00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة القيامة من أول السورة ـ آخر السورة من ( 197 ـ 236 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء التاسع عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[197]

سُورَة القِيَامَة

مَكيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا أربَعُونَ آية

[199]

 

«سورة القيامة»

محتوى السورة:

كما هو واضح من اسم السورة فإنّ مباحثها تدور حول مسائل ترتبط بالمعاد ويوم القيامة إلاّ بعض الآيات التي تتحدث حول القرآن والمكذبين، وأمّا الآيات المرتبطة بيوم القيامة فإنّها تجتمع في أربعة محاور:

1 ـ المسائل المرتبطة بأشراط الساعة.

2 ـ المسائل المتعلقة بأحوال الصالحين والطالحين في ذلك اليوم.

3 ـ المسائل المتعلقة باللحظات العسيرة للموت والإنتقال إلى العالم الآخر.

4 - الأبحاث المتعلقة بالهدف من خلق الإنسان ورابطة ذلك بمسألة المعاد.

فضيلة السورة:

في حديث روي عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبرائيل له يوم القيامة أنّه كا مؤمناً بيوم القيامة، وجاء ووجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة»(1).

ونقرأ في حديث ورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام) قال: «من أدمن قراءة  (لا اُقسم) وكان يعمل بها، بعثها اللّه يوم القيامة معه في قبره، في أحسن صورة

______________________________

1 ـ مجمع البيان، 10-، ص393.

[200]

تبشّره وتضحك في وجهه، حتى يجوز الصراط والميزان»(1).

والجدير بالملاحظة أنّ ما كنّا نستفيد منه في القرائن التي في فضائل تلاوة السور القرآنية قد صرّح بها الإمام هنا في هذه الرّواية حيث يقول: «من أدمن قراءة لا اُقسم وكان يعمل بها» ولذا فإنّ كل ذلك هو مقدمة لتطبيق المضمون.

* * *

______________________________

1 ـ المصدر السّابق.

[201]

الآيات

لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَـمَةِ(1) وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)أَيَحْسَبُ الاِْنْسَـنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ(3) بَلَى قَـدِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ(4) بَلْ يُرِيدُ الاِْنْسَـنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ(5) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيـمَةِ(6)

التّفسير

قسماً بيوم القيامة والنفس اللوامة:

تبدأ هذه السورة بقَسَمَين غزيرين بالمعاني، فيقول تعالى: (لا أُقسم بيوم القيامة ولا أُقسم بالنفس اللوامة)

وهناك أقوال للمفسّرين في ذلك، فقيل أنّ (لا) زائدة للتأكيد وأنّها لا تنفي القسم، بل تؤكّده، وقيل وربّما نافية، والغاية في ذلك هو أن يقول لا أقسم بذلك لأهمية هذا الموضوع (كالقول لا أقسم بحياتك لأنّها أعلى من القسم).

وأخذ أغلب المفسّرين بالتّفسير الأوّل، ولكن البعض الآخر بالتّفسير الثّاني حيث قالوا إنّ (لا) الزائدة لا تأتي في أوّل الكلام بل في وسطه، والأوّل هو الأصح ظاهراً. لأنّ القرآن الكريم قد أقسم بأُمور هي أهم من القيامة، كالقسم بذات اللّه

[202]

المقدّسة، لذا ليس هناك دليل على عدم القسم هنا بيوم القيامة، وهناك مثال لإتّخاذ لا الزائدة في أوّل الكلام، وهو ما ورد في أشعار «امريء القيس» حيث استعمل «لا» الزائدة في بداية قصائده الشعرية

لا وأبيك ابنة العامر لا يدعي القوم أني أفر ولكن ما نعتقده أنّ البحث ليس مهمّاً حول ما إذا كانت (لا) نافية أو زائدة، وذلك لأنّ نتيجة القولين هي واحدة وهي بيان أهمية الموضوع الذي أقسم لأجله.

المهم أنّ نرى ما هي العلاقة والرّابطة الموجودة بين القسمين.

الحقيقة أنّ أحد دلائل وجود «المعاد» هو وجود «محكمة الوجدان» الموجودة أعماق الإنسان، والتي تنشط وتسر عند الإقدام لإنجاز عمل صالح، وبهذه الطريقة تثبت صاحبها وتكافئه، وعند ارتكاب الأعمال السيئة والرذيلة فإنّها سوف تقوم بتقريع صاحبها وتأنّبه وتعذبه إلى حدّ أنّه قد يقدم على الإنتحار للتخلص ممّا يمرّ فيه من عذاب الضمير.

وفي الحقيقة أنّ الضمير هو الذي أصدر حكم الإعدام، وتمّ تنفيذ ذلك بنفسه، إنّ دوي النفس اللوامة في وجود الإنسان واسع جدّاً، وهي قابلة للتمعن والمطالعة في كلّ الأحوال وفي بحث الملاحظات نشير إلى ذلك بشكل واسع.

عندما يكون (العالم الصغير) أي وجود الإنسان محكمة في قلبه، فكيف يمكن للعالم الكبير أن لا يملك محكمة عدل عظمى؟

فمن هنا نفهم وجود البعث والقيامة بواسطة وجود الضمير الأخلاقي، ومن هنا تتّضح الرابطة الظريفة بين القَسَمَين، وبعبارة أُخرى فإنّ القسم الثّاني هو دليل على القسم الأوّل.

وأمّا ما يراد بـ «النفس اللوامة»(1) فهناك أقوال كثيرة ومختلفة قد ذكرت

______________________________

1 ـ اللوامة: صيغة مبالغة وتعني كثيرة اللوم.

[203]

للمفسّرين، وأحد تلك التّفاسير المشهورة هو ما ذكرناه آنفاً، وهو أنّ أنّها «الوجدان الا خلاقي» الذي يلوم الإنسان في الدنيا على المعصية ويحفّزه على إصلاح ما بدا منه.

والتّفسير الآخر هو أنّ المراد بالنفس الإنسانية بصورة عامة التي تلوم صاحبها يوم القيامة، فإذا كان مؤمناً فإنّها تلومه على عدم الإكثار من الصالحات وعلى قلّة الطاعة، وإن كان الكافراً فإنّها تلوم على كفره وشركه وفجوره.

وأمّا الآخر: فالمراد نفس الكافر التي تلومه يوم القيامة على ما قدمت من كفر ومعصية.

والوجه الأوّل يناسب الآية السابقة والتي تليها، أجل إنّ لمحكمة الضمير مقاماً ومنزلة عظيمة ولهذا يقسم اللّه بها، ويستعظم قدرها، وهي بحقّ عظيمة القدر، لأنّها أحد العوامل المهمّة لخلاص لإنسان بشرط أن تكون واعية ويقظة وغير عاجزة بسبب الذنوب والآثام.

وممّا تجدر الإشارة إليه هو أنّ جواب القسم محذوف، وهذا ما تدل عليه الآيات التالية والتقدير «لتبعثن يوم القيامة» أو «أنّكم تبعثون» فيكون المعنى: لا اُقسم بيوم القيامة ولا أُقسم بالنفس الوامة أنّكم تبعثون يوم القيامة وتجزون ما كنتم تفعلون.

ومن الظريف أنّ القسم جاء بيوم القيامة على وجود يوم القيامة، وذلك لأنّه إلى درجة من الوضوح والبداهة أنّه يمكن القسم به حتى في مقابل المنكرين.

ثمّ يستفهم تعالى في الآية الأُخرى للتوبيخ فيضيف: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين أن نسوّي بنانه).

ورد في رواية أنّ أحد المشركين وهو «عدي بن أبي ربيعة» كان جاراً للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فسأل النّبي عن أمر القيامة فأخبره به، فقال عدي: لو عاينت ذلك اليوم لم اُصدقك، أوَ يَجمع اللّه هذه العظام؟ فنزلت هذه الآيات وأجابتهُ على

[204]

ذلك، ولذا قال فيه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) «اللّهم اكفني شر جاري سوء»(1).

وهناك نظائر لهذا المعنى في الآيات القرآنية الاُخرى، منها الآية (78) من سورة (يس) حيث إنّ منكراً من منكري المعاد كانت بيده عظاماً، فقال للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم):(من يحيى العظام وهي رميم

والتعبير بكلمة «يحسب» التي هي من الحسبان وتعني الظن، إشارة إلى أنّ المنكرين لا يؤمنون بما يقولون، بل يعتمدون على ما يظنون من الوهم.

