00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المدثر من أول السورة ـ آخر السورة من ( ص 151 ـ 196 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء التاسع عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[151]

سُورَة المُدَّثّر

مَكيَّة

وَعَدَدُ آيَآتِهَا سِتٌ وخمسُون آية

[153]

 

«سورة المدّثّر»

محتوى السورة:

لا شك أنّ هذه السورة هي من السور المكّية ولكن هناك تساؤل عن أنّ هذه السورة هل هي الاُولى النازلة على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أم نزلت بعد سورة العلق؟

يتّضح من التمعن في محتوى سورة العلق والمدثر أنّ سورة العلق نزلت في بدء الدعوة، وأنّ سورة المدثر نزلت في زمن قد اُمر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه بالدعوة العلنية، وانتهاء فترة الدعوة السرّية، لذا قال البعض أنّ سورة العلق هي أوّل سورة نزلت في صدر البعثة، والمدثر هي السورة الاُولى التي نزلت بعد الدعوة العلنية، وهذا الجمع هو الصحيح.

ومهما يكن فإنّ سياق السور المكّية التي تشير إلى الدعوة وإلى المبدأ والمعاد ومقارعة الشرك وتهديد المخالفين وإنذارهم بالعذاب الإلهي واضح الوضوح في هذه السورة.

يدور البحث في هذه السورة حول سبعة محاور وهي:

1 ـ يأمر اللّه تعالى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإعلان الدعوة العلنية، ويأمر أن ينذر المشركين، وتمسك بالصبر والإستقامة في هذا الطريق والإستعداد الكامل لخوض هذا الطريق.

2 ـ تشير إلى المعاد وأوصاف أهل النّار الذين واجهوا القرآن بالتكذيب والإعراض عنه.

[154]

3 - الإشارة إلى بعض خصوصيات النّار مع إنذار الكافرين.

4 - التأكيد على المعاد بالأقسام المكررة.

5 ـ إرتباط عاقبة الإنسان بعمله، ونفي كل أنواع التفكر غير المنطقي في هذا الإطار.

6 - الإشارة إلى قسم من خصوصيات أهل النّار وأهل الجنّة وعواقبهما.

7 - كيفية فرار الجهلة والمغرورين من الحقّ.

فضيلة السورة:

ورد في حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من قرأ سورة المدثر اُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بمحمّد وكذب به بمكّة»(1).

وورد في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقّاً على اللّه أن يجعله مع مجمّد في درجته، ولا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبداً»(2)

وبديهي أنّ هذه النتائج العظيمة لا تتحقق بمجرّد قراءة الألفاظ فحسب، بل لابدّ من التمعن في معانيها وتطبيقها حرفياً.

* * *

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج10، ص383.

2 ـ المصدر السابق.

[155]

الآيات

يأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4) وَالرُّجْزَ فاهْجُرْ(5) وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6) وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ(7) فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ(8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)عَلَى الكَـفِرِينَ غَيرُ يَسِير(10)

التّفسير

قم وانذر النّاس:

لا شك من أنّ المخاطب في هذه الآيات هو النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يصرح باسمه، ولكن القرائن تشير إلى ذلك، فيقول أوّلاً: (يا أيّها المدثر قم فانذر) فلقد ولى زمن النوم الإستراحة، وحان زمن النهوض والتبليغ، وورد التصريح هنا بالانذار مع أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مبشرٌ ونذير، لأنّ الإنذار له أثره العميق في إيقاظ الأرواح النائمة خصوصاً في بداية العمل.

وأورد المفسّرون احتمالات كثيرة عن سبب تدثره(صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوته إلى القيام والنهوض.

1 ـ اجتمع المشركون من قريش في موسم الحج وتشاور الرؤوساء منهم

[156]

كأبي جهل وأبي سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وغيرهم في ما يجيبون به عن أسئلة القادمين من خارج مكّة وهم يناقشون أمر النّبي الذي قد ظهر بمكّة، وفكروا في وأن يسمّي كلّ واحد منهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) باسم، ليصدوا الناس عنه، لكنّهم رأوا في ذلك فساد الأمر لتشتت أقوالهم، فاتفقوا في أن يسمّوه ساحراً، لأنّ أحد آثار السحرة الظاهرة هي التفريق بين الحبيب وحبيبه، وكانت دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أثّرت هذا الأثر بين الناس! فبلغ ذلك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فتأثر واغتم لذلك، فأمر بالدثار وتدثر، فأتاه جبرئيل بهذه الآيات ودعاه إلى النهوض ومقابلة الأعداء.

2 ـ إنّ هذه الآيات هي الآيات الأُولى التي نزلت على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لما نقله جابر بن عبد اللّه قال: جاورت بحراء فلمّا قضيت جواري نوديت يا محمّد، أنت رسول اللّه، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فملئت منه رعباً، فرجعت إلى خديجة وقلت: «دثروني دثروني، وأسكبوا عليّ الماء البارد»، فنزل جبرئيل بسورة: (يا أيّها المدّثر).

ولكن بلحاظ أن آيات هذه السورة تطرقت للدعوة العلنية، فمن المؤكّد أنّها نزلت بعد ثلاث سنوات من الدعوة الخفية، وهذا لا ينسجم والروية المذكورة، إلاّ أن يقال بأنّ بعض الآيات التي في صدر السورة قد نزلت في بدء الدعوة، والآيات الاُخرى مرتبطة بالسنوات التي تلت الدعوة.

3 ـ إنّ النّبي كان نائماً وهو متدثر بثيابه فنزل عليه جبرائيل(عليه السلام) موقظاً إيّاه، ثمّ قرأ عليه الآيات أن قم واترك النوم واستعد لإبلاغ الرسالة.

4 ـ ليس المراد بالتدثر التدثر بالثياب الظاهرية، بل تلبسه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة والرسالة كما قيل في لباس التقوى.

[157]

5 ـ المراد به اعتزاله(صلى الله عليه وآله وسلم) وانزواؤه واتّخاذه الوحدة، ولهذا تقول الآية اخرج من العزلة والإنزواء، واستعد لإنذار الخلق وهداية العباد(1) والمعني الأوّل هو الأنسب ظاهراً.

ومن الملاحظ أنّ جملة (فانذر) لم يتعين فيها الموضوع الذي ينذر فيه، وهذا يدل على العمومية، يعني انذار الناس من الشرك وعبادة الأصنام والكفر والظلم والفساد، وحول العذاب الإلهي والحساب المحشر...الخ (ويصطلح على ذلك بأن حذف المتعلق يدل على العموم). ويشمل ضمن ذلك العذاب الدنيوي والعذاب الاُخروي والنتائج السيئة لأعمال الإنسان التي سيبتلى بها في المستقبل.

ثم يعطي للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة أوامر مهمّة بعد الدعوة إلى القيام والإنذار، تعتبر منهاجاً يحتذى به الآخرون، والأمر الأوّل هو في التوحيد، فيقول: (وربّك فكبر)(2).

ذلك الربّ الذي هو مالكك مربيك، وجميع ما عندك فمنه تعالى، فعليك أن تضع غيره في زاوية النسيان وتشجب على كلّ الآلهة المصطنعة، وامح كلّ آثار الشرك وعبادة الأصنام.

ذكر كلمة (ربّ) وتقديمها على (كبّر) الذي هو يدل على الحصر، فليس المراد من جملة «فكبر» هو (اللّه أكبر) فقط، مع أنّ هذا القول هو من مصاديق التكبير كما ورد من الرّوايات، بل المراد منهُ أنسب ربّك إلى الكبرياء والعظمة اعتقاداً وعملاً، قولاً فعلاً وهو تنزيهه تعالى من كلّ نقص وعيب، ووصفه

______________________________

1 ـ أورد الفخر الرازي هذه التفاسير الخمسة بالإضافة إلى إحتمالات أُخرى في تفسيره الكبير، واقتبس منه البعض الآخر من المفسّرين (تفسير الفخر الرازي، ج30، ص189 ـ 190).

2 ـ الفاء من (فكبر) زائدة للتأكيد بقول البعض، وقيل لمعنى الشرط، والمعنى هو: لا تدع التكبير عند كلّ حادثة تقع، (يتعلق هذا القول بالآيات الاُخرى الآتية أيضاً).

[158]

بأوصاف الجمال، بل هو أكبر من أن يوصف، ولذا ورد في الرّوايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في معنى اللّه أكبر: «اللّه أكبر من أن يوصف»، ولذا فإنّ التكبير له مفهوم أوسع من التسبيح الذي هو تنزيهه من كل عيب ونقص.

ثمّ صدر الأمر الثّاني بعد مسألة التوحيد، ويدور حول الطهارة من الدنس فيضيف: (وثيابك فطهّر)، التعبير بالثوب قد يكون كناية عن عمل الإنسان، لأنّ عمل الإنسان بمنزلة لباسه، وظاهره مبين لباطنه، وقيل المراد منه القلب والروح، أي طهر قلبك وروحك من كلّ الأدران، فإذا وجب تطهير الثوب فصاحبه اولى بالتطهير.

