00989338131045
 
 
 
 
 
 

 خزائن الله لا تنفد، كيف ولماذا؟ 

( القسم : التوحيد )

السؤال : هل لخزائن الله حدود ؟ وإذا كانت لا تنفذ أو تقل فلماذا؟


الجواب :

هناك خلاف بين المفسرين في معنى خزائن الله تعالى وما تعنيه، لكن من المؤكد أن المقصود بـ "الخزائن" هنا ليس الخزائن المادية الموجودة عند الملوك والسلاطين . نعم، هذا هو التصور الأولي لدى الإنسان! وهو إفراز طبيعي ناتج عن الذهن البشري ذا التكوين الحسي، فأنس الإنسان بالأمور المادية وطبيعة ما يمتلكه من أدوات حسية تجعله يتوهم ذلك .

إن المهمة الحقيقية لمفسَّر كتاب الله الكريم هو وضع معجم دقيق يُحدِّد فيه دلالات المفردة القرآنية ومستويات وعوالم تلك المفردة ؛ فهذه المهمة العميقة هي وحدها الكفيلة بالحد من التفسيرات العشوائية والاعتباطية التي قد يقع فيها البعض .

وبالعودة إلى المفردة مورد السؤال (خزائن الله) نرى أن القرآن الكريم فرِّق بين مستويين من التعبير : الأول (ما عندكم)، والثاني : (ما عند الله)، وأعطى حكماً للموجودات والأشياء التي تدخل في دائرة (ما عندكم) مختلفاً عن الحكم الذي أعطاه للموجودات التي تدخل في دائرة (ما عند الله)؛ حيث يقول سبحانه: (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ)(1) ، ومع ربط هذه الآية مع قوله تعالى: (وَإنْ مِنْ شَيْء إلاّ عِنْدَنا خزائنه)(2) يتّضح أنّ تلك الخزائن ما هي إلا تعبير عن مستوى من الوجود للأشياء يختلف عن الطبيعة الوجودية التي نتداولها لها. ولعلّ أوضح نصّ قرآنيّ يدلّ على وجود عوالم متعدّدة هو هذه الآية الكريمة الأخيرة.

ومعنى الخزائن كما جاء في مجمع البحرين: (خزائن الله: غيوب الله، سُمّيت خزائن لغيوبها واستتارها. وخَزَن المال: غيّبه، يُقال: خزنت المال واختزنته من باب قتل: كتمته، وجعلته في المخزن، وكذا خزنت السرّ إذا كتمته)(3) . وعندئذٍ يكون معنى (خزائن الله) هو نفسه المعبَّر عنه في الآيات القرآنية بـ (الغيب)، نظير قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ)(4)، وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول)(5) .

وهكذا ينتهي التحليل المضموني في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ الخزائن الإلهية التي تذكرها الآية هي جميعاً فوق عالمنا المشهود، وبحكم انتسابها إلى ما عند الله (وَمَا عِندَ اللهِ بَاق) فهي ـ من ثَمَّ ـ أمور ثابتة قارة، لا تزول ولا تتغيّر عمّا هي عليه، وخزائن كلّ شيء كائناً ما كان أمور ثابتة غير زائلة ولا متغيّرة. وهذه الجهة لا تقبل الشركة وتختصّ به تعالى وحده . فالربوبية ـ التي هي المُلك والتدبير ـ لا تقبل تفويضاً، ولا تمليكاً انتقالياً. وهذه الجهة الثانية للأشياء هي التي يسمّيها القرآن الكريم بـ (الملكوت)، وهو ما أشارت له نصوص أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في شرح مفهوم الملكوت(6) .

ومن أهمّ خصائص (خزائن الله) طبقاً لما يستفاد من غرر الآيات القرآنية الأمور التالية:

الأوّل: ما من شيء في عالمنا المشهود إلاّ وله وجود في تلك الخزائن (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)، وبالتالي فتقييد الخزائن ـ كما جاء في بعض المحاولات التفسيرية لدى بعض المفسرين ـ بأنه المطر أو غيره من الأشياء، ما هو إلا تضييق لأفق النص القرآني الثري .

الثاني: أنّ هذه الخزائن متعدّدة، حيث ذكرت الخزائن بصيغة الجمع، وأقلّ الجمع اثنان. وهذا يفيد أنّ ما من شيء في عالمنا إلاّ ويعبّر عن مرتبة من الوجود، له فوقها خزائن، فيكون للشيء مراتب ثلاث، هي مرتبة هذا العالم ومرتبتان في تلك الخزائن، وفق قاعدة أنّ أقلّ الجمع اثنان .

الثالث: أنّ تلك الخزائن ليست هي في عالمنا المادّي المشهود، بل هي من عالم آخر فوق عالمنا؛ لقوله: (إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) حيث أضافت الخزائن إلى الله سبحانه .