ولكن نرى أنّه قد اعتمد على العظام خاصّة، وهذا لكون دوام بقاء العظام أكثر من غيرها من أجزاء الجسد، ولذا تكون اعادتها تكون ترباً متاثراً بعيداً في نظر عديمي الإيمان.

ثمّ إنّ العظام من الأركان المهمّة في بدن الإنسان، لأنّها تشكل أعمدة البدن، وكلّ الحركات والتغيرات المهمّة الحاصلة في البدن وكذلك فعاليات المختلفة تتمّ بواسطة العظام، وكثرة وتنوع أشكال ومقاييس العظام في جسم الإنسان من عجائب الخلقة الإلهية، تتّضح أهميتها عندما تتعطل فقرة واحدة من فقرات الظهر عن العمل وتسبب في شلّ حركة البدن.

«البنان»: أطراف الأصابع، وقيل الأصابع، وفي المعنيين إشارة إلى أنّ اللّه تعالى ليس القادر على جمع العظام وإرجاعها إلى صورتها الأُولى فحسب، بل إنّه تعالى يسوي العظام الصغيرة والظريفة والدقيقة للأصابع على ما كانت عليها في الخلق الأوّل، والأعجب من ذلك يمكنهُ تعالى اعادة بصمات الأصابع كما كانت عليه أيضاً.

ويمكن أن يكون ذلك إشارة لطيفة إلى الخطوط الموجودة في أطراف الأصابع والتي نادراً ما تتساوى هذه الخطوط عند شخصين.

______________________________

1 ـ أورد هذه الرواية المراغي، وكذلك ذكرت في روح المعاني، وتفسير الصافي بتفاوت يسير.

[205]

وبتعبير آخر إنّ هذ الخطوط الموجودة في أطراف الأصابع هي المعرّفة لشخص الإنسان، ولذا صار بصم الأصابع في عصرنا هذا أمراً علمياً، وبهذه الطريقة يمكن كشف الكثير من السراق والمجرمين، فيكفي في كشف السارق وضعه أصابعه على مقبض الباب، أو زجاجة الغرفة، أو قفل الصندوق وبقاء أثر خطوط أنامله عليها، ثمّ يؤخذ من ذلك الطبع نموذج وتتمّ مقابلته مع آثار أصابع اللصوص السابقين التي أخذت منهم سلفاً، وهكذا يعرف المجرم والسارق.

وفي الآية الأُخرى إشارة إلى أحد العلل الحقيقة لإنكار المعاد فيقول: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه)، إنّهم يريدون أن يكذبوا بالبعث وينكروا المعاد، ليتسنى لهم الظلم وارتكاب المحارم والتنصل عن المسؤولية أمام الخلق، وذلك لأنّ الإيمان بالمعاد والقيامة ومحكمة العدل الإلهية بمثابة سدّ عظيم في مقابل المعاصي والذنوب والنس الأمارة تريد كسر هذا السدّ وهذا الطوق ليفجر الإنسان مدى عمره ويعمل ما يشاء، وهذا ليس منحصراً بالأزمنة السابقة، بل إنّ إحدى علل الميول إلى المادية وإنكار المبدأ والمعاد في عهذا العصر هو كسب الحرية للفجور والهروب من المسؤولية، وتحطيم كل القوانين الإلهية، وإلاّ فإنّ دلائل المبدأ والمعاد واضحة، وقد ورد في تفسير علي بن ابراهيم في توضيح معنى هذه الآية حيث قال: يقدّم الذنب ويؤخر التوبة ويقول سوف أتوب.

وقيل المراد من «الفجور» و«التكذيب»، فيكون المعنى، يريد أن يكذب بالبعث الذي سوف يقع أمامه، ولكن التفسير الأوّل أنسب.

ثمّ يضيف بعد ذلك : (يسأل أيّان يوم القيامة).

أجل، إنّه يستفهم مستنكراً عن وقوع يوم القيامة ويهرب ممّا كُلّف به لكي يفسح لنفسه طريق الفجور أمامه، والجدير بالذكر أنّ سؤالهم هذا عن وقت حدوث القيامة لا يعني أنّهم يؤمنون بأصل القيامة، بل هو مقدّمة لإنكار أصل القيامة كالذي يقول: (فلانٌ سوف يقدم من السفر) وإذا ما تأخر فترة من الزمن يعترض من ينكر قدوم ذلك المسافر فيقول: (متى سوف يأتي المسافر)؟

[206]

ملاحظات

1 ـ محكمة الضمير أو القيامة الصغرى

نستفيد من آيات القرآن المجيد أنّ للنفس الإنسانية ثلاث مراحل:

1 ـ النفس الامارة: وهي النفس العاصية التي تدعو الإنسان إلى الرذائل والقبائح باستمرار، وتزيّن له الشهوات، وهذا ما أشارت إليه امرأة عزيز مصر حينما نظرت إلى عاقبة أمرها فقالت: (وما ابريء نفسي إنّ النفس لأمارة بالسوء).(1)

2 ـ النفس اللوامة: وهي ما اُشير إليها في الآيات التي ورد البحث فيها، وهي نفس يقظة وواعية نسبياً، فهي تزل أحياناً لعدم حصولها على حصانة كافية مقابل الذنوب، وتقع في شبك الآثام إلاّ أنّها تستيقظ بعد فترة لتتوب وترجع إلى مسير السعادة، وانحرافها ممكن، إلاّ أنّ ذلك يكون مؤقتاً وليس دائماً ولا يمضي عليها كثير وقت حتى تعود إلى الملامة والتوبة.

وهذا هو ما يذكرونه تحت عنوان (الضمير الأخلاقي) ويكون هذا قوياً جدّاً عند بعض الأفراد، وضعيفاً وعاجزاً عند آخرين، ولكن النفس اللوامة لا تموت بكثرة الذنوب عند أي انسان.

3 ـ النفس المطمئنة: وهي النفس المتكاملة المنتهية إلى مرحلة الإطمئنان والطاعة والمنتهية إلى مقام التقوى والإحساس بالمسؤولية وليس من السهل انحرافها، وهذا ما ورد في وقوله تعالى: (يا أيّها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية)(2).

______________________________

1 ـ يوسف، 53.

2 ـ الفجر، 27 ـ 28.

[207]

على كل حال فإنّ النفس اللوامة كما قلنا هي كالقيامة الصغرى في داخل الروح والتي تقوم بمحاسبة الإنسان، ولذا تحس أحياناً بالهدوء والإستقرار بعد القيام بالأعمال الصالحة وتمتليء بالسرور والفرح والنشاط.

وبالعكس فإنّها تبتلي أحياناً بكابوس الرذائل والجرائم الكبيرة وأمواج الغم والحيرة، ويحترق بذلك باطن الإنسان حتى يتنفر من الحياة، وربّما يبلغ ألم الوجدان أنّه يقدم على تسليم نفسه إلى المحاكم القضائية ليرتقي منصة الإعدام لخلاص نفسه من قبضة هذا الكابوس.

هذه المحكمة الداخلية العجيبة لها شَبَهٌ عجيب بمحكمة القيامة.

1 ـ إنّ القاضي والشاهد والمنفذ للأحكام واحد، كما في يوم القيامة: (عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين العبادك)(1).

2 ـ إنّ هذه المحكمة ترفض كلّ توصية ورشوة وواسطة كما هو الحال في محكمة يوم القيامة، فيقول تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً  ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون)(2).

3 ـ إنّ محكمة الضمير تحقق وتدقق الملفات المهمّة بأقصر مدّة وتصدر الحكم بأسرع وقت، فلا استئناف في ذلك، ولا إعادة نظر، ولا تحتاج في ذلك شهوراً وسنين، وهذا هو ما نقرأهُ أيضاً في محكمة البعث: (واللّه يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب)(3).

4 ـ مجازاتها وعقوباتها ليست كعقوبات المحاكم الرسمية العالمية، فإنّ

______________________________

1 ـ الزمر، 46.

2 ـ البقرة، 48.

3 ـ الرعد، 41.

[208]

شرر النيران تتقد في الوهلة الاُولى في أعماق القلب والروح، ثمّ تسري إلى الخارج، فتعذب روح الإنسان أوّلاً، ثمّ تظهر آثارها في الجسم وملامح الوجه وطبيعة النوم والأكل، فيعبّر تعالى عن ذلك في قوله: (نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة)(1).

5 ـ عدم إحتياج هذه المحكمة إلى شهود، بل إنّ المعلومات التي يعطيها الإنسان المتهم بنفسه والذي يكون شاهداً على نفسه هي التي تقبل منه، نافعة كانت لهُ أم ضارة! كما تشهد ذرات وجود الإنسان حتى يداه وجلده على أعماله في محكمة البعث فيقول تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم)(2).

