00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 249 ـ 241 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي

(بحث روائي)

 في الدر المنثور فى قوله تعالى: يقص الحق الاية أخرج الدار قطني في الافراد وابن مردويه عن أبى بن كعب قال: أقرا رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا: (يقص الحق وهو خير الفاصلين). وفيه في قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الاية، أخرج أحمد والبخاري وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبى حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى تغيض الارحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدرى نفس بأى أرض تموت إلا الله، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى. أقول: ولا ينبغى أن تعد الرواية على تقدير صحتها منافية لما تقدم من عموم الاية لان العدد لا مفهوم له، وما في الرواية من المفاتيح يجمعها العلم بالحوادث قبل حدوثها، وللغيب مصاديق أخر غير الخمس بدلالة من نفس الاية. وفيه أخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما من زرع على وجه الارض ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان ابن فلان، وذلك قوله تعاله: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. أقول: والرواية على ضعف سندها لا ينطبق مضمونها على الاية ذاك الانطباق. وفي تفسير العياشي عن أبى الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها - إلى قوله - إلا في كتاب مبين، قال: الورقة السقط، والحبة الولد، وظلمات الارض الارحام - والرطب ما يحيى، واليابس ما يغيض، وكل ذلك في كتاب مبين. أقول: ورواه أيضا الكليني والصدوق عن أبى الربيع عنه، والقمى مرسلا والرواية لا تنطبق على ظاهر الاية، ونظيرتها رواية اخرى رواها العياشي عن الحسين بن سعيد عن أبى الحسن عليه السلام. وفى المجمع في قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم)

[ 149 ]

قال: السلاطين الظلمة (ومن تحت أرجلكم) العبيد السوء ومن لا خير فيه قال: وهو المروى عن أبى عبد الله عليه السلام. وقال في قوله تعالى: (أو يلبسكم شيعا) قيل: عنى به يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة والعصبية وهو المروى عن أبى عبد الله عليه السلام،: وقال في قوله: (ويذيق بعضكم بأس بعض) قيل: هو سوء الجوار وهو المروى عن أبى عبد الله عليه السلام. وفي تفسير القمى: وقوله: (يبعث عليكم عذابا من فوقكم) - قال: السلطان الجائر (أو من تحت أرجلكم) قال: السفلة ومن لا خير فيه (أو يلبسكم شيعا) قال: العصبية (ويذيق بعضكم بأس بعض) قال سوء الجوار. قال القمى: وفي رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليهم السلام: في قوله: (هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: هو الدخان والصيحة (ومن تحت أرجلكم) قال قال: وهو الخسف (أو يلبسكم شيعا) وهو اختلاف في الدين وطعن بعضكم على بعض (ويذيق بعضكم بأس بعض) وهو أن يقتل بعضكم بعضا فكل هذا في أهل القبلة يقول الله: انظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون. وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الاسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الاية (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال رسول الله صلى الله عليه آله: أعوذ بوجهك (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال هذا أهون أو أيسر. أقول وروى أيضا ما يقرب منه عن ابن مردويه عن جابر. وفيه: أخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبى حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبى وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله في هذه الاية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) فقال النبي صلى الله عليهو آله: أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد. أقول: وهناك روايات كثيرة مروية من طرق أهل السنة وروايات اخرى من

[ 150 ]

طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليه السلام أن ما أوعده الله في الاية من العذاب النازل من فوقهم ومن تحت أرجلهم أعنى الصيحة والخسف سيقع على هذه الامة، وأما لبسهم شيعا وإذاقة بعضهم بأس بعض فوقوعه مفروغ عنه. وقد روى السيوطي في الدر المنثور وابن كثير في تفسيره أخبارا كثيره دالة على أنه لما نزلت الاية: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم) إلى آخرها استعاذ النبي صلى الله عليه وآله إلى ربه ودعاه أن لا يعذب أمته بما أوعدهم من أنواع العذاب فأجابه ربه إلى بعضها ولم يجبه إلى بعض آخر وهو أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض. وهذه الروايات - على كثرتها - وإن اشتملت على القوية والضعيفة من حيث أسنادها موهونة جميعا بمخالفتها لظاهر الاية فإن قوله تعالى في الايتين التاليتين: (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل، لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) تهديد صريح بالوقوع وقد نزلت الايات - وهى من سورة الانعام - دفعة وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يبلغ ذلك أمته ولو كان هناك بداء برفع البلاء لكان من الواجب أن نجده في كلامه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس من ذلك أثر بل الامر على خلافه كما تقدم في البيان السابق أن عده من آيات القرآن الكريم تؤيد هذه الايات في مضمونها كالتى في سورة يونس والروم وغيرهما. على أنها تعارض روايات أخر كثيرة من طرق الفريقين دالة على وقوع ذلك ونزوله على الامة في مستقبل الزمان. على أن هذه الروايات - على كثرتها واتفاق كثير منها في إن النبي صلى السلام إنما دعا بهذه المسائل عقيب نزول هذه الاية: (قل هو القادر على أن يبعث) الاية - لا تتفق لا في عدد المسائل ففى بعضها أنها كانت ثلاثا وفي بعضها أنها كانت أربعا، ولا في عدد ما اجيب إليه ففى بعضها أنه كان واحدا وفي بعضها أنه كان اثنين، ولا في نفس المسائل ففى بعضها أنها كانت هي الرجم من السماء والغرق من الارض وأن لا يلبسهم شيعا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها الغرق والسنة وجعل بأسهم بينهم وفي، بعضها أنها السنة العام. وأن يسلط عليهم عدوا من غيرهم وأن يذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أن المسائل هي أن لا يجمع امته على ضلاله وأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم وأن

[ 151 ]

لا يهلكم بالسنين وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم وأن لا يهلكهم بغرق وأن لا يجعل بأسهم بينهم، وفي بعضها أنها أن لا يهلكهم بماأهلك به من قبلهم وأن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي بعضها أنها العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم وأن يلبسهم شيعا وأن يذيق بعضهم بأس بعض. على أن في كثير منها أن دعاءه صلى الله عليه وآله كان في حرة بنى معاوية قرية من قرى الانصار بالعالية ولازمه كونه بعد الهجرة وسورة الانعام من السور النازلة بمكة قبل الهجرة دفعة، وفي الروايات اختلافات اخرى تظهر لمن راجعها. وإن كان ولا بد من أخذ شئ من الروايات فالوجه هو اختيار ما رواه عن عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله زوى لى الارض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك امتى سيبلغ ما زوى لى منها، وإنى اعطيت الكنزين: الاحمر والابيض، وإنى سألت ربى أن لا يهلك قومي بسنة عامة وأن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد إنى إذا قضيت قضاء فانه لا يرد، وإنى أعطيتك لامتك أن لا اهلكهم بسنة عامة ولا اسلط عليهم عدوا من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبى بعضا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: إنى أخاف على امتى الائمة المضلين فإذا وضع السيف في امتى لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة. فهذه الرواية وما في مضمونها خالية عن غالب الاشكالات السابقة، وليس فيها أن الدعاء كان إثر نزول الاية، وينبغى مع ذلك أن يحمل على أن المراد رفع الهلاك العام والسنة العامة التى تبيد الامة، وإلا فالسنين والمثلات والمقاتل الذريعة التى لقيتها الامة في حروب المغول والصليب وباندلس وغيرها مما لا سبيل إلى إنكارها، وينبغى أيضا أن تحمل على أن الدعاء والمسألة كان في أوائل البعثة قبل نزول السورة وإلا فالنبى صلى الله عليه وآله أعلم بمقام ربه وأجل قدرا من أن يتلقى هذه الايات بالوحى ثم يراجع ربه في تغيير ما قضى به وأمره بتبليغه وإنذار امته به.

[ 152 ]

وبعد اللتيا والتى فالقرآن الشريف يدل باياته على حاق الامر وهو أن هذا الدين قائم إلى يوم القيامة، وأن الامة لا تبيد عامة، وأن أمثال ما ابتلى الله به الامم السالفة تبتلى بها هذه الامة حذو النعل بالنعل من غير أي اختلاف وتخلف. والروايات المستفيضة المروية عن النبي والائمة من أهل بيته صلى الله عليه وعليهم القطعية في صدورها ودلالتها ناطقة بذلك. وفي الدر المنثور أخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: (قل لست عليكم بوكيل) قال: نسخ هذه الاية آية السيف: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). أقول: قد عرفت مما تقدم من البيان أن قوله: (قل لست عليكم بوكيل) مسوق تمهيدا للتهديد الذى يتضمنه قوله: (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) وهذا المعنى لا يقبل نسخا. وفي تفسير القمى في قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الاية بإسناده عن عبد الاعلى بن أعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم فإن الله يقول في كتابه: (إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان - فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين). وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبى جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. وفيه أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن على قال: إن أصحاب الاهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وفي تفسير العياشي عن ربعى بن عبد الله عمن ذكره عن أبى جعفر عليه السلام في قول الله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) قال: الكلام في الله والجدال في القرآن (فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) قال: منه القصاص. أقول: والروايات - كما ترى - تعمم الاية وهو أخذ بالملاك. وفى المجمع: قال أبو جعفر عليه السلام: لما أنزل (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم

[ 153 ]

الظالمين) قال المسلمون: كيف نصنع ؟ إن كان كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام فأنزل الله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أمرهم بتذكيرهم ما استطاعوا. أقول: والرواية - كما ترى - مبنية على إخذ قوله: (ذكرى) مفعولا مطلقا وإرجاع الضميرين في قوله: (لعلهم يتقون) إلى المشركين والتقدير: ولكن ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون، ويبقى على الرواية كون السورة نازلة دفعة واحدة. وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريح قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وآله يحبون أن يسمعوا منه فإذا سمعوا استهزاوا فنزلت (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) الاية قال: فجعلوا إذا استهزاوا قام فحذروا وقالوا: لا تستهزئوا فيقوم فذلك قوله: (لعلهم يتقون) أن يخوضوا فتقوم ونزل: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أن تقعد معهم ولكن لا تقعد ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم - إلى قوله - إنكم إذا مثلهم) نسخ قوله: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) الاية. أقول لو كانت آية مائدة: (وقد نزل عليكم) الاية وهى عين قوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون) الاية معنى ناسخة لقوله: (وما على الذين يتقون) الاية فهو أعنى قوله: (وما على الذين يتقون) الاية ناسخ لقوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون) الاية وهو ظاهر، ويأباه نزول السورة دفعة. على أن الذى ذكره من المعنى لا يوجب تنافيا بين الايات الثلاث يؤدى إلى النسخ حتى تكون الثانية ناسخة للاولى ومنسوخة بالثالثة وهو ظاهر. ونظير الرواية ما رواه أيضا في الدر المنثورعن النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) قال: هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها) الاية. وفي تفسير البرهان في قوله تعالى: (قوله الحق وله الملك) الاية عن ابن بابويه بإسناده عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله عليه السلام في قول الله عز

[ 154 ]

وجل: (عالم الغيب والشهادة) فقال: (عالم الغيب) ما لم يكن (والشهادة) ما قد كان. أقول: فيه ذكر أعرف مصاديق الغيب والشهادة عندنا، وقد تقدم في البيان المتقدم آنفا وغيره أن للغيب مصاديق أخر.

* * *

وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إنى أريك وقومك في ضلال مبين - 74. وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين - 75. فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الافلين - 76. فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين - 77. فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون - 78. إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين - 79. وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدين ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شئ علما أفلا تتذكرون - 80. وكيف أخاف ما

[ 155 ]

أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون - 81. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون - 82. وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم - 83.

(بيان)

 عشر آيات ذكر الله سبحان فيها ما آتاه النبي العظيم ابراهيم ع عليه السلام من الحجة على المشركين بما هداه إلى توحيده وتنزيهه ثم ذكر هدايته أنبياءه بتطهير سرهم من الشرك، وقد سمى بينهم نوحا عليه السلام وهو قبل ابراهيم عليه السلام وسته عشر نبيا من ذرية نوح عليه السلام. والايات في الحقيقة بيان لمصداق كامل من القيام بدين الفطرة والانتهاض لنشر عقيدة التوحيد والتنزيه عن شرك الوثنية وهو الذى انتهض له إبراهيم عليه السلام وحاج له على الوثنية حينما أطبقت الدنيا على الوثنية ظاهرا، ونسوا ما سنه نوح عليه السلام والتابعون له من ذريته الانبياء من طريقة التوحيد فالايات بما تشتمل عليه من تلقين الحجه ة و الهداية إلى دين الفطرة كالتبصر لما تقدمها من الحجج التى لقنها الله: سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله في هذه السورة بقوله: قل كذا وقل كذا فقد كررت لفظة (قل) في هذه السورة الكريمة أربعين مرة نيف وعشرون منها قبل هذه الايات فكأنه قيل: واذكر فيما تقوله لقومك وتحاجهم به من ادلة التوحيد ونفى الشريك بتلقيننا إياك ما قاله إبراهيم لابيه وقومه مما آتيناه من حجتنا على قومه بما كنا نريه من ملكوت السماوات والارض فقد كان يحاجهم عن إفاضة إلهية عليه بالعلم والحكمة وإراءة منه تعالى لملكوته مبنية على اليقين لا عن فكرة تصنيعية لا تعدو حد التخيل والتصور، ولا تخلو عن التكلف والتعسف الذى لا تهتف به الفطرة الصافية. ولحن كلام ابراهيم عليه السلام فيما حكاه الله سبحانه في هذه الايات إن تدبرنا فيها بأذهان

[ 156 ]

خالية عن التفاصيل الواردة في الروايات والاثار على اختلافها الفاحش، غير مشوبة بالمشاجرات التى وقعت للباحثين من أهل التفسير على خلطهم تفسير الايات بمضامين الروايات ومحتويات التواريخ وما اشتملت عليه التوراة وأخرى تشايعها من الاسرائيليات إلى غير ذلك، وبالجملة لحن كلامه عليه السلام في ما حكى عنه في هذه الايات يشعر إشعارا واضحا بأنه كلام صادر عن ذهن صاف غير مملوء بزخارف الافكار والاوهام المتنوعة أفرغته في قالب اللفظ فطرته الصافية بما عندها من أوائل التعقل والتفكير ولطائف الشعور والاحساس. فالواقف في موقف النصفة من التدبر في هذه الايات لا يشك أن كلامه المحكى عنه مع قومه أشبه شئ بكلام إنسان أولى فرضى عاش في سرب من أسراب الارض أو كهف من كهوف الجبال لم يعاشر إلا بعض من يقوم بواجب غذائه ولباسه لم يشاهد سماء بزواهر نجومها و كواكبها، والبازغ من قمرها وشمسها، ولم يمكث في مجتمع إنساني بأفراده الجمة وبلاده الوسيعة، واختلاف أفكاره، وتشتت مقاصده ومأربه، وأنواع أديانه ومذاهبه، ثم ساقه الاتفاق أن دخل في واحد من المجتمعات العظيمة، وشاهد أمورا عجيبة لا عهد له بها من أجرام سماوية، وأقطار أرضية، وجماعات من الناس عاكفين على مشاغلهم كادحين نحو مأربهم، ومقاصدهم لا يصرفهم عن ذلك صارف بين متحرك وساكن، وعامل ومعمول له، وخادم، ومخدوم، وآمر ومأمور، ورئيس ومرؤوس منكب على الكسب والعمل، ومتزهد متعبد يعبد الاله. فبهته عجيب ما يراه واستغرقه غريب ما يشاهده فصار يسأل من أنس به عن شأن الواحد بعد الواحد مما اجتذبت إليه نفسه، ووقع عليه بصره، وكثر منه إعجابه نظير ما نراه من حال الصبى إذا نظر إلى جو السماء الوسيعة بمصابيحها المضيئة وزواهرها اللامعة، وعقود كواكبها المنثورة في حالة مطمئنة نراه يسأل أمة: ما هذه التى اشاهدها وأمتلئ من حبها والاعجاب بها ؟ من الذى علقها هناك من الذى نورها ؟ من الذى صنعها ؟. غير أن الذى لا نرتاب فيه أن هذا الانسان إنما يبدا في سؤاله من حقائق الاشياء التى يشاهدها ويتعجب منها بالذى يقرب مما كان يعرفها في حال التوحش والانعزال عن المجتمع وإنما يسأل عن المقاصد والغايات التى لا يقع عليها الحواس. وذلك لان الانسان إنما يستعلم حال المجهولات بما عنده من مواد العلم الاولية فلا ينتقل من المجهولات إلا إلى ما يناسب بعض ما عنده من المعلومات، وهذا أمر ظاهر

[ 157 ]

محسوس من حال بعض بسائط العقول كالصبيان وأهل البدو إذا صادفوا امورا ليس لهم بها عهد فإنهم يبدءون باستعلام حال ما يستأنسون بأمره بعد الاستيناس فيسألون عن حقيقته وعن أسبابه وغاياته. والانسان المفروض وهو الانسان الفطري الاولى تقريبا لما لم يشتغل إلا بأبسط أسباب المعيشة لم يشغل ذهنه ما يشغل ذهن الانسان المدنى الحضرى الذى أحاطت به هذه الاشغال الكثيرة الطبيعية الخارجة عن الحد والحصر التى لا فراغ له عنها ولو لحظة، ولذلك كان الانسان المفروض في فراغ من الفكر وخلاء من الذهن، والحوادث الجمة السماوية والارضية الكونية محيطة به من غير أن يعرف أسبابها الطبيعية فلذلك كان ذهنه أشد استعدادا للانتقال إلى سببها الذى هو اعلى من الاسباب الطبيعية وهو الذى يتنبه له الانسان الحضرى بعد الفراغ عن إحصاء الاسباب الطبيعية لحوادث الكون فوق هذه الاسباب لو وجد فراغا، ولذا كان الاسبق إلى ذهن هذا الانسان المفروض هو الانتقال إلى هذا السبب الاعلى لو شاهد من الناس الحضريين الاشتغال به والتنسك والعبادة له. ومن الشواهد على هذا الذى ذكرنا ما نجد أن الاشتغال بالمراسم الدينية والبحث عن اللاهوت في آسيا أكثر رواجا وأغلى قدرا منه في اوروبا، وفي القرى والبلاد الصغيرة أحكم موقعا منه في البلاد العظيمة وعلى هذه النسبة في البلاد العظيمة والسواد الاعظم لما أن المجتمع كلما اتسع نطاقه زادت فيه الحوائج الحيوية، وكثرت وتراكمت الاشغال الانسانية فلم تدع للانسان فراغا تستريح فيه نفسه إلى معنوياتها وتتوجه إلى البحث عن مبدئها ومعادها. وبالجملة إذا راجعنا قصة إبراهيم عليه السلام ا لمودعة في هذه الايات وما يناظرها من آيات سورة مريم والانبياء والصافات وغيرها وجدنا حاله عليه السلام فيما يحاج به أباه وقومه أشبه شئ بحال الانسان البسيط المفروض نجده يسأل عن الاصنام ويباحث القوم في شأنها ويتكلم في أمر الكوكب والقمر والشمس سؤاله من لا عهد له بما يصنعه الناس وخاصة قومه الوثنيون في الاصنام يقول لابيه وقومه: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) (الانبياء: 52) ويقول لابيه وقومه: (ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون: ا) (شعراء: 74).

[ 158 ]

فهذا كلام من لم ير صنما ولم يشاهد وثنيا يعبد صنما وقد كان عليه السلام في مهد الوثنية وهو بابل كلدان، وقد عاش بينهم برهة من الزمان فهل كان مثل هذا التعبير منه عليه السلام: (ما هذه التماثيل) تحقيرا للاصنام وإيماء إلى أنه لا يضعها الموضع الذى يضعها عليه الناس ولا يقر لها بما أقروا به من القداسة والفضل كأنه لا يعرفها كقول فرعون لموسى عليه السلام. (وما رب العالمين) (الشعراء: 23) وقول كفار مكة للنبى صلى الله عليه وآله فيما حكى الله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذى يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون) (الانبياء: 36). لكن يبعده أن إبراهيم عليه السلام ما كان يستعمل في خطاب أبيه آزر إلا جميل الادب حتى إذا طرده أبوه وهدده بالرجم قال له إبراهيم: (سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا) (مريم: 47). فمن المستبعد أن يلقى إليه أول ما يواجهه من الكلام ما يتضمن تحقير شأن آلهته المقدسة عنده في لحن التشويه والاهانة فيثير به عصبيته ونزعته الوثنية، وقد نهى الله سبحانه في هذالمله التى هي ملة إبراهيم حنيفا عن سب آلهة المشركين لئلا يثير ذلك منهم ميواجهون المسلمين بمثله قال تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبو الله عدوا بغير علم) (الانعام: 108). ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ مما حاج به أباه آزر وقومه في أمر الاصنام يشتغل بأربابها وهى الكوكب والقمر والشمس فيقول لما رأى كوكبا: (هذا ربى) ثم يقول لما رأى القمر بازغا: (هذا ربى) ثم يقول لما رأى الشمس بازغه: (هذا ربى هذا أكبر) وهذه التعبيرات أيضا تعبير من كأنه لم ير كوكبا ولا قمرا ولا شمسا، وأوضح التعبيرات دلالة على هذا المعنى قوله عليه السلام في الشمس: هذا ربى هذا أكبر فإن هذا كلام من لا يعرف ما هي الشمس وما هما القمر والكوكب غير أنه يجد الناس يخضعون لها ويعبدونها ويقربون لها القرابين كما يرويه التاريخ عن أهل بابل، وهذا كما إذا رأيت شبح إنسان لا تدرى أرجل هو أو إمراة تسأل وتقول: من هذا ؟ تريد الشخص لانك لا تعلم منه أزيد من أنه شخص إنسان فيقال: امرأة فلان أو هو فلان وإذا رأيت شبحا لا تدرى إنسان هو أو حيوان أو جماد تقول ما هذا ؟ تريد الشبح أو المشار إليه إذ لا

[ 159 ]

علم لك من حاله إلا بأنه شئ جسماني أيا ما كان فيقال لك هذا زيد أو هذه امرأة فلان أو هو شاخص كذا ففى جميع ذلك تراعى - وأنت جاهل بالامر - من شأن أولى العقل وغيره والذكورية والانوثية مقدار ما لك به علم، وأما المجيب العالم بحقيقة الحال فعليه أن يراعى الحقيقة. فظاهر قوله عليه السلام: هذا ربى وقوله: (هذا ربى هذا أكبر) أنه ما كان يعرف من حال الشمس إلا أنه شئ طالع أكبر من القمر والكوكب يقصده الناس بالعبادة والنسك والاشارة إلى مثل هذا المعلوم إنما هو بلفظة (هذا) بلا ريب، وأما أنها شمس أي جرم أو صفحة نورانية تدبر العالم الارضى بضوئها وترسم الليل والنهار بسيرها بحسب ظاهر الحس أو أنه قمر أو كوكب يطلع كل ليلة من أفق الشرق ويغيب فيما يقابله من الغرب فلم يكن يعرف ذلك على ما يشعر به هذا الكلام، ولو كان يعرف ذلك لقال في الشمس: هذه ربى هذه أكبر أو قال: إنها ربى إنها أكبر كما راعى هذه النكتة بعد ذلك فيما حاج الملك نمرود وقد كان يعرفها اليوم: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) (البقرة: 258) فلم يقل: فأت به من المغرب. وكما قال لابيه وقومه على ما حكى الله: (ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74) فبدأ يسأل عن معبودهم بلفظة (ما) إذ لا علم له عندئذ بشئ من حاله إلا أنه شئ ثم لما ذكروا الاصنام وهم لا يعتقدون لها شيئا من الشعور والارادة قالوا: (فنظل لها) بالتأنيث، ثم لما سمع الوهيتها منهم ومن الواجب أن يتصف الاله بالنفع والضرر والسمع لدعوة من يدعوه عبر عنها تعبيرا اولى العقل، ثم لما ذكروا له في قصة كسر الاصنام: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) حذاء قوله: (فسألوهم إن كانوا ينطقون) سلب عنها شأن اولى العقل فقال: (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) (الانبياء: 67). ولا يسعنا أن نتعسف فنقول إنه عليه السلام أراد بقوله: (هذا ربى هذا أكبر) الجرم أو المشار إليه أو انه روعى في ذلك حال لغته التى تكلم بها وهى السريانية ليس يراعى فيها التأنيث كاغلب اللغات العجمية فإن ذلك تحكم، على انه عليه السلام قال للملك في

[ 160 ]

خصوص الشمس بعينها: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) (البقره: 258) فلم يحك القرآن ما لهج به بالوصف الذى في لغته فما بال هذا المورد (هذا ربى هذا اكبر) اختص بهذه الحكاية. بيان ونظير السؤال آت في قوله يسأل قومه عن شان الاصنام: (ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون) (الانبياء: 52) وكذا قوله في دعائه: (واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس: (ابراهيم: 36). وكذا لا يسعنا القول بأنه عليه السلام في تذكيره الاشارة إلى الشمس صان الاله عن وصمة الانوثية تعظيما أو أن الكلام من باب إتباع المبتدا للخبر الذى هو مذكر أعنى قوله: ربى، وقوله: (أكبر) فكل ذلك تحكم لا دليل عليه، وسيجئ تفصيل البحث فيها. والحاصل أن الذى حكاه الله تعالى في هذه الايات وما يناظرها من قول إبراهيم عليه السلام لابيه وقومه في توحيده تعالى ونفى الشريك عنه كلام يدل بسياقه على أنه عليه السلام إنما عاش قبل ذلك في معزل من الجو الذى كان يعيش فيه أبوه وقومه ولم يكن يعرف ما يعرفه معاشر المجتمعين من تفاصيل شئون أجزاء الكون والسنن الاجتماعية الدائرة بين الناس المجتمعين، وأنه كان إذ ذاك في أوائل زمن رشده وتمييزه ترك معزله ولحق بأبيه، ووجد عنده أصناما فسأله عن شأنها فلما أوقفه على ذلك شاجره في الوهيتها وألزمه الحجة، ثم حاج قومه في أمر الاصنام فبكتهم، ثم رجع إلى عبادتهم لارباب الاصنام من الكوكب والقمر والشمس فجاراهم في افتراض ربوبيتها الواحد، منها بعدالواحد ولم يزل يراقب أمرها، وكلما غرب واحد منها رفضه وأبطل ربوبيته وافترض ربوبية غيره مما يعبدونه حتى أتى في يومه وليلته على آخرها على ما هو ظاهر الايات، ثم عاد إلى التوحيد الخالص بقوله: (إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) وكأنه تم له ذلك في يومين وليلة بينهما تقريبا على ما سنبين إن شاء الله تعالى. وكان عليه السلام على بصيرة من أن للعالم خالقا فاطرا للسماوات والارض هو الله وحده لا شريك له في ذلك، وإنما يبحث عن أنه هل للناس ومنهم إبراهيم نفسه رب غير الله هو بعض خلقه كشمس أو قمر أو غيرها يربهم ويدبر أمرهم ويشارك الله في أمره أو

