• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : الأخلاق في القرآن .
                    • الموضوع : خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (12) .

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (12)

اعداد: القسم الثقافي / عباس الجعفري

في الحلقة السابقة ذكرنا وبشكل تفصيلي مجموعة من المكارم التي تحصل للإنسان عندما يدعو لفرج مولانا الإمام الحجة (عليه السلام). في هذه الحلقة نذكر المكرمة الحادية عشرة وهي: (الفوز بشفاعته صلوات الله عليه في يوم القيامة) بشيء من التفصيل، حيث سنذكر معنى الشفاعة ونقوم بإثباتها ثم نشير إلى الشفعاء يوم القيامة، بعدها نقوم بذكر من يستحق الشفاعة وكون الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) سببًا للفوز بشفاعته (صلوات الله عليه):

المكرمة الحادية عشرة: الفوز بشفاعته (صلوات الله عليه) في يوم القيامة

وتحقيق المرام في هذا المقام، يستدعي ذكر أمور:

الأول: في معنى الشفاعة.

الثاني: إثبات الشفاعة.

الثالث: الإشارة إلى الشفعاء يوم القيامة.

الرابع: من يستحق الشفاعة.

الخامس: كون الدعاء بتعجيل فرج مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) سببًا للفوز بشفاعته صلوات الله عليه - فنقول ومن الله التوفيق:

الأمر الأول في معنى الشفاعة المقصودة

وهو أن يطلب الشخص ممن فوقه خيرًا لمن دونه، وذلك الخير إما إسقاط عقاب، أو زيادة ثواب، أو كلاهما، فإن كانت الشفاعة لأهل الطاعة كان معناه طلب زيادة ثوابهم ورفع درجاتهم، وإن كانت لأهل الإساءة كان معناه طلب العفو عن زلاتهم وسيئاتهم، وإسقاط عقابهم، أو إسقاط العذاب، والفوز بالمنافع جميعًا وهذا الذي ذكرناه هو الحق في تحقيق معنى الشفاعة.

وقد خالف في ذلك فرقتان: التفضيلية، والوعيدية على ما حكي عنهما.

فقال الأولون: إنها مختصة بدفع المضار، وإسقاط العقاب عن مستحقيه من مذنبي المؤمنين، وإليه ذهب جمع من علمائنا.

وقال آخرون: هي في زيادة المنافع للمطيعين، والتائبين دون العاصين.

وقال المحقق الطوسي رفع الله تعالى درجته: الحق صدق الشفاعة فيهما أي لزيادة المنافع وإسقاط المضار، وثبوت الثاني له (عليه السلام) بقوله: ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. [شرح تجريد الاعتقاد: 331].

أقول: الحق ثبوت الشفاعة له (عليه السلام) بكلا القسمين، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى.

الأمر الثاني: في إثبات الشفاعة المصطلحة

لا ريب في جواز الشفاعة عقلًا.

وأما وقوعها فيدل عليه مضافًا إلى أنه من ضروريات المذهب، بل الدين، كما صرح به المجلسي في حق اليقين [حق اليقين، ص: 284] الكتاب والسنة والإجماع وكل واحد منها كاف لأهل الاستماع.

فمن الآيات قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255].

وفي سورة مريم: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87].

وفي سورة طه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]

وفي سورة الأنبياء: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28].

وفي سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾[سبأ: 23].

وأما الأخبار: فهي في حد التواتر ونحن نكتفي بذكر روايتين فقط:

ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، وقد سأل سؤالًا وقد أخبأت دعوتي لشفاعتي لأمتي يوم القيامة. [بحار الأنوار: 8 / 34 باب 21 ح 1]

ـ دخل مولى لامرأة علي بن الحسين على أبي جعفر (عليه السلام ) يقال له أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون شفاعة محمد شفاعة محمد! فغضب أبو جعفر (عليه السلام) حتى تربد وجهه، ثم قال: ويحك يا أبا أيمن، غرك أن عف بطنك وفرجك، أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) ويلك، فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار.

ثم قال: ما أحد من الأولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة.

