00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 73 ـ 148 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي

[ 73 ]

(كلام في المجتمعات الحيوانية)

 والخطاب في الاية للناس، وقد ذكر فيها أن الحيوانات أرضيه كانت أو هوائية هي أمم مثال الناس، وليس المراد بذلك كونها جماعات ذوات كثرة وعدد فإن الامة لا تطلق على مجرد العدد الكثير بل إذا جمع ذلك الكثير جامع واحد من مقصد اضطرارى أو اختياري يقصده أفراده، ولا أن المراد مجرد كونها أنواعا شتى كل نوع منها يشترك أفراده في نوع خاص من الحياة والرزق والسفاد والنسل والمأوى وسائر الشئون الحيوية فإن هذا المقدار من الاشتراك وإن صحح الحكم بمماثلتها الانسان لكن قوله في ذيل الاية: (ثم إلى ربهم يحشرون) يدل على أن المراد بالممائلة ليس مجرد التشابه في الغذاء السفاد والاواء بل هناك جهة اشتراك اخرى تجعلها كالانسان في ملاك الحشر إلى الله، وليس ملاك الحشر إلى الله في إلانسان إلا نوعا من الحياة الشعورية التى تخد للانسان خدا إلى سعادته وشقائه، فإن الفرد من الانسان يمكن أن ينال في الدنيا ألذ الغذاء وأوفق النكاح وأنضر المسكن ولا يكون مع ذلك سعيدا في حياته لما ينكب عليه من الظلم والفجور أو أن يحيط به جماع المحن والشدائد والبلايا وهو سعيد في حياته مبتهج بكمال الانسانية ونور العبودية. بل حياة الانسان الشعورية وإن شئت فقل: الفطرة الانسانية وما يؤيدها من دعوة النبوة تسن للانسان سنة مشروعة من الاعتقاد والعمل إن أخذ بها وجرى عليها ووافقه المجتمع عليه سعد في الحياتين: الدنيا والاخرة، وإن استن بها وحده سعد بها في الاخرة أو في الدنيا والاخرة معا، وإن لم يعمل بها وتخلف عن الاخذ ببعضها أو كلها كان في ذلك شقاؤه في الدنيا والاخرة. وهذه السنة المكتوبة له تجمعها كلمتان: البعث إلى الخير والطاعة، والزجر عن الشر والمعصية، وإن شئت قلت: الدعوة إلى العدل والاستقامة، والنهى عن الظلم والانحراف عن الحق فإن الانسان بفطرته السليمة يستحسن امورا هي العدل في نفسه أو غيره، ويستقبح امورا هي الظلم على نفسه أو غيره ثم الدين الالهى يؤيدها ويشرح له تفاصيلها. وهذا محصل ما تبين لنا في كثير من الابحاث السابقة وكثير من الايات القرآنية

[ 74 ]

تفيد ذلك وتؤيده كقوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (الشمس: 10)، وقوله تعالى: (كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقره: 213). والامعان في التفكر في أطوار الحيوانات العجم التى تزامل الانسان في كثير من شئون الحياة، وأحوال نوع منها في مسير حياتها وتعيشها يدلنا على أن لها كالانسان عقائد وآراء فردية واجتماعية تبنى عليها حركاتها وسكناتها في ابتغاء البقاء نظيرة ما يبنى الانسان تقلباته في أطوار الحياة الدنيا على سلسلة من العقائد والاراء. فالواحد منا يشتهى الغذاء والنكاح أو الولد أو غير ذلك، أو يكره الضيم أو الفقر أو غير ذلك فيلوح له من الرأى أن من الواجب أن يطلب الغذاء أو يأكله أو يدخره في ملكه، وأن يتزوج وأن ينسل وهكذا، وأن من الممنوع المحرم عليه أن يصبر على ضيم أو يتحمل مصيبة الفقر وهكذا فيتحرك ويسكن على طبق ما اتخد له هذه الاراء اللائحة لنفسه من الطريق. كذلك الواحد من الحيوان - على ما نشاهده - يأتي في مبتغيات حياته من الحركات المنظمة التى يحتال بها إلى رفع حوائج نفسه في الغذاء والسفاد والمأوى بما لا نشك به في أن له شعورا بحوائجه وما يرتفع به حاجته، وآراء وعقائد ينبعث بها إلى جلب المنافع ودفع المضار كما في الانسان، وربما عثرنا فيها من أنواع الحيل والمكائد للحصول على الصيد والنجاة من العدو من الطرق الاجتماعية والفردية ما لم يتنبه إليه الانسان إلا بعد طى قرون وأحقاب من عمره النوعى. وقد عثر العلماء الباحثون عن الحيوان في كثير من أنواعه، كالنمل والنحل والارضة على عجائب من آثار المدنية والاجتماع، ودقائق من الصنعة ولطائف من السنن والسياسات لا تكاد توجد نظائرها إلا في الامم ذوى الحضارة والمدنية من الانسان. وقد حث القرآن الكريم على معرفة الحيوان والتفكر في خلقها وأعمالها عامة كقوله

[ 75 ]

تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون) (جاثيه: 4) ودعا إلى الاعتبار بأمر كثير منها كالانعام والطير والنحل والنمل. وهذه الاراء والعقائد التى نرى أن الحيوان على اختلاف أنواعها في شئون الحياة ومقاصدها تبنى عليها أعمالها إذا لم تخل عن الاحكام الباعثة والزاجرة لم تخل عن استحسان امور واستقباح امور، ولم تخل عن معنى العدل أو الظلم. وهو الذى يؤيده ما نشاهده من بعض الاختلاف في أفراد أي نوع من الحيوان في أخلاقها، فكم بين الفرس والفرس وبين الكبش والكبش وبين الديك والديك مثلا من الفرق الواضح في حدة الخلق أو سهولة الجانب ولين العريكة. وكذا يؤيده جزئيات اخرى من حب وبغض وعطوفة ورحمة أو قسوة أو تعد وغير ذلك مما نجدها بين الافراد من نوع وقد وجدنا نظائرها بين أفراد الانسان، ووجدناها مؤثرة في الاعتقاد بالحسن والقبح في الافعال، والعدل والظلم في الاعمال ثم إنها مؤثرة أيضا في حياة الانسان الاخروية، وملاكا لحشره ومحاسبة أعماله والجزاء عليها بنعمة أو نقمة اخروية. وببلوغ البحث هذا المبلغ ربما لاح لنا أن للحيوان حشرا كما ان للانسان حشرا فإن الله سبحانه يعد انطباق العدل والظلم والتقوى والفجور على أعمال الانسان ملاكا للحشر ويستدل به عليه كما في قوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (ص: 28) بل يعد بطلان الحشر في ما خلقه من السماء والارض وما بينهما بطلانا لفعله وصيرورته لعبا أو جزافا كما في الاية السابقة على هذه الاية: (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) (ص: 27). فهل للحيوان غير الانسان حشر إلى الله سبحانه كما أن للانسان حشرا إليه ؟ ثم إذا كان له حشر فهل يماثل حشره حشر الانسان فيحاسب على أعماله وتوزن وينعم بعد ذلك في جنة أو نار على حسب ما له من التكليف في الدنيا ؟ وهل استقرار التكليف الدنيوي عليه ببعث الرسل وإنزال إلاحكام ؟ وهل الرسول المبعوث إلى الحيوان من نوع نفسه أو أنه إنسان ؟.

[ 76 ]

هذه وجوه من السؤال تسبق إلى ذهن الباحث في هذا الموقف: أما السؤال لاول (هل للحيوان غيرالانسان حشر ؟) فقوله تعالى في الاية: (ثم إلى ربهم يحشرون) يتكفل الجواب عنه، ويقرب منه قوله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت) (كورت: 5). بل هناك آيات كثيرة جدا دالة على إعادة السماوات والارض والشمس والقمر والنجوم والجن والحجارة والاصنام وسائر الشركاء المعبودين من دون الله، والذهب والفضة حيث يحمى عليهما في نار جهنم فتكوى بها جباه مانعي الزكاة وجنوبهم إلى غير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها، والروايات في هذه المعاني لا تحصى كثرة. وأما السؤال الثاني، وهو أنه هل يماثل حشره حشر الانسان فيبعث وتحضر أعماله ويحاسب عليها فينعم أو يعذب بها فجوابه أن ذلك لازم الحشر بمعنى الجمع بين الافراد وسوقهم إلى أمر بالازعاج، وأما مثل السماء والارض وما يشابههما من شمس وقمر وحجارة وغيرها فلم يطلق في موردها لفظ الحشر كما في قوله تعالى: (يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) (ابراهيم: 48) وقوله: (والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه) (الزمر: 67) وقوله: (وجمع الشمس والقمر) (القيامة: 9) وقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون، لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) (الانبياء: 99). على ان الملاك الذى يعطيه كلامه تعالى في حشر الناس هو القضاء الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من الحق قال تعالى: (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) (السجدة: 25) وقوله: (ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) (آل عمران: 55) وغير ذلك من الايات. ومرجع الجميع إلى إنعام المحسن والانتقام من الظالم بظلمه كما ذكره في قوله: (أنا من المجرمين منتقمون) (السجدة: 22) وقوله: (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام، يوم تبدل الارض غير الارض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) (ابراهيم: 48) وهذان الوصفان أعنى الاحسان والظلم موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة.

[ 77 ]

ويؤيده ظاهر قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) (النحل: 61) فإن ظاهره أن ظلم الناس لو استوجب المؤاخذة الالهية كان ذلك لانه ظلم والظلم شائع بين كل ما يسمى دابة: الانسان وسائر الحيوانات فكان ذلك مستعقبا لان يهلك الله تعالى كل دابة على ظهرها هذا وإن ذكر بعضهم: أن المراد بالدابة في الاية خصوص الانسان. ولا يلزم من شمول الاخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أن يساوى الانسان في الشعور والارادة ويرقى الحيوان العجم إلى درجة الانسان في نفسياته وروحياته، والضرورة تدفع ذلك، والاثار البارزة منها ومن الانسان تبطله. وذلك أن مجرد الاشتراك في الاخذ والانتقام والحساب والاجر بين الانسان وغيره لا يقضى بالمعادلة والمساواة من جميع الجهات كما لا يقتضى الاشتراك في ما هو أقرب من ذلك بين أفراد الانسان أنفسهم أن يجرى حساب أعمالهم من حيث المداقة والمناقشة مجرى واحدا فيوقف العاقل والسفيه والرشيد والمستضعف في موقف واحد. على أنه تعالى ذكر من بعض الحيوان من لطائف الفهم ودقائق النباهة ما ليس بكل البعيد من مستوى الانسان المتوسط الحال في الفقه والتعقل كالذى حكى عن نملة سليمان بقوله: (حتى إذا أتوا على وادى النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) (النمل: 18) وما حكاه من قول هدهد له عليه السلام في قصة غيبته عنه: (فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) إلى آخر الايات (النمل: 24) فإن الباحث النبيه إذا تدبر هذا الايات بما يظهر منها من آثار الفهم والشعور لها ثم قدر زنته لم يشك في أن تحقق هذا المقدار من الفهم والشعور يتوقف على معارف جمة وإدراكات متنوعة كثيرة من بساط المعاني ومركباتها. وربما أيد ذلك ما حصله أصحاب معرفة الحيوان بعميق مطالعاتهم وتربياتهم لانواع الحيوان المختلفة من عجائب الاحوال التى لا تكاد تظهر إلا من موجود ذى إرادة لطيفة وفكر عميق وشعور حاد.

[ 78 ]

وأما السؤال الثالث والرابع أعنى أنه: هل الحيوان يتلقى تكليفه في الدنيا برسول يبعث إليه ووحى ينزل عليه ؟ وهل هذاالرسول المبعوث إلى نوع من أنواع الحيوان من أفراد ذلك النوع بعينه ؟ فعالم الحيوان إلى هذا الحين مجهول لنا مضروب دونه بحجاب فالاشتغال بهذا النوع من البحث مما لا فائده فيه ولا نتيجة له إلا الرجم بالغيب، والكلام الالهى على ما يظهر لنا من ظواهره غير متعرض لبيان شئ من ذلك، ولا يوجد في الروايات المأثورة عن النبي والائمة من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم ما يعتمد عليه في ذلك. فقد تحصل أن المجتمعات الحيوانية كالمجتمع الانساني فيها مادة الدين الالهى ترتضع من فطرتها نحو ما يرتضع الدين من الفطرة الانسانية ويمهدها للحشر إلى الله سبحانه كما يمهد دين الفطرة الانسان للحشر والجزاء، وإن كان المشاهد من حال الحيوان بالقياس إلى الانسان - وتؤيده الايات القرآنية الناطقة بتسخير الاشياء للانسان وأفضليته من عامة الحيوان - أن الحيوان لم يؤت تفاصيل المعارف الانسانية ولا كلف بدقائق التكاليف الالهية التى كلف بها الانسان.

* * *

ولنرجع إلى متن الاية فقوله تعالى: (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) يدل على أن المجتمعات الحيوانية التى توجد بين كل نوع من أنواع الحيوان إنما تأسست على مقاصد نوعيه شعورية يقصدها كل نوع من الحيوان على اختلافها بالشعور والارادة كالانسان. وليس ذلك مقصورا على المقاصد الطبيعية أعنى مقاصد التغذى والنمو وتوليد المثل المحدودة بهذه الحياة الدنيا بل ينبسط ذيله على ما بعد الموت ويتهيأ به إلى حياة أخرى ترتبط بالسعادة والشقاوة المرتضعتين من ثدى الشعور والارادة. وربما اعترض عليه أن القوم تسلموا أن غير الانسان من أنواع الحيوان محروم من موهبة الاختيار. ولذلك يعد أفعال الحيوان كافعال النبات طبيعية غير اختيارية لما يشاهد من حالها أنها لا تملك نفسها من الاقدام على الفعل إذا صادف ما فيه نفعها المطلوب كالهرة إذا رأت فأرة أو الاسد إذا رأى فريسته، والهرب إذا صادف ما يخافه من عدو غالب

[ 79 ]

كالفأرة إذا رأت هرة أو الغزالة إذا شاهدت أسدا فلا معنى للسعادة والشقاوة الاختياريتين في الحيوان غير الانسان. لكن التأمل في معنى الاختيار والحالات النفسية التى يتوسل بها الانسان إلى إتيان أفعاله الاختيارية يدفع هذه الشبهة وذلك أن الشعور والارادة الذين يتم بهما فعل الانسان الاختياري بالحقيقة إنما أودعا في الانسان مثلا لانه نوع شعوري يتصرف في المادة الخارجية للانتفاع بها في بقاء وجوده بتمييز ما ينفعه مما يضره، ولذلك جهزته العناية الالهية بالشعور والارادة فهو يميز بشعوره الحى ما يضره مما ينفعه فإذا تحقق النفع أراد ففعل فما كان من الامور بين النفع ولا يحتاج في الحكم بكونه مما ينتفع به إلى ازيد من وجدانه وحصول العلم به أراده من فوره وفعله وتصرف فيه من غير توقف كما في موارد الملكات الراسخة غالبا مثل التنفس، وأما ما كان من الامور غير بين النفع موسوما بنقص من الاسباب أو محفوفا بشئ من الموانع الخارجية أو الاعتقادية لم يكف مجرد العلم بتحققه في إرادته وفعله لعدم الجزم بالانتفاع به. فهذه الامور هي التى يتوقف الانبعاث إليها إلى التفكر مثلا فيها من جة ما معها من النواقص والموانع والتروى فيها ليميز بذلك أنما هل هي من قبيل النافع أو الضار ؟ فإن أنتج التروي كونها نافعة ظهرت الارادة متعلقة بها وفعلت كما لو كانت بينه النفع غير محتاجة إلى التروي فيها، وذلك كالانسان الجائع إذا وجد غذاء يمكنه أن يسد به خلة الجوع فربما شك في أمره أنه هل هو غذاء طيب صالح لان يتغذى به أو أنه غير صالح فاسد أومسموم أو مشتمل على مواد مضرة ؟ وأنه هل هو ماله نفسه ولا مانع من التصرف فيه كاحتياج مبرم مستقبل أو صوم ونحوه أو مال غيره ولا يجوز التصرف فيه ؟ وحينئذ يتوقف عن المبادرة إلى التصرف فيه، ولا يزال يتروى حتى يقطع بأحد الطرفين فإن حكم بالجواز كان مصداقا لما ينتفع فلا يتوقع بعد ذلك دون أن يريد فيتصرف فيه. وإن لم يشك في أمره وكان بينا عنده من أول الامر أنه طيب صالح للتغذي أراده إذا علم بوجوده من غير ترو أو تفكر، ولم ينفك العلم به عن إرادة التصرف فيه قطعا. فمحصل حديث الاختيار أن الانسان إذا لم يتميز عنده بعض الامور التى يتصرف فيها أنها نافعة أو ضارة ميز ذلك بالتروى والتفكر فاختار أحد الجانبين أو الجوانب ة

[ 80 ]

وأما لو تميز من أول الامر أراده ففعله من غير مهل ولم يحتج إلى ترو أصلا فالانسان يختار ما يرى نفعه بترو أو من غير ترو ولا تروى إلا لرفع الموانع عن الحكم. ثم إنك إذا تأملت حال أفراد الانسان المختارين في أفعالهم وجدتهم ذوى اختلاف شديد في مبادى اختيارهم أعنى الصفات الروحية والاحوال الباطنية من شجاعة وجبن وعفة وشره ونشاط وكسل ووقار وخفة، وكذا في قوة التعقل وضعفه وإصابة النظر وخطائه فكثيرا ما يرى الشره نفسه مضطرة مسلوبة الاختيار في موارد يشتهى الانهماك فيها لا يعبأ بأمرها العفيف المتطهر، وربما يرى الجبان أدنى أذى يصيبه في مهمة أو مقتلة عذرا لنفسه ينفى عنه الاختيار، ولا يرى الشجاع الباسل الابى عن الضيم الموت الاحمر وأى زجر بدنى أمرا فوق الطاقة، ولا يرى لاى مصيبة هائلة في سبيل مقاصده من بأس، وربما اختار السفيه خفيف العقل بأدنى تصور واه، ولا يرى العاقل اللبيب ترجيح الفعل بإمثال تلك المرجحات إلا تلهيا ولعبا، وأفعال الصبيان غير المميزين اختيارية معها بعض التروي ولا يعبأ بها وبأمرها البالغ الرشيد، وكثيرا ما نعد في محاوراتنا فعلا من أفعالنا اضطراريا أو إجباريا إذا قارن إعذارا اجتماعية غير ملزمة بحسب الحقيقة كشارب الدخان يعتذر بالعادة، والنومة يعتذر بالكسل والسارق أو الخائن يعتذر بالفقر. وهذا الاختلاف الفاحش في مبادى الاختيار وأسبابه والعرض العريض في مستوى الافعال الاختيارية هو الذى بعث الدين وسائر السنن الاجتماعية أن يحدوا الفعل الاختياري بما يراه المتوسط من أفراد المجتمع الانساني اختياريا، ويبنوا على ذلك صحة تعلق الامر والنهى والعقاب والثواب ونفوذ التصرف وغير ذلك، ويعذورا من لم يتحقق فيه ما يتحقق في الفعل الاختياري الذى يأتي به الانسان المتوسط من المبادى والاسباب، وهو المتوسط من الاستطاعة والفهم. فهذا الوسط المعدود اختيارا النافي لاختيارية ما دونه إنما هو كذلك بحسب الحكم الدينى أو الاجتماعي المراعى فيه مصلحة الدين أو الاجتماع وإن كان الامر بحسب النظر التكويني أوسع من ذلك. والامعان فيما تقدم يعطى أن يجزم بأن الحيوان غير الانسان غير محروم من موهبة الاختيار في الجملة وإن كان أضعف مما نجده في المتوسط من الناس من معنى الاختيار

[ 81 ]