[ 161 ]

أنه لا رب لهم غير الله سبحانه وحده لا شريك له. وفي جميع هذه المراحل التى طواها كان الله سبحانه يمده ويسدده بإراءته ملكوت السماوات والارض وعطف نفسه الشريفة إلى الجهة التى ينتسب منها الاشياء إلى الله سبحانه خلقا وتدبيرا فكان إذا رأى شيئا رآى انتسابه إلى الله وتكوينه وتدبيره بأمره قبل أن يرى نفسيته وآثار نفسيته كما هو ظاهر سياق: (قوله وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض) الاية، وقوله في ذيل الايات: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم) الاية، وقوله: (ولقدآتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) (الانبياء: 51). وقول إبراهيم لابيه فيما حكى الله تعالى: (يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم: 43) إلى غير ذلك من الايات. ثم حاج الملك نمرود في دعواه الربوبية على ما كان ذلك من دأب كثير من جبابرة السلف ومن نظائر ذلك نشأت الوثنية وكانت لقومه آلهة كثيرة لها أصنام يعبدونها، وفيهم من كان يعبد أرباب الاصنام كالشمس والقمر والكوكب الذى ذكره القرآن الكريم ولعله الزهرة. هذا ملخص ما يستفاد من الايات الكريمة وسنبحث عن مضامينها تفصيلا بحسب ما نستطيعه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر) القراءات السبع في آزر بالفتح فيكون عطف بيان أو بدلا من أبيه وفي بعض القراءات (آزر) بالضم وظاهره أنه منادى مرفوع بالنداء، والتقدير: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة، وقد عد من القراءات (أأزرا) تتخذ مفتتحا بهمزه الاستفهام، وبعده (أزرا) بالنصب مصدر أزر يأزر بمعنى قوى والمعنى: وإذ قال إبراهيم لابيه أتتخذ أصناما للتقوى والاعتضاد. وقد اختلف المفسرون على القراءة الاولى المشهورة والثانية الشاذة في (آزر) أنه اسم علم لابيه أو لقب أريد بمعناه المدح أو الذم بمعنى المعتضد أو بمعنى الاعرج أو المعوج

[ 162 ]

أو غير ذلك ومنشا ذلك ما ورد في عدة روايات أن اسم أبيه (تارح) بالحاء المهملة أو المعجمة ويؤيده ما ضبطه التاريخ من اسم أبيه، وما وقع في التوراة الموجودة أنه عليه السلام ابن تارخ. كما اختلفوا أن المراد بالاب هو الوالد أو العم أو الجد الامي أو الكبير المطاع ومنشأ ذلك أيضا اختلاف الروايات فمنها ما يتضمن أنه كان والده وأن إبراهيم عليه السلام سيشفع له يوم القيامة ولكن لا يشفع بل يمسخه الله ضبعا منتنا فيتبرا منه إبراهيم، ومنها ما يدل على أنه لم يكن والده، وأن والده كان موحدا غير مشرك، وما يدل على أن آباء النبي صلى الله عليه وآله كانوا جميعا موحدين غير مشركين إلى غير ذلك من الروايات، وقد اختلفت في سائر ما قص من أمر إبراهيم اختلافا عجيبا حتى اشتمل بعضها على نظائر ما ينبسه إليه العهد العتيق مما تنزهه عنه الخلة الالهية والنبوة والرسالة. وقد اطالوا هذا النمط من البحث حتى انجر إلى غايات بعيدة تغيب عندها رسوم البحث التفسيرى الذى يستنطق الايات الكريمة عن مقاصدها عن نظر الباحث، وعلى من يريد الاطلاع على ذلك ان يراجع مفصلات التفاسير وكتب التفسير بالمأثور. والذى يهدى إليه التدبر في الايات المتعرضة لقصصه عليه السلام انه عليه السلام في اول ما عاشر قومه بدأ بشأن رجل يذكر القرآن أنه كان اباه آزر، وقد أصر عليه ان يرفض الاصنام ويتبعه في دين التوحيد فيهديه حتى طرده أبوه عن نفسه وأمره ان يهجره قال تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لابيه يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا، يا أبت إنى قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا - إلى أن قال - قال أ راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) (مريم: 46) فسلم عليه إبراهيم ووعده أن يستغفر له، ولعله كان طمعا منه في إيمانه وتطميعا له في السعادة والهدى قال تعالى: (قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا، واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى أن لا أكون بدعاء ربى شقيا) (مريم: 48) والاية الثانية احسن قرينة على أنه عليه السلام إنما وعده أن يستغفر له في الدنيا لا ان يشفع له يوم القيامة وإن بقى كافرا أو بشرط ان لا يعلم بكفره.

[ 163 ]

ثم حكى الله سبحانه إنجازه عليه السلام لوعده هذا واستغفاره لابيه في قوله: (رب هب لى حكما وألحقني بالصالحين واجعل لى لسان صدق في الاخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لابي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) (الشعراء: 89) وقوله: (إنه كان من الضالين) يدل على أنه عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء لابيه بعد موته أو بعد مفارقته أياه وهجره له لمكان قوله: (كان) وذيل كلامه المحكى في الايات يدل على أنه كان صورة دعاء أتى بها للخروج عن عهدة ما وعده وتعهد له فإنه عليه السلام يقول: اغفر لهذا الضال يوم القيامة ثم يصف يوم القيامة بأنه لا ينفع فيه شئ إلا القلب السليم. وقد كشف الله سبحانه عن هذه الحقيقة بقوله - وهو في صورة الاعتذار -: (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم) (التوبه: 114) والاية بسياقها تشهد على أن هذا الدعاء إنما صدر منه عليه السلام في الدنيا وكذلك التبرى منه لا أنه سيدعو له ثم يتبرا منه يوم القيامة فإن السياق سياق التكليف التحريمي العام وقد استثنى منه دعاء ابراهيم، وبين أنه كان في الحقيقة وفاء منه عليه السلام بما وعده، ولا معنى لاستثناء ما سيقع مثلا يوم القيامة عن حكم تكليفي مشروع في الدنيا ثم ذكر التبرى يوم القيامة. وبالجملة هو سبحانه يبين دعاء ابراهيم عليه السلام لابيه ثم تبريه منه، وكل ذلك في أوائل عهد ابراهيم ولما يهاجر إلى الارض المقدسة بدليل سؤاله الحق واللحوق بالصالحين وأولادا صالحين كما يستفاد من قوله في الايات السابقة: رب هب لى حكما وألحقني بالصالحين) الاية وقوله تعالى - ويتضمن التبرى عن أبيه وقومه واستثناء الاستغفار أيضا - (قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ) (المتحنه: 4). ثم يذكر الله تعالى عزمه عليه السلام على المهاجرة إلى الارض المقدسة وسؤاله أولادا

[ 164 ]

صالحين بقوله: (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين، وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين، رب هب لى من الصالحين) (الصافات: 100). ثم يذكر تعالى ذهابه إلى الارض المقدسة ورزقه صالح الاولاد بقوله: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين، ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافله وكلا جعلنا (صالحين) (الانبياء: 72) وقوله: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا) (مريم: 49). ثم يذكر تعالى آخر دعائه بمكة وقد وقع في آخر عهده عليه السلام بعد ما هاجر إلى الارض المقدسة وولد له الاولاد وأسكن إسماعيل مكة وعمرت البلدة وبنيت الكعبة، وهو آخر ما حكى من كلامه في القرآن الكريم: (وإذ قال براهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام - إلى أن قال - ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة - إلى أن قال - الحمد الله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربى لسميع الدعاء - إلى أن قال - ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (ابراهيم: 41). والاية بما لها من السياق وبما احتف بها من القرائن أحسن شاهد على أن والده الذى دعا له فيها غير الذي يذكره سبحانه بقوله: (لابيه آزر) فإن الايات كما ترى تنص على أن ابراهيم عليه السلام استغفر له وفاء بوعده ثم تبرأ منه لما تبين له أنه عدو لله، ولا معنى، لاعادته عليه السلام الدعاء لمن تبرأ منه ولاذ إلى ربه من أن يمسه فأبوه آزر غير والده الصلبى الذى دعا له ولامه معا في آخر دعائه. ومن لطيف الدلالة في هذا الدعاء أعنى دعاءه الاخير ما في قوله: (ولوالدي) حيث عبر بالوالد والوالد لا يطلق إلا على الاب الصلبى وهو الذى يلد ويولد الانسان مع مافى دعائه الاخر: (واغفر لابي إنه كان من الضالين) والايات الاخر المشتملة على ذكر أبيه آزر فإنها تعبر عنه بالاب والاب ربما تطلق على الجد والعم وغيرهما، وقد اشتمل القرآن الكريم على هذا الاطلاق بعينه في قوله تعالى: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ابراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) (البقرة: 133) فإبراهيم جد

[ 165 ]

يعقوب واسماعيل عمه وقد إطلق على كل منهما الاب، وقوله تعالى فيما يحكى من كلام يوسف عليه السلام: (واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب) (يوسف: 38) فإسحاق جد يوسف وإبراهيم عليه السلام جد ابيه وقد أطلق على كل منهما الاب. فقد تحصل ان آزر الذى تذكره الاية ليس أبا لابراهيم حقيقة وإنما كان معنونا ببعض الاوصاف والعناوين التى تصحح إطلاق الاب عليه، وان يخاطبه إبراهيم عليه السلام بيا أبت، واللغة تسوغ إطلاق الاب على الجد والعم وزوج أم الانسان بعد ابيه وكل من يتولى امور الشخص وكل كبير مطاع، وليس هذا التوسع من خصائص اللغة العربية بل يشاركها فيه وفي أمثاله سائر اللغات كالتوسع في إطلاق الام والعم والاخ والاخت والرأس والعين والفم واليد والعضد والاصبع وغير ذلك مما يهدى إليه ذوق التلطف والتفنن في التفهيم والتفهم. فقد تبين أولا ان لا موجب للاشتغال بما تقدمت الاشارة إليه من الابحاث الروائية والتاريخية والادبية في أبيه ولفظة آزر وانه هل هو اسم علم أو لقب مدح أو ذم أو اسم صنم فلا حاجة إلى شئ من ذلك في الحصول على مراد الاية. على أن غالب ما أوردوه في هذا الباب تحكم لا دليل عليه مع ما فيه من إفساد ظاهر الاية وإخلال أمر السياق باعتبار التراكيب العجيبة التى ذكروها للجملة (آزر أتتخذ أصناما آلهة) من تقديم و تأخير وحذف وتقدير. وثانيا: أن والده الحقيقي غير آزر لكن القرآن لم يصرح باسمه، وإنما وقع في الروايات ويؤيده ما يوجد في التوراة ان اسمه (تارخ). ومن عجيب الوهم ما ذكره بعض الباحثين ان القرآن الكريم كثيرا ما يهمل فيما يذكره من تاريخ الانبياء والامم ويقصه من قصص الماضين أمورا مهمة هي من جوهريات القصص كذكر تاريخ الوقوع ومحله والاوضاع الطبيعية والاجتماعية والسياسية وغيرها المؤثرة في تكون الحوادث الدخيلة في تركب الوقائع ومنها ما في مورد البحث فإن من العوامل المقومة لمعرفة حقيقة هذه القصة معرفة اسم أبى ابراهيم ونسبه وتاريخ زمن نشوئه ونهضته ودعوته ومهاجرته. وليس ذلك إلا لان القرآن سلك في قصصه المسلك الجيد الذى يهدى إليه فن القصص الحقيقي وهو ان يختار القاص في قصته كل طريق ممكن موصل إلى غايته ومقصده إيصالا حسنا، ويمثل المطلوب تمثيلا تاما بالغا من غير ان يبالغ في تمييز صحيح ما يقصه من سقيمه، ويحصى جميع ما هو من جوهريات القصة كتاريخ الوقوع ومكانه وسائر نعوته

[ 166 ]

اللازمة فمن الجائز ان يأخذ القرآن الكريم في سبيل النيل إلى مقصده وهو الهداية إلى السعادة الانسانية قصصا دائرة بين الناس أو بين اهل الكتاب في عصر الدعوة وإن لم يوثق بصحتها أو لم يتبين فيما بأيديهم من القصة جميع جهاتها الجوهرية حتى لو كانت قصة تخييلية كما قيل بذلك في قصة موسى وفتاه وفي قصة الملا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وغير ذلك فالفن القصصى لا يمنع شيئا من ذلك بعد ما ميز القاص ان القصة أبلغ وسيلة واسهل طريقة إلى النيل بمقصده. وهذا خطأ فان ما ذكره من أمر الفن القصصى حق غير ان ذلك غير منطبق على مورد القرآن الكريم فليس القرآن كتاب تاريخ ولا صحيفة من صحف القصص التخييلية وإنما هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد نص على انه كلام الله سبحانه، وانه لا يقول إلا الحق، وان ليس بعد الحق إلا الضلال، وانه لا يستعين للحق بباطل، ولا يستمد للهدى بضلال، وأنه كتاب يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وان ما فيه حجة لمن اخذ به وعلى من تركه في آيات جمة لا حاجة إلى إيرادها فكيف يسع لباحث يبحث عن مقاصد القرآن ان يجوز اشتماله على رأى باطل أو قصة كاذبة باطلة أو خرافة أو تخييل. لست أريد ان مقتضى الايمان بالله ورسوله وبما جاء به رسوله ان ينفى عن القرآن ان يشتمل على باطل أو كذب أو خرافة وإن كان ذلك، ولا ان الواجب على كل انسان سليم العقل صحيح الفكر مستقيم الامر أن تخضع نفسه للقرآن بتصديقة ونفى كل خطأ وزلة عنه في وسائل من المعارف توسل بها إلى مقاصده، وفي نفس تلك المقاصد وإن كان كذلك. وإنماأقول: إنه كتاب يدعى لنفسه أنه كلام إلهى موضوع لهداية الناس إلى حقيقه سعادتهم يهدى بالحق ويهدى إلى الحق ومن الواجب على من يفسر كتابا هذا شأنه ويستنطقه في مقاصده ومطالبه ان يفترضه صادقا في حديثه مقتصرا على ما هو الحق الصريح في خبره وكل ما يسوقه من بيان أو يقيمه من برها ن على مقاصده وأغراضه هاديا إلى الصراط الذى لا يتخلله باطل موصلا إلى غاية لا يشوبها شئ من غير جنس الحق ولا يداخلها أي وهن وفتور. وكيف يكون مقصد من المقاصد حقا على الاطلاق وقد تسرب باطل ما إلى طريقه

[ 167 ]

الذى يدعو إليه المقصد ولا يدعو - على ما يراه - إلا إلى حق ؟ وكيف يكون قضية من القضايا قولا فصلا ما هو بالهزل وقد تسرب إلى البيان المنتج لها شئ من المسامحة والمساهلة ؟ وكيف يمكن ان يكون حديث أو نبأ كلاما لله الذى يعلم غيب السماوات والارض وقد دب فيه جهل أو خبط أو خطاء ؟ وهل ينتج النور ظلمة أو الجهل معرفة ؟. فهذا هو المسلك الوحيد الذى لا يحل تعديه في استنطاق القرآن الكريم في مضامين آياته وهو يرى انه كلام حق لا يشوبه باطل في غرضه وطريق غرضه. وأما البحث عن انه هل هو صادق فيما يدعيه لنفسه: أنه كلام الله، وانه محض الحق في طريقه وغايته ؟ وأنه ما ذا يقضى به الكتب المقدسة الاخرى كالعهدين وأوستا وغيرها في قضايا قضى بها القرآن ؟ وأنه ما ذا تهدى إليه الابحاث العلمية الاخر التاريخية أو الطبيعية أو الرياضية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو غيرها ؟ فإنما هذه وأمثالها أبحاث خارجة عن وظيفة التفسير ليس من الجائز ان تخلط به أو يقام بها مقامه. نعم قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء: 82) ينطق بأن هناك شبهات عارضة وأوهاما متسابقة إلى الاذهان تسول لها أن في القرآن اختلافا كان يتراءى من آية أنها تخالف آية، أو ان يستشكل في آية انها بمضمونها تخالف الحق والحقيقه وإذ كان القرآن ينص على انه يهدى إلى الحق فيختلف الايتان بالآخرة، هذه تدل على ان كل ما تنبئ عنه آية فهو حق وهذه بمضمونها تنبئ نبأ غير حق لكن الاية أعنى قوله: (أفلا يتدبرون القرآن) الخ، تصريحا لقول بأن القرآن تكفى بعض آياته لدفع المشكلة عن بعضها الاخر ويكشف جزء منه عما اشتبه على بعض الافهام من حال جزء آخر فعلى الباحث عن مراده ومقصده ان يستعين بالبعض على البعض، ويستشهد بالبعض على البعض، ويستنطق البعض في البعض والقرآن الكريم كتاب دعوة وهداية لا يتخطى عن صراطه ولو خطوة وليس كتاب تاريخ ولا قصة وليست مهمته مهمة الدراسة التاريخية ولا مسلك الفن القصصى، وليس فيه هوى ذكر الانساب ولا مقدرات الزمان والمكان، ولا مشخصات أخر لا غنى للدرس التاريخي أو القصة التخييلية عن احصائها وتمثيلها. فأى فائدة دينية في ان ينسب إبراهيم أنه إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح بن ارفكشاذ بن سام بن نوح ؟ أو ان يقال: انه ولد في أور

[ 168 ]

الكلدانيين حدود سنة ألفين تقريبا قبل الميلاد في عهد فلان الملك الذى ولد في كذا وملك كذا مدة ومات سنة كذا. وسنجمع في ذيل البحث عن آيات القصة جملا من قصة إبراهيم عليه السلام منثورة في القرآن ثم نتبعها بما في التوراة وغيرها من تاريخ حياته وشخصيته فلينظر الباحث المتدبر بعين النصفة ثم ليقض فيما اختاره القرآن منها وحققه ما هو قاض. والقرآن الكريم مع ذلك لم يهمل الواجب في حق العلوم النافعة، ولم يحرم البحث عن العالم وأجزائه السماوية والارضية، ولا منع من استطلاع اخبار الامم الماضية وسنن المجتمعات والقرون الخالية، والاستعانة بها على واجب المعرفة ولازم العلم والايات تمدح العلم أبلغ المدح، وتندب إلى التفكر والتفقه والتذكر كثرة لا حاجة معها إلى إيرادها هيهنا. قوله تعالى: (أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك وقومك في ضلال مبين) قال الراغب في المفردات: الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام قال الله تعالى: أتتخذ أصناما آلهة، لاكيدن أصنامكم، انتهى، وما ذكره من اتخاذه من فضه أو نحاس أو خشب إنما هو من باب المثال لا ينحصر فيه اتخاذها بل كان يتخذ من كل ما يمكن أن يمثل به تمثال من أقسام الفلزات والحجارة وغيرها وقد روى أن بنى حنيفة من اليمامة كانوا قد اتخذوا صنما من أقط، وربما كانوا يتخذونه من الطين وربما كان صورة مصورة. وكيف كان فقد كانت الاصنام ربما يمثل بها موضوع اعتقادي غير محسوس كإله السماء والارض وإله العدل، وربما يمثل بها موضوع محسوس كصنم الشمس وصنم القمر، وقد كانت من النوعين جميعا أصنام لقوم إبراهيم عليه السلام على ما تؤيده الاثار المكشوفة منهم في خرائب بابل وقد كانوا يعبدونها تقربا بها إلى أربابها، وبأربابها إلى الله سبحانه، وهذا انموذج بارز من سفه أحلام البشر أن يخضع أعلى حد الخضوع - وهو خضوع العبد للرب - لمثال مثل به موضوعا يستعظم أمره ويعظمه، وحقيقته منتهى درجة خضوع المصنوع المربوب لصانعه من صانع لمصنوع نفسه كان الواحد منهم يأخذ خشبة فينحت بيده منه صنما ثم ينصبه فيعبده ويتذلل له ويخضع ولذلك جئ بلفظة الاصنام في قوله المحكى: (أتتخذ أصناما آلهة) نكرة ليدل على هوان أمرها وحقارته من جهة أنها مصنوعة

[ 169 ]

لهم مخلوقة بأيديهم كم يشير إليه قوله عليه السلام لقومه فيما حكى الله: (أتعبدون ما تنحتون) (الصافات: 95) ومن جهة أنها فاقدة لاظهر صفات الربوبية وهو العلم والقدرة كما في قوله لابيه: (إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا) (مريم: 42). فقوله: (أتخذ أصناما) الخ، معناه: (أتخذ اصناما لاخطر في أمرها آلهة والاله هو الذى في أمره خطر عظيم إنى أراك وقومك في ضلال مبين، وكيف لا يظهر هذا الضلال وهو عبادة وتذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم والقدرة لمصنوعه الذى يفقد العلم والقدرة. والذى تشتمل عليه الاية أعنى قوله: (أتتخذ أصناما آلهة) الخ، من الحجاج وإن كان بمنزلة التلخيص لعدة احتجاجات واجه بها ابراهيم عليه السلام أباه وقومه على ما حكى تفصيلها في عدة مواضع من القرآن الكريم إلا أنه أول ما حاج به أباه وقومه فإن الذى حكاه الله سبحانه من محاجته هو حجاجه أباه وحجاجه قومه في أمر الاصنام وحجاجهم في ربوبية الكوكب والقمر والشمس وحجاجه الملك. أما حجاجه في ربوبية الكوكب والقمر والشمس فالايات دالة على كونه بعد الحجاج في أمر الاصنام، والاعتبار والتدبر يعطى أن يكون حجاجه الملك بعد ما ظهر أمره وشاع مخالفته لدين الوثنية والصابئة وكسر الاصنام، وأن يكون مبدء أمره مخالفته أباه في دينه وهو معه وعنده قبل أن يواجه الناس ويخالفهم في نحلتهم فقد كان أول ما حاج به في التوحيد هو ما حاج به أباه وقومه في أمر الاصنام. قوله تعالى: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض) الخ، ظاهر السياق أن تكون الاشارة بقوله: (كذلك) إلى ما تضمنته الاية السابقة: (وإذ قال إبراهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك) الخ، أنه عليه السلام ارى الحق في ذلك، فالمعنى: على هذا المثال من الاراءة نرى إبراهيم ملك السماوات والارض. وبمعونة هذه الاشارة ودلالة قوله في الاية التالية: (فلما جن عليه الليل) الدالة على ارتباط ما بعده بما قبله يظهر أن قوله: (نرى) لحكاية الحال الماضية كقوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض) (القصص: 5).