أمّا عدد تلك الخزائن التي تحوي هذه الوجودات جميعاً، فهو أمرٌ ينأى عن تحديده العقل، ويحتاج القول فيه إلى دليل قطعيّ من القرآن أو الرواية يبيّن عدد تلك الخزائن (العوالم).

هذا وهناك تفاصيل أكثر أعرضنا عن ذكرها رعاية للاختصار .. والله الموفِّق لسبيل الصواب.

 

___________________________

(1) النحل: 96 .

(2) الحجر : 21 .

(3) الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تحقيق : أحمد الحسيني، مكتب النشر الثقافة الإسلامية، ط 2 ، 1408 هـ ، ج 1 ، ص 643 .

(4) الأنعام : 59 .

(5) الجن : 26 ـ 27 .

(6) انظر مثلاً : الصفّار، أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ، بصائر الدرجات، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم، 1404هـ ، ص 107 ، 108 .


 المجيب: موقع السيد كمال الحيدري




طباعة   ||   أخبر صديقك عن السؤال   ||   التاريخ : 2012 / 04 / 11   ||   القرّاء : 8160  


 
 

  التلاوة :
  • الحفظ (23)
  • التجويد (18)
  • القراءات السبع (2)
  • الصوت والنغم (7)
  علوم القرآن وتفسيره :
  • علوم القرآن (56)
  • التفسير (190)
  • المفاهيم القرآنية (10)
  • القصص القرآني (6)
  • الأحكام (26)
  • الاجتماع وعلم النفس (31)
  العقائد :
  • التوحيد (27)
  • العدل (10)
  • النبوّة (25)
  • الإمامة (6)
  • المعاد (16)
  استفتاءات المراجع :
  • السيد الخوئي (29)
  • السيد السيستاني (52)
  • السيد الخامنئي (7)
  • الشيخ مكارم الشيرازي (83)
  • السيد صادق الروحاني (37)
  • السيد محمد سعيد الحكيم (49)
  • السيد كاظم الحائري (7)
  • الشيخ الوحيد الخراساني (2)
  • الشيخ إسحاق الفياض (3)
  • الشيخ الميرزا جواد التبريزي (10)
  • السيد صادق الشيرازي (78)
  • الشيخ لطف الله الصافي (29)
  • الشيخ جعفر السبحاني (11)
  • السيد عبدالكريم الاردبيلي (1)
  • الشيخ جوادي آملي (23)
  • السيد محمود الشاهرودي (5)
  • السيد الامام الخميني (4)
  جديد الأسئلة والإستفتاءات :



 الإمام الجواد أعظم بركةً على شيعتنا

 التوجّه في الصلاة

 كتب أخلاقية للمطالعة

 هل يتأثر النبي (صلى الله عليه وآله) بالسحر

 خلق الرسول الكريم وسيرته المالية

 النجاة من عذاب البرزخ

 في تحريم الخمر والميسر

 في إجبار المستضعفين وعدم معاجلة المستكبرين بالحساب

 القصص القرآنية مبنية على وقائع تاريخية حقيقية

 الرزق بين الأسباب ومشيئته تعالى

  البحث في الأسئلة والإستفتاءات :



  أسئلة وإستفتاءات قرآنية منوعة :



 طرق تحصيل تقوية الإيمان، قطع التعلق بالدنيا ومعالجة الخوف

 قال تعالى في كتابه العزيز : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ

 كيف يَرَوْن ويسمعون تغيّظ نار جهنّم وزفيرها مع أنّهم يُحشرون عُميًا وبُكمًا وصُمًّا؟

 حول جملة من آيات القَسَم

 هل يجوز قراءة الحمد والسورة بالقراءات الأخرى غير القراءة المشهورة (حفص عن عاصم ، أو قراءة بعض كلمات القرآن ، مثل ( مالِكِ = ملك ـ كُفُواً = كُفؤاً).

 ما هي أهمّية الصلاة وما هي آثارها على الفرد والمجتمع؟

 هل يوجد فرق بين ارتفاع الصوت وبين المدى الصوتي؟

  العلاقة بين الإنفاق والرزق

 معنى: لا تؤاخذني بما نسيت

 ما هو دور الاستغفار في ترك الذنوب والمعاصي وتخليص الإنسان منها؟

  إحصاءات الأسئلة والإستفتاءات :
  • عدد الأقسام الرئيسية : 4

  • عدد الأقسام الفرعية : 32

  • عدد الأسئلة والإستفتاءات : 883

  • تصفحات الأسئلة والإستفتاءات : 3986260

  • التاريخ : 25/04/2019 - 01:32

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • رئيسية الأسئلة والإستفتاءات القرآنية
  • أرشيف الأسئلة والإستفتاءات القرآنية
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net