00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الدهر من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 237 ـ 282 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء التاسع عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[237]

سُورَة الإنسان (الدهر)

مَدنيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا وَاحد وَثلاثوُن آية

[239]

 

«سورة الإنسان»

محتوى السورة:

هذه السورة رغم قصرها، فانَّ لها محتويات عميقة ومتنوعة وجامعة، ويمكن بنظرة واحدة تقسيمها إلى خمسة أقسام:

القسم الأوّل: يتحدث عن إيجاد الإنسان وخلقه من نطفة أمشاج (مختلطة)، وكذلك عن هدايته وحرية إرادته.

القسم الثّاني: يدور الحديث فيه عن جزاء الأبرار والصالحين، وسبب النزول الخاص بأهل البيت(عليهم السلام).

القسم الثّالث: تكرار الحديث عن دلائل استحقاق الصالحين لذلك الثواب في عبارات قصيرة ومؤثرة.

القسم الرّابع: يشير إلى أهمية القرآن وسبيل إجراء أحكامه ومنهج تربية النفس الشاق.

القسم الخامس: جاء الحديث فيه عن حاكمية المشيئة الإلهية (مع حاكمية الإنسان).

ولهذه السورة أسماء عديدة; أشهرها (إلانسان) (الدهر) و(هل أتى) وهذه الكلمات وردت في أوائل السورة، وإن كانت الرّوايات الواردة في فضيلتها والتي سوف يأتي ذكرها، قد ذكرت اسم (هل أتى) لهذه السورة.

* * *

[240]

هل أنَّ هذه السورة مدنية؟

هناك أقوال في أوساط المفسّرين حول مدنية هذه السورة أو مكيَّتها، فالمفسّرون ومنهم علماء الشيعة أجمعوا على أنَّ السورة بتمامها أو على الأقل ما جاء في صدرها والتي تتحدث عن الأبرار والأعمال الصالحة هي مدنية، وسيأتي فيما بعد شرح القصة التي كانت سبباً لنزول السورة، والقصة تحكي عمّا نذرهُ  أمير المؤمنين والزهراء الحسنان(عليهم السلام) وخادمتهم وفضة.

والمشهور بين علماء أهل السنة أنّها مدنية كما قال القرطبي في تفسيره: (وقال الجمهور مدنية)(1)، ونذكر هنا أسماء العلماء الذين قالوا بمدنية السورة أو بعضها:

1 ـ الحاكم أبو القاسم الحسكاني: فقد نقل عن ابن عباس عدداً من السور المكية والمدنية، ورتَّبها كما نزلت، فكانت هذه السورة عنده في قائمة السور المدنية والتي نزلت بعد سورة الرحمن وقبل سورة الطلاق(2)، وأورد صاحب كتاب الإيضاح الأُستاذ أحمد زاهر نفس المعنى وذلك عن ابن عباس(3).

2 ـ نقل في (تاريخ القرآن) لأبي عبد الله الزنجاني عن كتاب (نظم الدرر وتناسق الآيات والسور) عن كبار علماء أهل السنة أنَّ سورة الإنسان اعتبرت من السور المدنية(4).

3 ـ ونقل كذلك في كتاب (فهرست ابن النديم) عن ابن عباس أن سورة هل أتى هي السورة المدنية الحادية عشرة(5).

4 ـ نقل في (الإتقان) للسيوطي عن البيهقي في (دلائل النبوة) عن عكرمة أنَّه

______________________________

1 ـ تفسير القرطبي، ج 10، ص 6909.

2 ـ تفسير مجمع البيان، ج 10، ص 405.

3 ـ المصدر السابق.

4 ـ تاريخ القرآن، ص 55.

5 ـ المصدر السابق.

[241]

قال: إنّ سورة (هل أتي) مدنيَّة(1).

5 ـ ونقل هذا المضمون أيضاً بطرق مختلفة عن ابن عباس في (الدرر المنثور)(2).

6 ـ نقل الزمخشري في (تفسير الكشاف) ما هو مشهور في سبب نزول آيات صدر السورة وقال: هي في نذر علي وزوجته وولديه(عليهم السلام)(3).

7 ـ ونقل كذلك جمع كثير من كبار علماء أهل السنة في أنَّ سبب نزول الآيات الواردة في صدر السورة (أنّ الأبرار ...) قد نزلت في حق عليّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين(عليهم السلام) وهي شهادة على مدنيّة السورة (لأن ولادة الحسن والحسين(عليهما السلام) كانت في المدينة) كالواحدي في (أسباب المنزل) والبغوي في (معالم التنزيل) وسبط بن الجوزي في (التذكرة) والگنجي الشافعي في (كفاية الطالب) وجمع آخر(4).

وهذه المسألة مشهورة بكثرة لغاية أن (محمد بن إدريس الشافعي) وهو أحد الأئمة الأربعة لأهل السنة يقول في شعره:

إلام، إلام وحتى متى؟ أعاتب في حبّ هذا الفتى!

وهل زوجت فاطم غيره؟ وفي غيره هل أتى هل أتى؟!(5)

وهناك أدلَّة كثيرة في هذا الإطار وسنبيّن قسماً منها عند توضيح سبب نزول الآية: (إنّ الأبرار يشربون ...).

ومع ذلك كله فإنَّ البعض يصرُّ بعصبية على أنَّ السورة مكية، وينكرون ما قيل من الرّوايات التي وردت في حق السورة ونزولها في المدينة وإنكار نزولها

______________________________

1 ـ تفسير الميزان، ج 20، ص 221.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ الكشاف، ج 4، ص 670.

4 ـ إحقاق الحق، ج 3، ص 157 ـ 170 (مع ذكر أسماء وصفحات كتبهم).

5 ـ المصدر السابق.

[242]

كذلك في حق علي وأهل بيته(عليهم السلام)!

وذلك من العجب حقّاً، فأينما تنتهي الآية أو الرواية إلى فضائل علي وأهل البيت(عليهم السلام) يعلو الصراخ والعويل وتظهر الحساسيات الشديدة وكأنّ الإسلام قد وقع في خطر! رغم أنَّهم يدّعون أنَّ علياً(عليه السلام) من الخلفاء الراشدين ومن أئمة الإِسلام العظام وأنَّهم يتودَّدون إلى أهل البيت(عليهم السلام)، ونرى من نتائج حكم الروح الأُموية على أفكار هذه الجماعة ووليدة الإِعلام المضلل لتلك المرحلة المشؤومة. حفظنا الله من جميع الشبهات.

فضيلة السورة:

في حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنّة وحريراً»(1).

وورد في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام): «من قرأ سورة هل أتى في كل غداة خميس زوجه اللّه من الحور العين مأة عذراء وأربعة آلاف ثيب وكان مع محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»(2).

* * *

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 402.

2 ـ المصدر السابق.

[243]

الآيات

هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً(2) إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(3) إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـفِرِينَ سَلَـسِلاَْ وَأَغْلَـلاً وَسَعِيراً(4)

التّفسير

الانسان مخلوق من النطفة التافهة:

تتحدث الآيات الأُولى عن خلق الإنسان، بالرغم من أنَّ أكثر بحوث هذه السورة هي حول القيامة ونِعَمِ الجنان، فتحدثت في البدء عن خلق الإنسان، لأنَّ التوجه والإلتفات إلى هذا الخلق يهيء الأرضية للتوجه إلى القيامة والبعث كما شرحنا ذلك سابقاً في تفسير سورة القيامة.

فيقول تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)(1).

______________________________

1 ـ «هل»: يراد بها (قد) أو أنّها بمعنى الإستفهام التقريري أو الإنكاري، ولكن الظاهر فيها الإستفهام التقريري، فيكون معنى الجملة: (أليس قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً).

[244]

نعم، كانت ذرات وجود هذا الانسان متناثرة في كلّ صوب وبين الأتربة، بين أمواج قطرات ماء البحر. في الهواء المتناثر في جو الأرض، وهكذا اختفت المواد الأصلية لوجوده في كلّ زاوية من زوايا هذه المحيطات الثلاثة، وقد ضاع بينها ولا يمكن ذكره مطلقاً.

ولكن هل أنَّ المراد من الإنسان هنا هو نوع الإنسان، ويشمل بذلك عموم البشر، أم أنَّ هذا الإنسان يختص بالنبي آدم(عليه السلام)؟

الآية الأُخرى التي تقول: (إنَّا خلقنا الإنسان من نطفة) قرينة واضحة على المعنى الأوّل، وإن كان البعض يرى أنَّ الإنسان في الآية الأُولى يراد به آدم(عليه السلام)، والإنسان في الآية الثّانية يراد به أولاده، ولكنَّ هذا الاختلاف في هذه الفاصلة القصيرة مستبعدٌ جدّاً.

وهناك أقوال في تفسير (لم يكن شيئاً مذكوراً) منها: إنَّ الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً عندما كان في عالم النطفة والجنين، وإنّما أصبح ممّن يذكر عندما طوى مراحل التكامل فيما بعد; ففي حديث ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) «كان الإنسان مذكوراً في علم الله ولم يكن مذكوراً في عالم الخلق»(1).

وجاء في بعض التفاسير أنَّ المراد بالإنسان هنا هم العلماء والمفكرون الذين لم يكونوا مذكورين قبل انتشار العلم، وعند وصولهم إلى العلم وانتشاره بين الناس أصبح ذكرهم مشهوراً في حياتهم وبعد موتهم.

وقيل «إنَّ عمر بن الخطاب» قد سمع أحداً يتلو هذه السورة فقال: «ليت آدم بقي على ما كان فكان لا يلد ولا يبتلي أولاده»(2) وهذا من عجائب القول، لاعتراضه على مسألة الخلق.

ثمّ يأتي خلق الإنسان بعد هذه المرحلة، واعتبار ذكره، فيقول تعالى (إنّا

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 406.

2 ـ المصدر السابق.

[245]

خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً).

«أمشاج»: جمع مَشَجْ، على وزن (نسج) أو (سبب)، أو أنه جمع «مَشِيجْ» على وزن (مريض) بمعنى المختلط.