وذلك لما نشاهده في كثير من الحيوانات وخاصة الحيوانات الاهلية من آثار التردد في بعض الموارد المقرونة بالموانع من الفعل وكذا الكف عن الفعل بزجر أو إخافه أو تربية، فجميع ذلك يدل على أن في نفوسها صلاحية الحكم بلزوم الفعل والترك، وهو الملاك في أصل الاختيار وإن كان التروي ضعيفا فيها جدا غير بالغ حد ما نجده في الانسان المتوسط. وإذا صح أن الحيوان غير الانسان لا يخلو عن معنى الاختيار في الجملة وإن كان ضعيفا فمن الجائز أن يجعل الله سبحانه المتوسط من مراتب الاختيار الموجودة فيها ملاكا لتكاليف مناسبة لها خاصة بها لا نحيط بها، أو يعاملها بما لها من موهبة الاختيار بنحو آخر لا معرفة لنا به إلا أنه فيها بنحو يصحح الانعام عليها عند الموافقة، ومؤاخذتها والانتقام منها عند المخالفة بما الله سبحانه أعلم به. وقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) جملة معترضة، وظاهرها أن المفرط فيه هو الكتاب، لفظ (من شئ) بيان للفرط الذى يقع التفريط به، والمعنى لا يوجد شئ تجب رعاية حاله والقيام بواجب حقه وبيان نعته في الكتاب إلا وقد فعل من غير تفريط، فالكتاب تام كامل. والمراد بالكتاب إن كان هو اللوح المحفوظ الذى يسميه الله سبحانه في موارد من كلامه كتابا مكتوبا فيه كل شئ مما كان وما يكون وما هو كائن، كان المعنى أن هذه النظامات الاممية المماثلة لنظام الانسانية كان من الواجب في عناية الله سبحانه أن يبنى عليها خلقه الانواع الحيوانية فلا يعود خلقها عبثا ولا يذهب وجودها سدى، ولا تكون هذه الانواع بمقدار ما لها من لياقة القبول ممنوعة من موهبة الكمال. فالاية على هذا تفيد بنحو الخصوص ما يفيده بنحو العموم، قوله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا) (الاسراء: 20)، وقوله: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم) (هود: 56). وإن كان هو القرآن الكريم وقد سما الله كتابا في مواضع من كلامه، كان المعنى أن القرآن المجيد لما كان كتاب هداية يهدى إلى صراط مستقيم على أساس بيان حقائق المعارف التى لا غنى عن بيانها في الارشاد إلى صريح الحق ومحض الحقيقة لم يفرط فيه في

[ 82 ]

بيان كل ما يتوقف على معرفته سعاده الناس في دنياهم وآخرتهم كما قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) (النحل: 89). ومما يجب إن يعرفه الناس في سبيل تفقه إمر المعاد أن يتبينوا كيفية ارتباط الحشر وهو البعث يوم القيامة على نهج الاجتماع بالتشكل الاممى في الدنيا، وأن ذلك هو الذى يجدونه بين أنفسهم ويجدونه بين سائر الانواع الحيوانية، ويترتب عليه دون ذلك فوائد اخرى كالتبصر في توحيد الله تعالى ولطيف قدرته وعنايته بأمر الخليقة والنظام العام الجارى في العالم، ومن أهم فوائده معرفة أن الموجود آخذ في سلسلته من النقص إلى الكمال، وبعض قطعاتها المشتملة على حلقات الحيوان الشامل للانسان وما دونه مراتب مختلفة مترتبة آخذة من المراتب القاطنة في أفق النبات إلى المراتب المجاورة لمرتبة الانسان ثم الانسان. وقد ندب الله سبحانه الناس إلى معرفة الحيوان والنظر في الايات المودعة في وجوده أبلغ الندب، وعد ذلك موصلا إلى أفضل النتائج العلمية الملازمة للسعادة الانسانية وهو اليقين بالله سبحانه حيث قال: (وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون) (الجاثيه: 4)، والايات في الحث على النظر في أمر الحيوان كثيرة في القرآن الكريم. ومن الممكن أن يشار في الاية إلى كلا المعنيين فيراد في الكتاب مطلق الكتاب، ويكون المعنى أن الله سبحانه لا يفرط فيما يكتب من شئ، أما في كتاب التكوين فإنه يقضى ويقدر لكل نوع ما في استحقاقه أن يناله من كمال الوجود كالانواع الحيوانية هيأ لكل منها من سعادة الحياة الاممية الاجتماعية ما هيأه للانسان لما رأى من صلوحها لذلك فلم يفرط في أمرها، وأما في كتابه الذى هو كلامه الموحى إلى الناس فإنه يبين فيه ما في معرفته خير الناس وسعادة عاجلهم وآجلهم ولا يفرط في ذلك، ومن ذلك أنه لم يفرط في أمر الامم الحيوانية، وبين في هذه الاية حقيقة ما وهبه لها من نوع السعادة الوجودية التى جعلتهم امما حية سائرة بوجودها إلى الله سبحانه محشورة إليه كالانسان. وقوله تعالى: (ثم إلى ربهم يحشرون) بيان لعموم الحشر لهم وأن حياتهم الموهوبة نوع حياة تستتبع الحشر إلى الله كما أن الحياة الانسانية كذلك، ولذلك أرجع الضمير المستعمل في اولى الشعور والعقل، فقال: (إلى ربهم يحشرون) إشارة إلى

[ 83 ]

أن أصل الملاك وهو المر الذى يدور عليه الرضا والسخط والاثابة والمؤاخذة موجودفيهم. وقد وقع في الاية التفات من الغيبة إلى الغيبة باالنسبة إليه تعالى، والتدبر فيها يعطى أن الصل في السياق الغيبة وإنما تحول السياق في قوله: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) إلى التكلم مع الغير لكون المعترضة خطابا خاصا باالنبى صلى الله عليه واله فلما فرع منه رجع إلى أصل السياق. ومن عجيب ما قيل في الاية استدل بعضهم بها على التناسخ وهو أن تتعلق نفس النسان بعد مفارقتها البدن بالموت ببدن واحد من الحيوان يناسبها في الخلق الرذيل الذى رسخ فيها كأن تتعلق نفس المكار ببدن ثعلب، ونفس المفسد الحقود ببدن الذئب، ونفس من يتبع سقطات الناس ولا تزال تنتقل من بدن وتعذيب بذالك هذا إن كانت شقية ذات أخلاق رذيله، وإن كانت سعيدة تعلقت الموت ببدن سعيد منعم بسعادته من أفاضل أفراد النسان ومعنى الاية على هذه: مامن حيوان من حيوان من الحيوانات إلا أمم إنسانية أمثالكم انتقلت بعد الموت إلى صور الحيوانات. وقد ظهر مما تقدم أن الاية في معزل من هذا المعنى، على أن ذيل الاية: (ثم إلى ربهم يحشرون) لا يلائم هذا المعنى، على أن أمثال هذه الاقاويل من وضوح الفساد بحيث لا طائل في التعرض لها والبحث عن صحتها وسقمها. ومن عجيب ما قيل فيها أيضا: أن المراد بحشر الحيوان موتها فلا بعث بعد ذلك أو مجموع الموت والبعث. أما الاول فينفيه ظاهر قوله: (إلى ربهم) إذ لا معنى للموت إلى الله، وأما الثاني فهو من لالتزام بما لا يلزم إذ لا موجب لضم الموت إلى البعث في المعنى، ولا أن في الاية ما يستوجبه. قوله تعالى: (والذين كذبوا باياتنا صم وبكم في الظلمات) إلى آخر الاية يريد تعالى أن المكذبين لاياته محرومون من نعمة السمع والتكلم والبصر لكونهم في ظلمات لا يعمل فيها البصر فهم لصممهم لا يقدرون على أن يسمعوا الكلام الحق وأن يستجيبوا له، ولبكمهم لا يستطيعون أن يتكلموا بالقول الحق ويشهدوا بالتوحيد والرسالة، ولاحاطة

[ 84 ]

الظلمات بهم لا يسعهم أن يبصروا طريق الحق فيتخذوه طريقا. وفي قوله تعالى: (من يشاء الله يضلله) الخ، دلالة على أن هذا الصمم والبكم والوقوع في الظلمات إنما هي رجز وقع عليهم منه تعالى جزاء لتكذيبهم بآيات الله فإن الله سبحانه جعل إضلاله المنسوب إليه من قبيل الجزاء، كما في قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين) (البقره: 26). فتكذيب آيات الله غير مسبب عن كونهم صما بكما في الظلمات بل الامر بالعكس وعلى هذا فالمراد بالاضلال بحسب الانطباق على المورد هو جعلهم صما بكما في الظلمات والمراد بمن شاء الله ضلاله هم الذين كذبوا بآياته. وبالمقابلة يظهر أن المراد بالجعل على صراط مستقيم هو أن يعطيه سمعا يسمع به فيجيب داعى الله بلسانه ويتبصر بالحق ببصره، وأن هذا جزاء من لا يكذب بآيات الله سبحانه فمن يشإ الله يضلله ولا يشاء إلا إضلال من يستحقه ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ولا يشاء ذلك إلا لمن تعرض لرحمته. وقد تقدم البحث عن حقيقة معنى ما يصفهم الله تعالى به من الصمم والبكم والعمى وما يشابه ذلك من الصفات، وقد عنى في الاية بنكتة اخرى، وهى ما يفيده الوصل والفصل في قوله: (صم وبكم في الظلمات) حيث ذكر الصمم وهو من أوصافهم ثم ذكر البكم وعطفه عليه وهو صفة ثانية، ثم ذكر كونهم في الظلمات ولم يعطفها وهى صفة ثالثة، وبالجملة وصل بعض الصفات وفصل بعضها، وقد اتى في مثل الاية بحسب المعنى بالفصل أعنى قوله في المنافقين: (صم بكم عمى) (البقره: 18)، وفي آية اخرى يماثلها بالعطف وهى قوله في الكفار: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) (البقره: 7). ولعل النكتة في الاية التى نحن فيها أعنى قوله: (صم وبكم في الظلمات)، الاشارة إلى كون من هم صم غير الذين هم بكم فالصم هم الجهلاء المقلدون الذين يتبعون كبراءهم فلا يدع لهم ذلك سمعا يسمعون به الدعوة الحقة، والبكم هم العظماء المتبوعون الذين لهم علم بصحة الدعوة إلى التوحيد وبطلان الشرك، غير أنهم لعنادهم وبغيهم بكم

[ 85 ]

لا تنطلق إلسنتهم إلى الاعتراف بكلمة الحق والشهادة بها، والطائفتان جميعا تشتركان في أنهما واقعتان في ظلمة لا يتبصر فيها إلى الحق، ولا يسع غيرهما أن يبصرهما بشئ من الاشارات لمكان وقوعهما في الظلمات فلا تنجح فيها الاشارة. ويؤيد ذلك أن الكلام المسرود في الايات يعم الطائفتين جميعا كما يشير إليه قوله تعالى في الايات السابقة: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) (آية: 26)، وكذا قوله: (ولكن أكثرهم لا يعلمون) (آية: 37). هذا في الاية التى نحن فيها، وأما آية المنافقين: (صم بكم عمى)، فالعناية فيها باجتماع جميع هذه الصفات فيهم في زمان واحد لانقطاعهم عن رحمة الله من كل جهة، وأما آية الكفار: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) فقد تعلقت العناية فيها بكون ختم السمع من غير جنس ختم القلوب كما حكاه عنهم في قوله: (وقالوا قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) (حم السجدة: 5) وربما وجهت الاية بغير ذلك من الوجوه. قوله تعالى: (قل إرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة) إلى آخر الايتين لفظ (أرأيتكم) بهمزة الاستفهام وصيغة المفرد المذكر الماضي من الرؤية وضمير الجمع المخاطب، أخذه أهل الادب بمعنى أخبرني، قال الراغب في المفردات: ويجرى (أرأيت) مجرى أخبرني فيدخل عليه الكاف ويترك التاء على حالته في التثنية والجمع والتأنيث، ويسلط التغيير على الكاف دون التاء، قال تعالى: (أرأيتك هذا الذى) قل أرأيتكم، انتهى. وفي الاية تجديد احتجاج على المشركين، وإقامة حجة على بطلان شركهم من وجه، وهو أنها تفرض عذابا آتيا من جانب الله أو إتيان الساعة إليهم ثم تفرض أنهم يدعون في ذلك من يكشف العذاب عنهم على ما هو المغروز في فطرة الانسان أنه يتوجه بالمسألة إذا بلغت به الشدة نحو من يقدر أن يكشفها عنه. ثم تسألهم أنه من الذى تدعونه وتتوجهون إليه بالمسأله إن كنتم صادقين ؟ أغير الله تدعون من أصنامكم وأوثانكم التى سميتموها من عند أنفسكم آلهة أم إياه تدعون ؟ وهيهات أن تدعوا غيره وأنتم تشاهدون حينئذ أنها محكومة بالاحكام الكونية مثلكم لا

[ 86 ]

ينفعكم دعاؤها شيئا. بل تنسون هؤلاء الشركاء المسمين آلهة لان الانسان إذا أحاطت به البلية وهزهزته الهزاهز ينسى كل شئ دون نفسه إلا أن في نفسه رجاء أن ترتفع عنه البلية، والرافع الذى يرجو رفعها منه هو ربه، فتنسون شركاءكم وتدعون من يرفعها من دونهم وهو الله عز اسمه فيكشف الله سبحانه ما تدعون كشفه إن شاء أن يكشفه، وليس هو تعالى بمحكوم على الاستجابة ولا مضطرا إلى الكشف إذا دعى بل هو القادر على كل شئ في كل حال. فإذا كان الله سبحانه هو الرب القدير الذى لا ينساه الانسان وإن نسى كل شئ إلا نفسه ويضطر إلى التوجه إليه ببعث من نفسه عند الشدائد القاصمة الحاطمة دون غيره من الشركاء المسمين آلهة فهو سبحانه هو رب الناس دونها. فمعنى الاية (قل) يا محمد (أرأيتكم) أخبروني (إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة) فرض إتيان عذاب من الله ولا ينكرونه، وفرض إتيان الساعة ولم يعبأ بإنكارهم لظهوره (أغير الله تدعون) لكشفه، وقد حكى الله في كلامه عنهم سؤال كشف العذاب في الدنيا ويوم القيامة جميعا لما أن ذلك من فطريات الانسان (إن كنتم صادقين) وجئتم بالنصفة (بل إياه) الله سبحانه دون غيره من أصنامكم (تدعون فيكشف ما تدعون إليه) من العذاب (إن شاء) أن يكشفه كما كشف لقوم يونس، وليس بمجبر ولا مضطرا إلى القبول لقدرته الذاتية (وتنسون ما تشركون) من الاصنام والاوثان على ما في غريزة الانسان أن يشتغل عند إحاطة البلية به عن كل شئ بنفسه، ولا يهم إلا بنفسه لضيق المجال به أن يتلهى بما لا ينفعه، فاشتغاله والحال هذه بدعاء الله سبحانه ونسيانه الاصنام أصرح حجة أنه تعالى هو الله لا إله غيره ولا معبود سواه. وبما تقدم من تقرير معنى الاية يتبين أولا: أن إتيان العذاب أو الساعة، وكذا الدعاء لكشفه مفروضان في حجة الاية، والمطلوب بيان أن المدعو حينئذ هو الله عزاسمه دون الاصنام، وأما أصل الدعاء عند الشدائد والمصائب، وأن للانسان توجها جبليا عند ما تطل عليه البلية ويتقطع عنه كل سبب إلى من يكشفها عنه فهو حجة اخرى

[ 87 ]

غير هذه الحجة، والمطلوب بهذه الحجة - وهى التى في هذه الاية - التوحيد وبتلك الحجة، إثبات الصانع من غير نظر إلى توحيده، وإن تلازم المطلوبان. وثانيا: أن تقييد قوله: (فيكشف ما تدعون إليه)، بقوله: (إن شاء) لبيان إطلاق القدرة فلله سبحانه أن يكشف كل شديدة حتى الساعة التى لا ريب فيها، فإن قضاءه الحتم لامر من الامور وإن كان يحتمه ويوجبه لكنه لا يسلب عنه القدرة على الترك فله القدرة المطلقة على ما قضى به، وما لم يقض به، و مثل الساعة في ذلك كل عذاب غير مردود وأمر محتوم إن يشأ يأت به وإن لم يشأ لم يأت به وإن كان يشاء دائما ما قضى به قضاء حتما ووعده وعدا جزما والله لا يخلف الميعاد فافهم ذلك. وله سبحانه أن لا يجيب دعوة أي داع دعاه وإن عرف نفسه بأنه مجيب، فقال: (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقره: 186) ووعد الاستجابة لداعيه وعدا بتيا، فقال: (ادعوني أستجب لكم) (المؤمن: 60) فإن وعد الاستجابة لا يسلب عنه القدرة على عدم الاستجابة وإن كان يستجيب دائما كل من دعاه بحقيقة الدعاء، وتجرى على ذلك سنته صراطا مستقيما لا تخلف فيه. ومن هنا يظهر فساد ما استشكل على الاية بأن مدلولها يخالف ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة أن الساعة لا ريب فيها ولا محيص عن وقوعها وأن عذاب الاستئصال لا مرد له، وقد قال تعالى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (المؤمن: 50). وجه الفساد أن الاية لا تدل على أزيد من أن الله سبحانه أن يفعل ما يشاء وأنه قادر على كل شئ، وأما أنه يشاء كل شئ ويفعل كل شئ فلا دلالة فيها على ذلك ولا ريب أن قضاءه الحتمى بوقوع الساعة أو بعذاب قوم عذاب استئصال لا يبطل قدرته على خلافه فله أن يخالف إن شاء وإن كان لا يخلف الميعاد ولا ينقض ما أراد. وأما قوله تعالى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) فهو دعاؤهم في جهنم لكشف عذابهاو تخفيفه عنهم، ومن المعلوم أن الدعاء مع تحتم الحكم وفصل القضاء لا يتحقق بحقيقته فإن سؤال أن لا يبعث الله الخلق أو لا يعذب أهل جهنم فيها من الله سبحانه بمنزلة أن يسأل الله سبحانه أن لا يكون هو الله سبحانه فإن من لوازم معنى الالوهية أن يرجع

[ 88 ]

إليه الخلق على حسب أعمالهم، فلمثل هذه الادعية صورة الدعاء فقط دون حقيقة معناها، وأما لو تحقق الدعاء بحقيقته بأن يدعى حقيقه ويتعلق ذلك الدعاء بالله حقيقة كما هو ظاهر قوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) الاية، فإن ذلك لا يرد البتة والدعاء على هذا النعت لا يدع الكافر كافرا ولو حين الدعاء كما قال تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) (العنكبوت: 65). فما في قوله: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) دعاء منهم وهم على الكفر فإن الثابت من ملكة الكفر لا يفارقهم في دار الجزاء وإن كان من الجائز أن يفارقهم في دار العمل بالتوبة والايمان. فدعاؤهم لكشف العذاب عنهم يوم القيامة أو في جهنم ككذبهم على الله يوم القيامة بقولهم - كما حكى الله - والله ربنا ما كنا مشركين، ولا ينفع اليوم كذب غير أنهم اعتادوا ذلك في الدنيا ورسخت رذيلتهم في نفوسهم فبرزت عنهم آثاره يوم تبلى السرائر، ونظير أكلهم وشربهم وخصامهم في النار، ولا غنى لهم في شئ من ذلك، كما قال تعالى: (تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع) (الغاشيه: 7)، وقال تعالى: (ثم أنكم أيها الضالون المكذبون لاكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم) (الواقعة: 55)، وقال تعالى: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) (ص: 64)، فهذا كله من قبيل ظهور الملكات فيهم. وما قبل الاية يؤيد ما ذكرناه من أن دعاءهم ليس على حقيقته وهو قوله تعالى: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (المؤمن: 50)، فان مسألتهم خزنة النار أن يدعوا الله لهم في تخفيف العذاب ظاهر في أنهم آيسون من استجابة دعائهم أنفسهم، والدعاء مع اليأس عن الاستجابة ليس دعاء ومسألة حقيقية إذ لا يتعلق الطلب بما لا يكون البتة. وثالثا: أن النسيان في قوله: (وتنسون ما تشركون) حقيقة معناه على ما هو)

[ 89 ]

