00989338131045
 
 
 
 

  • الصفحة الرئيسية لقسم النصوص

حول الدار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • كلمة المشرف العام (4)
  • التعريف بالدار (2)
  • نشاطات وأخبار الدار (266)
  • ضيوف الدار (102)
  • أحتفالات وأمسيات الدار (46)
  • ماقيل عن الدار (1)

قرآنيات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • علوم القرآن الكريم (77)
  • الأخلاق في القرآن (173)
  • قصـص قـرآنيـة عامـة (24)
  • قصص الانبياء (22)
  • القرآن والمجتمع (70)
  • العقائد في القرآن (39)

تفسير :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • أعلام المفسرين (12)
  • تفسير السور والآيات (87)
  • تفسير الجزء الثلاثين (20)
  • مقالات في التفسير (124)

دروس قرآنية :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الحفظ (19)
  • التجويد (17)
  • المقامات (13)
  • علوم القرآن الكريم (34)
  • القراءات السبع (2)
  • التحكيم في المسابقات (1)
  • التفسير (30)
  • الوقف والإبتداء (13)

اللقاءات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • اللقاءات مع الصحف ووكالات الانباء (13)
  • اللقاءات مع حملة القرآن الكريم (41)
  • التعريف بالمؤسسات القرآنية (5)

ثقافة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مقالات ثقافية وفكرية (63)
  • السيرة (199)
  • عامة (214)

واحة الشبل القرآني :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • المواضيع العلمية (5)
  • المواضيع العامة (33)
  • سلسلة حياة الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) (14)

النشرة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • النشرة الأسبوعية (48)
  • حديث الدار (51)
  • بناء الطفل (8)
  • لآلئ قرآنية (2)

الاخبار :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • الاخبار الثقافية (22)
  • الاخبار القرآنية (116)

البرامج :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البرامج القرآنية (11)

المقالات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة









 
 
  • القسم الرئيسي : المقالات .

        • القسم الفرعي : العقائد في القرآن .

              • الموضوع : فلسفة الإعجاز في القرآن الكريم .

فلسفة الإعجاز في القرآن الكريم

الشيخ جواد أمين

إن من أكثر البحوث القرآنية تداولاً هو بحث الإعجاز، حيث يتضمن أبعاداً مختلفة من جهة العقائد والفقه وما شابه، وأبعاداً أخرى من جهة فلسفة الإعجاز فيما لو بحثنا هذه النقطة بحثاً معرفياً ضمن الإطار التخصّصي.

إن بحث الإعجاز وإن كان يختص بعلوم القرآن الكريم إلا أنّه يدخل في أكثر من علم، سواءً في علم الفصاحة والبلاغة والبيان وهذا ضمن إطار البُعد اللغوي، كما أن للإعجاز علاقة في إثبات النبوّة وهذا يأتي في إطار البُعد العقدي. ولا يقف بحث الإعجاز عند هذا فحسب؛ بل يتعداه، لو أردنا بحثهُ في إطار البُعد الفلسفي ـ والذي عليه بحثنا ـ ، وهنا تكمن المعرفة بأسسها ومراتبها، لنكشف عندها أن الإعجاز بكل عظمته ما هو إلا مساحة بسيطة من مساحات القرآن الكريم المعرفية.

وأولى العلماء والمحققون اهتماماً بالغاً وعناية فائقة لبحث المعجزة لأن المسألة الأساس هي إثبات صدق دعوى الأنبياء الحقيقيين وتمييزها عن دعوى المدّعين الكاذبين، لهذا احتلّ البحث عن الاعجاز مكاناً مهمّاً، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «... والمعجزة علامة لله لا يعطيها إلا أنبياءه ورسله وحججه، ليعرف به صدق الصادق من كذب الكاذب» 1.

تعريف المعجزة

عرّفت المعجزة على أنها الأمر الخارق للعادة، تظهر من مدّعي النبوة بإرادة الله، وتكون دليلاً على صدق دعواه.2

والملاحظ في هذا التعريف أنّه يشتمل على عناصر ثلاثة؛ هي:

1- وجود بعض الظواهر الخارقة للعادة، والتي لا يمكن أن توجد من خلال الأسباب والعلل العادية.

2- ظهور بعض هذه الاُمور الخارقة للعادة، من الأنبياء بالإرادة الإلهية، وبإذن خاص من الله تعالى.

3- إنّ مثل هذا الأمر الخارق للعادة، يمكن أن يكون دليلاً على صدق دعوى النبي، وفي هذه الحالة يصطلح عليه بـ(المعجزة).

الاُمور الخارقة للعادة

إنّ الظواهر الكونية تنشأ في الغالب نتيجة أسباب وعلل يمكن التعرّف عليها من خلال التجارب المختلفة، أمثال أكثر الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والنفسية. لكن هناك حالات نادرة تتحقّق فيها هذه الظواهر بصورة اُخرى، وهي الاُمور التي لا تكون أسبابها وعللها عادية؛ حيث لا يمكن التعرّف على جميع أسبابها وعللها من خلال التجارب الحسّية، لكن تلك الأسباب والعلل في مقدور البشر وتحت اختيارهم، ويمكن التوصّل إليها من خلال بعض التدريبات والدروس والتعليمات الخاصّة، كما يقوم به المرتاضون من أعمال.

وهناك نوع آخر من الاُمور الخارقة للعادة وهي الأعمال التي لا تتمّ إلا بإذن إلهي خاص، ولا تكون في متناول أُولئك الأفراد الذين لا علاقة لهم بالله تعالى، ومن هنا فإنّ لها ميزتين:

أ- أنّها غير قابلة للتعليم والتعلّم.

ب- أنّها لا تخضع لتأثير قوّة اُخرى أرقى منها وأقوى، ولا يمكن لأيّ عامل آخر أن يقهرها.

قال الشريف المرتضى (رحمه الله): «وصفة المعجز: أن يكون خارقاً للعادة، ومطابقاً لدعوى الرسول ومتعلقاً بها، وأن يكون متعذراً في جنسه أو صفته المخصوصة على الخلق، ويكون من فعله تعالى أو جارياً مجرى فعله تعالى، وإذا وقع موقع التصديق، فلا بد من دلالته على المصدق، وإلا كان قبيحاً».3.

ومثل هذه الخوارق للعادة مختصّة بعباد الله المصطفين والمنتجبين، ولا يمكن أن تكون في متناول أيدي الضالّين والعابثين، فإذا كان الإتيان بالخارق للعادة قابلاً للتعليم أو التعلّم، أو يمكن لعامل آخر أن يمنع من حدوثه أو استمراره وإبطال تأثيره، فلا يكون هذا العمل من قبيل الخارق للعادة الإلهي، ويمكن أن يكون مؤشّراً إلى ضلال الدّاعي وفساد معتقداته وأخلاقه، وإلى عدم ارتباطه بالله تعالى، وإلى كون أعماله شيطانية أو نفسانية.4

نوعان للمعجزة ودلالتها على صدق مدّعي النبوّة

المعجزة على نوعين:

1- المعجزة الوقتية: وهي المختصّة بمَن شاهدها؛ كناقة صالح (عليه السلام) وعصا موسى (عليه السلام) ومائدة عيسى (عليه السلام).

2- المعجزة الخالدة (الدائمة): وهي مستمرّة الوجود ما دامت السماوات والأرض كمعجزة القرآن الكريم.

ومن طبيعة المعجزة أن تناسب ما يشتهر في عصر النبي من العلوم والفنون؛ ولأجل هذا وجدنا أنّ معجزة موسى (عليه السلام) هي العصا التي تلقف ما يقوم به السحرة؛ إذ كان السحر في عصره فنّاً شائعاً، فبمعجزة العصا أبطل (عليه السلام) ما كانوا يعملون، وعلموا أنّها فوق مقدورهم، وأعلى من فنّهم، وإنّها ممّا يعجز من مثلها البشر، ويتضاءل عندها الفنّ والعلم، وكذلك معجزة عيسى (عليه السلام) وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى؛ إذ جاءت في وقت كان فيه فنّ الطب هو السائد بين الناس، وكان فيه العلماء والأطبّاء لهم المكانة العليا فعجزوا عن مجاراة ما جاء به عيسى (عليه السلام)، ومعجزة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) الخالدة هي القرآن الكريم، المعجز ببلاغته في وقت كان فنّ البلاغة معروفاً، وكان البلغاء هم المتقدّمون عند الناس، بحسن بيانهم، وسموّ فصاحتهم، فجاء القرآن كالصاعقة أذهلهم وأدهشهم وأفهمهم أنّهم لا قِبل لهم به. ويدلّ على عجزهم أنّه تحدّاهم بإتيان عشر سور مثله فلم يقدروا، ثمّ تحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله فنكصوا. ولمّا علمنا عجزهم عن مجاراته مع تحدّيه لهم وعلمنا لجوأهم إلى المقاومة بالسنان دون اللّسان، علمنا أنّ القرآن من نوع المعجز وقد جاء به محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) من عند الله عزّ وجلّ مقروناً بدعوى الرسالة.