ثم قال أبو جعفر (عليه السلام ): إن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الشفاعة في أمته، ولنا شفاعة في شيعتنا، ولشيعتنا شفاعة في أهليهم ثم قال: وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإن المؤمن ليشفع حتى لخادمه، ويقول: يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد. [المحاسن: 1 / 183 / ح 185]

الأمر الثالث: في ذكر بعض الشفعاء يوم القيامة

اعلم أن الشفاعة الكبرى من خصائص نبينا (صلى الله عليه وآله ).

حيث روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أعطيت خمسًا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، ونصرت بالرعب، وأحل لي المغنم وأعطيت جوامع الكلم وأعطيت الشفاعة. [الخصال للشيخ الصدوق: 1 / 292 باب الخمسة ح 56]

وشفاعة غيره من شعب شفاعته الكبرى لانتهائها إليه (صلى الله عليه وآله).

فمن الشفعاء: الأئمة الطاهرون، كما عرفت.

- ويدل عليه أيضًا ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100ـ101] قال: الشافعون الأئمة والصديق من المؤمنين. [بحار الأنوار: 8 / 41 و 42 باب 21 ح 32]

ومنهم ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله).

- فعن الصادق (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فتغشاهم ظلمة شديدة فيضجون إلى ربهم ويقولون: يا رب اكشف عنا هذه الظلمة قال: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم قد أضاء أرض القيامة فيقول أهل الجمع: هؤلاء أنبياء الله؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بأنبياء فيقول أهل الجمع: فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بملائكة فيقول أهل الجمع: هؤلاء شهداء؟ فيجيئهم النداء من عند الله: ما هؤلاء بشهداء فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء: يا أهل الجمع سلوهم من أنتم فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون، نحن ذرية محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحن أولاد علي ولي الله، نحن المخصوصون بكرامة الله، نحن الآمنون المطمئنون، فيجيئهم النداء من عند الله عز وجل: اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم، فيشفعون. [بحار الأنوار: 8 / 36 باب 21 ح 10]

ومنهم المؤمنون وقد مر، ويأتي ما يدل عليه.

- ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تستخفوا بفقراء شيعة علي وعترته من بعده، فإن الرجل منهم ليشفع لمثل ربيعة ومضر. [بحار الأنوار: 8 / 59 باب 21 ح 80]

ومنهم: العلماء العاملون.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله العالم والعابد فإذا وقفا بين يدي الله عز وجل، قيل للعابد انطلق إلى الله، وقيل للعالم: قف تشفع للناس بحسن تأديبك لهم. [بحار الأنوار: 8 / 59 باب 21 ح 80]

ومنهم: زوار قبر الحسين (عليه السلام).

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال ينادي مناد يوم القيامة أين شيعة آل محمد فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلا الله فيقومون ناحية من الناس ثم ينادي مناد أين زوار قبر الحسين فيقوم أناس كثير فيقال لهم خذوا بيد من أحببتم انطلقوا بهم إلى الجنة فيأخذ الرجل من أحب حتى إن الرجل من الناس يقول لرجل يا فلان أما تعرفني أنا الذي قمت لك يوم كذا وكذا فيدخله الجنة لا يدفع ولا يمنع. [بحار الأنوار: 101 / 27 ب 4 ح 34]

الأمر الرابع: في ذكر من يستحق الشفاعة

اعلم رزقك الله تعالى وإيانا شفاعة الشافعين أنه لا يستحق الشفاعة سوى أهل الإيمان كما قال الله تعالى ﴿لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28].

عن الامام الكاظم والرضا (عليهما السلام) معناه لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه. [تفسير البرهان: 3 / 57 / ح 5]

ويدل على ذلك أيضا روايات عديدة مع أن ذلك مما لا خلاف فيه أجده بين الإمامية.

- وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي [تفسير القمي: 417] عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 87] * قال لا يشفع ولا يشفع ولا يشفع إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا إلا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده فهو العهد عند الله.