[ 170 ]

فالمعنى: أنا أرينا إبراهيم ملكوت السماوات والارض فبعثه ذلك أن حاج أباه وقومه في أمر الاصنام وكشف له ضلالهم، وكنا نمده بهذه العناية والموهبة وهى إراءة الملكوت وكان على هذه الحال حتى جن عليه الليل وراى كوكبا. وبذلك يظهر أن ما يتراءى من بعضهم: أن قوله: (وكذلك نرى) الخ، كالمعترضة لا يرتبط بما قبله ولا بما بعده، وكذا قول بعضهم: إن إراءة الملكوت أول ما ظهر من أمرها في إبراهيم عليه السلام أنه لما جن عليه الليل راى كوكبا الخ، فاسد لا ينبغى أن يصار إليه. وأما ملكوت السماوات والارض فالملكوت هو الملك مصدر كالطاغوت والجبروت وإن كان آكد من حيث المعنى بالنسبة إلى الملك كالطاغوت والجبروت بالنسبة إلى الطغيان والجبر أو الجبران. والمعنى الذى يستعمله فيه القرآن هو المعنى اللغوى بعينه من غير تفاوت كسائر الالفاظ المستعملة في كلامه تعالى غير أن المصداق غير المصداق وذلك ان الملك والملكوت وهو نوع من السلطنة إنما هو فيما عندنامعنى افتراضى اعتباري بعثنا إلى اعتباره الحاجة الاجتماعية إلى نظم الاعمال والافراد نظما يؤدى إلى الامن والعدل والقوه الاجتماعيات وهو في نفسه يقبل النقل والهبة والغصب والتغلب كما لا نزال نشاهد ذلك في المجتمعات الانسانية. وهذا المعنى على أنه وضعي اعتباري وإن أمكن تصويره في مورده تعالى من جهة أن الحكم الحق في المجتمع البشرى لله سبحانه كما قال تعالى: (إن الحكم إلا لله) (الانعام: 57) وقال: (له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم) (القصص: 70) لكن تحليل معنى هذا الملك الوضعي يكشف عن ثبوت ذلك في الحقائق ثبوتا غير قابل للزوال والانتقال كما أن الواحد منا يملك نفسه بمعنى أنه هو الحاكم المسلط المتصرف في سمعه وبصره وسائر قواه وأفعاله بحيث إن سمعه إنما يسمع وبصره إنما يبصربتبع إرادته وحكمه لا بتبع إراردة غيره من الاناسى وحكمه وهذا معنى حقيقي لا نشك في تحققه فينا مثلا تحققا لا يقبل الزوال والانتقال كما عرفت فالانسان يملك قوى نفسه وأفعال نفسه وهى جميعا تبعات وجوده قائمة به غير مستقلة عنه ولا مستغنية عنه فالعين إنما تبصر

[ 171 ]

بإذن من الانسان الذى يبصر بها وكذا السمع يسمع بإذن منه، ولو لا الانسان لم يكن بصر ولا إبصار ولا سمع ولا استماع كما أن الفرد من المجتمع إنما يتصرف فيما يتصرف فيه بإذن من الملك أو ولى الامر، ولو لم تكن هذه القوإ المدبرإ التى تتوحد عندها أزمة المجتمع لم يكن اجتماع، ولو منع عن تصرف من التصرفات الفردية لم يكن له أن يتصرف ولا نفذ منه ذلك، ولا شك أن هذا المعنى بعينه موجود لله سبحانه الذى إليه تكوين الاعيان وتدبير النظام فلا غنى لمخلوق عن الخالق عز اسمه لا في نفسه ولا في توابع نفسه من قوى وأفعال، ولا استقلال له لا منفردا ولا في حال اجتماعه مع سائر أجزاء الكون وارتباط قوى العالم وامتزاج بعضها ببعض امتزاجا يكون هذا النظام العام المشاهد. قال تعالى: (قل اللهم مالك الملك) (آل عمران: 26) وقال تعالى (لله ملك السماوات والارض) (المائدة: 120) وقال تعالى: (تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شئ قدير، الذى خلق الموت والحياة - إلى أن قال - الذى خلق سبع سماوات طباقا) (الملك: 3) والايات - كما ترى - تعلل الملك بالخلق فكون وجود الاشياء منه وانتساب الاشياء بوجودها وواقعيتها إليه تعالى هو الملاك في تحقق ملكه وهو بمعنى ملكه الذى لا يشاركه فيه غيره ولا يزول عنه إلى غيره ولا يقبل نقلا ولا تفويضا يغنى عنه تعالى وينصب غيره مقامه. وهذا هو الذى يفسر به معنى الملكوت في قوله: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ) (يس: 83) فالاية الثانية) تبين أن ملكوت كل شئ هو كلمة كن الذى يقوله الحق سبحانه له، وقوله فعله، وهو إيجاده له. فقد تبين أن الملكوت هو وجود الاشياء من جهة انتسابها إلى الله سبحانه وقيامها به، وهذا أمر لا يقبل الشركة ويختص به سبحانه وحده، فالربوبية التى هي الملك والتدبير لا تقبل تفويضا ولا تمليكا انتقاليا. ولذلك كان النظر في ملكوت الاشياء يهدى الانسان إلى التوحيد هداية قطعية كما قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأى حديث بعده يؤمنون) (الاعراف: 185)

[ 172 ]

والاية - كما ترى - تحاذى أول سورة الملك المنقول آنفا. فقد بان أن المراد بإراءة ابراهيم ملكوت السماوات والارض على ما يعطيه التدبر في سائر الايات المربوطة بها هو توجيهه تعالى نفسه الشريفة إلى مشاهدة الاشياء من جهة استناد وجودها إليه، وإذ كان استنادا لا يقبل الشركة لم يلبث دون أن حكم عليها أن ليس لشئ منها أن يرب غيره ويتولى تدبير النظام وإداء الامور فالاصنام تماثيل عملها الانسان وسماها اسماء لم ينزل الله عليها من سلطان، وما هذا شأنه لا يرب الانسان ولا يملكه وقد عملته يد الانسان، والاجرام العلوية كالكوكب والقمر والشمس تتحول عليها الحال فتغيب عن الانسان بعد حضورها، وما هذا شأنه لا يكون له الملك وتولى التدبير تكوينا كما سيجئ بيانه. قوله تعالى: (وليكون من الموقنين) اللام للتعليل، والجملة معطوفة على أخرى محذوفة والتقدير: ليكون كذا وكذا وليكون من الموقنين. واليقين هو العلم الذى لا يشوبه شك بوجه من الوجوه، ولعل المراد به ان يكون على يقين بآيات الله على حد ما في قوله: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) (السجدة: 24) وينتج ذلك اليقين بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا. وفي معنى ذلك ما أنزله في خصوص النبي صلى الله عليه وآله قال: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا) (الاسراء: 1) وقال: (ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى) (النجم: 18) وأما اليقين بذاته المتعالية فالقرآن يجله تعالى ان يتعلق به شك أو يحيط به علم وإنما يسلمه تسليما. وقد ذكر في كلامه تعالى من خواص العلم اليقيني بآياته تعالى إنكشاف ما وراء ستر الحس من حقائق الكون على ما يشاء الله تعالى كما في قوله: (كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم) (التكاثر: 6) وقوله: (كلا إن كتاب الابرار لفى عليين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون) (المطففين: 21). قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى) إلى آخر الاية قال الراغب في المفردات: أصل الجن (بفتح الجيم) ستر الشئ عن الحاسة يقال: جنه الليل

[ 173 ]

وأجنه وجن عليه: فجنه ستره، وأجنه جعل له ما يجنه كقولك: قبرته وأقبرته وسقيته وأسقيته، وجن عليه كذا ستر عليه قال عزوجل: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا، انتهى فجن الليل إسداله الظلام لا مجرد ما يحصل بغروب الشمس. وقوله: (فلما جن عليه الليل) تفريع على ما تقدم من نفيه ألوهية الاصنام بما يرتبطان بقوله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض) ومحصل المعنى على ذلك أنا كنا نريه الملكوت مالاشياء فأبطل الوهية الاصنام إذ ذاك، ودامت عليه الحال فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال كذا وكذا. وقوله: (رأى كوكبا) كأن تنكير الكوكب إنما هو لنكتة راجعة إلى مرحلة الاخبار والتحدث فلا غرض في الكلام يتعلق بتعيين هذا الكوكب وأنه أي كوكب كان من السيارات أو الثوابت لان الذى أخذه في الحجاج يجرى في أي كوكب من الكواكب يطلع ويغرب لا أن إبراهيم عليه السلام أشار إلى كوكب ما من الكواكب من غير ان يمتاز بأى مميز مفروض: أما أولا فلان اللفظ لا يساعده فلا يقال لمن أشار إلى كوكب بين كواكب لا تحصى كثره فقال: (هذا ربى: إنه رأى كوكبا قال هذا ربى، وأما ثانيا فلان ظاهر الايات أنه كان هناك قوم يعبدون الكوكب الذى أشار إليه وقال فيه ما قال، والصابئون ما كانوا يعبدون أي كوكب ولا يحترمون إلا السيارات. والذى يؤيده الاعتبار أنه كان كوكب الزهرة، وذلك لان الصابئين ما كانوا يحترمون وينسبون حوادث العالم الارضى إلا إلى سبعة من الاجرام العلوية التى كانوا يسمونها بالسيارات السبع: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل وإنما كان اهل الهند هم الذين يحترمون النجوم الثوابت وينسبون الحوادث إليها، ونظيرهم في ذلك بعض أرباب الطلسمات ووثنية العرب وغيرهم. فالظاهر ان الكوكب كان أحد السبعة والقمر والشمس مذكوران بعد، وعطارد مما لا يرى إلا شاذا لضيق مداره فقد كان احد الاربعة: الزهرة، والمريخ والمشترى، وزحل، والزهرة من بينها هي الكوكبة الوحيدة التى يمنعها ضيق مدارها ان تبتعد من الشمس أكثر من سبع واربعين درجة، ولذلك كانت كالتابعة الملازمة للشمس فأحيانا تتقدمها فتطلع قبيل طلوعها وتسمى عند العامة حينئذ نجمة الصباح ثم تغيب بعد

[ 174 ]

طلوعها، واحيانا تتبعها فتظهر بعد غروب الشمس في أفق المغرب ثم لا تلبث إلا قليلا في أول الليل دون ان تغيب، وإذا كانت على هذا الوضع والليلة من ليالى النصف الاخير من الشهر القمرى كليلة ثمانى عشرة وتسع عشرة والعشرين فإنها تجامع بغروبها طلوع القمر فترى أن الشمس تغرب فتظهر الزهرة في الافق الغربي ثم تغرب بعد ساعة أو ساعتين مضتا من غروب الشمس ثم يطلع القمر عند ذلك أو بعد ذلك بيسير. وهذه الخصوصية من بينها إنما هي للزهرة بحسب نظام سيرها وفي غيرها كالمشترى والمريخ وزحل أمر اتفاقى ربما يقع في أوضاع خاصه لا يسبق إلى الذهن فيشبه من هنا ان الكوكب كان هو الزهرة. على ان الزهرة أجمل الكواكب الدرية وأبهجها وأضواها أول ما يجلب نظر الناظر إلى السماء بعد جن الليل وعكوف الظلام على الافاق يجلب إليها. وهذا أحسن ما يمكن ان تنطبق عليه الاية بحسب ما يتسابق إلى الذهن من قوله: فلما جن عليه الليل راى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل - إلى ان قال - فلما رأى القمر بازغا (الخ) حيث وصل ظاهرا بين أفول الكوكب وبزوغ القمر. ويتأيد هذا الذى ذكرناه بما ورد في بعض الروايات عن أئمة اهل البيت عليه السلام ان الكوكب كان هو الزهرة. وعلى هذا فقد كان عليه السلام رأى الزهرة والقوم يتنسكون بواجب عبادتها من خضوع وصلاة وقربان، كانت الزهرة وقتئذ تتلو الشمس في غروبها، والليلة من ليالى النصف الاخير من الشهر القمرى جن عليه الليل فرأى الزهرة في الافق الغربي حتى أفلت فرأى القمر بازغا بعده. وقوله تعالى: (قال هذا ربى) المراد بالرب هو مالك الاشياء المربوبين، المدبر لامرهم لا الذى فطر السماوات والارض وأوجد كل شئ بعد ما لم يكن موجودا فإنه الله سبحانه الذى ليس بجسم ولا جسماني ولا يحويه مكان ولا يقع عليه إشارة، والذى يظهر مما حكى من كلام إبراهيم مع قومه في أمر الاصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه وله من العلم بالله وآياته ما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية، قال تعالى حكاية عنه في محاورة له مع أبيه: (يا أبت إنى قد جاءني من

[ 175 ]

العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) إلى آخر الايات (مريم: 43) على ان الوثنيين والصابئين لا يثبتون لله سبحانه شريكا في الايجاد يكافئ بوجوده وجوده تعالى بل إنما يثبتون الشريك بمعنى بعض من هو مخلوق لله مصنوع له ولا أقل مفتقر الوجود إليه فوض إليه بعد تدبير الخليقة كإلهة الحسن وإله العدل وإله الخصب أو تدبير بعض الخليقة كاله الانسان أو إله القبيله أو إله يخص بعض الملوك والاشراف وقد دلت على ذلك آثارهم المستخرجة وأخبارهم المروية، والموجودون منهم اليوم على هذه الطريقة فقوله عليه السلام بالاشارة إلى الكوكب: (هذا ربى) أراد به إثبات أنه رب يدبر الامر لا إله فاطر مبدع. وعليه يدل ما حكى عنه في آخر الايات المبحوث عنها: (قال يا قوم إنى برئ مما تشركون، إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين) فإن ظاهره أنه ينصرف عن فرض الشريك إلى إثبات أن لا شريك له لا أنه يثبت وجوده تعالى. فالذي يعطيه ظاهر الايات أنه عليه السلام سلم أن لجميع الاشياء إلها فاطرا واحدا لا شريك له في الفطر والايجاد وهو الله تعالى، وأن للانسان ربا يدبر أمره لا محالة، وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر للامر أهو الله سبحانه وإليه يرجع التدبير كما إليه يرجع الايجاد أم أنه بعض خلقه أخذه شريكا لنفسه وفوض إليه أمر التدبير. وفي إثر ذلك ما كان منه عليه السلام من افتراض الكوكب الذى كانوا يعبدونه ثم القمر ثم الشمس والنظر في أمر كل منها هل يصلح لان يتولى أمر التدبير وإدارة شئون الناس ؟. وهذا الافتراض والنظر وإن كان بحسب طبعه قبل العلم اليقيني بالنتيجة فإن النتيجة فرع يتأخر طبعا عن الحجة النظرية لكنه لا يضر به عليه السلام فإن الايات كما استفدناه فيما تقديم تقص أول أمر إبراهيم والانسان في أول زمن يأخذ بالتمييز ويصلح لتعلق التكليف الالهى بالنظر في أمر التوحيد وسائر المعارف الاصلية كاللوح الخالى عن النقش والكتابة غير مشغول بنقش مخالف فإذا أخذ في الطلب وشرع يثبت شيئا وينفى شيئا لغاية الحصول على الاعتقاد الحق والايمان الصحيح فهو بعد في سبيل الحق لا بأس عليه في زمن يمر عليه بين الانتزاع من قصور التمييز وبين الاعتصام بالمعرفة الكاملة

[ 176 ]

والعلم التام بالحق. ومن ضروريات حياة الانسان أن يمر عليه لحظه هي أول لحظه ينتقل فيها من قصور الجهل بواجب الاعتقاد إلى بلوغ العلم بحيث يتعلق به التكليف العقلي بالانتهاض إلى الطلب والنظر، وهذه سنة عامة في الحياة الانسانية المتدرجة من النقض إلى الكمال لا يختلف فيها انسان وانسان، وإن أمكن أن يظهر من بعض الافراد بعض ما يخالف ذلك من أمارات الفهم والعلم قبل المتعارف من سن التمييز والبلوغ كمايحكيه القرآن عن المسيح ويحيى عليه السلام فإنما ذلك من خوارق العادة الجارية وما كل انسان على هذا النعت ولا كل نبى فعل به ذلك. وبالجملة ليس الانسان من أول ماينفخ فيه الروح الانساني واجدا لشرائط التكليف بالاعتقاد الحق أو العمل الصالح، وإنما يستعد لذلك على سبيل التدريج حتى يستتم الشرائط فيكلف بالطلب والنظر فزمن حياته منقسم لا محالة إلى قسمين هما قبل التمييز والبلوغ وبعد التمييز والبلوغ وهو الزمان الذى يصلح لان يشغله الاعتقاد كما أن ما يقابله يقابله فيه، وبين الزمانين الصالح لاشغاله بالاعتقاد وغير الصالح له لا محالة زمان متخلل يتوجه إليه فيه التكليف بالطلب والنظر، وهو الفصل الذى يبحث فيه عن واجب الاعتقاد بما تهدى إليه فطرته من طريق الاستدلال فيفرض نفسه أو العالم مثلا بلا صانع مرة ومع الصانع أخرى، ويفرض الصانع وحده مرة ومع الشريك أخرى وهكذا ثم ينظر ما ذا تؤيده الاثار المشهودة في العالم من كل فرض فرضه أو لا تؤيده ؟ فيأخذ بذاك ويترك هذا. فهو ما لم يتم له الاستدلال غير قاطع بشئ ولا بان على شئ وإنما هو مفترض ومقدر لما افترضه وقدره. وعلى هذا فقول ابراهيم عليه السلام في الكوكب: (هذا ربى) وكذا قوله الاتى في القمر والشمس ليس من القطع والبناء اللذين يعدان من الشرك، وإنما هو افتراض أمر للنظر إلى الاثار التى تثبته وتؤيده، ومن الدليل على ذلك ما في الايات من الظهور في أنه عليه السلام كان على حاله الترقب والانتظار، فهذا وجه. ولكن الذى يتأيد بما حكاه الله عنه في سورة مريم في محاجته أباه: يا أبت إنى

[ 177 ]

قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا، يا أبت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا، قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بى حفيا) (مريم: 47) أنه عليه السلام كان على علم بحقيقة الامر وأن الذى يتولى تدبير أمره ويحفى عليه ويبالغ في إكرامه هو الله سبحاه دون غيره. وعلى هذا فقوله: (هذا ربى) جار مجرى التسليم والمجاراة بعد نفسه كأحدهم ومجاراتهم وتسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم وبطلان قولهم، وهذا الطريق من الاحتجاج أجلب لانصاف الخصم، وأمنع لثوران عصبيته وحميته، واصلح لاسماع الحجة. قوله تعالى: (فلما أفل قال لا أحب الافلين) الافول الغروب وفيه أبطال ربوبية الكوكب بعروض صفة الافول له فإن الكوكب الغارب ينقطع بغروبه ممن طلع عليه ولا يستقيم تدبير كونى مع الانقطاع. على ان الربوبية والمربوبية بارتباط حقيقي بين الرب والمربوب وهو يؤدى إلى حب المربوب لربه لانجذابه التكويني إليه وتبعيته له، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذى كان الحب لاجله، وما يشاهد من ان الانسان يحب كثيرا الجمال المعجل والزينة الداثرة فإنما هو لاستغراقه فيه من غير ان يلتفت إلى فنائه وزواله فمن الواجب أن يكون الرب ثابت الوجود غير متغير الاحوال كهذه الزخارف المزوقه التى تحيا وتموت وتثبت وتزول وتطلع وتغرب وتظهر وتخفى وتشب وتشيب وتنضر وتشين، وهذا وجه برهانى وان كان ربما يتخيل انه بيان خطابي أو شعرى فافهم ذلك. وعلى أي حال فهو عليه السلام أبطل ربوبية الكوكب بعروض الافول له إما بال 0 تكنية عن البطلان بأنه لا يحبه لافوله لان المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسع من لا يحب شيئا أن يعبده وقد ورد في المروى عن الصادق عليه السلام: (هل الدين إلا الحب ؟) وقد بينا ذلك فيما تقدم. وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب وإنما ذكر الافول ليوجه به عدم حبه له المنافى للربوبية لان الربوبية والالوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزى

[ 178 ]

الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية، وهذا الوجه هو الظاهر يتكئ عليه سياق الاحتجاج في الاية. ففى الكلام أولا إشارة إلى التلازم بين الحب والعبودية أو المعبودية. وثانيا أنه أخذ في إبطال ربوبية الكوكب وصفا مشتركا بينه وبين القمر والشمس ثم ساق الاحتجاج وكرر ما احتج به في الكوكب في القمر والشمس أيضا، وذلك إما لكونه عليه السلام لم يكن مسبوق الذهن من أمر القمر والشمس وأنهما يطلعان ويغربان كالكوكب كما تقدمت الاشارة إليه، وإما لكون القوم المخاطبين في كل من المراحل الثلاث غير الاخرين. وثالثا أنه اختار للنفي وصف أولى العقل حيث قال: (لا أحب الافلين) وكأنه للاشارة إلى أن غير أولى الشعور والعقل لا يستحق الربوبية من رأس كما يومى إليه في قوله المحكى: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا) (مريم: 42) وقوله الاخر: (إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) (الشعراء: 74) فسألهم أولا عن معبودهم كأنه لا يعلم من أمرها شيئا فأجابوه بما يشعر بأنها أجساد وهياكل غير عاقلة ولا شاعرة فسألهم ثانيا عن علمها وقدرتها وهو يعبر بلفظ أولى العقل للدلالة على أن المعبود يجب أن يكون على هذه الصفة صفه العقل. قوله تعالى: (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى) إلى آخر الاية، البزوغ هو الطلوع تقدم الكلام في دلالة قوله: (فلما رأى) الخ، على اتصال القضية بما قبلها، وقوله: (هذا ربى) على سبيل الافتراض أو المجاراة والمماشاة والتسليم نظير ما تقدم في الاية السابقة. وأما قوله بعد أفول القمر: (لئن لم يهدنى ربى لا كونن من القوم الضالين) فهو موضوع وضع الكناية فهو عليه السلام أبطل ربوبية الكوكب بما يعم كل غارب ولما غرب القمر ظهرعندئذ رأيه في أمر ربوبيته بما كان قد قاله قبل ذلك في الكوكب: (لا احب الافلين) فقوله: (لئن لم يهدنى ربى) الخ، إشارة إلى ان الوضع الذى ذكره في القمر بقوله: (هذا ربى) كان ضلالا لو دام وأصر عليه كان أحد اولئك الضالين القائلين بربوبيته والوجه في كونه ضلالا ما قاله في الكوكب حيث عبر بوصف لا يختص به بل يصدق في

[ 179 ]

مورده وكل مورد يشابهه. وفي الكلام إشارة أولا إلى أنه كان هناك قوم قائلون بربوبية القمر كالكوكب كما أن قوله في الاية التالية بعد ذكر أمر الشمس: (يا قوم إنى برئ مما تشركون) لا يخلو عن الدلالة على مثله. وثانيا: أنه عليه السلام كان وقتئذ في مسير الطلب راجيا للهداية الالهية مترقبا لما يفيض ربه عليه من النظر الصحيح والرأى اليقيني سواء كان ذلك بحسب الحقيقة كما لو حملنا الكلام على الافتراض لتحصيل الاعتقاد، أو بحسب الظاهر كما لو حملناه على الوضع والتسليم لبيان الفساد، وقد تقدم الوجهان آنفا. وثالثا: أنه عليه السلام كان على يقين بأن له ربا إليه تدبير هدايته وسائر اموره، وإنما كان يبحث واقعا أو ظاهرا ليعرفه: أهو الذى فطر السماوات والارض بعينه أو بعض من خلقه، وإذ بان له ان الكوكب والقمر لا يصلحان الربوبية لا فولها توقع أن يهديه ربه إلى نفسه ويخلصه من ضلال الضالين. قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر) الكلام في دلالة اللفظ على الاتصال بما قبله لمكان قوله: (فلما) وكون قوله: (هذا ربى) مسوقا للافتراض أو التسليم كما تقدم في الاية السابقة. وقد كان تكرر قوله: (هذا ربى) في القمر لما رآه بازغا بعد ما رأى الكوكب، ولذلك ضم قوله: (هذا أكبر) إلى قوله (هذا ربى) في الشمس في المرة الثالثة ليكون بمنزلة الاعتذار للعود إلى فرض الربوبية لها مع تبين خطاء افتراضه مرة بعد مرة. وقد تقدمت الاشارة إلى أن إشارتة إلى الشمس بلفظة (هذا) تشعر بأنه عليه السلام ما كان يعرف من الشمس ما يعرفه أحدناأنه جرم سماوي يطلع ويغرب بحسب ظاهر الحس في كل يوم وليلة، وإليها تستند النهار والليل والفصول الاربعة السنوية إلى غير ذلك من نعوتها. فإن الاتيان في الاشارة بلفظ المذكر هو الذى يستريح إليه من لا يميز المشار إليه في نوعه كما تقول فيمن لاح لك شبحه وأنت لا تدرى أرجل أم امرأة: من هذا ؟ ونظيره ما يقال في شبح لا يدرى أمن أولى العقل هو أولا: ما هذا ؟ فلعله إنما كان ذلك من إبراهيم عليه السلام أول ما خرج من مختفى أخفى فيه إلى أبيه، وقومه ولم يكن عهد مشاهد الدنيا

[ 180 ]

الخارجة والمجتمع البشرى فرأى جرما هو كوكب وجرما هو القمر وجرما هو الشمس، وكلما شاهد واحدا منها - ولم يكن يشاهد إلا جرما مضيئا لامعا - قال: هذا ربى، على سبيل عدم المعرفة بحاله معرفة تامة كما سمعت. ويؤيده بعض التأييد قوله: (فلما أفل قال لا احب الافلين) فإن فيه إشعارا بأنه عليه السلام مكث بانيا على كون الكوكب ربا حتى شاهد غروبه فحكم بأن الفرض باطل وأنه ليس برب، ولو كان عالما بأنه سيغرب أبطل ربوبيته مقارنا لفرض ربوبيته كما فعل ذلك في أمر الاصنام على ما يدل عليه قوله لابيه: (أتتخذ أصناما آلهة إنى أراك وقومك في ضلال مبين) وقوله أيضا: (يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا). وإن أمكن أن يقال: إنه أراد بتأخير قوله: (لا احب الافلين) إلى أن يافل أن يحاجهم بما وقع عليه الحس كما أراد بما فعل بالاصنام حيث جعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم أن يريهم عجز الاصنام وكونها أجسادا ميتة لا تدفع عن أنفسها الضر والشر. وللمفسرين في تذكير الاشارة في قوله: (هذا ربى هذا أكبر) مسالك من التوجية مختلفه: فمنهم من قال: تذكير الاشارة إنما هو بتأويل المشار إليه أو الجرم النير السماوي أي هذا المشار إليه أو هذا الجرم النير ربى وهو أكبر. وفيه أنه لا ريب في صحة الاستعمال بهذا التأويل لكن الشأن في النكتة التى تصحح هذا التأويل، ولا يجوز ذلك من غير نكتة مسوغة، ولو جاز ذلك في اللغة من غير اعتماد على نكته لجاز تذكير كل مؤنث قياسي وسماعى في إرجاع الضمير والاشارة إليه بتأويل الشخص ونحوه وفي ذلك نسخ اللغة قطعا. ومنهم من قال: إنه من قبيل إتباع المبتدء للخبر في تذكيره فإن الرب وأكبر مذكران فاتبع اسم الاشارة للخبر المذكر كما عكس في قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا) الاية فاتبع المذكر للمؤنث. وفيه أنهم كانوا يرون من الالهة إناثا كما يثبتون ذكورا ويسمون الانثى من الالهة إلهة وربة وبنت الله وزوجة الرب فكان من الواجب أن يطلق على الشمس ربة لمكان التأنيث، وأن يقال: هذه ربتى أو إلهتى، فالكلام في تذكير الخبر في قوله: (هذا ربى) كالكلام في تذكير المبتدء ولا معنى حينئذ لحديث الاتباع.