ولعل ذكر خلق الإنسان من النطفة المختلطة إشارة إلى اختلاط ماء الذكور والإناث، وقد أُشير إلى ذلك في روايات المعصومين(عليهم السلام) بصورة إجمالية، أو أنّها إشارة إلى القابليات المختلفة الموجودة داخل النطفة من ناحية العوامل الوراثية عن طريق الجيّنات، أو أنَّها إشارة إلى اختلاط المواد التركيبية المختلفة للنطفة، لأنَّها تتركب من عشرات المواد المختلفة، أو اختلاط جميع ذلك مع بعضها البعض، والمعنى الأخير أجمع وأوجه.

ويحتمل كون «الأمشاج» إشارة إلى تطورات النطفة في المرحلة الجنينية(1).

«نبتليه»: إشارة إلى وصول الإنسان إلى مقام التكليف والتعهد وتحمل المسؤولية والإِختبار والإمتحان، وهذه هي إحدى المواهب الإلهية العظيمة الذي أكرم بها الإنسان وجعله أهلاً للتكليف وتحمل المسؤولية، وبما أنَّ الإختبار والتكليف لا يتمّ إلاَّ بعد الحصول على المعرفة والعلم فقد أشار في آخر الآية إلى وسائل المعرفة، والعين والأُذن التي أودعها سبحانه وتعالى في الإنسان وسخرها له.

وقيل المراد بالإبتلاء هنا التطورات والتحولات الحاصلة في الجنين من النطفة حتى ينشئه إنساناً كاملاً، ولكن التمعن في عبارة «نبتليه»، وكذلك في كلمة «الإنسان» نجد أنَّ المعنى الأوّل هو الأوجه.

وممّا يستفاد من هذه العبارة أنَّ منبع جميع إدراكات وعلوم الإنسان هي

______________________________

1 ـ يجب الإلتفات إلى أن النطفة جاءت بصيغة المفرد، وجاءت صفتها بصورة الجمع، وهي «أمشَاج»، باعتبار أنَّ النطفة تركبت من أجزاء مختلفة، وأنّها في حكم الجمع، ويعتقد البعض كالزمخشري في الكشاف أنَّ «أمشَاج» مفرد رغم أنَّها من أوزان الجمع .

[246]

إدراكاته الحسية، وبعبارة أخرى إنَّ الإدراكات الحسية هي أُمُّ المعقولات، وهذه هي نظرية كثير من فلاسفة المسلمين ومن بين فلاسفة اليونان يذهب أرسطو إلى هذه النظرية أيضاً.

إنَّ اختبار الإنسان بحاجة إلى عاملين آخرين، هما: «الهداية» و«الإختبار» بالإضافة إلى المعرفة ووسائلها، فقد أشارت الآية التالية إلى ذلك: (إنَّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً)(1). إنّ للهداية هنا معنى واسعاً، فهي تشمل «الهداية التكوينية» و«الهداية الفطرية» وكذلك «الهداية التشريعية» وإن كان سياق الآية يؤكّد على الهداية التشريعية.

توضيح:

إنّ الله قد خلق الإنسان لهدف الإبتلاء والإختبار والتكامل، فأوجد فيه المقدمات لكي يصل بها إلى هذا الهدف، ووهبه القوى اللازمة لذلك، وهذه هي (الهداية التكوينية)، ثمّ جعل في أعماق فطرته عشقاً لطي هذا الطريق، وأوضح له السبيل عن طريق الإلهام الفطري، فسمي ذلك بـ (الهداية الفطرية)، ومن جهة أُخرى بعث القادة السماويين والأنبياء العظام لإراءة الطريق بالتعليمات والقوانين النيّرة السماوية، وذلك هو «الهداية التشريعية»، وجميع شعب الهداية الثلاث هذه لها صبغة عامّة، وتشمل جميع البشر.

وعلى المجموع فإنّ الآية تشير إلى ثلاث مسائل مهمّة مصيرية في حياة الإنسان: «مسألة التكليف»، و«مسألة الهداية»، ومسألة «الإرادة والإختيار» والتي تعتبر متلازمة ومكمّلة بعضها للبعض الآخر.

التعبير بـ (شاكراً) و(كفوراً) يعتبر أفضل تعبير ممكن في هذه الآية، لإنّه مَنْ قابل النِعَمِ الإلهية الكبيرة بالقبول واتخذ طريق الهداية مسلكاً، فقد أدّى شكر

______________________________

1 ـ «شاكراً» وكفوراً» يعتقد الكثير أنّهما حال لضمير المفعول في (هديناه) ويحتمل أن يكون خبراً لـ (يكون) محذوف وتقديره (إمّا يكون شاكراً وإمّا يكون كفوراً).

[247]

هذه النعمة، وأمّا من خالف فقد كفرها.

وبما أنَّ الإنسان لا يتمكن من تحقيق الشكر الحقيقي، فقد عبّر عن الشكر باسم الفاعل، والحال أنّ الكفران جاء بصيغة المبالغة فقال: (كفور)، لأنّ عدم اهتمامهم بهذه النعم الكبيرة يعتبر كفراناً شديداً منهم باعتبار أنَّ الله عزَّ وجلّ وضع وسائل الهداية تحت تصرفهم، ولذا فإنَّ إهمال هذه الوسائل والمواهب والغضّ عنها واتخاذ السبيل المنافي لها يعتبر كفراناً شديداً.

والجدير بالذكر أنّ كلمة (كفور) تستعمل لكفران النعمة، وكذلك للكفر الإعتقادي، وهو ما أورده الراغب في مفرداته.

وأشارت الآية الأخيرة من آيات البحث إشارة قصيرة وغنية بالمعنى إلى الذين سلكوا طريق الكفر والكفران فتقول: (إنّا اعتدنا للكافرين سلاسلاْ وأغلالاً وسعيراً).

التعبير بـ (اعتدنا) تأكيد على حتمية مجازاة هذه الثلّة، وبالرغم من أنَّ تهيئة الشيء مسبقاً هو عمل من له قدرة محدودة ويحتمل أن يعجز بعد ذلك من إنجاز العمل، ولكن هذا المعنى لا يصدق على الله تعالى، لأنّه إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، وفي الوقت نفسه يبيّن للكافرين أنَّ هذه العقوبات حتمية ووسائلها جاهزة.

«سلاسل»: جمع (سلسلة)، وهي القيد الذي يقاد به المجرم، و«الأغلال» جمع غل، وهي الحلقة التي توضع حول العنق أو اليدين وبعد ذلك يُقفل بالقيد(1).

على كلّ حال فإنّ ذكر الأغلال والسلاسل ولهيب النيران المحرقة تبيان للعقوبات التي يعاقب بها المجرمون، وهو ما أُشير إليه في كثير من آيات القرآن ويشمل ذلك العذاب والذل، إنَّ إطلاقهم لعنان الشهوات يسبب في تعاستهم في

______________________________

1 ـ وضّحنا شرحاً مفصلاً حول معنى الأغلال في ذيل الآية (8) من سورة يس.

[248]

الآخرة، وإشعالهم للنيران في الدنيا تتجسَّد لهم في الإخرة لتلهب أطرافهم.

* * *

ملاحظة

عالم الجنين الصاخب:

من الواضح أنَّ نطفة الإنسان مركّبة من ماء الرجل والمرأة، ويسمى الأوّل (الحيمن) والثّاني (البويضة) فالأصل وجود (النطفة) ثمّ تركيبها، وبعد ذلك تتمّ المراحل المختلفة للجنين، وهذا هو من العجائب العظيمة لعالم الخلق، وتطور العلم (علم الأجنَّة) قد كشف الكثير من أسراره وإن كانت هناك أسرار كثيرة لم يتمّ كشفها لحدّ الآن، ونذكر هنا قسماً من العجائب والتي تعدّ زاوية صغيرة من عالم الجنين:

1 ـ «الحيمن» وهو ما يخرج مع ماء الرجل، وهو كائن حي متحرك صغير لا يرى بالعين المجرّدة، وله رأس وعنق وذنب متحرك، وممّا يثير العجب أنّ الرجل في كلّ إنزال يضم ماؤهُ من الحيامن المليونين إلى 500 مليون حيمن، وهو ما يعادل نفوس عدّة دول، ولكن لا يدخل من هذا العدد الهائل إلى البيضة إلاّ واحد أو عدّة حيامن لإخصاب البيضة، وسبب وجود هذا العدد من الحيامن يكمن في الخسائر التي تلحق بها في طريقها إلى البيضة وتلقيحها، ولو لم يتوفر مثل هذا العدد لكان أمر الحمل صعباً.

2 ـ إنّ حجم «الرحم» قبل الحمل يكون بحجم الجوزة الواحدة، وعند انعقاد النطفة ونمو الجنين يتسع الرحم بشكل ملحوظ ليشغل مكاناً واسعاً، والعجب أنّ جدار الرحم يكون مطاطياً إلى حد يكون قادراً على استيعاب حجم الطفل وحركاته.

3 ـ إنَّ الدم لا يجري في الرحم بواسطة العروق والشرايين، بل يجري بين

[249]

عضلات الرحم بصورة ميزاب، لأنَّ الرحم في اتساع مستمر فإذا ما وجد العِرقْ فإنّه لن يتحمل السحب والتمدد الكبير.

4 ـ يعتقد بعض العلماء أنّ لبيوض المرأة شحنة موجبة، وإنَّ للحيمن شحنة سالبة، ولذا يجذب أحدهما الآخر، ولكن عند تخصيب الحيمن للبيضة فإنَّ شحنة النطفة المتشكلة تكون سالبة. وتطرد بذلك بقية الحيامن الموجودة، وقال آخرون: عندما يدخل الحيمن في البيضة تترشح مادة كيميائية خاصّة لتطرد بقية الحيامن.

5 ـ إنّ الجنين يسبح في كيس كبير فيه ماء غليظ يدعى بـ «آمني بوس» له خاصية مقاومة ما يقع على بطن المرأة من الضربات، وتحمل ما يقع من حركات الأم الشديدة، بالإضافة إلى ذلك فإنّه يحفظ الجنين بمعدل حراري ثابت، ولا تؤثر فيه تغيرات الحرارة الخارجية بسرعة، والجدير بالذكر أنّ الكيس يجعل الجنين عديم الوزن، ويمنع من حدوث الضغط على أعضاء الجنين بعضها على بعض ممّا يسبب ذلك ضرراً على الجنين!