وهذا التشبيه العجيب بين المحكمتين دليل آخر على فطرية الإعتقاد بالمعاد، لأنّه كيف يمكن أن يكون في الإنسان الذي يعتبر قطرة صغيرة في محيط الوجود العظيم هكذا حساب ومحاكم مليئة بالرموز والأسرار في حين لا يوجد حساب ومحاكم في هذا العالم الكبير؟ فهذا ما لايصدق.

2 ـ أسماء القيامة في القرآن المجيد

إنّ قسماً مهمّاً من معارف القرآن ومسائله العقائدية يدور حول محور القيامة والبعث، لأنّ له تأثيراً مهمّاً في تربية الإنسان وتكامل سلوكه، ولهذا اليوم العظيم أسماء كثيرة في القرآن، وكل منها تبيّن بعداً من أبعاد ذلك اليوم، يمكن أن تكون هذه الأسماء بحدّ ذاتها انعكاس للكثير من المسائل المعتلقة بهذا الجانب.

يقول المرحوم الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء: «إنّ تحت كلّ اسم من هذه الأسماء سرّ خفي، ولكل نعت معنىً مهم لابدّ من السعي الجاد لإدراك هذه

______________________________

1 ـ الهُمزة، 6 ـ 7.

2 ـ سورة فصلت، 20.

[209]

المعاني ومعرفة أسرارها، فقد ذكر أكثر من فئة اسم ليوم القيامة يمكن الإستفادة منها أو من أكثرها في القرآن المجيد، كيوم الحسرة، يوم القيامة، يوم المحاسبة، يوم المسألة، يوم الواقعة، يو القارعة، يوم الراجفة، يوم الرادفة، يوم الطلاق، يوم الفراق، يوم الحساب، يوم التناد، يوم العذاب، يوم الفرار، يوم الحق، يوم الحكم، يوم الفصل، يوم الجمع، يوم الدين، يوم تبلى السرائر، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً، يوم يفر المرء من أخيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم التغابن...»(1).

ولكن أشهر أسماء ذلك هو اليوم «يوم القيامة» الذي ذكر سبعين مرّة في القرآن، ويحكي عن قيام عامّة العباد والبعث والعظيم للناس، والتوجه إلى ذلك اليوم يدفع الناس لأداء وظائفهم وتكاليفهم في هذه الدنيا.

وباعتقادنا أنه يكفي للانتباه من نوم الغفلة والغرور والأخذ بعنان وزمام النفس العاصية وتربيتها وتعليمها أن نتفكر في هذه الأسماء ونتصور حالنا في ذلك اليوم، يوم يحضر الجميع أمام اللّه العظيم وترفع الستائر وتظهر الأسرار وتتزين الجنان وتتوقد جهنم، ويحضر الجميع عند ميزان العدل الإلهي.

«اللّهم اجعل لنا عندك ملجأ في ذلك اليوم»

* * *

______________________________

1 ـ المحجة البيضاء، ج8، ص331.

[210]

الآيات

فَإِذَا بَرَقَ الْبَصَرُ(7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ(8) وَجُمِعَ الْشَّمْسُ وَالْقَمَرُ(9) يَقُولُ الإِنسَـنُ يَوْمَئِذ أَيْنَ الْمَفَرُّ(10) كَلاَّ لاَ وَزَرَ(11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمُسْتَقَرُّ(12) يُنَبَّؤُا الإِنسَـنُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ(13) بَلِ الإِنسَـنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14) وَلَوْ أَلْقَىْ مَعَاذِيرَهُ(15)

التّفسير

الإنسان نعمَ الحكمُ لنفسه:

أنهت الآيات السابقة بسؤال كان قد وجهه المنكرون للبعث يوم القيامة، وهو يوم القيامة متى يأتي ذلك اليوم؟ وهذه الآيات هي التي تجيب عن هذه السؤال.

فتشير أوّلاً إلى الحوادث السابقة للبعث، أي إلى التحول العظيم وإنعدام القوانين الحاصل في الأنظمة الكونية فيقول تعالى: (فاذا برق(1) البصر) بمعنى

______________________________

1 ـ «برق»: من مادة برق ـ على وزن فرق ـ وهو الضوء الظاهر من بين السحب ويطلق على كل ما هو وضاء، و«برق البصر» في هذه الآية إشارة إلى الحركة الشديدة، والإضطراب الشديد للبصر من شدة الهول والخوف، وقيل هو سكون حدقة العين والنظر بدهشة إلى نقطة وغالباً ما تكون علامة الرعب، وهناك شواهد كثيرة على هذا المعنى في أشعار العرب تشير إلى إبراق البصر يُراد به التحير، والتفسير الأول أوجه.

[211]

اضطراب العين ودورانها من شدّة الخوف والرعب (وخسف القمر وجمع الشمس والقمر).

ذكرت معان متعددة للمفسّرين في ما يراد بالجمع بين الشمس والقمر، فقيل هو اجتماعهما، أو طلوعهما كليهما من المشرق وغروبهما من المغرب، وقيل اجتماعهما بعد زوال نوريهما(1) ويحتمل أن ينجذب القمر تدريجياً بواسطة الشمس وباتجاهها ثم اجتماعهما معاً بعد ذلك، وينتهي بالتالي ضياؤهما.

على كلّ حال فقد أُشير هنا إلى ظاهرتين من أهم الظواهر الإِنقلابية لأواخر الدنيا، أي إلى زوال نور القمر واجتماع الشمس والقمر مع البعض، وهو ما أُشير إليه في الآيات القرآنية الأُخرى أيضاً، فيقول تعالى في سورة التكوير: (إذا الشمس كورت) أي إذا أظلمت الشمس، ونعلم أن ضوء القمر من الشمس، وعندما يزول نور الشمس يزول بذلك نور القمر، وبالتالي تدخل الكرة الأرضية في ظلام دامس و عتمة مرعبة.

وبهذه الطريقة والتحول العظيم ينتهي العالم، ثم يبدأ بعث البشرية بتحول عظيم آخر (بنفخة الصور الثانية والتي تعتبر نفخة الحياة) فيقول الإِنسان في ذلك اليوم: (يقول الإِنسان يومئذ أين المفر)(2) .

أجل، الكفرة والمذنبون الذين كذبوا بيوم الدين يبحثون عن ملجأ في ذلك اليوم لشدّة خجلهم، ويطلبون سبل الفرار لثقل خطاياهم وخوفهم من العذاب، كما كانوا يبحثون عن طريق الفرار في الدنيا عندما كانوا يواجهون حادثةً خطيرة،

______________________________

1 ـ يقول الطبرسي في «مجمع البيان» الجمع ثلاثة أنواع: جمعٌ في المكان، وجمعٌ في الزمان، وجمع الأوصاف في الشيء الواحد (كاجتماع العلم والعدالة في الإنسان) ولكن الجمع الذي يراد به اشتراك شيئين في الصفة كزوال نوريّ القمر والشمس معاً هو تعبير مجازي (إذ لابدّ من الإستفادة من القرينة) مجمع البيان، ج 10، ص 395.

2 ـ «المفر»: اسم مكان من الفرار، واحتملهُ البعض الآخر مصدراً ولكنه بعيد.

[212]

فيقيسون ذلك اليوم بهذا! ولكن سرعان ما يقال لهم: (كلاّ لا وزر)(1).

فلا ملجأ إلاّ إلى الله تعالى: (الى ربّك يومئذ المستقر) و ذكرت لهذه الآية تفاسير أُخرى غير التفسير المذكور أعلاه منها: إن الحكم النهائي لذلك اليوم هو بيد الله تعالى.

أو إن المقر النهائي للإنسان في الجنّة أو النّار هو بيد الله.

أو أن الإِستقرار للمحاكمة والحساب يومئذ يكون عنده، ولكن بالتوجه إلى الآية التي تليها نرى أن ما قلناه هو الأنسب والأوجه.

ويعتقد البعض أن هده الآية هي من الآيات التي تبين خط مسير التكامل الأبدي للإنسان، وهي من جملة الآيات التي تقول: (وإليه المصير)(2) و(يا أيّها الإِنسان إنّك كادحٌ إلى ربّك كدحاً فملاقيه)(3) و(إن إلى ربّك المنتهى)(4)(5).