فإن جاء مدّعي النبوّة بمعجز يصدّق دعواه بما لا يدع مجالاً للشكّ والريب، فقد تمّت الحجّة على الناس حينئذٍ، ولا يسعهم إلا تصديقه واتباعه بالقول والفعل، ومن كفر منهم بعد العلم والبرهان القاطع والحجّة التامّة، فلا طريق له سوى الضلالة والخسران المبين.5

ميزة معجزات الأنبياء

إنّ معجزات الأنبياء آية ودليل على صدق دعواهم، ومن هنا إنما يطلق في علم الكلام مصطلح (المعجزة) على الأمر الخارق للعادة، حين يصدر دليلاً على نبوّة النبي، إضافة إلى استناده إلى الإذن الإلهي الخاص، وبقليل من التعميم والتوسّع في مفهومه يصبح شاملاً للأُمور الخارقة للعادة أيضاً والتي تصدر دليلاً على صدق دعوى الإمامة، ولذلك يختص مصطلح (الكرامة) بسائر الخوارق الإلهية للعادة، والتي تصدر من أولياء الله، مقابل خوارق العادات التي تستند إلى القوى الشيطانية والنفسانية، أمثال: السحر، والكهانة، وأعمال المرتاضين. وكما أنّ مثل هذه الأعمال قابلة للتعلّم والتعليم، كذلك يمكن قهرها بقوّة أرقى وأقوى منها، والغالب في الأمر هنا أنه يمكن إثبات عدم انتسابها إلى الله من طريق فساد معتقدات أصحابها وانحطاط أخلاقهم.6

تعريف فلسفة الاعجاز

لو أتينا للمعجزة حسب التعريف الفلسفي فقد عرفها العلامة الطباطبائي (رحمه الله) بأنها: تحقق الأمر الخارق للعادة الدال على تصرف ما وراء الطبيعية في عالم الطبيعية ونشأة المادة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل7.

إن هذا التعريف يفتح أفقاً جديداً في بيان الحالة الإعجازية للقرآن من خلال بيان علة العلة لهذا الأمر وبمعنى واضح وجلي بيان فلسفة الإعجاز وما الداعي للإعجاز.

وهنا ـ تدعيماً لما مرّ معنا ـ نقول: إن مقصود العلامة بتحقق الأمر الخارق للعادة حسب المعنى الفلسفي هو خرق القوانين التي تعارف عليها الناس في عالم المادة الأمر الذي لا يعد هدفاً لقانون السببية8.

وإذا ما أردنا الخلوص لتعريف فلسفة الإعجاز أو على الأقل بيان مفهوم فلسفة الإعجاز، يمكننا استنتاج ما يلي:

1ـ فلسفة الإعجاز: هي الدراسة العقلية لمجموعة الأبعاد التي يطرحها الإعجاز بالاعتماد على تفسير الظواهر الطبيعة وما وراء الطبيعة الداخلة في بناء ماهية الإعجاز.

2ـ أو نقول: إن فلسفة الإعجاز هي مجموعة الأبعاد الجوهرية التي يتقوم بها الإعجاز مشكلاً مجموعة من الأبعاد ذات الطابع المعرفي الداخلة في بناء الإنسان الخليفة الإلهي.

3ـ فيما يتعلّق بأبعاد فلسفة الإعجاز نقول: إن القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة المحققة لكل أبعاد الإعجاز، وإن مجموع الأبعاد الإعجازية قد تمثّلت مجتمعة في هذا الكتاب العظيم بكل أوصافه ومواصفاته وما احتواه من دساتير وآداب وعلوم.

وعندما نقول بأننا نبحث في أبعاد الأعجاز أو أبعاد فلسفة الإعجاز، فإن مرادنا هو البحث في هذه المسحة المعرفية من خلال كسب لياقة ما ورائية إعجازية تكشف خطوطاً جديدة من المعرفة في هذه الجهة.

حيث إن الوقوف على علل الأشياء من طبيعة الإنسان الباحث عن الحقيقة.

الأبعاد الفلسفية للإعجاز

البعد الأول: تحقيق الهداية

إن الغاية العظمى من خلق هذا الإنسان هو جعله واصلاً وفصلاً بساحة المقدس الأعلى ساحة الله تبارك وتعالى، فالمعرفة الهدايتية هي الوقود والمحفز للإنسان النوعي، وهذه المعرفة متوقفة على معرفة المعجز وعلله وأبعاده، وهذا البعد هو بمثابة التوحيد الذي به تتم الأبعاد اللاحقة وبه تتكامل تلك الأبعاد، وحيث إن هذه هي مشيئة الله وإرادته سبحانه وتعالى، فقد سخر لهذا الانسان كل ما في السموات والأرض وجعل لهُ مكانة عظمة، وبما أن الغاية من خلق الإنسان وصولهُ للكمال، فلا عجب أن نقول بأن هذا القرآن الكريم وهذه الكلمات النورانية العظيمة إنما هي لأجل هذا الإنسان الذي كرمهُ تبارك وتعالى، لذلك تكفل الله تبارك وتعالى بهداية الإنسان والأخذ بيده، وهذا أمر ضمنهُ الله تبارك وتعالى بتعدد أنواع الهداية، فالهداية على قسمين: هداية عامة وهداية خاصة؛ الهداية العامة هي هداية لكل الناس ولكل خلق الله، وبمعنى أدق: من أصغر ذرّة في الوجود إلى أكبر مجرّة.

وهناك هداية خاصة والتي يمكن تقسيمها إلى هداية تفضّلية وهداية استحقاقية، فالتفضّلية هي من تفضل الله تبارك وتعالى كنتيجة لوجود استعدادات ومقتضيات ومؤهِّلات عند هذا المخلوق، وهناك هداية استحقاقية استحقها المخلوق نتيجة لعمل وفعل وما شابه. ولن أطيل في ذكر تقسيمات الهداية؛ إذ إن هذا البحث موجود بتقسيماته وتفرّعاته في آيات القرآن الكريم9. لكن أخلص إلى إمكانية القول بأن الإعجاز بأحد أبعاده أرادهُ الله لتحقيق الهداية، ويمكن جعل هذا البُعد تحت أي قسم من الأقسام، ولو أنني أعتقد أنهُ يأتي تحت قسم الهداية العامة التكوينية إذ إن الله تبارك وتعالى جعل هذا القرآن المعجز متوافقاً ومساوقاً لسنخية الإنسان الكريم معرفياً والعظيم عقلياً والمقدس روحياً.

لذلك كان هذا القرآن الكريم بمسحة من مسحاته المعرفية المتعددة، وأعني هنا مسحة إعجازه. حيث يجعل الإنسان بعد أن حاز جملة من المعارف والمدركات التي تهيئ لهُ تأسيس قاعدة عقلية وروحية يُذعن من خلالها أن يؤمن بآيات الله الواردة في الكتاب المبين، وتكون لها مدخلية إما في إيمانه أو ارتقاء هذا الإيمان إلى أن يصل لدرجة برد اليقين وبالتالي يتمسك بهذا الهادي الأمين فيفهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾10.

إن أمر المسانخة الموجود بين الإنسان والقرآن أمر إلهي، ففي القرآن إجابات لكل أسئلة هذا المخلوق، فكما نعلم إن مفتاح العلم السؤال، وبالسؤال يكشف هذا الإنسان مدارج الكمال والخلق فيكون هو الهادي، فتتم الهداية المتفرعة عن الدهشة والملازمة للعلم والإدراك.