وقيل هو اللباس الظاهر، لأنّ نظافة اللباس دليل على حسن التربية والثقافة، خصوصاً في عصر الجاهلية حيث كان الإجتناب من النجاسة قليلاً وإن ملابسهم وسخة غالباً، وكان الشائع عندهم تطويل أطراف الملابس (كما هو شائع في هذا العصر أيضاً) بحيث كان يُسحل على الأرض، وما ورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام)في معنى أنّه: «ثيابك فقصر»(1)، ناظر إلى هذا المعنى.

وقيل المراد بها الأزواج لقوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)(2)، والجمع بين هذه المعاني ممكن، والحقيقة أنّ الآية تشير إلى أنّ القادة الإلهيين يمكنهم إبلاغ الرسالة عند طهارة جوانبهم من الأدران وسلامة تقواهم، ولذا يستتبع أمر إبلاغ الرسالة ولقيام بها أمر آخر، هو النقاء والطهارة.

ويبيّن تعالى الأمر الثّالث بقوله: (والرّجز فاهجر) المفهوم الواسع للرجز كان سبباً لأن تذكر في تفسيره أقوال مختلفة، فقيل: هو الأصنام، وقيل: المعاصي، وقيل: الأخلاق الرّذيلة الذميمة، وقيل: حبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة، وقيل هو العذاب الإلهي النازل بسبب الترك والمعصية، وقيل: كل ما يلهي

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج10، ص385.

2 ـ البقرة، 187.

[159]

عن ذكر اللّه.

والأصل أنّ معنى «الرجز» يطلق على الإضطراب والتزلزل(1) ثمّ اُطلق على كل أنواع الشرك، عبادة الأصنام، والوساوس الشيطانية والأخلاق الذميمة والعذاب الإلهي التي تسبب اضطراب الإنسان، فسّره البعض بالعذاب(2)، وقد اُطلق على الشرك والمعصية والأخلاق السيئة وحبّ الدّنيا تجلبه من العذاب.

وما تجدر الإشارة إليه أنّ القرآن الكريم غالباً ما استعمل لفظ «الرجز» بمعنى العذاب(3)، ويعتقد البعض أنّ كلمتي الرجز والرجس مرادفان(4).

وهذه المعاني الثلاثة، وإن كانت متفاوتة، ولكنّها مرتبطة بعصها بالآخر، وبالتالي فإنّ للآية مفهوماً جامعاً، وهو الإنحراف والعمل السيء، وتشمل الأعمال التي لا ترضي اللّه عزّوجلّ، والباعثة على سخز اللّه في الدنيا والآخرة، ومن المؤكّد أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هجر واتقى ذلك حتى قبل البعثة، وتاريخه الذي يعترف به العدو والصديق شاهد على ذلك، وقد جاء هذا الأمر هنا ليكون العنوان الأساس في مسير الدعوة إلى اللّه، وليكون للناس اُسوة حسنة.

ويقول تعالى في الأمر الرّابع: (ولا تمنن تستكثر).

هنا التعلق محذوف أيضاً، ويدل على سعة المفهوم كليته، ويشمل المنّة على اللّه والخلائق، أي فلا تمنن على اللّه بسعيك واجتهادك، لأنّ اللّه تعالى هو الذي منّ عليك بهذا المقام المنيع.

ولا تستكثر عبادتك وطاعتك وأعمالك الصالحة، بل عليك أن تعتبر نفسك مقصراً وقاصراً، واستعظم ما وفقت إليه من العبادة.

______________________________

1 ـ مفردات الراغب.

2 ـ الميزان، في ظلال القرآن.

3 ـ راجع الآيات، 134 ـ 135 من سورة الاعراف، والآية 5 من سورة سبأ، والآية 11 من سورة الجاثية، والآية 59 من سورة البقرة، والآية162 من سورة الأعراف، والآية 34 من سورة العنكبوت.

4 ـ وذكر ذلك في تفسير الفخر الرازي بصورة احتمال، ج30، ص193.

[160]

وبعبارة أُخرى: لا تمنن على اللّه بقيامك بالإنذار ودعوتك إلى التوحيد وتعظيمك للّه وتطهيرك ثيابك وهجرك الرجز، ولا تستعظم كل ذلك، بل أعلم أنّه لو قدمت خدمة للناس سواءاً في الجوانب المعنوية كالإرشاد والهداية، أم في الجوانب المادية كالإنفاق والعطاء فلا ينبغي أن تقدمها مقابل منّة، أو توقع عوض أكبر ممّا اُعطيت، لأنّ المنّة تحبط الأعمال الصالحة: (يا أيّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)(1).

«لا تمنن» من مادة «المنّة» وتعني في هذه الموارد الحديث عن تبيان أهمية النعم المعطاة للغير، وهنا يتّضح لنا العلاقة بينه وبين الإستكثار، لأنّ من يستصغر عمله لا ينتظر المكافأة، فكيف إذن بالإستكثار، فإنّ الإمتنان يؤدي دائماً إلى الإستكثار، وهذا ممّا يزيل قيمة النعم، وما جاء من الرّوايات يشير لهذا المعنى: «لا تعط تلتمس أكثر منها»(2) كما جاء في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام)في تفسير الآية: «لا تستكثر ما عملت من خير للّه»(3) وهذا فرع من ذلك المفهوم.

ويشير في الآية الأُخرى إلى الأمر الأخير في هذا المجال فيقول: (ولربّك فصبر)، ونواجه هنا مفهوماً واسعاً عن الصبر الذي يشمل كلّ شيء، أي اصبر في طريق أداء الرسالة، واصبر على أذى المشركين الجهلاء، واستقم في طريق عبودية اللّه وطاعته، واصبر في جهاد النفس وميدان الحرب مع الأعداء.

ومن المؤكّد أنّ الصبر هو ضمان لإجراء المناهج السابقة، والمعروف أنّ الصبر هو الثروة الحقيقية لطريق الإبلاغ والهداية، وهذا ما اعتمده القرآن الكريم

______________________________

1 ـ البقرة، 264.

2 ـ نور الثقلين، ج5، ص454، وتفسير البرهان، ج4، ص400.

3 ـ المصدر السابق.

[161]

كراراً، ولهذا نقرأ في حديث أميرالمؤمنين(عليه السلام): «الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»(1)، ولقد كان الصبر والإعتدال أحد الاُصول المهمّة لمناهج الأنبياء والمؤمنين. وكلما ازدادت عليهم المحن ازداد صبرهم.

ورد في حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال حول أجر الصابرين: «قال اللّه تعالى: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثمّ استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً».

ثمّ أنّ الآيات الشريفة وفي تعقيب لأمر ورد في الآيات السابقة في إطار القيام وإنذار المشركين، توكّد مرّة اُخرى على الإنذار والتحذير، فيقول تعالى: (فإذا نقرّ في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير).

وردت احتمالات متعددة في تركيب هذه الجملة، أفضلها ما جاء في كتاب (البيان في غريب إعراب القرآن) والذي يقول: (ذلك مبتدأ ويومئذ بدل ويوم عسير خبره)، والملاحظ أنّ (ناقور) هي في الأصل من نقر، ويعني الدق المؤدي إلى الإثقاب ومنها سمّي المنقار، وهو ما تمتلكه الطيور لدق الأشياء وثقبها، ولذلك يطلق اسم النّاقور على مزمار الذي يخرق صوته اُذن الإنسان وينفذ إلى دماغه.

ويستفاد من الآيات القرآنية أنّ في نهاية الدنيا وبدء المعاد بنفخ في الصور مرّتين، أي أن له صوتين موحشين ومرعبين يملآن مسامع العالم بأسره، أوّلهما صوت الموت، والثّاني صوت اليقظة والحياة، ويعبر عنهما (نفخة الصور الاُولى) و (نفخة الصور الثّانية) وهذا الآية تشير إلى نفخة الصور الثّانية، والتي يكون معها

______________________________

1 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار، 82.

[162]

يوم البعث وهو يوم صعب وثقيل على الكفّار، ولقد كان لنا بحث مفصل حول الصور ونفخة الصور في ذيل الآية (68) من سورة الزمر.

على كل حال فإنّ الآيات المذكورة أعلاه تشير إلى حقيقة أنّ مشاكل الكفّار تظهر الواحدة بعد الأُخرى في يوم نفخة البعث، وهو يوم أليم ومفجع، ويركّع أقوى الناس.

* * *

[163]

الآيات

ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً(11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً (12)وَبَنِينَ شُهُوداً(13) وَمَهَّدْتُّ لَهُ تَمْهِيداً(14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لاَِيَتِنَا عَنِيداً(16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً(17)

سبب النّزول

ذكر سببان هذه الآيات، هما:

1 ـ اجتمعت قريش في دار الندوة فالتفت الوليد بن المغيرة إليهم، وكان الوليد شيخاً كبيراً مجرباً من دهاة العرب، وقال: وحدوا قولكم، فإنّ العرب يأتونكم من كل صوب ويسألونكم عمّا خفي عنهم لما عندكم من المنزلة السامية، ثمّ قال: ماذا تقولون في الرجل ـ وكان يعني رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قالوا: شاعر. فقبض الوليد وجهه، وقال إنّنا سمعنا الشعر وما هو شعر، قالوا: كاهن، قال: هل يصدر منه كلام الكهنة عند استماعكم إليه؟ هل يتحدث عن الغيب ؟ قالوا: مجنون. قال: لا يظهر عليه أثر الجنون. قالوا: ساحر: قال: كيف؟ قالوا: يفرق بين الحبيب وحبيبه، فقال: بلى ـ لافتراق من كان يسلم عن جماعته، فتفرّقوا وصاروا يمرون برسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وينادونه يا ساحر يا ساحر، فسمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك

[164]

واغتم لهذا الأمر، فنزلت بالآيات المذكورة في صدر السورة حتى الآية (25) لمواساة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقيل: لما نزلت عليه: (حم تنزيل الكتاب من اللّه العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العذاب) قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه مخزوم، فقال: واللّه، لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمُثْمَر وأنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو وما يُعلى، ثمّ انصرف إلى منزله.