وبعبارة أوضح أنّ الناس في حركة دائبة في هذا الطريق الطويل من حدود العدم إلى إقليم الوجود، ولا يزالون في حركة في هذا الإِقليم نحو الوجود المطلق، والوجود الأزلي، وأن هذه الحركة والسلوك التكاملي في استمرار الى الأبد ما داموا لا ينحرفون عن هذا الصراط المستقيم حيث يدخلون في كل يوم مرحلة جديدة من التقرب إلى الله تعالى، وإذا انحرفوا عن مسيرهم فإنهم سوف يسقطون وينتهون

عندئذ يضيف في إدامة هذا الحديث: (ينبؤ الإِنسان يومئذ بما قدّم وأخر)أمّا عن معنى هاتين العبارتين فقد ذكرت لهما تفاسير عديدة:

______________________________

1 ـ «وزر»: على وزن قمر، وتعني في الأصل الملاجىء الجبلية وأمثالها، ومنها يطلق على الوزير لما يلتجأبه في الأُمور، وعلى كل حال فإنّها تعني في هذه الآية كل نوع من الملجأ والمخبأ.

2 ـ التغابن، 3.

3 ـ الإنشقاق، 6.

4 ـ النجم، 42.

5 ـ هناك نظرات أُخرى في تفسير هذه الآيات وضحنا ذلك في تذييلها.

[213]

أوّلاً: المراد هو ما قدم من الأعمال في حياته، أو الآثار الباقية منه بعد موته، ممّا ترك بين الناس من السنن الصالحة والسيئة والتي يعملون ويسيرون بها ووصول حسناتها وسيئاتها إليه. أو الكتب والمؤلفات والأبنية القائمة على الخير والشرّ، والأولاد الصالحين والطالحين التي تصل آثارهم إليه.

والثّاني: يمكن أن يراد به الأعمال الأُولى التي أتى بها. والأعمال الأخيرة التي أتى بها في عمره، وبعبارة أُخرى أنّه يُنبّأ بجميع أعماله.

والثّالث: أنّ المراد هو ما قدم من ماله لنفسه وما ترك لورثته، وقيل: ما قدم من الذنوب، وما أخر من طاعة الله أو بالعكس.

والوجه الأوّل هو الأنسب، لما ورد عن الإِمام الباقر(عليه السلام) في تفسير «(ينبّؤ) بما قدم من خير و شرّ، .ما أخر من سنّة ليس بها من بعده فإن كان شرّاً كان عليه مثل وزرهم، ولا ينقص من وزرهم شيئاً، وإن كان خيراً كان له مثل أجورهم، ولا ينقص من أجورهم شيئاً»(1).

ثم يضيف في الآية الأُخرى ويقول: إنّ الله وملائكته يطلعون العباد على أعمالهم، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك، لأنّ نفسه وأعضاءه هم الشهود عليه في ذلك اليوم، فيقول تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره).

سياق هذه الآيات في الحقيقة هو نفس سياق الآيات التي تشير إلى شهادة الأعضاء على أعمال الإنسان، كالآية (20) من سورة فصلت حيث يقول الله تعالى: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون).

والآية (5) من سورة يس: (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون).

وعلى هذا فإنَّ أفضل شاهد على الإنسان في تلك المحكمة الإلهية للقيامة

______________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 4، ص 406 ومثله في تفسير القرطبي، ج 10، ص 6891.

[214]

هو نفسهُ، لأنهُ أعرف بنفسه من غيره، وإن كان الله تعالى قد أعطاه شواهد أُخرى كثيرة لإتمام الحجّة عليه.

«بصيرة»: لها معنى مصدري بمعنى (الرؤيا والإطلاع)، ومعنى وصفي (الشخص المطّلع) ولذا فسّره البعض بمعنى(الحجة والدليل والبرهان) والذي هو واهب للمعرفة(1).

«معاذير»: جمع (معذرة) وتعني في الأصل البحث عمّا تمحى به آثار الذنوب، وقد تكون أحياناً أعذاراً واقعية، وأُخرى صورية وظاهرية.

وقيل: المعاذير جمع معذار، وهو الستر، والمعنى وإن أرخى الستور ليخفي ما عمل فإن نفسه شاهدة عليه، والأوّل أوجه.

على كل حال فإن الحاكم على الحساب والجزاء في ذلك اليوم العظيم هو المطّلع على الأسرار الداخلية والخارجية، وكذلك نفس الإنسان المحاسب لنفسه، كما جاء في الآية (14) من سورة الإسراء: (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً).

إنّ الآيات مورد بحثنا وإن كانت تتحدث كلّها عن المعاد والقيامة، فإنَّ مفهومها واسع، ولذا فإنَّها تشمل عالم الدنيا، وتعلم الناس بأحوال أنفسهم وإنّه كان فيهم من يكتم ويغطي وجههُ الحقيقي بالكذب والإحتيال والتظاهر والمراءات.

لذا ورد في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال: «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسرّ سيئاً أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنّه ليس كذلك، والله سبحانه يقول: (بل الإِنسان على نفسه بصيرة) إنّ السريرة إذا صلحت قويت العلانية» (2).

______________________________

1 ـ «التاء»: مصدرٌ على الإحتمال الأوّل، وتاء التأنيث على الإحتمال الثّاني، لأنّه يراد بالإنسان هنا الجوارح أو النفس، فالتأنيث مجازي، وقيل إن التاء تاء المبالغة للأخبار بشدّة معرفة الإنسان بنفسه.

2 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 396 (وأورد الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه في كتاب الصيام، ج 2، ص 133 باب حد المرض الذي يفطر صاحبه الحديث 1941).

[215]

وورد أيضاً في حديث صيام المريض عن الصادق (عليه السلام) عندما سأله أحد أصحابه: ما حد المرض الذي يفطر صاحبه؟ فأجاب الإمام: « بل الإِنسان على نفسه بصيرة، هو أعلم بما يطيق»(1)

* * *

______________________________

1 ـ المصدر السّابق.

[216]

الآيات

لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17)فَإِذَا قَرَأْنـَهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ(19)

التّفسير

إن علينا جمعه وقرآنه:

هذه الآيات بمثابة الجملة الإِعتراضية التي تتداخل أحياناً في كلام المتحدث. كمن يكون مشغولاً بالخطابة في مجلس ما والناس مجتمعون في آخر المجلس، والحال أنَّ صدر المجلس خال، فيقطع حديثه مؤقتاً، ويدعو الحاضرين للتقدم لينفتح الطريق للقادمين، ثم يستأنف حديثه مجدداً، أو كالأستاذ الذي يقطع حديثه لينبه طالباً، وبعد ذلك يكمل حديثه.

فعندما يسمع شخص ما حديث الأستاذ عن طريق شريط كاسيت يرى إشكالاً في استمراريّة الحديث، ويتعجب لما يرى من عدم الترابط بين الجمل، ولكن مع التمعن في شرائط المجلس الخاصّة يتّضح فلسفة هذه الجمل المعترضة.

بعد هذه المقدمة البسيطة نتّجه إلى تفسير الآيات التي يراد بحثها، حيث يترك الله تعالى الحديث عن القيامة وأحوال المؤمنين والكفرة مؤقتاً، ليعطي

[217]

تذكرة مختصرة للنّبي(صلى الله عليه وآله) حول القرآن فيقول: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)لهذه الآية أقوال متعددة للمفسّرين، وعلى المجموع ذكرت لها ثلاثة تفاسير:

الأوّل: هو التفسير المشهور الذي نقل عن ابن عباس في كتب الحديث، وهو أنَّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا نزل عليه الوحي ليقرأ عليه القرآن، تعجَّل بقراءته ليحفظه وذلك لحبه الشديد للقرآن، فنهاه الله عن ذلك وقال: (إنّ علينا بيانه).

الثّاني: نعلم أن للقرآن نزولين هما: نزولٌ دفعي، أي نزوله بتمامه على قلب النبي(صلى الله عليه وآله) في ليلة القدر، ونزولٌ تدريجي والذي كان أمده 23 عامّاً، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يعجل في إبلاغ الرسالة أحياناً قبل النزول التدريجي للآيات أو قراءة ما يرافق تلك الآيات، فنهاهُ الله عن ذلك. وأمره أن يبلّغ ويتلو ما ينزل عليه في حينه، وعلى هذا يكون مضمون هذه الآية كالآية (114) من سورة طه: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه).

وليس في هذين التفسيرين اختلاف واسع، ويكون المعنى: لا ينبغي للنّبي أن يعجل في استلام الوحي.

