00989338131045
 
 
 
 
 
 

 الفصل الخامس : ـ قراءات شخصية ومحاولات تحريف ـ قراءات للخليفة لم يطعه فيها المسلمون : 1 ـ فامضوا الى ذكر الله ! 

القسم : علوم القرآن   ||   الكتاب : تدوين القرآن   ||   تأليف : الشيخ علي الكوراني

الفصل الخامس

قراءات شخصية ومحاولات تحريف

قراءات للخليفة لم يطعه فيها المسلمون

1 ـ فامضوا الى ذكر الله !

اتفقت مصادر إخواننا السنة على أن الخليفة عمر كان يقرأ فاسعوا الى ذكر الله في الآية التاسعة من سورة الجمعة ( فامضوا الى ذكر الله ) حتى في صلاته ، وأنه كان يصر على ذلك ويأمر بمحو ( فاسعوا ) ويقول إنها منسوخة !!

فما هو سبب ذلك ؟ ثم ما هو السبب في أن جميع المفسرين وفقهاء المذاهب السنية لم يطيعوا الخليفة ولم يكتبوها في المصاحف ، ولم يقرؤوا بها ، مع أنهم يتعصبون لأقوال الخليفة عمر ويتشبثون بها ؟!

أما السر في اجتهاد الخليفة في نص القرآن فهو أن كلمة ( السعي ) في ذهنه تعني الركض ، بينما المضي تعني الذهاب .. وبما أن المطلوب من المسلمين إذا سمعوا النداء لصلاة الجمعة هو الذهاب بسكينة ووقار وليس الركض .. فلا يصح التعبير بالسعي ! ومادام القرآن نازلاً من عند الله تعالى فلا بد أنه قال : فامضوا ولم يقل فاسعوا ! أو أن الركض للجمعة كان مطلوباً أولاً ثم نسخ بالمضي !! أو أنه كان اشتباهاً من النبي أو جبرئيل ثم صححه أحدٌ لهما !!

قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 63 ( قوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ، وقرأ عمر : فامضوا الى ذكر الله ) .

وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 711 ( عن إبراهيم عن خرشة بن الحر قال : رأى معي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوحاً مكتوباً فيه : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله ، فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، فقال إن أبياً كان أقرأنا للمنسوخ ، إقرأها : فامضوا الى ذكر الله ! ) .

وروى البيهقي في سننه ج 3 ص 227 ( عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرؤها إلا : فامضوا الى ذكر الله ... أنبأ الشافعي ، أنبأ سفيان بن عيينة ، فذكره بنحوه ) .

وقال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 219 ( قوله تعالى : فاسعوا الى ذكر الله .. الآية . أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، قال إن أبياً أقرؤنا للمنسوخ ، إقرأها فامضوا الى ذكر الله ! ) انتهى .

ورووا أن الخليفة أقنع برأيه هذا عبدالله بن مسعود فمحى من مصحفه ( فاسعوا ) وكتب فيه ( فامضوا ) !

روى الهيثمي بسند موثق في مجمع الزوائد ج 7 ص 124 ( عن إبراهيم قال ، قال عبد الله بن مسعود ... لو قرأتها فاسعوا سعيت حتى يسقط ردائي ! وكان يقرؤها فامضوا . رواه الطبراني وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود ورجاله ثقات . وعن قتادة قال : في جزء ابن مسعود ( مصحفه ) فامضوا الى ذكر الله ... رواه الطبراني وقتادة لم يدرك ابن مسعود ولكن رجاله ثقات ) انتهى .

أما علي وأهل البيت(ع) فكانوا ملتفتين الى أن السعي هنا ليس بمعنى الركض بل بمعنى السعي المعنوي الذي يتناسب مع المشي الى صلاة الجمعة بسكينة ووقار .. روى القاضي المغربي في دعائم الإسلام ج 1 ص 182 ( عن علي(ع) أنه سئل عن قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله ، قال : ليس السعي الاشتداد ولكن يمشون إليها مشياً ) .

وروى الصدوق في علل الشرائع ج 2 ص 357 ( عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله(ع) قال : إذا قمت الى الصلاة إن شاء الله فأتها سعياً وليكن عليك السكينة والوقار ، فما أدركت فصل وما سبقت به فأتمه ، فإن الله عزوجل يقول : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله . ومعنى قوله فاسعوا هو الإنكفات ) .

وروى علي بن إبراهيم في تفسيره ج 2 ص 367 عن الإمام الباقر(ع) ( إسعوا : إعملوا لها وهو قص الشارب ، ونتف الابط وتقليم الأظافير والغسل ولبس أفضل ثيابك ، وتطيب للجمعة فهو السعي ، يقول الله : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ) انتهى .

وروى هذا المعنى أيضاً عن أبي ذر رحمه الله ، قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 219 ( وأخرج البيهقي في سننه عن عبدالله بن الصامت قال خرجت الى المسجد يوم الجمعة فلقيت أباذر فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله ، فجذبني جذبة فقال : أولسنا في سعي ؟! ) انتهى .

وتؤيد مصادر اللغة هذا الإشتراك في مادة ( سعى ) فهي تستعمل في المشي السريع الذي هو دون الركض ، وتستعمل في ( السعي المعنوي ) وهو الإهتمام والجد في الشئ المقصود .. وأكثر ما وردت في القرآن بهذا المعنى الثاني .