فالحاصل إن القرآن بما هو معجز يخلق بفضل المسانخة أفق العقلانية والانصياع بحيث يترسخ أساس روحي وجداني يفتح أفق العقل بشكل أوسع وأرحب ليس لتلقي الهداية وبالتالي العروج لساحة المقدس الإلهي فحسب؛ بل لاستمرار هذه الهداية كما سيمر معنا فيما سيأتي لاحقاً من خلال استمرارية الهداية وأفقها.

البعد الثاني: معالجة حالة الشك المتجذرة عند الإنسان

في الحقيقة إن هذه النقطة هي محل إشكالية كبيرة خاصة في مذاهب بعض المدارس المعرفية من حيث إمكان المعرفة وعدمها وهل الشك يعتبر مذهباً في هذا الإمكان؟ وغيرها من التساؤلات التي لن أدخل فيها مع لذتها العلمية، خوف الإطناب والخروج عن حد الاختصار. وإلا فهذه الأبعاد تفتح الباب لعلاج مشكلات معرفية كثيرة وواسعة وتؤسس لحالة جديدة من المعرفة الإسلامية الأصلية والحقة.

فالإنسان الإلهي يريد تحقيق الهداية التي قد تصطدم بجدار الشك وفيروساته، وهذا الشك لو أردنا معرفة مناشئه ودواعيه لقلنا إن الشك ناتج عن الغفلة والنقص والعوز، والنقص هو حقيقة الإنسان وكما يعبر عنه بـ «الفقر الذاتي». ولكي نتمم الحلقة المعرفية نقول في مقام العلاج لهذه المشكلة ـ كما عليه في البحوث الوقائية ـ بأن علينا ترويض النفس بحيث تعطي قدرات للوصول للفناء في الله تبارك وتعالى، وذلك بمعرفة الله الحقة.

فالحق الذي يعمل على كسبه هذا الإنسان قد يصل لهُ ببركة العقل، وقد يحتاج لأداة أخرى معرفية أو يمكننا القول: قد يحتاج لتوسّط أمر معين قادر على تمكين العقل والنفس والوجدان في الوصول للحقيقية الحقة البيّنة في نفسها وفي نفس الأمر.

فكما نعلم إن الإنسان بتركيبته عددٌ، فلو جهل شيئاً ما ـ لجهله ـ فإنه يخاف منهُ ويشك فيه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهنا لابد من فتح البحث قليلاً، فالإنسان يستطيع الوصول إلى الحقيقة عبر العقل إلا أن للعقل مداراً يدور فيه وبالتالي هناك بعض الميادين لا يستطيع العقل الوصول إليها وإعطاء الحكم بنفسه، وهذا ليس قصوراً في العقل وإنما لأجل أن للعقل حدوداً لا يستطيع الخوض فيها وفي أي قضية بلا أي ضابط وميزان11. ونقول في بيان ذلك:

إن الإنسان يعيش الشك في العينيات، فالإنسان لا يؤمن إلا بالفطريات والحسيات وقد جُبل وكُوّن على ذلك، وهذا يلاحظ بوضوح عند اليهود. وبالتالي كيف يستطيع العقل إدراك الأمور الغيبية، فنلاحظ أنه يدركها بالكلية مستفيداً من حدود يقف عندها، والحال أننا أمام أمرين:

الأول: أن هناك جملة من الأمور الإيمانية متعلقة بالإيمان بالغيبيات ولا سبيل للعقل إليها.

الثاني: أن الله تبارك وتعالى أراد لهذا الإنسان أن يكون ظلاً لذي الظل وأن يكون خليفة لهُ في أرضه وهذا فرع الهداية والاطمئنان. فكيف تحل هذه القضية؟ وكيف يهتدي هذا الإنسان؟ هنا يأتي الله تبارك وتعالى بالمعجزة التي لا تقف عند حدود الدهشة وتبدأ بحل مشاكلات الشك وما شابه، وليس هذا فقط بل لتكون المعجزة بإعجازها طفرة في وجدان الإنسان فتمحق فيه كل آثار الشك الداخلية والخارجية المتشكلة في الحالة الوجدانية، الرافعة بذات الوقت لهذا العبء الأكبر عن العقل، إذ إن الدليل العقلي ـ كما نعلم ـ يحل جزء المشكلة بناءً على ما تقدم بحسب حكمه على العقل.

ويبقى القلب بحاجة لشيء يجعلهُ قادراً على الاعتقاد والفرصة غير ممكنة للعقل في هذه الظروف، فيأتي دور المعجزة المؤسسة لهذا الأمر المعرفي لذلك فإن الخطيب الحسيني يعمل تماماً على هذا الأمر، فتراه يروض القلب فينتقل بمحاضرته إلى العقل والفكر ونختم مع القلب بالدمعة العاقدة في القلب للعقيدة حتى يطمئن الإنسان ويكون ذلك العلاج علاجاً استراتيجياً أزال به الإنسان جذور الشك والتشكيك وقد حصل لهُ الاطمئنان بعد الإيمان ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾12.

البعد الثالث: قصور فهم الإنسان لعالم الخلق والخالق

إن الإنسان يعيش حالة قصور في عملية فهمه لعالم الخلق والخالق، فالإنسان بحسب قوته العقلية سواءً كانت المدركة المفكرة المدبرة أو العقل المثبت للأشياء والمولد والدليل، يعيش حالة قصور كما بينّا في الفقرة السابقة، وكلامنا هنا في أصل التصور لا في دائرة الدليل وما شابه، بمعنى أن هذا الإنسان لا يملك القدرة العقلية لفهم الوجود بأسره وتحديداً لا يملك العقل القدرة على فهم ماهية القدرة الإلهية، إذ أن العقل معذور في هذه النقطة بسبب أن القدرة الإلهية إطلاقية والعقل محدود بحسب المعطيات، لذلك فإن أحد أبعاد فلسفة الإعجاز هو رفع حالة القصور من خلال المعطيات في الخارج وذلك ببركة الإعجاز الذي يجلّي القدرة الإلهية ويوضحها، فالله سبحانهُ وتعالى عالم بحالة القصور التي يعيشها الإنسان في عملية فهمه لهذه الأمور فيكون الإعجاز هو ذلك الأمر الخارجي الذي من خلاله يعطي تصوراً عن حجم القدرة الإلهية، وهذا ما نراه حاصلاً مع الأنبياء عامة (عليهم السلام).

ومن باب المثال لا أكثر عندما تتحول عصى موسى (عليه السلام) إلى أفعى وعندما يمسك العصى فيضرب بها البحر فينفلق البحر وغيرها من المعجزات، نلاحظ أن هذه كلها ما هي إلا عبارة عن تجلٍّ للقدرة الإلهية، فلماذا هذه التجليات؟ نقول: هنا تكمن فلسفة الإعجاز، فإن الإعجاز يريد أن يجلّي هذه القدرة ويوصل الإنسان عبر هذه العوامل الخارجية لرقي قدراته الفكرية ومعطياته للحصول على فهم حقيقي لعالم الخلق والخالق الأمر الذي يفتح للإنسان أبواباً إيمانية تجعل منهُ أكثر هدوءاً واطمئناناً واستقراراً. وفيما سيلي في البعد الرابع سنبحث في علة إرادتنا تجلية القدرة الإلهية.