فقالت قريش: صبا ـ واللّه ـ الوليد، واللّه لتصبأنّ قريش كلّها، وكان يقال للوليد ريحانة قريش، فقال أبوجهل: أنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد: ما أراك حزيناً يا ابن أخي، قال: هذه قريش يعيبونك على كبر سنّك، ويزعمون أنّك مدحت كلام محمّد فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال: أتزعمون أنّ محمّداً مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ فقالوا: اللّهمّ لا.

قال: أتزعمون أنّه كاهن، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك؟ قالوا: اللّهم لا.

قال: أتزعمون أنّه شاعر، فهل رأيتموه أنّه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: أتزعمون أنّه كذّاب، فهل جربتم على شيئاً من الكذب؟ قالوا: اللّهمّ لا، وكان يسمى الصادق الأمين قبل النبوّة من صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟! فتفكر في نفسه، ثمّ نظر وعبس، فقال: ما هو إلاّ ساحر، ما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحرٌ يؤثر(1).

* * *

______________________________

1 ـ مجمع البيان، ج10، ص386; نقل المفسّرون سبب النزول هذا مع الإختلاف البسيط كالقرطبي والمراغي والفخر الرازي في ظلال القرآن والميزان وغير ذلك.

[165]

التّفسير

الوليد بن النغيرة ...الثري المغرور:

تواصل هذه الآيات انذار الكفّار والمشركين كما في الآيات السابقة مع فارق، وهو أنّ الآيات السابقة كانت تنذر الكافرين بشكل عام، وهذه تنذر أفراداً معينين بتعابير قوية وبليغة بأشدّ الإنذارات، فيقول تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً)والآيات الآتية نزلت في الوليد بن المغيرة كما قلنا، وهو من أقطاب قريش المشهورين و (وحيداً) يمكن أن يكون وصفاً للخالق جلّ شأنه، ويمكن أن يكون للمخلوق، وهناك احتمالان للمعنى الأوّل للوحيد.

الأوّل: ذرني وحيداً مع هذا الكافر لاُعذّبه عذاباً شديداً.

والآخر: دعني ومن خلقته حال كوني وحيداً لا يشاركني في خلقه أحد، ثمّ دبّرت أمره أحسن التدبير، ولا تحلّ بيني وبينه لكونه منكراً لنعمائي.

وأمّا المعنى الثّاني فهناك احتمالات أيضاً، فقد يكون المعنى: دعني ومن خلقته حال كونه وحيداً في بطن اُمّه وعند ولادته لا أموال عنده ولا أولاد، ثمّ وهبته من نعمائي.

أو أنّه سمّي نفسه بذلك كما في المقولة المشهورة: «أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي نظير(1)»! وذكر المعنى في الآية استهزاء بقوله وأحسن الوجوه الأربعة أوّلها.

ثمّ يضيف تعالى: (وجعلت له مالاً ممدوداً).

«الممدود»: يعني في الأصل المبسوط، ويشير إلى كثرة أمواله وحجمها.

وقيل: إنّ أمواله بلغت حدّاً من الكثرة بحيث ملك الإبل والخيول والأراضي الشاسعة ما بين مكّة والطائف، وقيل إنّه يملك ضياع ومزارع دائمة الحصاد، وله

______________________________

1 ـ تفسير ذيل الآيات المذكورة للفخر الرازي، والكشاف والمراغي والقرطبي، ويستفاد من بين الرّوايات الواردة في معنى الوحيد أنّه ولد الزنا الذي ليس له أب، ولا قرينة للرّواية في تفسير الآية وليس لمعنى الرواية تناسب مع الآية.

[166]

مائة ألف دينار ذهب، وكل هذه المعاني تجتمع في كلمة «الممدود».

ثمّ أشار تعالى إلى قوته في قوله: (وبنين شهوداً).

إذا كانوا يعينونه على حياته، وحضورهم إنس وراحة له، وما كانوا مضطرين لأن يضربوا في الأرض طلباً للعيش، ويتركوا أباهم وحيداً، إذ كان له عشرة بنين كما في الرّوايات.

ثمّ يستطرد بذكر النعم التي وهبها له، يقول تعالى: (ومهدت له تمهيداً) ولم يهبه ما ينفع من المال والأولاد فحسب، بل أغدق عليه ما يريد من جاه وقوّة.

«التمهيد»: من (المهد) وهو ما يستخدم لنوم الطفل، ويطلق على ما يتهيأ من وسائل الراحة والمقام وانتظام الاُمور. وفي المجموع له معان واسعة تشمل المواهب الحياتية والوسائل الحديثة والتوفيق.

ولكنّه كفر بما أنعم اللّه عليه وهو بذلك يريد المزيد: (ثمّ يطمع أن أزيد)، وليس هذا منحصراً بالوليد، بل إنّ عبيد الدنيا على هذه الشاكلة أيضاً، فلن يروى عطشهم مطلقاً، ولو أعطوا الأقاليم السبعة لما اكتفوا بذلك.

والآية الأُخرى تردع الوليد بشدّة، يقول تعالى: (كلا إنّه كان لآياتنا عنيداً)ومع أنّه كان يعلم أنّ هذا القرآن ليس من كلام الجن أو الإنس، بل متجذر في الفطرة، وله جاذبية خاصّة وأغصان مثمرة. فكان يعاند ويعتبر ذلك سحراً ومظهره ساحراً.

«العنيد»: من (العناد) وقيل هو المخالفة والعناد مع المعرفة، أي أنّه يعلم بأحقّية الشيء ثمّ يخالفه عناداً، والوليد مصداق واضح لهذا المعنى.

والتعبير بـ (كان) يشير إلى مخالفته المستمرة والدائمة.

وأشار في آخر آية إلى مصيره المؤلم بعبارات قصيرة وغنية في المعنى، فيقول تعالى: (سأرهقه صعوداً).

«ساُرهقه»: من (الإرهاف) وهو غشيان الشيء بالعنف، وتعني أيضاً فرض

[167]

العقوبات الصعبة، جاء بمعنى الإبتلاء بأنواع العذاب، والصعود، إشارة إلى ما سيناله من سوء العذاب، ويستعمل في العمل الشاق، إذا يشق صعود الجبل، ولذا فسّر البعض ذلك بالعذاب الإلهي، وقيل هو جبل في النار يصعد فيه الكافر عنفاً ثمّ يهوي، وهو كذلك فيه أبداً.

ويحتمل أن يراد به العذاب الدنيوي للوليد بن المغيرة، فقد ذكر التاريخ عنه أنّه بلغ ذروة الجاه والرفاه في حياته، ثمّ عاقبه اللّه تعالى بنقصان ماله وولده حتى هلك(1).

* * *

______________________________

1 ـ تفسير المراغي، ج29، ص131.

[168]

الآيات

إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20) ثُمَّ نَظَرَ(21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23)فَقَالَ إِنْ هَـذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) إِنْ هَـذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ(25)

التّفسير

فقتل كيف قدر

في هذه الآيات توضيحات كثيرة عمّن أعطاه اللّه المال والبنين وخالف بذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي الوليد بن المغيرة، يقول تعالى: (إنّه فكر وقدّر).

لا بأس بالتفكير، وهو حسن، ولكن يشترط أن يكون في طريق الحق، وتفكر ساعة أفضل من عبادة أو عمرٌ بكامله، لما يمكن أن يتغير مصير الإنسان فيها، وأمّا إذا كان التفكر في طريق الكفر والفساد فهو مذموم، وتفكر «الوليد» كان من هذه النوع.

«قدّر»: من التقدير، وهو التهيؤ لنظم أمر في الذهن والتصميم على تطبيقه، ثمّ يضيف في مذمته: (فقتل كيف قدّر) بعدئذ يؤكّد ذلك فيضيف: (ثمّ قتل كيف قدّر)وهذا إشارة لما قيل في سبب النّزول حيث كان يرى توحيد الأقوال فيما

[169]

يقذف به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعندما سمّوه بالشاعر لم يقبل بذلك، فقالوا: كاهن فلم يقبل، قالوا: مجنون فرفض، فقالوا: ساحر، قال: بلى، وذلك لمخالفتهم فكرة السحر الذي كان يفرق بين المرء وأهله، أو يجمع الواحد والآخر، وإنّما ظهر ذلك في عصر الإسلام، قد عبّر القرآن عن هذه الحالة التي حدثت عند الوليد بتعبير مختصر وبليغ لمطالعته للأمر وتفكره، ثمّ تقديره لذلك وإن كان أصل الإقتراح من قريش، وعلى كل حال فإنّ تكرار المعنى في الآيتين دليل على دهاء الوليد في تفكره الشيطاني، ولذا كانت شدّة تفكره سبباً للتعجب.