ثم إنه لا يخفى أن المؤمنين على صنفين: قوم مطيعون صالحون، وقوم مسرفون عاصون، فهل يشمل شفاعة الشافعين المحسنين والعاصين أم يختص بالمحسنين أو بالعاصين، أقوال والحق هو القول الأول، وهو شمول الشفاعة لكل منهما، أما بالنسبة إلى المحسنين فهي توجب ازدياد الثواب وارتفاع الدرجات وأما بالنسبة إلى العاصين فتوجب الخلاص من العقاب واندفاع المضرات أو مع الفوز بالمنافع أيضًا، والدليل على ذلك بعد صدق الشفاعة على طلب زيادة الثواب ورفع العقاب عدة روايات:

- منها: ما رواه ثقة الإسلام في أصول الكافي [الكافي: 2 / 598 / ح 1] في كتاب فضل القرآن عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل في ذكر شفاعة القرآن إلى أن قال: فينطلق به إلى رب العزة تبارك وتعالى، فيقول: يا رب عبدك وأنت أعلم به قد كان نصبًا لي مواظبًا عليَّ، يعادي بسببي، ويحب فيّ ويبغض فيّ، فيقول الله عز وجل: أدخلوا عبدي جنتي واكسوه حلة من حلل الجنة وتوجوه بتاج.

فإذا فعل ذلك به عرض على القرآن فيقال له: هل رضيت بما صنع بوليك فيقول: يا رب إني أستقل هذا له فزده مزيد الخير كله، فيقول عز وجل: وعزتي وجلالي، وعلوّي وارتفاع مكاني، لأنحلنّ له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له، ولمن كان بمنزلته ألا إنهم شباب لا يهرمون وأصحاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون، وفرحون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون، ثم تلا هذه الآية: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: 56].. الخبر، وهو نص في وقوع الشفاعة، بطلب رفع العقاب وزيادة الثواب.

- ومنها: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الجن والإنس يحبسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشفاعة، فيقولون: إلى من؟ فيأتون نوحًا فيسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيسألونه الشفاعة فيقول هيهات قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا موسى فيأتونه، فيسألونه الشفاعة فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا عيسى فيأتونه، ويسألونه الشفاعة، فيقول: هيهات قد رفعت حاجتي فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا محمدًا.

فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقوم مدلًا، حتى يأتي باب الجنة، فيأخذ بحلقة الباب ثم يقرعه، فيقال: من هذا؟ فيقال: أحمد فيرحبون ويفتحون الباب فإذا نظر إلى الجنة خر ساجدًا يمجد ربه بالعظمة، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع فيرفع رأسه فيدخل من باب الجنة فيخر ساجدًا، ويمجد ربه ويعظمه فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع فيقوم فما يسأل شيئًا إلا أعطاه الله إياه. [بحار الأنوار: 8 / 47 باب 21 ح 48]

قال المجلسي (ره ): قوله قد رفعت حاجتي: أي إلى غيري والحاصل: إني أيضًا أستشفع من غيري، فلا أستطيع شفاعتكم.

أقول: لا ريب أن احتياجهم إلى غيرهم ليس لأجل نجاتهم من العذاب لأنهم معصومون، لم يصدر عنهم ما يقتضيه بل هو لأجل فوزهم بالدرجات العالية، التي لا يصلون إليها إلا بسبب من هو أرفع منهم، أعني نبينًا محمدًا وآله المعصومين المكرمين (عليهم السلام).

فإن قلت: إن هذا الحديث وما بمعناه من الأحاديث ينافي ما مر سابقًا من كونهم من شفعاء يوم القيامة.

قلت: لا تنافي بين هذين الحديثين، إذ لا مانع من وصولهم إلى درجات ومنافع ببركة من فوقهم ووصول من دونهم في المرتبة إلى درجات ومنافع ببركتهم، وسقوط العقاب عنهم بشفاعتهم كما مر في شفاعة الأئمة للمؤمنين وشفاعة المؤمنين لمن دونهم من أهليهم.