6 ـ تتمّ تغذية الجنين عن طريق المشيمة وحبل السرّة، أي أنّ دم الأُم والمواد الغذائية والأوكسجين يدخل إلى المشيمة ثمّ يبدأ حبل السرّة بتصفية هذه المواد لتدخل إلى قلب الجنين وتتوزع منه إلى بقية أعضاء البدن، والطريف أنّ البطين الأيسر والأيمن لقلب الجنين مترابطان مع بعضهما الآخر، لأنّ التصفية هنا لا تتمّ إلاَّ عن طريق الرئة، وذلك لأنّ الجنين لا يتنفّس ولكنّه عند تولده تنفصل الأوعية بعضها عن البعض الآخر، ويبدأ جهاز التنفس عندئذ بالعمل.

* * *

[250]

الآيات

إِنَّ الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً(5) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً(6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً(7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً(9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً(10) فَوَقَـهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّـهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً(11)

سبب النزول

البرهان العظيم على فضيلة أهل بيت النّبي:

قال ابن عباس: إنَّ الحسن والحسين مرضا فعادهما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إنْ برئا مّما بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام (طبقاً لبعض الرّوايات أنَّ الحسن والحسين أيضاً قالا نحن كذلك ننذر أن نصوم) فشفيا وما كان معهم شيء،

[251]

فاستقرض علي(عليه السلام) ثلاث أصواع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزته، فوضعوا الأرغفة بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل، وقال: السلام عليكم، أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثزوه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الصعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه (وباتوا مرة أُخرى لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً) ووقف عليهم أسير في الثّالثة عند الغروب، ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: «ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم» فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عنياها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل(عليه السلام) وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة.

وقيل: إنّ الذي نزل من الآيات يبدأ من: (إنّ الأبرار) حتى (كان سعيكم مشكوراً) ومجموعها (18) آية.

ما أوردنا هو نص الحديث الذي جاء في كتاب «الغدير» بشيء من الاختصار كقدر مشترك وهذا الحديث من بين أحاديث كثيرة نقلت في هذا الباب، وذكر في الغدير أنّ الرّواية المذكورة قد نقلت عن طريق (34) عالماً من علماء أهل السنّة المشهورين (مع ذكر اسم الكتاب والصفحة).

وعلى هذا، فإنّ الرّواية مشهورة، بل متواترة عند أهل السنة(1).

واتفق علماء الشيعة على أنّ السورة أو ثمان عشرة آية من السورة قد نزلت في حق علي وفاطمة(عليهما السلام)، وأوردوا هذه الرّواية في كتبهم العديدة واعتبروها من

______________________________

1 ـ نقلت هذه الرواية في كتاب الغدير، ج 3، ص 107 إلى 111 وفي كتاب إحقاق الحق، ج 3، ص 157 إلى 171 عن 36 نفر من علماء أهل السنّة مع ذكر المأخذ.

[252]

مفاخر الرّوايات الحاكية عن فضائل أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام)، واشتهارها كان مدعاة لذكرها في الأشعار حتى أنّها وردت في شعر (الإمام الشافعي) وتثار عند المتعصبين هنا حساسيات شديدة بمجرّد سماعهم رواية تذكر فضائل أمير المومنين(عليه السلام) فيعمدون إلى اثارة العديد من الاشكالات بهذا الشأن، ومنها:

1 ـ إدعاؤهم مكّية السورة، والحال أنّ القصّة حدثت بعد ولادة الإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)، وما كانت ولادتهما إلاّ بالمدينة! وفي أيدينا دلائل واضحة كما بينّا في شرح صدر السورة، إذ أنّ السورة تشير إلى أنّها مدنّية، وإن لم تكن بتمامها فإنّ (18) آية منها مدنيّة.

2 ـ قولهم: إنّ لفظ الآية عام، فكيف يمكن تخصيص ذلك بأفراد معيّنين، ولكن عمومية مفهوم الآية لا ينافي نزولها في أمر خاص، وهناك عمومية في كثير من آيات القرآن، والحال أنّ سبب نزولها الذي يكون مصداقاً تامّاً لها في أمر خاص، والعجب لمن يتخذ من عمومية مفهوم آية ما دليلاً على نفي سبب النزول لها.

3 ـ نقل بعضهم أسباباً أُخرى لنزول هذه السورة لا تتفق مع السبب الذي ذكرناه في نزول الآية، منها ما نقله السيوطي في الدرّ المنثور قال: إنّ رجلاً أسود كان يسأل النّبي عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله، فقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «مه يا عمر» وأنزلت على رسول الله هل أتى(1).

وفي الدرّ المنثور عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله فقال له رسول الله: «سل واستفهم»، فقال: يا رسول الله فُضِّلتم علينا بالألوان والصور والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به إنّي

______________________________

1 ـ الدر المنثور، ج 6، ص 297.

[253]

لكائن معك في الجنّة؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده، إنّه ليرى بياض الأسود في الجنّة من مسيرة ألف عام» ثمّ بيّن ما يترتب من الثواب لمن يقول لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده. ونزلت عليه السورة (هل أتى)(1).

إنّ ما ذكر في هذه الرّوايات لا يتناسب مع مضمون آيات السورة، والمتوقع هو وضع هذه الرّواية من قبل عمال بني اُميّة وتزويرها لدحض ما تقدم وما قيل في سبب النزول في حق علي(عليه السلام).

4 ـ الإحتجاج الآخر الذي يمكن ذكره هنا: كيف يمكن لإنسان أن يصوم ثلاثة أيّام ولا يفطر إلاّ بالماء؟!

إنَّ هذا الإشكال مدعاة للعجب، لأنّنا نرى تطبيق ذلك عند بعض الناس، إذ أنّ بعض المعالجات الطبية تستدعي الإمساك لمدة(40) يوماً، ولا يتناول خلال الأربعين يوماً إلاّ الماء، ممّا أدّى ذلك إلى شفاء الكثير من الأمراض بهذه الطريقة، حتى أنَّ طبيباً من الأطباء غير المسلمين يدّعى (ألكسي سوفورين) كتب كتاباً في باب الآثار المهمّة في الشفاء من جراء الإمساك مع ذكر أُسلوب دقيق لذلك(2)حتى أنّ بعض زملاؤنا المشتركين معنا في تأليف كتاب التفسير الأمثل قضى إمساكاً لمدّة (22) يوماً.

5 ـ البعض الآخر أراد الإستهانة بهذه الفضيلة فجاء من طريق آخر كالآلوسي إذ يقول: إن قلنا إنّ هذه السورة لم ترِد في حق علي وفاطمة لم ينزل من قدرهم وشأنهم شيء، لأنّ اتصافهم بالأبرار أمرٌ واضح للجميع، ثمّ يبدأ بتبيان بعض فضائلهم فيقول: ماذا يمكن أن يقوله الإنسان في حقّ هذين العظيمين غير أنّ علياً(عليه السلام) أمير المؤمنين ووصي رسول الله، وأنّ فاطمة بضعة رسول الله، وأنّها

______________________________

1 ـ المصدر السابق.

2 ـ اسم الكتاب (الصوم طريقة حديثة لشفاء الأمراض).

[254]

جزء من الوجود المحمدي، وأنّ الحسنين روحه وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنّة، ولكن لا يعني ذلك ترك الآخرين، ومن يتبع غير هذا فهو ضال.

ولكنّنا نقول إنّنا إذا ما تغاضينا عن هذه الفضيلة، فإنّ عاقبة بقية الأحاديث ستكون بنفس المنوال، وربّما يحين يوم ينكر فيه البعض جميع فضائل  أمير المؤمنين وسيّدة النساء والحسنين(عليهم السلام)، والملاحظ أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد احتج على مخالفيه في كثير من المواطن بهذه الآيات لتبيان حقوقه وفضائله وأهل بيته(1).

ثمّ إنّ ذكر الأسير الذي أطعموه، خير دليل على نزول الآيات بالمدينة، إذ لم يكن للمسلمين أسير بمكّة لعدم شروع الغزوات.

والملاحظة الأخيرة التي لابدّ من ذكرها هنا هو قول بعض العلماء المفسّرين ومنهم المفسّر المشهور الآلوسي، وهو من أهل السنّة قال: إنّ كثيراً من النعم الحسية قد ذكرت في السورة إلاّ الحور العين التي غالباً ما يذكرها القرآن في نعم الجنان، وهذا إنّما هو لنزول السورة بحق فاطمة وبعلها وبنيها(عليهم السلام)وإنّ الله لم يأت بذكر الحور العين إجلالاً واحتراماً لسيدة نساء العالمين!

لقد طال الحديث في هذا الباب إلاّ أنّنا وجدنا أنفسنا مضطرين لمجابهة وإبطال إشكالات المتعصبين وذرائع المعاندين.

* * *

التّفسير

جزاء الأبرار العظيم

أشارت الآيات السابقة الى العقوبات التي تنتظر الكافرين بعد تقسيمهم إلى

______________________________

1 ـ احتجاج الطبرسي وخصال الصدوق طبقاً لما نقله الطباطبائي في الميزان ج 20 ص 224.

[255]

جماعتين وهي «الشكور» و«الكفور»، والآيات في هذا المقطع تتحدث المكافآت التي أنعم الله بها على الأبرار وتذكّر بأُمور ظريفة في هذا الباب. فيقول تعالى: (إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً).

«الأبرار»: جمع (بر) وأصله الإتّساع، وأُطلق البر على الصحراء لاتساع مساحتها، وتطلق هذه المفردة على الصالحين الذين تكون نتائج أعمالهم واسعة في المجتمع، و«البِر» بكسر الباء هو الإحسان، وقال بعض: إنّ الفرق بين البر والخير هو أنّ البر يراد به الإحسان مع التوجه والإرادة، وأمّا الخير فإنّ له معنى أعمّ.

«كافور»: له معان متعددة في اللّغة، وأحد معانيها المعروفة الرائحة الطيبة كالنبتة الطيبة الرائحة، وله معنىً آخر مشهور هو الكافور الطبيعي ذو الرائحة القوية ويستعمل في الموارد الطبية كالتعقيم.

على كل حال فإنّ الآية تشير إلى أنّ هذا الشراب الطهور معطّر جدّاً فيلتذ به الانسان من حيث الذوق والشم.