البعد الرابع: تجلية القدرة الإلهية

يمكن لنا تلخيص هذا البُعد بطرح سؤال على الشكل التالي: لماذا نريد تجلية القدرة الإلهية؟

فنقول في مقام الجواب: لأن الإنسان يبقى قاصراً بعقله حتى مع قولنا بأن العقل يمكن لهُ امتلاك معطيات تساعدهُ في الحكم. إذا تنبّهنا لهذا الأمر فإن قدرات العقل لا تساوي القدرات الإلهية وبالتالي فإن طريقة فهم الإنسان واستيعابه لا توصله لفهم القدرة الإلهية وهو ليس قادراً على إدراكها بتمامها، فأكثر الناس الآن في واقعنا لا يلتفتون إلى الموجودات من حولهم من سماء وأرض وماء وغيرها، مع أنهم لا يتعجبون من هذه المظاهر؛ لأنهم غير مدركين لهذا البُعد الإلهي، بحيث إنك عندما تريد أن تتأمل في شيء من هذه الأشياء، ولو فرضنا السماء، فتتأمل فيها كيف رُفعت بدون عمد وإلى الأرض كيف لا ينتهي دورانها وكلّما زرعتها أعطتك، وهنا أفضل شيء للتعرّف على كل هذه الإمكانات واللياقات والقدرات هو حدوث طفرة تنبيهية لذلك، فمثلاً عندما ترى سيارة تسير بشكل طبيعي لا تلتفت إليها ولا يحدث أي انتباه وما شابه، بخلاف ما لو حصل هناك تصادم بين سيارتين عندها سوف تنتبه وتلتفت بحكم الحادثة الواقعة. من هنا أعطى الله تبارك وتعالى الإعجاز ليوجد عند نبي الإنسان الطفرة التنبيهية، وهنا لا بد من الاشارة إلى أن هذه المعاجز ما هي إلا تنبيه لأصحاب العقول الساذجة الذين لم يتمكنوا من إدراك القدرة الإلهية بخلاف أهل الحكمة والفلسفة، إذ إن الفيلسوف لا يحتاج لهذه المعاجز لأنها لا تضيف لهُ شيئاً جديداً لوقوفه على علل الأشياء والحاجة لوجودها، حالهم كحال الأنبياء (عليهم السلام) مع الاحتفاظ ببعض الخصائص للأنبياء (عليهم السلام). وبحسب التتبع هناك بعض الأنبياء هم فلاسفة. وأقول بشكل عام: إن ما من نبي إلا هو فيلسوف وكل بحسب، بل كل نبي هو مدرسة في الفلسفة، قد وقف على علل الأشياء بحسب درجته وقربه من الله تبارك وتعالى.

إن الحركة النوعية للإنسان تدور في قصور الفهم لا في كماله، والذي لا يحتاج إلى النبوة في أصل الإدراك فهو حتماً بحاجة إليها في عدم الانزلاق للانحراف، والإنسان يعيش في إطباق إعجازي، فكل شيء من حوله معجز. وعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال في خطبة ذكر فيها اختيار الأنبياء (عليهم السلام): «فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول‏» 13.

فالإنسان النوعي يدور في قصور الفهم لا كماله، وهناك فوارق بين الإنسان النوعي والإنسان المعصوم.

وعليه فإن الإعجاز هو لرفع حالة القصور عند الإنسان النوعي وإعطائه فسحة جديدة من قضايا إدراكية تمكنه من كشف هذه العوامل والوقوف على عللها بالحد الأدنى، لتسهل عملية التواصل والاتصال بين العباد فيما بينهم وبين العبد والله تبارك وتعالى.

البعد الخامس: رمزية القدوة والمثل الأعلى

لقد منَّ الله تبارك وتعالى على الإنسان بقدرات عالية جداً وامتيازات متعددة، فأبقى سبحانه وتعالى على الإنسان مهمة تحرير هذه الطاقات من القوة إلى الفعل، ولا يمكن تحقيق هذه العملية إلا بعد أن يرى الإنسان النموذج الأمثل القادر على تفعيل هذه الميزة. فلو ضربنا مثلاً وقلنا: إن فلاناً نجار بالقوة؛ أي: يمتلك الإمكانية والمقتضي، ولكنه يحتاج إلى الإنسان الذي يريه درب الوصول ليصبح نجاراً بالفعل.

فالله تبارك وتعالى عندما أبدع خلق الإنسان كان له المثل الأعلى، فالنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: «تخلقوا بأخلاق الله...»14، دلالة على أنك ـ أيها الإنسان ـ حسبك بالله مثلاً أعلى، وهو خير قدوة وخير مثل.

والله تبارك وتعالى، حتى يخفف ويسهل الأمر على الإنسان، جعل لهُ قدوة منه من بني جنسه حيث قال عزّ من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ 15، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 16.

وتحديداً في هذه الآية بعد جمعها تفسيراً وبياناً مع الأولى نرى في هذه القدوة الحسنة أنها منّا وفينا، وقوله عز وجل: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إشارة إلى العلقة الوجودية بين الإنسان النوعي والمعصوم.

من هنا نلاحظ أمرين:

الأول: أن الله تبارك وتعالى أوجد القدوة والمثل الأعلى.

الثاني: أنه أوجد بين بني البشر نوعاً من العلقة الوجودية مع المعصوم ليسهل إراءة الطريق والنجاة والفلاح.

والقرآن صار أيضاً قدوةً لنا بإعجازه، ولو أسقطنا مفاعيل هذه القدوة لرأيناها في كل العلوم والآداب وفنون الحياة، لما فيها من رمزية قيّمة يكشف الإنسان من خلالها الأسرار والبطون المعرفية المتلاطمة.

والرمزية: هي نظام أساسي كالقدوة، وذلك من أجل رفع الإنسان إلى مستوى التحليل والتدقيق، وهذا من المسالك العقلائية الهامة.

والرمزية في القرآن الكريم متمثلة في موضوعات مختلفة، فالرمزية تبدأ من اللغة والاستعمال ولغة التخاطب القرآني، ومساحة الرمزية في القرآن الكريم «هي مستحيلة الرصد البتّة، وذلك لأن القرآن الكريم محال أن يلمّ أحدٌ بأطرافه، بل محُال الإلمام بأحد أطرافه [...] وهنا نجد بعض الأكابر يُحاكي هذه الحقيقة فيقول بأنَّ القرآن سوف يُحشر يوم القيامة بكراً، وفي ذلك كناية عن عدم تتميم قراءة أطرافه»17.

إن للقرآن الكريم علاقة هامة وأساسية بالرمزية، فالعامة تتمحور في تحصيل الهداية والخاصة تتمحور بتوجيه الإنسان إلى القادة الهداة الميامين من عترة النبي (صلى الله عليه وآله)18.

فلسفة الإعجاز

من روائع هذا البحث هو الدخول في هذه النقطة والتي أعتبرها أُس البحث، فعندما نقول: فلسفة الإعجاز، فإننا نريد من هذا الكلام: لماذا البحث في فلسفة الإعجاز وما هي الجدوى منه وماذا يترتب عليه؟ هناك جملة من الأسئلة لا يمكن لنا أن نخفيها من حياتنا.

إن هذه الحياة ما هي إلا فلسفة تضمّنت فلسفات، وفي كتاب الله تبارك وتعالى فلسفات متعددة؛ واحدة منها فلسفة الإعجاز. فنحن عندما نقول: فلسفة الإعجاز، فإن هذا البحث مرتكز على نقطة غاية في الأهمية، ألا وهي فلسفة الأشياء. فالله تبارك وتعالى جعل وراء كل خلقٍ خلقه سبباً ومسبباً، وخلف كل شيء نراه علة وغاية، ففي بحث الإعجاز نرى أن القرآن الكريم هو المعجزة الوحيدة المحققة لجميع أبعاد الإعجاز التي سنطرحها في تالي هذه النقطة.

وإجابة على ما تقدم من أسئلة وتحديداً سؤالنا: لماذا البحث في فلسفة الأشياء أو الإعجاز تحديداً؟ فإننا نقول: إن فلسفة الإعجاز هي النظام الفلسفي الضامن والقادر على حل المشاكل المعرفية والرافع للاضطراب المعرفي عبر الكشف عن ما وراء الإعجاز القرآني بأبعاده المختلفة سواءً في الأبعاد النوعية التشريعية والبلاغية والعلمية وغيرها من جهة، وفي الأبعاد الفلسفية المعرفية من جهة أخرى، بما ينسجم مع البديهيات الكونية والعقلية.

وهنا لسائل أن يسأل: هل الإعجاز يخالف أصل العلّيّة؟ فبديهية العقل تحكم بأن كل ظاهرة إمكانية تحتاج في تحققها إلى علّة وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، وعلى أساس التجربة والبحث العلمي، فإن العلماء يبحثون عن علل تكون الظواهر وموجوداتها، فشأنهم كشفُ الروابط بين العلل المادية ومعاليلها، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إن الكتب السماوية تنسب إلى الأنبياء أموراً لا تتفق بظاهرها مع هذا الأصل، فتنسب إلى موسى (عليه السلام) أنه ألقى عصاه الخشبة الصماء، فانقلبت حية تسعى، وأن الحصى سبّحت في كف سيد الأنام محمد (صلى الله عليه وآله)، وغير ذلك من المعاجز.