المشهود من حال الانسان عند ما تغشاه الشدائد والخطوب إذ يشتغل بنفسه وينسى كل أمر دونها إلا الله سبحانه فلا موجب للالتزام بما ذكره بعضهم: أن المراد بقوله: (وتنسون ما تشركون تعرضون عنها إعراض من نسى الشئ عنه. وإن كان لا مانع من ذلك لكونه من المجازات الشائعة لكلمه النسيان، وقد استعمل في القرآن النسيان بمعنى الاعراض عن الشئ وعدم الاعتناء به كثيرا كما قال تعالى: (وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) (الجاثيه: 34) إلى غير ذلك من الايات. قوله تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) البأساء والبأس والبؤس هو الشدة والمكروه إلا أن البؤس يكثر استعماله في الحرب ونحوه والبأس والبأساء في غيره كالفقر والجدب والقحط ونحوها، والضر والضراء هو سوء الحال فيما يرجع إلى النفس كغم وجهل أو ما يرجع إلى البدن كمرض ونقص بدنى أو ما يرجع إلى غيرهما كسقوط جاه أو ذهاب مال، ولعل المقصود من الجمع بين البأساء والضراء الدلالة على تحقق الشدائد في الخارج كالجدب والسيل والزلزلة، وما يعود إلى الناس من قبلها من سوء الحال كالخوف والفقر ورثاثة الحال. والضراعة هي المذلة والتضرع التذلل والمراد به التذلل إلى الله سبحانه لكشف ما نزل عليهم من نوازل الشدة والرزية. والله سبحانه يذكر لنبيه صلى الله عليه وآله في هذه الاية وما يتلوها إلى تمام أربع آيات سنته في الامم التى من قبله إذ جاءتهم رسلهم بالبينات: أنه كان يرسل إليهم الرسل فيذكرونهم بتوحيد الله سبحانه والتضرع وإخلاص الانابة إليه ثم يبتليهم بأنواع الشدة والمحن ويأخذهم بالبأساء والضراء ولكن بمقدار لا يلجئهم إلى التضرع ولا يضطرهم إلى الابتهال والاستكانة لعلهم يتضرعون إليه بحسن اختيارهم، ويلين قلوبهم فيعرضوا عن التزيينات الشيطانية وعن الاخلاد إلى الاسباب الظاهرية لكنهم لم يتضرعوا إليه بل أقسى الاشتغال بأعراض الدنيا قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، وأنساهم ذلك ذكر الله. فلما نسوا ذكر الله سبحانه فتح الله عليهم أبواب كل شئ وصب عليهم نعمه المتنوعة صبا حتى إذا فرحوا بما عندهم من النعم واغتروا واستقلوا بأنفسهم من دون الله

[ 90 ]

أخذهم الله بغتة ومن حيث لا يشعرون به فإذا هم آيسون من النجاة شاهدون سقوط ما عندهم من الاسباب فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وهذه السنة سنه الاستدراج والمكر الذى لخصها الله تعالى في قوله: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدى متين) (الاعراف: 183). وبالتأمل فيما تقدم من تقرير معنى الاية والتدبر في سياقها يظهر أن الاية لا تنافى سائر الايات الناطقة بأن الانسان مفطور على التوحيد ملجأ باقتضاء من فطرته وجبلته إلى الاقرار به والتوجه إليه عند الانقطاع عن الاسباب الكونية كما قال تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور) (لقمان: 32). وذلك أن الاية لا تريد من البأساء والضراء إلا ما لا يبلغ من الشدة والمهابة مبلغا يذهلون به عن كل سبب وينسون به كل وسيلة عادية، ومن الدليل على ذلك قوله في الاية: (لعلهم يتضرعون) إذ (لعل) كلمة رجاء ولا رجاء مع الالجاء والاضطرار، وكذا قوله تعالى: (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فإن ظاهره إنهم اغتروا بذلك وتوسلوا في رفع البأساء والضراء إلى أعمالهم التى عملوها بأيديهم ودبروها بتدا بيرهم للغلبة على موانع الحياة وأضداد العيش فاشتغلوا بالاسباب الطبيعية الملهية إياهم عن التضرع إلى الله سبحانه والاعتصام به، كقوله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) (المؤمن: 84)، فالاية الاولى - كما ترى - تحكى عنهم نظير ما تحكيه الاية التى نحن فيها من الاعراض عن التضرع والاغترار بالاعمال والاية الثانية تحكى ما تحكيه الايات الاخرى من التوحيد في حال الاضطرار. ومن هنا يظهر فساد ما يظهر من بعضهم أن ظاهر الاية كون الامم السابقة مستنكفة عن التوحيد معرضة عن التضرع حتى في الشدائد الملجئة قال في تفسير الاية: أقسم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله أنه أرسل رسلا قبله إلى أمم قبل أمته فكانوا أرسخ من قومه في الشرك، وأشد منهم إصرارا على الظلم فإن قومه يدعون الله وحده عند شدة الضيق،

[ 91 ]

وينسون ما اتخذوه من الاولياء والانداد، وأما تلك الامم فلم تلن الشدائد قلوبهم، ولم تصلح ما أفسد الشيطان من فطرتهم، انتهى. ولازم ما ذكره أن لا يكون التوحيد فطريا يظهر عند ارتفاع الاوهام الشاغلة والانقطاع عن الاسباب الظاهرة أو أن يمكن إبطال حكم الفطرة من أصله، وقد قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) (الروم: 30) فأفاد أن دين التوحيد فطرى، وأن الفطرة لا تقبل التغيير بمغير وأيد ذلك بآيات أخر ناصة على أن الانسان عند انقطاعه عن الاسباب يتوجه إلى ربه بالدعاء مخلصا له الدين لا محالة. على أن الاقرار بالاله الواحد عند الشدة والانقطاع مما نجده من أنفسنا وجدانا ضروريا ولا يختلف في ذلك الانسان الاولى وإنسان اليوم البتة. قوله تعالى: (فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم) الخ، (لو لا) للتحضيض أو للنفي، وعلى أي حال تفيد في المقام فائدة النفى بدليل قوله: (ولكن قست قلوبهم) وقسوة القلب مقابل لينه، وهو كون الانسان لا يتأثر عن مشاهدة ما يؤثر فيه عادة أو عن استماع كلام شأنه التأثير. والمعنى: فلم يتضرعوا حين مجئ البأس ولم يرجعوا إلى ربهم بالتذلل بل أبت نفوسهم أن تتأثر عنه، وتلهوا بأعمالهم الشيطانية الصارفة لهم عن ذكر الله سبحانه و أخلدوا إلى الاسباب الظاهرة التى كانوا يرون استقلالها في إصلاح شأنهم. قوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ) الخ، المراد بفتح أبواب كل شئ إيتاؤهم من كل نعمة من النعم الدنيوية التى يتنافس فيها الناس لتمتع من مزايا الحياة من المال والبنين وصحة الابدان والرفاهية والخصب والامن والطول والقوه، كل ذلك توفيرا من غير تقتير ومنع كما أن خزانه المال إذا أعطى منها أحد بقدر وميزان فتح بابها فاعطى ما أريد ثم سد، وأما إذا أريد الاعطاء من غير تقدير فتح بابها ولم يسد على وجه قاصده بالجملة كناية عن إيتائهم أنواع النعم من غير تقدير على ما يساعده المقام.

[ 92 ]

على أن فتح الباب إنما يناسب بحسب الطبع الحسنات والنعم وأما السيئات والنقم فإنما تتحقق بالمنع ويناسبها سد الباب كما يلمح إليه قوله تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) (فاطر: 2). ومبلسون من أبلس إبلاسا، قال الراغب: الابلاس الحزن المعترض من شدة اليأس - إلى أن قال - ولما كان المبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه، قيل: أبلس فلان إذا سكت وإذا انقطعت حجته، انتهى. وعلى هذا المعنى المناسب لقوله: (فإذا هم مبلسون أي خامدون منقطعوا الحجة. ومعنى الاية أنهم لمانسوا ما ذكروا به أو أعرضوا عنه آتيناهم من كل نعمة استدراجا حتى إذا تمت لهم النعم وفرحوا بما اوتوا منها أخذناهم فجأه فانخمدت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاقهم ذلك. قوله تعالى: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) دبر الشئ مقابل قبله وهما الجزءان: المقدم والمؤخر من الشئ، ولذا يكنى بهما عن العضوين المخصوصين، وربما توسع فيهما فاطلقا على ما يلى الجزء المقدم أو المؤخر فينفصلان عن الشئ، وقد اشتق منهما الافعال بحسب المناسبة نحو أقبل وأدبر وقبل ودبر وتقبل وتدبر واستقبل واستدبر، ومن ذلك اشتقاق دابر بمعنى ما يقع خلف الشئ ويليه من ورائه، ويقال: أمس الدابر أي الواقع خلف اليوم كما يقال: عام قابل، ويطلق الدابر بهذا المعنى على أثر الشئ كدابر الانسان على أخلافه وسائر آثاره، فقوله: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) أي أن الهلاك استوعبهم فلم يبق منهم عينا ولا أثرا أو أبادهم جميعا فلم يخلص منهم أحد كما قال تعالى: (فهل ترى لهم من باقية (الحاقه: 8). ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: (دابر القوم الذين ظلموا) دون أن يقال: دابرهم للدلالة على سبب الحكم وهو الظم الذى أفنى جمعهم وقطع دابرهم، وهو مع ذالك يمهد السبيل إلى إيراد قوله: (والحمد لله رب العالمين). ومن هذه الاية بما تشتمل على وصفهم بالظلم وعلى حمده تعالى بربوبيته تتحصل الدلالة على أن اللوم والسوء في جميع ما حل بهم من عذاب الاستئصال يرجع إليهم لانهم القوم الذين ظلموا، وأنه لا يعود إليه تعالى إلا الثناء الجميل لانه لم يأت في تدبير

[ 93 ]

أمرهم إلا بما تقتضية الحكمة البالغة، ولم يسقهم في سبيل ما انتهوا إليه إلا إلى ما ارتضوه بسوء اختيارهم فقد تحقق أن الخزى والسوء على الكافرين، وأن الحمد لله رب العالمين. قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم) إلى آخر الاية، أخذ السمع والابصار هو سلب قوتي السمع والابصار وهو الاصمام والاعماء. والختم على القلوب إغلاق بابها إغلاقا لا يدخلها معه شئ من خارج حتى تتفكر في أمرها، وتميز الواجب من الاعمال من غير: والخير النافع منها من الشر الضار مع حفظ أصل الخاصية وهو صلاحية التعقل وإلا كان جنونا وخبلا. وإذ كان هؤلاء المشركون لا يسمعون حق القول في الله سبحانه ولا يبصرون آياته الداله على أنه واحد لا شريك له فصارت قلوبهم لا يدخلها شئ من واردات السمع والبصر حتى تعرف بذلك الحق من الباطل أقام الحجة بذلك على إبطال مذهبهم في أمر الاله تعالى وحدته. وملخصها أن القول بثبوت شركاء لله يستلزم القول ببطلانه وذلك أن القول بالشركاء لاثبات الشفاعة، وهى أن تشفع وتتوسط في جلب المنافع ودفع المضار، وإذ كانت الشركاء شفعاء على الفرض كان لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء من غير مصادفة مانع يمانعه أو ضد يضاده فلو سلب الله عنكم سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم فعل ذلك ولم يعارضه أحد من شركائكم لانها شفعاء متوسطة لا أضداد معارضة، ولو فعل ذلك وسلب ما سلب لم يقدر حد منها أن يأتيكم به لانها شفعاء وسائط لا مصادر للخلق والايجاد. وإذا لم يقدر على إيتاء نفع أو إذهاب ضر فما معنى الوهيتها فليس الاله إلا من يوجد ويعدم ويتصرف في الكون كيف شاء، وإنما اضطرت الفطرة الانسانية إلى الاقرار بأن للعالم إلها من جهة الحصول على مبدأ حوادث الخير والشر التى تشاهدها في الوجود، وإذ كان شئ لا يضر ولا ينفع في جنب الحوادث شيئا فليس تسميته إلها إلا لغوا من القول. وليس لانسان صحيح العقل والتمييز أن يجوز كون صورة حجرية أو خشبية

[ 94 ]

أو فلزية عملته يد الانسان وصنعته فكرته خالقا للعالم أو متصرفا فيه بالايجاد والاعدام وكذا كون رب الصنم ربا معبودا أبدع العالم على غير مثال سابق مع الاعتراف بكونه عبدا مربوبا. والحجة تعود بتقرير آخر إلى أن معنى الالوهية يأبى عن الصدق على الشريك بمعنى الشفيع المتوسط فإن مبدئية الصنع والايجاد لازم معناها الاستقلال في التصرف والتعين في استحقاق خضوع المصنوع المربوب، والواسطة المفروضة إن كان لها استقلال في العمل كانت أصلا ومبدأ لا واسطة وشفيعا وإن لم يكن له حظ من الاستقلال كانت أداة آلة لها مبدا وإلها. ولذا كانت الاسباب الكونية أيا ما فرضت ليس لها إلا معنى الالة والاداة كسببية الاكل للشبع والشرب للرى والوالدين للولد والقلم للكتابة والمشى لانطواء المسافة وهكذا. وقوله: (انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون) تصريف الايات تحويلها إلى نحو أفهامهم، والصدوف الاعراض، يقال: صدف يصدف صدوفا إذا مال عن الشئ. قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) إلى آخر الاية، الجهرة الظهور التام الذى لا يقبل الارتياب ولذا قابلت البغتة التى هي إتيان الشئ فجأة لا يظهر على من أتاه إلا بعد إتيانه وغشيانه فلا يترك له مجال التحذر. وهذه حجة بين فيها على وجه العموم أن الظالمين على خطر من عذاب الله عذابا لا يتخطاهم، ولا يغلط في إصابتهم بإصابة من سواهم م بين أنهم هم الظالمون لفسقهم عن الدعوة الالهية وتكذيبهم بآيات الله تعالى. وذلك أن معنى العذاب ليس إلا إصابة المجرم بما يسوؤه ويدمره من جزاء إجرامه ولا إجرام إلا مع ظلم، فلو أتاهم من قبل الله سبحانه عذاب لم يهلك به إلا الظالمون، فهذا ما يدل عليه الاية ثم بين الايتين التاليتين أنهم هم الظالمون. قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين إلى آخر الايتين يبين بالايتين أنهم هم الظالمون، ولا يهلك بعذاب الله إن أتاهم إلا لظلمهم.

[ 95 ]

ولذا غير سياق الكلام فوجه وجه البيان إلى النبي صلى الله عليه وآله ليكون هو المخبر عن شأن عذابه فيكون أقطع للعذر وجئ بلفظ المتكلم ليدل به على صدوره من ساحة العظمة والكبرياء. فكان ملخص المضمون أمره تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقيم عليهم الحجة أن لو أتاهم عذاب الله لم يهلك إلا الظالمين منهم ثم يقول تعالى لرسوله: إنا نحن الملقين إليك الحجة الاتين بالعذاب نخبرك أن أرسالنا الرسل إنما هو للتبشير والانذار فمن آمن وأصلح فلا عليه، ومن كذب بآياتنا فهو الذى يمسه عذابنا لفسقه وخروجه عن طور العبودية فلينظروا في أمر أنفسهم من أي الفريقين هم ؟. وقد تقدم في المباحث السابقة استيفاء البحث عن معنى الايمان والاصلاح والفسق ومعنى نفى الخوف والحزن عن المؤمنين، قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك) لعل المراد بخزائن الله ما ذكره بقوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لامسكتم خشية الانفاق) (: الاسراء: 100) وخزائن الرحمة هذه هي ما يكشف عن أثره، قوله تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك له) الاية، (فاطر: 2) وهى فائضة الوجود التى تفيض من عنده تعالى على الاشياء من وجود ها وآثار وجودها، وقد بين قوله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: 82) أن مصدر هذا الاثر الفائض هو قوله، وهو كلمة (كن) الصادرة عن مقام العظمة والكبرياء، وهذا هو الذى يخبر عنه بلفظ آخر في قوله: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (الحجر: 21). فالمراد بخزائن الله هو المقاالذى يعطى بالصدور عنه ما أريد من شئ من غير أن ينفد بإعطاء وجود أو يعجزه بذل وسماحة، وهذا مما يختص بالله سبحانه، وأما غيره كائنا ما كان ومن كان فهو محدود وما عنده مقدر إذا بذل منه شيئا نقص بمقدار ما بذل، وما هذا شأنه لم يقدر على إغناء أي فقير، وإرضاء أي طالب، وإجابة أي سؤال. وأما قوله: (ولا أعلم الغيب) فإنما أريد بالعلم الاستقلال به من غير تعليم بوحى، وذلك أنه تعالى يثبت الوحى في ذيل الاية بقوله: (إن اتبع إلا ما يوحى إلى)، وقد

[ 96 ]

بين في مواضع من كلامه أن بعض ما يوحيه لرسله من الغيب، كقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) (الجن: 26)، وكقوله بعد سرد قصة يوسف وذلك: (من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) (يوسف: 102)، وقوله في قصة مريم: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصون) (آل عمران: 44)، وقوله بعد قصة نوح: (تلك من انباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا (هود: 49). فالمراد بنفى علم الغيب نفى أن يكون مجهزا في وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للانسان بحسب العاده إلى العلم به من خفيات الامور كائنة ما كانت. وأما قوله: (ولا أقول لكم إنى ملك) فهو كناية عن نفى آثار الملكية من أنهم منزهون عن حوائج الحياة المادية من أكل وشرب ونكاح وما يلحق بذلك، وقد عبر عنه في مواضع اخرى بقوله: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى) (الكهف: 110)، وإنما عبر عن ذلك ههنا بنفى الملكية دو إثبات البشرية ليحاذي به ما كانوا يقترحونه صلى الله عليه وآله السلام بمثل قولهم: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق) (الفرقان: 7). ومن هنا يظهر أن الاية بما في سياقها من النفى وبعد النفى - كأنها ناظرة إلى الجواب عما كانوا يقترحونه على النبي صلى الله عليه السلام من سؤال الايات المعجزة والاعتراض بما كان يأتي به من أعمال كأعمال المتعارف من الناس كما حكاه عنهم في قوله: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها) (الفرقان: 8)، وقوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف إلى أن قال - قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا) (الاسراء: 93)، وقوله: (فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو) (الاسراء: 51)، وكقوله چ (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) (الاعراف: 187).

[ 97 ]

فمعنى قوله: (قل لا أقول لكم) الخ، قل: لم أدع فيما أدعوكم إليه وأبلغكموه أمرا وراء ما أنا عليه من متعارف حال الانسان حتى تبكتونى بإلزامى بما تقترحونه على فلم أدع أنى أملك خزائن الالوهية حتى تقترحوا أن أفجر أنهارا أو أخلق جنة أو بيتا من زخرف، ولا ادعيت أنى أعلم الغيب حتى أجيبكم عن كل ما هو مستور تحت إستار الغيوب كقيام الساعة ولا ادعيت أنى ملك حتى تعيبونى وتبطلوا قولى بأكل الطعام والمشى في الاسواق للكسب. قوله تعالى: (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) بيان لما يدعيه حقيقة بعد رد ما اتهموه به من الدعوى من جهة دعواه الرسالة من الله إليهم أي ليس معنى قولى: إنى رسول الله إليكم أن عندي خزائن الله ولا أنى أعلم الغيب ولا أنى ملك بل أن الله يوحى إلى بما يوحى. ولم يثبته في صورة الدعوى بل قال: (إن أتبع) الخ، ليدل على كونه مامورا بتبليغ ما يوحى إليه ليس له الا اتباع ذلك فكأنه لما قال: لا أقول لكم كذا ولا كذا ولا كذا قيل له: فإذا كان كذلك وكنت بشرا مثلنا وعاجزا كأحدنا لم تكن لك مزية علينا فما ذا تريد منا ؟ فقال: إن أتبع إلا ما يوحى إلى أن أبشركم وانذركم فأدعوكم إلى دين التوحيد. والدليل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: (قل لا يستوى الاعمى والبصير أفلا تتفكرون) فإن مدلوله بحسب ما يعطيه السياق: أنى وإن ساويتكم في البشرية والعجز لكن ذلك لا يمنعنى عن دعوتكم إلى اتباعى فإن ربى جعلني على بصيرة بما أوحى إلى دونكم فأنا وأنتم كالبصير والاعمى ولا يستويان في الحكم وإن كانا متساويين في الانسانية فإن التفكر في أمرهما يهدى الانسان إلى القضاء بأن البصير يجب أن يتبعه الاعمى، والعالم يجب أن يتبعه الجاهل. قوله تعالى: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) إلى آخر الاية الضمير في (به) راجع إلى القرآن وقد دل عليه قوله في الاية السابقة: (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) وقوله: (ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع) حال والعامل فيه يخافون أو يحشرون.