فهذه الروايات تدل على وقوع شفاعة الشافعين للصالحين من المؤمنين، طلبًا لهم زيادة الثواب كما تقع للعاصين، مضافًا إلى أن القائلين بتخصيص الشفاعة بطلب إسقاط العقاب، يلزمهم القول بكونها طلبًا للثواب في حق المستوجبين للعقاب أيضًا، وبيان ذلك: أن كل من قال بحصول نجاة العاصين من النار بشفاعة الشافعين، قال بدخولهم الجنة بسبب تلك الشفاعة، فلو كانت الشفاعة طلب إسقاط العقاب فقط لزم القول بأن من يشفع له شافع لا يدخل الجنة ولا النار، أما عدم دخوله الجنة، فلعدم المقتضى له وأما عدم دخوله النار فلشفاعة الشافعين.

ويمكن المناقشة بأن السبب في دخول الجنة هو الإيمان فإذا سقط العقاب بالشفاعة صار السبب بلا مانع، فيتحقق مقتضاه.

ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بوجهين:

أحدهما: أن بعض الروايات صريح في أن دخول الجنة أيضًا بالشفاعة:

- وفي البحار [بحار الأنوار: 8 / 39 ب 21 ح 20] والبرهان عنه (صلى الله عليه وآله) إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد: يا رسول الله إن الله جل اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك فكافهم بما شئت فأقول: يا رب الجنة فأبوئهم منها حيث شئت فذلك المقام المحمود الذي وعدت به.

وثانيهما: أن الأخبار دلت على كون الإيمان سببًا لدخول الجنة وكون الثواب على الإيمان وأما كونه سببًا بلا واسطة فلا، فيمكن أن يكون المقصود منها أنه لا يدخل الجنة من لا يكون مؤمنًا، وأما نفي الحاجة إلى الشفاعة، فلا دليل عليه.

فتلخص من جميع ما ذكرناه تحقق الشفاعة وثبوتها بكلا القسمين، وارتفع الإشكال من البين.

وأما من خص الشفاعة بطلب زيادة الثواب لأهل الإطاعة فقد استدل بظواهر بعض الآيات.

منها: قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18] والعاصي ظالم.

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: 270].

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48].

والجواب: عن الجميع أن المراد بالظالمين في هذه الآيات وما شابهها الكفار والنواصب، والذين أخروا الأئمة (عليهم السلام) عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها وقدموا عليهم غيرهم، والذين ماتوا جاهلين بإمام زمانهم وأمثال هؤلاء من الذين يرجع أمرهم بالآخرة إلى عدم الإيمان.

والدليل على ما ذكرنا - مضافًا إلى ما مر وما سيجيء - أخبار كثيرة، بل متواترة ليس هنا مقام ذكرها، مع أن ذلك مقتضى الجمع بين الأدلة أيضًا كما لا يخفى.

وأما من خص الشفاعة بطلب إسقاط العقاب عن مستحقيه، من مذنبي المؤمنين فقد استند إلى أمرين:

الأول: أن الشفاعة لو كانت في زيادة المنافع لا غير لكنا شافعين في النبي حيث نطلب له من الله علو الدرجات، والتالي باطل قطعًا لأن الشافع أعلى من المشفوع فيه، فالمقدم مثله وهذا الوجه في الحقيقة إبطال للقول السابق وهو تخصيص الشفاعة بطلب زيادة الثواب فقط.

ويمكن الجواب عنه بمنع الملازمة لأنا قد ذكرنا أن معنى الشفاعة أن يطلب الشخص ممن فوقه خيرًا لمن دونه، وهذا المورد قد جعل الشفاعة بمعنى مطلق طلب زيادة المنافع، وهذه مغالطة واضحة.