وذهب بعض المفسّرين الى أنّ «كافور» اسم لأحد عيون الجنّة. ولكن هذا التّفسير لا ينسجم مع عبارة «كان مزاجها كافوراً». ومن جهة أُخرى يلاحظ أنّ «الكافور» من مادة «كفر» أي بمعنى «التغطية»، ويعتقد بعض أرباب اللغة كالراغب في المفردات أنّ اختيار هذا الاسم هو أنّ فاكهة الشجرة التي يؤخذ منها الكافور مغطاة بالقشور والأغلفة.

وقيل: هو إشارة إلى شدّة بياضه وبرودته حيث يضرب به المثل، والوجه الأوّل أنسب الوجوه، لأنّه يعد مع المسك والعنبر في مرتبة واحدة، وهما من أفضل العطور.

ثمّ يشير إلى العين التي يملؤون منها كؤوسهم من الشراب الطهور فيقول:

[256]

(عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً)(1)(2).

هذه العين من الشراب الطهور وضعها الله تعالى تحت تصرفهم، فهي تجري أينما شاءوا، والظريف هو ما نقل عن الإمام الباقر(عليه السلام) إذ قال في وصفها: «هي عين في دار النّبي تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين».

نعم فكما تتفجر عيون العلم والرحمة من بيت النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتجري الى قلوب عباد الله الصالحين، كذلك في الآخرة حيث التجسّم العظيم لهذا المعنى تتفجر عين الشراب الطهور الإلهي من بيت الوحي، وتنحدر فروعها، إلى بيوت المؤمنين!

«يفجرون»: من مادة تفجير، وأخذت من أصل (الفجر) ويعني الشق الواسع، سواء أكان شق الأرض أو غير ذلك، و«الفجر» نور الصبح الذي يشق ستار الليل، وأُطلق على من يشق ستار الحياء والطهارة ويتعدى حدود الله (فاجر) ويراد به هنا شقّ الإرض.

والملاحظ أنّ أوّل ما ذكر من نعم الجنان في هذه السورة هو الشراب الطهور المعطّر الخاصّ. لكونه يزيل كلّ الهموم والحسرات والقلق والأردان عند تناوله بعد الفراغ من حساب المحشر، وهو أوّل ما يقدم لأهل الجنان ثمّ ينتهون إلى السرور المطلق بالإستفادة من سائر مواهب الجنان.

ثمّ تتناول الآيات الأُخرى ذكر أعمال «الأبرار» «وعباد الله» مع ذكر خمسة صفات توضّح سبب استحقاقهم لكل هذه النعم الفريدة: فيقول تعالى (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً).

جملة (يوفون) و(يخافون) والجمل التي تليها جاءت بصيغة الفعل المضارع

______________________________

1 ـ وردت احتمالات عديدة في سبب نصب (عيناً) و أوجه الأقوال هو أنّه منصوب لنزع الخافض وتقديره (من عين) وقيل بدل من (كافوراً) أو منصوب بالإختصاص أو المدح، أو مفعول لفعل مقدر والتقدير (يشربون عيناً) ولكن الأوّل أوجه كما تقدم.

2 ـ «يشرب»: يتعدى بالباء وبدونها، ويمكن أن تكون الباء في (بها) بمعنى (من).

[257]

وهذا يشير إلى استمرارية وديمومة منهجهم، كما قلنا في سبب النزول فإنّ المصداق الأتم والأكمل لهذه الآيات هو أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنان(عليهم السلام)، لأنّهم وفوا بما نذروه من الصوم ثلاثة أيّام ولم يتناولوا في افطارهم إلاّ الماء في حين أنّ قلوبهم مشحونة بالخوف من الله والقيامة.

«مستطيراً»: يراد به الإتساع والإنتشار، وهو إشارة إلى أنواع العذاب واتساعه في ذلك اليوم العظيم، على كلّ حال فإنّهم وفوا بالنذور التي أوجبوها على أنفسهم، وبالأحرى كانوا يحترمون الواجبات الإلهية ويسعون في أدائها، وخوفهم من شرِّ ذلك اليوم، وآثار هذا الإيمان ظاهرة في أعمالهم بصورة كاملة.

ثّم يتناول الصفة الثّالثة لهم فيقول: (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً).

لم يكن مجرّد اطعام، بل اطعام مقرون بالإيثار العظيم عند الحاجة الماسّة للغذاء، ومن جهة أُخرى فهو إطعام في دائرة واسعة حيث يشمل أصناف المحتاجين من المسكين واليتيم والأسير، ولهذا كانت رحمتهم عامّة وخدمتهم واسعة.

الضمير في (على حبه) يعود إلى (الطعام) أي أنّهم أعطوا الطعام مع احتياجهم له، وهذا شبيه ما ورد في الآية من سورة آل عمران: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممّا تحبّون).

وقيل: إنّ الضمير المذكور يعود إلى «الله» الوارد في ما سبق من الآيات، أي أنّهم يطعمون الطعام لحبّهم الشديد لله تعالى، ولكن مع الالتفات الى ما يأتي في الآية الآتية يكون المعنى الأوّل أوجه.

ومعنى «المسكين» و«اليتيم» و «الأسير» واضح، إلاّ أنّ هناك أقوالاً متعددة فيما يراد بالأسير؟ قال كثيرون: إنّ المراد الاسرى من الكفّار والمشركين الذين يؤتى بهم إلى منطقة الحكومة الاسلامية في المدينة، وقيل: المملوك الذي يكون

[258]

أسيراً بيد المالك، وقيل هم السجناء، والأوّل أشهر.

يرد هنا سؤال: كيف جاء ذلك الأسير إلى بيت الإمام علي(عليه السلام) طبقاً لما ورد في سبب النزول والمفروض أن يكون سجيناً؟

ويتضح لنا جواب هذا السؤال بالإلتفات إلى أنّ التاريخ يؤكّد عدم وجود سجناء في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يقسّمهم على المسلمين، ويأمرهم بالحفاظ عليهم والإحسان إليهم، فكانوا يطعمونهم الطعام وعند نفاذ طعامهم كانوا يطلبون العون من بقية المسلمين ويرافقونهم في الذهاب الى طلب المعونة، أو أنّ الأَسرى يذهبون بمفردهم لأنّ المسلمين كانوا حينذاك في ضائقة من العيش.

وبالطبع توسعت الحكومة الإسلامية فيما بعد، وازداد عدد الأَسرى وكذلك المجرمين، فاتخذت عندئذ السجون وصار الإنفاق عليهم من بيت المال.

على كل حال فإنّ ما يستفاد من الآية أنّ أفضل الأعمال إطعام المحرومين والمعوزين، ولا يقتصر على اطعام الفقراء من المسلمين فحسب بل يشمل حتى الأسرى المشركين أيضاً وقد أُعْتُبِرَ إطعامهم من الخصال الحميدة للأبرار.

وقد ورد في حديث عن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «استوصوا بالأسرى خيراً وكان أحدهم يؤثر أسيره بطعامه»(1).

والخصلة الرابعة للأبرار هي الإخلاص، فيقول: (إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً).

إنّ هذا المنهج ليس منحصراً بالإطعام، إذ أنّ جميع أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولا يتوقعون من الناس شكراً وتقديراً، وأساساً فإنّ قيمة العمل في الإسلام بخلوص النيّة وإلاّ فإنّ العمل اذا كان بدوافع غير الهية، سواء كان رياءً أو لهوى النفس، أو توقع شكر من الناس أو لمكافآت مادية، فليس لذلك ثمن

______________________________

1 ـ كامل ابن الأثير، ج 2، ص 131.

[259]

معنوي وإلهي.

وقد أشار النّبي(صلى الله عليه وآله) إلى ذلك إذ قال: «لا عمل إلاّ بالنيّة وإنّما الأعمال بالنيات».

والمراد من (وجه الله) هو ذاته تعالى، وإلاّ فليس لله صورة جسمانية، وهذا هو ما اعتمده وأكّده القرآن في كثير من آياته، كما في الآية (272) من سورة البقرة: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) والآية (28) من سورة الكهف التي تصف جلساء النبي(صلى الله عليه وآله): (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).

ويقول في الوصف الأخير للأبرار: (إنا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً)(أي الشديد) من المحتمل أن يكون هذا الحديث لسان حال الأبرار، أو قولهم بألسنتهم.

وجاء التعبير عن يوم القيامة بالعبوس والشديد للإستعارة، إذ أنّها تستعمل في وصف الإنسان الذي يقبض وجهه وشكله ليؤكد على هول ذلك اليوم، أي أنّ حوادث ذلك اليوم تكون شديدة إلى درجة أنّ الإنسان لا يكون فيه عبوساً فحسب، بل حتى ذلك اليوم يكون عبوساً أيضاً.

(قمطريراً): هناك أقوال للمفسّرين في مادته، قيل هو من (القمطر)، وقيل: مشتق من مادة (قطر) ـ على وزن فرش ـ والميم زائدة، وقيل هو الشديد، وهو الأشهر(1).

ويطرح هنا سؤال، وهو: إذا كان عمل الأبرار خالصاً لله تعالى، فلم يقولون: إنا نخاف عذاب يوم القيامة؟ وهل يتناسب دافع الخوف من عذاب يوم القيامة مع الدافع الإلهي؟

______________________________

1 ـ مفردات الراغب، لسان العرب، المنجد، القرطبي، مجمع البيان.

[260]

ويتضح جواب هذا السؤال بالإلتفات إلى أنّ الأبرار يسلكون السبيل على كل حال إلى الله تعالى، وإذا كانوا يخافون من عذاب يوم القيامة فإنّما هو لأنه عذاب إلهي، وهذا هو ما ورد في الفقه في باب النية في العبادة من أنّ قصد القربة في العبادة لا ينافي قصد الثواب والخوف من العقاب أو حتى اكتساب المواهب المادية الدنيوية من عند الله (كصلاة الإستسقاء)، لأنّ كل ذلك يرجع إلى الله تعالى، كالداعي على الداعي، رغم أنّ أعلى مراحل الإخلاص في العبادة تكمن في عدم التعلّق بنعم الجنان أو الخوف من الجحيم، بل يكون بعنوان (حبّ الله).

والتعبير بـ (إنا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً) شاهد على أنّ هذا الخوف من الله.