[ 181 ]

وكذا قوله: (هذا أكبر) الخبر فيه من صيغ التفضيل وحكم صيغة التفضيل إذا وقعت خبرا أن يجاء بأفعل ويستوى فيه المذكر والمؤنث يقال زيد أفضل من عمر وليلى أجمل من سلمى، وما هذا شأنه لا نسلم أنه من صيغ المذكر الذى يجرى فيه الاتباع. ومنهم من قال: إن تذكير الاشارة إنما هو لتعظيم الشمس حيث نسب إليها الربوبية صونا للاله عن وصمة التأنث. وفيه: أنهم كانوا يعدون الانوثية من النواقص التى يجب أن ينزه عنها الاله وقد كان لاهل بابل أنفسهم آلهة أنثى كالالهة (نينو) إلهة الامهات الخالفة، والالهة (نين كاراشا) ابنة الاله (آنو) والالهة (مالكات) زوجة الاله (شاماش) والالهة (زاربانيت) إلهة الرضاع، والالهة (آنوناكى). وكانت طائفة من مشركي العرب تعبد الملائكة وتعدهم بنات الله، وقد رووا في تفسير قوله تعالى: (إن يدعون من دونه إلا إناثا) (النساء: 117) أنهم كانوا يسمون آلهتهم إناثا، وكانوا يقولون: أنثى بنى فلان يعنون به الصنم الذى يعبدونه. ومنهم من قال: إن قوم ابراهيم عليه السلام كانوا يعدون الشمس من الذكور وقد أثبتوا لها زوجة يسمونها (انونيت) فاحتفظ في الكلام على ظاهر عقيدتهم. وفيه: أن اعتقادهم بكون الشمس ذكرا لا يصحح تبديل تأنيث لفظها تذكيرا. على أن قوله عليه السلام للملك: (فأت بها من المغرب) (البقرة: 258) وهو يريد الشمس ينافى ذلك. ومنهم من قال: إن ابراهيم عليه السلام كان يتكلم باللغة السريانية وهى لغة قومه، ولا يفرق فيها في الضمائر وأسماء الاشارة بالتذكير والتأنيث بل الجميع على صفة التذكير، وقد احتفظ القرآن الكريم في حكاية قوله على ما أتى به من التذكير. وفيه: منع جواز ذلك فإنه أمر راجع إلى أحكام الالفاظ المختلفة باختلاف اللغات بل إنما يجوز ذلك فيما يرجع إلى المعنى الذى لا يؤثر في الخصوصية اللفظية، على أنه تعالى حكى عن ابراهيم عليه السلام احتجاجات كثيرة وأدعية وافرة في القرآن وفيها موارد كثيرة اعتبر فيها التأنيث فما بال هذا المورد اختص من بينها بإلغاء جهة التأنيث ؟ حتى أن قوله فيما يحاج به ملك بابل: (إذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت قال أنا

[ 182 ]

أحيى وأميت قال ابراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر) (البقرة: 258) ويتضمن ذكر الشمس وتأنيث الضمير العائد إليها. ومن عجيب ما أورد على هذا الوجه ما ذكره بعض المفسرين وأصر عليه: أن إبراهيم عليه السلام وكذا إسماعيل وهاجر كانوا يتكلمون باللغة ا 0 لعربية القديمة، وأنها كانت لغة قومه، قال ما ملخصه: أنه ثبت عند علماء الاثار القديمة، أن عرب الجزيرة قد استعمروا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر وغلبت لغتهم فيهما، وصرح بعضهم بأن الملك حموربى الذى كان معاصرا لابراهيم عليه السلام عربي وحموربى هذا ملك البر والسلام ووصف في العهد العتيق بأنه كاهن الله العلى، وذكر فيه أنه بارك إبراهيم وأن إبراهيم أعطاه العشرة من كل شئ، قال: ومن المعروف في كتب الحديث والتاريخ العربي أن إبراهيم أسكن إسماعيل ابنه عليهما السلام مع أمه هاجر المصرية في الواد الذى بنيت فيه مكة بعد ذلك، وأن الله سخر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما هنالك، وأن إبراهيم عليه السلام كان يزورهما، وأنه هو وولده إسماعيل بنيا بيت الله الحرام ونشرا دين الاسلام في البلاد العربية، وفي الحديث: أن إبراهيم عليه السلام جاء مكة ليزور ابنه وقد خرج إلى الصيد فكلم زوجته وكانت جرهمية فلم يرتض أمرها ثم جاءها بعد مدة ليزوره فلم يجده فكلم زوجته الاخرى فدعته إلى النزول وغسل رأسه فارتضى أمرها ودعا لها، وكل ذلك يدل على أنه كان يتكلم بالعربية، هذا ملخص ما ذكره. وفيه: أن مجاورة عرب الجزيرة مصر وكلدان واختلاطهم بهم أو استعمارهم واستيلاؤهم عليهم لا يوجب تبدل لغاتهم إلى العربية، وقد كانت لغة مصر قبطية ولغة كلدان والاشوريين سريانية، نعم ربما أوجب ذلك دخول أسماء وألفاظ من لغة بعضهم في لغة بعض كما بوجد في القرآن الكريم أمثال القسطاس والاستبرق وغيرهما وهى من الدخيل. وأما ما ذكره من أمر حموربى ومعاصرته لابراهيم عليه السلام فلا يطابق ما هو الصحيح من تاريخه ويؤيده الاثار المكشوفة من خرائب بابل والنصب المستخرجة التى كتبت فيها شريعته التى وضعها وأجراها في مملكته وهى أقدم القوانين المدونة في العالم على ما بلغنا، وقد ذكر بعضهم أن أيام ملكه كانت بين (1728) ق م و (1686) ق

[ 183 ]

م، وذكر آخرون: أنه تملك بابل سنة (2232 2287) ق م (1) وكان ابراهيم عليه السلام يعيش في حدود سنة (2000) ق م، وحموربى هذا وثنى، وقد استمد فيما وجد من كلامه المنقوش في ذيل شريعته المنقوشة على النصب بعدة من الالهة لبقاء شريعته وعمل الناس بها وتدمير من أراد نسخها أو مخالفتها (2). وأما ما ذكره من حديث إسكانه ابنه وأم ولده بتهامة وبناء بيت الله الحرام ونشر دين الله وتفاهمه مع العرب فشئ من ذلك لا يدل على كونه عليه السلام متكلما باللغة العربية وهو ظاهر. ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: قوله: (فلما رأى الشمس بازغه) الخ - كما سمعت - يدل على اتصال ما بعد (فلما) بما قبله وهو قوله: (فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين) فهو يدل على أن القمر قد كان غرب حينما رأى عليه السلام الشمس بازغه، وهذا إنما يكون في الخريف أو الشتاء في العرض الشمالي الذى كانت فيه بلاد كلدان حين يطول الليالى وخاصة إذا كان القمر في شئ من البروج الجنوبية كالقوس والجدى فعند ذلك يجيز الوضع السماوي أن يغرب القمر في النصف الاخير من الشهر القمرى قبل طلوع الشمس، وقد تقدم سابقا في قوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الافلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى) أن ظاهر الكلام المؤيد بالاعتبار يدل على أن الليلة كانت من ليالى النصف الاخير من الشهر القمرى، وكان الكوكب هي الزهرة شاهدها أولا في المغرب حال الانحطاط ثم شاهد غروبها وطلوع القمر من ناحية المشرق. فيتحصل من الايات أن إبراهيم عليه السلام حاج قومه في أمر الاصنام يوم حاجهم واشتغل بهم يومه ذلك حتى جن عليه الليل فلما جن عليه الليل رأى الزهرة وقوم يعبدونها فجاراهم في ربوبيتها وأخذ ينتظر ما يحل بها من حال حتى أفلت بعد سويعات فحاجهم

_________________________________

(1) - سيأتي ذكر الاختلاف في تعيين عهد ملكه في ذيل ما ننقله من التوراة من قصص ابراهيم عليه السلام. (2) - راجع في ذالك كتاب (شريعة حموربى) تأليف صاحب الفضيلة الدكتور عبد الرحمن الكيالى وسائر ما ألف في هذا الشان. (*)

[ 184 ]

به وتبرأ من ربوبيتها، ثم رأى القمر بازغا وهناك قوم يعبدونه فجاراهم في ربوبيته بقوله: (هذا ربى) وأخذ يراقب ما يحدث به حتى أفل، وكانت الليلة من الليالى الطوال في النصف الثاني من الشهر القمرى ولعل القمر كان يسير في قوس قصير من أقواس المدارات الجنوبية فلما أفل تبرأ من ربوبيته، وأخذ يستهدى ربه ويستعيذ به من الضلال حتى طلعت الشمس فرآها بازغة وأكبر بالنسبة إلى ما تقدمها من الكوكب والقمر فعاد كذلك إلى مجاراتهم في ربوبيتها مع ما لاح له من بطلان ربوبية الكوكب والقمر وهما مثلها في كونها جرما سماويا نيرا لكنه اتخذ كونها أكبر منها عذرا يعتذر به فيما يفترضه أو يسلمه من ربوبيتها فقال: (هذا ربى هذا أكبر) وأخذ ينتظر مستقبل الامر حتى أفلت فتبرأ من ربوبيتها وشرك قومه فقال: (يا قوم إنى برئ مما تشركون) ثم أثبت الربوبية لله سبحانه كما كان يثبت الالوهية بمعنى إيجاد السماوات والارض وفطرها له تعالى فقال: (إنى وجهت وجهى - وهو العبودية قبال الربوبية - للذى فطر السماوات والارض حنيفا - غير منحرف من حاق الوسط إلى يمين أو يسار - وما أنا من المشركين - بإشراك شئ من خلقه ومفطوراته له تعالى في العبادة والاسلام -). وقد تقدم أن قوله تعالى في ضمن الايات محفوفا بها: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) يدل على أنه عليه السلام إنما كان يأخذ ما يلقيه من الحجة على أبيه وقومه مما كان يشاهده من ملكوت السماوات والارض، وقد أفاض الله سبحانه اليقين الذى ذكره غاية لاراءته الملكوت على قلبه بهذه المشاهدة والرؤية. وهذا أوضح شاهد على أن الذى ذكره عليه السلام من الحجة كانت حجة برهانية ترتضع من ثدى اليقين، وقد أورد في ذلك قوله: (لا أحب الافلين) وتقدمت الاشارة إلى تقريره. فتبين من جميع ما تقدم: أولا: أن قوله عليه السلام: (لا أحب الافلين) حجة برهانية يقينية بنى الكلام فيه على عدم حبه للافلين، ومنافاة الافول للربوبية، ويظهر من كلام بعضهم أنه يأخذه حجة عامية غير برهانية إذ يقول: والصواب أن الكلام كان تعريضا خفيا لا برهانا نظريا جليا يعرض فيه بجهل قومه في عبادة الكواكب أنهم يعبدون ما يتحجب عنهم، ولا

[ 185 ]

يدرى شيئا من أمر عبادتهم، وهذا هو السبب في جعله الافول منافيا للربوبية دون البزوغ والظهور بل بنى عليه القول بها فإن من صفات الرب أن يكون ظاهرا وإن لم يكن ظهوره كظهور غيره من خلقه، هذا. وقد خفى عليه أولا: أن وضع قوله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) بين الايات المتضمنة لحججه عليه السلام أدل دليل على كون حججه مأخوذه من مشهوداته الملكوتية التى هي ملاك يقينه بالله وآياته وكيف يتصور مع ذلك كونها حجة عامية غير برهانية. وخفى عليه ثانيا أن الحجة بنيت على الحب وعدمه لا على الافول مضافا إلى أن البناء على الافول أيضا لا يخرجها عن كونها برهانية فهو عليه السلام إنما ذكر سبب براءته من ربوبيتها أنه وجدها آفلة غاربه وهو لا يحب الافلين فلا يعبدها، ومن المعلوم أن عبادة الانسان لربه إنما هي لانه رب أي لانه يدبر أمر الانسان فيفيض عليه الحياة والرزق والصحة والخصب والامن والقدرة والعلم إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في بقائه فهو متعلق الوجود بربه من كل جهة، ومن فطريات الانسان أن يحب ما يسعده مما يحتاج إليه وأن يحب من يسعده بذلك لا يرتاب فيه ذو ريب البتة فإنما يعبد الرب لان الانسان يحبه لجلبه المنافع إليه أو لدفعه المضار عنه أو لهما جميعا. ومن فطريات الانسان أيضا أنه لا تتعلق نفسه بما لا بقاء له إلا أن يحول حرص أو شبق أو نحوهما نظره إلى جهة اللذة ويصرفه عن التأمل والامعان في جهة فنائه وزواله، وقد استعمل القرآن الكريم هذه الطريقة كثيرا في ذم الدنيا، وردع الناس عن التعلق المفرط بزينتها والانهماك في شهواتها كقوله: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس) (يونس: 24) وقوله ما: (عندكم ينفد وما عند الله باق) (النحل: 96) وقوله: (وما عند الله خير وأبقى) (الشورى: 36). فهو عليه السلام يفيد بقوله: (لا أحب الافلين) أن الذى من شأنه أن يفقده الانسان ويغيب عنه ولا يبقى ولا يثبت له لا يستحق أن يحبه الانسان وتتعلق به نفسه، والرب

[ 186 ]

الذى يعبده الانسان يجب أن يحبه فيجب أن لا يكون من شأنه أن يأفل عنه ويفقد فهذه الاجرام الافلة لا تستحق اسم الربوبية، وهذه - كما ترى - حجة يعرفها العامة والخاصة. وقد خلط ثالثا بين البزوغ والظهور فحكم أنه غير مناف للربوبية بل القول مبنى عليه فأن من صفات الرب أن يكون ظاهرا إلى آخر ما قال فإن الذى ذكر في الاية - ولم يبن الحجة عليه - هو البزوغ وهو الطلوع والظهور بعد خفاء المنافى للربوبية فيبقى السؤال: لم بنى الكلام على الافول دون البزوغ ؟ على حاله. وثانيا أن أخذ الافول في الحجة دون البزوغ إنما هو لان البزوغ لا يستوجب عدم الحب الذى بنى الحجة عليه بخلاف الافول، وبذلك يظهر ما في قول الكشاف في وجه العدول، قال: (فإن قلت: لم احتج عليهم بالافول دون البزوغ وكلاهما انتقال من حال إلى حال ؟ قلت: الاحتجاج بالافول أظهر لانه انتقال مع خفاء واحتجاب) انتهى. فإن الاحتجاج كما عرفت إنما هو بعدم تعلق الحب لا بالافول حتى يوجه العدول إليه من البزوغ بما ذكره. وثالثا: أن الاحتجاج إنما أريد به نفى ربوبية الاجرام الثلاثة بمعنى تدبيرها للعالم الارضى أو العالم الانساني لا الربوبية بمعنى المقام الذى ينتهى إليه الايجاد والتدبير فإن الوثنية وعبدة الكواكب لا ينكرون أن آلهتهم ليست أربابا بهذا المعنى، وأنه الله الواحد لا شريك له. ومن هنا يظهر ما في قول بعضهم: إن الافول إنما أخذ مبدا للبرهان لانه يستلزم الامكان، وكل ممكن محتاج يجب أن يقف سلسلة حاجته عند موجود واجب الوجود، وكذا ما في قول آخرين: إن الافول إنما ينفى الربوبية عن المتصف به لانه حركة، ولا بد لكل حركة من محرك، وينتهى لا محالة إلى محرك غير متحرك وثابت غير متغير بذاته وهو الله عز اسمه. وذلك أنهما وإن كانا حجتين برهانيتين غير أنهما تنفيان عن الممكنات وعن المتحركات الربوبية بمعنى العلية الاولى التى ينتهى إليها جميع العلل، وسببية الايجاد والتدبير التى يقف عندها جميع الاسباب، وعبدة الكواكب من الصابئين وغيرهم وإن

[ 187 ]

ذهبوا إلى أن كل جرم سماوي قديم زماني غير قابل للكون والفساد متحرك بحركة دائمة غير أنهم لا ينكرون أن جميعها معلوله لامكانها غير مستغنية لا في وجودها ولا في آثار وجودها عن الواجب عز اسمه. فالحجتان نما هما قائمتان على منكري وجود الصانع من الطبيعيين لا الصابئين وعبدة أرباب الانواع وغيرهم من الوثنيين، وإبراهيم عليه السلام انما كان يحاج هؤلاء دون أولئك. على أنك عرفت ان الحجة لم تركب من جهة الافول بل من جهة عدم تعلق الحب بشئ من شأنه الافول والغروب. وأما من دفع ما ذكروه من تقرير الحجة من جهة الامكان أو الحركة بأن تفسير الافول بذلك تفسير للشئ بما يبانه فإن العرب لا يعرفون الافول بمعنى لامكان أو الحدوث وكذلك تفسير الافول بالتغير والحركة غلط كسابقه. فقد خفى عليه أن هؤلاء لا يقولون: إن الافول في الاية بمعنى الامكان أو بمعنى الحركة، وانما يقولون: إن الافول انما احتج به لاستلزامه الامكان أو الحركة والتغير، وأما الافول بمعنى الغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور مع قطع النظر عن إستلزامه الامكان أو التغير غير اللائقين بساحة الواجب جل ثناؤه فليس ينافى الربوبية كما اعترف به هذا المورد نفسه. وذلك أن الواجب تعالى أيضا غائب عن مشاعرنا من غير أن يتحول عليه الحال ويطرأ عليه التغير بالغيبة بعد الحضور والخفاء بعد الظهور، ولا ينفع القول بأن الغيبة والخفاء فيه تعالى من جهتنا لا من جهته ولاشتغالنا بما يصرفنا عنه لا لمحدودية وجوده وقصور استيلائه فإن غيبة هذه الاجرام السماوية وخاصة الشمس بالحركة اليومية أيضا من قبلنا حيث إنا أجزاء من الارض التى تتحرك بحركتها اليومية فتحولنا بها من مسامته هذه الاجرام ومواجهتها إلى خلاف ذلك فنغرب عنها في الحقيقة بعد طلوعنا عليها وان كان الخطأ الحسى يخيل لنا غيره. وقد أراد الرازي أن يجمع بين الوجوه جميعا فقال في تفسيره ما نصه الافول عبارة عن غيبوبة الشئ بعد ظهوره وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل فيقول: الافول انما يدل على الحدوث من حيث انه حركة، وعلى هذا التقدير فيكون الطلوع أيضا دليلا

[ 188 ]

على الحدوث فلم ترك ابراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطوع وعول في اثبات هذا المطلوب على الافول ؟. والجواب: لا شك ان الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن الدليل الذى يحتج به الانبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكى والغبى والعاقل، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الافاضل من الخلق، أما دلالة الافول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد فإن الكوكب يزول سلطانه وقت الافول فكانت دلالة الافول على هذا المقصود أتم. وأيضا قال بعض المحققين: الهوى في خطرة الامكان افول وأحسن الكلام ما تحصل فيه حصة الخواص وحصة الاوساط وحصة العوام: فالخواص يفهمون من الافول الامكان وكل ممكن محتاج لا يكون مقطوع الحاجة فلا بد من الانتهاء إلى من يكون منزها عن الامكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال: وأن إلى ربك المنتهى. وأما الاوساط فإنهم يفهمون من الافول مطلق الحركة فكل متحرك محدث، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر فلا يكون الافل إلها بل الاله هو الذى يحتاج إليه ذلك الافل. وأما العوام فإنهم يفهمون من الافول الغروب، وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الافول والغروب فإنه يزول نوره، وينتقص ضوءه، ويذهب سلطانه، ويكون كالمعزول، ومن يكون كذلك لا يصلح للالهية، فهذه الكلمة الواحدة أعنى قوله (لا احب الافلين) كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فكانت أكمل الدلائل وأفضل البراهين. وفيه دقيقة اخرى، وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا منجمين، ومذهب أصحاب النجوم أن الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيم التأثير، أما إذا كان غربيا وقريبا من الافول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة فنبه بهذه الدقيقة على أن الاله هو الذى لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان، ومذهبكم ان الكوكب حال كونه في الربع الغربي يكون ضعيف القوة ناقص

[ 189 ]

التأثير عاجز عن التدبير، وذلك يدل على القدح في إلهيته فظهر على قول المنجمين ان للافول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته) انتهى موضع الحاجة من كلامه على طوله. وأنت بالتأمل في ما تقدم تقف على أن ما تفنن به من تقسيم البرهان إلى حصص مختلفة باختلاف النفوس، وتقريره بوجوه شتى لا لفظ الاية يدل عليه، ولا شبة الصابئين وأصحاب النجوم تندفع به فإنهم لا يرون الجرم السماوي إلها واجب الوجود غير متناهى القدرة ذا قوة مطلقة، وأنما يرونه ممكنا معلولا ذا حركة دائمة يدبر بحركته ما دونه من العالم الارضى، وشئ مما ذكره من الوجوه لا يدفع هذه النظرية، وكأنه تنبه لهذا الاشكال بعد كلامه المنقول آنفا فبسط في الكلام وأطنب في الخروج من العويصة بما لا يجدى شيئا. على أن الحجة الثانية على ما قرره حجه غير تامة فإن الحركة إنما تدل على حدوث المتحرك من حيث وصفه وهو التحرك لا من حيث ذاته، وتمام الكلام في ذلك موكول إلى محله، والمصير إلى ما قدمناه في تقرير الحجة من جهة الحركة. ورابعا أن ابراهيم عليه السلام إنما ساق هذه الحجج بحسب ما كان الله سبحانه يريه ملكوت السماوات والارض، وبحسب ما يسمح له جريان محاجته أباه وقومه آخذا بالمحسوس المعاين إما لانه لم يكن رأى تفصيل الحوادث السماوية والارضية اليومية كما تقدمت إلاشارة إليه أو لانه أراد أن يحاجهم بما تحت حسهم فأورد قوله (هذا ربى) لما شاهد شيئا من الاجرام الثلاثة لامعا بازغا، وأورد قوله (لا أحب الافلين) أو ما في معناه لما شاهد افولها. وبذلك يظهر الجواب عما يمكن أن يقال: إن قوله: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) يدل على أنه عليه االسلام كان في النهار المتصل بذلك الليل شاهد قومه فما باله لم يذكر الشمس لينفى ربوبيتها. فإن من المحتمل أن يكون قد خرج إلى قومه للمحاجة والوقت لا يسع أزيد مما حاج به أباه وقومه في أمر الاصنام فكان يحاجهم طول النهار أو مدة ما أدركه من النهار عند قومه حتى إذا تمم الحجاج لم يلبث دون أن جن عليه الليل، وهناك محتملات أخر

[ 190 ]

كغيم في الهواء أو حضور قومه للصلوات والقرابين في أول الطلوع فحسب وقد كان يريد أن يواجههم فيما يلقيه إليهم. وخامسأ: أن الايات كما قيل تدل على أن الهداية من الله سبحانه وأما الاضلال فلم ينسب إليه تعالى في هذه الايات بل دل قوله: (لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين) بعض الدلالة على أن من شأن الانسان بحسب ما يقتضيه نقص نفسه أن يتصف بالضلال لو لم يهده ربه، وهو الذى يستفاد من قوله تعالى: (ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منها من أحد أبدا) (والنور: 21) وقوله: (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) (القصص: 56) إلى غير ذلك من الايات. نعم هناك آيات تنسب إليه تعالى الاضلال لكن أمثال قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) (البقرة: 26) تبين أن الضلال المنسوب إليه تعالى هو الاضلال الواقع بحسب المجازاة دون الاضلال الابتدائي، وقد تقدم البحث في تفسير الاية في الجزء الاول من هذا الكتاب. وسادسا: أنه عليه السلام أخذ في حجته لابطال ربوبية الاجرام الثلاثة أنه لا يحب الافل لافوله وهو أن يفقده الانسان بعد أن يجده فهو الوصف الذى لا يتعلق به الحب المسوغ للعبادة، وإذ كان ذلك وصفا مطردا في جميع الجسمانيات التى تسير إلى الزوال والفوت والهلاك والبيد كانت الحجة قاطعة على كل شرك ووثنية حتى على ما يظهر من بعض الوثنيين من القول بالوهية أرباب الانواع والموجودات النورية التى يذعنون بوجودها وأنها فوق المادة والطبيعة متعالية عن الجسمية والحركة فإنهم يصرحون بأنها على ما لها من صفاء الجوهر وشرف الوجود مستهلكة تجاه النور القيومى، مستذلة تحت القهر الاحدى، وإذ كان هذه صفة ما يدعونه فلو توجه تلقاءها حب لم يتعلق إلا بمن يدبر أمرها ويصلح شأنها لا بها. قوله تعالى: (إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض) إلى آخر الاية. ذكر الراغب في المفردات: أن أصل الفطر الشق طولايقال: فطر فلان كذا فطرا وأفطر هو فطورا وانفطر انفطار قال: هل ترى من فطور أي اختلال ووهى فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصلاح قال: السماء منفطر به كان وعده مفعولا. وفطرت الشاة حلبتها باصبيعين، وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه

[ 191 ]

الفطرة، وفطر الله الخلق وهو إيجاده الشئ وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الافعال فقوله: فطرة الله التى فطر الناس عليها إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الايمان وهو المشار إليه بقوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، انتهى. وذكر أيضا: أن الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال قال: وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم عليه السلام والاحنف من في رجله ميل، قيل: سمى بذلك على التفاؤل وقيل: بل استعير للميل المجرد، انتهى. لما تبرأ عليه السلام من شركهم وشركائهم بقوله: (يا قوم إنى برئ) الخ، وقد سلك إليه تدريجا بإظهار عدم تعلق قلبه بالشريك حيث قال: (لا أحب الافلين) ثم الايماء إلى كون عبادة الشريك ضلالا حيث قال: (لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين) ثم التبرى الصريح من ذلك بقوله: (يا قوم إنى برئ مما تشركون) رجع إلى توحيده التام في الربوبية، وهو إثبات الربوبية والمعبودية للذى فطر السماوات والارض، ونفى الشرك عن نفسه فقال: (إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا). فتوجيه الوجه كناية عن الاقبال إلى الله سبحانه بالعبادة فإن لازم العبودية والمربوبية أن يتعلق العبد المربوب بربه في قوته وإرادته، ويدعوه ويرجع إليه في جمع أعماله، ولا يكون دعاء ولا رجوع إلا بتوجيه الوجه والاقبال إليه فكنى بتوجيه الوجه عن العبادة التى هي دعاء ورجوع وذكر ربه وهو الله سبحانه الذى وجه وجهه إليه، بنعته الذى يخصه بلا نزاع فيه وهو فطر السماوات والارض، وجاء بالموصول والصلة ليدل على العهد فلا يشتبه الامر على أحد منهم فقال: للذى فطر السماوات والارض أي إنى أقبلت بعبادتي على من ينتهى إليه إيجاد كل شئ وإبداعه، وهو الذى يثبته ويثبتونه فوق الجميع. ثم نفى غيره مما يدعونه شريكا بقوله: (حنيفا) أي مائلا إليه عن غيره نافيا للشريك عنه، وأكده بقوله: (وما أنا من المشركين) فأفاد مجموع قوله: (وإنى وجهت) الخ، إثبات المعبودية لله تعالى ونفى الشريك عنه قريبا مما تفيده الكلمة الطيبة: لا إله الا الله.