بعدئذ يضيف اللّه تعالى: (ثمّ نظر)، أي نظر بعد التفكر والتقدير نظرة من يريد أن يقضي في أمر مهمّ ليطمئن من استحكامه وانسجامه: (ثمّ عبس وبسر ثمّ أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر، إن هذا إلاّ قول البشر)، بهذه الأقوال يظهر عداءه للقرآن المجيد، وذلك بعد تفكره الشيطاني، وبقوله هذا صار يمدح القرآن من حيث لا يدري، وإذا أشار إلى جاذبية القرآن الخارقة وتسخيره للقلوب، وسحر القرآن الذي يسحر القلوب كما في قولته، وما كان للقرآن من شبه بسحر الساحرين، بل إنّه كلام منطقي وموزون، وهذا هو دليل على نزول الوحي به، وليس هو بكلام البشر، بل صدر من عالم ما وراء الطبيعة من علم اللّه اللامتناهي، الذي جمع في انسجامه واستحكامه كلّ المحاسن.

«عبس»: يعبس عبوساً، والعبوس الذي يقبض وجهه.

«بَسَر»: من (البسور) وتعني أحياناً العجلة في إتمام العمل الذي لو يحن حان وقته، وأحياناً بمعنى قبض الوجه وتغيره، والمعنى الثّاني يناسب العبس، وعلى المعنى الأوّل يكون إشارة إلى اتّخاذ القرار العاجل في الصاق ما لا يليق بالقرآن المجيد.

«يؤثر»: من (الأثر)، وهو ما يروى عن الماضين ممّا بقي من الآثار، وقيل من «الإيثار» بمعنى الترجيح والتقديم.

[170]

وممّا يؤيد المعنى الأوّل أنّ الوليد يقول: إنّه سحر يروى ويتعلم من السحرة.

وعلى المعنى الثّاني فإنّه يقول: سحر تؤثر حلاوته في قلوب الناس وبالتالي فإنّ الناس يرجحونه على غيره.

على كلّ حال هو إقرار ضمني بإعجاز القرآن. وليس للقرآن أي علاقة وتشبيه بأعمال السحرة، فهو كلامٌ رصين عميق المعاني وجذاب لا نظير له كما يقول الوليد، فإنّه ليس من كلام البشر، وإن كان كذلك لكانوا قد أتوا بمثله، وهذا ما دعا إليه القرآن كراراً، فلم يستطع أحدٌ من بلغاء العرب أن يأتي بمثله، بل سورة من مثله، وهذه هي معجزة.

* * *

[171]

الآيات

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26) وَمَآ أَدْراكَ مَا سَقَرُ(27) لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ(28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ(29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)

التّفسير

المصير المشؤوم:

في هذه الآيات بيان للعقوبات المؤلمة لمن أنكر القرآن والرسالة، وكذب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما أشارت إليه الآيات السابقة فيقول اللّه تعالى: (سأُصليه سقر).

«سقر»: في الأصل من «سقر» على وزن فقر، بمعنى التغير والذوبان من أثر حرارة الشمس، هو من أحد أسماء جهنم، كثير ما ذكر في القرآن، واختيار هذا الإسم يشير إلى العذاب المهول لجهنّم الذي يلتهم أهلها، وقيل هي درك من دركاتها المهولة، ثمّ يبيّن عظمة وشدّة عذاب النّار فيقول: (وما أدراك ما سقر).

أي إنّ العذاب يكون شديداً إلى حدّ يخرج عن دائرة التصور، ولا يخطر على بال أحد، كما هو الحال في عدم إدراك عظمة النعم الإلهية في الجنان.

(لا تبقي ولا تذر).

قد تكون هذه الآية إشارة إلى أنّ نار جهنّم بخلاف نار الدنيا التي ربّما تركت

[172]

بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه، وإذا نالت إنساناً مثلاً نالت جسمه وصفاته الجسمية وتبقى روحه وصفاته الروحية في أمان منها، وأمّا «سقر» فلا تدع أحداً ممن ألقي فيها إلاّ نالته واحتوئه بجميع وجوده، فهي نار شاملة تستوعب جميع من اُلقي فيها، وقيل: إنّ المعنى لا يموتون فيها ولا يحيون، أي يبقون بين الموت والحياة، كما جاء في الآية (13) من سورة الأعلى: (لا يموت فيها ولا يحيى).

أو أنّها لا تبقي على جسد شيئاً من العظام أو اللحم، فيتّضح أنّ مفهوم الآية أنّها لا تحرقهم تماماً، لأنّ هذا المعنى لا يتفق والآية (56) من سورة النساء حيث يقول تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب)

ثمّ ينتقل إلى بيان وصف آخر للنّار المحرقة فيضيف: (لواحة للبشر)(1).

إنّها تجعل الوجه مظلماً أسود أشدّ سواداً من الليل.

«بشر»: جمع بشرة، وتعني الجلد الظاهر للجسد.

«لوّاحة»: من مادة (لوح) وتعني أحياناً الظاهر، وأحياناً بمعنى التغيير، ويكون المعنى بمقتضى التّفسير الأوّل: (أنّ جهنم ظاهرة للعيان).

كما جاء في الآية (36) من سورة النّازعات: (وبرزت الجحيم لمن يرى)وبمقتضى التّفسير الثّاني يكون المعنى: أنّها تغير لون الجلود.

وفي آخر آية من آيات مورد البحث يقول تعالى: (عليها تسعة عشر).(2)

إنّهم ليسوا مأمورين بالرحم والشفقة، بل إنّهم مأمورين بالعذاب والغلظة، وأمّا الآية الأُخرى التي تليها فإنّها تشير إلى أنّ هذا العدد هم ملائكة العذاب، وقيل إنّها تشير إلى تسع عشرة مجموعة من الملائكة، وليس تسعة عشر نفراً، ودليل ذلك قوله تعالى: (وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو).

______________________________

1 ـ لواحة: خبر مبتدأ محذوفة تقديره (هي لواحة).

2 ـ (عليها) خبر مقدم، وتسعة عشر مبتدأ مؤخر، وهي مبنية على الفتح، ولذا لم ترفع في الظاهر، وقيل إنّ سببه يتضمّن معنى واو العاطفة.

[173]

وأمّا عن سبب اختيار هذا العدد من ملائكة العذاب، فلا يدري أحد عن ذلك شيئاً، ولكن احتمل البعض أنّ المراد من ذلك هو لكونُ أكبر عدد للأحاد وأقل عدد للعشرات، وقيل لكون اُصول الأخلاق الرذيلة ترجع إلى 19 أصل ظاهرة وباطنة،

فلذا تكون كلّ رذيلة من الرّذائل عاملاً للعذاب الإلهي، وإنّ طبقات جهنّم هي تسع عشرة طبقة أي بعددها، ولكل طبقة ملك أو مجموعة من الملائكة مأمورين بالعذاب.

ومن المؤكّد أنّ الأُمور المرابطة بالقيامة والجنان والجحيم وجزئياتها وخصوصياتها غير واضحة لدينا تمام الوضوح، ونحن نعيش في هذا المحيط المحدود، والذي نعرفه إنّما يتعلق بكلياتها، لذا نجد في الرّوايات أنّ لهذه الملائكة قدرات عظيمة بحيث يمكن لكل ملك أت يقذف قبيلة كبيرة في جهنّم بسهولة، ومن هنا يتّضح ضعف وعجز أفكار اناس من قبيل أبي جهل، إذ أنّه لما سمع بالآية جاء مستهزئاً إلى قريش، وقال: ثكلتكم اُمهاتكم ألم تسمعوا ما يقوله ابن أبي كبشة (بعني بذلك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم))(1) يقول إنّ خزنة النّار تسعة عشر وأنتم الدّهم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟!

فقال أبو الأسد الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين(2) لقد أراد السفهاء أن يطفئوا بهذه السخرية نور الحق، وأن يتخلصوا بذلك من الفناء المحتم.

* * *

______________________________

1 ـ قال البعض في علّة تسمية قريش النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الإسم، فقد قيل لوجود رجل يدعي أبو كبشة، وهو من خزاعة قد تنحى عن عبادة الأصنام في عصر الجاهلية، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ يعارض عبادة الأصنام بشدّة فنسبوا الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أبي كبشة، وقيل إنّ أبي كبشة أحد أجداد اُمّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن على كلّ حال لا شك في أنّهم أرادوا بذلك السخرية لأنّ الكبش في لغة العرب تستخدم في المدح ويسمّى بذلك الأبطال والقواد.

2 ـ مجمع البيان، ج10، ص388، وتفاسير اُخرى.