فنقول في مقام الجواب: إنه لا بد من الالتفات أن عند السائل خلطاً بين عدم وجود العلة المادية التي اعتاد عليها وعدم العلة على الإطلاق. فالذي يناقض قانون العلية هو القول بأن المعجزة ظاهرة اتفاقية لا تستند إلى علة أبداً. وهذا ممّا لا يقول به أحد من الإلهيين.

وأمّا القول بعدم وجود علّة مادية متعارفة للمعجزة، فليس هو بإنكار لقانون العلية على الإطلاق ونفياً للعلّة من الأساس، وإنّما هو نفي دور وتأثير قسم خاص من العلل، ونفي الخاص لا يكون دليلاً على نفي العام.

وهذا القسم الخاص من العلل، المنفي في مورد المعجزة، هو العلل المادية المتعارفة التي أنس بها الذهن، ووقف عليها العالم الطبيعي، واعتاد الإنسان على مشاهدتها في حياته. ولكن لا يمتنع أن يكون للمعجزة علّة أخرى لم يشاهدها الناس من قبل، ولم يعرفها العلم، ولم تقف عليه التجربة. وبعبارة أخرى: كون المعجزة معلولاً بلا علّة شيءٌ، وكونها معلولةٌ لعلّة غير معروفة للناس والعلم شيءٌ آخر. والباطل هو الأول، والمُدَّعى هو الثاني.

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة؟

قد وقفت في الجهة السابقة على أنّ القولَ بالمعاجز لا يضعضع أصل العِلّية، وأنّ عدم العلّة العادية في موردها لا يدلّ على تحقق المعاجز بلا علّة أصلاً، بل إن لها علّة غير معروفة بين العلل التي يشاهدها الإنسان. والكلام في هذه الجهة يقع في تعيين تلك العلة، وفيها أقوال واحتمالات:

القول الأول: إنّها الله سبحانه

ربما يحتمل أن تكون العلّة هي الله سبحانه، وأنّه يقوم بإيجاد المعاجز والكرامات مباشرة من دون توسط علل وأسباب. فكما هو أوجب المادة الأولى وأجرى فيها عللاً وأنظمة، قام في فترات خاصة بخلقِ الثعبان من العصا الخشبية، وتفجير الماء من الصخور الصَّمَّاء وغير ذلك من خوارق الطبيعة والعادة.

ولكن هذا وإن كان أمراً ممكناً، لعموم قدرته تعالى على كل شيء ممكن بذاته، إلاّ أنّه على خلاف ما عرفناه من الربّ تعالى من سنته التي أجراها في الكون، وهي أن يكون لكل شيء سبب وعلّة. ومن البعيد أن يخالف تعالى سنته في مجال المعاجز19.

القول الثاني: إنّها علل مادية غير متعارفة

وهنا احتمال ثانٍ، وهو أن تكون العلّة المحدثة للمعجزة، علّة مادية غير متعارفة، اطّلع عليها الأنبياء في ظلّ اتصالهم بعالم الغيب. ولا بُعْدَ في أن يكون للشيء علتان، إحداهما يعرفها الناس، والثانية يعرفها جمع خاص فيهم. ويمكن تقريب ذلك بملاحظة إثمار الأشجار، فإنّ له علّة مادية يعرفها الزارع العادي، فتثمر في ظل تلك العلة بعد عدّة أعوام. وهناك خبراء من مهندسي الزراعة واقفون على خصوصيات في التربة والأشجار والبيئة والمياه وغير ذلك، توجب إثمار الأشجار في نصف تلك المدة مثلاً. فإذا كان هذا ملموساً لنا في الحياة، فلا نستبعد أن يقف الأنبياء المتصلون بخالق الطبيعة، على أسرار ورموز فيها، يقدرون بها على إيجاد المعاجز.

ولكنه قول لا يدعمه دليل.

القول الثالث: إنّها الملائكة والموجودات المجردة

وهنا احتمال ثالث وهو أنّ المعاجز تتحقق بفعل الملائكة الّتي يعرّفها القرآن بـ «المدبّرات»20، بأمر منه سبحانه، عند إرادة النبي إثبات نبوّته بها، ولعلّ من هذا القبيل تمثّل الروح الأمين على السيدة مريم، كما في قوله سبحانه:  ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾21.

القول الربع: إنّها نفس النبي وروحُه

وذهب إلى هذا جمع من الفلاسفة والمحققين، وإدراك صحته يتوقف على معرفة القدرة العظيمة الّتي تمتلكها النفس البشرية، فنقول:

إنّ الإنسان كلّما ازداد توجّهاً إلى باطنه، وانقطاعاً عن الظواهر المادية المحيطة به، كلّما تفجّرت مكامن قدرات نفسه وتأجّج أوار طاقاتها، وبالعكس، كلّما ازداد انغماساً في دركات الملذّات وإشباع الغرائز، كلّما خمدت طاقاتها وانطفأت قدراتها.

ويدلّنا على ذلك عياناً، ما يقوم به المرتاضون22، من خوارق الأفعال وعجائبها: فيرفعون الأجسام الثقيلة الّتي لا يتيسّر رفعها إلاّ بالرافعات الآلية، بمجرد الإرادة. ويستلقون على المسامير الحادة ثم تكسر الصخور الموضوعة على صدورهم، بالمطارق، ويدفنون في الأرض أياماً، ليقوموا بعدها أحياءً. وغير ذلك ممّا يراه السائح في بلاد الهند وغيرها، وتواتر نقله في وسائل الإعلام كالجرائد والمجلات والإذاعات. وكل ذلك دليل قاطع على أنّ في باطن الإنسان قوًى عجيبة لا تظهر إلاّ تحت شرائط خاصة.

وبعبارة واضحة، إنّ نفس الإنسان كما تسيطر على أعضاء البدن، فتنقاد لإرادتها، وتتحرك قياماً وجلوساً بمشيئتها، فكذلك تسيطر في ظل تلك الظروف الخاصة على موجودات العالم الخارجي، فتقودها بإرادتها، وتخضعها لمشيئتها، وتَقْدِرُ، بمجرد الإرادة، على إبطال مفعول العلل المادية في مقام التأثير، وغير ذلك من الأفعال.

وليس القيام بعجائب الأمور من خصائص المرتاضين، بل إنّ هناك أُناساً مثاليين، أفنوا أعمارهم في سبل العبادة ومعرفة الربّ، بلغوا إلى حدّ قدروا معه على خرق العادة والمجاري الطبيعية.

يقول الشيخ الرئيس في هذا المجال: «إذا بلغك أنّ عارفاً أطاق بقوته فعلاً، أو تحريكاً، أو حركة تخرج عن وسع مثله، فلا تتلقه بكل ذلك الاستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة... وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب فأصاب، متقدماً ببشرى أو نذير، فصدّق ولا يتعسرنّ عليك الإيمان به، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة»230.

ويقول صدر المتألّهين: لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوة إلهية، فيطيعها العنصر في العالم المادي، كإطاعة بدنه إياها. فكلّما ازدادت النفس تجرّداً وتشبّهاً بالمبادئ القصوى، ازدادت قوةً وتأثيراً فيما دونها.

فإذا صار مجرّدُ التصوّر سبباً لحدوث هذه التغيرات (طاعة البدن للنفس) في هيولى البدن، لأجل علاقة طبيعية وتعلّق جبلّي لها إليه، لكان ينبغي أن يؤثّر في هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل اهتزاز علويٍّ للنفس، ومحبة إلهية لها، فتؤثّر نفسه في الأشياء24.

ويدلّ على أنّ خوارق العادة رهن فعل النفس الإنسانية، ما ينقله تعالى من أفعال السحرة الواقعة بإذنه تعالى، وذلك في قوله عزّ من قائل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾25.