[ 192 ]

واللام في قوله: (للذى) للغاية وتفيد معنى إلى، وكثيرا ما تستعمل في الغاية اللام كما تستعمل (إلى) قال: (أسلم وجهه لله) (البقرة: 112) (ومن يسلم وجهه إلى الله) (لقمان: 22). وفي تخصيص فطر السماوات والارض من بين صفاته تعالى الخاصة وكذا من بين الالفاظ الدالة على الخلقة كالباري والخالق والبديع إشارة إلى ما يؤثره ابراهيم عليه السلام من دين الفطرة وقد كرر توصيف هذا الدين في القرآن الكريم بأنه دين ابراهيم الحنيف ودين الفطرة أي الدين الذى بنيت معارفه و شرائعه على خلقة الانسان ونوع وجوده الذى لا يقبل التبدل والتغير فإن الدين هو الطريقة المسلوكة التى يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقية والسعادة الحقيقية هي الغاية المطلوبة التى يطلبها الشئ حسب تركب وجوده وتجهزه بوسائل الكمال طلبا خارجيا، واقعيا وحاشا أن يسعد الانسان أو أي شئ آخر من الخليقة بأمر ولم يتهيأ بحسب خلقته له أو هيئ لخلافه كأن يسعد بترك التغذى أو النكاح أو ترك المعاشرة والاجتماع وقد جهز بخلافها، أو يسعد بالطيران كالطير أو بالحياة في قعر البحار كالسمك ولم يجهز بما يوافقه. فالدين الحق هو الذى يوافق بنواميسه الفطرة وحاشا ساحة الربوبية أن يهدى الانسان أو أي مخلوق آخر مكلف بالدين - ان كان - إلى غاية سعيدة مسعدة ولا يوافق الخلقة أو لم يجهز بما يسلك به إليها فإنما الدين عند الله الاسلام وهو الخضوع لله بحسب ما يهدى إليه ويدل عليه صنعه وإيجاده. قوله تعالى: (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان). قسم تعالى حججه عليه السلام إلى قسمين: أحدهما ما بدأ به هو فحاج الناس، وثانيهما ما بدأ به الناس فكلموه به بعد ما تبرأ من آلهتهم، وهذا الذى تعرض له في الاية وما بعده هو القسم الثاني. لم يذكر تعالى ما أوردوه عليه من الحجة لكنه لوح إليه بقوله حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (ولا أخاف ما تشركون به) فهو الاحتجاج لوجوب عبادة آلهتهم من جهة الخوف وقد تقدم وسيجئ أن الذى بعثهم إلى اتخاذ الالهة وعبادتها أحد أمرين: الخوف من سخطها وقهرها بما لها من السلطة على حوادث العالم الارضى، أو رجاء البركة والسعادة

[ 193 ]

منها، وأشد الامرين تأثيرا في نفوسهم هو الامر الاول أعنى الخوف وذلك أن الناس بحسب الطباع يرون ما بأيديهم من النعمة والسعادة المادية ملك أنفسهم إما مرهون جهدهم في سلوك سبيل المعاش في اقتناء الاموال واكتساب المقام والجاه أو مما ملكهم إياه الجد الرفيع أو البخت السعيد كمن ورث مالا من مورثه أو صادف كنزا فتملكه أو ساد قومه برئاسة أبيه. فطريق الرجاء قليل التأثير في وجوب العبودية حتى أن المسلمين مع ما بأيديهم من التعليم الكامل الالهى يتأثرون من الوعد والبشارة أقل مما يتأثرون من الوعيد والانذار، ولذلك بعينه نرى أن القرآن يذكر الانذار من وظائف الانبياء أكثر من ذكر التبشير، وكلا الامرين من وظائفهم والطرق التى يستعملونها في الدعوة الدينية. وبالجملة اختار قوم إبراهيم عليه السلام في محاجتهم إياه عند ما كلموه في أمر الالهة سبيل الخوف فأرهبوه من قهر الالهة وسخطها ووعظوه بسلوك سبيلهم ولزوم طريقهم في التقرب بالالهة ورفض القول بربوبية الله سبحانه، وإثباته في المقام الذى أثبتوه فيه وهو أنه الذى ينتهى إليه الكل فحسب. ولما وجد عليه السلام كلامهم ينحل إلى جزأين: الردع عن القول بربوبية الله سبحانه والتحريض على القول بربوبية آلهتهم احتج عليهم من الجهتين جميعا لكن لا غنى للجهة الاولى عن الثانية كما سيجئ. وما أورده في الاحتجاج على حجاجهم في الله سبحانه هو قوله: (أتحاجوني في الله وقد هدان) أي إنى واقع في أمر مفروغ عنه ومهتد بهداية ربى حيث آتانى العلم بما أرانى من ملكوت السماوات والارض وألهمنى بذلك حجة أنفى بها ربوبية غيره من الاصنام والكواكب، وأنى لا أستغنى عن رب يدبر أمرى فأنتج لى أنه هو الرب وحده لا شريك له، وإذ هداني إليه فأنا في غنى عن الاصغاء إلى حجتكم والبحث عن الربوبية ثانيا فإن البحث إنما ينفع الطالب ولا طلب بعد الوصول إلى الغاية. هذا ما يعطيه ظاهر الاية بالتبادر إلى الذهن لكن هناك معنى أدق من ذلك يظهر بالتدبر وهو أن قوله: (وقد هدان) استدلال بنفس الهداية لا استغناء بالهداية عن

[ 194 ]

الاستدلال وتقريره: أن الله هداني بما علمني من الحجة على نفى ربوبية غيره وإثبات ربوبيتة، ونفس هدايته دليل على أنه رب ولا رب غيره فإن الهداية إلى الرب من جملة التدبير فهى شأن من هو رب، ولو لم يكن الله سبحانه هو ربى لم يكن ليهدينى ولا قام بها إلى الذى هو الرب لكن الله هو هداني فهو ربى. ولم يكن لهم أن يقولوا: إن الذى علمك ما علمت وألهمك الحجة هو بعض آلهتنا لان الشئ لا يهدى إلى ما يضره ويميت ذكره ويفسد أمره فاهتداؤه عليه السلام إلى نفى ربوبيتها لا يصح أن ينسب إليها، هذا. ولكن كان لهم أن يقولوا أو أنهم قالوا: إن ذلك من فعل بعض آلهتنا فعل بك ذلك قهرا وسخطا أبعدك عن القول بربوبيتها ولقنك هذه الحجج لما وجد من فساد رأيك وعلة نفسك نظير ما شافهت به عاد هودا عليه السلام لما دعاهم إلى توحيد الله سبحانه واحتج عليهم بأن الله هو الذى يجب أن يرجى ويخاف، وأن آلهتهم لا تنفع ولا تضر فردوا عليه بأن بعض آلهتنا اعتراك بسوء قال تعالى في قصتهم حكاية عن هود عليه السلام: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة الى قوتكم ولا تتولوا مجرمين، قالوا يا هود - إلى أن قال - إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إنى أشهد الله وأشهدوا إنى برئ مما تشركون، من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - (هود: 55). فقوله عليه السلام: (ولا أخاف ما تشركون به) الخ، ينفى هذه الشبهة وكما أنه ينفى هذه الشبهة فإنه حجة تامة تنفى ربوبية شركائهم. ومحصله: أنكم تدعونني إلى القول بربوبية شركائكم ورفض القول بربوبية ربى بما تخافوننى من ان تمسني شركاؤكم بسوء، وترهبوننى بإلقاء الشبهة فيما اهتديت به، وإنى لا أخاف ما تشركون به لانها جميعا مخلوقات مدبرة لا تملك نفعا ولا ضرا وإذ لم اخفها سقطت حجتكم وارتفعت شبهتكم. ولو كنت خفتها لم يكن الخوف الحاصل في نفسي من صنع شركائكم لانها لا تقدر على شئ بل كان من صنع ربى وكان هو الذى شاء ان اخاف شركاءكم فخفتها فكان هذا الخوف دليلا آخر على ربوبيته وآية أخرى من آيات توحيده يوجب إخلاص العبادة له

[ 195 ]

لا دليلا على ربوبية شركائكم وحجة توجب عبادتها. والدليل على ان ذلك من ربى أنه وسع كل شئ علما فهو يعلم كل ما يحدث ويجرى من خير وشر في مملكته التى أوجدها لغايات صحيحة متقنة، وكيف يمكن ان يعلم في ملكه بشئ ينفع أو يضر فيسكت ولا يستقبله بأحد امرين: إما المنع أو الاذن ؟. فلو حصل في نفسي شئ من الخوف لكان بمشية من الله وإذن على ما يليق بساحة قدسه، وكان ذلك من التدبير الدال على ربوبيته ونفى ربوبية غيره أفلا تتذكرون وترجعون إلى ما تدركونه بعقولكم وتهدى إليه فطرتكم. فهذا وجه في تقرير الحجة المودعة في قوله: (ولا اخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى وسع ربى كل شئ علما أفلا تتذكرون) وعلى ذلك فقوله: (ولا أخاف ما تشركون به) كالمتمم للحجة في قوله: (أتحاجوني في الله وقد هدان) وهو مع ذلك حجة تامة في نفسه لابطال ربوبية شركائهم بعدم الخوف منها، وقوله: (إلا أن يشاء ربى شيئا) كالكلام في الحجة على تقدير التسليم أي تحتجون على وجوب عبادتها بالخوف ولا خوف في نفسي، ولو فرض خوف لكان دليلا على ربوبية ربى لا على ربوبية شركائكم فإنه عن مشية من ربى، قوله: (وسع ربى كل شئ علما) وتعليل لكون الخوف المفروض مستندا إلى مشية ربه فإن فاطر السماوات والارض لا يجهل ما يقع في ملكه فلا يقع إلا بإذن منه فهو الذى يدبر امره ويقوم بربوبيته، وقوله: (إفلا تتذكرون) استفهام توبيخي وإشارة إلى أن الحجة فطرية، هذا. وللمفسرين في الاية أقوال: أما قوله تعالى: (قال أتحاجوني في الله وقد هدان) فقد أورد اكثرهم فيه الوجه الاول من الوجهين اللذين قدمناهما، ومحصله أنه يرد اعتراضهم على توحيده بأنه غنى عن المحاجة في ذلك فإن الله هداه ولا حاجة معها إلى المحاجة لكن ظاهر السياق أنه في مقام المحاجة ولازمه ان كلامه احتجاج للتوحيد الاستغناء عن الاحتجاج. وأما قوله تعالى: (لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا) فقد ذكروا في الصدر قريبا مما قدمناه، وأما الاستثناء فقيل: معناه إلا ان يغلب ربى هذه الاصنام التى تخوفونني بها فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع فيكون ضررها ونفعها إذ ذاك دليلا

[ 196 ]

على حدوثهاو على توحيد الله سبحانه، وبعبارة اخرى: المعنى أنى لا اخافها في حال من الحالات إلا أن يشاء ربى ان تحيا هؤلاء الشركاء فتضر وتنفع فأخافها واذ ذاك كانت الربوبية لله وتبين حدوث شركائكم. وهذا الوجه وإن كان قريبا مما قدمناه بوجه لكن نسبة النفع والضر إلى الشركاء لو كانت أحياء - مع ان بعضها احياء عندهم كالملائكة وارباب الانواع وبعضها يضر وينفع بحسب ظاهر النسبة كالشمس - تخالف التعليم الالهى في كتابه فإن القرآن يصرح أن لا يملك نفعا ولا ضررا إلا الله سبحانه. وكذلك ما ذكر من دلالة ذلك على حدوث شركائهم امر لا يضر اهل الاوثان فإنهم كما عرفت لا ينكرون كون الاصنام ولا أربابها معلولة لله مخلوقة له، والقول بالقدم الزمانى في بعضها لا ينافى إمكانها ولا معلوليتها عندهم. وقيل: إن معنى الاستثناء انى لا اخاف شركاءكم واستثنى من عموم الخوف في الاوقات أن يشاء ربى ان يعذبنى ببعض ذنوبي أو يصيبني بمكروه ابتداء، وبعبارة اخرى الجملة استثناء من معنى أعم مما يدل عليه الجملة السابقة فقد دل قوله: (ولا أخاف) الخ، على نفى الخوف من شركائهم، وقوله: (إلا ان يشاء) الخ، استثناء من كل خوف فالتقدير: لا أخاف ما تشركون به ولا شيئا آخر إلا من ان يشاء ربى شيئا اكرهه ابتداء أو جزاء فإنى اخافه، ووجه التعسف في هذا المعنى لا يحتاج إلى بيان. وأما قوله: (وسع ربى كل شئ علما) فقد قيل. إنه ثناء منه عليه السلام لربه بعد إتمام الحجة. وقيل: إنه تعريض بأصنامهم حيث إنها لا تعلم شيئا ولا تشعر، ويرد عليه أن التعريض بمثل القدرة أقرب إلى اقتضاء المقام من التعريض بالعلم فما وجه العدول عن القدرة إلى ؟ العلم والاشكال جار في الوجه السابق. وقيل: إنه لما استثنى ما يشاؤه ربه مما يقع عليه من المكاره بين بقوله: (وسع ربى كل شئ علما) أنه تعالى علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة. وفيه أن الانسب حينئذ أن يذكر الحكمة مكان العلم ولا أقل من أن يذكر الحكمة مع العلم كما في أغلب الموارد.

[ 197 ]

وقيل: إنه كالتعليل للاستثناء بجواز أن يكون قد سبق في علمه تعالى إصابته بسوء تكون سببه الاصنام كأن يشاء أن يسقط صنم عليه فيشجه أو تؤثر فيه حرارة الشمس فتمرضه أو تقتله، وفيه أن التمسك بالقدرة أو الحكمة أنسب للتعليل من العلم. وقيل: معناه أن علم ربى وسع كل شئ وأحاط به ومشيئته مرتبطة بعلمه المحيط القديم وقدرته منفذة لمشيئته فلا يمكن ان يكون لشئ من المخلوقات التى تعبدونها ولا لغيرها تأثير ما في صفاته، ولا في أفعاله الصادرة عنها لا بشفاعة ولا غيرها وإنما يكون ذلك لو كان علم الله تعالى غير محيط بكل شئ فيعلمه الشفعاء والوسطاء من وجوه مرجحات الفعل أو الترك بالشفاعة أو غيرها ما لم يكن يعلم فيكون ذلك هو الحامل له على الضر أو النفع أوالعطاء أو المنع. قال هذا القائل: اخذنا هذا المعنى لهذه الجملة من حجج الله تعالى على نفى الشفاعة الشركية بمثل قوله: (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء). قال: وهذا أرجح الوجوه، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، انتهى ملخصا. ومحصله ان قوله: (وسع ربى كل شئ علما) بيان وتعليل لعموم نفى الخوف من الالهة وغيرها كأنه قال: لا اخاف ضر شئ من آلهتكم وغيرها من المخلوقات فإن ربى يعلم كل شئ فيتمه بمشيئته وينفذه بقدرته فلا يحتاج إلى شفيع يعلمه ما جهل حتى يكون لها تأثير في افعاله تعالى وشفاعة. وأنت تعلم أن نفى هذا التأثير كما يحتاج إلى سعة علمه تعالى كذلك يحتاج إلى إطلاق القدرة والمشيئة - والمشيئة مع ذلك صفة فعل لا ذات كما يفرضه القائل - فما ذا تنفع سعة العلم لو لم يكن لقدرته ومشيئته إطلاق، والشاهد عليه نفس كلامه الذى قرر فيه الوجه بالعلم والمشيئة والقدرة جميعا. وبالجملة هذا الوجه لا يتم بسعة العلم وحدها وإنما يتم بها وباطلاق القدرة والمشيئة، وقد ذكرت في الاية سعة العلم وحدها. وأما ما ذكره من دلالة آيات الشفاعة على ذلك فالايات المذكورة مسوقة لاثبات الشفاعة بمعنى التوسط في السببية بإذن من الله سبحانه لا أنها تنفيها كما خيل إليه فزعم إنه

[ 198 ]

يفسر القرآن بالقرآن، وكيف لا ؟ والطمع في إرتفاع الاسباب عن العالم المشهود طمع فيما لا مطمع فيه، والقرآن الكريم من أوله إلى آخره يتكلم عن السببية ويبنى على أصل العلية والمعلولية العام، وقد تقدم الكلام في هذه المعاني كرارا في الاجزاء السابقة من الكتاب. قوله تعالى: (و كيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) الخ، ثم كر عليه السلام عليهم بحجه أخرى تثبت المناقضة بين قولهم وفعلهم و بعبارة اخرى: حالهم يكذب مقالهم ومحصله أنكم تأمرونني أن أخاف ما لا يجب أن يخاف منه، وأنتم أنفسكم لا تخافون من يجب ان يخاف منه فأنا أولى بالامن منكم إن عصيتكم ولم أئتمر بأمركم. أما كون ما تأمرونني بخوفه لا يجب أن يخاف منه فلان الاصنام و 3 أربابها لا دليل على كونها مستقلة بالضر والنفع حتى توجب الخوف منها، وأما كونكم لا تخافون من يجب أن يخاف منه فإنكم انفسكم أثبتم لله سبحانه شركاء في الربوبية ولم ينزل الله في ذلك عليكم برهانا يمكن أن يعتمد عليه فان الصنع والايجاد لله سبحانه فله الملك وله الحكم فلو كان اتخذ بعض مخلوقاته شريكا لنفسه يوجب لنا بذلك عبادة شريكه كان إليه لا إلى غيره أن يبين لنا ذلك ويكشف عن وجه الحقيقة فيه، والطريق فيه أن يقارنه بعلائم وآيات تدل على أن له شركة في كذا وكذا، وذلك إما وحى أو برهان يتكئ على آثار خارجية، وشئ من ذلك غير موجود. وعلى هذا التقرير فقوله تعالى: (ما أشركتم) مقيد بحسب ما يستفاد من المقام بما قيد به قوله: (أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) وإنما ذكر هذا القيد عند ذكر عدم خوفهم من شركهم لان الحجة إلى ذكره هناك أحوج وهو ظاهر. وقوله: (فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون) من تتمة الحجة، والمجموع برهان على مناقضتهم أنفسهم في دعوته عليهالسلام إلى أن يخاف آلهتهم فإنهم يأمرونه بالخوف فيما لا يجب وهم أنفسهم لا يخافون فيما يجب. وبالبيان السابق يظهر ان وصف شركائهم بأن الله لم ينزل بها عليهم سلطانا افتراض استدعاه نوع الحجة التى وضعت في الكلام لا مفهوم له يثبت إمكان ان يأمر الله باتخاذ الشركاء آلهة يعبدون فهو بمنزلة قولنا: لا دليل لكم على ما ادعيتم، في جواب من يخوفنا

[ 199 ]

من موضوع خرافي يدعى أنه ربما ينفع ويضر، ولنا ان نبدل قولنا ذلك لو اردنا التكلم بلسان التوحيد بقولنا: ما أنزل الله على ذلك دليلا، والكلام بحسب التحليل المنطقي يؤول إلى قياس استثنائي استثنى فيها نقيض المقدم في الشرطية لانتاج نقيض التالى نحوا من قولنا: لو كان الله نزل بها عليكم سلطانا يدل على قدرتهم على الضر لكان اتخاذكم الشركاء خوفا منها في محله لكنه لم ينزل سلطانا فليس اتخاذكم الشركاء في محله، ومن المعلوم أن لا مفهوم في هذا القياس فلا حاجة إلى القول بأن التقييد بقوله: (لم ينزل به عليكم سلطانا) للتهكم، أو للاشارة إلى ان هذا وصف لازم لشركائهم على حد قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به (المؤمنون: 117) إلى غير ذلك من التحملات. والباء في قوله: (لم ينزل به) للمعية أو السببية وقد كنى عليه السلام عنهم وعن نفسه بالفريقين ولم يقل: أنا وانتم أو ما يشابه ذلك ليكون أبعد من تحريك الحمية وتهييج العصبية كما قيل، وليدل على تفرقهما وشقاق بينهما من جهة الاختلاف في أصل الاصول وأم المعارف الحقيقية بحيث لا ياتلفان بعد ذلك في شئ. قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) سألهم في الاية السابقة في ضمن ما أقامه من الحجة عمن هو أحق بالامن حيث قال: (فأى الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون) ثم اجابهم عما سألهم لكون الجواب واضحا لا يختلف فيه الفريقان المتخاصمان والجواب الذى هذا شأنه لا باس بأن يبادر السائل إلى إيراده من غير ان ينتظر المسؤول فإن المسؤول لا يخالف السائل في ذلك حتى يخاف منه الرد، وقد حكى الله تعالى اعترافهم بذلك في قصة كسر الاصنام: (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا انكم انتم الظالمون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) (الانبياء: 65). هذا ما يقتضيه سياق الكلام ان تكون الاية من كلام إبراهيم عليه السلام ومقولة لقوله، وأما كونها من كلام قومه وجوابا محكيا عنهم وكذا كونها من الله سبحانه من باب القضاء بين الطرفين المتخاصمين فمما لا يساعد عليه السياق البتة. وكيف كان فالكلام متضمن تأكيدا قويا من جهة اسنادات متعددة في جمل اسمية وهى ما في قوله: (لهم الامن) جملة اسمية هي خبر لقوله: (أولئك) والمجموع جملة اسمية

[ 200 ]

هي خبر لقوله: (الذين آمنوا) الخ، والمجموع جملة اسمية، وكذلك ما عطف على قوله: (لهم الامن) من قوله: (وهم مهتدون) فينتج أنه لا شك في اختصاص الذين آمنوا ولم يستروا إيمانهم بظلم بالامن والاهتداء ولا ريب. ولا ريب ان الاية تدل على أن خاصة الامن والاهتداء من آثار الايمان مشروطا بان لا يلبس بظلم، واللبس الستر كما ذكر الراغب في المفردات: أصل اللبس - بفتح اللام - الستر، فهو استعارة قصد فيها الاشارة إالى أن هذا الظلم لا يبطل أصل الايمان فإنه فطرى لا يقبل البطلان من رأس، وانما يغطى عليه ويفسد أثره ولا يدعه يؤثر أثره الصحيح. والظلم وهو الخروج عن وسط العدل وإن كان في الاية نكرة واقعة في سياق النفى ولازمه العموم وعدم اقتران الايمان بشئ مما يصدق عليه الظلم على الاطلاق لكن السياق حيث دل على كون الظلم مانعا من ظهور الايمان وبروزه باثاره الحسنة المطلوبة كان ذلك قرينة على أن المراد بالظلم هو نوع الظلم الذى يؤثر أثرا سيئا في الايمان دون الظلم الذى لا اثر له فيه. وذلك ان الظلم وان كان المظنون ان أول ما انتقل إليه الناس من معناه هو الظلم الاجتماعي وهو التعدي إلى حق اجتماعي بسلب الامن من نفس أحد من أفراد المجتمع أو عرضه أو ماله من غير حق مسوغ لكن الناس توسعوا بعد ذلك فسموا كل مخالفة لقانون أو سنة جارية ظلما بل كل ذنب ومعصية لخطاب مولوى ظلما من المذنب بالنسبة إلى نفسه بل المعصية لله سبحانه لما له من حق الطاعة المشروع بل مخالفة التكليف ظلما وإن كان عن سهو أو نسيان أو جهل وإن لم يبنوا على مؤاخذة هذا المخالف وعقابه على ما أتى به بل يعدون من خالف النصيحة والامر الارشادي ولو اشتبه عليه الامر وأخطا في مخالفته من غير تعمد ظالما لنفسه حتى أن من سامح في مراعاة الدساتير الصحية الطبية أو خالف شيئا من العوامل المؤثرة في صحة مزاجه ولو من غير عمد عد ظالما لنفسه وإن كان ظلما من غير شعور، والملاك في جميع ذلك التوسع في معنى الظلم من جهة تحليله. وبالجملة للظلم عرض عريض - كما عرفت - لكن ما كل فرد من أفراده بمؤثرأثرا سيئا في الايمان فإن أصنافه التى لا تتضمن ذنبا ومعصية ولا مخالفة مولوية كما إذا كان صدوره عن سهو أو نسيان أو جهل أو لم يشعر بوقوعه مثلا فتلك كلها مما لا يؤثر في

[ 201 ]

الايمان الذى شأنه التقريب من السعادة والفلاح الحقيقي والفوز برضى الرب سبحانه وهو ظاهر فتأثير الايمان أثره لا يشترط بعدم شئ من ذلك. فقوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن) معناه اشتراط الايمان في إعطائه الامن من كل ذنب ومعصية يفسد أثره بعدم الظلم غير أن هيهنا دقيقة وهى ان الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر الجزء السادس من الكتاب - أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الافهام فمن الظلم ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى قوم وليس بها عند آخرين. فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلا وهو الذى يرى أن للعالم صانعا هو الذى فطر أجزائها وشق أرجائها وأمسك أرضها وسمائها، ويرى أنه نفسه وغيره مخلوقون مربوبون، مدبرون وان الحياة الانسانية الحقيقية إنما تسعد بالايمان به والخضوع له فالظلم اللائح لهذا الانسان هو الشرك بالله والايمان بغيره بالربوبية كالاصنام والكواكب وغيرها على ما يثبته إبراهيم عليه السلام بقوله: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم اشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا) فالايمان الذى يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الانسان انما يشترط في إعطاءه الامن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك ومعصيته. ومن طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من المعاصي كعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحترمة والزنا وشرب الخمر فإيمانه في تأثيره آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم، وقد وعده الله ان يكفر عنه السيئات والمعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ينهى عنه، قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (النساء: 31) وفساد أثر هذا الايمان هو الشقاء بعذاب هذه المعاصي وإن لم يكن عذابا خالدا غير منقطع الاخر كعذاب الشرك بل منقطعا إما بحلول أجله وإما بشفاعة ونحوها. ومن تزود هذا الزاد من التقوى وحصل شيئا من المعرفة بمقام ربه كان مسؤولا باصناف من الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات وترك المستحبات والتوغل في المباحات، وفوق ذلك المعاصي في مستوى الاخلاق الكريمة والملكات الربانية ووراء ذلك الذنوب التى تعترض سبيل الحب، وتحف بساط القرب، فالايمان في كل من هذه المراتب إنما يؤمن المتلبس به ويدفع عنه الشقاء إذا عرى عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة.

[ 202 ]

فلقوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) إطلاق من حيث الظلم لكنه إطلاق يختلف باختلاف مراتب الايمان وإذ كان المقام مقام محاجة المشركين انطبق الظلم المنفى على ظلم الشرك فحسب والامن الذى يعطيه هذا الايمان هو الامن مما يخاف منه من الشقاء المؤبد والعذاب المخلد، والاية مع ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الامن والاهتداء إنما يترتب على الايمان بشرط انتفاء جميع انحاء الظلم الذى يلبسه ويستر أثره بالمعنى الذى تقدم بيانه. وأما الايمان المذكور في الاية ففيه إطلاق والمراد به الايمان بالربوبية الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أفاد الايمان بربوبية الله سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن ابراهيم عليه السلام ذكر فيما تحكى عنه الاية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم وإيمانهم بها مع كونها من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله ولا سلطان وأنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شرا ويستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لانها لا تضر ولا تنفع، وأما هو عليه السلام فقد خاف وآمن بمن هو فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذى له في كل أمر إرادة ومشية لسعة علمه، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالامن والناجح بالايمان بالرب، ولكل من الفريقين إيمان بالرب، وإن اختلفا من جهة الرب، والذى آمنوا به بين مؤمن برب على ربوبيته دليل، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه. ومن هنا يظهر أن المراد بالايمان في قوله: (الذين آمنوا) مطلق الايمان بالربوبية ثم بتقيده بقوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) يتعين في الايمان بالله سبحانه الذى هو حق الايمان فافهم. فقد اتضح بما تقدم أولا: أن المراد بالايمان هو الايمان بالربوبية دون الايمان بوجود صانع العالم خلافا لمنكري وجوده. وثانيا: أن الظلم في الاية مطلق ما يضرالايمان ويفسده من المعاصي، وكذا المراد بالامن مطلق الامن من شقاء المعاصي والذنوب، وبالاهتداء مطلق التخلص من ضلالها وإن انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة. وثالثا: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الايمان.