[ 98 ]

والمراد بالخوف معناه المعروف دون العلم وما في معناه إذ لا دليل عليه بحسب ظاهر المعنى المتبادر من السياق، والامر بإنذار خصوص الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم لا ينافى عموم الانذار لهم ولغيرهم كما يدل عليه قوله في الايات السابقة: (وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) (آية: 19) بل لما كان خوف الحشر إلى الله معينا لنفوسهم على القبول ومقربا للدعوة إلى أفهامهم أفاد تخصيص الامر بالانذار بهم ووصفهم هذا الوصف تأكيدا لدعوتهم وتحريضا له أن لا يسامح في أمرهم ولا يضعهم موضع غيرهم بل يخصهم بمزيد عناية بدعوتهم لان موقفهم أقرب من الحق وإيمانهم أرجى فالاية بضميمة سائر آيات الامر بالانذار العام تفيد من المعنى: أن أنذر الناس عامة ولا سيما الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم. وقوله: (ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع) نفى مطلق لولاية غير الله وشفاعته فيقيده الايات الاخر المقيدة كقوله: (من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه: (البقره: 255) وقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الانبياء: 28) وقوله: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) (الزخرف: 86). وإنما لم يستثن في الاية لان الكلام يواجه به الوثنيون الذين كانوا يقولون بولاية الاوثان وشفاعتها، ولم يكونوا يقولون بذلك بالاذن والجعل فإن الولاية والشفاعة عن إذن يحتاج القول به إلى العلم، به والعلم إلى الوحى والنبوة، وهم لم يكونوا قائلين بالنبوة، وأما الذى أثبتوه من الولاية والشفاعة فكأنه أمر متهئ لاوليائهم وشركائهم بالضرورة من طبعها لا بإذن من الله كأن أقوياء الوجود من الخليقة لها نوع من التصرف في ضعفائه بالطبع وإن لم يأذن به الله سبحانه، وإن شئت قلت: لازمه أن يكون إيجادها إذنا إضطراريا في التصرف في ما دونها. وبالجملة قيل: (ما لهم من دونه ولى ولا شفيع) ولم يقل: إلا بإذنه لان المشركين إنما قالوا إن الاوثان أولياء وشفعاء من غير تقييد فنفى ما ذكروه من الولى والشفيع من دون الله محاذاة بالنفى لاثباتهم، وأما الاستثناء فهو وإن كان صحيحا كما وقع في مواضع من كلامه تعالى لكن لا يتعلق به غرض ههنا. وقد تبين مما تقدم أن الاية على إطلاق ظاهرها تأمر بإنذار كل من لا يخلو من استشعار

[ 99 ]

خوف من الحشر في قلبه إذا ذكر بآيات الله سواء كان ممن يؤمن بالحشر كالمؤمنين من أهل الكتاب أو ممن لا يؤمن به كالوثنيين وغيرهم لكنه يحتمله فيغشى الخوف نفسه بالاحتمال أو المظنأ فإن الخوف من شئ يتحقق بمجرد احتمال وجوده وإن لم يوقن بتحققه. وقد اختلفت أنظار المفسرين في الاية فمن قائل: إن الاية نزلت في المؤمنين القائلين بالحشر، وأنهم هم الذين عنوا في الاية التالية: (بقوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) ومن قائل إنها نزلت في طائفة من المشركين الوثنيين يجوزون الحشر بعد الموت وإن لم يثبت وجود القائل بهذا القول بين مشركي مكة أو العرب يوم نزول السورة مع كون خطابات السورة متوجهة إلى المشركين من قريش أو العرب بحسب السياق. ومن قائل: إن المراد بهم كل معترف بالحشر من مسلم أو كتابي، وإنما خص هؤلاء المعترفون بالامر بالانذار مع أن وجوب الانذار عام لجميع الخلق لان الحجة أوجب عليهم لاعترافهم بالمعاد. لكن الاية لم تأخذ في وصفهم إلا الخوف من الحشر، ولا يتوقف الخوف من الشئ على العلم بتحققه ولا الاعتراف بوجوده بل الشك - وهو الاحتمال المتساوي طرفاه - والمظنة وهى الادراك الراجح على ما له من المراتب يجامع الخوف كالعلم وهو ظاهر. فالاية إنما تحرض النبي صلى الله عليه وآله على إنذار كل من شاهد في سيماه علائم الخوف من أي طائفة كان لان بناء الدعوة الدينية على أساس الحشر وإقامة المحاسبة على السيئة والحسنة والمجازاة عليهما، وأدنى ما يرجى من تأثير الدعوة الدينية في واحد أن يجوزه فيخافه، وكلما ازداد احتمال وقوعه ازداد الخوف وقوى التأثير حتى يتلبس باليقين وينتفى احتمال الخلاف بالكلية، فهناك التأثير التام. قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) إلى آخر الاية ظاهر السياق على ما يؤيده ما في الاية التالية: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض) الخ، أن المشركين من قومه صلى الله عليه واله اقترحوا عليه أن يطرد عن نفسه الضعفاء المؤمنين به فنهاه الله تعالى في هذة الاية عن ذلك. وذلك منهم نظير ما اقترحه المستكبرون من سائر الامم من رسلهم أن يطردوا عن أنفسهم الضعفاء والفقراء من المؤمنين استكبارا وتعززا، وقد حكى الله تعالى ذلك

[ 100 ]

عن قوم نوح فيما حكاه من محاجته عليه السلام حجاجا يشبه ما في هذه الايات من الحجاج قال تعالى: (فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين. قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون - إلى أن قال - وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم - إلى أن قال - ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا لمن الظالمين) (هود: 31). والتطبيق بين هذه الايات والايات التى نحن فيها يقضى أن يكون المراد بالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ويريدون وجهه هم المؤمنين، وإنما ذكر دعائهم بالغداة والعشي وهو صلاتهم أو مطلق دعائهم ربهم للدلالة على ارتباطهم بربهم بما لا يداخله غيره تعالى وليوضح ما سيذكره من قوله: (أليس الله بأعلم بالشاكرين). وقوله: (يريدون وجهه) أي وجه الله، قال الراغب في مفرداته: أصل الوجه الجارحة قال: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، وتغشى وجوههم النار، ولما كان الوجه أول ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن استعمل في مستقبل كل شئ وفي أشرفه ومبدئه فقيل: وجه كذا ووجه النهار، وربما عبر عن الذات بالوجه في قول الله: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام، قيل: ذاته، وقيل: أراد بالوجه ههنا التوجه إلى الله بالاعمال الصالحة. وقال: فأينما تولوا فثم وجه الله، كل شئ هالك إلا وجهه، يريدون وجه الله، إنما نطعمكم لوجه الله، قيل: إن الوجه في كل هذا ذاته ويعنى بذلك كل شئ هالك إلا هو وكذا في أخواته، وروى أنه قيل ذلك لابي عبد الله بن الرضا فقال: سبحان الله لقد قالوا قولا عظيما إنما عنى الوجه الذى يؤتى منه ومعناه: كل شئ من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به الله، وعلى هذا الايات الاخر، وعلى هذا قوله: يريدون وجهه، يريدون وجه الله، انتهى. أقول: أما الانتقال الاستعمالى من الوجه بمعنى الجارحة إلى مطلق ما يستقبل به الشئ غيره توسعا فلا ريب فيه على ما هو المعهود من تطور الالفاظ في معانيها لكن النظر

[ 101 ]

الدقيق لا يسوغ إرادة الذات من الوجه فإن الشئ أيا ما كان إنما يستقبل غيره بشئ من ظواهر نفسه من صفاته وأسمائه، وهى التى تتعلق بها المعرفة فانا إنما نعرف ما نعرف بوصف من أوصافه أو اسم من أسمائه ثم نستدل بذلك على ذاته من غير أن نماس ذاته مساسا على الاستقامة. فإنا إنما ننال معرفة الاشياء أولا بأدوات الحس التى لا تنال إلا الصفات من أشكال وتخاطيط وكيفيات وغير ذلك من دون أن ننال ذاتا جوهرية ثم نستدل بذلك على أن لها ذوات جوهرية هي القيمة لاعراضها وأوصافها التابعة لما أنها تحتاج إلى ما يقيم أودها ويحفظها ففى الحقيقة قولنا: ذات زيد مثلا معناه الشئ الذى نسبته إلى أوصاف زيد وخواصه كنسبتنا إلى أوصافنا وخواصنا فإدراك الذوات إدراكا فكريا يكون دائما بضرب من القياس والنسبة. وإذا لم يمكن إدراك الذوات الماهوية بإدراك تام فكرى إلا من طريق أوصافها وآثارها بضرب من القياس والنسبة فالامر في الله سبحانه ولا حد لذاته ولا نهاية لوجوده أوضح وأبين، ولا يقع العلم على شئ إلا مع تحديد ما له فلا مطمع في الاحاطة العلمية به، تعالى قال: (وعنت الوجوه للحى القيوم) (طه: 111) وقال: (و لا يحيطون به علما) (طه: 110). لكن وجه الشئ لما كان ما يستقبل به غيره كانت الجهة بمعنى الناحية أعنى ما ينتهى إليه الاشارة وجها فإنها بالنسبة إلى الشئ الذى يحد الاشارة كالوجه بالنسبة إلى الانسان يستقبل غيره به، وبهذه العناية تصير الاعمال الصالحة وجها لله تعالى كما أن الاعمال الطالحة وجه للشيطان وهذا بعض ما يمكن أن ينطبق عليه أمثال قوله: (يريدون وجه الله) و قوله: (إنما نطعمكم لوجه الله) وغير ذلك، وكذا الصفات التى يستقبل بها الله سبحانه خلقه كالرحمة والخلق والرزق والهداية ونحوها من الصفات الفعلية بل الصفات الذاتية التى نعرفه تعالى بها نوعا من المعرفة كالحياة والعلم والقدرة كل ذلك وجهه تعالى يستقبل خلقه بها ويتوجه إليه من جهتها كما يشعر به بعض الاشعار أو الدلالة قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) (الرحمن: 27) فإن ظاهر الاية أن قوله: (ذو الجلال والاكرام نعت للوجه دون الرب فافهم ذلك.

[ 102 ]

وإذا صح أن ناحيته تعالى جهته ووجهه صح بالجملة أن كل ما ينسب إليه تعالى نوعا من نسبة القرب كأسمائه وصفاته وكدينه، وكالاعمال الصالحة وكذا كل من يحل في ساحة قربه كالانبياء والملائكة والشهداء وكل مغفور له من المؤمنين وجه له تعالى. وبذلك يتبين أولا: معنى قوله سبحانه: (وما عند الله باق) (النحل: 96)، وقوله: (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) (الانبياء: 19)، وقوله: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه) (الاعراف: 206)، وقوله فيمن يقتل في سبيل الله: (بل أحياء عند ربهم يرزقون) (آل عمران: 169)، وقوله: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) (الحجر: 21)، فالايات تدل بانضمام الاية الاولى إليهن أن هذه الامور كلها باقية ببقائه تعالى لا سبيل للهلاك والبوار إليها، ثم قال تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) (القصص: 88) فدل الحصر الذى في الاية على أن ذلك كله وجه لله سبحانه وبعبارة اخرى كلها واقعة في جهته تعالى مستقرة مطمئنة في جانبه وناحيته. وثانيا: أن ما تتعلق به إرادة العبد من ربه هو وجهه كما في قوله: (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا) (المائدة: 2)، وقوله: (إبتغاء رحمة من ربك) (الاسراء: 28)، وقوله: (وابتغوا إليه الوسيلة) (المائدة: 35) فكل ذلك وجهه تعالى لان صفات فعله تعالى كالرحمة والمرضاة والفضل ونحو ذلك من وجهه، وكذلك سبيله تعالى من وجهه على ما تقدم، وقال تعالى: (لا ابتغاء وجه الله) (البقرة: 272). وقوله: (ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ) الحساب هو استعمال العدد بالجمع والطرح ونحو ذلك، ولما كان تمحيص الاعمال وتقديرها لتوفية الاجر أو أخذ النتيجة ونحوهما لا يخلو بحسب العادة من استعمال العدد بجمع أو طرح سمى ذلك حسابا للاعمال. وإذ كان حساب الاعمال لتوفية الجزاء، والجزاء إنما هو من الله سبحانه فالحساب على الله تعالى إى في عهدته وكفايته كما قال: (إن حسابهم إلا على ربى) (الشعراء: 113)، وقال: (ثم إن علينا حسابهم) (الغاشيه: 26) وعكس في قوله: (إن الله كان على كل شئ حسيبا) (النساء: 86) للدلالة على سلطانه تعالى وهيمنته على كل شئ. وعلى هذا فالمراد من نفى كون حسابهم عليه أو حسابه عليهم نفى أن يكون هو

[ 103 ]

الذى يحاسب أعمالهم ليجازيهم حتى إذا لم يرتض أمرهم وكره مجاورتهم طردهم عن نفسه أو يكونوا هم الذين يحاسبون أعماله حتى إذا خاف مناقشتهم أو سوء مجازاتهم أو كرههم استكبارا واستعلاء عليهم طردهم، وعلى هذا فكل من الجملتين: (ما عليك) الخ، (وما عليهم) الخ، مقصودة في الكلام مستقلة. وربما أمكن أن يستفاد من قوله: (ما عليك من حسابهم من شئ) نفى أن يحمل عليه حسابهم أي أعمالهم المحاسبة حتى يستثقله وذلك بإيهام أن للعمل ثقلا على عامله أو من يحمل عليه، فالمعنى ليس شئ من ثقل أعمالهم عليك، وعلى هذا فاستتباعه بقوله: (وما من حسابك عليهم من شئ) - ولا حاجة إليه لتمام الكلام بدونه - إنما هو لتتميم أطراف الاحتمال وتأكيد مطابقة الكلام، ومن الممكن أيضا أن يقال: إن مجموع الجملتين أعنى قوله: (ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ) كناية عن نفى الارتباط بين النبي صلى الله عليه والله وبينهم من حيث الحساب. وربما قيل: إن المراد بالحساب حساب الرزق دون حساب الاعمال والمراد: ليس عليك حساب رزقهم، وإنما الله يرزقهم وعليه حساب رزقهم، وقوله: (وما من حسابك عليهم) الخ، جئ به تأكيدا لمطابقة الكلام على ما تقدم في الوجه السابق، والوجهان وإن أمكن توجيههما بوجه لكن الوجه هو الاول. وقوله: (فتطردهم فتكون من الظالمين) الدخول في جماعة الظالمين متفرع على طردهم أي طرد الذين يدعون ربهم فنظم الكلام بحسب طبعه يقتضى أن يفرع قوله: (فتكون من الظالمين)، على قوله في أول الاية: (ولا تطرد الذين) الخ، إلا أن الكلام لما طال بتخلل جمل بين المتفرع والمتفرع عليه أعيد لفظ الطرد ثانيا في صورة الفرع ليتفرع عليه قوله: (فتكون من الظالمين) بنحو الاتصال ويرتفع اللبس. فلا يرد عليه أن الكلام مشتمل على تفريع الشئ على نفسه فإن ملخصه: ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتطردهم، وذلك أن إعادة الطرد ثانيا لايصال الفرع أعنى قوله: (فتكون من الظالمين) إلى أصله كما عرفت. قوله تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا) إلى آخر الاية، الفتنة هي

[ 104 ]

الامتحان، والسياق يدل على أن الاستفهام في قوله: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) للتهكم والاستهزاء، ومعلوم أنهم لا يسخرون إلا ممن يستحقرون أمره و يستهينون موقعه من المجتمع، ولم يكن ذلك إلا لفقرهم ومسكنتهم وانحطاط قدرهم عند الاقوياء والكبرياء منهم. فاالله سبحانه يخبرنبيه أن هذه التفاوت إنما هو محنة إاهية يمتحن بها الناس ليميزبه الكافرين من الشاكرين، فيقول أهل الكفران والاستكبار في الفقراء المؤمنين: أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا فإن السنن الاجتماعية عند الناس توصيف بما عندالمستن بها من الشرافة والخمسة، وكذا العمل يوزن بما لعمله من الون الاجتماعي فالطريقة المسلوكة عند الفقراء والاذلا، والعبيد يستذلها الغنياء والاعزة، والعمل الذى أتى به مسكين أو الكلام الذى تكلم به عبد أو أسير مستذلا لا يعتنى به أولوا الطول والقوة. فانتحال الفقراء والاجراء والعبد باالدين، واعتناء النبي بهم وتقريبه إياهم من نفسه كالدليل عند الطغاة المستكبرين من أهل الاجتماع على هوان أمر الدين وأنه دون أن يلتفت إليه من يعتنى بأمره من الشرفاء والاعزة. وقوله تعالى: (أو ليس الله بأعلم بالشاكرين) جواب عن استهزائهم المبنى على استبعاد، بقولهم: (أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا) ومحصله أن هؤلاء شاكرون لله دونهم ولذالك قدم هؤلاء لمنه وأخرهم فكفني سبحانه عن ذالك بأن الله أعلم بالشاكرين لنعنته أي إنهم شاكرون، ومن المسلم أن المنعم إنما يمن وبنعم على من يشكر نعمته وقد سمى الله تعالى توحيده ونفى الشريك عنه شكرا في قوله حكاية عن قوله يوسف عليه السلام: ما كنا لنا أن نشرك بالله من شئ ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (يوسف: 38). فالاية تبين أنهم بجهالتهم يبنون الكرامة والعزة على التقدم في زخارف الدنيا من مال وبنين وجاه، ولا قدر لها عند الله ولا كرامة، انماالامر يدور مدار صفة الشكر والنعمة بالحقيقة هي الولاية الالهية. قوله تعالى: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم) إلى آخر الآية،

[ 105 ]

قد تقدم معنى السلام، والمراد بكتابته الرحمة على نفسه إيجابها على نفسه أي استحالة انفكاك فعله عن كونه معنونا بعنوان الرحمة، والاصلاح هو التلبس بالصلاح فهو لازم وإن كان بحسب الحقيقة متعديا وأصله إصلاح النفس أو إصلاح العمل. والاية ظاهرة اإلتصال بالاية التى قبلها يأمر الله سبحانه فيها نبيه صلى الله عليه وآله - بعد ما نهاه عن طرد المؤمنين عن نفسه - أن يتلطف بهم ويسلم عليهم ويبشر من تاب منهم عن سيئه توبة نصوحا بمغفرة الله ورحمته فتطيب بذلك نفوسهم ويسكن طيش قلوبهم. ويتبين بذلك أولا: أن الاية - وهى من آيات التوبة - إنما تتعرض للتوبة عن المعاصي والسيئات دون الكفر والشرك بدليل قوله: (من عمل منكم) أي المؤمنين بآيات الله. وثانيا: أن المراد بالجهالة ما يقابل الجحود والعناد اللذين هما من التعمد المقابل للجهالة فإن من يدعو ربه بالغداة والعشي يريد وجهه وهو مؤمن بآيات الله لا يعصيه تعالى استكبارا واستعلاء عليه بل لجهالة غشيته باتباع هوى في شهوة أو غضب. وثالثا: أن تقييد قوله: (تاب) بقوله: (وأصلح) للدلالة على تحقق التوبة بحقيقتها فإن الرجوع حقيقة إلى الله سبحانه واللواذ بجنابه لا يجامع لطهارة موقفه التقذر بقذارة الذنب الذى تطهر منه التائب الراجع، وليست التوبة قول: (أتوب إلى الله) قولا لا يتعدى من اللسان إلى الجنان، وقد قال تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) (البقرة: 284). ورابعا: أن صفاته الفعلية كالغفور والرحيم يصح تقييدها بالزمان حقيقة فإن الله سبحانه وإن كتب على نفسه الرحمة لكنها لا تظهر ولا تؤثر أثرها لا إذا عمل بعض عباده سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح. وقد تقدم في الكلام على قوله تعالى: (إنما التوبة على الله) إلى آخر الايتين (النساء: 17) في الجزء الرابع من الكتاب ماله تعلق بالمقام. قوله تعالى: (وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين) تفصيل الايات بقرينة المقام شرح المعارف الالهية وتخليصها من الابهام والاندماج، وقوله: (ولتستبين

[ 106 ]

سبيل المجرمين) اللام فيه للغاية، وهو معطوف على مقدر طوى عن ذكره تعظيما وتفخيما لامره وهو شائع في كلامه تعالى، كقوله: (وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا) (آل عمران: 140)، وقوله: (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين) (الاية: 75). فالمعنى: وكذلك نشرح ونميز المعارف الالهية بعضها من بعض ونزيل ما يطرء عليها من الابهام لاغراض هامة منها أن تستبين سبيل المجرمين يتجنبها الذين يؤمنون بآياتنا، وعلى هذا فالمراد بسبيل المجرمين السبيل التى يسلكها المجرمون قبال الايات الناطقة بتوحيد الله سبحانه والمعارف الحقة التى تتعلق به وهى سبيل الجحود والعناد والاعراض عن الايات وكفران النعمة. وربما قيل. إن المراد بسبيل المجرمين السبيل التى تسلك في المجرمين، وهى سنة الله فيهم من لعنهم في الدنيا و إنزال العذاب إليه بالاخرة، وسوء الحساب وأليم العقاب في الاخرة، والمعنى الاول أوفق بسياق الايات المسرودة في السورة.