[174]

ملاحظة

ملائكة العذاب تسعة عشر:

هذه الآية تشير بوضوح إلى عدد خزنة جهنم بأنّهم تسعة عشر نفراً أو تسعة عشرة مجموعة، والآيات التي تليها تعتمد على هذا المعنى، ولكن العجب من أنّ بعض الفرق المنحرفة تصر على قدسية هذا العدد، وتسعى إلى أن تجعل من عدد شهور السنة وأيّام نظاماً يدور حول محور هذا العدد، بخلاف جميع الموازين الطبيعية والفلكية! وجعلوا أحكامهم العملية مطابقاً لذلك النظام، والأعجب من ذلك أنّ كاتباً من الكتاب يمكن أن تكون له علاقة بتنظيماتهم يصّر إصراراً عجيباً ومضحكاً على أن يجعل كل ما في القرآن موجّهٌ على أساس هذا العدد، وفي الموارد الكثيرة في القرآن التي لا تتفق مع هذا العدد المرغوب عنده يعمد إلى إضافة أو حذف ما يرغب فيه ليتفق مع ذلك العدد أو مع مضاربه، وإيراد مطاليبها والإجابة عليها يمكن أن تعتبر إتلافاً للوقت.

نعم فالمذهب الجهنمي يجب أن يدور حول عدد جهنمي، وجماعة جهنميون يجب أن يتوافقوا مع عدد ملائكة العذاب.

* * *

[175]

الآية

وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَبَ النَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُتُوا الْكِتَـبَ وَيزْدَادَ الَّذِينَ اَمَنُوا إِيمَـناً وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُتُوا الْكِتَـبَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَـفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهـذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ(31)

التّفسير

لِمَ هذا العدد من أصحاب النّار؟

ذكر اللّه سبحانه وتعالى كما قرأنا في الآيات السابقة عدد خزنة جهنم ومأموريها وهم تسعة عشر نفراً (أو مجموعة)، وكذا قرأنا أنّ ذكر هذا العدد صار سبباً للحديث بين أوساط المشركين والكفّار، واتّخذ بعضهم ذلك سخرية، وظنّ القليل منهم أنّ الغلبة على اُولئك ليس أمراً صعباً، الآية أعلاه والتي هي أطول آيات هذه السورة تجيب عليهم وتوضح حقائق كثيرة في هذا الصدد.

[176]

فيقول تعالى أوّلاً: (وما جعلنا أصحاب النّار إلاّ ملائكة)(1).

ملائكة أقوياء مقتدرون وكما يعبّر القرآن غلاظ شداد قساة، في مقابل المذنبين بجمعهم الغفير وهم ضعفاء عاجزون.

ثمّ يضيف تعالى: (وما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنة للذين كفروا).

وهذا الإختبار من وجهين:

أوّلاً: لأنّهم كانوا يستهزئون بالعدد تسعة عشر، ويتساءلون عن سبب اختيار هذا العدد، في حين لو وضع عدد آخر لكانوا قد سألوا السؤال نفسه.

والوجه الثّاني: أنّهم كانوا يستقلون هذا العدد ويسخرون من ذلك بقولهم: لكل واحد منهم عشرةٌ منّا، لتكسر شوكتهم.

في حين أنّ ملائكة اللّه وصفوا في القرآن بأنّ نفراً منهم يؤمرون بإهلاك قوم لوط(عليه السلام) ويقلبون عليهم مدينتهم، مضافاً إلى ما اُشير إليه سابقاً حول اختيار عدد تسعة عشر لأصحاب النّار.

ثمّ يضيف تعالى أيضاً: (ليستيقن الذين اُوتوا الكتاب).

ورد في رواية أنّ جماعة من اليهود سألوا أحد أصحاب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن عدد خزنة النّار فقال: «اللّه ورسوله أعلم» فهبط جبرائيل(عليه السلام) على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالآية (عليها تسعة عشر).(2)

وسكوت هؤلاء اليهود وعدم اعتراضهم على هذا الجواب يدلّ على أنّه موافقاً لما هو مذكور في كتبهم، وهذا مدعاة لإزدياد يقينهم بنبوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وصار قبولهم هذا سبباً في تمسك المؤمنين بإيمانهم وعقائدهم.

لذا تضيف الآية في الفقرة الأُخرى: (ولا يزداد الذين آمنوا إيماناً).

______________________________

1 ـ أصحاب النّار: ذكرت هذه العبارة في كثير من آيات القرآن وكلّها تعني الجهنميين، إلاّ في هذا الموضع فإنّها بمعنى خزنة جهنم، وذكر هذه العبارة يشير إلى أنّ كلمة «سقر» في الآيات السابقة تعني جهنّم بكاملها وليس قسماً خاصّاً منها.

2 ـ نقل هذا الحديث البيهقي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (تفسير المراغي، ج29، ص134).

[177]

ثمّ تعود مباشرة بعد ذكر هذه الآية إلى التأكيد على تلك الأهداف الثلاثة، إذ يعتمد مجدداً على إيمان أهل الكتاب، ثمّ المؤمنين، ثمّ على اختبار الكفّار والمشركين، فيقول: (ولا يرتاب الذين اُتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً)(1).

وأمّا من يقصد به في قوله: (الذين في قلوبهم مرض) فقيل المراد منهم المنافقون، لأنّ هذا التعبير كثيراً ماورد فيهم في آيات القرآن كما هو في الآية (10) من سورة البقرة التي تتحدث حول المنافقين بقرينة الآيات السابقة لها واللاحقة حيث نقرأ: (في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضاً) وبهذا الدليل تمسكوا بمدنية الآية السابقة، لأنّ المنافقين نشؤوا في المدينة عند اقتدار الإسلام وليس بمكة، ولكن تحقيق موارد ذكر هذه العبارة في القرآن الكريم يشير إلى أنّ هذه العبارة غير منحصرة بالمنافقين، بل اُطلقت على جميع الكفّار والمعاندين والمحاربين لآيات الحقّ، وعطفت أحياناً على المنافقين حيث يمكن أن يكون دليلاً على ثنائيتهم، فمثلاً نقرأ في الآية (49) من سورة الأنفال: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم) وكذا في الآيات الأُخرى، لذا ليس هناك دليل على نفي مكية الآية، خصوصاً لما من توافق وإرتباط كامل من الآيات السابقة لها والتي تشير بوضوح إلى مكيّتها.

ثمّ يضيف حول كيفية استفادة المؤمنين والكفّار الذين في قلوبهم مرض من كلام اللّه تعالى: فيقول تعالى: (كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء).

إنّ الجمل السابقة تشير بوضوح إلى أنّ المشيئة والإرادة الإلهية لهداية البعض واضلال البعض الأخر ليس اعتباطاً، فإنّ المعاندين والذين في قلوبهم

______________________________

1 ـ يجب الإلتفات إلى أنّ اللام في (ليستيقن) هي لام التعليل وفي (ليقول) لام العاقبة ويمكن أن يكون قد تكرر لهذا الدليل في حين لو كان بمعنى واحد لما كان هناك ضرورة للتكرار، وبعبارة اُخرى أن تيقن المؤمنين هو لإرادة وأمره، وأمّا حديث الكفّار فليس من إرادته وأمره تعالى شأنه، بل هو عاقبة هذا الأمر.

[178]

مرض لا يستحقون إلاّ الضلال، والمؤمنون والمسلّمون لأمر اللّه هم المستحقون للهدى.

ويقول في نهاية الآية: (وما يعلم جنود ربّك إلاّ هو وما هي إلاّ ذكرى للبشر).

فالحديث عن التسعة عشر من خزنة النّار، ليس لتحديد ملائكة اللّه تعالى، بل إنّهم كثيرون جدّاً أنّ الرّوايات تصفهم أنّهم يملؤون السموات والأرض، وليس هناك موضع قدم في العالم إلاّ وفيه ملك يسبح للّه!

واحتمل المفسّرون احتمالات عديدة في مَن يعود الضمير «هي»، فقيل: يعود على الجنود ومنهم خزنة النّار، وقيل: على سقر، وقيل: على آيات القرآن (السورة)، والقول الأوّل أنسب وأوجه، وإن كانت بقية الأقوال مدعاة للتذكر والإيقاظ والمعرفة، ولأنّ الأوّل يبيّن حقيقة أنّ اللّه تعالى إنّما اختار لنفسه ملائكة وأخبر عن عددهم ليكون ذكرى لمن يتعظ بها، لا لكونه غير قادر على معاقبة كل المذنبين والمعاندين.

* * *

ملاحظة

عدد جنود الرّب!

حضور اللّه تعالى في كلّ مكان واتساع قدرته في العالم يفهمنا أنّ ذاته المقدّسة غير محتاجة لأي ناصر أو معين، لكنّه لإظهار عظمته للخلائق ولتكون ذكرى لمن يتعظ اختار ملائكة وجنوداً كثيرين مطيعين لأمره تعالى.

وقد ذكرت الرّوايات عبارات عجيبة حول كثرة وعظمة وقدرة جنود اللّه والسماع لهذه الأخبار يثير العجب والدهشة و لا تتفق مع مقاييسنا المتعارفة، ولذا نقنع بقراءة أوّل.

[179]

خطبة في نهج البلاغة للإمام علي(عليه السلام) حول هذا الموضوع حيث يقول(عليه السلام): «ثمّ فتق ما بين السموات العلا، فملأهن أطواراً من ملائكته، فهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، صافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولافترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لبعاده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربّهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر»

وكما قلنا سابقاً إنّ لكلمة (ملك) مفهوماً واسعاً حيث يشمل الملائكة الذين يملكون العقل والشعور والطاعة والتسليم، وكذلك كثير من عناصر وقوى عالم الوجود.