[ 203 ]

قال بعض المفسرين في معنى عموم الظلم في الاية: إن الامن في الاية مقصور على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإذا حمل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الايمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم ما لانفسهم لا في إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينية أو دنيوية ولا لغيرهم من المخلوقات من العقلاء والعجماوات اولئك لهم الامن من عقاب الله تعالى الدينى على ارتكاب المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سببه في ربط الاسباب بالمسببات كالفقر والاسقام والامراض دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم فإن الظالمين لا أمان لهم بل كل ظالم عرضة للعقاب وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم بل يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في الاخرة ما دون الشرك به. قال: وهذا المعنى في تفسير الاية صحيح في نفسه، ويترتب عليه أن الامن المطلق من الخوف من عقاب الله الدينى والدنيوى أو الشرعي والقدري جميعا لا يصح لاحد من المكلفين دع خوف الهيبة والاجلال الذى يمتاز به اهل الكمال. قال: وأما معنى الاية على فرض عدم الاطلاق فهو أن الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك بالله اولئك لهم الامن دون غيرهم من العقاب الدينى المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء. قال: وظاهر الاية هو العموم واستدل عليه بفهم الصحابة على ما روى: أن الاية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه ؟ فأخبرهم صلى الله عليه وآله: أن المراد به الشرك، وربما أشعر بذلك السياق وكون الموضوع هو الايمان، انتهى ملخصا. وفيه مواقع للاشكال فأولا: أن ما استدل عليه من العموم بفهم الصحابة هو غير ما قرره من معنى العموم فإن الذى فهموه من الظلم هو ما يساوى المعصية والذى قرره هو أعم من ذلك. وثانيا: أن ما قرره من عموم الظلم حتى بالنسبة إلى أفراد من الظلم ليست من المعصية في شئ ثم حكم بصحة تفسير الاية به أجنبي عن مدلول الاية فإن الاية في مقام بيان أن الامن والاهتداء من آثار الايمان ولكن بشرط أن لا يقارن ظلما يستره ويفسد أثره، وهذا الظلم إنما هو المعصية بوجه، وأما ما لا يعد معصية كاكل الغذاء المضر بصحة

[ 204 ]

البدن خطاء فمن المعلوم انه لا يفسد اثر الايمان من الامن والاهتداء، وليس المراد بالاية بيان آثار الظلم أيا ما كانت ولو مع قطع النظر عن الايمان فإنه تعالى قال: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) فجعل الايمان هو الموضوع وقيده بعدم الظلم وجعل اثره الامن والاهتداء، ولم يجعل الظلم هو الموضوع حتى تكون الاية مسرودة لبيان آثاره. فالاية سيقت لبيان الاثارالتى تترتب على الايمان الصحيح، وأما الظلم بما له من العرض العريض وما له من الاثر المترتب عليه فالاية غير متعرضة لذلك البتة، فقوله: (وهذا المعنى في تفسير الاية صحيح في نفسه) فاسد البتة. وثالثا: أن قوله: (ويترتب عليه ان الامن المطلق لا يصح لاحد من المكلفين) صريح في أن الاية لا مصداق لها بالنظر إلى الاطلاق الذى قرره، ولازمه سقوط الكلام عن الفائدة، وأى فائدة في أن يوضع في الحجة قول لا مصداق له أصلا ؟. ورابعا أن الذى اختاره في معنى الاية أن المراد به هو الظلم الخاص وهو الشرك ليس بمستقيم فإن الاية من جهة عموم لفظها وإن دلت على وجوب كون الايمان غير مقارن للشرك حتى يؤثر اثره لكن ذلك من باب انطباق اللفظ العام على مورده الخاص، وأما راده المعنى الخاص من اللفظ العام من غير قرينة حالية أو مقالية متصلة أو منفصلة فمما لا ترتضيه صناعة البلاغة وهو ظاهر. واما ما اشار إليه من قوله صلى الله عليه وآله: (إنما هو الشرك) فليس بصريح في ان الشرك مراد لفظي من الاية وإنما هو الانطباق، وسيجئ البحث عن الحديث في البحث الروائي التالى إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء) الخ، في الاشارة بلفظ البعيد إلى الحجة تفخيم وتعظيم لامرها لكونها حجة قاطعة جارية على صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها. وأما قوله: (نرفع درجات من نشاء) فالدرجات - كما قيل - هي مراقى السلم ثم توسع فيها فاطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والايمان والكرامة والجاة

[ 205 ]

وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه بكمالات معنوية وفضائل حقيقية في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير الكسبية كالنبوة والرسالة والرزق وغيرها. والدرجات لكونها نكرة في سياق الايجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من معناها بالنظر ألى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع الله ابراهيم عليه السلام بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والارض وإيتائه اليقين والحجة القاطعة، والجميع من العلم، وقد قال تعالى في درجات العلم: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات (المجادلة: 11). ثم ختم الاية بقوله: (إن ربك حكيم عليم) لتثبيت أن ذلك كله كان بحكمة منه تعالى وعلم كما أن الحجج التى آتاها رسول الله صلى الله عليه وآله المذكورة في السورة قبل هذه الحجة من حكمته وعلمه تعالى، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة لتطييب قلب النبي صلى الله عليه وآله وتثبيت المعارف المذكورة فيه. (بحث روائي) في العيون: حدثنا نعيم بن عبد الله بن تميم القرشى رضى الله عنه قال: حدثنا أبى عن حمدان بن سليمان النيشابوري عن على بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليه السلام فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الانبياء معصومون ؟ قال: بلى، قال: فسأله عن آيات من القرآن فيه فكان فيما سأله أن قال له فأخبرني عن قول الله عزوجل في ابراهيم: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى). فقال الرضا عليه السلام: أن ابراهيم وقع إلى ثلاثه أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس وذلك حين خرج من السرب الذى أخفى فيه فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال: هذا ربى على الانكار والاستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الافلين لان الافول من صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربى على الانكار والاستخبار فلما أفل قال: لئن لم يهدنى ربى

[ 206 ]

لاكونن من القوم الضالين، فلما اأبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربى هذا أكبر من الزهرة والقمر على الانكار والاستخبار لا على الاخبار والاقرار فلما أفلت قال للاصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا قوم إنى برئ مما تشركون إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين. وإنما أراد ابراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا يحق - لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما يحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والارض، وكان ما احتج به على قومه مما إلهمه الله عزوجل وآتاه كما قال عزوجل: وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه. فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله. أقول وتأييد الرواية بمضمونها عدة من الامور التى استفدناها من سياق الايات الكريمة ظاهر، وسيأتى أيضا بعض ما يؤيدها من الروايات، وأما ما في الرواية من كون قول ابراهيم عليه السلام: (هذا ربى) واقعا على سبيل الانكار والاستخبار دون الاخبار والاقرار فوجه من الوجوه التى تقدمت في تفسير الايات أورده عليه السلام في قطع حجة المأمون، ولا ينافى صحة غيره من الوجوه لو كان هناك وجه كما سيأتي. وكذا قوله: (لان الافول من صفات المحدث) الخ، ليس بظاهر في أن الحجة مأخوذه من الافول الحادث كما ذكره بعضهم لجواز أن يكون الحجة مأخوذة من عدم الحب وملاكه كون الافول من صفات المحدث التى لا ينبغى أن يتعلق بها حب فافهم. وفي كمال الدين: ابى وابن الوليد معا عن سعد عن ابن بريد عن ابن ابى عمير عن هشام بن سالم عن ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان أبو ابراهيم منجما لنمرود ابن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه فنظر في النجوم ليلة من الليالى فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتى هذه عجبا فقال له نمرود: ما هو ؟ فقال: رأيت مولودا يولد في ارضنا هذه يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به فعجب من ذلك نمرود وقال: هل حمل به النساء ؟ فقال: لا، وكان فيما أوتى من العلم أنه سيحرق بالنار، ولم يكن أوتى ان الله سينجيه. قال: فحجب النساء عن الرجال فلم يترك إمرأة إلا جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن الرجال، قال: وباشر أبو ابراهيم امرأته فحملت به فظن انه صاحبه فأرسل إلى

[ 207 ]

نساء من القوابل - لا يكون في ا لبطن شئ إلا علمنا به فنظرنا إلى أم ابراهيم فألزم الله تبارك وتعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن: ما نرى شيئا في بطنها. فلما وضعت أم ابراهيم اراد ابوه ان يذهب به إلى نمرود فقالت له امرأته: لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا تكون أنت تقتل ابنك فقال لها: فاذهبي فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبنا، وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمة، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث. ثم إن أمه قالت لابيه: لو أذنت لى أن أذهب إلى ذلك الصبى فأراه فعلت قال: ففعل (1) فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبى فقالت: قد واريته في التراب. فمكثت تعتل فتخرج في الحاجة، وتذهب إلى إبراهيم فتضمه إليها اصل لازم وترضعه ثم تنصرف فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه، وصنعت كما كانت تصنع فلما أرادت الانصراف أخذ ثوبها فقالت له: مالك ؟ فقال: اذهبي بى معك فقالت له: حتى استأمر أباك فلم يزل إبراهيم في الغيبة مخفيا بشخصه كاتما لامره - حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره، وأظهر الله قدرته فيه. أقول: وروى في قصص الانبياءعن الصدوق عن أبيه وابن الوليد ثم ساق السند إلى ابى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام قال: كان آزر عم إبراهيم منجما لنمرود وكان لا يصدر إلا عن رأيه قال: لقد رأيت في ليلتى عجبا قال: ما هو ؟ قال: إن مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه فحجب الرجال عن النساء، وكان تارخ وقع على أم ابراهيم فحملت ثم ساق الحديث إلى آخره. وقد حمل وحدة السند في الحديثين، ووحدة المضمون إلا في إبى ابراهيم صاحب

_________________________________

(1) - أي فعل الاذن أي أذن لها. (*)

[ 208 ]

البحار أن قال: الظاهر أن ما رواه الراوندي هو هذا الخبر بعينه، وإنما غيره ليستقيم على أصول الامامية، انتهى. ثم حمل الرواية ما في مضمونها من الروايات الدالة على أن آزر الوثني كان والدا لابراهيم صلبيا على التقية. وقد روى مثل المضمون السابق القمى في تفسيره والعياشي في تفسيره وروى من طرق أهل السنة عن مجاهد، ورواه الطبري في تاريخه والثعلبي في قصص الانبياء عن عامة السلف وأهل العلم. وكيف كان فالذي ينبغى أن يقال: أن علماء الحديث والاثار كأنهم مجمعون على أن ابراهيم عليه السلام كان في بادى عمره قد أخفى في سرب خوفا من أن يقتله الملك نمرود، ثم خرج عنه بعد حين فحاج أباه وقومه في أمر الاصنام والكوكب والقمر والشمس وحاج الملك في دعواه الربوبية، وقد تقدم أن سياق آيات القصة يؤيد ه‍ ذا المعنى. وأما أبو ابراهيم فقد ذكر أهل التاريخ أن اسمه تارخ - بالحاء المهملة أو المعجمة - وآزر إما لقبه أو اسم صنم أو وصف ذم أو مدح بحسب لغتهم بمعنى المعتضد أو الاعرج وصفه به ابراهيم. وذكروا أن هذا المشرك الذى سماه القرآن أبا ابراهيم وذكر محاجته إياه كان هو تارخ أباه الصلبى ووالده الحقيقي ووافقهم على ذلك عدة من علماء الحديث والكلام من أهل السنة، وخالفهم جمع منهم، والشيعة كالمجمع على ذلك أو هم مجمعون إلا ما يتراءى من بعض المحدثين حيث أو دعوا تلك الاخبار كتبهم، وعمدة ما احتج به القائلون بأن آزر المشرك لم يكن والد ابراهيم، وإنما كان عمه أو جده لامه الاخبار الواردة من طرق الفريقين في أن آباء النبي صلى الله عليه وآله كانوا موحدين جميعا لم يكن فيهم مشرك، وقد طالت المشاجرة بين الفريقين. أقول: من البحث على هذا النمط كيفما تم خارج عن البحث التفسيرى وإن كان الباحثون من الفريقين في حاجة إلى إيراده واستنتاج حق ما ينتجه لكنا في غنى عن ذلك فقد تقدم أن الايات دالة على أن آزر المشرك الذى يذكره الله تعالى في هذه الايات من سورة الانعام لم يكن والدا حقيقيا لابراهيم عليه السلام.

[ 209 ]

فالروايات الدالة على كون آزر أباه الحقيقي على ما فيها من الاختلاف في سرد القصة روايات مخالفة للكتاب لا يعبأ بها، ولا حاجة مع ذلك إلى حملها على التقية ان صح الحمل مع هذا الاختلاف بين القوم. وفي تفسير القمى في قوله تعالى: وكذلك نرى إبراهيم الاية قال: حدثنى أبى عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام عن أبى عبد الله عليه السلام قال: كشط له عن الارض ومن عليها، وعن السماء ومن عليها، والملك الذى يحملها، والعرش ومن عليه، وفعل ذلك برسوله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام. أقول وروى مثله في بصائر الدرجات بطريقين عن عبد الله بن مسكان وأبى بصير عن الصادق عليه السلام وبطريق عن عبد الرحيم عن الباقر عليه السلام ورواه العياشي عن زرارة وأبى بصير عن الصادق عليه السلام وعن زرارة وعبد الرحيم القصير عن الباقر عليه السلام ورواه في الدر المنثورعن ابن عباس ومجاهد والسدى من مفسري السلف، وسيأتى في الكلام على العرش حديث على عليه السلام المروى في الكافي في معنى العرش وفيه قال: والذين يحملون العرش ومن حوله - هم العلماء الذين حملهم الله علمه قال: وهو الملكوت الذى أراه الله اصفياءه، وأراه خليله عليه السلام فقال: وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين الحديث. وفي الحديث تفسير سائر الاخبار الواردة في تفسير إراءة الملكوت وتأييد لما قدمناه في البيان السابق، وسيوافيك الشرح المستوفى لهذا الحديث في سورة الاعراف إن شاء الله تعالى. وفي تفسير العياشي عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لما رأى ملكوت السماوات والارض التفت فرأى رجلا يزنى فدعا عليه فمات ثم رأى آخر فدعا عليه فمات حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا فأوحى الله إليه أن يا إبراهيم: أن دعوتك مجابه فلا تدع على عبادي فأنى لو شئت لم أخلقهم إنى خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبد يعبدني ولا يشرك بى شيئا، وعبد يعبد غيرى فلن يفوتنى، وعبد يعبد غيرى فاخرج من صلبه من يعبدني.

[ 210 ]

أقول: والرواية مستفيضة ورواه في الكافي مسندا عن أبى بصير عنه عليه السلام ورواه الصدوق في العلل عنه عليه السلام والطبرسي في الاحتجاج عن العسكري عليه السلام ورواه في الدر المنثورعن ابن مردويه عن على عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن أبى الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وعن عدة من المفسرين موقوفا. وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: في إبراهيم إذ رأى كوكبا قال: إنما كان طالبا لربه ولم يبلغ كفرا، وإنه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته. وفي تفسير القمى قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: (هذا ربى) هل أشرك في قوله: هذا ربى ؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك. أقول و: ويقابل الذى هو طالب من تم له البيان وقامت له الحجة الواضحة فهو غير طالب، وليس لغير الطالب أن يفترض ما فيه شرك. وفي تفسير العياشي عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسال أبا عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم: (هذا ربى) وأنه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال: لم يكن من إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك. وفيه عن محمد بن حمران قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله - فيما أخبر عن إبراهيم: (هذا ربى) قال: لم يبلغ به شيئا، اراد غير الذى قال. أقول: المراد به ظاهرا أنه أراد به أن قوله: (هذا ربى) لا يتعدى مفهوم نفسه وليس له وراء ذلك معنى يحكى عنه أي إنه قاله على سبيل الافتراض أو تسليم المدعى لبيان فساده بفساد لوازمه كما تقدمت الاشارة إليه. في الدر المنثورفى قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الاية، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم والدار قطني في الافراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الاية: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه ؟

[ 211 ]

قال: إنه ليس الذى تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) ؟ إنما هو الشرك. أقول: المراد بالعبد الصالح لقمان على ما حكاه الله تعالى من قوله في سورة لقمان. وفي الحديث دلالة على أن سورة الانعام نزلت بعد سورة لقمان، وقد تقدم أن كون المراد هو الشرك إنما هو الانطباق بحسب المورد والشرك ذنب لا تتعلق به مغفره أصلا بخلاف غيره كائنا ما كان، والدليل على ما ذكرنا ما يأتي من الروات. وفيه أخرج أحد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا فانتهى الينا فسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله: من أين أقبلت ؟ فقال: من أهلى و ولدى وعشيرتي أريد رسول الله. قال: قد أصبته قال: علمني ما الايمان ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال: قد أقررت. ثم ان بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هذا من الذين عملوا قليلا وأجروا كثيرا، هذا من الذين قال الله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) إنى رأيت الحور العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة فعلمت أن الرجل مات جائعا. أقول: ورواه أيضا عن الحكيم الترمذي وابن ابى حاتم عن ابن عباس نحوه، ورواه العياشي في تفسيره عن جابر الجعفي عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. وفيه أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمى ان رجلا سال عنها النبي صلى الله عليه وآله فسكت حتى جاء رجل فأسلم فلم يلبث إلا قليلا حتى قاتل فاستشهد فقال النبي صلى الله عليه وآله هذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وفيه أخرج الفاريابى وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن على بن ابى طالب في قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: نزلت هذه الاية في إبراهيم وأصحابه خاصة ليس في هذه الامة. أقول: والرواية لا توافق بظاهرها الاصول الكلية المستخرجة من لكتاب والسنة

[ 212 ]

فإن الاية لا تشتمل بمضمونها على حكم خاص تختص به أمة دون امة كالاحكام الفرعية التشريعية التى ربما تختص بزمان دون زمان، وأما الايمان بما له من الاثر على مراتبه، وكذا الظلم على مراتبه بما لها من سوء الاثر في الايمان فإنما ذلك أمر مودع في الفطرة الانسانية لا يختلف باختلاف الازمنة والامم. وقال بعض المفسرين في توجيه الحديث: لعل مراده أن الله خص إبراهيم وقومه بأمن موحدهم من عذاب الاخرة مطلقا لا أمن الخلود فيه فقط، ولعل سبب هذا - أن صح - ان الله تعالى لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية الشديدة لهم في الاحوال الشخصية والادبية وغيرها. وقد عثر الباحثون على شرائع حمورابي الملك الصالح الذى كان في عهد إبراهيم وباركه وإخذ منه العشور - كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر أحكامها وأما فرض الله الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولده اسماعيل لا في قومه الكلدانيين وأما هذه الامة فإن من موحديها من يعذبون بالمعاصى على قدرها لانهم خوطبوا بشريعة كاملة يحاسبون على اقامتها، انتهى. وفي كلامه من التحكم ما لا يخفى فقد تقدم أن الملك حمورابي هذا كان يعيش على رأس سنة ألف وسبع مائة قبل المسيح، وإبراهيم كان يعيش على رأس الالفين قبل المسيح تقريبا كما ذكره. وحمورابى هذا وإن كان ملكا صالحا في دينه عادلا في رعيته ملتزما العمل بقوانين وضعها وعمل بإجرائها في مملكته أحسن إجراء وإنفاذ وهى أقدم القوانين المدنية الموضوعة على ما قيل إلا أنه كان وثنيا، وقد استمد بعدة من آلهة الوثنيين في ما كتبه بعد الفراغ عن كتابة شريعته على ما عثروا عليه في الاثار المكشوفة في خرائب بابل، والالهة التى ذكرها في بيانه الموضوع في ختام القانون، وشكرها في أن آتته الملك العظيم ووفقته لبسط العدل ووضع الشريعة واستعان بها واستمد منها في حفظ شريعته عن الزوال والتحريف هي (ميروداخ) إله الالهة، وأى إله القانون والعدل والاله (زماما) والاله (إشتار) إله الحرب و (شاماش) الاله القاضى في السماء والارض و (سين) إله السماوات، و (حاداد) إله الخصب و (نيرغال) إله النصر و (بل) إله القدر والالهة (بيلتيس) والالهة (نينو)

[ 213 ]

والاله (ساجيلا) والذى ذكره من أن الله لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية المدنية (الخ) يكذبه أن هذا يحكى عن لسان إبراهيم عليه السلام الصلاة كما في أدعيته في سورة إبراهيم ويذكر أن الله أوحى إليه فعل الخيرات وإيتاء الزكاة كما في سورة الانبياء، وأنه شرع الحج وأباح لحوم الانعام كما في سورة الحج، وكان من شريعته الاعتزال عن المشركين كما في سورة الممتحنة، وكان ينهى عن كل ظلم لا ترتضيه الفطرة كما في سورة الانعام وغيرها، ومن شرعه التطهر كما تشير إليه سورة الحج ووردت الاخبار أنه عليه السلام شرع الحنيفية وهى عشر خصال: خمس في الرأس وخمس في البدن ومنها الختنة، وكان يحيى بالسلام كما في سورة هود ومريم. وقد قال الله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم) (الحج: 78) وقال: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا) (البقرة: 135) فوصف هذا الدين على ما له من الاصول والفروع بأنه ملة إبراهيم عليه السلام، وهذا وإن لم يدل على أن هذا الدين على ما فيه من تفاصيل الاحكام كان مشرعا في زمن إبراهيم عليه السلام بل الامر بالعكس كما يدل عليه قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 13) إلا أنه يدل على أن شرائعه راجعة إلى أصل أو أصول كلية تهدى إليها الفطرة مما ترتضيه وتأمر به أو لا ترتضيه وتنهى عنه قال تعالى في آخر هذه السورة بعد ما ذكر حججا على الشرك وجملا من الاوامر والنواهي الكلية مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله: (قل إننى هداني ربى إلى صراط مستقيم، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (الانعام: 161). ولو كان الامر على ما ذكره أن الله لم يشرع لابراهيم عليه السلام شريعة بل اكتفى بما بين يديه من القانون المدنى الدائر وهو شريعة حمورابي لكانت الشريعة المذكورة ممضاة مصوبة من عند الله، وكانت من أجزاء دين ابراهيم عليه السلام بل الدين الاسلامي الذى شرع في القرآن لانه هو ملة ابراهيم حنيفا فكانت إحدى الشرائع الالهية ونوعا من الكتب السماوية. والحق الذى لا مرية فيه أن الوحى الالهى كان يعلم الانبياء السالفين وأممهم

[ 214 ]

أصولا كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسننا كلية في الخيرات والشرور يهتدى إلى تشخيصها الانسان السليم العقل من المعاشرة الصالحة والتجنب عن الظلم والاسراف وإعانة المستكبرين ونحوها، ثم يؤمرون بالدخول في المجتمعات بهذا التجهيز الذى جهزوا به، والدعوة إلى أخذ الخير والصلاح ورفض الشر والفحشاء والفساد سواء كانت المجتمعات التى دخلوا فيها يدبرها استبداد الظلمة والطغاة أو رأفة العدول من السلاطين وسياستهم المنظمة. ولم يشرع تفاصيل الاحكام قبل ظهور الدين الاسلامي إلا في التوراة وفيها أحكام يشابه بعضها بعض ما في شريعة حمورابي غير أن التوراة نزلها الله على موسى عليه السلام وكانت محفوظة في بنى إسرائيل فقدوها في فتنه بخت نصر التى أفنت جمعهم وخربت هيكلهم ولم يبق منهم إلا شرذمة ساقتهم الاسارة إلى بابل فاستعبدوا وأسكنوا فيه إلى أن فتح الملك كورش بابل وأعتقهم من الاسر وأجاز لهم الرجوع إلى بيت المقدس، وأن يكتب لهم عزراء الكاهن التوراة بعد ما أعدمت نسخها ونسيت متون معارفها، وقد اعتادوا بقوانين بابل الجارية بين الكلدانيين. ومع هذا الحال كيف يحكم بأن الله أمضى في الشريعة الكليمية كثيرا من شرائع حمورابي، والقرآن إنما يصدق من هذه التوراة بعض ما فيها، وبعد ذلك كله لا مانع من كون بعض القوانين غير السماوية مشتملا على بعض المواد الصالحة والاحكام الحقة. وفي الكافي بإسناده عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: هو الشرك. وفيه بطريق آخر عن أبى بصير عنه عليه السلام. في الاية قال: بشك. أقول ورواه العياشي أيضا في تفسيره عن أبى بصير عنه عليه االسلام. وفي تفسير العياشي عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألت عن قول الله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: نعوذ بالله يا با بصير أن نكون ممن لبس إيمانه بظلم، ثم قال: اولئك الخوارج وأصحابهم. وفيه عن يعقوب بن شعيب عن أبى عبد الله عليه السلام في قوله: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: الضلال وما فوقه.

[ 215 ]

أقول كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذى هو أصل كل بما ظلم فوقه وما يزيد عليه من المعاصي والمظالم، أو المراد بالضلال أدنى ما يتحقق به الظلم من المعاصي، وبما فوقه الشرك الذى هو المرتبة الشديدة من الضلال فإن كل معصية ضلال. والروايات - كما ترى - تتفنن في تفسير الظلم في الاية فتارة تفسرها بالشرك وتارة بالشك وتارة بما عليه الخوارج، وفي بعضها: أن منه ولاية أعدائهم، وكل ذلك من شواهد ما قدمنا أن الظلم في الاية مطلق وهو في إطلاقه ذو مراتب بحسب درجات الافهام.

(كلام في قصه ابراهيم عليه الاسلام وشخصيته)

 وفيه أبحاث مختلفه قرآنية واخرى علمية وتاريخية وغير ذلك.