وهناك من الآيات ما هو أصرح منها في نسبة الخوارق إلى أصحاب النفوس القوية، كما ورد في أحوال سليمان النبي عندما طلب من الملأ إحضار عرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين قبل أن يأتوه مسلمين. فقال عفريت من الجن إنّه قادر على حمله والإتيان به قبل انفضاض مجلس سليمان، ولكن مَنْ كان عنده عِلْمٌ من الكتاب قال إنّه قادر على الإتيان به قبل أن يرتد طَرْفُ سُلَيْمانَ إليه، وبالفعل، بأسرع من لمح البصر، كان العرش ماثلاً أمامه.

يقول سبحانه: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي...﴾26.

بعد هذا كلّه نقول: إذا كان هذا حال الإنسان العادي الّذي لم يطرق إلاّ باب الرياضة، أو العارف الّذي قام بالفرائض واجتنب المحرمات، فكيف بمن وقع تحت عناية الله سبحانه ورعايته الخاصة، وتعليم ملائكته، إلى أن بلغت نفسُه أعلى درجات القوة والمقدرة، إلى حدّ يقدر بإرادة ربّانية على خلع الصور عن المواد وإلباسها صوراً أُخرى، ويَصِير عالمُ المادة مطيعاً له، إطاعة أعضاءِ بدن الإنسان له.

وفي الذكر الحكيم إشارات إلى هذا المعنى حيث ينسب تعالى الإتيان بالمعجزة إلى نفس الرسول بقوله: ﴿مَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾27. فإنّ الفاعل في «يأتي» هو الرسول المتقدّم عليه.

وقد يؤيّد هذا الاحتمال بما ورد في توصيف الأنبياء بأنّهم جند الله، وأنّهم منصورون في مسرح التحدي ومقابلة الأعداء. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾28.

وكون النبي منصوراً في جميع المواضع، ومنها مواضع التحدّي، يَدُلّ على أنّ له دوراً ودخالة في الإتيان بخوارق العادات.

ونظير ذلك قوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ 29، فوصف النبي (صلّى الله عليه وآله) بكونه غالباً، ولا معنى للغالبية إلاّ لدخالته في مواضع التحدّي.

ولا دليل على اختصاص الآيتين بالمغازي والحروب، بل إطلاقهما يدلّ على كونهم منصورين وغالبين في جميع مواقع المقابلة، سواء كانت محاجّة أو تحدّياً بالإعجاز أو حرباً وغزواً.

وهذا الفعل العظيم للنفوس، إنّما يقع بأمره تعالى وتأييده، ولذا كانت تحصل لهم الغلبة في موارد المجابهة, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾30.

فهذه الآيات العامة المتقدمة، تدلّ بظهورها على كون الفاعل للمعاجز والكرامات، نفوس الأنبياء وأرواحهم، بإذن الله سبحانه.

وهناك آيات أخرى خاصة، تسند إلى خصوص بعض الأنبياء خوارق العادة، بل ائتمار الكون بأمرهم.

قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾31.

وأنْت إذا أمعنت في قوله (بأمره)، ينكشف لك الستار عن وجه الحقيقة، ويظهر لك أنّ إرادته كانت نافذة في لطائف أجزاء الكون.

وقال تعالى في المسيح عيسى بن مريم:  ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ﴾32.

ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾33.

فترى أنّ الآية تنصّ على أنّ نفخ الروح في الهيكل الطيني للطير، رهن طاقة المسيح البشرية، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وكل ذلك بإذن الله تعالى ومشيئته.

وبعد هذا كله، أيبقى شكٌّ في قدرة الأنبياء الشخصية على خرق العادة، وتكييف الطبيعة حسب ما يريدون؟

بل ماذا يفهم الإنسان إذا قرأ هذه الآية ـ الّتي تنقل مخاطبة يوسف (عليه السَّلام) إخوتَه: ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً...﴾34؟

والآية التالية تبين نتيجة أمره:  ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً...35.

فما هو العامل المؤثّر في استرجاعه بَصَرَهُ، بعدما ابيضّت عيناه من الحزن؟ هل هو القميص الملطخ بالدم؟ أو حامل البشارة والقميص؟36

ليس هذا ولا ذاك، بل هو نفس إرادته الزكية المؤثّرة بإذن الله تبارك وتعالى، وعندما تقتضي المصلحة الإلهية ذلك. وإنّما توسّل بالقميص ليعلم أنّه هو القائم بذلك.

فاتّضح من جميع ما ذكرناه من الآيات والشواهد أنّ للمعجزة علّةً إلهيةً متمثلةً في نفوس الأنبياء وإرادتهم القاهرة. وليست إرادتهم هذه فوضوية، وإنّما لظهورها ظروف وشروط خاصة.

هل الإعجاز يضعضع برهان النظم؟

إنّ برهان النَّظم من أوضح الأدلة على أنّ العالم مخلوق لصانع عالم قادر. حيث إنّ النظام الدقيق السائد على كل ظاهرة وجزء من ظواهر الكون وأجزائه كاشف عن دخالة قدرة كبرى وعلم عظيم في تحققه وتكوّنه. هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ المعجزات ـ كما تقدّم ـ خارقة للعادة والسنن السائدة في هذا النظام، فهي تعدّ استثناءً فيه ونوع مخالفة له. فالوليد الإنساني ـ مثلاً ـ يتكوّن بعد التقاء نطفة الرجل وبويضة المرأة، فتتشكّل منهما الخلية الإنسانية، ثم تمرّ بعد ذلك بمراحل التفاعل والتكامل، ليخرج بعدها من بطن الأم موجوداً سويّاً متكاملاً.

والقول بأنّ المسيح (عليه السَّلام) خرقٌ لذاك النظام، بل بمجرد نفخ المَلَك في رحم مريم (عليها السَّلام) ولد بلا سيادة هذا النظام، وهو كاشف عن عدم كلّيته واطّراده. أفبعد ذلك يمكن أن يستدلّ ببرهان النظم على وجود الصانع؟

وبعبارة ثانية: إنّ النظام السائد على العالم كاشف عن دخالة المحاسبة والتقدير في تكوّن كل شيء، إنساناً كان أو حيواناً، أرضياً كان أو أثيرياً . ولكن خلق الثعبان فجأة من الخشب اليابس، وخروج الناقة من الجبل الصخري الأصم، وما شابه ذلك، ينفي وجود المحاسبة في تكوّن تلك الظواهر إلى غيره من الأمثلة.

والجواب:

إنّ المعترض لم يقف على أساس برهان النظم أوّلاً، كما لم يقف على حقيقة الإعجاز وماهيته ثانياً. ولذلك اعترض بأنّ القول بالإعجاز يخالف برهان النظم.

أمّا الأول: فلأنّ المعترض تصوّر أنّ برهان النظم يبتني على وجود نظم واحد بالعدد سائد على الجميع، وقائم بمجموع الأشياء في العالم، بحيث لو شوهد خلاف النظم في جزء من أجزائه لبطل البرهان، بحكم كونه واحداً بالعدد غير قابل للانقسام.

ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فإنّ برهان النظم واحد بالنوع كثير بالعدد. فهو يتمثّل ويتجسّد في كل ذرّة خاضعة في ذاتها للنظام. فتكون كل ذرّة باستقلالها حاملةً لبرهان النظم والدلالةِ على وجود الصانع القادر العليم، من دون توقّف في دلالتها على سيادة النظم في الذرّات الأخرى.

وفي الحقيقة، إنّ برهان النظم يتكثّر عدداً بتكثّر الذرّات والأجزاء والظواهر الخاضعة للنظام، ولو فرض فقدان النظم في جزء وظاهرة، أو أجزاء وظواهر كما يدعيه المعترض في مجال الإعجاز، لكفى وجود النظم في سائر الأجزاء والظواهر في إثبات الصانع، وإلى هذا يهدف القائل:

وفي كـل شيء لـه آيـة        تـدل عـلى أنّـه واحـد

ففي كل خليّةٍ وعضوٍ من الإنسان الواحد يتجسّد برهان النظم، ويتكثّر بتكثّرها. فكيف إذا لاحظنا مجموع البشر والمخلوقات والكواكب والمجرّات؟ وكما أنّ طغيان غُدَّة من النظام السائد على سائر الغدد في بدن الإنسان، كما هو الحال في السرطان، لا يضرّ ببرهان النظم القائم بهذا الإنسان، فكذلك الخروج عن النظام في مجال الإعجاز، لأغراض تربوية، ولهداية الناس إلى اتصال النبي بعالم الغيب، فإنّه لا يؤثّر شيئاً في برهان النظم من باب أولى.