(بحث روائي)

 في الكافي بإسناده فيه رفع عن الرضا عليه السلام قال: إن الله عزوجل لم يقبض نبينا حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ بين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، وقال عزوجل: ما فرطنا في الكتاب من شئ. وفي تفسير القمى حدثنى أحمد بن محمد قال حدثنى جعفر بن محمد قال حدثنا كثير بن عياش عن أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام في قوله: (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم) يقول: صم عن الهدى بكم لا يتكلمون بخير (في الظلمات) يعنى ظلمات الكفر (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) وهو رد على قدرية هذه الامة يحشرهم الله يوم القيامة من (1) الصابئين والنصارى والمجوس فيقولون (ربنا ما كنا

_________________________________

(1) مع ظ. (*)

[ 107 ]

مشركين)، يقول الله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون). قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن لكل أمه مجوسا - ومجوس هذه الامة الذين يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة إليهم ولهم. قال في البرهان عند نقل الحديث: وفي نسخة اخرى من تفسير على بن إبراهيم في الحديث هكذا: قال: فقال: إلا إن لكل أمة مجوسا، ومجوس هذه الامة الذين يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست لهم ولا عليهم، وفي نسخه ثالثة، يقولون: لا قدر ويزعمون أن المشية والقدرة ليست إليهم ولا لهم، انتهى. أقول: مسألة القدر من المسائل التى وقع الكلام فيها في الصدر الاول فأنكر القدر - وهو أن لارادة الله سبحانه تعلقا ما بأعمال العباد - قوم وأثبتوا المشية والقدرة المستقلتين للانسان في فعله وأنه هو الخالق له المستقل به، وسموا بالقدرية أي المتكلمين في القدر، وقد روى الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (القدرية مجوس هده الامة،) وانطباقه عليهم واضح فإنهم يثبتون للاعمال خالقا هو الانسان ولغيرها خالقا هو الله سبحانه وهو قول الثنوية وهم المجوس بإلهين اثنين: خالق للخير، وخالق للشر. وهناك روايات أخر عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أئمة أهل بيته عليهم السلام تفسر الرواية بالمعنى الذى تقدم، وتثبت أن هناك قدرا وأن لله مشيه في أفعال عباده كما يثبته القرآن. وقد أول المعتزلة وهم النافون للقدر الرواية بأن المراد بالقدرية المثبتون للقدر، وهم كالمجوس في إسنادهم الخير والشر كله إلى خالق غير الانسان، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، وسيجئ استيفاؤه إن شاء الله تعالى. ومما ذكرنا يظهر أن الجمع بين القول بأنه لا قدر، والقول بأنه ليست المشية والقدرة للانسان ولا إليه جمع بين المتنافيين فإن القول بنفى القدر يلازم القول باستقلال الانسان بالمشية والاستطاعة، والقول بالقدر يلازم القول بنفى استقلاله بالمشية والقدرة. وعلى هذا فما وقع في النسختين من الجمع بين قولهم: لا قدر، وقولهم: إن المشية والقدرة ليست لهم ولا إليهم ليس إلا من تحريف بعض النساخ، وقد اختلط عليه المعنى حيث حفظ قوله (لا قدر) وغير الباقي. وفي الدر المنثور أخرج أحمد وابن جرير وابن أبى حاتم وابن المنذر والطبراني في

[ 108 ]

الكبير وابو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا رأيت الله يعطى العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ. الاية والاية التى بعدها. وفيه اخرج ابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله تبارك وتعالى إذا اراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف وإذا اراد بقوم اقتطاعا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغته فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. وفيه أخرج ابن المنذر عن جعفر قال: أوحى الله إلى داود خفنى على كل حال، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك لا أصرعك عندها ثم لا أنظر إليك. أقول: قوله: لا أصرعك نهى يفيد التحذير، وقوله: ثم لا أنظر (الخ) منصوب للتفريع على النهى. وفي تفسير القمى في قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) الاية، قال: إنها نزلت لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وإصاب أصحابه الجهد والعلل والمرض فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله: قل لهم يا محمد أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون أي لا يصيبكم إلا الجهد والضر في الدنيا فأما العذاب الاليم الذى فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. أقول الرواية على ضعفها تنافى ما استفاض أن سورة الانعام نزلت بمكة دفعة. على أن الاية بمضمونها لا تنطبق على القصة والذى تمحل به في تفسيرها بعيد عن نظم القرآن. وفي المجمع: في قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون الاية قال: قال الصادق عليه السلام: أنذر بالقرآن من يخافون الوصول إلى ربهم ترغبهم فيما عنده فإن القرآن شافع مشفع لهم. أقول: وظاهر الحديث رجوع الضمير في قوله: (من دونه) إلى القرآن، وهو معنى صحيح وإن لم يعهد في القرآن أن يسمى وليا كما سمى إماما. وفي الدر المنثور أخرج أحمد وابن جرير وابن أبى حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن

[ 109 ]

مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملا من قريش على النبي صلى الله عليه وآله وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء: اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فانزل فيهم القرآن: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) الخ. أقول: ورواه في المجمع عن الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن مسعود مختصرا. وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: مشى عتبة بن ربيعة وشيبة ابن ربيعة وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل والحارث بن عامر بن نوفل ومطعم بن عدى بن خيار بن نوفل في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبى طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الاعبد فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لا تباعنا إياه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبى صلى الله عليه وآله فقال عمر: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون قولهم ؟ وما تصيرون إليه من أمرهم ؟ فأنزل الله: (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم - إلى قوله - أليس الله بأعلم بالشاكرين). قال: وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى أبى حذيفة وصبحا مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعودو المقداد بن عمرو - وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين ومرثد بن أبى مرثد وأشباههم. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا) الاية فلما نزلت أقبل عمر فاعتذر من مقالته فأنزل الله: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) الاية. وفيه أخرج ابن أبى شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وأبن ابى حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال: جاء الاقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزارى فوجدا النبي صلى الله عليه وآله قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا فإن وفود العرب ستأتيك فنستحيى أن ترانا العرب قعودا مع هؤلاء الاعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم

[ 110 ]

عنا فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، ونحن قعود في ناحية. إذ نزل جبرئيل بهذه الاية: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي - إلى قوله - فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الاية. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقعد معنا بعدفإذا بلغ الساعة التى يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. أقول: ورواه في المجمع عن سلمان وخباب وفي معنى هذه الروايات الثلاث المتقدمة بعض روايات أخر، والرجوع إلى ما تقدم في أول السورة من استفاضة الروايات على نزول سورة الانعام دفعة ثم التأمل في سياق الايات لا يبقى ريبا أن هذه الروايات إنما هي من قبيل ما نسميه تطبيقا بمعنى أنهم وجدوا مضامين بعض الايات تقبل الانطباق على بعض القصص الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله فعدوا القصة سببا لنزول الاية لا بمعنى أن الاية إنما نزلت وحدها ودفعة لحدوث تلك الواقعة ورفع الشبهة الطارئة من قبلها بل بمعنى ان الاية يرتفع بها ما يطرء من قبل تلك الواقعة من الشبهة كما ترتفع بها الشبه الطارئة من قبل سائر الوقائع من أشباه الواقعة ونظائرها كما يشهد بذلك ما ترى في هذه الروايات الثلاث الواردة في سبب نزول قوله: ولا تطرد الذين يدعون الاية فإن الغرض فيها واحد لكن القصص مختلفة في عين أنها متشابهة فكأنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله واقترحوا عليه أن يطرد عنه الضعفاء كرة بعد كرة وعنده في كل مرة عدة من ضعفاء المؤمنين وفي مضمون الاية انعطاف إلى هذه الاقتراحات أو بعضها. وعلى هذه الوتيرة كانوا يذكرون أسباب نزول الايات بمعنى القصص والحوادث الواقعة. في زمنه صلى الله عليه وآله مما لها مناسبة ما مع مضامين الايات الكريمة من غير أن تكون للاية مثلا نظر إلى خصوص القصة والواقعة المذكورة، ثم شيوع النقل بالمعنى في الاحاديث والتوسع البالغ في كيفية النقل أوهم أن الايات نزلت في خصوص الوقائع الخاصة على أن تكون أسبابا منحصرة، فلا اعتماد في أمثال هذه الروايات الناقلة لاسباب النزول وخاصة في أمثال هذه السورة من السور التى نزلت دفعة على أزيد من أنها تكشف عن نوع ارتباط

[ 111 ]

للايات بالوقائع التى كانت في زمنه صلى الله عليه وآله. ولا سيما بالنظر إلى شيوع الوضع والدس في هذه الروايات والضعف الذى فيها وما سامح به القدماء في أخذها ونقلها. وقد روى في الدر المنثورعن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله ابن المهاجرأن الاية نزلت في اقتراح بعض الناس أن يطرد النبي صلى الله عليه وآله الضعفاء من أصحاب الصفة عن نفسه في نظير من القصة، ويضعفه ما تقدم في نظيره أن السورة إنما نزلت دفعة وفي مكة قبل الهجرة. وفي تفسير العياشي عن أبى عمرو الزبيري عن أبى عبد الله عليه السلام قال: رحم الله عبدا تاب إلى الله قبل الموت فإن التوبة مطهرة من دنس الخطيئة ومنقذة من شقاء الهلكة فرض الله بها على نفسه لعباده الصالحين فقال: كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم، ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله توابا رحيما. وفي تفسير البرهان روى عن ابن عباس في قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا الاية نزلت في على وحمزة وزيد. أقول: وفي عدة من الروايات أن الايات السابقة نزلت في أعداء آل البيت عليهم السلام والظاهر أنها جميعا من قبيل الجرى والتطبيق أو الاخذ بباطن المعنى فإن نزول السورة بمكة دفعة يأبى أن يجعل أمثال هذه الروايات من أسباب النزول ولذلك طوينا عن إيرادها، والله أعلم.

* * *

قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين - 56. قل إنى على بينة من ربى و كذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين - 57. قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بينى

[ 112 ]

وبينكم والله أعلم بالظالمين - 58. وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقه إلا يعلمها ولا حبه في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين - 59. وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون - 60. وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون - 61. ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهوأسرع الحاسبين - 62. قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين - 63. قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون - 64. قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون - 65. وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل - 66. لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون - 67. وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين - 68.

[ 113 ]

وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون - 69. وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون - 70. قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشياطين في الارض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين - 71. وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون - 72. وهو الذى خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير - 73.

(بيان)

 الايات من تتمة الاحتجاجات على المشركين في التوحيد وما يرتبط به من المعارف في النبوة والمعاد، وهى ذات سياق متصل متسق. قوله تعالى: (قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله) إلى آخر الاية. أمر بأن خبرهم بورود النهى عليه عن عبادة شركائهم هو نهى عن عبادتهم بنوع من الكناية

[ 114 ]

ثم أشار إلى ملاك النهى عنها بقوله: (قل لا أتبع أهواءكم) وهو أن عبادتهم اتباه للهوى وقد نهى عنه ثم أشار بقوله: (قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) إلى سبب الاستنكاف عن اتباع الهوى وهو الضلال والخروج عن جماعة المهتدين وهم الذين اتصفوا بصفة قبول هداية الله سبحانه، وعرفوا بذلك، فاتباع الهوى ينافى استقرار صفة الاهتداء في نفس الانسان، ويمانع إشراق نور التوحيد على قلبه إشراقا ثابتا ينتفع به. وقد تلخص بذلك كله بيان تام معلل للنهى أو الانتهاء عن عبادة أصنامهم، وهو أن في عبادتها اتباعا للهوى، وفي اتباع الهوى الضلال والخروج عن صف المهتدين بالهداية الالهية. قوله تعالى: (قل إنى على بينة من ربى وكذبتم به) إلى آخر الاية. البينة هو الدلالة الواضحة من البيان وهو الوضوح، والاصل في معنى هذه المادة هو انعزال شئ عن شئ وانفصاله عنه بحيث لا يتصلان ولا يختلطان، ومنه البين والبون والبينونة وغير ذلك، قد سميت البينة بينة لان الحق يبين بها عن الباطل فيتضح ويسهل الوقوف عليه من غير تعب ومؤنه. والمراد بمرجع الضمير في قوله: (وكذبتم به) هو القرآن وظاهر السياق أن يكون التكذيب إنما تعلق بالبينة التى هو صلى الله عليه وآله عليها على ما هو ظاهر اتصال المعنى، ويؤيده قوله بعده: (ما عندي ما تستعجلون به) الخ، فإن المحصل من الكلام مع انضمام هذاالذيل: أن الذى أيد الله به رسالتي من البينات وهو القرآن تكذبون، به والذى تقترحونه على وتستعجلون به من الايات ليس في اختياري ولا مفوضا أمره إلى فليس بيننا ما نتوافق فيه لما أنى أوتيت ما لا تريدون وأنتم تريدون ما لم أوت. فمن هنا يظهر أن الضمير المجرور في قوله: (وكذبتم به) راجع إلى البينة لكون المراد به القرآن، وأن قوله: (ما عندي ما تستعجلون به) أريد به نفى التسلط على ما يستعجلون به بالتكنية فإن الغالب فيما يقدر الانسان عليه وخاصة في باب الاعطاء والانفاق أن يكون ما يعطيه وينفقه حاضرا عنده أو مذخورا لديه وتحت تسلطه ثم ينفق منه ما ينفق فقد أريد بقوله: (ما عندي) نفى التسلط والقدرة من باب نفى الملزوم بنفى اللازم. وقوله: (إن الحكم إلا لله) الخ، بيان لسبب النفى، ولذلك جئ فيه بالنفى

[ 115 ]

والاستثناء المفيد للحصر ليدل بوقوع النفى على الجنس على أن ليس لغيره تعالى من سنخ الحكم شئ قط وأنه إلى الله سبحانه فحسب.

(كلام في معنى الحكم وانه لله وحده)

 مادة الحكم تدل على نوع من الاتقان يتلائم به أجزاء وينسد به خلله وفرجه فلا يتجزى إلى الاجزاء ولا يتلاشى إلى الابعاض حتى يضعف أثره وينكسر سورته، وإلى ذلك يرجع المعنى الجامع بين تفاريق مشتقاته كالاحكام والتحكيم والحكمة والحكومة وغير ذلك. وقد تنبه الانسان على نوع تحقق من هذا المعنى في الوظائف المولوية والحقوق الدائرة بين الناس فإن الموالى والرؤساء إذا أمروا بشئ فكأنما يعقدون التكليف على المأمورين ويقيدونهم به عقدا لا يقبل الحل وتقييدا لا يسعهم معه الانطلاق، وكذلك مالك سلعة كذا، أو ذو حق في أمر كذا كأن بينه وبين سلعته أو الامر الذى فيه نوعا من الالتيام والاتصال الذى يمنع أن يتخلل غيره بينه وبين سلعته بالتصرف أو بينه وبين مورد حقه فيقصر عنه يده، فإذا نازع أحد مالك سلعة في ملكها كأن ادعاه لنفسه أو ذا الحق في حقه فأراد إبطال حقه فقد استوهن هذا الاحكام وضعف هذا الاتقان ثم إذا عقد الحكم أو القاضى الذى رفعت إليه القضية الملك أو الحق لاحد المتنازعين فقد أوجد هناك حكما أي إتقانا بعد فتور، وقوة إحكاما بعد ضعف ووهن، وقوله: ملك السلعة لفلان أو الحق في كذا لفلان حكم يرتفع به غائلة النزاع والمشاجرة، ولا يتخلل غير المالك وذى الحق بين الملك والحق، وبين ذيهما، وبالجملة الامر في أمره والقاضى في قضائه كأنهما يوجدان نسبة في مورد الامر والقضاء يحكمانه بها ويرفعان به وهنا وفتورا، وهو الذى يسمى الحكم. فهذه سبيل تنبه الناس لمعنى الحكم في الامور الوضعية الاعتبارية ثم رأوا أن معناه يقبل الانطباق على الامور التكوينية الحقيقية إذا نسبت إلى الله سبحانه من حيث قضائه، وقدره فكون النواة مثلا تنمو في التراب ثم تنبسط ساقا وأغصانا وتورق وتثمر وكون النطفة تتبدل جسما ذا حياة وحس وهكذا كل ذلك حكم من الله سبحانه وقضاء، فهذا ما نعلقه من معنى الحكم وهو إثبات شئ لشئ أو إثبات شئ عند شئ. ونظرية التوحيد التى يبنى عليها القرآن الشريف بنيان معارفه لما كانت تثبت حقيقة

[ 116 ]

التأثير في الوجود لله سبحانه وحده لا شريك له، وإن كان الانتساب مختلفا باختلاف الاشياء غير جار على وتيرة واحدة كما ترى أنه تعالى ينسب الخلق إلى نفسه ثم ينسبه في موارد مختلفة إلى أشياء مختلفة، بنسب مختلفه، وكذلك العلم والقدرة والحياة والمشية والرزق والحسن إلى غير ذلك، وبالجملة لما كان التأثير له تعالى كان الحكم الذى هو نوع من التأثير و الجعل له تعالى سواء في ذلك الحكم في الحقائق التكوينية أو في الشرائع الوضعية الاعتبارية، وقد أيد كلامه تعالى هذا المعنى كقوله: (إن الحكم إلا لله) (الانعام: 57 يوسف: 67) وقوله تعالى: (ألا له الحكم) (الانعام: 62) وقوله: (له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم) (القصص: 70) وقوله تعالى: (والله يحكم لا معقب لحكمه) (الرعد: 41) ولو كان لغيره تعالى حكم لكان له أن يعقب حكمه ويعارض مشيته، وقوله: (فالحكم لله العلى الكبير) (المؤمن: 12) إلى غير ذلك، فهذه آيات خاصة أو عامة تدل على اختصاص الحكم التكويني به تعالى. ويدل على اختصاص خصوص الحكم التشريعي به تعالى قوله: (إن الحكم إلا لله أمر الا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) (يوسف: 40) فالحكم لله سبحانه لا يشاركه فيه غيره على ظاهر ما يدل عليه ما مر من الايات غير انه تعالى ربما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره كقوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) (المائدة: 95) وقوله لداود عليه السلام: (إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق) (ص: 26) وقوله للنبى صلى الله عليه وآ له: (إن احكم بينهم بما أنزل الله) (المائدة: 49) وقوله: (فاحكم بينهم بما أنزل الله) (المائدة: 48) وقوله: (يحكم بها النبيون) (المائدة: 44) إلى غير ذلك من الايات وضمها إلى القبيل الاول يفيد أن الحكم الحق لله سبحانه بالاصالة واولا لا يستقل به احد غيره، ويوجد لغيره بإذنه وثانيا، ولذلك عد تعالى نفسه احكم الحاكمين وخيرهم لما انه لازم الاصالة والاستقلال والاولية فقال: (ا ليس الله بأحكم الحاكمين) (التين: 8) وقال (وهو خير الحاكمين) (الاعراف: 87). والايات المشتملة على نسبة الحكم إلى غيره تعالى بإذن ونحوه - كما ترى - تختص بالحكم الوضعي الاعتباري، وأما الحكم التكويني فلا يوجد فيها - على ما اذكر - ما يدل على نسبته إلى غيره وإن كانت معاني عامة الصفات والافعال المنسوبة إليه تعالى لا تأبى عن الانتساب إلى غيره نوعا من الانتساب بإذنه ونحوه كالعلم والقدرة والحياة والخلق والرزق والاحياء والمشية وغير ذلك في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.