1 - قصة ابراهيم عليه السلام في القرآن: كان إبراهيم عليه السلام في طفوليته إلى أوائل تمييزه يعيش في معزل من مجتمع قومه ثم خرج إليهم ولحق بأبيه فوجده وقومه يعبدون الاصنام فلم يرتض منه ومنهم ذلك وقد كانت فطرته طاهرة زاكية مؤيدة من الله سبحانه بالشهود الحق وإراءة ملكوت كل شئ وبالجملة وبالقول الحق والعمل الصالح. فأخذ يحاج أباه في عبادته الاصنام ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه واتباعه حتى يهديه إلى مستقيم الصراط ويبعده من ولاية الشيطان، ولم يزل يحاجه ويلح عليه حتى زبره وطرده عن نفسه وأوعده أن يرجمه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء والرغبة عنها. فتلطف إبراهيم عليه السلام إرفاقا به وحنانا عليه وقد كان ذا خلق كريم وقول مرضى فسلم عليه ووعده أن يستغفر له ويعتزله وقومه وما يعبدون من دون الله (مريم: 41، 48) وقد كان من جانب آخر يحاج القوم في امر الاصنام (الانبياء: 51 - 56، الشعراء: 69 - 77، الصافات: 83 - 87) ويحاج أقواما آخرين منهم يعبدون الشمس والقمر والكوكب في أمرها حتى ألزمهم الحق وشاع خبره في الانحراف عن الاصنام والالهة (الانعام: 74 82) حتى خرج القوم ذات يوم إلى عبادة جامعة خارج البلد واعتل هوبالسقم فلم يخرج معهم وتخلف عنهم فدخل بيت الاصنام فراغ على آلهتهم ضربا باليمين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون فلما تراجعوا وعلموا بما حدث بالهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.

[ 216 ]

فأحضروه إلى مجمعهم فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون فاستنطقوه فقالوا أأنت فعلت هذا بالهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فأسالوهم إن كانوا ينطقون، وقد كان أبقى كبير الاصنام ولم يجذه ووضع الفاس على عاتقه أو ما يقرب من ذلك ليشهد الحال على أنه هو الذى كسر سائر الاصنام. وإنما قال عليه السلام ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك وهم يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك لكنه قال ما قال ليعقبه بقوله: فاسألوهم إن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم جمادات لا حياة لهم ولا شعور، ولذلك لما سمعوا قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم إنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال: أفتعبدون من دون الله ما لا يضركم ولا ينفعكم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون. قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم فبنوا له بنيانا وأسعروا فيه جحيما من النار وقد تشارك في أمره الناس جميعا وألقوه في الجحيم فجعله الله بردا عليه وسلاما وأبطل كيدهم (الانبياء: 57 - 70، الصافات: 88 - 98) وقد أدخل في خلال هذه الاحوال على الملك، وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا فحاج إبراهيم في ربه فقال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت فغالطه الملك وقال: أنا أحيى وأميت كقتل الاسير واطلاقه فحاجه إبراهيم بأصرح ما يقطع مغالطته فقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر (البقرة: 258). ثم لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد فآمن له شرذمة قليلة وقد سمى الله تعالى منهم لوطا ومنهم زوجته التى هاجر بها وقد كان تزوج بها قبل الخروج من الارض إلى الارض المقدسة (1). ثم تبرا هو عليه السلام من معه من المؤمنين من قومهم وتبرأ هو من آزر الذى كان

_________________________________

(1) الدليل على ايمان جمع من قومه به قوله تعالى: (قد كان لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالو لقومهم انا براء منكم) (الممتحنة: 4) ولدليل على قبل الخروج إلى الارض المقدسة سواله الوله الصالح من ربه في قوله: (وقال انى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين: 100). (*)

[ 217 ]

يدعوه أبا ولم يكن بوالده الحقيقي (1) وهاجر ومعه زوجته ولوط إلى الارض المقدسة ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة الظالمين (الممتحنة: 4 الانبياء: 71) وبشره الله سبحانه هناك بإسماعيل وباسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقد شاخ وبلغه كبر السن فولد له اسماعيل ثم ولد له إسحاق وبارك الله سبحانه فيه وفي ولديه وأولادهما. ثم إنه عليه السلام بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة وهى واد غير ذى زرع فأسكن فيه ولده اسماعيل وهو صبى ورجع إلى الارض المقدسة فنشأ إسماعيل هناك واجتمع عليه قوم من العرب القاطنين هناك وبنيت بذلك بلدة مكة. وكان عليه السلام ربما يزور إسماعيل في إرض مكة قبل بناء مكة والبيت وبعد ذلك (البقرة: 126، إبراهيم: 35 - 41) ثم بنى بها الكعبة البيت الحرام بمشاركة من إسماعيل وهى أول بيت وضع للناس من جانب الله مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا (البقرة: 127 - 129، آل عمران: 96 - 97) وأذن في الناس بالحج وشرع نسك الحج (الحج 26: 30). ثم أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فخرج معه للنسك فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين نودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وفداه الله سبحانه بذبح عظيم (الصافات: 101 - 107). وآخر ما قص القرآن الكريم من قصصه عليه السلام أدعيته في بعض أيام حضوره بمكة المنقولة في سورة أبراهيم (آية 35 - 41) وآخر ما ذكر فيها قوله عليه السلام: (ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب). منزلة إبراهيم عند الله سبحانه وموقفه العبودي: أثنى الله تعالى على إبراهيم عليه السلام في كلامه أجمل ثناء وحمد محنته في جنبه أبلغ الحمد، وكرر ذكره باسمه في نيف وستين موضعا من كتابه وذكر من مواهبه ونعمه عليه شيئا كثيرا. وهاك جملا من ذلك: أتاه الله رشده من قبل (الانبياء: 51) واصطفاه في الدنيا وإنه في الاخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (البقرة: 130 - 131) وهو الذى وجه وجهه إلى ربه

_________________________________

(1) وقد تقدم استفادة ذالك من دعائه المنقول في سورة ابراهيم (*).

[ 218 ]

حنيفا وما كان من المشركين (الانعام: 79) وهو الذى اطمأن قلبه بالله وأيقن به بما أراه الله من ملكوت السماوات والارض (البقرة: 260، الانعام: 75). واتخذه الله خليلا (النساء: 125) وجعل رحمته وبركاته عليه وعلى أهل بيته ووصفه بالتوفية (النجم: 37) ومدحه بأنه حليم أواه منيب (هود: 73 - 75) ومدحه أنه كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتاه في الدنيا حسنة وإنه في الاخرة لمن الصالحين النحل: 120 - 122). وكان صديقا نبيا (مريم: 41) وعده الله من عباده المؤمنين ومن المحسنين وسلم عليه (الصافات: 83 - 111) وهو من الذين وصفهم بأنهم أولوا الايدى والابصار وأنه أخلصهم بخالصة ذكرى الدار (ص: 45 - 46). وقد جعله الله للناس إماما (البقرة: 124) وجعله أحد الخمسة أولى العزم الذين آتاهم الكتاب والشريعة (الاحزاب: 7، الشورى: 13، الاعلى: 18 - 19) وآتاه الله العلم والحكمة والكتاب والملك والهداية وجعلها كلمة باقية في عقبه (النساء: 54، الانعام: 74 - 90) الزخرف: 28) وجعل في ذريته النبوة والكتاب (الحديد: 26) وجعل له لسان صدق في الاخرين (الشعراء: 84، مريم: 50) فهذه جمل ما منحه الله سبحانه من المناصب الالهية ومقامات العبودية ولم يفصل القرآن الكريم في نعوت أحد من الانبياء والرسل المكرمين وكراماتهم ما فصل من نعوته وكراماته عليه السلام. وليراجع في تفسير كل من مقاماته المذكورة إلى ما شرحناه في الموضع المختص به فيما تقدم أو سنشرحه إن شاء الله تعالى فالاشتغال به ههنا يخرجنا عن الغرض المعقود له هذه الابحاث. وقد حفظ الله سبحانه حياته الكريمة وشخصيته الدينية بما سمى هذا الدين القويم بالاسلام كما سماه عليه السلام ونسبه إليه قال تعالى: ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) (الحج: 78) وقال: (قل اننى هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (الانعام: 161). وجعل الكعبة البيت الحرام الذى بناها قبلة للعالمين وشرع مناسك الحج وهى في حقيقة أعمال ممثلة لقصه إسكانه ابنه وام ولده وتضحية ابنه إسماعيل وما سعى به إلى ربه والتوجه له وتحمل الاذى والمحنة في ذاته كما تقدمت الاشارة إليه في تفسير قوله تعالى: (وإذ

[ 219 ]

جعلنا البيت مثابة للناس) الاية (البقرة: 125) في الجزء الاول من الكتاب. 3 - أثره المبارك في المجتمع البشرى: ومن مننه عليه السلام السابغه أن دين التوحيد ينتهى إليه أينما كان وعند من كان فإن الدين المنعوت بالتوحيد اليوم هو دين اليهود، وينتهى إلى الكليم موسى بن عمران عليه السلام وينتهى نسبه إلى اسرائيل يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليه السلام، ودين النصرانية وينتهى إلى المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام وهو من ذرية ابراهيم عليه السلام، ودين الاسلام والصادع به هو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وينتهى نسبه إلى إسماعيل الذبيح بن ابراهيم الخليل عليهما السلام، فدين التوحيد في الدنيا أثره الطيب المبارك، ويشاهد في الاسلام من شرائعه الصلاة والزكاة والحج وإباحة لحوم الانعام والتبرئ من أعداء الله، والسلام، والطهارات العشر الحنيفية البيضاء خمس (1) منها في الرأس وخمس منها في البدن: أما التى في الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال وأما التى في البدن فحلق الشعر من البدن والختان وتقليم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء. والبحث المستوفى يؤيد أن السنن الصالحة من الاعتقاد والعمل في المجتمع البشرى كائنة ما كانت من آثار النبوة الحسنة كما تكررت الاشارة إليه في المباحث المتقدمة، فلابراهيم عليه السلام الايادي الجميلة على جميع البشر اليوم علموا بذلك أو جهلوا. 4 - ما تقصه التوراة الموجودة في إبراهيم: قالت التوراة: (وعاش تارح (أبو إبراهيم) سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران، وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور وهاران، وولد هاران لوطا، ومات هاران قبل أبيه في أرض ميلاده في (أور) الكلدانيين واتخذ أبرام وناحور لانفسهما امرأتين اسم امرأة أبرام (ساراى) واسم امرأة ناحور ملكه بنت هاران أبى ملكة وأبى بسكة، وكانت ساراى عاقر ا ليس لها ولد وأخذ تارح أبرام ابنه ولوطا بن هاران ابن ابنه، وساراى كنته امرأة أبرام ابنه فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك، وكانت أيام تارح مائتين وخمس سنين، ومات تارح في حاران. قالت التوراة: وقال الرب لابرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت

_________________________________

(1) رواهافى مجمع البيان نقلا عن تفسير القمى. (*)

[ 220 ]

أبيك إلى الارض التى أريك فأجعلك أمة عظيمة واباركك واعظم اسمك وتكون بركة وابارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، ويتبارك فيك جميع قبائل الارض، فذهب أبرام كما قال له الرب، وذهب معه لوط، وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ أبرام ساراى امرأته ولوطا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التى اقتنيا والنفوس التى امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان. واجتاز أبرام في أرض إلى مكان (شكيم) إلى (بلوطه مورة) وكان الكنعانيون حينئذ في الارض، وظهر الرب لابرام وقال: لنسلك اعطى هذه الارض فبنى هناك مذبحا للرب الذى ظهر له، ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي (بيت إيل) ونصبت خيمته وله (بيت إيل) من المغرب و (عاى) من المشرق فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب، ثم ارتحل أبرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب. وحدث جوع في الارض فانحدر أبرام إلى مصر ليغرب هناك - لان الجوع في الارض كان شديدا، وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراى امرأته: إنى قد علمت أنك أمراة حسنة المنظر فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلوننى ويستبقونك، قولى: إنك اختى ليكون لى خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك، فحدث لما دخل أبرام إلى مصرأن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فاخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيرا بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء واتن وجمال. فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراى امرأة أبرام فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذى صنعت لى ؟ لما ذا لم تخبرني أنها امرأتك ؟ لما ذا قلت: هي اختى أخذتها لتكون زوجتى ؟ والان هو ذا امرأتك خذها واذهب، فأوصى عليه رجالا فشيعوه وامرأته وكل ما كان له. ثم ذكرت التورات: أن أبرام خرج من مصر ومعه سارى ولوط ومعهم الاغنام والخدم والاموال العظيمه ووردوا (بيت أيل) و (عاى) ثم بعد حين تفرق هوو لوط لان الارض ما كانت تسعهما فسكن أبرام كنعان، وكان الكنعانيون والفرزيون ساكنون هناك، ونزل لوط أرض سدوم.

[ 221 ]

ثم ذكرت: أنه في تلك الايام نشبت حرب في أرض سدوم بين (أمرافل) ملك شنعار ومعه انهزاما فاحشا وهربوا من الارض بعد ما قتل من قتل منهم ونهبت أموالهم وسبيت نسائهم وزررايهم، وكان فيمن أسر لوط وجميع أهله ونهبت أمواله قالت التوراة: فأتى من نجى وأخبر أبرام العبراني وكان ساكنا عند (بلوطات ممري) الامورى أخاه سى جر غلمانه المترنين والدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم إلى (دان) وانقسم عليهم هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى (حوبة) التى عن شمال دمشق واسترجع كل الاموال واسترجع لوطا أخاه أيضا وأملا كه والنساء أيضا والشعب. فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه من كسرة (كدر لعومر) والملوك الذين معه الى عمق (شوى) الذي هو عمق الملك، وملكي (1) (شاليم) أخرج خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلى وباركه وقال: مبارك أبرام من الله العلى مالك السماوات والارض ومبارك الله العلى الذى أسلم أعداءك في يدك فأعطاه عشرا من كل شئ. وقال ملك سدوم لابرام: أعطني النفوس، وأما ألاملاك فخذها لنفسك فقال أبرام لملك سدوم: رفعت يدى إلى الرب الاله العلى ملك السماء والارض لا آخذن لا خيطا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول: أناأغنيت أبرام ليس لى غير الذى أكله الغلمان وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معى (عابر) و (أسلول) و (ممرا) فهم يأخذون نصيبهم. إلى أن قالت: وأما ساراى فلم تلد له وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر فقالت ساراى لابرام: هو ذا الرب قد امسكني عن الولادة ادخل على جاريتي لعلى ارزق منها بنين فسمع أبرام لقول ساراى فأخذت ساراى امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لاقامة أبرام في أرض كنعان وأعطتها لابرام رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت. ثم ذكرت: أن هاجر لما حبلت حقرت ساراى واستكبرت عليها فشكت ساراى

_________________________________

(1) اسم لاحد الملوك المعاصر له عليه السلام. (*)

[ 222 ]

ذلك إلى أبرام ففوض أبرام أمرها إليها فهربت هاجر منها فلقيها ملك فأمرها بالرجوع إلى سيدتها وأخبرها أنها ستلد ولدا ذكرا وتدعو اسمه إسماعيل لان الرب قد سمع لمذلتها، وأنه يكون إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضادونه، وولدت هاجر لابرام ولدا وسماه أبرام إسماعيل وكان أبرام ابن ست وسبعين سنة لمات ولدت هاجر اسماعيل لابرام. قالت التوراة: ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لابرام وقال له: أنا الله القدير سرأمامى وكن كاملا فأجعل عهدي بينى وبينك وأكثرك كثيرا جدا فسقط أبرام على وجهه وتكلم الله معه قائلا أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الامم، فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك ابراهيم لانى أجعلك أبا لجمهور من الامم وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك امما وملوك منك يخرجون، واقيم عهدي بينى وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا لاكون إلها لك ولنسلك من بعدك وأعطى لك ولنسلك من بعد أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا واكون إلههم. ثم ذكرت: أن الرب جعل في ذلك عهدا بينه وبين إبراهيم ونسله أن يختتن هو وكل من معه ويختنوا أولادهم اليوم الثامن من الولادة فختن إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وختن ابنه إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وسائر الذكور من بنيه وعبيده قالت التوراة: وقال الله لابراهيم: ساراى إمرأتك لا تدعو اسمها ساراى بل اسمها سارة وأباركها وأعطيت أيضا منها ابنا، وأباركها فتكون أمما وملوك شعوب منها يكونون، فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في قلبه: وهل يولد لابن مائة سنة ؟ هل تلد سارة وهى بنت تسعين سنة ؟. وقال إبراهيم لله: ليت اسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة إمرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا، أثنا عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي اقيمه مع إسحاق الذى تلده سارة في هذا الوقت في السنة الاتية، فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم. ثم ذكرت قصة نزول الرب مع الملكين لاهلاك أهل سدوم قوم لوط وأنهم وردوا على إبراهيم فضافهم وأكلوا من الطعام الذى عمله لهم من عجل قتله والزبد واللبن اللذين

[ 223 ]

قدمهما إليهم ثم بشروه وبشروا سارة بإسحاق وذكروا أمر قوم لوط فجادلهم إبراهيم في هلاكهم فأقنعوه وكان بعده هلاك قوم لوط. ثم ذكرت أن إبراهيم انتقل إلى أرض (حرار) وتغرب فيها وأظهر لملكه (أبى مالك) أن سارة اخته فأخذها الملك منه فعاتبها الرب في المنام فأحضر إبراهيم وعاتبه على قوله أنها اختى فاعتذر أنه إنما قال ذلك خوفا من القتل واعترف أنه في الحقيقة اخته من أبيه دون امه تزوج بها فرد إليه سارة وأعطاهما مالا جزيلا (نظير ما قص في فرعون). قالت التورات: وافتقد الرب سارة كما قال وفعل الرب لسارة كما تكلم فحبلت سارة وولدت لابراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت الذى تكلم الله عنه ودعا إبراهيم اسم ابنه الذى ولدته له سارة إسحاق، وختن إبراهيم إسحاق ابنه وهو ابن ثمانية أيام كما أمره الله، وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، وقالت سارة: فقد صنع إلى الله ضحكا كل من يسمع يضحك لى، وقالت من قال لابراهيم: سارة ترضع بنين حتى ولدت ابنا في شيخوخته فكبر الولد وفطم وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق. ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذى ولدته لابراهيم يمزح فقالت لابراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها لان ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق فقبح الكلام جدا في عينى ابراهيم لسبب ابنه فقال الله لابراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها لانه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لانه نسلك. فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء و أعطاهما لهاجر واضعا أياهما على كتفها والولد - وصرفها فمضت وتاهت في برية بئر سبع ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الاشجار ومضت وجلست مقابله بعيدا نحو رمية قوس لانها قالت: لا أنظر موت الولد فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال لها: ما لك يا هاجر ؟ لا تخافى لان الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو قومي واحملي الغلام وشدي يدك به لانى سأجعله امة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء فذهبت وملات القربة ماء وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في

[ 224 ]

البرية، وكان ينمو رامى قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له امه زوجة من أرض مصر (1). قالت التوراة: وحدث بعد هذه الامور أن الله امتحن إبراهيم فقال له: يا إبراهيم فقال: ها أنا ذا فقال: خذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك، فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه معه وإسحاق معه وشقق حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذى قال له الله، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد فقال إبراهيم لغلاميه: إجلسا أنتما هينها مع الحمار، أما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه وأخذ بيده النار والسكين فذهبا كلاهما معا، وكلم إسحاق أباه إبراهيم وقال له: يا أبى فقال: ها أنا ذا يا ابني فقال: هو ذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة ؟ فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني فذهبا كلاهما معا. فلما أتيا إلى الموضع الذى قال له الله بنى هنالك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين لذبح ابنه فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم ! فقال: ها أنا ذا، فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا لانى الان علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عنى فرفع ابراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه فذهب ابراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه فدعا ابراهيم اسم ذلك الموضع (يهوه برأه) حتى أنه يقال اليوم في جبل الرب (برى)، ونادى ملاك الرب ابراهيم ثانية من السماء وقال: بذاتى أقسمت يقول الرب: إنى من أجل أنك فعلت هذا الامر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيرا - كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر ويرث نسلك باب أعدائه ويتبارك في نسلك جميع أمم الارض من أجل أنك سمعت لقولي ثم رجع ابراهيم إلى غلاميه فقاموا وذهبوا معا إلى بئر سبع وسكن ابراهيم في بئر سبع.

[ 225 ]

ثم ذكرت تزويجه إسحاق من عشيرته بكلدان، ثم موت سارة وهى بنت مائة وسبع وعشرين في حبرون، ثم ازدواج ابراهيم بعدها بقطورة وإيلادها عدة من البنين، ثم موت ابراهيم وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن ابنيه اسحاق وإسماعيل إياه في غار (مكفيلة) وهو مشهد الخليل اليوم. فهذه خلاصة قصص ابراهيم عليه السلام وتاريخ حياته المورد في التوراة (سفر التكوين الاصحاح الحادى عشر - الاصحاح الخامس والعشرون) وعلى الباحث الناقد أن يطبق ما ورد منه فيها على ما قصه القرآن الكريم ثم يرى رأيه. 5 - الذى تشتمل عليه من القصة المسرودة على ما فيها من التدافع بين جملها والتناقض بين أطرافها مما يصدق القرآن الكريم فيما ادعاه أن هذا الكتاب المقدس لعبت به أيدى التحريف. فمن عمدة ما فيها من المغمض أنها أهملت ذكر مجاهداته في أول أمره وحجاجاته قومه وما قاساه منهم من المحن والاذايا، وهى طلائع بارقة لماعة من تاريخه عليه السلام. ومن ذلك إهمالها ذكر بنائه الكعبة المشرفة وجعله حرما آمنا وتشريعه الحج، ولا يرتاب أي باحث دينى ولا ناقد اجتماعي أن هذا البيت العتيق الذى لا يزال قائما على قواعده منذ أربعه آلاف سنة من أعظم الايات الالهية التى تذكر أهل الدنيا بالله سبحانه وآياته، وتستحفظ كلمة الحق دهرا طويلا، وهو أول بيت لله تعالى وضع للناس مباركا وهدى للعالمين. وليس إهمال ذكره إلا لنزعة إسرائيلية من كتاب التوراة ومؤلفيها دعتهم إلى الصفح عن ذكر الكعبة ؟ وإحصاء ما بناه من المذابح ومذبح بناه بأرض شكيم، وآخر بشرقي بيت إيل و، آخر بجبل الرب. ثم الذى وصفوا به النبي الكريم اسماعيل: أنه كان غلاما وحشيا يضاد الناس ويضادونه، ولم يكن له من الكرامة إلا أنه كان مطرودا من حضره أبيه نما رامى قوس ! يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره. ومن ذلك: ما نسبته إليه مما لا يلائم مقام النبوة ولا روح التقوى والفتوة

[ 226 ]

كقولها: إن ملكى صادق ملك (شاليم) اخرج إليه خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلى وباركه (1). ومن ذلك قولها: أن ابراهيم أخبر تارة رؤساء فرعون مصر أن سارة اخته ووصى سارة أن تصدقه في ذلك إذ قال لها: قولى: إنك اختى ليكون لى خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك، وأظهر تارة اخرى لابي مالك ملك حرار أنها اخته، فأخذها للزوجية فرعون تارة، وأبى مالك اخرى، ثم ذكرت التوراة تأول إبراهيم في قوله: (إنها اختى) مرة بأنها اختى في الدين، واخرى أنها ابنة أبى من غير امى فصارت لى زوجة. وأيسر ما في هذا الكلام أن يكون إبراهيم (وحاشا مقام الخليل) يعرض زوجته سارة لامثال فرعون وأبى مالك مستغلا بها حتى يأخذاها زوجة وهى ذات بعل وينال هو بذلك جزيل العطاء ويستدرهما بما عندهما من الخير !. على أن كلام التوراة صريح في أن سارة كانت عندئذ وخاصة حينما أخذها أبى مالك عجوزا قد عمرت سبعين أو اكثر، والعادة تقضى أن المرأة تفتقد في سن العجائز نضارة شبابها ووضاءة جمالها، والملوك والجبابرة المترفون لا يميلون إلى غير الفتيات البديعة جمالا الطرية حسنا. وربماوجد ما يشاكل هذا المعنى في بعض الروايات ففى صحيحي البخاري ومسلم عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لم يكذب ابراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات

_________________________________

(1) - ربما وجهوا ان ملكى صادق هذا كاهن الرب هو (امراقل) ملك شنعار النذكور في اول القصة وهو (حمورابي) الملك صاحب الشريعة الذى هو احد السلالة الاولى من ملوك بابل، وقد اختلف في تاريخ ملكه اختلافا شديدا لا ينطبق اكثر ما قيل فيه زمان حياة ابراهيم وهو (200) ق م فقد ذكر في كتاب العرب قبل الاسلام انه تملك بابل سنة 2287 - 2232 ق م وفى شريعة حمورابي نقلا عن اقدم شرائع العالم للاستاذ ف. ادوارد ان سنى ملكه 2205 - 2167 ق. م، وفى قاموس اعلام الشرق والغرب انه تولى سلطنة بابل سن 17278 - 1686 ق. م وفى قاموس الكتاب المقدس اته تولاها سنة 1975 - 1920 ق م. واوضح ما ينافى هذا الحدث ان الذى اكتشفو من النصب في خرائب بابل وعليها شريعة حمورابي تشتمل على ذكر عدة من آلهة البابليين، ويدل على كون حمورابي من الوثنيين، ولا يستقيم عليه ان يكون كاهنا للرب. (*)

[ 227 ]

اثنتين في ذات الله: قوله (إنى سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبنى عليك فإن سألك فاخبريه أنك أختى فإنك اختى في الاسلام فإنى لا أعلم في الارض مسلما غيرك وغيري، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها ان تكون إلا لك فأرسل إليها فاتى بها فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك ان بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعى الله ان يطلق يدى ولا أضرك ففعلت فعاد فقبضت اشد من القبضتين (1) الاوليين فقال: ادعى الله ان يطلق يدى فلك الله ان لا أضرك ففعلت فاطلقت يده ودعا الذى جاء بها فقال له إنك إنما اتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فأخرجها من ارضى واعطها هاجر. قال فأقبلت تمشى فلما رآها ابراهيم عليه السلام انصرف وقال لها: مهيم فقالت: خيرا كف الله يد الفاجر واخدم خادما. قال أبو هريرة: فتلك امكم يا بنى ماء السماء. وفي صحيح البخاري بطرق كثيرة عن انس وابى هريرة، وفي صحيح مسلم عن ابى هريرة و حذيفة، وفي مسند احمد عن انس وابن عباس واخرجه الحاكم عن ابن مسعود و الطبراني عن عبادة بن الصامت وابن ابى شيبة عن سلمان، والترمذي عن ابى هريرة، وابو عوانة عن حذيفة عن ابى بكر حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة، وهو حديث طويل فيه ان اهل الموقف يأتون الانبياء واحدا بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله، وكلما اتوا نبيا وسألوه الشفاعة، ردهم إلى من بعده واعتذر بشئ من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: انهم يأتون إبراهيم عليه السلام يطلبون منه ان يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست هناكم إنى كذبت ثلاث كذبات: قوله (انى سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لامرأته (اخبريه انى اخوك). والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو كان المراد بهما ان الاقاويل الثلاث التى وصفت فيهما انها كذبات ليست كذبات حقيقية بل من قبيل التوريات والمعاريض البديعي‍ كما ربما يلوح من بعض الفاظ الحديث كالذى ورد في

_________________________________

(1) - كذا في الاصل المنقول عنه وكأن فيع سقطا. (*)

[ 228 ]

بعض طرقه من قول النبي صلى الله عليه وآله: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله) وكذا قوله صلى الله عليه وآله: (مامنها كذبة إلا ماحل (1) بها عن دين الله) فما بال ابراهيم في حديث القيامة يعدها ذنوبا لنفسه ومانعة عن القيام بأمر الشفاعة ويعتذر بها عنها ؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنه في ذات الله وحسناته في الدين لو جاز لنبى من الانبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على الانبياء عليهم السلام قطعا لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم من أصلها. على أن هذا النوع من الاخبار لو جاز عده كذبا ومنعه عن الشفاعة عند الله سبحانه كان قوله عليه السلام لما رأى كوكبا والقمر والشمس: هذا ربى وهذا ربى أولى بأن يعد كذبا مانعا عن الشفاعة المنبئة عن القرب من الله تعالى. على أن قوله عليه السلام على ما حكاه الله تعالى بقوله: (فنظر نظرة في النجوم فقال إنى سقيم) لا يظهر بشئ من قرائن الكلام كونه كذبا غير مطابق للواقع فلعله عليه السلام كان سقيما بنوع من السقم لا يحجزه عما هم به من كسر الاصنام. وكذا قوله عليه السلام للقوم إذ سألوه عن أمر الاصنام المكسورة بقولهم: (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) فأجابهم وهم يعلمون أن أصنامهم من الجماد الذى لا شعور فيه ولا إرادة له: (بل فعله كبيرهم هذا) ثم أردفه بقوله: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) لا سبيل إلى عده كذبا فإنه كلام موضوع مكان التبكيت مسوق لالزام الخصم على الاعتراف ببطلان مذهبه، ولذا لم يجد القوم بدا دون أن اعترفوا بذلك فقالوا: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم اف لكم ولما تعبدون من دون الله) (الانبياء: 67). ولو كان المراد أن الاقاويل الثلاث كذبات حقيقية كان ذلك من المخالفة الصريحة لكتاب الله تعالى، ونحيل ذلك إلى فهم الباحث الناقد فليراجع ما تقدم في الفصل 2 من الكلام في منزلة إبراهيم عليه السلام عند الله تعالى وموقفه العبودي مما أثنى الله عليه بأجمل الثناء وحمد مقامه أبلغ الحمد.