ولنا شرح مفصل حول هذا الموضوع في تفسير الآيات الأولى لسورة فاطر وما يليها.

* * *

[180]

الآيات

كَلاَّ وَالْقَمَرِ(32) وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ(33) وَالصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ(34) إِنَّهَا لاَحْدَى الْكُبَرِ(35) نَذِيراً لّلْبَشَرِ(36) لِـمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ(37)

التّفسير

استمراراً للبحث مع المنكريم لنبوة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) واليوم الآخر تؤكّد الآيات التالية في أقسام عديدة على مسألة القيامة والجحيم وعذابها، فيقول تعالى: (كلا والقمر).

«كلاّ»: حرف ردع وإنكار لما تقدم أو ردع لما سيأتي، ويعني هنا نفي تصور المشركين والمنكرين بجهنّم وعذابها، والساخرين بخزنة جهنّم بقرينة الآيات السابقة.

وأقسم باقمر لأنّه إحدى الآيات الإلهية الكبرى، لما فيه من الخلقة والدوران المعظم والنور والجمال والتغييرات التدريجية الحاصلة فيه لتعيين الأيّام باعتباره تقويماً حيّاً كذلك.

[181]

ثمّ يضيف: (والليل إذ أدبر)، (والصبح إذا أسفر).(1)

في الحقيقة أنّ هذه الأقسام الثلاثة مرتبطة بعضها بالآخر ومكملة للآخر، وكذلك لأنّنا كما نعلم أنّ القمر يتجلى في الليل، ويختفي نوره في النهار لتأثير الشمس عليه، والليل وإن كان باعثاً على الهدوء والظلام وعنده سرّ عشاق الليل، ولكن الليل المظلم يكون جميلاً عندما يدبر ويتجه العالم نحو الصبح المضيء وآخر السحر، وطلوع الصبح المنهي لليل المظلم أصفى وأجمل من كل شيء حيث يثير في الإنسان إلى النشاط ويجعله غارقاً في النور الصفاء.

هذه الأقسام الثلاثة تتناسب ضمنياً مع نور الهداية (القرآن) واستدبار الظلمات (الشرك) وعبادة (الأصنام) وطلوع بياض الصباح (التوحيد)، ثمّ ينتهي إلى تبيان ما أقسم من أجله فيقول تعالى: (إنّها لاحدى الكبر). (2)

إنّ الضمير في (إنّها) إمّا يرجع إلى «سقر»، وإمّا يرجع إلى الجنود، أو إلى مجموعة الحوادث في يوم القيامة، وأيّاً كانت فإنّ عظمتها واضحة.

ثمّ يضيف تعالى: (نذير للبشر).(3)

لينذر الجميع ويحذرهم من العذاب الموحش الذي ينتظر الكفّار والمذنبين وأعداء الحق.

وفي النهاية يؤكّد مضيفاً أنّ هذا العذاب لا يخص جماعة دون جماعة، بل: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) فهنيئاً لمن يتقدم، وتعساً وترحاً لمن يتأخر.

واحتمل البعض كون التقدم إلى الجحيم والتأخر عنه، وقيل هو تقدم النفس

______________________________

1 ـ «أسفر» من مادة (سفر) على وزن (قفر) ويعني انجلاء الملابس وانكشاف الحجاب، ولذا يقال للنساء المتبرجات (سافرات) وهذا التعبير يشمل تشبيهاً جميلاً لطلوع الشمس.

2 ـ «كبر»: جمع كبرى وهي كبيرة، وقيل المراد بكون سقر إحدى الطبقات الكبيرة لجهنّم، هذا المعنى لا يتفق مع ما أشرنا إليه من قبل وكذا مع الآيات.

3 ـ «نذيراً»: حال للضمير في «أنّها» الذي يرجع إلى سقر، وقيل هو تمييز، ولكنه يصح فيما لو كان النذير مصدراً يأتي بمعنى (الإنذار)، والمعنى الأوّل أوجه.

[182]

الإنسانية وتكاملها أو تأخرها وانحطاطها، والمعنى الأوّل والثّالث هما المناسبان، دون الثّاني.

* * *

[183]

الآيات

كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) إِلاَّ أَصْحَـبَ الْـيَمِينِ(39) فِى جَنَّـت يَتَسآءَلُونَ(40) عَنِ الْـمُجْرِمِينَ(41) مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَآئِضِينَ(45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الْدِّينِ(46) حَتَّى أَتَـنا الْيَقِينُ(47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَـعَةُ الْشَّـفِعِينَ(48)

التّفسير

لِمَ صرتم من أصحاب الجحيم؟

إكمالاً للبحث الذي ورد حول النّار وأهلها في الآيات السابقة، يضيف تعالى في هذه الآيات: (كلّ نفس بما كسبت رهينة).

«رهينة»: من مادة (رهن) وهي وثيقة تعطى عادة مقابل القرض، وكأن نفس الإنسان محبوسة حتى تؤدي وظائفها وتكاليفها، فإن أدت ما عليها فكت وأطلقت، وإلاّ فهي باقية رهينة ومحبوسة دائماً، ونقل عن أهل اللغة أنّ أحد

[184]

معانيها الملازمة والمصاحبة(1)، فيكون المعنى: الكلّ مقترنون بمعية أعمالهم سواء الصالحون أم المسيئون.

لذا يضيف مباشرة: (إلاّ أصحاب اليمين).

إنّهم حطموا أغلال وسلاسل الحبس بشعاع الإيمان والعمل الصالح ويدخلون الجنّة بدون حساب.(2)

وهناك أقوال كثيرة حول المقصود من أصحاب اليمين:

فقيل هم الذين يحملون كتبهم بيمينهم، وقيل هم المؤمنون الذين لم يرتكبوا ذنباً أبداً، وقيل هم الملائكة، وقيل غير ذلك والمعنى الأوّل يطابق ظاهر الآيات القرآنية المختلفة، وما له شواهد قرآنية، فهم ذوو إيمان وعمل صالح، وإذا كانت لهم ذنوب صغيرة فإنّها تمحى بالحسنات وذلك بحكم (إن الحسنات يذهبن السيئات)(3).

فحينئذ تغطّي حسناتهم سيئاتهم أو يدخلون الجنّة بلا حساب، وإذا وقفوا للحساب فسيخفف عليهم ذلك ويسهل، كما جاء في سورة الإنشقاق آية (7): (فأمّا من اُوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً).

ونقل المفسّر المشهور «القرطبي» وهو من أهل السنة تفسير هذه الآية عن الإمام الباقر(عليه السلام) فقال: «نحن وشيعتنا أصحاب اليمين وكل من أبغضنا أهل البيت فهم مرتهنون».(4)

وأورد هذا الحديث مفسّرون آخرون منهم صاحب مجمع البيان ونور

______________________________

1 ـ لسان العرب مادة: رهن.

2 ـ قال الشّيخ الطوسي في التبيان أن الإستثناء هنا هو منقطع وقال آخرون كصاحب (روح البيان) أنّه متصل، وهذا الإختلاف يرتبط كما ذكرنا بالتفسيرات المختلفة لمعنى الرهينة، وما يطابق ما اخترناه من التّفسير هو أن الإستثناء هنا منقطع وعلى التفسير الثّاني يكون متصلاً.

3 ـ سورة هود، الآية 114.

4 ـ تفسير القرطبي، ج10، ص6878.

[185]

الثقلين والبعض الآخر أورده تذييلاً لهذه الآيات.

ثمّ يضيف مبيّناً جانباً من أصحاب اليمين والجماعة المقابلة لهم:

(في جنّات يتساءلون(1) عن المجرمين ما سللكم في سقر).

يستفاد من هذه الآيات أن الرابطة غير منقطعة بين أهل الجنان وأهل النّار، فيمكنهم مشاهدة أحوال أهل النّار والتحدث معهم، ولكن ماذا سيجيب المجرومون عن سؤال أصحاب اليمين؟ إنّهم يعترفون بأربع خطايا كبيرة كانوا قد ارتكبوها:

الاُولى: (قالوا لم نكُ من المصلين).

لو كنّا مصلّين لذكّرتنا الصلاة باللّه تعالى، ونهتنا عن الفحشاء والمنكر ودعتنا إلى صراط اللّه المستقيم.

والأُخرى: (ولم نك نطعم المسكين).

وهذه الجملة وإن كانت تعطي معنى إطعام المحتاجين، ولكن الظاهر أنه يراد بها المساعدة والإعانة الضرورية للمحتاجين عموماً بما ترتفع بها حوائجهم كالمأكل والملبس والمسكن وغير ذلك.

وصرّح المفسّرون أنّ المراد بها الزكاة المفروضة، لأنّ ترك الإنفاق المستحب لا يكون سبباً في دخول النّار، وهذه الآية تؤكّد مرّة أُخرى على أنّ الزّكاة كانت قد فرضت بمكّة بصورة إجمالية، وإن كان التشريع بجزئياتها وتعيين خصوصياتها وتمركزها في بيت المال كان في المدينة.