وأمّا الثاني: فلأنّ الإعجاز ليس من الأمور المتوفرة في حياة الأنبياء، بحيث يكون النبي مصدراً له في كل لحظة وساعة ويوم، ويكون خرق العادة وهدم النظام شغله الشاغل، وإنّما يقوم به الأنبياء في فترات خاصة وحساسة لغايات تربوية.

ثم إنّ النبي إذا أراد الإتيان بالمعجزة، أطْلَعَ الناس مُسْبقاً على أنّه سيقوم بخرق العادة في وقت خاص. وهذا دالّ على وجود قوّة قاهرة مسيطرة على العالم، تقوم كلّما شاءت واقتضت الحكمة والمصلحة القدسية، بخرق بعض النظم والتخلّف عنها. فالعالم، قَبْضُه وبَسْطُه، وسنّ أنظمته وخرقها، بيد خالقه، يفعل به ما يشاء حسب المصالح.

والخلاصة: إنّ الإعجاز ليس خرقاً لجميع النظم السائدة على العالم، وإنّما هو خرقٌ في جزءٍ من أجزائه غير المتناهية الخاضعة للنظام والدالّة ببرهان النظم على وجود الصانع. وأيضاً، إنّ قيام الأنبياء بالإعجاز إنّما يحصل بعد اقترانه بالإعلام المسبق، حتى يقف الناظرون على أنّ خرق العادة وقع بإرادة ومشيئة القوّة القاهرة المسيطرة على الكون والمجرية للسنن والأنظمة فيه.

البعد الخامس: فلسفة دوام الإعجاز

في نهاية نقاط البحث نطرح باختصار شديد علّة دوام الإعجاز ولماذا يبقى الإعجاز؟ وهل من دواعٍ لذلك؟ ولو أردنا الجواب باختصار، نقول:

1ـ إدامة الهداية هي رافد مهم في حياة الإنسان، فالإنسان يبقى بحالة الترقي في درجات الهداية ليصل إلى مناه، وهنا لابد من ادامة الإعجاز بما يضمن دوام تحقق الهداية.

2ـ لابد من إدامة الإعجاز لتوقّي الشك المحتمل، فنديم الإعجاز لتبديد فيروسات الشك والتشكيكيّين.

3ـ لو تأمّلنا في كل تلك الأبعاد السابقة لرأيناها فقط تجلّت في كتاب الله المجيد، وهو النموذج الأمثل ليكون هادياً إلى الله تبارك وتعالى في هذه الحياة الدينية.

هذه لمحة مختصرة في تلك المناحي التي يمكن البحث من خلالها في فلسفة الإعجاز، وأسأل الله أن نوفَّق في إتمام بحوث معرفية تكوّن وتشكّل المنظومة المعرفية للإنسان الباحث عن الحقيقة السالك إلى الله تبارك وتعالى، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. علل الشرائع: ج1، ص122.
  2. انظر: النكت الاعتقادية للشيخ المفيد: ص35.
  3. رسائل المرتضى: ج3، ص19.
  4. انظر: النبوة في القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، حكمت الموسوي، ص23.
  5. انظر: النبوة في القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، حكمت الموسوي، ص25.
  6. المصدر نفسه، ص25-26.
  7. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص 75.
  8. الحيدري، الإعجاز، ص 19.
  9. الهداية، جواد أمين، ص 16ـ 30.
  10. سورة الإسراء: 9.
  11. راجع بحث أدوات المعرفة في القرآن ـ مبحث العقل ــ لجواد أمين.
  12. سورة البقرة: 260.
  13. نهج البلاغة، الخطبة1.
  14. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه،  محمد تقي المجلسي (الأول)، ج1، ص312.
  15. سورة الأحزاب: 21.
  16. سورة التوبة:  128.
  17. الحيدري منطق فهم القرآن، ج1: ص128.
  18. الحيدري منطق فهم القرآن، ج1، ص 130.
  19. هذا، على أن انتساب الحوادث المتجددة المتقضية بلا واسطة علل وأسباب، إلى الله تعالى المُنَزَّه عن التجدد والحوادث، ممّا لا تتقبله الأصول الفلسفية المبتنية على لزوم وجود السنخية بين العلّة والمعلول، سنخية ظلية لا توليدية. وهذا مفقود بينه سبحانه، والزمان والزمانيات الّتي طبعت على التجدد والتقضّي. وهذا هو البحث الّذي طرحه الفلاسفة عند بحثهم عن ارتباط الحادث بالقديم، وهو من مشكلات البحوث الفلسفية. ولا ينافي هذا عموم القدرة، فإنّ عمومها أمر ثابت ومسلّم، إلاّ أنّ الشيء ربما لا يقبل الوجود إلاّ عن طريق أسباب وعلل مادية، أي يكون وجوده على نحو لا يتحقق إلاّ في ظل علل مادية. وهذا من باب التقريب كالأرقام الرياضية، فإنّ العدد خمسة بوصف أنّه خمسة لا يتحقق إلاّ بعد تحقق الأربعة، ويستحيل تحققه ـ بهذا الوصف ـ استقلالاً بلا تحقق آحاد قبله. وهذا كصدور الأكل من إنسان معين، فإنّ الأكل يتوقف على وجود أسباب وأدوات مادية، كالفم واللسان والأسنان، وعملية المضغ ثم البلع. وهذا النوع من الفعل لا يمكن أن ينسب إلى الله سبحانه نسبة مباشرية، وإنّما ينسب إليه دائماً نسبة تسبيبيّة، لأنّ ماهيته محاطة بالأمور المادية.
  20. هو قوله تعالى في سورة النازعات ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الآية 5.
  21. سورة مريم: 17.
  22. والرياضة هي التوجّه إلى الباطن والانقطاع عن الظاهر.
  23. الإشارات والتنبيهات، مع شرح المحقق الطوسي ج 3 ص 397. وبعدها أخذ الماتن والشارح بيان قدرة النفس على الأمور الخارقة للعادة.
  24. المبدأ والمعاد، ص 355. بتصرّف.
  25. سورة البقرة: 20.
  26. سورة النمل: 38ـ 40.
  27. سورة غافر: 78.
  28. سورة الصافات: 171 ـ 173.
  29. سورة المجادلة: 21.
  30. سورة يونس: 81.
  31. سورة الأنبياء: 81.
  32. سورة آل عمران: 49.
  33. سورة المائدة: 110.
  34. سورة يوسف: 93
  35. سورة يوسف: 96
  36. في الروايات، أنّ حامله كان أحد إخوته.

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2017/07/23   ||   القرّاء : 614





أحدث التعليقات إضافة (عدد : 2)


• (1) - كتب : عثمان أحمد منير من : السودان ، بعنوان : جهد مبارك في 2017/07/26 .

انا أخوكم من السودان أتقدم بالشكر لكم على هذه المقالة المتميزة. من أروع ما قرأت في هذا المجال. وفقكم الله لخدمة الكتاب العزيز
• (2) - كتب : محمد ستار الخفاجي من : العراق ، بعنوان : تأصيل جميل في 2017/07/25 .

السلام عليكم إخواني في دار السيدة رقية ع
بداية أشكركم على بحوثكم الجميلة وبخاصة على هذا البحث التأصيلي لأستاذنا العزيز
واقعا هكذا مباحث تحتاج لتجسيدها ضمن ندوات ومؤتمرات وحتى ضمن محاضرات يفتح بها باب النقاش وخاصة في ظل إهتراء الساحة العلمية ..
اليوم موجة التكفير أفسدت العقول و أربكت النفوس وبحاجة نحن لهكذا بحوث ..
واقعا من خلال قراءاتي ما وجدت بحثا يشرح بهذا العمق وبهذه السلسة
واقعا فتح لنا آفاق مميزة وببرهان لطيف وجذاب
ادعو بالتوفيق لهذه الدار و للباحث على هذا البحث التأصيلي البديع




 
 

كلمات من نور :

.