الثّالث: ولم يذهب اليه إلاّ القليل، وهو أنَّ المخاطبين في هذه الآيات هم المذنبون، وذلك في يوم القيامة حيث يأمرون بمحاسبة أنفسهم وذكر أعمالهم، ويقال لهم: لا تعجلوا في ذلك، ومن الطبيعي أنّهم سوف يتضجرون عند ذكرهم لسيئاتهم ويمرون عليها باستعجال، فيأمرون بالتأني في قراءتها واتباع الملائكة عند ذكر الملائكة لأعمالهم، وطبقاً لهذا التفسير لا تكون هذه الآية كجملة معترضة، بل مرتبطة مع الآيات السابقة واللاحقة لها. لأن جميعها تتحدث عن أحوال القيامة والمعاد، وأمّا التفسير الأوّل والثّاني فيناسبان شكل الجملة المعترضة.

ولكن التفسير الثّالث بعيدٌ وخاصّة مع الالتفات الى ذكر اسم القرآن في الآيات اللاحقة، ويشير سياق الآيات إلى أن المراد هو أحد التفسيرين السابقين.

[218]

ولا إشكال في الجمع بينهما بالرغم من أنَّ سياق الآيات اللاحقة يؤيّد التفسير الأول أي المشهور (فتدبّر).

ثمّ يضيف: (إنّ علينا جمعهُ وقرآنه)(1) وبالتالي لا تقلق على جمع القرآن، نحن نجمعه ونتلوه عليك بواسطة الوحي.

ثم يقول تعالى: (فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه)، ثمَّ يضيف: (ثم إنّ علينا بيانه).

فيكون جمع القرآن وقراءته لك وتبيينه وتفصيل معانيه بعهدتنا، فلا تقلق على شيء، فالذي أنزل الوحي هو الذي يحفظه، وأمّا ما يُعهد إليك هو اتباعك له وإبلاغك الرسالة للناس، وعن بعضهم أنَّ المراد من الجمع ليس الجمع في لسان الوحي، بل جمعه في صدر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقراءته على لسانه أي لا تعجل إنَّ علينا أن نجمعه في صدرك ونثبت قراءتهُ في لسانك بحيث تقرأه متى شئت.

على كل حال فإن هذه العبارات تؤيد التفسير الأوّل، وهو أن الوحي النازل بواسطة جبرئيل(عليه السلام) عندما كان يهبط على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليقرأ عليه القرآن كان(صلى الله عليه وآله وسلم)يكررالآيات بسرعة لئلا ينساها. وهنا جاء الأمر من الله أن أهدأ واطمئن فإنّه تعالى هو الذي يجمع الآيات ويبيّنها. وهذه الآيات تبيّن ضمنياً أصالة القرآن، وحفظه من أي تغّير وانحراف، لأنّ الله تعالى تعهد بجمعه وقراءته وتبيينه.

وورد في أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بعد نزول هذه الآيات إذا أتاه جبرئيل(عليه السلام)أطرق، فإذا ذهب قرأ كما وعده الله(2).

* * *

______________________________

1 ـ يجب الإنتباه إلى أن «القرآن» في هذه الآية والآية التي تليها هو مصدرٌ ويراد به القراءة.

2 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 397.

[219]

الآيات

كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الاَْخِرَةَ(21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ(22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِ بَاسِرَةٌ(24) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ(25)

التّفسير

الوجوه الضاحكة والوجوه العابسة في ساحة القيامة:

ترجع هذه الآيات مرّة أُخرى لتكمل البحوث المتعلقة بالمعاد. وخصوصيات أُخرى من القيامة، وكذلك تبيّن علل إنكار المعاد فيقول تعالى (كلاّ بل تحبّون العاجلة)(1) فليس الأمر كما يتصور من أن دلائل المعاد خفيّة ولا يمكنكم الاطلاع عليها، بل إنّكم عَشِقَتْكُمُ الدنيا. ولهذا السبب تركتم الآخرة (وتذرون الآخرة).

إنّ الشك في قدرة الله تعالى وجمع العظام وهي رميم ليس هو الدافع لإنكار

______________________________

1 ـ قال البعض إن (كلاّ) إشارة الى نفي تدبرهم للقرآن المجيد، وليس هذا المعنى صحيحاً لأن المخاطب هو نفس النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولها جانب اعتراضي كما قلنا في الآيات المتعلقة بالقرآن، وأمّا الآيات التي نحن بصدد البحث فيها فإنّها تتميم للآيات السابقة حول القيامة.

[220]

المعاد، بل إنّ حبّكم الشديد للدنيا والشهوات والميول المغرية هي التي تدفعكم الى رفع الموانع عن طريق ملذاتكم، وبما أنّ المعاد والشريعة الإلهية توجد موانع وحدوداً كثيرة على هذا الطريق، لذا تتمسكون بإنكار أصل الموضوع، وتتركون الآخرة بتمامها.

وكما ذكرنا سابقاً أنَّ إحدى العلل المهمّة للميول الى المادية وإنكار المبدأ والمعاد هو كسب الحرية المطلقة للانجراف وراء الشهوات واللذات والذنوب، ولا ينحصر هذا في العهود السابقة، بل يتجلّى هذا المعنى في عالم اليوم بصورة أوضح.

وهاتان الآيتان تؤكّدان ما ورد في الآيات السابقة والتي قال فيها تعالى شأنه: (بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) وقال أيضاً: (يسأل أيّان يوم القيامة).

ثمّ ينتهي إلى تبيان أحوال المؤمنين الصالحين والكفّار المسيئين في ذلك اليوم، فيقول تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة).

«ناضرة»: من مادة (نضرة) وتعني البهجة الخاصّة التي يحصل عليها الإنسان عند وفور النعمة والرفاه، ووفورها يلازم السرور والجمال والنورانية، أي أنَّ لون محياهم تحكي عن أحوالهم، كيف أنّهم أغرقوا في النعم الإلهية، وهذا شبيه لما جاء في الآية (24) من سورة المطفّفين: (تعرف في وجوههم نضرة النعيم).

هذا من ناحية العطايا المادية، وأمَّا عن العطايا الروحية فيقول تعالى: (إلى ربّها ناظرة) نظرة بعين القلب وعن طريق شهود الباطن، نظرة تجذبهم إلى الذات الفريدة وإلى ذلك الكمال والجمال المُطْلَقَيْن، وتهبهم اللذة الروحانية والحال الذي لا يوصف، إذ أنَّ لحظة منها أفضل من الدنيا وما فيها. والجدير بالذكر أن تقديم (إلى ربّها) على (ناظرة) تفيد الحصر، أي ناظرة إلى الله فقط لا إلى غيره.

وإذا قيل إنَّ أهل الجنان ينظرون إلى غير الله تعالى أيضاً، فإنّنا نقول: إذا نظروا

[221]

إلى غيره فإنّهم سوف يرون آثار الله فيها، والنظر إلى الأثر هو نظرٌ إلى المؤثر، وبعبارة أُخرى أنَّهم يرونه في كلّ مكان. ويرون تجلي قدرته وجلاله وجماله في كل شيء، ولذا فإنَّ نظرهم إلى نعم الجنان لايجرهم إلى الغفلة عن النظر إلى ذات الله.

ولهذا السبب ورد في بعض الرّوايات في تفسير هذه الآية: (إنّهم ينظرون الى رحمة الله ونعمته وثوابه)(1) لأن النظر إلى ذلك هو بمثابة النظر إلى ذاته المقدّسة.

قال بعض الغافلين: إن هذه الآية تشير إلى شأنه في يوم القيامة، ويقولون: إنَّ الله سوف يُرى بالعين الظاهرة في يوم القيامة. والحال إنّ مشاهدتهُ بالعين الظاهرة تستلزم جسمانيتهُ. والوجود في المكان، والكيفية والحالة الخاصّة وجود جسماني، ونعلم أنَّ ذاتهُ المقدّسة منزَّهة عن مثل هذا الإعتقاد الملوث، كما اعتمد القرآن هذا المعنى في آياتهِ مرات عديدة، منها ما في الآية (103) من سورة الأنعام: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) وهذه الآية مطلقة لا تختص في الدنيا.

على كل حال فإنّ عدم النظر الحسي إلى الله تعالى أمرٌ واضح لا يحتاج البحث فيه أكثر من هذا، ويقُرُّ بذلك من لهُ أدنى اطلاع على القرآن والمفاهيم إلاسلامية.

وقال البعض في معنى الناظرة أقوالاً أُخرى مثلاً: ناظرة من مادة الإنتظار، أي أنَّ المؤمنين لا ينتظرون شيئاً إلاّ من الله تعالى، وحتى أنّهم لا يعتمدون على أعمالهم الصالحة وأنَّهم ينتظرون رحمة الله ونعمته بشكل دائم.