والثّالثة: (وكنّا نخوض مع الخائضين).

كنّا نؤيد ما يصدر ضدّ الحقّ في مجالس الباطل .نقوم بالتريج لها، وكنّا معهم

______________________________

1 ـ «يتساءلون»: وهو وإن كان من باب (تفاعل) الذي يأتي عادةً في الأعمال المشتركة بين اثنين أو أكثر، ولكنه فقد هذا المعنى هنا كما في بعض الموارد الأُخرى، ولمعنى يسألون، وتنكير الجنات هو لتبيان عظمتها و(في جنات) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو في جنات.

[186]

أين ما كانوا، وكيف ما كانوا، وكنّا نصدق أقوالهم، ونضفي الصحة على ما ينكرون ويكذبون ونلتذ باستهزائهم الحقّ.

«نخوض»: من مادة (خوض) على وزن (حوض)، وتعني في الأصل الغور والحركة في الماء، ويطلق على الدخول والتلوث بالاُمور، والقرآن غالباً ما يستعمل هذه اللفظة في الإشتغال بالباطل والغور فيه.

(الخوض في الباطل) له معان واسعة فهو يشمل الدخول في المجالس التي تتعرض فيها آيات اللّه للإستهزاء أو ما تروج فيها البدع، أو المزاح الواقح، أو التحدث عن المحارم المرتكبة بعنوان الإفتخار والتلذذ بذكرها، وكذلك المشاركة في مجالس الغيبة والإتهام واللهو واللعب وأمثال ذلك، ولكن المعنى الذي انصرفت إليه الآية هو الخوض في مجالس الإستهزاء بالدين والمقدسات وتضعيفها وترويج الكفر والشرك.

وأخيراً يضيف: (وكنّا نكذّب بيوم الدين حتى أتانا اليقين).

من الواضح أنّ إنكار المعاد ويوم الحساب والجزاء يزلزل جميع القيم الإلهية والأخلاقية، ويشجع الإنسان على ارتكاب المحارم، ويرفع كلّ مانع هذا الطريق، خصوصاً إذا استمر إلى آخر العمر، على كل حال فإنّ ما يستفاد من هذه الآيات أنّ الكفّار هم مكلّفون بفروع الدين، كما هم مكلّفون بالاُصول، وكذلك تشير إلى أن الأركان الاربعة، أي الصلاة والزّكاة وترك مجالس أهل الباطل، والإيمان بالقيامة لها الأثر البالغ في تربية وهداية الإنسان، وبهذا لا يمكن أن يكون الجحيم مكاناً للمصلين الواقعيين، والمؤتين الزّكاة، والتاركين الباطل والمؤمنين بالقيامة.

باطبع فإنّ الصلاة هي عبادة اللّه، ولكنّها لا تنفع إذا لم يمتلك الإنسان الإيمان به تعالى، ولهذا فإنّ أداءها رمز للإيمان والإعتقاد باللّه والتسليم لأوامره، ويمكن القول إنّ هذه الاُمور الأربعة تبدأ بالتوحيد ينتهي بالمعاد، وتحقق العلاقة والرابطة بين الإنسان والخالق، وكذا بين المخلوقين أنفسهم.

[187]

والمشهور بين المفسّرين أنّ المراد من (اليقين) هنا هو الموت، لأنّه يعتبر أمرٌ يقيني للمؤمن والكافر، وإذا شك الإنسان في شيء ما فلا يستطيع أن يشك بالموت ونقرأ أيضاً في الآية (99) من سورة الحجر: (واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين).

ولكن ذهب البعض إلى أنّ اليقين هنا يعني المعرفة الحاصلة بعد موت الإنسان وهي التي تختص بمسائل البرزخ والقيامة، وهذا ما يتفق نوعاً ما مع التّفسير الأوّل.

وفي الآية الأخيرة محل البحث إشارة إلى العاقبة السيئة لهذه الجماعة فيقول تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين).

فلا تنفعهم شفاعة الأنبياء ورسل اللّه والائمّة، ولا الملائكة والصديقين والشهداء والصالحين، ولأنّها تحتاج إلى عوامل مساعدة وهؤلاء أبادوا كل هذه العوامل، فالشفاعة كالماء الزلال الذي تسقى به النبتة الفتية، وبديهي إذا ماتت النبتة الفتية، لايكن للماء الزلال أن يحييها، وبعبارة أُخرى كما قلنا في بحث الشفاعة، فإنّ الشفاعة من ( الشفع) وتعني ضم الشيء إلى آخر، ومعنى هذا الحديث هو أنّ المُشفّع له يكون قد قطع قسطاً من الطريق وهو متأخر عن الركب في مآزق المسير، فتضم إليه شفاعة الشافع لتعينه على قطع بقية الطريق(1).

وهذه الآية تؤكّد مرّةً أُخرى مسألة الشفاعة وتنوع وتعدد الشفعاء عند اللّه، وهي جواب قاطع لمن ينكر الشفاعة، وكذلك توكّد على أنّ للشفاعة شروطاً وأنّها لا تعني اعطاء الضوء الأخضر لإرتكاب الذنوب، بل هي عامل مساعد لتربية الإنسان وايصاله على الأقل إلى مرحلة تكون له القابلية على التشفع، بحيث لا تنقطع وشائج العلاقة بينه وبين اللّه تعالى والأولياء.

* * *

______________________________

1 ـ التّفسير الأمثل، المجلد الأوّل، ذيل الآية (48) من سورة البقرة.

[188]

ملاحظة

شفعاء يوم القيامة:

نستفيد من هذه الآيات والآيات القرآنية الأُخرى أنّ الشفعاء كثيرون في يوم القيامة (مع اختلاف دائرة شفاعتهم) ويستفاد من مجموع الرّوايات الكثيرة والمنقولة من الخاصّة والعامّة أنّ الشفعاء يشفعون للمذنبين لمن فيه مؤهلات الشفاعة:

1 ـ الشفيع الأوّل هو النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): كما نقرأ في حديث حيث قال: «أنا أوّل شافع في الجنّة»(1).

2 - الأنبياء من شفعاء يوم القيامة، كما ورد في حديث آخر عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «يشفع الأنبياء في كلّ من يشهد أن لا إله إلاّ اللّه مخلصاً فيخرجونهم منها»(2).

3 ـ الملائكة من شفعاء يوم المحشر، كما نقل عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «يؤذن للملائكة والنّبيين والشّهداء أن يشفعوا»(3).

4 ، 5 ـ الأئمّة المعصومين وشيعتهم كما قال في ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)حيث قال: «لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة»(4)

6 ، 7 ـ العلماء والشّهداء كما ورد في حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثمّ العلماء ثمّ الشّهداء»(5).

وورد في حديث آخر عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يشفع الشّهيد في سبعين إنساناً

______________________________

1 ـ صحيح مسلم، ج2، ص130.

2 ـ مسند أحمد، ج3، ص12.

3 ـ مسند أحمد، ج5، ص43.

4 ـ الخصال للصدوق(رحمه الله)، ص624.

5 ـ سنن ابن ماجة، ج2، ص1443.

[189]

من أهل بيته»(1).

وفي حديث آخر نقلهُ المجلسي في بحار الأنوار: «إنّ شفاعتهم تقبل في سبعين ألف نفر»(2).

ولا منافاة بين الرّوايتين إذ أنّ عدد السبعين والسبعين ألف هي من أعداد الكثرة.

8 ـ القرآن كذلك من الشفعاء في يوم القيامة كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «واعلموا أنّه (القرآن) شافع مشفع»(3).

9 ـ من مات على الإسلام فقد ورد عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا بلغ الرجل التسعين غفر اللّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفّع في أهله»(4).

10 ـ العبادة: كما جاء في حديث عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة»(5).

11 ـ ورد في بعض الرّوايات أنّ العمل الصالح كأداء الأمانة يكون شافعاً في يوم القيامة.(6)

12 - والطريف هو ما يستفاد من بعض الرّوايات من أنّ اللّه تعالى أيضاً يكون شافعاً للمذنبين في يوم القيامة، كما ورد في الحديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «يشفع النّبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي».(7)

والرّوايات كثيرة في هذه الباب وما ذكرناه هو جانب منها.(8)

______________________________

1 ـ سنن ابي داود، ج2، ص15.

2 ـ بحار الأنوار، ج100، ص14.

3 ـ نهج البلاغة الخطبة، 176.

4 ـ مسند أحمد، ج2، ص89.

5 ـ مسند أحمد، ج2، ص174.

6 ـ مناقب ابن شهر آشوب، ج2، ص14.

7 ـ صحيح البخاري، ج9، ص149.

8 ـ للإستيضاح يمكن مراجعة كتاب مفاهيم القرآن، ج4، ص288 ـ 311.