[ 117 ]

ولعل ذلك مراعاة لحرمة جانبه تعالى لاشعار الصفة بنوع من الاستقلال الذى لا مسوغ لنسبته إلى هذه الاسباب المتوسطه كما ان القضاء والامر التكوينيين كذلك، ونظيرتها في ذلك الفاظ البديع والبارئ والفاطر والفاظ أخر يجرى مجراها في الاشعار بمعاني تنبئ عن نوع من الاختصاص، وإنما كف عن استعمالها في غير مورده تعالى رعاية لحرمة ساحة الربوبية.

* * *

ولنرجع إلى ما كنا فيه من تفسير الاية فقوله تعالى: (إن الحكم إلا لله) أريد بالحكم فيه القضاء التكويني، والجملة تعليل للنفي في قوله: (ما عندي ما تستعجلون به) والمعنى - على ما يعطيه السياق - أن الحكم لله وحده وليس إلى ان اقضي بينى وبينكم، وهو الذى تستعجلون به باستعجالكم بما تقترحون على من الاية. وعلى هذا فقوله: (ما عندي ما تستعجلون به) مستعمل استعمال الكناية كأنهم بإقتراحهم إتيان آية اخرى غير القرآن كانوا يقترحون عليه صلى الله عليه وآله أن يقضى بينه وبينهم ولعل هذا هو السر في تكرار لفظ الموصول والصلة في الاية التالية حيث يقول تعالى: (قل لو ان عندي ما تستعجلون به) وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقال: لو ان عندي ذلك، وذلك أنه أريد بقوله: (ما تستعجلون به) في الاية الاولى لازم الاية وهو القضاء بينه وبينهم على ما جرت به السنة الالهية، وفي الاية الثانية نفس الاية، ومن المحتمل أيضا أن يكون أمر الكناية بالعكس من ذلك فيكون المراد بما تستعجلون به هو القضاء بالصراحة في الاية الاولى، والاية بالتكنية في الاية الثانية. وقوله: (يقص الحق وهو خير الفاصلين) قرأ عاصم ونافع وابن كثير من السبعة بالقاف والصاد المهملة من القص وهو قطع شئ وفصله من شئ ومنه قوله تعالى: (وقالت لاخته قصيه) (القصص: 11)، وقرأ الباقون بالقاف والضاد المعجمة من القضاء، وقد حذف الياء من الرسم على حد قوله تعالى: (فما تغن النذر) (القمر: 5) ولكن من القراءتين وجه، ومآلهما من حيث المعنى واحد فإن قص الحق وفصله من الباطل لازم القضاء والحكم بالحق وإن كان قوله: (وهو خير الفاصلين) أنسب مع القص بمعنى الفصل. وأما أخذ قوله (يقص الحق) من القص بمعنى الاخبار عن الشئ أو بمعنى تتبع الاثر على ما احتمله بعض المفسرين فيما لا يلائم المورد:

[ 118 ]

أما الاول فلان الله سبحانه وإن قص في كلامه كثيرا قصص الانبياء وأممهم غير ان المقام خال عن ذلك فلا موجب لذكر هذا النعت له وتوصيفه تعالى به. وأما الثاني فلان محصل معناه ان سنته تعالى أن يتبع الحق ويقتفى اثره في تدبير مملكته وتنظيم امور خليقته، والله سبحانه وإن كان لا يحكم إلا الحق ولا يقضى إلا الحق إلا ان أدب القرآن الحكيم يأبى عن نسبة الاتباع والاقتفاء إليه تعالى وقد قال تعالى فيما قال: (الحق من ربك) (آل عمران: 60) ولم يقل: الحق مع ربك، لما في التعبير بالمعية من شائبة الاعتضاد والتأيد والايهام إلى الضعف.

(كلام في معنى حقيقة فعله وحكمه تعالى)

 فعله وحكمه تعالى نفس الحق لا مطابق للحق موافق له، بيان ذلك ان الشئ انما يكون حقا إذا كان ثابتا في الخارج واقعا في الاعيان من غير ان يختلقه وهم أو يصنعه ذهن كالانسان الذى هو احد الموجودات الخارجية والارض التى يعيش عليها والنبات والحيوانات التى يغتذى، بها والخبر انما يكون حقا إذا طابق الواقع الثابت في نفسه مستقلا عن ادراكنا والحكم والقضاء انما يكون حقا إذا وافق السنة الجارية في الكون فإذا أمر الامر بشئ أو قضى القاضى بشئ فإنما يكون حكم هذا وقضاء ذاك حقا مطلقا إذا وأفق المصلحة المطلقة المأخوذة من السنة الجارية في الكون، ويكون حقا نسبيا إذا وأفق المصلحة النسبية المأخوذة من سنة الكون بالنسبة إلى بعض أجزائه من غير نظر إلى النظام العام العالمي. فإذا أمرنا آمر بالتزام العدل أو إجتناب الظلم فإنما يعد ذلك حقا لان نظام الكون يهدى الاشياء إلى سعادتها وخيرها، وقد قضى على الانسان ان يعيش اجتماعيا، وقضى على كل مجتمع مركب من اجزاء ان يتلائم اجزاؤه ولا يزاحم بعضها بعضا، ولا يفسد طرف منه طرفا، حتى ينال ما قسم له من سعادة الوجود، ويتوزع ذلك بين اجزائه المجتمعين، فمصلحة هذا النوع المطلقة هي سعادته في الحياة، ويطابقها الامر بالعدل والنهى عن الظلم فكل منهما حكم حق، ولا يطابقها الامر بالظلم والنهى عن العدل فهما من الباطل، والتوحيد حق لانه يهدى إلى سعادة الانسان في حياته الحقيقيه، والشرك باطل لانه يجر الانسان إلى شقاء مهلك وعذاب خالد. وكذلك القضاء بين متخاصمين انما يكون حقا إذا وافق الحكم المشروع المراعى

[ 119 ]

فيه المصلحة الانسانية المطلقة أو مصلحة قوم خاص أو امة خاصة، والمصلحة الحقيقية - كما - عرفت - مأخوذه من السنة الجارية في الكون مطلقا أو نسبيا. فقد تبين ان الحق ايا ما كان انما هو مأخوذ من الكون الخارجي والنظام المنبسط عليه والسنة الجارية فيه، ولا ريب ان الكون والوجود مع ما له من النظام والسنن والنواميس فعله سبحانه منه يبتدئ وبه يقوم، واليه ينتهى، فالحق ايا ما كان والمصلحة كيفما فرضت يتبعان فعله ويقتفيان اثره، ويثبتان بالاستناد إليه لا انه تعالى يتبع الحق في فعله ويقفو اثره فهو تعالى حق بذاته وكل ما سواه حق به. ونحن معاشر الادميين لما كنا نطلب بأفعالنا الاختيارية تتميم نواقص وجودنا ورفع حوائج حياتنا، وكانت أفعالنا ربما طابقت سعادتنا المطلوبة لنا وربما خالفت اضطررنا في ذلك إلى رعاية جانب المصلحة التى نذعن بأنها مصلحة أي فيها صلاح حالنا وسعادة جدنا وأدى ذلك إلى الاذعان بقوانين جارية وأحكام عامة، واعتبار شرائع وسنن اجتماعية لازمة المراعاة واجبة الاتباع لموافاتها المصلحة الانسانية وموافقتها السعادة المطلوبة. وأدى ذلك إلى الاذعان بأن للمصالح والمفاسد ثبوتا واقعيا وظروفا من التحقق منحازا عن العالمين: - الذهن والخارج - منعزلا عن الدارين: - العلم والعين - وهى تؤثر أثرها في خارج الكون بالموافقة والمخالفة فإذا طابقت أفعالنا أو أحكامنا المصالح الواقعية الثابتة في نفس الامر ظهرت فيها المصلحة وانتهت إلى السعادة، وإذا خالفتها وطابقت المفاسد الواقعية الحقيقية ساقتنا إلى كل ضر وشر، وهذا النحو من الثبوت ثبوت واقعى غير قابل للزوال والتغير فللمصالح والمفاسد الواقعية وكذا لما معها من الصفات الداعيه إلى الفعل والترك كالحسن والقبح وكذا للاحكام المنبعثة منها كوجوب الفعل والترك مثلا لكل ذلك ثبوت واقعى يتأبى عن الفناء والبطلان، ويمتنع عن التغير والتبدل وهى حاكمة فينا باعثة لنا إلى أفعال كذا أو صارفة، والعقل ينال هذه الامور النفس الامرية كما ينال سائر الامور الكونية. ثم لما وجدوا ان الاحكام والشرائع الالهية لا تفارق الاحكام والقوانين الانسانية المجعولة في المجتمعات من جهة معنى الحكم، وكذا افعاله تعالى لا تختلف مع أفعالنا من جهة معنى الفعل حكموا بأن الاحكام الالهية والافعال المنسوبة إلى الله سبحانه كافعالنا في الانطباق

[ 120 ]

على المصالح الواقعية والاتصاف بصفة الحسن، فالمصالح الواقعية تأثير في أفعاله تعالى وحكومة على احكامه وخاصة من حيث إنه تعالى عالم بحقائق الامور بصير بمصالح عباده. وهذا كله من إفراط الرأى، وقد عرفت مما تقدم ان هذه احكام وعلوم اعتبارية غير حقيقية اضطرنا إلى اعتبارها وجعلها الحوائج الطبيعية وضرورة الحياة الاجتماعية لا خبر عنها في الخارج عن ظرف الاجتماع، ولا قيمة لها إلا أنها أمور متقررة في ظرف الوضع والاعتبار يميز بها الانسان ما ينفعه من الاعمال مما يضره، وما يصلح شأنه مما يفسده، وما يسعده مما يشقيه. وقد ساقت العصبية المذهبية الطائفتين الباحثتين عن المعارف الدينية في صدر الاسلام إلى تقابل عجيب بالافراط والتفريط في هذا المقام فطائفة - وهم المفوضة - أثبتوا مصالح ومفاسد نفس أمرية وحسنا وقبحا واقعيين هي ثابتة ثبوتا ازليا أبديا غير متغير ولا متبدل وهى حاكمة على الله سبحانه بالايجاب والتحريم، مؤثرة في أفعاله تكوينا وتشريعا بالحظر والترخيص فأخرجوه تعالى عن سلطانه، وابطلوا أطلاق ملكه. وطائفة - وهم المجبرة - نفت ذلك كله، وأصرت على ان الحسن في الشئ إنما هو تعلق الامر به، والقبح تعلق النهى به، ولا غرض ولا غاية في تكوين ولا تشريع، وأن الانسان لا يملك من فعله شيئا ولا قدرة قبل الفعل عليه كما ان الطائفة الاولى ذهبت إلى ان الفعل مخلوق للانسان وأن الله سبحانه لا يملك من فعل الانسان شيئا ولا تتعلق به قدرته. والقولان - كما ترى - إفراط وتفريط فلا هذا ولا ذاك بل حقيقة الامر أن هذه ونظائرها أمور اعتبارية وضعية لها اصل حقيقي وهوان الانسان - ونظيره سائر الحيوانات الاجتماعية كل على قدره في مسيره الحيوى الذى لا يريد به إلا ابقاء الحياة ونيل السعادة ناقص محتاج يرفع جهات نقصه وحاجته بأعماله الاجتماعية الصادرة عن الشعور والارادة فاضطره ذلك إلى أن يصف أعماله والامور التى تتعلق بها اعماله في طريق الوصول إلى غاية سعادته والتجنب عن شقائه بأوصاف الامور الخارجية من حسن وقبح ووجوب وحرمة وجواز وملك وحق وغير ذلك، ويجرى فيها نواميس الاسباب والمسببات فيضع في إثر ذلك قوانين عامة وخاصة، ويعتقد لذلك نوعا من الثبوت الذى يعتقده للامور الحقيقية حتى يتم له بذلك امر حياته الاجتماعية.

[ 121 ]

فترانا نعتقد أن العدل حسن كما أن الورد حسن جميل، والظلم قبيح شأئه كما ان الميتة المنتنة كذلك، وان المال لنا كما ان اعضاءنا لنا، والعمل الكذائي واجب كما ان الاثار واجبة لعللها التامة، وعلى هذا القياس، ولذلك ترى أن هذه الاراء تختلف بين الاقوام إذا اختلفت مقاصد مجتمعاتهم فترى هؤلاء يحسنون ما يقبحه آخرون وتجد طائفة تلغى من الاحكام ما تعتبره أخرى، وتلفى أمة تنكر ما تعرفه أمة أو تعجبها مايستشنعه غيرها، وربما تترك سنة مأخوذة ثم تؤخذ ثم تترك في أمه واحدة على نسق الدوران بحسب مراحل السير الاجتماعي ومساسه بلوازم الحياة، هذا في المقاصد التى تختلف في المجتمعات، وأما المقاصد العامة التى لا يختلف فيه اثنان كاصل الاجتماع والعدل والظلم ونحو ذلك فما لها من وصف الحسن والقبح والوجوب والحرمة وغيرها لا تختلف البتة ولا يختلف فيه، هذا فيما يرجع إلينا. والله سبحانه لما قلب دينه في قالب السنن العامة الاجتماعية اعتبر في بيانه المعارف الحقيقية المسبوكة في قالب السنن الاجتماعية ما نعتبره نحن في مسير حياتنا فأراد منا أن نفكر فيما يرجع إلى معارفه، ونتلقى ما يلقيه إلينا من الحقائق كما نفكر ونتلقى ما عندنا من سنن الحياة فعد نفسه ربا معبودا، وعدنا عبادا مربوبين، وذكرنا أن له دينا مؤلفا من عقائد أصلية وقوانين عملية تستعقب ثوابا وعقابا وأن في اتباعه صلاح حالنا، وحسن عاقبتنا، وسعاده جدنا على نحو المسلك الذى نسلكه في آرائنا الاجتماعية. فهناك عقائد أصليه يجب علينا أن نعتقد بها ونلزمها، وهناك وظائف عملية وقوانين إلهية في العبادات والمعاملات والسياسات يجب علينا أن نعمل بها ونراعيها كما أن الامر في جميع المجتمعات الانسانية على ذلك. وهذا هو الذى يسوغ لنا أن نبحث عن المعارف الدينية اعتقادية أو عملية كما نبحث عن المعارف الاجتماعية اعتقادية أو عملية، وأن نستند في المعارف الدينية من الاراء العقلية، والقضايا العملية بعين ما نستند إليه في المعارف الاجتماعية فالله سبحانه لا يختار لعباده من الوظائف والتكاليف إلا ما فيه المصلحة التى تصلح شأنهم في دنياهم وآخرتهم، ولا يأمر إلا بالحسن الجميل، ولا ينهى إلا عن القبيح الشائه الذى فيه فساد دين أو دنيا، ولا يفعل إلا ما يؤثره العقل، ولا يترك إلا ما ينبغى أن يترك. إلا أنه تعالى ذكرنا مع ذلك بأمرين:

[ 122 ]

أحدهما: أن الأمر في نفسه أعظم من ذلك وأعظم فإن ذلك كله معارف مأخوذة من مواد الاراء الاجتماعية وهى في الحقيقة لا تتعدى طور الاجتماع، ولا ترقى إلى عالم السماء كما قال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون، وإنه في ام الكتاب لدينا لعلى حكيم) (الزخرف: 4) وقال في مثل ضربه: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل) الاية (الرعد: 17) وقال صلى الله عليه وآله: إنا معاشر الانبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنه. وليس معنى هذا البحث نفى الحسن والمصلحة مثلا عن أفعاله تعالى بمعنى اثبات ما يقابله حتى يستتبع ذلك اثبات القبح والمفسدة أو سقوط أفعاله عن الاعتبار العقلائي كأفعال الصبيان تعالى عن ذالك كما أن نفى البصر بمعنى الجارحة عن العقل لا يوجب اثبات العمى له أو سقوطه عن مرتبة الادراك بل تنزيه عن النقص. وثانيهما: أن جهات الحسن ومزايا المصالح وان كانت تعلل بها أفعاله تعالى وشرائع أحكامه وتبين بها وظائف العبودية كما تعلل بها ما عندنا من الاحكام والاعمال العقلائية إلا أن بين البابين فرقا وهو أنها في جانبنا حاكمة على الارادة مؤثره في الاختيار فنحن بما أنا عقلاء إذا وجدنا فعلا ذا صفة حسن مقارنا لمصلحة غير مزاحمة بعثنا ذلك إلى اقتراف العمل وإذا وجدنا حكما على هذا النعت لم نتردد في تقنينه وحكمنا به وأجريناه في مجتمعنا مثلا. وليست هذه الوجوه والعلل أعنى جهات الحسن والمصلحة إلا معاني أخذناها من سنة التكوين والوجود الخارجي الذى هو منفصل من أذهاننا مستقل دوننا فأردنا في اختيار الاعمال الحسنة ذوات المصلحة أن لا نخبط في مسيرنا وتنطبق أعمالنا على سنة التكوين وتقع في صراط الحقيقة، فهذه الجهات والمصالح معان منتزعة من خارج الاعيان متفرعة عليه، وأعمالنا متفرعة على هذه الجهات محكومة لها متأثرة عنها، والكلام في أحكامنا المجعولة لنا نظير الكلام في أعمالنا. وأما فعله تعالى فهو نفس الكون الخارجي والوجود العينى الذى كنا ننتزع منه وجوه الحسن والمصلحة وكانت تتفرع عليه بما أنها انتزعت منه فكيف يمكن أن يعد فعله تعالى متفرعا عليها محكوما لها متأثرا عنها، وكذلك أحكامه تعالى المشرعة تستتبع الواقع لا أنها

[ 123 ]

تتبع الواقع فأفهم ذلك. فقد تبين: أن جهات الحسن والمصلحة وما يناظرها في عين أنها موجودة في أفعاله تعالى وأحكامه، وفي أفعالنا وأحكامنا بما نحن عقلاء تختلف في أنها بالنسبة إلى أعمالنا وأحكامنا حاكمة مؤثرة، وإن شئت قلت دواع وعلل غائية، وبالنسبة إلى أفعاله وأحكامه تعالى لازمة غير منفكة وإن شئت قلت: فوائد مطردة، فنحن بما أنا عقلاء نفعل ما نفعل ونحكم ما نحكم لانا نريد به تحصيل الخير والسعادة وتملك ما لا نملكه بعد، وهو تعالى يفعل ما يفعل ويحكم ما يحكم لانه الله، ويترتب على فعله ما يترتب على فعلنا من الحسن والمصلحة، وأفعالنا مسؤول عنها معللة بغاياتها ومصالحها، وأفعاله غير مسؤول عنها ولا معللة بغاية لا يملكها بل مكشوفة بلوازمها ونعوتها اللازمة ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون فافهم ذلك. وهذا هو الذى يهدى إليه كلامه عز اسمه كقوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (الانبياء: 23) وقوله: (له الحمد في الاولى والاخرة وله الحكم) (القصص: 70) وقوله: (ويفعل الله ما يشاء) إبراهيم: 27) وقوله: (والله يحكم لا معقب لحكمه) (الرعد: 41). ولو كان فعله تعالى كأفعالنا العقلائية لكان لحكمه معقب إلا أن يعتضد بمصلحة محسنة ولم يكن له ليفعل ما يشاء بل ما تشير إليه المصلحة المقارنة، وقوله: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) (الاعراف: 28) وقوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (الانفال: 24) وغير ذلك من الايات التى تعلل الاحكام بوجوه الحسن والمصلحة. قوله تعالى: (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم) إلى آخر الاية، أي لو قدرت على ما تقترحونه على من الاية والحال أنها بحيث إذا نزلت على رسول لم تنفك عن الحكم الفصل بينه وبين امته لقضى الامر بينى وبينكم، ونجى بذلك أحد المتخاصمين المختلفين وعذب الاخر وأهلك، ولم يعذب بذلك ولا يهلك إلا أنتم لانكم ظالمون والعذاب الالهى إنما يأخذ الظالمين بظلمهم، وهو سبحانه أنزه ساحة من أن يشتبه عليه الامر ولا يميز الظالمين من غيرهم فيعذبني دونكم. ففى قوله تعالى: (والله أعلم بالظالمين) نوع تكنية وتعليل أي إنكم أنتم المعذبون