وإذا قيل إنَّ هذا الإنتظار سيكون مصحوباً مع نوع من الإنزعاج، والحال أنَّ المؤمن لا شيء يزعجهُ في الجنان؟ فيقال: إنّ ذلك الإنتظار المصحوب

______________________________

1 ـ تفسير روح الثقلين، ج 5، ص 464 و 465.

[222]

بالإنزعاج هو ما لا يُطمأن عقباه، أما إذا ما وُجد الإطمئنان. فسيكون مثل هذا الإنتظار مصحوباً بالهدوء(1).

والجمع بين معنى (النظر) و(الإنتظار) غير بعيد، لجواز استعمال اللفظ الواحد في المعاني المتعددة. وإذا كان المراد هو أحد المعنيين، فإن الأرجح هو المعنى الأوّل.

وننهي هذا الكلام بحديث مسند إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) إذ قال: «إذا دخل أهل الجنّة الجنّة يقول الله تعالى تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنّة وتنجينا من النّار»؟

قال: « فيكشف الله تعالى الحجاب فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر الى ربّهم»!(2)

والظريف هو ما ورد في حديث عن أَنس بن مالك، عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ينظرون إلى ربّهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة»(3)، وهذا الحديث تأكيد على المشاهدة الباطنية لا العينية.

وفي النقطة المقابلة لهذه الجماعة المؤمنة، هناك جماعة تكون وجوههم مقطبة. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ).

«باسرة»: من مادة (بسر) على وزن (نصر)، وهو الشيء غير الناضج والعمل الذي لم يأت حينه، ولذا يقال لفاكهة النخل غير الناضجة (بسر) على وزن (عسر) ويطلق على عبوس الوجه. وهذا الوصف هو ردّ فعل الإِنسان قبل وصول العذاب والاذى إليه.

______________________________

1 ـ يعتقد البعض أنّ (النظر) الذي يعني الإنتظار لا يتعدى بـ (إلى) بل يتعدى بدون حرف الجر، ولكن هنا شواهد من أشعار العرب تشير إلى أن (النظر) الذي يعني الإنتظار يتعدى كذلك بـ (إلى) (راجع مجمع البيان، ج 10، ص 398; وتفسير القرطبي، ج 10، ص 6900).

2 ـ روح المعاني، ج 29، ص 145.

3 ـ تفسير الميزان، ج 20، ص 204.

[223]

فعندما ينظر الكافرون إلى علامات العذاب وصحائف أعمالهم الخالية من الحسنات والمملوءة بالسيئات، يصيبهم الندم والحسرة والحزن ويعبسون وجوههم لذلك.

(تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).

يرى الكثير من المفسّرين بأنَّ (الظن) هنا بمعنى العلم. أي أنَّهم يوقنون بمثل هذا العذاب، والحال أنَّ بعضهم يرى أنَّ (ظن) هنا بمعناها المعروف أي الاحتمال القوي، ومن الطبيعي أنَّهم يوقنون إجمالاً بأنّهم سوف يعذبون، ولكن ليس بمثل هذا العذاب الشديد(1).

«فاقرة»: من مادة (فقرة) على وزن (ضربة) وجمعها (فقار) وتعني حلقات الظهر، ويقال للحادثة الثقيلة التي تكسر حلقات الظهر «فاقرة»، «والفقير» قيل له ذلك لهذا الوجه، أي أنّهُ مكسور الظهر(2).

على كل حال فإنّ هذا التعبير كناية للعقوبات الثقيلة والتي تنتظر هذه الجماعة في جهنّم، إنّهم ينتظرون عذاباً قاصماً، والحال إنَّ الجماعة السابقة منتظرون لرحمة الله تعالى ومستعدون للقاء المحبوب. هؤلاء لهم أسوأ العذاب. وأولئك لهم أسمى النِعَمِ الجسمانية والمواهب واللذات الروحانية.

* * *

______________________________

1 ـ من جملة الشواهد التي جاءوا بها لهذا الموضوع هو أنّ الظن إذا كان بمعنى العلم فيجب أن يكون (أن) بعد (تظن) مخففة من الثقيلة والحال هو (أن) مصدر بقرينة إعمالها النصب.

2 ـ «فاقرة»: صفة الموصوف محذوف وتقديرهُ (داهية فاقرة) و(تظن) فعلٌ و(وجوه) فاعله، وفي التقدير (أرباب الوجوه) أو (ذوات الوجوه).

[224]

الآيات

كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِىَ(26) وَقِيلَ مَنْ رَاق(27) وَظَنَّ أَنَهُ الْفِرَاقُ(28) والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ(29) إلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذ المَسَاقُ(30)

التّفسير

إتماماً للأبحاث المرتبطة بالعالم الآخر ومصير المؤمنين والكفّار يأتي الحديث في هذه الآيات عن لحظة الموت المؤلمة والتي تعتبر باباً إلى العالم الآخر فيقول تعالى: (كلاّ إذا بلغت التراقي)(1) أي كلاّ إنّه لا يؤمن حتى تصل روحه التراقي.

هو ذلك اليوم الذي تنفتح فيه عينهُ البرزخية، وتزال عنها الحجب، ويرى فيها علامات العذاب والجزاء، ويوقف على أعماله، ففي تلك اللحظة يقرّ بالإيمان ولكن إيمانه لا ينفعهُ ولا يفيد حاله أبداً.

«تراقي»: جمع «ترقوة»، وهي العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال،

______________________________

1 ـ «إذا»: أداة شرطية وجزاؤه محذوف، والتقدير (إذا بلغت التراقي انكشف لهُ حقيقة الأمر، ووجد ما عمله)، والفاعل في (بلغت) هو (النفس) وهو محذوف ويعرف بقرينة الكلام.

[225]

وبلوغ الروح إلى التراقي كناية عن اللحظات الأخيرة من عمر الإنسان، وذلك عندما تخرج الروح من البدن، تتوقف الأعضاء البعيدة عن القلب (كاليدين والرجلين) قبل غيرها، كأن الروح تطوي نفسها في البدن تدريجياً حتى تصل إلى الحلقوم.

وفي هذه الفترة يسعى أهله وأصدقائه مستعجلين قلقين لانقاذه، يقول تعالى: (وقيل من راق) أي هل هناك من منقذ يأتي لإنقاذ هذا المريض؟

ويقولون هذا الحديث عن وجه العجز واليأس، والحال أنّهم يعلمون أنَّه قد فات الآوان ولا ينفع معه طبيب.

«راق»: من مادة (رقي) على وزن (نهي) و(رقيه) على وزن (خفيه) وهو الصعود، ولفظة (رقيه) تطلق على الأوراد والأوعية التي تبعث على نجاة المريض، وقيل للطبيب الذي ينجي المريض ويخلصه مما هو فيه «راقي»، فيكون مفهوم الآية: ينادي أهل المريض، وأحياناً المريض نفسه من شدّة الضجر: ألا هل من داع يدعو بدعاء لينجي هذا المريض؟

وقال البعض: إنّ المعنى قول الملائكة بعضها لبعض: من يرقي بروحه من الملائكة، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟

وأضاف البعض إنّ ملائكة الله تكره قبض روح غير المؤمن، ولذا يقول ملك الموت: من يرقي بروحه، والمعنى الأوّل أوجه وأنسب.

وفي الآية التالية إشارة إلى اليأس الكامل للمحتضر فيقول تعالى: (وظن أنّه الفراق) أي في هذه الحالة يصاب باليأس من الحياة واليقين بالفراق، ثمّ:(والتفت الساق بالساق) وهذا الإِلتفاف إمّا لشدّة الأذى لخروج الروح، أو لتوقف عمل اليدين والرجلين وتعطيل الروح منها.

وذكرت تفاسير أُخرى لهذه الآية، منها ما نقرأ في حديث عن الإمام

[226]

الباقر(عليه السلام)قال: (التفت الدنيا بالآخرة)(1) ومثله عن علي بن إبراهيم(2).

ونقل عن ابن عباس كذلك من المراد من الآية: التفاف أمر الآخرة بأمر الدنيا.

وقال البعض: هو التفاف شدائد الموت بشدائد القيامة.

والظاهر رجوع جميع هذه المعاني إلى ما أوردناه في قول الباقر(عليه السلام)، واتخذ هذا التفسير لكون أحد معاني «الساق» في لغة العرب هو الحادثة الشديدة والمصيبة والبلاء العظيم.