والحاصل أن ما نحن فيه، نظير الطلب الذي له أفراد منها الأمر، ومنها السؤال، ومنها الالتماس، فإذا صدر الطلب عن العالي سمي أمرًا، وإذا صدر عن الداني سمي سؤالًا وإذا صدر عن المساوي سمي التماسًا، مع أنه ليس مفاد كل منها سوى الطلب، والتفاوت إنما هو في مراتب الطالب، فكذلك فيما نحن فيه، إذا صدر طلب المنفعة والثواب من شخص لمن دونه، كان شفاعة كطلب النبي (صلى الله عليه وآله) زيادة المثوبات ورفع درجات لأمته، وإذا صدر ذلك من شخص لمن فوقه، كان دعاء كصلاة الأمة على النبي ودعائهم له.

الثاني: الأحاديث التي ادعى دلالتها على تخصيص الشفاعة بالمذنبين.

منها قول النبي (صلى الله عليه وآله) ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل.

ومنها قوله: وأما شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم.

والجواب عن الجميع، أن الغرض في هذه الروايات بيان أظهر الفردين، وأكمل الأمرين لا حصر الشفاعة في واحد من القسمين. ويشهد لذلك ما قدمناه من الدليل، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

وههنا فوائد ينبغي التنبيه عليها: الأولى: أن الشفاعة التي لا تشمل الكفار هي الشفاعة في الخروج من النار وأما الشفاعة في تخفيف العذاب، فالظاهر من بعض الأخبار شمولها لهم.

- عن حنان، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا تسألوهم فتكلفونا قضاء حوائجهم يوم القيامة. [بحار الأنوار: 8 / 55 باب 21 ح 64]

أقول: ولهذا المطلب شواهد عديدة في الأخبار مثل ما ورد من أن حب الأئمة الأطهار ينفع كل أحد حتى الكفار، ونحو ذلك.

فإن قلت: إن ذلك ينافي ما نطق به بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: 162] ونحوه.

قلت: يمكن الجمع بينهما بأحد وجهين:

أحدهما: أن يكون المراد بالتخفيف الممنوع عنهم، التخفيف الزماني، بأن يرفع العذاب عنهم في بعض الأحيان، بدليل قوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [المؤمن: 49] وهذا لا ينافي التخفيف عن بعضهم من حيث الكيفية.

وثانيهما: أن يخصص عدم التخفيف بمن ليس له شافع يشفع له في ذلك، والله تعالى هو العالم.

- الثانية: قد دل قوله (عليه السلام): أعطيت خمسًا لم يعطها أحد من الأنبياء.. (الخ) على أن الشفاعة من خصائصه، وهذا مناف بظاهره لما دل على كثرة الشفعاء يوم القيامة، ويمكن الجمع بينهما بوجوه:

الأول: أن يكون المراد بإعطاء الشفاعة إياه بخصوصه، الوعد والإذن من الله عز اسمه في ذلك لنبينا (صلى الله عليه وآله) في دار الدنيا، دون سائر الأنبياء والشفعاء.

- ويشهد لهذا الوجه ما في تفسير القمي في قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [طه: 109] قال: لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله يوم القيامة، حتى يأذن الله، إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن الله قد أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمة من ولده، ثم بعد ذلك للأنبياء (عليهم السلام).

الثاني: أن يكون المراد الشفاعة العامة، التي ما من أحد من الأولين والآخرين إلا ويحتاج إلى شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله)، كما مر في الحديث.

وأما غيره فشفاعته لقومه وعشيرته، أو طائفة مخصوصة فشفاعته أعم الشفاعات وأتمها لاحتياج كل أحد من الخلق إليه، وعدم احتياجه إلى أحد سوى الخالق المتعال عز اسمه.

الثالث: أن الشفاعة لا تجوز إلا بعد صدور الإذن عن الله تعالى، كما قال عز وجل ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255] وقال عز وجل: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: 3] وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: 109] وقال تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26] وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: 27] الخ.

فيمكن أن يكون الإذن منه عز وجل لنبينا في الشفاعة، بمقتضى ما مر في خبر عيص، ويعضده أخبار عديدة، وتكون شفاعة سائر الشفعاء بإذن النبي، فجميع الشفاعات يرجع إلى شفاعته، ويكون من شعب هذه الشفاعة العظمى. وهذا معنى اختصاصه بالشفاعة، والشفاعة الكلية والشفاعة الكبرى. والغرض من ارجاع الخلائق أولًا إلى غيره من الأنبياء كما مر في خبر عيص، وورد في غيره من الأخبار إظهار شأن خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) لجميع أهل المحشر في يوم الجزاء.

