00989338131045
 
 
 
 
 
 

 أتؤيد هذه الآيات نظرية النشوء والتطور ؟  

( القسم : الشيخ مكارم الشيرازي )

السؤال :

صنّف أحدهم كتاباً تحدث فيه بإسهاب عن نظرية النشوء والتطور (مذهب التحول والتكامل) محاولاً إثبات صحتها من خلال تطبيقها على بعض الآيات القرآنية ، زاعماً أن القرآن الكريم يدعم هذه النظرية . وعلى هذا الأساس استدلّ بالآيتين التاليتين :

 

1- قوله تعالى : (أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) (مريم:67).

حيث استنبط المؤلف من عبارة "من قبل" وكذلك "ولم يك شيئاً" أن الانسان قبل بلوغه مرحلة الكمال كان شيئاً ما ؛ فكان يعيش بصور مختلفة متدرجاً من الحيوان وحيد الخلية الى القرد ، ولم يكن متصفاً بأيّ من الكمالات الانسانية ، لا من الناحية الجسدية ولا المعنوية !

2- قوله تعالى : (هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (الانسان:1).

وقد عوّل الكاتب في هذه الآية على قوله تعالى :"لم يكن شيئاً مذكوراً" ليستنبط منه أن الانسان كان يمثل شيئاً ما قبل اكتسابه القابلية على ذكر اسمه في الكتب الالهية ؛ غاية الأمر أنه نتيجة لعدم حيازته الكمال الانساني وانخراطه في زمرة الحيوانات لم يكن ليستحق ذكر اسمه والتحدث عنه في الكتب السماوية (صحف إبراهيم ، والتوراة ، والانجيل والقرآن) .

أتدلّ الآيات المذكورة حقاً على التحول والتكامل التدريجي للانسان ؟ وإن لم تكن ذات صلة بنظرية النشوء والتطور فما المقصود منها ؟



الجواب :

نحن نعتقد أنه لا صلة للآيات المذكورة آنفاً بنظرية النشوء والتطور أو مذهب التحول والتكامل التدريجي للموجودات ، بل لهذه الآيات معانٍ أخرى نذكرها فيما يلي :

تفسر الآية الأولى :

من جملة الأشياء التي يصعب على الانسان التصديق بها ويتعسر عليه إقناع نفسه بالايمان بها بسهولة هي موضوع المعاد ؛ أي إحياء الناس في عالم الآخرة بعد فنائهم في عالم الدنيا .

لذا نزلت آيات قرآنية عديدة تبين أحوال منكري المعاد وتبطل ظنونهم بشأن استبعاد وقوعه ، منها الآيات 66- 68 من سورة مريم .

في هذه الآيات ، يبين الله تعالى أحوال منكري يوم القيامة ويردّ عليهم بقوله : (وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ...) (مريم: 66- 68).

تلاحظون أن مصنف الكتاب استدل بقوله تعالى : (أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) ، وهي في مقام الردّ على القائلين : كيف يمكن إحياء الانسان مرة أخرى وإرجاعه الى حالته الأولى بعد موته وتبدد ذرات بدنه ؟ أنسي الانسان بداية خلقه ؟ ألا يعلم أننا خلقناه من العدم (وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) وأدخلناه حيّز الوجود ؟

فمع أخذ قدرة الخلق من العدم بنظر الاعتبار ، أنّى لأولئك إنكار بعث الأموات وهم يعلمون أن موادهم الأولية –إن صحّ التعبير- لا تفنى طبقاً لقانون "بقاء المادة والطاقة" ؟ أو لا يستطيع الله القادر على الاخراج من العدم والادخال في حيز الوجود أن يجمع أجزاء بدن الانسان المتفرقة وأوصاله المتبددة ؟

بناء على هذا ، فالآية الآنفة ليست بصدد بيان أن الانسان قبل أن يبلغ مرحلة  الكمال الفعلية كان عبارة عن موجودات حية أخرى تدرّجت في سلّم الكمال حتى وصلت هذه المرحلة ، بل نزلت بهدف إثبات القيامة والمعاد ووردت في مقام الردّ على المنكرين ، شأنها في ذلك شأن كثير من الآيات الأخرى .

تفسير الآية الثانية :

لو انفصل الطفل حديث الولادة عن والديه في أعقاب حادثةٍ ما ، وبقي في جوّ بارد جداًَ ، فمما لا شك فيه أنه لن يمضي عليه أمد طويل حتى يتجرع مرارة الموت . أما لو عثر عليه أحد المحسنين وأخذه الى بيته وحنا عليه حنوّ  الأب العطوف ، ولم يبخل عليه بأنواع المحبة والمودة ، وترعرع في كنفه متنعماً بما يغدق عليه من النعيم ؛ فلا غرو أن الطفل اليتيم بالأمس يجد نفسه اليوم متمتعاً بكل مستلزمات الحياة وغنياً عن الآخرين .