وقال آخرون هو التفاف الساق في الكفن. ويمكن جمع هذه التفاسير في معنى الآية إذ لا منافاة بينها.

ثمّ يقول تعالى في آخر آية من آيات البحث: (إلى ربّك يومئذ المساق). أجل إلى الله تعالى المرجع حيث يحضر الخلائق عند محكمة العدل الإلهية، وهكذا ينتهي المطاف إليه، وهذه الآية أيضاً تأكيد على مسألة المعاد والبعث الشامل للعباد، ويمكن أن تكون إشارة إلى الحركة التكاملية للخلائق وهي متجهة نحو الذات المقدّسة واللامتناهية.

* * *

ملاحظة

لحظة الموت المؤلمة:

كما نعلم أنَّ القرآن كثيراً ما أكّد على مسألة الموت خصوصاً عن الإحتضار، وينذر الجميع أنَّهم سيواجهون مثل هذه اللحظة، وقد عبّر عنها أحياناً (بسكرة

______________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 5، ص 465.

2 ـ المصدر السابق.

[227]

الموت)(1) وأحياناً أُخرى (بغمرات الموت)(2) وكذلك ببلوغ الحلقوم(3) و يعبر عنه أيضاً ببلوغ الروح إلى التراقي، أي العظام المكتنفة للنحر كما في الآيات مورد البحث، ويستفاد من مجموع ذلك أنَّ تلك اللحظة على خلاف ما يقوله الماديون، لحظة صعبة ومؤلمة، ولِمَ لا يكون كذلك والحال أنّها لحظة انتقال من هذا العالم إلى عالم آخر، أي إنَّ الانسان كما ينتقل من عالم الجنين إلى عالم الدنيا مصحوباً بألم شديد، فكذلك الإنتقال إلى العالم الآخر بهذا الشكل.

والمستفاد من الرّوايات أنَّ هذه اللحظة سهلة على المؤمنين، وصعبة ومؤلمة على فاقدي الإيمان، وذلك لشوق المؤمنين للقاء الله ورحمته ونِعَمِهِ السرمدية بحيث لا يشعرون بآلام لحظة الإنتقال. وأمّا المجموعة الثانية فإنّ الآلام تتضاعف عليهم لحظة الإنتقال لخوفهم من العقوبات من جهة، ولمصيبة فراق الدنيا التي يحبونها من جهة أُخرى.

نقل في حديث للإمام علي بن الحسين(عليه السلام) عندما سئل عن الموت، فقال: «للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفك قيود وأغلال ثقيلة، والإستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح، وأوطىء المراكب، وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والإِستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظم العذاب»(4).

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) عندما طلب شخص منه أن يوصف له الموت فقال الإمام(عليه السلام): «للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كلّه عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشدّ»!(5).

______________________________

1 ـ (وجاءت سكرة الموت بالحق) سورة ق آية 19.

2 ـ الأنعام، الآية 93.

3 ـ (فلولا إذا بلغت الحلقوم) سورة الوقعة آية 83.

4 ـ بحار الأنوار، ج 6، ص 155.

5 ـ بحار الأنوار ج 6 ص، 152.

[228]

على كل حال فإنَّ الموت باب يؤدي إلى عالم البقاء، كما في حديث عن الإمام أمير المؤمنين إذ قال: «لكل دار باب وباب دار الآخرة الموت»(1).

أجل، إنَّ ذكر الموت له الأثر البالغ والعميق في كسر الشهوات وإنهاء الآمال الطويلة والبعيدة ومحو آثار الغفلة عن مرآة القلب، لذا ورد في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة، ويقّوي القلب بمواعد الله ويرقّ الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفىء نار الحرص، ويحقّر الدنيا، وهو معنى ما قال النّبي: «فكر ساعة خير من عبادة سنة»(2).

وبالطبع المراد من ذلك هو بيان أحد المصاديق الواضحة للتفكر ولا ينحصر موضوع التفكر بذلك.

وأوردنا في ما مضى بحثاً آخراً لهذا الموضوع في ذيل الآية (19) من  سورة (ق).

* * *

______________________________

1 ـ شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 2، ص 345.

2 ـ بحار الأنوار، ج 6، ص 133.

[229]

الآيات

فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى(31) وَلـَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى(32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى(33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى(34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى(35) أَيَحْسَبُ الاِْنسَـنُ أَن يُتْرَكَ سُدىً(36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَى(37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالاُْنثَى(39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـدِر عَلَى أَن يُحِىَ الْمَوْتَى(40)

التّفسير

خلق الإنسان من نطقة قذرة:

استمراراً للبحوث المتعلقة (بالموت) الذي يعتبر الخطوة الأولى في السفر إلى الآخرة يتحدث القرآن في هذه الآيات عن خواء أيدي الكفّار من الزاد لهذا السفر.

فيقول أوّلاً: (فلا صدّق ولا صلّى)(1) أي إنَّ هذا الانسان المفكر للمعاد لم

______________________________

1 ـ الضمير في (صدق وصلى) يعود إلى الإنسان المنكر للمعاد، وهو ما يستفاد منه في سياق الكلام، وقد أُشير إلى ذلك في صدر السورة.

[230]

يؤمن اطلاقاً ولم يصدِّق بآيات الله ولم يصلّ له.

وقال تعالى: (ولكن كذّب وتولى).

المراد من جملة (فلا صدّق) عدم التصديق بالقيامة والحساب والجزاء والآيات الإلهية والتوحيد ونبوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال البعض: إنَّها إشارة إلى ترك الكافرين للانفاق والصدقة بقرينة ذكرها مع الصلاة، ولكن الآية الثانية تشهد جيداً على أن النقطة المقابلة لهذا التصديق هو التكذيب، ولذا يكون التفسير الأوّل هو الأصح.

ويضيف تعالى في الآية الأُخرى: (ثمّ ذهب الى أهله يتمطى).

إنَّه يظنُّ بعدم اهتمامه للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتكذيبهُ إيّاه وللآيات الإلهية قد حقق نصراً باهراً، إنّهُ كان ثملاً من خمرة الغرور، واتجه إلى أهله لينقل لهم كالعادة ما كان قد حدث وليفتخر بما صدر منه، وكان سيره وحركته تشيران إلى الكبر والغرور.

«يتمطى»: من مادة (مطا) وأصله الظهر، و(تمطى) مدَّ الظهر عن غرور ولا مبالاة. أو عن كسل، والمراد هنا هو المعنى الأوّل.

وقيل هو من مادة (مط) على وزن (خط) أي مَدَّ الإنسان رجله أو بقية أعضاء البدن عندما يريد إظهار اللامبالاة أو الكسل، ولكن اشتقاقه من (مطا) أنسب مع ظاهر اللفظ(1).

على كل حال فإنَّ ذلك يشابه ما ورد في الآية (31) من سورة المطففين: (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين).

ثمّ يخاطب القرآن أفراداً كهؤلاء ويهددهم فيقول تعالى:

(أولى لك فأولى، ثمّ أولى لك فأولى).

______________________________

1 ـ لأنه إذا اعتبر من مادة (مطا) فإن ظاهر اللفظ لم يظهر عليه تغيير، والحال إذا كان من مادة (مط) فيكون أصل جملة (يتمطى) هو (يتمطط) حيث بدلت الطاء الآخر بالياء.

[231]

هناك تفاسير أُخرى متعددة ذكرت لهذه الآية منها:

إنّها تهديد بمعنى لك العذاب ثم لك العذاب.

وقيل: ما أنت عليه من الحال أولى وأرجح لك فأولى.

وقيل: الذم أولى لك وأحسن ثم أحسن.

وقيل: الويل لك ثمَّ الويل لك.

وقيل: يُراد به بعداً لك من خيرات الدنيا وبعداً لك من خيرات الآخرة.

وقيل: وليك وصاحبَك شرٌ وعذاب ثمّ وليك شرّ وعذاب.

وقيل: أولى لك ما تشاهده يوم بدر فأولى لك في القبر ثمّ أولى لك يوم القيامة(1).

ولا يخفى أنَّ غالبية هذه المعاني تعود إلى معنىً كلي وجامع، وتأخذ طابع التهديد بالعذاب، والذمّ والشرّ والعقاب أعم من عذاب الدنيا والبرزخ والقيامة.