الثالثة: قد مر في حرف الشين المعجمة في الباب الرابع حديث نبوي من طريق العامة في ذكر مناصب الأئمة، إلى أن قال (صلى الله عليه وآله) والمهدي شفيعهم يوم القيامة، حيث لا يأذن الله إلا لمن يشاء ويرضى.

وقد ذكرنا هنالك أن السر في تخصيص الشفاعة بمولانا الحجة صلوات الله عليه، أن أحدًا من الشفعاء لا يشفع في منكر صاحب الأمر (عليه السلام)، وإن أقر بمن قبله فكأن الشفاعة شفاعته، والأمر أمره.

الأمر الخامس في كون الدعاء لمولانا صاحب الزمان وبتعجيل فرجه سببًا للفوز بشفاعته

وبيان ذلك: أنه لا بد في الفوز بشفاعة الشافعين في يوم الدين، من تحقق رابطة بين الشافع والمشفوع له، في دار الدنيا كخدمة له، وإعانة، أو قضاء حاجة أو دعاء، أو إظهار محبة خالصة، أو إعزاز له، أو دفع أذى عنه ونحوها، كما عرفت في حديث شفاعة المؤمنين لمن يدعو لهم في أول الباب الرابع، وفي حديث شفاعة المؤمن، الذي ذكرناه في الأمر الثاني آنفًا، وكذا في حديث شفاعة زائر الحسين (عليه السلام )، الذي رويناه في الأمر الثالث، ويدل على ذلك مضافًا إلى ما ذكرناه روايات كثيرة:

- منها ما في البحار [بحار الأنوار: 8 / 44 باب 21 ح 44] عن تفسير الإمام عن أمير المؤمنين، قال (عليه السلام): الله رحيم بعباده، ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة، جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم، فبها يتراحم الناس وترحم الوالدة ولدها، وتحنن الأمهات من الحيوانات على أولادها، فإذا كان يوم القيامة، أضاف هذه الرحمة الواحدة إلى تسع وتسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد (صلى الله عليه وآله) ويشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة. حتى إن الواحد ليجيء إلى مؤمن الشيعة فيقول اشفع لي فيقول: وأي حق لك علي فيقول: سقيتك يومًا ماءً فيذكر ذلك فيشفع فيه ويجيئه آخر فيقول: إن لي عليك حقًا فاشفع لي فيقول: وما حقك عليَّ فيقول: استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار فيشفع له، فيشفع فيه ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه، وخلطائه ومعارفه فإن المؤمن أكرم على الله مما تظنون.

- وأيضًا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في دار الدنيا وقد أمر به إلى النار، والملك ينطلق به قال فيقول يا فلان، أغثني، فقد كنت أصنع إليك المعروف في الدنيا وأسعفك في الحاجة تطلبها مني فهل عندك اليوم مكافأة! فيقول المؤمن للملك الموكل به: خل سبيله. قال: فيسمع الله قول المؤمن فيأمر الملك أن يجيز قول المؤمن، فيخلي سبيله. [بحار الأنوار: 8 / 41 باب 21 ح 26]

أقول: إذا كان هذا حال المؤمن في الشفاعة، لمن كان بينه وبينه رابطة جزئية. فلا ريب في أن مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) يشفع لمن يداوم على الدعاء له، ولا يتركه معذبًا يوم القيامة لأن الدعاء من الروابط العظيمة والحبال المتينة فهو قضاء لحاجته ودليل محبته، وموجب لمسرته، وهو مع ذلك من أقسام نصرته وأنواع خدمته، إلى غير ذلك من العناوين الصادقة عليه مما هو وسيلة إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مقالات مرتبطة:

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (1)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (2)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (3)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (4)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (5)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (6)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (7)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (8)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (9)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (10)

خلاصة مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (11)


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2342
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 04 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 09 / 26