_________________________________

(1) أي جادل.

[ 229 ]

وليت شعرى كيف ترضى نفس باحث ناقد أو تجوز أن ينطبق مثل قوله تعالى: (واذكر الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا) (مريم 41) على رجل كذاب يستريح إلى كذب القول كلما ضاقت عليه المذاهب ؟ أو كيف يمدح الله بتلك المدائح الكريمة رجلا لا يراقب الله سبحانه في حق أو صدق (حاشا ساحة خليل الله عن ذلك). وأما الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فإنها تصدق التوراة في أصل القصة غير أنها تجل إبراهيم عليه السلام عما نسب إليه من الكذب وسائر ما لا يلائم قدس ساحته، ومن أجمع ما يتضمن قصة الخليل عليه السلام ما في الكافي عن على عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل جميعا عن ابن محبوب عن إبراهيم بن زيد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن إبراهيم عليه السلام كان مولده بكوثار (1) وكان أبوه من أهلها، وكانت ام ابراهيم وام لوط عليهما السلام وسارة وورقة - وفي نسخة رقبة - اختين وهما ابنتان للاحج، وكان لاحج نبيا منذرا ولم يكن رسولا. وكان إبراهيم عليه السلام في شبيبته على الفطرة التى فطر الله عزوجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه، وأنه تزوج سارة ابنة لاحج وهى ابنة خالته وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة، وكانت قد ملكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه فقام فيه وأصلحه وكثرت الماشية والزرع - حتى لم يكن بأرض كوثاريا رجل أحسن حالا منه. وإن إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام نمروذ وأمر به نمروذ فأوثق وعمل له حيرا (2) وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ثم قذف إبراهيم عليه السلام في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم عليه السلام سليما مطلقا من وثاقه فأخبر نمروذ خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم عليه السلام من بلاده، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم عليه السلام عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالى فإن حقى عليكم أن تردوا على ما ذهب من عمرى في بلادكم، واختصموا إلى قاضى نمروذ فقضى على إبراهيم عليه السلام أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمروذ أن يردوا على إبراهيم عليه السلام ما ذهب من عمره في بلادهم، وأخبر بذلك نمرود

_________________________________

(1) - كانت قرية من أعمال الكوفة وضبطه الجزرى كوئى. (2) - الحير مخفف الحاير وهو الجائط.

[ 230 ]

فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقى في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطا عليهما السلام معه من بلادهم إلى الشام. فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة، وقال لهم: إنى ذاهب إلى ربى سيهدين يعنى إلى بيت المقدس فتحمل إبراهيم بماشيته وماله وعمل تابوتا وجعل فيه سارة وشد عليها الاغلاق غيرة منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان نمرود، وسار إلى سلطان رجل من القبط يقال له (عزارة) فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه - فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر لابراهيم عليه السلام: افتح هذا التابوت لنعشر ما فيه فقال له إبراهيم عليه السلام: قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطى عشرة ولا نفتحة. قال: فأبى العاشر إلا فتحه قال: وغصب (1) إبراهيم عليه السلام: على فتحه فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال قال له العاشر: ما هذه المرأة منك ؟ قال إبراهيم عليه السلام: هي حرمتي وابنة خالتي، فقال له العاشر فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت ؟ فقال ابراهيم عليه السلام الغيرة عليها أن يراها أحد فقال له العاشر: لست ادعك تبرح حتى أعلم الملك حالها وحالك. قال: فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم عليه السلام: إنى لست أفارق التابوت حتى يفارق روحي جسدي فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه فحملوا إبراهيم عليه السلام والتابوت وجميع ما كان معه حتى أدخل على الملك فقال له الملك: افتح التابوت فقال له إبراهيم عليه السلام: أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معى. قال: فغصب الملك إبراهيم عليه السلام على فتحة فلماا رأى سارة لم سملك حلمه سقهه أن مد يده إلسها فأعرض إبراهيم عليه السلام وجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: اللهم: إن إلهك هو الذى فعل بى هذا ؟ فقال له: معم إن إلهى غيور يكره الحرام، هو الذى ما إردته من الحرام فقال له له الملك: ف ع إلك يرد على يدى فإن أجابك فلم أعرض لها فقال إبراهيم عليه السلام: إلهى رد إليه يده لكيف عن حرمتي. قال: فرد الله عزوجل إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة

_________________________________

(1) بالمعجمة فالمهملة بقال: غصبه على كذا أي قهره. (*)

[ 231 ]

منه، وقال: اللهم احبس يده ولم تصل إليها. فقال الملك لابراهيم عليه السلام: إن إلهك لغيور وإم ك لغيور فدع إلهك يرد إلى يدى فإنه إن فعل لم أعد فقال ابراهيم عليه السلام: أسأله ذالك على إنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك: نعم فقال ابراهيم عليه السلام: اللهم إن كان صادقا فرد يده عليه فرجعت إليه يده. فلما رأى ذلك من الغيرة ما رأى الاية في يده عظم ابراهيم عليه السلام وهاب و أكرمه واتقاه، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشئ مما معك فانطلق حيث شئت ولكن لى إليك حاجة فقال ابراهيم عليه السلام: ما هي ؟ فقال له: أحب أن تأذن لى أن اخدمها قبطيه ة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما قال: فأذن ابراهيم عليه السلام فدعا بها فوهبها لسارة وهى هاجر م اسماعيل عليه السلام. فسار ابراهيم عليه السلام بجميع ما معه، وخرج الملك معه يمشى خلف أبراهيم عليه السلام إعظاما لابراهيم وهيبة له فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشى وهو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الارض برة أو فاجرة فوقف ابراهيم عليه السلام قال للملك: امض فإن إلهى أوحى إلى الساعة أن أعظمك وأهابك، وأن اقدمك أمامى وأمشى خلفك إحلالا لك فقال له الملك: أوحى إليك بهذا ؟ فقال ابراهيم عليه السلام نعم فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغبني في دينك. قال: وودعه الملك فسار ابراهيم عليه السلام حتى نزل بأعلى الشامات، وخلف لوطا عليه السلام في أدنى الشامات. ثم أن ابراهيم عليه السلام لما أبطأ عليا لولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا، فابتاع ابراهيم عليه السلام هاجر من سارة فوقع عليها فولدت اسماعيل عليه السلام. ومن ذلك ما ذكرته أعنى التوراة في قصة الذبح أن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل عليهما السلام مع أن قصة إسكانه بأرض تهامة وبنائه الكعبة المشرفة وتشريع عمل الحج الحاكى لما جرى عليه وعلى امه من المحنة والمشقة في ذات الله، وقد اشتمل على الطواف والسعى والتضحية كل ذلك تؤيد كون الذبيح هو إسماعيل دون إسحاق عليهما السلام. وقد وقع في إنجيل برنابا أن المسيح لام اليهود ووبخهم على قولهم بأن الذبيح هو

[ 232 ]

إسحاق دون إسماعيل قال في الفصل 44: فكلم الله ابراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك إسماعيل واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان اسماعيل ابن سبع سنين الفصل 44 آية 11 - 12. وأما القرآن فإن آياته كالصريحة في كون الذبيح هو إسماعيل عليه السلام قال تعالى بعد ما ذكر قصة كسر الاصنام وإلقائه في النار وجعلها بردا وسلاما: (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الاخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) (الصافات: 113). والمتدبر في الايات الكريمة لا يجد مناصا دون أن يعترف ان الذبيح هو الذى ذكر الله سبحانه البشارة به في قوله: (فبشرناه بغلام حليم) وأن البشارة الاخرى التى ذكرها أخيرا بقوله (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) غير البشارة الاولى، والذى بشر به في الثانية وهو إسحاق عليه السلام غير الذى بشر به في الاولى وأردفها بذكر قصة التضحية به. وأما الروايات فالتى وردت منها من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تذكر أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، والتى رويت من طرق أهل السنة والجماعة مختلفة: فصنف يذكر إسماعيل وصنف يذكر إسحاق عليهما السلام غير أنك عرفت أن الصنف الاولى هو الذى يوافق الكتاب. قال الطبري في تاريخه: اختلف السلف من علماء امة نبينا محمد صلى الله عليه وآله في الذى امر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو اسماعيل ابن ابراهيم. وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التى رويت عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الاخرى.

[ 233 ]

إلى أن قال: وأما الدلالة من القرآن التى قلنا: إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشام مع زوجتة سارة قال: (إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين) وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له ام اسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عزوجل الخبر عن إجابة دعائه وتبشيره إياه بغلام حليم ثم عن رؤيا ابراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي. ولا نعلم في كتاب الله عزوجل تبشيرا لابراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله: (وأمراتة قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) وقوله: فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم). ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير ابراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله: (فبشرناه بغلام حليم) نظير ما في سائرسور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة. وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يأمربذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال، وذلك أن الله تعالى إنما أمر ابراهيم بذبح اسحاق بعد إدراك اسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمرأبوه بذبحه. وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا بالكعبة وذلك أنه غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك، انتهى كلامه. وليت شعرى كيف خفى عليه أن ابراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد عند مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك بقوله: (رب هب لى من الصالحين) فسأل ربه الولد، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى تحمل البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال: (رب هب لى) ولم يقل: رب هب لى من سارة. وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب

[ 234 ]

أن نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضا. فمع ما سيجئ من الكلام عليه في سائر الموارد التى أشار إليها هو في نفسه قياس لا دليل عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الايات لما ذكر البشارة بغلام حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانيا ذكر البشارة بإسحاق ولا يرتاب المتدبر في هذا السياق أن المبشر به ثانيا غير المبشر به أولا فقد بشر إبراهيم عليه السلام قبل اسحاق بولد له آخر وليس إلا اسماعيل، وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن اسماعيل ولد لابراهيم قبل اسحاق عليهم السلام جميعا. ومن ذلك التدافع البين فيما تذكره التوراة من أمر اسماعيل فإنها تصرح أن اسماعيل ولد لابراهيم عليهم السلام قبل أن يولد له اسحاق بما يقرب من أربعة عشر عاما وان ابراهيم عليه السلام طرده وامه هاجر بعد تولد اسحاق لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد الماء الذى حملته هاجر وعطش اسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء، ولا يرتاب الناظر المتدبر في القصة ان اسماعيل كان عندئذ صبيا مرضعا فعليك بالرجوع إليها والتأمل فيها، وهذا هو الذى يوافق المأثور من أخبارنا. 6 - القرآن الكريم يعتنى أبلغ الاعتناء بقصة ابراهيم عليه السلام من جهة نفسه ومن جهة ابنيه الكريمين اسماعيل واسحاق وذريتهما معا بخلاف ما يتعرض له في التوراة فإنها تقصر الخبر عنه بما يتعلق بإسحاق وشعب إسرائيل، ولا يلتفت إلى اسماعيل إلا ببعض ما يهون أمره ويحقر شأنه، ومع ذلك لا يخلو يسير ما تخبر عنه عن التدافع فتارة تذكر خطاب الله سبحانه لابراهيم عليه السلام أن نسلك الباقي هومن إسحاق، وتارة اخرى خطابه أن الله بارك لنسلك من عقب اسماعيل وسيجعله امة كبيرة، وتارة تعرفه إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضاده الناس قد نشأ رامى قوس مطرودا عن بيت ابيه، وتاره تذكر ان الله معه. وبالتأمل فيما تقدم من قصته عليه السلام في القرآن يظهر الجواب عن إشكالين أشكل بهما على الكتاب العزيز. الاشكال الاول ما ذكره بعض المستشرقين (1) ان القرآن في سوره المكية لا

_________________________________

(1) نقله النجار في قصص الانبياء عن المستشرق هجرونييه والمستشرق فنسنك. في دائرة المعارف الاسلامية.

[ 235 ]

يتعرض لشأن ابراهيم واسماعيل عليهما السلام إلا كما يتعرض لشأن سائر الرسل من أنهم كانوا على دين التوحيد ينذرون الناس ويدعونهم إلى الله سبحانه من غير أن يذكر بناءه الكعبة وصلته بإسماعيل وكونهما داعيين للعرب إلى دين الفطرة والملة الحنيفية. لكن السور المدينة كالبقرة والحج وغيرهما تذكر ابراهيم واسماعيل متصلين اتصال الابوة والبنوة وأبوين للعرب مشرعين لها دين الاسلام بانيين للكعبة البيت الحرام. وسر هذا الاختلاف أن محمدا كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله خطة عداء فلم يكن له بد أن التمس غيرهم ناصرا. هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لابي العرب ابراهيم وبذلك استطاع أن يخلص من يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم فعده أبا للعرب مشيدا لدينهم الاسلام بانيا لبيتهم المقدس الذى في مكه لما أن هذه المدينة كانت تشغل جل تفكيره. انتهى ملخصا. وقد أزرى المستشكل على نفسه بهذه الفرية التى نسبها إلى الكتاب العزيز الذى له شهرته العالمية التى لا يتحجب معها على شرقي ولا غربي فكل باحث متدبر يشاهد ان القرآن الكريم لم يداهن مشركا ولا يهوديا ولا نصرانيا ولا غيرهم في سورة مكية ولا مدنية ولم يختلف لحن قوله في تخطئة اليهود ولا غيرهم بحسب مكية السور ومدنيتها. غير أن الايات القرآنية لما نزلت نجوما بحسب وقوع الحوادث المرتبطة بالدعوة الدينيه، وكان الابتلاء بأمر اليهود بعد الهجرة كان التعرض لشؤونهم والابانة عن التشديد في قهم لا محالة في الايات النازلة في تضاعيف السور المدينة كتفاصيل الاحكام المشرعة التى أنزلت فيها حسب مسيس الحاجة بحدوث الحوادث. وأما ما ذكراه من اختصاص حديث اتصال اسماعيل بإبراهيم عليهما السلام وبناء الكعبة وتأسيس الدين الحنيف بالسور المدنية فيكذبه قوله تعالى في سورة ابراهيم وهى مكية فيما حكاه من دعاء ابراهيم عليه السلام: (وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام - إلى أن قال - ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئده من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون - إلى ان قال - الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل وإسحاق إن ربى لسميع الدعاء) (ابراهيم: 39). وقد مر نظيره في الايات المنقولة من سورة الصافات آنفا المنبئة عن قصة الذبيح.

[ 236 ]

وأما ما ذكراه من يهودية ابراهيم عليه السلام فإن القرآن يرده بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - إلى ان قال - ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (آل عمران 67). الاشكال الثاني: أن الصابئين وهم عبدة الكواكب الذين يذكر القرآن تعرض ابراهيم عليه السلام لالهتهم بقوله: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى) إلى آخر الايات إنما كانوا بمدينة حران التى هاجر إليها ابراهيم عليه السلام من بابل أو من (اور) ولازمه ان يكون حجاجه عبدة الكواكب بعد مدة من حجاجه عبدة الاصنام وكسره الاصنام ودخوله النار، ولا يلائم ذلك ما هو ظاهر الايات أن قصة الحجاج مع عبدة الاصنام والكواكب وقعت جميعا في يومين عند أول شخوصه إلى أبيه وقومه كما تقدم بيانه. أقول: وهذا في الحقيقة إشكال على التفسير الذى تقدم إيراده في بيان الايات لا على أصل الكتاب. ومع ذلك ففيه غفلة عما يثبته التاريخ ويعطيه الاعتبار الصحيح أما الاعتبار فإن المملكة التى ينتحل في بعض بلاده العظيمة بدين من الاديان الشائعة المعروفة كالصابئية التى كانت يؤمئذ من الاديان المعروفة في الدنيا لا يخلو من شيوع في سائر بلادها ووجود جماعة من منتحليه منتشرة في أقطارها. وأما التاريخ فقد ذكر شيوعه كشيوع الوثنية ببابل ووجود معابد كثيرة فيها بنيت على اسماء الكواكب وأصنام لها منصوبة فيها فقد جاء في تاريخ ارض بابل وما والاها ذكر بناء معبد إله الشمس وإله القمر في حدود سنة ثلاثة آلاف ومائتين قبل المسيح، وفي نصب شريعة حمورابي ذكر إله الشمس وإله القمر وهو مما يقرب زمن الخليل ابراهيم عليه السلام. وقد تقدم فيما نقلناه من كتاب الاثار الباقية لابي ريحان البيرونى (1): أن يوذاسف ظهر عند مضى سنة من ملك طهمورث بأرض الهند، وأتى بالكتابة الفارسية، ودعا إلى

_________________________________

(1) في بحث تاريخي في ذيل الاية 62 من سورة البقره.

[ 237 ]

ملة الصابئين فأتبعه خلق كثير، وكانت الملوك البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين والكواكب وكليات العناصر إلى وقت ظهور زراتشت عند مضى ثلاثين سنة من ملك بشتاسف. وساق الكلام إلى أن قال: وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها، ويعظمون الانوار، ومن آثارهم القبة التى فوق المحراب عند المقصورة من جامع دمشق كان مصلاهم، وكان اليونانيون والروم على دينهم، ثم صارت في أيدى اليهود فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة إلى أن جاء الاسلام وأهله فاتخذو ها مسجدا. وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الاشكال كما ذكرها أبو معشر البلخى في كتابه في بيوت العبادات مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، وقران فإنها منسوبة إلى القمر وبناؤها على صورته كالطيلسان، وبقربها قرية تسمى سلمسين واسمها القديم: صنم سين أي صنم القمر: وقرية اخرى تسمى ترع عوز أي باب الزهرة. ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم وأن اللات كان باسم زحل، والعزى باسم الزهرة، انتهى. وذكر المسعودي أن مذهب الصابئة كان نوعا من التحول والتكامل في دين الوثنية وأن الصبوة ربما كانت تتحول إلى الوثنية لتقارب مأخذيهما، وأن الوثنية ربما كانوا يعبدون أصنام الشمس والقمر والزهرة وسائر الكواكب تقربا بها إلى آلهتها ثم إلى إله الالهة. قال في مروج الذهب: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن الله عزوجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار وأن الله تعالى وملائكتة احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى ان اتخذوا تماثيل وأصناما على صورة الباري عزوجل وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدود والاشكال، ومنها على صورة الانسان وعلى خلافها من الصور يعبدونها، وقربوا لها القرابين، ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالبارى تعالى وقربها منه. فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الاعصار حتى نبههم بعض حكمائهم على أن الافلاك والكواكب أقرب الاجسام المرئية إلى الله تعالى وأنها حية ناطقة، وأن

[ 238 ]

الملائكة تختلف فيهما بينها وبين الله، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجرى به الكواكب عن أمر الله فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم فمكثوا على ذلك دهرا. فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناما وتماثيل على صورها وأشكالها فجعلوا لها أصناما وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكبا منها، ويقرب لها نوعا من القربان خلاف ما للاخر على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الاصنام تحركت لهم الاجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتا وهيكلا مفردا، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب. وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زحل، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور الدهور معظما في سائر الاعصار لانه بيت زحل، وأن زحل تولاه لان زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن التعظيم غير حائل وذكروا امورا أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها. ولما طال عليهم العهد عبدوا الاصنام على أنها تقربهم إلى الله وألغوا عبادة الكواكب فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوذاسف بأرض الهند وكان هنديا، وكان يوذاسف خرج من أرض الهند إلى السند ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان وهى بلاد فيروز بن كبك ثم دخل السند ثم إلى كرمان. فتنبأ وزعم أنه رسول الله، وأنه واسطة بين الله وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في ملك جم، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب. وقد كان يوذاسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم، والاشتغال بما علا من العوالم، إذ كان من هناك بدء النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم، وجدد يوذاسف عند الناس عبادة الاصنام والسجود لها لشبه ذكرها، وقرب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع. وذكرذووا الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم: أن جم الملك أول من عظم

[ 239 ]

النار ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب لان النور عنده أفضل من الظلمة، وجعل للنور مراتب. ثم تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الاشياء تقربا إلى الله بذلك. ثم ذكر المسعودي البيوت المعظمة عندهم وهى سبعة الكعبة البيت الحرام باسم زحل، وبيت على جبل مارس بإصفهان، وبيت مندوسان ببلاد الهند، وبيت نوبهار بمدينة بلخ على اسم القمر، وبيت غمدان بمدينة صنعاء من بلاد اليمن على اسم الزهرة، وبيت كاوسان بمدينة فرغانة على اسم الشمس، وبيت بأعالى بلاد الصين على اسم العلة الاولى. واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضهما مبنية على اسم الكواكب كالبيت الذى بتونس للروم الذى على اسم الزهرة ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين (1) هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الاولى وهيكل العقل. قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه مدورات الشكل، وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشترى مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهر. مثلث في جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها، انتهى. وقريب منه ما في الملل والنحل للشهرستاني. وقد تبين مما نقلناه أولا: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناما للالهة وأرباب الانواع كذلك كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر، وكانت عندهم هياكل على أسمائها، ومن الممكن أن يكون حجاج إبراهيم عليه السلام في أمر الكواكب والقمر والشمس، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة اور أو كوثاريا على ما في بعض الروايات المنقولة سالفا. على أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم عليه السلام حاج أباه وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى الارض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولا ثم من حران إلى الارض المقدسة، والذى ضبطه كتب

_________________________________

(1) يطلق الحرانيون على الصابئين مطلقا لاشتهار حران بهذا الدين.

[ 240 ]

التاريخ من مهاجرته إلى حران أولا ثم من حران إلى الارض المقدسة لا مأخذ له غير التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة إسرائيلية كما هو ظاهرلمن تدبر تاريخ الطبري وغيره. على ان بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلدا قرب بابل بين الفرات وخابور، وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم (1). نعم ذكر المسعودي ان الذى بقى من هياكلهم - الصابئة - المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف (بمغليتيا) وهو هيكل آزر أبى إبراهيم الخليل عليه السلام عندهم، وللقوم في آزر وابنة إبراهيم كلام كثير، انتهى. ولا حجة في قولهم على شئ. وثانيا: أنه كما اأ الوثنية ربما كانت تعبد الشمس والقمر والكواكب كذلك الصابئة كانت تبنى بيوتا وهياكل لعبادة غير الكواكب والقمر والشمس كالعلة الاولى والعقل والنفس وغيرها كالوثنية وتتقرب إليها مثلهم وقد ذكر هيرودوتوس في تاريخه في ما يصف معبد بابل أنه كان مشتملا على ثمانية أبراج بعضها مبنية على بعض وأن آخر الابراج وهو أعلاها كان مشتملا على قبة وسيعة ما فيها غير عرش عظيم حياله طاولة من ذهب، وليس في القبة شئ من التماثيل والاصنام، ولا يبيت فيها أحد إلا امرأة يزعم الناس أن الله هو اختارها للخدمة ووظفها للملازمة. انتهى (2). ولعله كان للعلة الاولى المنزهة عن الهيئات والاشكال وإن كانوا ربما يصورونه بما يتوهمونه من الصور كما ذكره المسعودي. وقد ثبت أن فلا سفتهم كانوا ينزهون الله تعالى عن الهيئات الجسمانية والاشكال والاوضاع المادية ويصفونة بما يليق به من الصفات غير أنهم كانوا يتقون العامة أن يظهروا ما يعتقدونه فيه سبحانه إما لعدم استعداد أفهامهم لتلقى ذلك، أو لمقاصد وأغراض سياسية توجب كتمان الحق.

_________________________________

(1) ذكره في قاموس الكتاب المقدس في (حران). (2) تاريخ هيرودوتوس اليونانى المؤلف في حدود 500 ق. م.

[ 241 ]

* * *

ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين - 84. وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين - 85. وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين - 86. ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم - 87. ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون - 88. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين - 89. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا اسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين - 90.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903276

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:56

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net