وورد في الرّوايات أنَّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد أبي جهل ثم قال لهُ: (أولى لك فأولى ثمّ أولى لك فأولى) فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني لا تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بي شيئاً، وإنّي لأعزّ أهل هذا الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال لهُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم ينتهي القرآن في هذا البحث إلى استدلالين لطيفين حول المعاد وأحدهما عن طريق (الحكمة الإلهية وهدف الخلقة)، والآخر عن طريق بيان قدرة الله في تحول وتكامل نطفة الإنسان في المراحل المختلفة لعالم الجنين، فيقول تعالى عن المرحلة الأُلى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى).

«سدى»: على وزن (هدى) وهو المهمل الذي لا هدف لهُ، وجاء قول العرب

______________________________

1 ـ المطابق لبعض التفاسير أن (أولى) هنا هو (أفعل تفضيل) وطبقاً للتفاسير الأُخرى فإن (أولى) فعل ماض من باب أفعال من مادة (ولى) فيكون المعنى (قاربك الله العذاب) وقيل (أولى) من (أسماءالأفعال) وتعني (قارب) والأولى هو الأوجه.

[232]

(إبل سدى) في الإِبل السائبة التي تترك بلا راع.

والمراد من (الإنسان) في هذه الآية هو المنكر للمعاد والبعث، فيكون معنى الآية: كيف يخلق الله هذا العالم العظيم للإنسان ولا يكون له هدف ما؟ كيف يمكن ذلك والحال أنَّ كل عضو من أعضاء الإنسان خلق لهدف خاص، فالعين للنظر، والأذن للسمع، والقلب لإيصال الغذاء والأوكسجين والماء إلى جميع الخلايا، حتى أنَّ لخطوط أطراف أصابع الإنسان حكمة، ولكن يحسب أن لا هدف في خلق كلّ ذلك، وهو مهمل لا تخطيط فيه وليس له من أمر ونهي ومهام ومسؤولية، فلو صنع شخص ما صنعة صغيرة لا فائدة فيها فإنَّ الناس سوف يشكلون عليه ذلك ويحذفون اسمهُ من زمرة العقلاء. فكيف يمكن لله الحكيم المطلق أن يخلق خلقاً لا هدف لهُ؟!

وإذا قيل أنَّ الهدف من هذه الحياة هو قضاء أيّام الدنيا، هذا الأكل والنوم المكرر الممزوج بآلاف الأنواع من الآلام والعذاب، فإنَّ هذا لا يمكن أن يكون مبرراً لذلك الخلق الكبير. ولذا فإنّنا نستنتج من أن الإنسان قد خلق لهدف أكبر، أي الحياة الخالدة في جوار رحمة الله والتكامل المستمر والدائم(1).

ثم انتهى إلى تبيان الدليل الثّاني، فيضيف تعالى: (ألم يك نطفة من مني يمنى)وبعد هذه المرحلة واستقرار المني في الرحم يتحول الى قطعة متخثرة من الدم، وهي العلقة، ثمّ أنَّ الله تعالى يخلقها بشكل جديد ومتناسب وموزون (ثمّ كان علقة فخلق فسوى).

ولم يتوقف على ذلك: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى).

أليس من يخلق النطفة الصغيرة القذرة في ظلمة رحم الأم ويجعله خلقاً جديداً كلّ يوم، ويلبسهُ من الحياة لباساً جديداً ويهبهُ شكلاً مستحدثاً ليكون بعد

______________________________

1 ـ كان لنا بحث آخر في هذا الإطار في ذيل الآية (115) من سورة المؤمنين.

[233]

ذلك إنساناً كاملاً ذكراً أو أُنثى ثم يولد من اُمّه، بقادر على إعادته: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)؟!

وهذا البيان في الواقع هو لمن ينكر المعاد الجسماني ويعدهُ محالاً، وينفي العودة إلى الحياة بعد الموت والدفن، ولإثبات ذلك أخذ القرآن بيد الإنسان ليرجعه إلى التفكر ببداية خلقه، والمراحل العجيبة للجنين ليريه تطورات هذه المراحل، وليعلم أنَّ الله قادر على كلِّ شيء، وبعبارة أُخرى إن أفضل دليل لحدوث الشيء هو وقوعه.

* * *

ملاحظتان

1 ـ أطوار الجنين أو البعثات المكررة!

«النطفة»: أصلها الماء القليل أو الماء الصافي، وقيل ذلك للقطرات المائية المسببة لوجود الإنسان أو الحيوان عن طريق اللقاح.

وفي الحقيقة أنَّ تحول النطفة في المرحلة الجنينية من عجائب عالم الوجود وهو موضوع «علم الأجنة» وقد كشف عن كثير من أسراره في القرون الأخيرة.

القرآن الكريم أكدّ منذ ذلك اليوم الذي لم تكشف فيه هذه الأُمور بعد ـ على ذلك مراراً باعتباره أحد علائم القدرة الإِلهية، وهذا هو بحدّ ذاته من علائم عظمة هذا الكتاب السماوي العظيم وإعجازه.

ومع أنَّ هذه الآيات ذكرت بعض مراحل الجنين، فإنَّ هناك آيات قرآنية أُخرى بيَّنت مراحل أكثر ممّا ذكر هنا، كصدر آيات سورة الحج وأوائل سورة المؤمنين، وذكرنا شرحاً مفصَّلاً في ذيل هذه الآيات في هذا المجال.

والآية تتضمّن كلمة (ذلك) وهو إسم إشارة للبعيد، فيما يخص الله تعالى،

[234]

وهو كناية لعظمة مقامه تعالى، وإشارة إلى أنَّ ذاته المقدّسة لا يتمكن البشر من إدراكها ومعرفتها.

وجاء في رواية لما نزلت هذه الآية: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)أنَّ رسول الله قال: «سبحانك اللّهم، وبلى».

ونقل هذا المعنى أيضاً عن الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام (1).

2 ـ نظام الأجناس البشرية

لا يزال العلم قاصراً في معرفة العوامل الاصلية التي تؤثر في تبديل جنس المذكر أو المؤنث رغم البحوث الكثيرة التي أُجريت في هذا الصدد، صحيح أنَّ بعض المواد الغذائية أو الأدوية يمكن أن تؤثر في هذه المسألة، ولكن من اليقين أن أيّاً منها لا يكون معيّناً لها، وبعبارة أُخرى أن هذا هو أمرٌ علمهُ عند الله تعالى.

ويرى من جهة أُخرى التعادل النسبي المستمر بين هذين الجنسين في كلِّ المجتمعات، وإن كان عدد النساء أكثر في أغلب المجتمعات، وازدياد عدد الرجال في مجتمعات أُخرى، ولكن الحصيلة تشير إلى وجود التعادل النسبي بين الجنسين، فلو فرضنا أن اختل يوماً هذا التعادل، وتضاعف عدد النساء مثلاً إلى عشرة أضعاف، أو أن عدد الرجال تضاعف عشرة أضعاف النساء. عندئذ كيف سيختل نظام المجتمع الإِنساني؟ وماذا سيتخلف فيه من المفاسد العجيبة بحيث تقابل المرأة عشرة رجال، أو يقابل الرجل عشر نساء، وما يقام من غوغاء!؟

الآية السالفة تقول: ( فجعل منه الزوجين الذكر والأُنثى) وهي إشارة لطيفة لموضوعين: فمن جهة تشير الى تنوع البشر، وتقسيمهم إلى هذين الجنسين في

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 402.

[235]

مرحلة الجنين، ومن جهة أُخرى تشير إلى هذا التعادل النسبي(1).

اللّهم! نحن نشهد أنّك قادر على احياء جميع الموتى في لحظة واحدة، ولا شيء يقف أمام قدرتك اللامتناهية...

ربّنا! إنّنا في ذلك اليوم الذي تصل فيه أرواحنا إلى التراقي ليس لنا أمل أو رجاء سوىْ رحمتك ولطفك..

إلهنا! ارزقنا معرفة الهدف من خلقك...

آمين يار ربّ العالمين

نهاية سورة القيامة

* * *

______________________________

1 ـ إنّ المشهور هو زيادة عدد النساء على الرجال في كلّ المجتمعات، وهذا هو أحد الدلائل على تعدد الزوجات، وهو أمرٌ مقبول، وهذا ممّا لا ينافي التعادل النسبي، فمثلاً يكون عدد مجتمع ما 50 مليون نسمة، فمن الممكن أن يكون عدد النساء 26 مليوناً، والرجال 24 مليوناً، أي أن التفاوت بينهما بحدود العُشر أو أقل من ذلك، أمّا أن يكون عدد النساء أضعاف عدد الرجال فهذا مالم يلاحظ في أي مجتمع.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8896362

  • التاريخ : 5/08/2020 - 05:50

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net