والجدير بالذكر أنّ الوصف الثاني والخامس من الأوصاف الخمسة، يشيران إلى مسألة الخوف. غاية الأمر أنّ الكلام في الآية الأُولى عن الخوف من يوم القيامة، وفي الثانية الخوف من الله في يوم القيامة، ففي مورد وصف يوم القيامة في أنّ شرّهُ عظيم، ووصفه في مورد آخر بأنّه عبوس وشديد، وفي الحقيقة فإنّ أحدهما يصف عظمته وسعته والآخر شدّته وكيفيته.

وأشارت الآية الأخيرة في هذا البحث إلى النتيجة الإِجمالية للأعمال الصالحة والنيّات الطاهرة للأبرار فيقول: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً).

(نضرة): بمعنى البهجة وحسن اللون والسرور الخاص الذي يظهر عند وفور النعمة والرفاه على الانسان، أجل، إنّ لون وجودهم في ذلك اليوم يخبر عن الهدوء والإرتياح، وبما أنّهم كانوا يحسّون بالمسؤولية ويخافون من ذلك اليوم الرهيب، فإنّ الله تعالى سوف يعوضهم بالسرور وبالبهجة.

وتعبير «لقاهم» من التعابير اللطيفة والتي تدلّ على أنّ الله سوف يستقبل ضيوفه الكرام بلطف وسرور خاص وأنّه سوف يجعلهم في سعة من رحمته.

* * *

[261]

إشباع الجياع من أفضل الحسنات:

ليست هذه الآيات مورد البحث هي الآيات الوحيدة التي عدّت إطعام الطعام من الأعمال الصالحة للأبرار وعباد الله، بل إنّ كثيراً من آيات القرآن اعتمدت هذا المعنى وأكّدت عليه، وأشارت إلى أنّ لهذا العمل محبوبية خاصّة عند الله، وإذا ألقينا نظرة على عالم اليوم والذي يموت فيه بسبب الجوع حسب الأخبار المنتشرة ملايين الأشخاص في كل عام، والحال أنّ بقية المناطق تلقي بالغذاء الكثير في القمامة تتّضح أهمية هذا الأمر الإِسلامي من جهة، وابتعاد عالم اليوم عن الموازين الأخلاقية من جهة أُخرى.

ونورد هنا من باب المثال عدداً من الأحاديث الإسلامية التي أكّدت على هذا الجانب: قال النّبي(صلى الله عليه وآله): «من أطعم ثلاث نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السموات»(1).

وفي حديث للإمام الصادق(عليه السلام) قال: « من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يَدْرِ أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلاّ الله ربّ العالمين»(2).

وفي حديث آخر عنه(عليه السلام) قال: «لئن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبُّ إليَّ من أن أزوره، ولئن أزوره أحبُّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب»(3).

والجدير بالذكر أنّ الرّوايات لم تؤكّد على إطعام المحتاجين والجياع فحسب، بل صرّحت بعض الروايات أنّ إطعام المؤمنين وإن لم يكونوا محتاجين هو كعتق رقبة العبد، وهذا يدلّ على أنّ الهدف لا يقتصر على رفع الاحتياج، بل جلب المحبّة وتحكيم وشائج المودة بعكس ما هو السائد في عالم اليوم المادي،

______________________________

1 ـ أُصول الكافي، ج 2 باب (إطعام المؤمن) الحديث 3.

2 ـ المصدر السابق، الحديث 6.

3 ـ المصدر السابق، الحديث 18.

[262]

كدخول صديقين إلى المطعم ودفعهما حساب الطعام كلّ على انفراد وكأنّ استضافة الأفراد سيما إذا كثروا مدعاةً للعجب في تلك المجتمعات!!

وورد في بعض الرّوايات أنّ إطعام الجياع بصورة عامّة من أفضل الأعمال (وإن لم يكونوا مسلمين ومؤمنين) كما جاء في الحديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله) إذ قال: «من أفضل الأعمال عند الله إبراد الكباد الحارة وإشباع الكباد الجائعة والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه ـ أوقال جاره ـ المسلم الجائع»(1).

بالرغم من أنّ ذيل هذا الحديث الشريف ذكر اشباع الإنسان المسلم. ولكنه صدره يشمل كل عطشان وجائع، ولا يبعد اتساع مفهوم الحديث لـ يشمل حتى الحيوانات.

وهناك روايات عديدة في هذا الباب(2)

* * *

______________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج 74، ص 369 والملاحظ أن العلاّمة المجلسي أورد عنواناً في هذا الباب وذكر فيه 113 حديث يتعلق بإطعام المؤمن وإشباعه ولبسه وأداء دينه. ولبعض منها عمومية.

2 ـ المصدر السابق.

[263]

الآيات

وَجَزَهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً(12) مُّتَّكِئِيِنَ فِيهَا عَلَى الاَْرَآئِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً(13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً(14) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَانِيَة مِّن فِضَّة وَأَكْوَاب كَانَتْ قَوَارِيرَاً(15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّة قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً(16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً(17) عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً(18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً(19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً(20) عَـلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُس خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّة وَسَقـَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً(21) إِنَّ هَـذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً(22)

التّفسير

مكافئات الجنان العظيمة

بعد الإشارة الإجمالية في الآيات السابقة إلى نجاة الأبرار من العذاب الأليم

[264]

يوم القيامة، ووصولهم إلى لقاء المحبوب والغرق بالسرور والبهجة، تتناول هذه الآيات شرح هذه المواهب الإلهية في الجنان، وعددها في هذه على الأقل خمسة عشرة نعمة، فتتحدث في البدء عن المسكن والملبس فتقول:

(وجزاهم بما صبروا جنّة وحريراً).

أجل، في مقابل كل ذلك الإيثار والإستقامة في وفائهم بالنذر وصيامهم، وإنفاق طعام الإفطار على المسكين واليتيم والأسير جعلهم الله في رياض خاصّة في الجنان، وألبسهم أفضل الألبسة، وليس فقط في هذه الآية، بل صرح بهذه الحقيقة في آيات أُخرى من القرآن، وهو أنّ مكآفات القيامة إنَّما تعطى للإنسان لصبره (صبرٌ في الطاعة، وصبرٌ عن المعصية، وصبرٌ عند المشكلات والمصائب).

فتجد سلام الملائكة لأهل الجنان في الآية (24) من سورة الرعد: (سلام عليكم بما صبرتم).

وجاء في الآية (111) من سورة المؤمنون: (إنّي جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون).

ثمّ يضيف سبحانه في الآية التالية: (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) ذكر حالة (الإتكاء على الأرائك) إشارة إلى اطمئنانهم وارتياحهم الكاملين، لأنّ الانسان لا يجلس متكئاً عادة إلاَّ عند الراحة والإطمئنان والهدوء.

ويشير ذيل الآية إلى الإعتدال الكامل في الجنان، ولا يعني هذا انعدام الشمس والقمر في الجنان، بل بسبب ظلال أشجار الجنان لا تكون أشعة الشمس مؤذية.

(زمهرير): من مادة (زمهر) وهو البرد الشديد، أو شدّة الغضب أو احمرار العين من أثر الغضب، والمراد هنا هو المعنى الأول، وورد في الحديث: أنّ في

[265]

جهنّم نقطة تتلاشى فيها الأعضاء من شدّة البرد(1).

(أرائك): جمع «أريكة»، وتطلق في الأصل على الأسرّة التي توضع في غرفة العروس، والمراد هنا الأسرّة الجميلة والفاخرة.

نقل المفسر المشهور الآلوسي في روح المعاني في حديث عن ابن عباس قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله): «بينا أهل الجنّة في الجنّة إذ رأوا ضوءاً كضوء الشمس، وقد أشرقت الجنان به فيقول أهل الجنّة يا رضوان ما هذا؟ وقد قال ربّنا لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، فيقول لهم رضوان: ليس هذا بشمس، ولا قمر، ولكن علي وفاطمة ضحكا، وأشرقت الجنان من ثغريهما»!

وتضيف الآية الأُخرى متمّمة لهذه النعم:

(ودانية عليهم ظلالها وذلّلت قطوفها تذليلاً)(2).

ليست هنا من مشكلة لقطف الثمار، ولا شوكة لتدخل في اليد، ولا تحتاج ذلك إلى مشقّة أو حركة!

ونجد من الضروري التذكير مرّة أُخرى إنّ هناك تفاوتاً كثيراً بين الأُصول المتحكمة في حياة الإنسان في ذلك العالم وبين هذا العالم، وما جاء حول النعم الأُخروية في هذه الآيات والآيات القرآنية الأُخرى ليس إلاّ كونه إشارة بليغة إلى تلك المواهب العظيمة، وإلاّ فإنّ بعض الرّوايات تصرح أنّ هناك من النعيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا تخطر ببال أحد.

وفي حديث لابن عباس بيّنه في ذيل آيات هذه السورة قال: «كلما ذكره الله في القرآن ممّا في الجنّة وسمّاه ليس له مثلٌ في الدنيا ولكن سمّاه الله بالاسم الذي يعرف الزنجبيل ممّا كانت العرب تستطيبهُ فلذلك ذكره في القرآن ووعدهم أنّهم

______________________________

1 ـ الدر المنثور ج 6 ص 300.

2 ـ «قطوف»: على وزن (ظروف) جمع (قطف) على وزن (حفظ) أو جمع (قطف) على وزن (حذف) والأوّل وصفٌ والثّاني مصدر، ويعني الفواكه المقطوفة أو قطف الفاكهة.

[266]

يسقون في الجنّة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنّة»(1).

ثمّ توضح الآية الأُخرى كيفية استضافة أصحاب الجنان، وأدوات الضيافة، والمستقبلين لهم، فيقول: (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريراً، قوارير من فضة قدروها تقديراً).

تحتوي هذه الآنية على أنواع الأغذية والأشربة المتعددة الأصناف واللذيذة والباعثة على النشاط، بالقدر الذي يشاؤونه ويحبّونه، والولدان المخلدون يطوفون عليهم ليعرضوا عليهم الآنية والأكواب المليئة بما وعدهم الله بها.

(آنية): جمع (إناء) وهو الوعاء، و«أكواب» جمع «كوب»، وهو إناء للشراب الذي لا عروة له، ويعبر عنه أحياناً بالقدح.