[190]

ونكرر أنّ للشفاعة شروطاً لا يمكن بدونها التشفع وهذا ما جاء في الآيات التي بحثناها والتي تشير بصراحة الى عدم تأثير شفاعة الشفعاء في المجرمين، فالمهم أن تكون هناك قابلية للتشفع، لأنّ فاعلية الفاعل لوحدها ليست كافية (أوردنا شرحاً مفصلاً في هذا الباب في المجلد الأوّل في بحث الشفاعة)

* * *

[191]

الآيات

فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ (50)فَرَتْ مِن قَسْوَرَة(51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىء مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً(52) كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الاْءَخِرَةَ(53) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ(55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)

التّفسير

يفرّون من الحق كما تفرّ الحمر من الأسد:

تتابع هذه الآيات ما ورد في الآيات السابقة من البحث حول مصير المجرمين وأهل النّار، وتعكس أوضح تصوير في خوف هذه الجماعة المعاندة ورعبها من سماع حديث الحقّ والحقيقة.

فيقول اللّه تعالى أوّلاً: (فما لهم عن التذكرة معرضين)(1) لِمَ يفرّون من دواء

______________________________

1 ـ «ما» مبتدأ و(لهم) خبر و(معرضين) حال الضمير لهم (وعن التذكرة) جار ومجرور ومتعلق بالمعرضين، وقيل تقديم (عن التذكرة) على (معرضين) دلالة على الحصر أي أنّهم أعرضوا عن التذكرة المفيدة فقط، على كل حال فإنّ المراد من التذكرة هنا كلّ ما هو نافع ومفيد وعلى رأسها القرآن المجيد.

[192]

القرآن الشافي؟ لِمَ يطعنون في صدر الطبيب الحريص عليهم؟ حقّاً إنّه مثيرٌ (كأنّهم حمر مستنفرة فرت من قسورة).

«حمرٌ»: جمع (حمار) والمراد هنا الحمار الوحشي، بقرينة فرارهم من قبضة الأسد والصياد، وبعبارة أُخرى أنّ هذه الكلمة ذات مفهوم عام يشمل الحمار الوحشي والأهلي.

«قسورة»: من مادة (قسر) أي القهر والغلبة، وهي أحد أسماء الأسد، وقيل هو السهم، وقيل الصيد، ولكن المعنى الأوّل أنسب.

والمشهور أنّ الحمار الوحشي يخاف جدّاً من الأسد، حتى أنّه عندما يسمع صوته يستولي عليه الرعب فيركض إلى كلّ الجهات كالمجنون، خصوصاً إذا ما حمل الأسد على فصيل منها، فإنّها تتفرق في كل الجهات بحيث يعجب الناظر من رؤيتها.

وهذا الحيوان وحشي ويخاف من كل شيء، فكيف به إذا رأى الأسد المفترس؟!

على كل حال فإنّ هذه الآية تعبير بالغٌ عن خوف المشركين وفرارهم من الآيات القرآنية المربية للروح، فشبههم بالحمار الوحشي لأنّهم عديمو العقل والشعور، وكذلك لتوحشّهم من كل شيء، في حين أنّه ليس مقابلهم سوى التذكرة.

(بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة)(1)، وذلك لتكبّرهم وغرورهم الفارغ بحيث يتوقعون من اللّه تعالى أن ينزل على كلّ واحد منهم كتاباً.

وهذا نظير ما جاء في الآية (93) من سورة الإسراء: (ولن نؤمن لرقيك حتى

______________________________

1 ـ «صحف»: جمع صحيفة، وهي الورقة التي لها وجهان، وتطلق كذلك على الرسالة والكتاب.

[193]

تنزل علينا كتاباً نقرؤه).

وكذا في الآية (124) من سورة الأنعام حيث يقول: (قالوا لن نؤمن حتى تؤتي مثل ما اُتي رُسل اللّه).

وعلى هذا فإنّ كلاًّ منهم يتنظر أن يكون نبيّاً من اُولي العزم! وينزل عليه كتاباً خاصّاً من اللّه بأسمائهم، ومع كل هذا فليس هناك من ضمان في أن يؤمنوا بعد كل ذلك.

وجاء في بعض الرّوايات أنّ أبا جهل وجماعة من قريش قالوا للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لا نؤمن بك حتى تأتينا بصحف من السماء عليها فلان ابن فلان من ربّ العالمين، ويأتي الأمر علناً بإتباعك والإيمان بك.(1)

ولذا يضيف في الآية الأُخرى: (كلاّ) ليس كما يقولون ويزعمون، فإنّ طلب نزول مثل هذا الكتاب وغيره هي من الحجج الواهية، والحقيقة (بل لا يخافون الآخرة).

إذا كانوا يخافون الآخرة فما كانوا يتذرعون بكل هذه الذرائع، ما كانوا ليكذبوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما كانوا ليستهزئوا بآيات اللّه تعالى، ولا بعدد ملائكته، ومن هنا يتّضح أثر الإيمان بالمعاد في التقوى والطهارة من المعاصي والذنوب الكبيرة، والحقّ يقال إن الإيمان بعالم البعث والجزاء وعذاب القيامة يهب للإنسان شخصية جديدة يمكنه أن يغير إنساناً متكبراً ومغروراً وظالماً إلى إنسان مؤمن متواضع ومتق عادل.

ثمّ يؤكّد القرآن على أنّ ما يفكرون به فيما يخصّ القرآن هو تفكّر خاطىء: (كلاّ إنّه تذكرة فمن شاء ذكره).

فإنّ القرآن الكريم قد أوضح الطريق، ودعانا إلى التبصر فيه، وأنار لنا السبيل

______________________________

1 ـ تفسير القرطبي، والمراغي، وتفاسير اُخرى.

[194]

ليرى الإنسان موضع أقدامه، وفي الوقت نفسه لا يمكن ذلك إلاّ بتوفيق من اللّه وبمشيئته تعالى، وما يذكرون إلاّ ما يشاء اللّه.

ولهذا الآية عدّة تفاسير:

إحداها: مكا ذكرناه سابقاً، وهو أن الإنسان لا يمكنه الحصول على طريق الهداية إلاّ بالتوسل باللّه تعالى وطلب الموفقية منه.

وطبيعي أن هذا الإمداد والتوفيق الإلهي لا يتمّ إلاّ بوجود أرضية مساعدة لنزوله.

والتّفسير الآخر: ما جاء في الآية السابقة: (فمن شاء ذكره) يمكن أن يوجد وهماً وأنّ كل شيء مرتبط بإرادة الإنسان نفسه، وأنّ إرادته مستقلة في كل الأحوال، وتقول هذه الآية رافعة بذلك هذا الإشتباه، إنّ الإنسان مرتبط بالمشيئة الإلهية، وإن هذه الآية مختاراً حرّاً وهذه المشيئة هي الحاكمة على كل هذا العالم الموجود، وبعبارة اُخرى: إنّ هذا الاختبار والحرية والمعطاة للإنسان في بمشيئته تعالى وإرادته، ويمكن سلبها أنّى شاء.

وأمّا التّفسير الثّالث فإنّه يقول: إنّهم لا يمكنهم الإيمان إلاّ أن يشاء اللّه ذلك ويجبرهم ، ونعلم أنّ اللّه لا يجبر أحداً على الإيمان أو الكفر، والتّفسير الأوّل والثّاني أنسب وأفضل.

وفي النهاية يقول: (هو أهل التقوى وأهل المغفرة).

فهو أهل لأن يخافوا من عقابه وأن يتقوا في اتّخاذهم شريكاً له تعالى شأنه، وأن يأملوا مغفرته، وفي الحقيقة، أنّ هذه الآية إشارة إلى الخوف والرجاء والعذاب والمغفرة الإلهية، وهي تعليل لما جاء في الآية السابقة، لذا نقرأ في حديث ورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنّه قال: «قال اللّه: أنا أهل

[195]

أن اتقى ولا يشرك بي عبدي شيئاً وأنا أهل إن لم يشرك بي شيئاً أن اُدخله الجنّة»(1).

وبالرغم من أنّ المفسّرين ـ كما رأينا ـ قد أخذوا التقوى هنا بمعناها المفعولي، وقالوا إنّ اللّه تعالى أهل لأن يتّقى من الشرك والمعصية، ولكن هناك احتمالاً آخر، وهو أنّ تؤخذ بمعناها الفاعلي، أي أن اللّه أهل للتقوى من كلّ أنواع الظلم والقبح ومن كل ما يخالف الحكمة، وما عند العباد من التقوى هو قبسٌ ضعيف من ما عند اللّه، وإنّ كان التعبير بالتقوى بمعناه الفاعلي والذي يُقصد به اللّه تعالى قليل الإستعمال، على كل حال فإنّ الآية قد بدأت بالإنذار والتكليف، وإنتهت بالدعوة إلى التقوى والوعد بالمغفرة.

ونتعرض هنا بالدعاء إليه خاضعين متضرعين تعالى:

ربّنا! اجعلنا من أهل التقوى والمغفرة.

اللّهم! إن لم تشملنا ألطافك فإنّنا لا نصل إلى مرادنا، فامنن علينا بعنايتك.

اللّهم! أعنّا على طريق مليء بالمنعطفات والهموم والمصائد الشيطانية الصعبة، وأعنا على الشيطان المتهيء لإغوائنا، فبغير عونك لا يمكننا المسير في هذا الطريق.

آمين يا ربّ العالمين.

نهاية سوره المدّثّر

* * *

______________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج4، ص405.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8895810

  • التاريخ : 5/08/2020 - 04:42

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net