[ 124 ]

لانكم ظالمون والعذاب الالهى لا يعدو الظالمين إلى غيرهم وفي الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلاالقوم الظالمون) (آية: 47). قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) إلى آخر الاية. ذكروا في وجه اتصال الاية بما قبلها أن الاية السابقة لما ختمت بقوله: (والله أعلم بالظالمين) زاد الله سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو، ويعلم كل دقيق وجليل. وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذى يدل عليه قوله: (لا يعلمها إلا هو) فالاولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الايتين السابقتين أعنى قوله: (قل إنى على بينة من ربى - إلى قوله - والله أعلم بالظالمين) حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الاية وما يستتبعه من الحكم الفصل والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند الله لا سبيل إليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به، ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لانه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى، ثم زاد ذلك بيانا بقوله: (وعنده مفاتح الغيب) الاية فبين به اختصاصه تعالى بعلم الغيب وشمول علمه كل شئ، ثم تمم البيان بالايات الثلاث التى تتلوها. وبذلك تصير الايات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصه هود وقومه: (قالوا أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما ارسلت به) (الاحقاف: 23). ثم نقول: المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة، وربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح، ويؤيده ما قرئ شاذا: (وعنده مفاتيح الغيب) ومآل المعنيين واحد فإن من عنده مفاتيح الخزائن هو عالم بما فيها قادر على التصرف فيها كيف شاء عادة كمن عنده نفس الخزائن إلا أن سائر كلامه تعالى فيما يشابه هذا المورد يؤيد المعنى الاول فإنه تعالى كرر في كلامه ذكر خزائنه وخزائن رحمته - وذلك في سبعة مواضع - ولم يذكر لها مفاتيح في شئ من كلامه قال تعالى: (أم عندهم خزائن ربك) (الطور: 37) وقال: (لاأقول لكم عندي خزائن الله) (الانعام: 50) وقال: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) (الحجر: 21) وقال: (ولله خزائن السماوات والارض)

[ 125 ]

(المنافقون: 7) وقال: (أم عندهم خزائن رحمة ربك) (ص: 9) فالاقرب أن يكون المراد بمفاتح الغيب خزائنه. وكيف كان فقوله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) مسوق لبيان انحصار العلم بالغيب فيه تعالى إما لان خزائن الغيب لا يعلمها إلا الله، وإما لان مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن إذ لا علم له بمفاتيحها التى يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها. وصدر الاية وإن أنبأ عن انحصار علم الغيب فيه تعالى لكن ذيلها لا يختص بعلم الغيب بل ينبئ عن شمول علمه تعالى بكل شئ أعم من أن يكون غيبا أو شهادة فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيبا وهو ظاهر فالاية بمجموعها يبين شمول علمه تعالى لكل غيب وشهادة، غير أن صدرها يختص ببيان علمه بالغيوب، وذيلها ينبئ عن علمه بكل شئ أعم من الغيب والشهادة. ومن جهة اخرى صدر الاية يتعرض للغيوب التى هي واقعة في خزائن الغيب تحت أستار الخفاء وأقفال الابهام، وقد ذكر الله سبحانه في قوله: وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (الحجر: 21) أن التى في خزائن الغيب عنده من الاشياء امور لا يحيط بها الحدود المشهودة في الاشياء، ولا يحصرها الاقدار المعهودة، ولا شك انها انما صارت غيوبا مخزونة لما فيها من صفة الخروج عن حكم الحد والقدر فإنا لا نحيط علما إلا بما هو محدود ومقدر، وأما التى في خزائن الغيب من الاشياء فهى قبل النزول في منزل الشهود والهبوط إلى مهبط الحد والقدر، وبالجملة قبل أن يوجد بوجوده المقدر له غير محدودة مقدرة مع كونها ثابتة نوعا من الثبوت عنده تعالى على ما تنطق به الاية. فالامور الواقعة في هذا الكون المشهود المسجونة في سجن الزمان هي قبل وقوعها وحدوثها موجودة عند الله ثابته في خزائنه نوعا من الثبوت مبهما غير مقدر وإن لم نستطع أن نحيط بكيفية ثبوتها فمن الواقع في مفاتح الغيب وخزائنه الاشياء قبل حدوثها واستقرارها في منزلها المقدر لها من منازل الزمان، ولعل هناك أشياء أخر مذخورة مخزونة لا تسانخ ما عندنا من الامور الزمانية المشهودة المعهودة، ولنسم هذا النوع من الغيب غير الخارج إلى عرصة الشهود بالغيب المطلق. وأما الاشياء بعد تلبسها بلباس التحقق والوجود ونزولها في منزلها بالحد والقدر

[ 126 ]

فالذي في داخل حدودها وأقدارها يرجع بالحقيقة إلى ما في خزائن الغيب ويرجع إلى الغيب المطلق، وأما هي مع ما لها من الحد والقدر فهى التى من شأنها أن يقع عليها شهودنا ويتعلق بها علمنا فعند ما نعلم بها تصير من الشهادة وعند ما نجهل بها تصير غيبا، ومن الحرى أن نسميها عند ما تصير مجهولة لنا غيبا نسبيا لان هذا الوصف الذى يطرؤها عندئذ وصف نسبي يختلف بالنسب والاضافات كما أن ما في الدار مثلا من الشهادة بالنسبة إلى من فيها، ومن قبيل الغيب بالنسبة إلى من هو في خارجها، وكذا الاضواء والالوان المحسوسة بحاسة البصر من الشهادة بالنسبة إلى البصر، ومن الغيب بالنسبة إلى حاسة السمع، والمسموعات التى ينالها السمع شهادة بالنسبة إليه وغيب بالنسبة إلى البصر، ومحسوساتهما جميعا من الشهادة بالنسبة إلى الانسان الذى يملكهما في بدنه ومن الغيب بالنسبة إلى غيره من الاناسى. والتى عدها تعالى في الايه بقوله: (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبه في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس) من هذا الغيب النسبى فإنها جميعا أمور محدودة مقدرة لا تأبى بحسب طبعها أن يتعلق بها علمنا ولا أن يكون مشهودة لنا فهى من الغيب النسبى. وقد دلت الاية على ان هذه الامور في كتاب مبين فما هو الذى منها في كتاب مبين ؟ أهو هذه الاشياء من جهة شهادتها وغيبها جميعا أم هي من جهة غيبهافقط ؟ وبعبارة أخرى: الكتاب المبين أهو هذا الكون المشتمل على اعيان هذه الاشياء لا يغيب عنه شئ منها وإن غاب بعضها عن بعض ام هو امر وراء هذا الكون مكتوبة فيه هذه الاشياء نوعا من الكتابة مخزونة فيه نوعا من الخزن غائبة من شهادة الشهداء من اهل العالم فيكون ما في الكتاب من الغيب المطلق. وبلفظ آخر الاشياء الواقعة في الكون المعدودة بنحو العموم في الاية أهى واقعة بنفسها في الكتاب المبين كما تقع الخطوط بأنفسها في الكتب التى عندنا أم هي واقعة بمعانيها فيه كما تقع المطالب الخارجية بمعانيها بنوع من الوقوع في ما نكتبه من الصحائف والرسائل ثم تطابق الخارج مطابقة العلم العين ؟. لكن قوله تعالى: (ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها) (الحديد: 22) يدل على ان نسبة هذا الكتاب إلى الحوادث الخارجية نسبة الكتاب الذى يكتب فيه برنامج العمل إلى العمل الخارجي، ويقرب منه قوله تعالى

[ 127 ]

(وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا أكبر الا في كتاب مبين) (يونس: 61) وقوله: (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر الا في كتاب مبين) (سبا: 3) وقوله: (قال فما بال القرون الاولى، قال علمها عند ربى في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى) (طه: 52) إلى غيرذلك من الايات. فالكتاب المبين أيا ما كان هو شئ غير هذه الخارجيات من الاشياء بنحو من المغايرة، وهو يتقدمها ثم يبقى بعد فنائها وانقضائها كالبرنامجات المكتوبة للاعمال التى تشتمل على مشخصات الاعمال قبل وقوعها ثم تحفظ المشخصات المذكورة بعد الوقوع. على أن هذا الموجودات والحوادث التى في عالمنا متغيرة متبدلة تحت قوانين الحركة العامة والايات تدل على عدم جواز التغير والفساد فيما يشتمل عليه هذا الكتاب كقوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد: 39) وقوله: (في لوح محفوظ) (البروج: 22) وقوله: (وعندنا كتاب حفيظ) (ق: 4) فالايات - كما ترى - تدل على أن هذا الكتاب في عين أنه يشتمل على جميع مشخصات الحوادث وخصوصيات الاشخاص المتغيرة المتبدلة لا يتبدل هو في نفسه ولا يتسرب إليه أي تغير وفساد. ومن هنا يظهر أن هذا الكتاب بوجه غير مفاتح الغيب وخزائن الاشياء التى عند الله سبحانه فإن الله تعالى وصف هذه المفاتح والخزائن بأنها غير مقدرة ولا محدودة، وإن القدر إنما يلحق الاشياء عند نزولها من خزائن الغيب إلى هذا العالم الذى هو مستوى الشهادة، ووصف هذا الكتاب بأنه يشتمل على دقائق حدود الاشياء وحدود الحوادث، فيكون الكتاب المبين من هذه الجهة غير خزائن الغيب التى عند الله سبحانه، وإنما هو شئ مصنوع لله سبحانه يضبط سائر الاشياء ويحفظها بعد نزولها من الخزائن وقبل بلوغها منزل التحقق وبعد التحقق والانقضاء. ويشهد بذلك أن الله سبحانه إنما ذكر هذا الكتاب في كلامه لبيان إحاطة علمه بأعيان الاشياء والحوادث الجارية في العالم سواء كانت غائبة عنا أو مشهودة لنا، وأما الغيب المطلق الذى لا سبيل لغيره تعالى إلى الاطلاع عليه فإنما وصفه بأنه في خزائنه والمفاتح التى عنده لا يعلمها إلا هو بل ربما أشعرت أو دلت بعض الايات على جواز اطلاع غيره على الكتاب دون الخزائن كقوله تعالى: (في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون) (الواقعة: 79).

[ 128 ]

فما من شئ مما خلقه الله سبحانه إلا وله في خزائن الغيب أصل يستمد منه، وما من شئ مما خلقه الله إلا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده غير أن الكتاب أنزل درجة من الخزائن، ومن هنا يتبين للمتدبر الفطن أن الكتاب المبين - في عين أنه كتاب محض - ليس من قبيل الالواح والاوراق الجسمانية فإن الصحيفة الجسمانية أيا ما فرضت وكيفما قدرت لا تحتمل أن يكتب فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال فضلا عن غيره فضلا عن كل شئ في مدى الابد. فقد بان بما مر من البحث أولا: أن المراد بمفاتح الغيب الخزائن الالهية التى تشتمل على الاشياء قبل تفريغهافى قالب الاقدار، وهى تشتمل على غيب كل شئ على حد ما يدل عليه قوله تعالى: (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (الحجر: 21). وثانيا: أن المراد بالكتاب المبين أمر نسبته إلى الاشياء جميعا نسبة الكتاب المشتمل على برنامج العمل إلى نفس العمل ففيه نوع تعيين وتقدير للاشياء إلا أنه موجود قبل الاشياء ومعها وبعدها، وهو المشتمل على علمه تعالى بالاشياء علما لا سبيل للضلال والنسيان إليه، ولذلك ربما يحدس أن المراد به مرتبة واقعية الاشياء وتحققها الخارجي الذى لا سبيل للتغير إليه فإن شيئا ما لا يمتنع من عروض التغير عليه إلا بعد الوقوع وهو الذى يقال: إن الشئ لا يتغير عما وقع عليه. وبالجملة هذا الكتاب يحصى جميع ما وقع في عالم الصنع والايجاد مما كان وما يكون وما هو كائن من غير أن ان يشذ عنه شاذ إلا أنه مع ذلك إنما يشتمل على الاشياء من حيث تقدرها وتحددها، ووراء ذلك ألواح وكتب تقبل التغيير والتبديل، وتحتمل المحو والاثبات كما يدل عليه قوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) فإن المحو والاثبات - وخاصة إذا قوبلا بام الكتاب - إنما يكونان في الكتاب. وعند ذلك يتضح اتصال الاية أعنى قوله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) إلى آخر الاية بما قبلها من الايات فإن محصل الايتين السابقتين أن الذى تقترحونه على من الايات القاضية بينى وبينكم ليس في مقدرتي، ولا الحكم الحق راجع إلى بل هو عند ربى في علمه وقدرته ولو كان ذلك إلى لقضى بينى وبينكم وأخذكم العذاب الذى لا يأخذ إلا الظالمين لان الله يعلم أنكم أنتم الظالمون وهو العالم الذى لا يجهل شيئا أما أنه لا سبيل إلى الوقوف والتسلط على ما يريده ويقضيه من آية قاضية فلان مفاتح الغيب عنده لا يعلمها إلا

[ 129 ]

هو، وأما أنه أعلم بالظالمين ولا يخطئهم إلى غيرهم فلانه يعلم ما في البر والبحر ويعلم كل دقيق وجليل، والكل في كتاب مبين. فقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) راجع إلى الغيب المطلق الذى لا سبيل لغيره تعالى إليه، وقوله: (لا يعلمها) (الخ) حال وهو) يدل على أن مفاتح الغيب من قبيل العلم غير أن هذا العلم من غير سنخ العلم الذى نتعارفه فإن الذى يتبادر إلى أذهاننا من معنى العلم هو الصورة المأخوذة من الاشياء بعد وجودها وتقدرها بأقدارها ومفاتح الغيب - كما تبين - علم بالاشياء وهى غير موجودة ولا مقدرة بأقدارها الكونية أي علم غير متناه من غير انفعال من معلوم. وقوله: (ويعلم ما في البر والبحر) تعميم لعلمه بما يمكن أن يتعلق به علم غيره مما ربما يحضر بعضه عند بعض وربما يغيب بعضه عن بعض، وإنما قدم ما في البر لانه اعرف عند المخاطبين من الناس. وقوله: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) اختص بالذكر لانه مما يستصعب الانسان حصول العلم به لان الكثرة البالغة التى في أوراق الاشجار تعجز الانسان أن يميز معها بعضها من بعض فيراقب كلا منها فيما يطرا عليه من الاحوال، ويتنبه على انتقاصها بالساقط منها إذا سقط. وقوله: (ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس) الخ، معطوفات على قوله: (من ورقة) على ظاهر السياق، والمراد بظلمات الارض بطونها المظلمة التى تستقر فيها الحبات فينمو منها ما ينمو ويفسد ما يفسد فالمعنى: ولا تسقط من حبة في بطون الارض المظلمة ولا يسقط من رطب ولا من يابس أيا ما كانا إلا يعلمها، وعلى هذا فقوله: (إلا في كتاب مبين) بدل من قوله: (إلا يعلمها) سد مسده، وتقديره إلا هو واقع مكتوب في كتاب مبين. وتوصيف الكتاب بالمبين إن كان بمعنى المظهر إنما هو لكونه يظهر لقارئه كل شئ على حقيقة ما هو عليه من غير إن يطرا عليه إبهام التغير والتبدل وسترة الخفاء في شئ من نعوته، وإن كان المبين بمعنى الظاهر فهو ذلك أيضا لان الكتاب في الحقيقة هو المكتوب، والمكتوب هو المحكى عنه، وإذا كان ظاهرا لا سترة عليه ولاخفاء فيه فالكتاب كذلك.

[ 130 ]

قوله تعالى: (وهو الذى يتوفاك بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) التوفى أخذ الشئ بتمامه، ويستعمله الله سبحانه في كلامه بمعنى أخذ الروح الحية كما في حال الموت كما في قوله في الاية التالية: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا). قد عد الانامة توفيا كما عد الاماتة توفيا على حد قوله: (الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت في منامها) (الزمر: 42) لاشتراكهما في انقطاع تصرف النفس في البدن كما أن البعث بمعنى الايقاظ بعد النوم يشارك البعث بمعنى الاحياء بعد الموت في عود النفس إلى تصرفها في البدن بعد الانقطاع، وفي تقييد التوفى بالليل كالبعث بالنهار جرى على الغالب من أن الناس ينامون بالليل ويستيقظون بالنهار. وفي قوله تعالى (يتوفاكم) دلالة على أن الروح تمام حقيقة الانسان الذى يعبر عنه بأنا لا كما ربما يتخيل لنا أن الروح أحد جزئي الانسان لا تمامه أو أنها هيئة أو صفة عارضة له، وأوضح منه دلالة قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الارض أئنا لفى خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون، قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) (السجدة: 11) فإن استبعاد الكفار مبنى على أن حقيقة الانسان هو البدن الذى يتلاشى ويفسد بانحلال التركيب بالموت فيضل في الارض، والجواب مبنى على كون حقيقته هو الروح (النفس) واذ كان ملك الموت يتوفاه ويقبضه فلا يفوت منه شئ. وقوله: (ويعلم ما جرحتم بالنهار) الجرح هو الفعل بالجارحة والمراد به الكسب أي يعلم ما كسبتم بالنهار، والانسب أن يكون الواو حالية والجمله حالا من فاعل يتوفاكم، ويتصل حينئذ قوله: (ثم يبعثكم فيه) بقوله: (وهو الذى يتوفاكم) الخ، من غير تخلل معنى أجنبي فإن الايتين في مقام شرح وقوع التدبير الالهى بالانسان في حياته الدنيا وعند الموت وبعده حتى يرد إلى ربه، والاصل العمدة من جمل الايتين المسرودة لبيان هذا المعنى قوله تعالى: (وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه - أي في النهار - ليقضى أجل مسمى ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) فهذا هو الاصل في المقصود، وما وراء ذلك مقصود بالتبع، والمعنى وهو الذى يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار، ثم يبعثكم في النهار الخ. قوله تعالى: (ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى) الخ. سمى الايقاظ والتنبيه بعثا محاذاة لتسمية الانامة توفيا وجعل الغرض من البعث قضاء الاجل المسمى وهو الوقت

[ 131 ]

المعلوم عند الله الذى لا يتخطاه حياة الانسان الدنيوية كما قال: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (الاعراف: 34). وإنما جعل قضاء الاجل المسمى غاية لانه تعالى أسرع الحاسبين، ولو لا تحقق قضاء سابق لاخذهم بسيئات أعمالهم ووبال آثامهم، كما قال: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم) (الشورى: 14) والقضاء السابق هو الذى يشتمل عليه قوله تعالى في قصة هبوط آدم عليه السلام: (ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) (الاعراف: 24). فالمعنى أن الله يتوفاكم بالليل والحال أنه يعلم ما كسبتم في النهار من السيئات وغيرها لكن لا يمسك أرواحكم ليديم عليها الموت بل يبعثكم في النهار بعد التوفى لتقضى آجالكم المسماة ثم إليه مرجعكم بنزول الموت والحشر فينبئكم بما كنتم تعملون. قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) قد تقدم الكلام فيه في تفسير الاية 17 من السورة. قوله تعالى: (ويرسل عليكم حفظه) الخ، اطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الارسال ولا في الحفظة ثم جعله مغيا بمجئ الموت لا يخلو عن دلالة على أن هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الانسان من كل بلية تتوجه إليه ومصيبة تتوخاه، وآفة تقصده فإن النشأة التى نحن فيها نشأة التفاعل والتزاحم، ما فيه من شئ إلا وهو مبتلى بمزاحمة غيره من شئ من جميع الجهات لان كلا من أجزاء هذا العالم الطبيعي بصدد الاستكمال واستزادة سهمه من الوجود، ولا يزيد في شئ إلا وينقص بنسبته من غيره فالاشياء دائما في حال التنازع، والتغلب ومن أجزائه الانسان الذى تركيب وجوده ألطف التراكيب الموجودة فيه وأدقها فيما نعلم فرقباؤه في الوجود أكثر وأعداؤه في الحياة أخطر فأرسل الله إليه من الملائكة حفظة تحفظه من طوارق الحدثان وعوادى البلايا والمصائب ولا يزالون يحفظونه من الهلاك حتى إذا جاء أجله خلوا بينه وبين البلية فأهلكته على ما في الروايات. أما ما ذكره في قوله: (إن عليكم لحافظين. كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون) (الانفطار: 12) فإنما يريد به الحفظة على الاعمال غير أن بعضهم أخذ الايات مفسرة لهذه الاية، والاية وإن لم تأب هذا المعنى كل الاباء لكن قوله: (حتى إذا جاء أحدكم الموت)