«قوارير»: جمع (قارورة)، وهي الوعاء البلّوري والزجاجي. والعجب في قوله: أوعية بلّورية مصنوعة من الفضة! والحال لا يوجد مثل هذا في عالم الدنيا، والأوعية البلّورية إنّما تصنع من رمال خاصّة وذلك بعد اذابتها، ولكنّ الله الذي جعل خاصيّة في الرمل تجعله يتحول إلى زجاج وبلّور لهو قادر أن يجعلها في معدن آخر كالفضة.

على كل حال فإنّ المستفاد من الآية إنّ هذه الأوعية والكؤوس تكون جامعة بين صفاء الزجاجة وشفافية البلوّر وبين بياض الفضة وجمالها، ويكون الشراب فيه متجلياً، والملاحظ أنّ هذا المعنى قد أشار إليه الامام الصادق(عليه السلام)أيضاً إذ قال: «ينفذ البصر في فضة الجنّة كما ينفذ في الزجاج»(2).

وفي العصر الحديث تمّ اكتشاف أنواع من الأشعة (مثل اشعة ايكس) لها قابلية النفوذ الى باطن المواد والاجسام المعتمّة واستجلاء محتوياتها.

وعن ابن عباس قال: «إن لكل نعمة من نِعَمِ الجنان شبهٌ في الدنيا إلاّ أكواب

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 411.

2 ـ المصدر السابق.

[267]

الفضة إذ لا شبيه لها»(1).

ثمّ يضيف تعالى: (ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً).

صرح الكثير من المفسرين بأنّ عرب الجاهلية كانوا يتلذذون بالشراب الممزوج بالزنجبيل، لأنّه كان يعطي قوّة خاصة للشراب.

ويتحدث القرآن هنا عن الشراب الطهور الممزوج بالزنجبيل، ومن البديهي أنّ الفرق بين هذا الشراب وذلك الشراب كالفرق بين السماء والأرض وبالأحرى بين الدنيا والآخرة.

والجدير بالذكر أنّ العرب كانوا يستخدمون نوعين من الشراب: أحدهما يبعث على النشاط والحركة، والآخر مُفَتّر وَمُهدّىء والأوّل يمزج مع الزنجبيل، أمّا الثّاني فمع الكافور، وبما أنّ حقائق عالم الآخرة لا يمكن أن يعبر عنها في إطار ألفاظ هذا العالم، فلا سبيل إلاّ استخدام هذه الألفاظ للدلالة على معان أوسع وأعلى تحكي عن تلك الحقائق العظيمة. ولفظ «الزنجبيل» غالباً ما يطلق على الجذر المعطر للتوابل الخاصّة للأغذية والأشربة، وإن كانت الأقوال مختلفة في معناه.

ثمّ يضيف تعالى: (عيناً فيها تسمى سلسبيلاً)(2).

(سلسبيلا): هو الشراب الهنيء واللذيذ جدّاً الذي ينحدر بسهولة في الحلق ويرى الكثير أنّه مأخوذ من مادة (سلاسة) المأخوذ من السيلان ولهذا يقال للكلام الجذّاب والممتع «سليس».

وقيل أخذ من مادة (تسلسل) وهي الحركة المستمرة التي يتداعى منها السيولة والاتصال، وعلى هذا فإنّ المعنّيين متقاربين، والباء زائدة في الصورتين.

وقيل: هو مركب من (سال) و(سبيل) والمعنى الكنائي للإثنين

______________________________

1 ـ روح المعاني، ج 29، ص 159.

2 ـ «عيناً»: محلهُ في الأعراب ـ كما تقدم ـ أن يكون منصوباً بنزغ الخافض.

[268]

هو السائغ والهنيء.

وقيل: لا وجود لهذه الكلمة في اللغة عند العرب، وأنّها من إبداعات القرآن المجيد(1).

والأول أشهر وأوجه.

ثمّ يتحدث عن المستقبلين في هذا الحفل البهيج المقام بجوار الله في النعيم الأعلى فيقول تعالى (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً).

إنّهم مخلدون في الجنان، وطراوة شبابهم وجمالهم ونشاطهم خالد أيضاً، وكذا استقبالهم للأبرار، لأنّ عبارة (مخلدون) وعبارة (يطوف عليهم) من جهة أُخرى تبيان لهذه الحقيقة.

«لؤلؤاً منثوراً»: يراد به الإشارة إلى جمالهم وصفائهم وإشراق وجوههم وكذلك حضورهم في كل مكان من المحفل الإلهي والروحاني.

وبما أنّ من المحال وصف النعم والمواهب للعالم الآخر مهما بلغ الكلام من البيان والبلاغة، ولذا يقول تعالى في الآية الأُخرى كلاماً مطلقاً: (وإذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً)(2).

وردت في (النعيم) و(الملك الكبير) أقوال كثيرة، منها ما ورد في حديث للإمام الصادق(عليه السلام) عندما سئل عن معنى الآية إذ قال: (أي لا يفنى ولا يزول)(3).

أو أنّ نعم الجنان لا توصف لكثرتها.

أو أنّ «الملك الكبير» هو استئذان الملائكة للدخول على أهل الجنان و يحيوهم بالسلام.

______________________________

1 ـ قيل إن «السلسبيل» هو ما لا ينصرف عادة للعملية والعجمة والتنوين الموجود للإتساق مع الآيات السابقة لها.

2 ـ قيل إنّ (ثمّ) هنا ظرف مكان ولـ (رأيت) معنى فعل لازم والتقدير (إذا رميت ببصرك ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً)ويحتمل أن يكون (ثمّ) اسم إشارة للبعد ومفعولاً لرأيت.

3 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 411.

[269]

أو أنّ أهل الجنان يحصلون على ما يشاءون.

أو أنّ أقل أهل الجنان مرتبة يحصل على ملك من السعة أنّه يرى من الطريق ما يكون على بعد ألف سنة لو نظر إليه كان بينه وبين ملكه ألف سنة.

أو يراد به الملك الدائم والأبدي المقترن مع تحقيق جميع الآمال ...

«النعيم»: يراد بها في اللغة النعم الكثيرة و(ملك كبير) يخبر عن عظمة واتساع رياض أهل الجنّة، ولذا فإنّ لهما معنيين واسعين بحيث يشملان جميع ما قيل فيهما.

إلى هنا أُشير إلى قسم من نعم الجنان من قبيل المساكن والأسرة والظلال والفواكه والشراب والأواني والجماعة المستقبلة للضيوف، وحان الآن دور زينة أهل الجنان فيقول تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق)(1).

«سندس»: ثوب رقيق من الحرير، و«الإستبرق» ثوب غليظ من الحرير، وقيل أنّه مشتق من الكلمة الفارسية «أستبر» أو «ستبر»، وقيل: أُخذ من أصل عربي (برق) أي التلألؤ.

ثم أضاف تعالى: (وحلوا أساور من فضة).

وهي الفضة الشفّافة اللامعة كالبلّور وأجمل من الياقوت والدّر واللؤلؤ.

«اساور»: جمع «أسورة» على وزن (مغفرة) وهي بدورها جمع (سوار) على وزن (غبار) أو «سوار» على وزن (حوار) وأخذ في الأصل من الكلمة الفارسية، (دستوار) وعند انتقالها إلى العربية تغيّرت واختصرت وجاءت بصورة (سوار).

إنّ اختيار اللون الأخضر للباس أهل الجنّة هو لكونه يبعث على النشاط

______________________________

1 ـ «عاليهم»: هناك احتمالان لمحله من الاعراب، الأول كونه ظرفاً ويراد به فوق، فيكون معنى الآية (فوقهم ثياب سندس) والآخر كونه لا يرجع للضمير «هم» المذكور في الآيات السابقة، بل يرجع إلى (الأبرار) فيكون المعنى (حال كونهم يعلوهم ثياب سندس خضر).

[270]

كأوراق الأشجار الجميلة، وبالطبع إنّ للّون الأخضر أنواعاً وأقساماً، ولكل منها لطافة:

وورد في بعض آيات القرآن كالآية (30) من سورة الكهف أنّ أهل الجنان يزينون بأساور من ذهب: (يحلون فيها من أساور من ذهب) وهذا لا ينافي ما جاء في الآية التي نحن بصدد بحثها، إذ يمكن أن يكون من باب التنويع، فمرّة هذا، ومرّة ذاك.

ويأتي هنا سؤال: أليس سوار الذهب والفضة من زينة النساء، فكيف ذكر زينة لرجال الجنّة؟

والجواب واضح، فهناك الكثير من المجتمعات تكون زينة الذهب والفضة للرجال والنساء (وإن حرمّ الإسلام لبس الذهب للرجال) ولكن بالطبع هناك اختلاف بين أساور الرجال وبين أساور النساء، ونقل عن لسان فرعون في الآية (53) من سورة الزخرف: (فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب) ويظهر من هذا أنّ لبس الرجال للذهب في مصر كان من علائم العظمة. بالإضافة إلى ما أشرنا إليه في السابق أنّه لا يكفي استعمال الألفاظ العادية المتداولة في هذه الدنيا لبيان نِعم الجنان، وليس هناك من حلّ إلاّ باستعمال هذه الألفاظ للإشارة إلى تلك النعم العظيمة التي لا توصف.

ثمّ يقول تعالى في نهاية الآية مشيراً إلى آخر نعمة وأهمّها من سلسلة النعم:

(وسقاهم ربّهم شراباً طهوراً).

صحيح أنّ من بين هذه النعم ورد الحديث عن الأشربة السائغة من الأكواب المترعة من عين السلسبيل، ولكنّ بينها وبين ما جاء في هذه الآية فرق كبير، لأنّ السقاة هناك هم «الولدان المخلدون» من جهة، والساقي هنا هو «الله تعالى»، يا له من تعبير عجيب! خصوصاً مع ذكر كلمة (رب) الرب الذي طالما تلطف على الإنسان برعايته المستمرة له فكان مالكهُ ومربيه والذي كان يأخذ بيده في

[271]

مراحل التكامل حتى يوصله إلى المرحلة الأخيرة التي يريدها له، ثمّ تتجلّى ربوبيته إلى أعلى المراتب والحدود فيسقي بيده عباده الأبرار بالشراب الطهور.

ومن جهة أُخرى فإنّ «الطهور» هو الطاهر والمطهر، وعلى هذا فإنّ هذا الشراب يطهر جسم الإنسان وروحه من كل الأدران والنجاسات ويهبه من الروحانية والنورانية والنشاط ما لا يوصف بوصف: حتى ورد في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «يطهرهم عن كلّ شيء سوى الله»(1).