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 مقاصد القرآن والحقائق الضرورية لكمال الإنسانية *

 في ذكرى شهادة الإمام الجواد (عليه السلام) *

 الجري والانطباق: معناه وضوابطه *

 مصائد الشيطان وشباكه في ضوء القرآن والحديث *

 الهرمنيوطيقا ومعضلة فهم النص *

 الإنسان ودوره في الحركة التاريخية من زاوية مفهوم القرآن الكريم *

 عناصر المجتمع في القرآن الكريم *

 مؤسسة الثقل الأكبر القرآنية في ضيافة الدار

 أسلاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أسلافٌ ساجدون *‏

 صدر حديثاً في الأبحاث الفقهية المعاصرة ... (تأثّر الأحكام بعصر النصّ)

ملفات متنوعة :



 سماحة الشيخ وجيه المسبح يزور الدار

 الإمام المهديّ (عج) في القرآن الكريم ـ الحلقة الثانية

 النبي يوسف(عليه السلام): الأُسوة والقدوة في العفة للشباب

 النشرة الصيفية العدد (2)

 الدورة التخصصية لأساتذة المجمع القرآني تتمّ يومها السادس بنجاح

 حياة الإمام علي الهادي (ع)

 فضل القرآن

 أسلوب القصة في القرآن الکريم - ق 2

 الهيكلة العامة للدار

 دروسٌ في علم التفسير - الدرس الثاني

إحصاءات النصوص :

  • الأقسام الرئيسية : 11

  • الأقسام الفرعية : 40

  • عدد المواضيع : 2048

  • التصفحات : 7560278

  • المتواجدون الآن :

  • التاريخ : 15/08/2018 - 04:23

المكتبة :

. :  الجديد  : .
 تأثر الأحكام بعصر النص

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 1

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 2

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 3

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 4

 التفسير البنائي للقرآن الكريم – ج 5

 دروس في تدبر القرآن "جزء عمَّ" جزء ثلاثون

 اشراقات قرآنية

 تفسير النور - الجزء العاشر

 تفسير النور - الجزء التاسع



. :  كتب متنوعة  : .
 دروس منهجية في علوم القرآن ( الجزء الأول)

 كتاب المقنع

 اساليب ومقدمات الحفظ

 الصوت وماهيته ـ والفرق بين الضاد والظاء

 الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الأول )

 تفسير النور - الجزء الرابع

 الفتح الرباني في علاقة القراءات بالرسم العثماني

 الكشوف في الاعجاز القرآني وعلم الحروف

 صيانة القرآن من التحريف

 التفسير البنائي للقرآن الكريم ـ الجزء الثاني

الأسئلة والأجوبة :

. :  الجديد  : .
 من الذي منعها أن تعبد الله وهي مالكة لقومها؟

 سجود غير ذوات الأرواح وتسبيحها

 المقدار الزمني ليوم الحساب

 كيف وصل الشيطان إلى نبيّ الله أيوب (عليه السلام)؟

 يا من لا تبدِّل حكمتَه الوسائلُ

 لماذا وصف الله تعالى أكثر نعم الجنّة بالأمور المادّية؟

 عرش بلقيس بين عفريت الجنّ و (مَن عنده علم من الكتاب)

 توهّم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان

 في معنى التأويل

 الوحي الأوّل



. :  أسئلة وأجوبة متنوعة  : .
 ما هي الآية التي تدلّ على وجوب دفع الخُمس ؟

 س: ماذا تقصد بدور الأستاذ؟

 لماذا قال في القرآن الكريم: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [سورة الماعون/ 5]، ولم يقل: في صلاتهم؟

 أخذ نسبة من مبلغ ختمة القرآن.

 س: تقصد تجربة الأستاذ، أم التلميذ، أم كلاهما؟

 تأثير الزمان والمكان في تغيير الأحكام

 من هم أصحاب الأعراف؟

 هل يحدث حالات في الحياة الدنيا تتجرّد فيها الروح من الجسم دون أن يموت الإنسان؟

 ما هي فلسفة الإختبار الإلهي؟

 لماذا كان التوحيد هو الأصل دون اثبات وجود الله؟ لماذا لم يكن الأصل الأول من أصول الدين هو إثبات وجود الخالق وليس توحيده؟

الصوتيات :

. :  الجديد  : .
 اللهم رب شهر رمضان

 رمضان يا خير الشهور تحية

 كلمة سماحة آية الله السيد منير الخباز (حفظه الله) في حفل تكريم حفاظ القرآن الكريم

 سجد الزمان على يديك وأنشدا

 بشرى لكل العالمين

 بني المصطفى أنتم عدتي

 مدائح بصوت الأستاذ الحاج علي الكعبي بمناسبة ذكرى ولادة الإمام الحسين (ع)

 مدائح بصوت الأستاذ الحاج علي الكعبي بمناسبة ذكرى ولادة الإمام السجاد (ع)

 مدائح بصوت الأستاذ الحاج علي الكعبي بمناسبة ذكرى ولادة العباس (ع)

 مدائح بصوت الأستاذ الحاج حيدر الكعبي بمناسبة ذكرى ولادة الإمام الحسين (ع)



. :  الأكثر إستماع  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (20171)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (9258)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (6430)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (6008)

 الشیخ الزناتی-حجاز ونهاوند (5149)

 آل عمران من 189 إلى 195 + الكوثر (4626)

 سورة الحجرات وق والانشراح والتوحيد (4601)

 الدرس الاول (4451)

 الدرس الأول (4402)

 درس رقم 1 (4356)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 مقام البيات ( تلاوة ) ـ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد (4989)

 مقام صبا ( تواشيح ) ـ ربي خلق طه من نور ـ طه الفشندي (3420)

 مقام صبا ( تلاوة ) ـ حسان (2413)

 سورة البقرة والطارق والانشراح (2334)

 مقام البيات ( تواشيح ) ـ فرقة القدر (1870)

 مقام النهاوند ( تلاوة ) محمد عمران ـ الاحزاب (1790)

 الرحمن + الواقعة + الدهر الطور عراقي (1778)

 تطبيق على سورة الواقعة (1671)

 الدرس الأول (1604)

 الدرس الأوّل (1588)



. :  ملفات متنوعة  : .
 سورة النصر

 الجزء السابع والعشرون

 سورة لقمان

 سورة الشرح

 الانعام 160 الى 164 + قريش

 سورة التغابن

 سورة الحديد

 سورة النمل

 الجزء الأول

 سورة البينة

الفيديو :

. :  الجديد  : .
 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 الأستاد السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 محمد علي فروغي - سورة القمر و الرحمن و الكوثر

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان

 محمد علي فروغي - سورة الأنعام

 سورة الفاتحة-أحمد الطائي

 استاد منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 استاد منتظر الأسدي - سورة البروج

 استاد حيدر الكعبي - سورة النازعات

 اعلان لدار السیدة رقیة (ع) للقرآن الکریم



. :  الأكثر مشاهدة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (5724)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (5394)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (4765)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (4614)

 سورة الدهر ـ الاستاذ عامر الكاظمي (4144)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (4061)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (3938)

 سورة الانعام 159الى الأخيرـ الاستاذ ميثم التمار (3936)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (3883)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (3795)



. :  الأكثر تحميلا  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الاول (1587)

 مجموعة من قراء القرآن الكريم (1458)

 الاستاذ الشيخ صادق الراضي (1328)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثاني (1323)

 سورة الطارق - السيد محمد رضا المحمدي (1066)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الرابع (1028)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس السابع (1002)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث (970)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الحادي عشر (954)

 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الخامس (950)



. :  ملفات متنوعة  : .
 دورة التجويد المبسط لسنة 1429 ـ الدرس الثالث

 سورة الاحزاب ـ السيد حسنين الحلو

 الأستاد السيد محمدرضا المحمدي - سورة آل عمران

 سورة الانفطار، التين ـ القارئ احمد الدباغ

 سورة الرعد 15-22 - الاستاذ رافع العامري

 استاد منتظر الأسدي - سورة الإنسان

 الأستاذ السيد نزار الهاشمي - سورة فاطر

 سورة الذاريات ـ الاستاذ السيد محمد رضا محمد يوم ميلاد الرسول الأكرم(ص)

 الفلم الوثائقي حول الدار أصدار قناة المعارف 3

 محمد علي فروغي - سورة الفرقان



















 

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net