وربما أخذ منه الغرور والكبر مأخذاً فجعله ينسى فضائل ذلك الشخص المحسن ، وقد يقع أحياناً أنه ينازعه ويخاصمه ويجحد نعمه عليه انطلاقاً من مصالحه الخاصة .

وهنا يحقّ للشخص المحسن أن يذكّر صاحبه بمرحلة العجز واليتم ، ويوبخه على كفران النعمة . وهذا هو ما فعله الله سبحانه وتعالى مع الانسان ، فجاء ليذكّره به في أوائل سورة الانسان من أجل كبح جماح الطغاة وإيقاظ الغافلين الذين تناسوا أو نسوا بدء الخلقة وسلكوا سبيل الجحود . فقال تعالى : (هل أتى ...) أي أما آن للانسان الذي انتهج طريق الكفر أن يفكر فيما قبل أن تتعلق إرادة الله تعالى بوجوده ، وأنه لم يكن إذ ذاك شيئاً مذكوراً ، فأخرجه تعالى من العدم الى الوجود ، وألبسه لباس الانسانية ؟ أإنه نسي هذه النعم والمواهب الجليلة فسلك سبيل الكفر والطغيان ؟

بناء على هذا ، فالآية المذكورة لا صلة لها بنظرية النشوء والتطور أو التحول والتكامل التدريجي للمخلوقات الحية

 



طباعة   ||   أخبر صديقك عن السؤال   ||   القرّاء : 5470  


 
 

  التلاوة :
  • الحفظ (23)
  • التجويد (18)
  • القراءات السبع (2)
  • الصوت والنغم (7)
  علوم القرآن وتفسيره :
  • علوم القرآن (56)
  • التفسير (193)
  • المفاهيم القرآنية (10)
  • القصص القرآني (6)
  • الأحكام (26)
  • الاجتماع وعلم النفس (31)
  العقائد :
  • التوحيد (27)
  • العدل (10)
  • النبوّة (25)
  • الإمامة (6)
  • المعاد (16)
  استفتاءات المراجع :
  • السيد الخوئي (29)
  • السيد السيستاني (52)
  • السيد الخامنئي (7)
  • الشيخ مكارم الشيرازي (83)
  • السيد صادق الروحاني (37)
  • السيد محمد سعيد الحكيم (49)
  • السيد كاظم الحائري (7)
  • الشيخ الوحيد الخراساني (2)
  • الشيخ إسحاق الفياض (3)
  • الشيخ الميرزا جواد التبريزي (10)
  • السيد صادق الشيرازي (78)
  • الشيخ لطف الله الصافي (29)
  • الشيخ جعفر السبحاني (11)
  • السيد عبدالكريم الاردبيلي (1)
  • الشيخ جوادي آملي (23)
  • السيد محمود الشاهرودي (5)
  • السيد الامام الخميني (4)
  جديد الأسئلة والإستفتاءات :



 حول تكافؤ المجازاة مع مقدار العمل

 التشبيه في قوله تعالى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} [البقرة: 265]

 حول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ...} [النساء : 136]

 الإمام الجواد أعظم بركةً على شيعتنا

 التوجّه في الصلاة

 كتب أخلاقية للمطالعة

 هل يتأثر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسحر

 خلق الرسول الكريم وسيرته المالية

 النجاة من عذاب البرزخ

 في تحريم الخمر والميسر

  البحث في الأسئلة والإستفتاءات :



  أسئلة وإستفتاءات قرآنية منوعة :



 بعض آداب الأسرة

 كيف رأى ذو القرنين الشمس تغرب في عين ٍحمئةٍ ؟

 ما هي الاتجاهات في معرفة المكي والمدني للسور والآيات المباركة؟

 علاقة الربوبية بالسماوات والأرض

 ما هي اتجاهات المفسرين في معرفة أسباب النزول؟

 هل إن الوصايا والملاحظات التي تتعلق بالحفظ تقتصر في قاعة الدرس ومع التلاميذ؟

 هل يتأثر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسحر

  ما هي أوّل وآخر الآيات نزولاً ؟ وكم استغرق نزول القرآن من الزمان ؟

 سؤال في المهدوية

 كيف لنا أن نوفق بين ما يذكر في القرآن ومجريات هذا العصر وتغيرات الزمن؟

  إحصاءات الأسئلة والإستفتاءات :
  • عدد الأقسام الرئيسية : 4

  • عدد الأقسام الفرعية : 32

  • عدد الأسئلة والإستفتاءات : 886

  • تصفحات الأسئلة والإستفتاءات : 4026523

  • التاريخ : 20/05/2019 - 19:27

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • رئيسية الأسئلة والإستفتاءات القرآنية
  • أرشيف الأسئلة والإستفتاءات القرآنية
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net