إنّ هذا الماء الطهور أفضل من أيّة نعمة وأعلى من كلّ موهبة، إذ أنّه يمزق ستار الغفلة، ويزيل الحجب، ويجعل الإنسان أهلاً للحضور الدائم في جوار القرب من الله تعالى، فإذا كان شراب الدنيا يزيل العقل ويبعد الإنسان عن الله، فإنّ الشراب الطهور يعطى من يد ساقي الجنّة، فيجرّد الإنسان عن ما سوى الله، ليغرق في جماله وجلاله، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الخفي الموهوب في الجنّة، ففي حديث روي عن النّبي(صلى الله عليه وآله) حول عين الشراب الطهور المستقرة عند باب الجنّة قال: «فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد! ... وذلك قول الله عزَّ وجلّ (وسقاهم ربّهم شراباً طهوراً)(2).

والظريف في عبارة طهور أنّها لم ترد في القرآن إلاّ في موردين: أحدهما في مورد المطر (الفرقان 48) الذي يطهر كل شيء ويحيي البلاد الميتة، والآخر في مورد الآية التي نحن بصدد بحثها، وهو الشراب الخاص بأهل الجنّة.

وفي آخر آية من آيات البحث يتحدث حديثاً أخيراً في هذا الإطار فيقول: إنّه يقال لهم من قبل ربّ العزّة بأنّ هذه النعم العظيمة ما هي إلاّ جزاء أعمالكم في الدنيا (إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً). لئلا يتصور أحد أنّ هذا الجزاء وهذه المواهب العظيمة تعطى من دون مقابل، إنّ كل ذلك جزاء السعي

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 411.

2 ـ نور الثقلين، ج 5، ص 485 ذيل الحديث 60.

[272]

والعمل، وثمرة الرياضات وجهاد النفس وبناء الذات وترك المعاصي(1).

ثمّ إنّ نفس بيان هذا الموضوع فيه لذّة خاصّة، إذ أنّ الله تعالى أو«ملائكته» يخاطب الأبرار ويقدم لهم الشكر والتقدير ويقول: إنّ هذا جزاء أعمالكم وإنّ سعيكم مشكور، بل قيل: إنّها نعمة ما فوقها نعمة وموهبة أعلى من كل المواهب وهي شكر الله للإنسان.

«كان»، فعل ماضي ويخبر عن الماضي، ولعلّه إشارة إلى أنّ هذه النعم كانت موفرة لكم من قبل، لأنّ من يهتم كثيراً بضيفه يهيء وسائل الضيافة له من قبل.

* * *

______________________________

1 ـ إن لهذه الآية تقدير مثل (يقال لهم) أو( يقول الله لهم).

[273]

الآيات

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنزِيلاً(23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْكَفُوراً(24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً(25) وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً(26)

التّفسير

خمسة مباديء مهمّة في تنفيذ حكم الله:

شرعت السورة منذ البداية وحتى هذه الآية في تبيان خلق الإنسان ثّم المعاد والبعث، وفي هذه الآيات مورد البحث يتوجه الخطاب إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)باصدار أوامر مؤكّدة لهداية الناس والصبر والثبات في هذا الطريق، وفي الواقع إنّ هذه الآيات تشير إلى أنّ نيل كل تلك النعم والمواهب الأُخروية لا يتمّ إلاّ بالتمسك بالقرآن وإتباع النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واطاعة أوامره.

ويقول في البدء: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً).

قال بعض العلماء إنّ مجيء (تنزيلاً) بصورة مفعول مطلق هو إشارة إلى النزول التدريجي للقرآن، إذ لا يخفى الأثر التربوي لذلك، وقيل هو إشارة إلى عظمة مقام هذا الكتاب السماوي وتأكيد نزوله من قبل الله تعالى، خصوصاً ما

[274]

ورد من التأكيدات الأُخرى في الآيات الآتية (التأكيد بأنّ، ونحن، والجملة الإسمية) وهو جواب لمن يتهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكهانة والسحر والإفتراء على الله تعالى.

ثمّ يأمر النّبي بأمور خمسة، أولها الدعوة إلى الصبر والإستقامة فيقول: (فاصبر لحكم ربّك).

أي لا تخف من المشاكل ومن موانع الطريق وكثرة الأعداء وعنادهم واستقم في سيرك على الصراط المستقيم. والجدير بالإنتباه أنّ الأمر بالصبر (مع ملاحظة (فاء التفريع) في (فاصبر) متفرع على نزول القرآن من الله تعالى، أي إذا كان الله قد أيّدك وحماك فيجب عليك أن تصبر في هذا الطريق، والتعبير بـ (الرب) إشارة لطيفة أُخرى إلى نفس هذا المعنى.

والأمر الثّاني الموجّه للنّبي(صلى الله عليه وآله) هو تحذيره من أي توافق مع المنحرفين، فيقول تعالى: (ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً).

في الحقيقة أنّ هذا الحكم هو تأكيد ثان على الحكم الأوّل، لأنّ جموع الأعداء كانوا يسعون بطرق مختلفة للتوافق مع النّبي وجرّه إلى طريق الباطل، كما نقل أنّ «عتبة بن ربيعة» و«الوليد بن المغيرة» قالا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إن تركت دعوتك، فإنّنا سنغنيك حتى ترضى، ونزوجك أجمل بنات العرب، وعروض أُخرى من هذا القبيل، فما كان على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هنا باعتباره المرشد الحقيقي والعظيم إلاّ أن يقف أمام هذه الوساوس الشيطانية والتهديدات التي صدرت منهم بعد ذلك، ولا يستسلم للترغيب أو الترهيب.

صحيح أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن قد استسلم، ولكن هذا التأكيد يشير الى أهمية الموضوع ليكون نموذجاً خالداً لسائر مرشدي طريق الله عزَّ وجلّ رغم أنّ بعض المفسّرين ذهبوا الى أنّ (آثماً) هو عتبة بن ربيعة، و«كفور» هو الوليد بن المغيرة أو أبو جهل، وهم من مشركي العرب، ولكنّ الواضح أنّ كل من (آثم) أي

[275]

(العاصي) و«كفور» أي (المبالغ في الكفر) له معنى واسع إذ يشمل جميع المجرمين والمشركين وإن كان هؤلاء الثلاثة من مصاديقها الواضحة، والملاحظ أنّ (آثماً) له مفهوم عام يستوعب بذلك (الكفور) أيضاً، لذا فإنّ ذكر (كفور) كذكر الخاص بعد العام للتأكيد.

ولكن بما أنّ الصبر والإِستقامة في مقابل هذه المشكلات العظيمة ليس بالامر اليسير، كان من الضروري لسلوك هذا الطريق التزّود بنوعين من الزاد، لذا يضيف القرآن في الآية الأُخرى: (واذكر اسم ربّك بكرة وأصيلاً) أي في كل صباح ومساء،. ويقول تعالى أيضاً: (ومن الليل فاسجد له وسبّحه ليلاً طويلاً).

لتتوفر لديك في ظل ذلك الذكر وهذا السجود والتسبيح قوّة كافية وقدرة معنوية لمواجهة مشاكل هذا الطريق.

(بكرة) على وزن (نكتة) يعني بداية اليوم، و(أصيل) نقيض بكرة، أي آخر اليوم.

وقيل إنّ إطلاق هذه اللفظة على آخر اليوم مع أنّها مشتقة من مادة (أصل) هو كون آخر اليوم يشكل الأصل والأساس للّيل.

ويستفاد من بعض التعابير أنّ (أصيل) تطلق أحياناً على الفترة ما بين الظهر والغروب (مفردات الراغب الأصفهاني).

ويظهر من آخرين أنّ (أصل) يقال لأوائل الليل، لأنّهم فسروا ذلك  بـ «العشي» والعشي هو بداية الليل كما يقال لصلاتي المغرب والعشاء بالعشائين، حتى أنّه يستفاد من بعض الكلمات أنّ «العشي» هو من زوال الظهر حتى صباح الغد(1) ولكنّ بالإلتفات إلى أنّ كلمة (أصيل) وردت في الآية الشريفة في مقابل «بكرة» ثمّ تحدثت الآية بعد ذلك عن العبادة الليلية. يتّضح أنّ المراد هو الطرف الآخر للنهار.

______________________________

1 ـ مفردات الراغب.

[276]

على كل حال فإنّ هاتين الآيتين في الحقيقة تأكيد لضرورة التوجّه الدائم والمستمر لذات الله المقدسة.

وقال آخرون: إنّ المراد هو الصلوات الخمس، أو بإضافة صلاة الليل، أو خصوص صلاة الصبح والعصر والمغرب والعشاء ولكنّ الظاهر هو أنّ هذه الصلوات مصاديق من هذا الذكر الإلهي المستمر والتسبيح والسجدة لمقامه المقدس.

التعبير بـ (ليلاً طويلاً) إشارة إلى ضرورة التسبيح لفترة طويلة من الليل، ففي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) لمّا سئل عن المقصود من التسبيح في هذه الآية؟ قال(عليه السلام): «هو صلاة الليل»(1).

ولا يستبعد أن يكون هذا التفسير من باب تبيان المصداق الواضح لما تترك صلاة الليل من الأثر البالغ في تقوية روح الإيمان، وتهذيب النفوس. والحفاظ على حيوية إرادة الإنسان في طريق طاعة الله.

ويجب هنا الإلتفات إلى أنّ الأوامر الخمسة المذكورة في الآيات أعلاه وإن ذكرت بصورة منهج للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي في الحقيقة دستوراً يحتذي به كلّ من يخطو في مسير قيادة المجتمع البشري، إنّهم يجب أن يعلموا بعد الإيمان الكامل بأهدافهم ورسالتهم بضرورة احتراف الصبر والإستقامة، وأن لا يستوحشوا من كثرة مشاكل الطريق، لأنّ هداية المجتمع من المشاكل العظيمة، وهي كذلك دائماً، ولم تثمر الرسالة إن لم يمتلك قادتها الصبر والإستقامة.

وفي المرحلة الأُخرى يجب الثبات التام أمام الوساوس الشيطانية والتي تعتبر مصداقاً للآثم والكفور، والثبات أمام سعيهم في حرف القادة والأئمة بأنواع

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 10، ص 413.