قال الراغب في مفرداته ص 233 ( السعي المشي السريع وهو دون العدو . ويستعمل للجد في الأمر خيراً كان أو شراً ، قال تعالى وسعى في خرابها وقال نورهم يسعى بين أيديهم وقال ويسعون في الأرض فساداً ، وإذا تولى سعى في الأرض ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ، إن سعيكم لشتى وقال تعالى وسعى لها سعيها ، كان سعيهم مشكوراً وقال تعالى فلا كفران لسعيه ) .

وقال الخليل في كتاب العين ج 2 ص 202 ( السعي عدو ليس بشديد . وكل عمل من خير أو شر فهو السعي ، يقولون السعي العمل أي الكسب . والمسعاة في الكرم والجود ) .

وقال الجوهري في الصحاح ج 6 ص 2377 ( سعى الرجل يسعى سعياً أي عدا ، وكذلك إذا عمل وكسب ) .

وقال الطريحي في مجمع البحرين ج 2 ص 375 ( قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله ، أي بادروا بالنية والجد ، ولم يرد للعدو والإسراع في المشي ، والسعي يكون عدواً ومشياً وقصداً وعملاً ، ويكون تصرفاً بالصلاح والفساد . والأصل فيه المشي السريع لكنه يستعمل لما ذكر وللأخذ في الأمر ) انتهى .

وعندما وجد إخواننا السنة أنفسهم أمام هذا الواقع ، ورأوا أن قراءة ( فامضوا ) اشتباه محض من الخليفة وإصرار غير منطقي ، فاختاروا أن يبقوا الآية في مصاحفهم ( فاسعوا ) وأن يحفظوا كرامة الخليفة في نفس الوقت ولا يخطئوه.. فلذلك لا تجد منهم منتقداً للخليفة ، ولا متسائلاً عن معنى شهادة الخليفة بأن اسعوا منسوخة !! بل تجد أن بعضهم فضل السكوت وطلب الستر والسلامة للخليفة ، كما فعل البخاري ! وبعضهم قلد الخليفة وأفتى بجواز القراءة بقراءته ، وحاول أن يستر خطأه بالإصرار عليه ، مدعياً أن المضي هو السعي في لغة قريش والحجاز ! ولو كان السعي مرادفاً للمضي فلماذا هرب منه الخليفة وجعل ابن مسعود يهرب منه خوفاً على ردائه ، وهما حجازيان ؟!

وغاية ما وصلت إليه جرأة علماء إخواننا الانتقاد البعيد بالإشارة التي لايفهمها إلا اللبيب اللبيب .. قال البيهقى في سننه ج 3 ص 227 ( قال الشافعي : ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل لا السعي على الأقدام ، قال الله تعالى إن سعيكم لشتى ، وقال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن . وقال وكان سعيكم مشكوراً ، وقال وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وقال وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها . قال الشيخ ( البيهقي ) وقد روي عن أبي ذر ما يؤكد هذا ) انتهى . وقد أخذها الشافعي عن أهل البيت(ع) كما رأيت !

وتبع الشافعي ابن قدامة في المغني ج 2 ص 143 قال ( ... والمراد بالسعي هاهنا الذهاب إليها لا الإسراع ، فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو قال الله تعالى وأما من جاءك يسعى وقال وسعى لها سعيها وقال سعى في الأرض ليفسد فيها وقال ويسعون في الأرض فساداً ، وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو ، وقد روى عن عمر أنه كان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله ) !!

ومن أكثرهم أمانة وجمعاً لروايات الموضوع جلال الدين السيوطي ، قال في الدر المنثور ج 6 ص 219 :

( وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال قيل لعمر إن أبياً يقرأ فاسعوا الى ذكرالله قال عمر : أبيٌّ أعلمنا بالمنسوخ . وكان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله !

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا الى ذكر الله !

وأخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا الى ذكر الله !!

وأخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال : لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا فامضوا الى ذكر الله !!

وأخرج عبدالرزاق والفريابي وأبوعبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ : فامضوا الى ذكر الله ، قال ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي !

وأخرج عبدالرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود فامضوا الى ذكر الله وهو كقوله إن سعيكم لشتى .

وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن : فامضوا الى ذكر الله .

وأخرج ابن المنذر عن عبدالله بن الزبير أنه كان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال : فامضوا .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله فاسعوا الى ذكر الله قال : ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع .

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان عن قتادة في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال : السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المضي إليها ، قال الله فلما بلغ معه السعي قال لما مشى مع أبيه .

وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال قم لنسعى إليها .

وأخرج عبدالرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال : الذهاب والمشي .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : إنما السعي العمل وليس السعي على الأقدام .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: السعي العمل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله .

وروى في كنز العمال عدداً من هذه الروايات ج 2 ص 591 تحت الأرقام : 48087 و 4809 و4821 و4822 وقال ابن جزي في كتاب التسهيل ج 2 ص 445 ( قرأ عمر : وامضوا الى ذكر الله ) انتهى.. ويطول الأمر لو أردنا استعراض بقية المصادر .. والحمد لله أن أحداً من المسلمين لم يطع الخليفة في تحريف هذه الآية ، حتى أشد المتعصبين له . ومن المؤكد أن الخليفة كان مصراً عليها حتى توفي فقد كتبها في مصحفه ، وبما أن مصحفنا الذي كتبه الخليفة عثمان فيه ( فاسعوا ) فهو دليل على أنه لم ينسخه من مصحف الخليفة عمر ، والحمد لله .




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8211847

  • التاريخ : 10/12/2019 - 13:22

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net