الغدير الأغر: اليوم أكملت لكم دينكم _ الترتيل

 قد استوى سلطان إقليم الرضا...

 ابتهال شهر الصيام تحية وسلاما

 شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن...

 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب... - بأسلوب التحقيق

 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب... - بأسلوب التدوير

 شعاع تراءا من علي وفاطم



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (21210)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (10030)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (7073)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6631)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5678)

 الدرس الأول (5532)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (5040)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (4997)

 الدرس الاول (4844)

 درس رقم 1 (4789)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (5310)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3596)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (2965)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2640)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2494)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (2058)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (1954)

 تطبيق على سورة الواقعة (1861)

 الدرس الأول (1847)

 الدرس الأوّل (1771)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة العلق

 سورة العنكبوت

 ياصاحب العصر ادركنا فليس لنا ورد هنيئا ولا عيش ...

 سورة الطور

 111- سورة المسد

 سورة ابراهيم ـ الليثي ـ مقام السيكا

 سورة الحج

 سورة آل عمران

 الفيل

 سورة العاديات

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاذ السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 أستاذ حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (6336)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (5917)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (5300)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (5092)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (4651)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4581)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (4509)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (4429)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (4408)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (4332)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1777)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (1613)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (1515)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1509)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1227)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1199)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1174)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (1141)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (1126)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (1118)



. :  ملفات متنوعة  : .
 آية وصورة

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس العاشر

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي

 تواشيح السيد مهدي الحسيني ـ مدينة القاسم(ع)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس

 آية وصورة 5

 أستاذ منتظر الأسدي - سورة البروج

 الفلم الوثائقي حول الدار أصدار قناة المعارف 2

 آية وصورة 2



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net