[277]

الحيل والمكائد، وأن لا ينخدعوا بالتطميع ولا يتأثروا بالتهديد، ويذكروا الله تعالى في كل المراحل لاكتساب القدرة الروحية وقوة الإرادة والعزم الراسخ، والإستمداد من العبادات الليلية، والمناجات مع الله، فإذا ما روعيت هذه الاُمور فالنصر حتميٌ، وحتى لو عرضت مصيبة أو هزيمة فإنّه يمكن إصلاحها من خلال هذه الأُصول، ومنهج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وسلوكه في دعوته نموذج مؤثر لجميع السالكين في هذا الطريق.

* * *

[278]

الآيات

إِنَّ هَـؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً(27) نَّحْنُ خَلَقْنَـهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـلَهُمْ تَبْدِيلاً(28) إِنَّ هَـذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً(29) وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً(30) يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَالظَّـلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً(31)

التّفسير

تحذير مع بيان السبيل!!

رأينا في الآيات السابقة تحذيراً للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لكي لا يقع تحت تأثير كل آثم أو كفور من المجرمين، والتاريخ يشهد أنّهم كانوا يستعينون لسذاجتهم بالمال والجاه والنساء للنفوذ في إرادة النبي(صلى الله عليه وآله) وعزمه على ادامة الدعوة.

الآيات اعلاه عرّفت الأعداء بشكل أكثر وقالت: (إنّ هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً). لا تتعدى أُفق أفكارهم دائرة الطعام والنوم والشهوة، وتمثل هذه اللذائذ المادّية الرخيصة أسمى غاية لهم في الحياة.

[279]

والعجيب أنّهم قاسوا روح النّبي(صلى الله عليه وآله) العظيمة بهذا المقياس! ولم ينتبه هؤلاء الغافلين إلى اليوم الثقيل الذي ينتظرهم، ثقيل من حيث العقوبات، ثقيل من حيث المحاسبة، وثقيل من حيث طول الزمان وشدّة الفضيحة.

وقد جاء التعبير بـ (وراءهم) مع أنّ المفروض أن يقال (أمامهم) لأنّهم نسوا ذلك اليوم، وكأنّهم تركوه وراءهم، ولكن على قول بعض المفسّرين أنّ كلمة (وراء) تستعمل أحياناً بمعنى «خلف» وأحياناً بمعنى «أمام»(1).

الآية التالية تحذرهم من الاغترار بقوتهم وقدرتهم، إذ أنّ الله الذي أعطاهم إيّاها قادر على أن يستردها بسرعة متى شاء، فيقول تعالى: (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً)(2).

(أسر) على وزن (عصر) وأصلهُ الربط بالقيد، ولهذا سمي الأسير بهذا الاسم لربطه وشدّه، وهنا إشارة إلى استحكام خلقة الإنسان بحيث يقدر على مزاولة مختلف النشاطات والفعاليات المهمّة.

هنا يشير القرآن إلى نقطة حساسة، وهي الأعصاب الصغيرة والكبيرة التي تشدّ العضلات فيما بينها كالحبال الحديدية وتربط بعضها بالبعض الآخر، وحتى المفاصل والعضلات المختلفة وقطع العظام الصغيرة والكبيرة وأعضاء الانسان بحيث يتكون من مجموع ذلك إنسان واحد مهيأ للقيام بأية فعالية، وعلى كل حال فهذه الجملة كناية عن القدرة والقوّة.

وتوضّح هذه الآية ضمناً استغناء ذات الله المقدّسة، عنهم، وعن طاعتهم وإيمانهم، ليعلموا أنّ الاصرار على إيمانهم في الحقيقة هو من رحمة الله بهم.

______________________________

1 ـ جاء في تفسير (روح البيان) أن كلمة (وراء) إذا أُضيفت إلى الفاعل فإنّها تعني الخلف، وإذا أُضيفت إلى المفعول فإنّها بمعنى «الأمام» روح البيان، ج 8، ص 439.

2 ـ في هذه الآية حذف، وفي التقدير (بدلناهم أمثالهم) كلمة (تبديل) غالباً ما تأخذ مفعولين وهنا الضمير (هم) مفعول أوّل و(أمثالهم) مفعول ثان.

[280]

وقد ورد نظير هذا المعنى في الآية (133) من سورة الأنعام اِذ يقول: (وربّك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء).

ثمّ أشار تعالى إلى جميع البحوث الواردة في هذه السورة والتي تشكل بمجموعها برنامجاً متكاملاً للحياة السعيدة، فيقول تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً)(1).

إن علينا إيضاح الطريق، لا اجباركم على اختيار الطريق، وعليكم تمييز الحق من الباطل بما لديكم من العقل والإدراك، واتخاذ القرار بإرادتكم واختياركم، وهذا في الحقيقة تأكيداً على ما جاء في صدر السورة في قوله: (إنا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً).

وقد يتوهّم بعض السذّج من العبارة أعلاه أنّها تعني التفويض المطلق للعباد، فجاءت الآية التالية لتنفي هذا التصور وتضيف: (وما تشاءُون إلاّ أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً)(2).

وهذا في الحقيقة إثبات لأصل مشهور هو (الأمر بين الأمرين)، إذ يقول من جهة: (إنا هديناه السبيل) فعليكم أن تختاروا ما تريدون، ويضيف من جهة أُخرى: (وما تشاءُون إلا أن يشاء الله) أي ليس لكم لإستقلال الكامل، بل إن قدرتكم واستطاعتكم وحريتكم لا تخرج عن دائرة المشيئة الإلهية، وهو قادر على أن يسلب هذه القدرة والحرية متى شاء.

من هذا يتّضح أنّه لا جبر ولا تفويض في الأوامر، بل إنّها حقيقة دقيقة وظريفة بين الأمرين، أو بعبارة أُخرى: إنّها نوع من الحرية المرتبطة بالمشيئة

______________________________

1 ـ قيل أن في الآية حذف، والتقدير: (فمن شاء اتخذ إلى رضى ربّه سبيلاً) ولكن الحق عدم احتياج الآية للتقدير، لأن جميع طرق التكامل تنتهي إلى الله تعالى.

2 ـ جمع من المفسرين قالوا أن جملة (إن يشاء الله) محلها من الإعراب منصوبة على الظرفية فيكون المعنى: (ما تشاءُون إلا وقت مشيئة الله) ويحتمل أن التقدير هنا (شيئاً) فيكون المعنى: (وما تشاءُون إلا شيئاً يشاء الله).

[281]

الإلهية، إذ يمكن سلبها متى يشاء ليتسنى للعباد تحمل ثقل المسؤولية الذي يعتبر رمزاً للتكامل من جهة، ومن جهة أُخرى أن لا يتوهموا استغنائهم عن الله تعالى.

والخلاصة، أنّ هذه الآية تدعو الانسان إلى أن لا يتوهّم أنّه مستغن عن رعاية الله وتوفيقه. وفي نفس الوقت تؤكد حريته في أعماله وسلوكه.

ويتضح هنا أنّ تمسك بعض المفسّرين القائلين بالجبر كالفخر الرازي بهذه الآية بسبب الخلفيات الذهنية المسبقة في هذه المسألة، فيقول: واعلم أنّ هذه الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر!(1) نعم، إذا فَصَلنا هذه الآية عن الآيات السابقة فهناك محلّ لهذا الوهم. ولكن بالإلتفات إلى ما ورد من تأثير الإختيار في آية، وفي آية أُخرى تأثير المشيئة الإلهية، يتّضح بصورة جيدة مفهوم (الأمر بين الأمرين).

وعجيب أن أنصار التفويض يتمسكون بتلك الآية التي تتحدث عن الإختيار المطلق فقط، وأنصار الجبرية يتمسكون بالآية التي تشير إلى الجبر فقط، ويريد كل منهما تبرير أحكامهم المسبقة بتلك الآية، والحال أنّ الفهم الصحيح للكلام الإلهي (أو أي كلام آخر) يستوجب ضمّ الآيات جنباً إلى جنب، وترك التعصب والقضاء بالأحكام المسبقة.

ولعلّ آخر الآية: (إن الله كان عليماً حكيماً). يشير حكمه إلى هذا المعنى، لأنّ حكمة الله تستوجب إعطاء الحرية للعباد في سلوك طريق التكامل، وإلاّ فإنّ التكامل الإجباري لا يعدّ تكاملاً، بالإضافة إلى أنّ حكمة الله لا تتفق مع فرض الأعمال الخيرة على أُناس وفرض الأعمال الشريرة على أُناس آخرين، ثمّ أنّه يثيب الجماعة الأُولى ويعاقب الثانية.

ثمّ تشير الآية الأُخرى بعد ذلك إلى مصير الصالحين والطالحين في جملة

______________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي ج 30 ص 262.

[282]

قصيرة غنية المحتوى إذ تقول الآية: (يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً) والظريف أنّ صدر الآية يقول: (يدخل من يشاء في رحمته)ويقول ذيلها:(والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً) وهذا يشير إلى أنّ مشيئته تعالى بعقوبة الانسان تتبع مشيئة الإنسان للظلم والمعاصي، وبقرينة المقابلة يتّضح أنّ مشيئته تعالى في الرحمة تتبع إرادة الإنسان في الإيمان والعمل الصالح وإقامة العدل، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر إلاّ من حكيم.

والعجيب أنّ مع هذه القرينة فهناك أفراد كالفخر الرازي ممن يتخذ صدر هذه الآية دليلاً على مسألة الجبر من دون الإلتفات إلى آخر الآية التي يتحدث عن حرية الإرادة في أعمال الظالمين(1).

اللهم! ادخلنا في رحمتك ونجّنا من العذاب الأليم الذي ينتظر الظالمين.

ربّنا! إنّك أوضحت السبيل إليك. وقد عزمنا على سلوكه، فأعنّا على ذلك.

ربّنا! إنّنا إن لم نكن من الأبرار ولكنّا نحبّهم، فاحشرنا معهم.

آمين يا ربّ العالمين

نهاية سورة الدهر

______________________________

1 ـ لمزيد من التوضيح حول آيات (المشيئة) راجع تفسير الآية 37 سورة الزمر.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8895865

  • التاريخ : 5/08/2020 - 04:55

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net