[ 132 ]

إلى آخر الاية، كما تقدم يؤيد المعنى الاول. وقوله: (توفته رسلنا وهم لا يفرطون) الظاهر أن المراد من التفريط هو التساهل والتسامح في إنفاذ الامر الالهى بالتوفى فإن الله سبحانه وصف ملائكته بأنهم يفعلون ما يؤمرون، وذكر أن كل أمة رهن أجلهم فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فالملائكة المتصدون لامر التوفى لا يقصرون عن الحد الواجب المحدود المكشوف لهم من موت فلان في الساعة الفلانية على الشرائط الكذائية فهم لا يسامحون في توفى من أمروا بتوفيه ولا مقدار ذرة فهم لا يفرطون. وهل هذه الرسل هم الرسل المذكورون أولا حتى تكون الحفظة هم الموكلين على التوفى ؟ الاية ساكتة عن ذلك إلا ما فيها من إشعار ضعيف بالوحدة غير أن هؤلاء الرسل المأمورين بالتوفى كائنين من كانوا هم من أعوان ملك الموت لقوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم) (السجدة: 11). ونسبة التوفى إلى هؤلاء الرسل ثم إلى ملك الموت في الاية المحكية آنفا ثم إلى الله سبحانه في قوله: (الله يتوفى الانفس) (الزمر: 42) من قبيل التفنن في مراتب النسب فالله سبحانه ينتهى إليه كل أمر وهو المالك المتصرف على الاطلاق، ولملك الموت التوسل إلى ما يفعله من قبض الارواح بأعوانه الذين هم أسباب الفعل ووسائله وأدواته كالخط الذى يخط القلم و ورائه اليد ووراءهما الانسان الكاتب. قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق) إشارة إلى رجوعهم إلى الله سبحانه بالبعث بعد الموت، وتوصيفه تعالى بأنه مولاهم الحق للدلالة على علة جميع ما تقدم من تصرفاته تعالى بالانامة والايقاظ والتدبير والاماتة والبعث، وفيه تحليل لمعنى المولى ثم إثبات حق المولوية له تعالى، فالمولى هو الذى يملك الرقبة فيكون من حقه جواز التصرف فيها كيفما شاء، وإذ كان له تعالى حقيقة الملك، وكان هو المتصرف بالايجاد والتدبير والارجاع فهو المولى الحق الذى يثبت له معنى المولوية ثبوتا لا زوال له بوجه البتة. والحق من أسماء الله الحسنى لثبوته تعالى بذاته وصفاته ثبوتا لا يقبل الزوال ويمتنع عن التغير والانتقال والضمير في (ردوا) راجع إلى الاحاد الذى يومئ إليه سابق الكلام من قوله: (حتى إذا جاء أحدكم الموت) فإن حكم الموت يعم كل واحد ويجتمع به آحادهم

[ 133 ]

نفس الجماعة، ومن هنا يظهر أن قوله: (ثم ردوا) ليس من قبيل الالتفات من الخطاب السابق إلى الغيبة. قوله تعالى: (ألا له الحكم) الخ، لما بين تعالى اختصاصه بمفاتح الغيب وعلمه بالكتاب المبين الذى فيه كل شئ، وتدبيره لامر خلقه من لدن وجدوا إلى أن يرجعوا إليه تبين أن الحكم إليه لا إلى غيره، وهو الذى ذكره فيما مر من قوله: (إن الحكم إلا لله) أعلن نتيجة بيانه فقال (ألا له الحكم) ليكون منبها لهم مماغفلوا عنه. وكذلك قوله: (وهو أسرع الحاسبين) نتيجة أخرى لسابق البيان فإنه تبين به أنه تعالى لا يؤخر حساب أعمال الناس عن الوقت الصالح، له وإنما يتأخر ما يتأخر ليدرك الاجل الذى أجل له. قوله تعالى: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه) إلى آخر الاية كأن المراد بالتنجية من ظلمات البر والبحر هو التخليص من الشدائد التى يبتلى بها الانسان في خلال الاسفار إذا ضرب في الارض أو ركب البحر كالبرد الشديد والامطار والثلوج وقطاع الطريق والطوفان ونحو ذلك، وأشق ما يكون ذلك على الانسان في الظلمات من ليل أو سحاب أو ريح تثير عجاج الارض فيزيد في اضطراب الانسان وحيرته وضلالة طريق الاحتيال لدفعه، ولذلك علقت التنجية على الظلمات، وكان أصل المعنى الاستفهام عمن ينجى الانسان من الشدائد التى يبتلى بها في أسفاره في البر والبحر فاضيفت الشدائد إلى البر والبحر بعناية الظرفية ثم أضيفت إلى ظلمات البر والبحر لان للظلمات تأثيرا تاما في تشديد هذه المكاره، ثم حذفت الشدائد وأقيمت الظلمات مقامها فعلقت التنجية عليها فقيل: ينجيكم من ظلمات البر والبحر. وإنما خصت الظلمات بالذكر وإن كان المنجى من كل مكروه وغم هو الله سبحانه كما يذكره في الاية التالية لان أسفار البر والبحر معروف عند الانسان بالعناء والوعثاء والكريهة. والتضرع إظهار الضراعة وهو الذل والخضوع على ما ذكره الراغب، ولذلك قوبل بالخفية وهو الخفاء والاستتار فالتضرع والخفية في الدعاء هما الاعلان والاسرار فيه، والانسان إذا نزلت به المصيبة يبتدئ فيدعو للنجاة بالاسرار والمناجاة ثم إذا اشتدت به ولاح بعض آثار اليأس والانقطاع من الاسباب لا يبالى بمن حوله ممن يطلع على ذلته واستكانته فيدعو بالتضرع والمناداة ففى ذكر التضرع والخفية إشارة إلى أنه تعالى هو المنجى من مصائب البر والبحر شديدتها ويسيرتها.

[ 134 ]

وفي قوله: (لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين) إشارة إلى أن الانسان يضيف في هذه الحالة التى يدعو لكشفها إلى دعائه عهدا يقدمه إلى ربه ووعدا يعده به أن لو كشف الله عنه ليكونن من الشاكرين ويرجع عن سابق كفره. وأصل هذه العدة مأخوذ من العادة الجارية بين أفراد الانسان بعضهم مع بعض فإن الواحد منا إذا أعيته المذاهب وأحاطت به البلية من مصيبة قاصمة أو فقر أو عدو واستغاث لكشف ما به من كرب إلى أحد الاقوياء القادرين على كشفه بزعمه وعده بما يطيب به نفسه ويقوى باعث عزيمته وفتوته، وذلك بثناء جميل أو مال أو طاعة أو وفاء كل ذلك لما أن الاعمال الاجتماعية التى تدور بيننا كلها معاملات قائمة بطرفين يعطى فيها الانسان شيئا ويأخذ شيئا لان الحاجة محيطة بالانسان ليس له أن يعمل عملا أو يؤثر أثرا إلا لنفع عائد إلى نفسه، ومثله سائر أجزاء الكون. لكن الله سبحانه أكرم ساحة أن تمسه حاجة أو يطرأ عليه منقصة لا يفعل فعلا إلا ليعود نفعه إلى غيره من خليقته فوجه التوحيد في مقابلة الانسان له بوعد الشكر والطاعة في دعائه الفطري هو أن الانسان إذا نزلت به النازلة، وانقطعت عنه الاسباب وغابت عن مسرح نظره وسائل الخلاص وجد أن الله سبحانه هو السبب الوحيد الذى يقدر على كشف ما به من غم، وأنه الذى يدبر أمره منذ خلقه ويدبر أمر كل سبب فوجد نفسه ظالما مفرطا في جنب الله سبحانه لا يستحق كشف الغم ورفع الحاجة من قبله تعالى لماكسبت يداه من السيئات، وحملت نفسه من وبال الخطيئة فعندئذ يعد ربه الشكر والطاعة ليصحح ذلك استحقاقه لاستجابة دعائه وكشف ضره. ولذلك نجده أنه إذا نجى مما نزل به النائبة ذهب لوجهه ناسيا لما عهد به ربه ووعده من الشكر كما قال تعالى في ذيل الاية التالية: (ثم أنتم تشركون). قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) قال الراغب في مفرداته: الكرب الغم الشديد، قال تعالى: (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) والكربة كالغمة، وأصل ذلك من كرب الارض بسكون الراء وهو قلبها بالحفر فالغم يثير النفس إثارة ذلك وقيل في مثل: الكراب على البقر وليس ذلك من قولهم: الكلاب على البقر، في شئ، ويجوز أن يكون الكرب من كربت الشمس إذا دنت للمغيب، وقولهم: إناء كربان أي قريب نحو قربان أي قريب من المل ء، أو من الكرب (بفتحتين) وهو عقد غليظ في رشا الدلو، وقد يوصف الغم بأنه عقد على القلب يقال: أكربت الدلو، انتهى.

[ 135 ]

وقد أضيف في هذه الاية كل كرب إلى ظلمات البر والبحر ليعم الجميع فإن إنسانا ما لا يخلو في مدى حياته من شئ من الكروب والغموم فألمسألة والدعاء عام فيهم سواء أعلنوا به أو أسروا. فملخص المراد بالاية أنكم في الشدائد النازلة بكم في ظلمات البر والبحر وغيرها إذا انقطعتم عن الاسباب الظاهرة وأعيت بكم الحيل تشاهدون بالرجوع إلى فطرتكم الانسانية أن الله سبحانه هو ربكم لا رب سواه وتجزمون أن عبادتكم لغيره ظلم وإثم والشاهد على ذلك أنكم تدعونه حينئذ تضرعا وخفية، وتعدونه أن تشكروه بعد ذلك ولا تكفروا به إن أنجاكم لكنكم بعد الانجاء تنقضون ميثاقكم الذى واثقتموه به وتستمرون على سابق كفركم، ففى الايتين احتجاج على المشركين وتوبيخ لهم على حنث اليمين وخلف الوعد. قوله تعالى: (قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم) إلى آخر الاية، قال الراغب في المفردات، أصل البعث اثارة الشئ وتوجيهه يقال: بعثته فانبعث، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علق به فبعثت البعير أثرته وسيرته، وقوله عزوجل: والموتى يبعثهم الله أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة - إلى ان قال - فالبعث ضربان: بشرى كبعث البعير وبعث الانسان في حاجة، والهى وذلك ضربان: أحدهما: ايجاد الاعيان والاجناس الانواع عن ليس وذلك يختص به الباري تعالى ولم يقدر عليه احد، والثانى إحياء الموتى وقد خص بذلك بعض أوليائه كعيسى عليه السلام وأمثاله، انتهى. و بالجملة في لفظه شئ من معنى الاقامة والانهاض، وبهذه العناية يستعمل في التوجيه والارسال لان التوجيه إلى حاجة والارسال نحو قوم يكون بعد سكون وخمود غالبا، وعلى هذا فبعث العذاب لا يخلو من إشعار على أنه عذاب من شأنه إن يتوجه إليهم ويقع بهم، وإنما يمنع عن هذا الاقتضاء مانع كالايمان والطاعة، وللكلام تتمة سنوافيك. وقال في المجمع: لبست عليهم الامر ألبسه إذا لم أبينه وخلطت بعضه ببعض ولبست الثوب ألبسه، واللبس اختلاط الامر واختلاط الكلام، ولابست الامر خالطته، والشيع الفرق، وكل فرقة شيعه على حدة، وشيعة فلان تبعته، والتشيع الاتباع على وجه التدين والولاء، انتهى. وعلى هذا فالمراد بقوله: (أو يلبسكم شيعا) أن يضرب البعض بالبعض ويخلط

[ 136 ]

حال كونهم شيعا وفرقا مختلفة. فقوله: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) ظاهره إثبات القدرة لله سبحانه على بعث العذاب عليهم من فوق أو من تحت، والقدرة على الشئ لا تستلزم فعله، وهو أعنى إثبات القدرة على الفعل الذى هو العذاب كاف في الاخافة، والانذار لكن المقام يعطى أن المراد ليس هو إثبات مجرد القدرة بل لهم استحقاق لمثل هذا العذاب، وفي العذاب اقتضاء أن ينبعث عليهم إن لم يجتمعوا على الايمان بالله وآياته كما مر من استفاد ذلك من معنى البعث، ويؤيده قوله بعد: (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) فإنه تهديد صريح. على أنه تعالى يهدد هذه الامة صريحا بالعذاب في موارد مشابهة لهذا المورد من كلامه كقوله تعالى: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط - إلى أن قال - ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين) الايات (يونس: 47 - 53) وقوله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعوا أمرهم بينهم) إلى آخر الايات (الانبياء: 93 - 97) وقوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا - إلى أن قال - ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) إلى آخر الايات (الروم آ: 30 - 45). وقد قيل: إن المراد بالعذاب الذى من فوقهم هو الصيحة والحجارة والطوفان والريح كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط، وبالذي من تحت أرجلهم الخسف كما فعل بقارون، وقيل: إن المراد بما من فوقهم العذاب الاتى من قبل كبارهم أو سلاطينهم الجبابرة وبما من تحت أرجلهم ما يأتيهم من قبل سفلتهم أو عبيدهم السوء، وقيل: المراد بما من فوق وبما من تحت الاسلحة النارية القتالة التى اخترعها البشر أخيرا من الطيارات والمناطد التى تقذف القنابل المحرقة والمخربة وغيرها ومراكب تحت البحر المغرفة للسفائن والباخرات فإن الانذار إنما وقع في كلامه تعالى وهو أعلم بما كان سيحدث في مملكته. والحق أن اللفظ مما يقبل الانطباق على كل من المعاني المذكورة وقد وقع بعد النزول ما ينطبق عليه اللفظ، والمحتد الاصلى لهذه الوقائع الذى مهد لها الطريق هو اختلاف الكلمة والتفرق الذى بدأت به الامة وجبهت به النبي صلى الله عليه وآله فيما كان يدعوهم إليه من الاتفاق على كلمة الحق، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم.

[ 137 ]

قوله تعالى: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) ظاهره أنه أريد به التحزبات التى نشأت بعد النبي صلى الله عليه وآله، فأدى ذلك إلى حدوث مذاهب متنوعة ألبست لباس العصبية والحمية الجاهلية واستتبعت حروبا ومقاتل يستبيح كل فريق من غيره كل حرمة ويطرده بمزعمته من حرمة الدين وبيضة الاسلام. وعلى هذافقوله: (أو يلبسكم شيعا ويذيق) الخ، عذاب واحد لا عذابان وإن أمكن بوجه عد كل من إلقاء التفرق في الكلمة وإذاقه البعض بأس بعض عذابا مستقلا برأسه فللتفرقة بين الامة أثر سوء آخر وهو طرو الضعف ونفاد القوة وتبعض القدرة لكن المأخوذ في الاية المعدود عذابا أعنى قوله: (ويذيق بعضكم) الخ، حينئذ بالنسبة إلى مجرد إلقاء الاختلاف بمنزلة المقيد بالنسبة إلى المطلق، ولا يحسن مقابلة المطلق بالمقيد إلا بعناية زائدة في الكلام، على أن العطف بواو الجمع يؤيد ما ذكرناه. فبالجملة معنى الاية: قل يا رسول الله مخاطبا لهم منذرا لهم عاقبة استنكافهم عن الاجتماع تحت لواء التوحيد واستماع دعوة الحق إن لشأنكم هذا عاقبة سيئة في قدرة الله سبحانه أن يأخذكم بها وهو أن يبعث عليكم عذابا لا مفر لكم منه ولا ملاذ تلوذون به وهو العذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو أن يضرب بعضكم ببعض فتكونوا شيعا وفرقا مختلفين متنازعين ومتحاربين فيذيق بعضكم بأس بعض، ثم تمم البيان بقوله خطابا لنبيه: أنظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون، والمعنى ظاهر. قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل) قوم النبي صلى الله عليه وآله هم قريش أو مضر أو عامة العرب والمستفاد من فحوى بعض كلامه تعالى في موارد أخر ان المراد بقومه صلى الله عليه وآله هم العرب كقوله: (ولو نزلناه على بعض الاعجمين، فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين، كذلك سلكناه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم، فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون) (الشعراء: 202) وقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) (إبراهيم: 4). وكيف كان فقوله: (وكذب به قومك وهو الحق) بمنزلة التمهيد لتحقيق النبأ الذى يتضمنه الانذار السابق كأنه قيل: يا أيتها الامة اجتمعوا في توحيد ربكم واتفقوا في اتباع كلمة الحق وإلا فلا مؤمن يؤمنكم عذابا يأتيكم من فوق أو من تحت أو من اختلاف

[ 138 ]

وتحزب يستتبع سيفا وسوطا من بعضكم على بعض، ثم خوطب النبي صلى الله عليه وآله فقيل: إن قومك كذبوا بذلك فليستعدوا لعذاب بئيس أو بأس شديد يذوقونه. ومن هنا يظهر أولا: أن الضمير في قوله: (وكذب به) راجع إلى العذاب كما نسبه الالوسى إلى غالب المفسرين، وربما قيل: إنه عائد إلى تصريف الايات أو إلى القرآن وهو بعيد، وليس من البعيد أن يرجع إلى النبأ باعتبار ما تشتمل عليه الاية السابقة. وثانيا: أن هذا الخبر أاعنى قوله: (وكذب به قومك وهو الحق) بحسب ما يعطيه المقام في معنى ذكر أول خبر يمهد الطريق لنبأ موعود كأنه قيل: يجب على أمتك أن يجتمعوا على الايمان بالله وآياته ويكونوا على تحرز وتحذر من أن يتسرب إليهم الكفر بالله وآياته ويدب فيهم اختلاف حتى لا ينزل عليهم عذاب الله سبحانه ثم قيل: إن قومك من بين جميع امتك ومن عاصرك أو جاء من بعدك من أهل الدنيا بادروا إلى نقض ما كان يجب عليهم أن يبرموه وكذبوا النبأ فانثلم بذلك الامر فسوف يعلمون ذلك أن المكذبين للنبى صلى الله عليه وآله أو للقرآن أو لهذا العذاب ليسوا هم الاعراب خاصة وهم قومه صلى الله عليه وآله بل كذبته اليهود وامم من غيرهم في زمانه وبعده وكان تكذيبهم واختلافهم جميعا ذا أثر مثبت في ما هددوا به من العذاب فتخصيص تكذيب قومه بالذكر والحال هذه يفيد ما ذكرناه. والبحث التحليلي عن نفسية المجتمع الاسلامي يؤيد هذا الذى استفدناه من الاية فإن ما ابتليت به الامة الاسلامية اليوم من الانحطاط في نفسيتهم والوهن في قوتهم والتشتت في كلمتهم ينتهى بحسب التحليل إلى ما نشأت من الاختلافات والمشاجرات في الصدر الاول بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله ثم يصعد ذلك إلى حوادث أول الهجرة وقبل الهجرة مما لقيه النبي صلى الله عليه وآله من قومه، وما جبهوه به من التكذيب وتسفيه الرأى. وهؤلاء وإن تجمعوا حول راية الدعوة الاسلامية واستظلوا بظلها بعد ما ظهرت كلمة الحق وأنارت مشعلته لكن المجتمع الطيب الدينى لم يضف من خبث النفاق، وقد نطقت آيات جمة من القرآن الكريم بذلك، وكان أهل النفاق لا يستهان بعددهم ومن المحال أن يسلم بنيه المجتمع من سئ أثرهم في نفسية أجزائه ولم يقدر على هضمهم هضما تاما يحيلهم إلى أعضاء صالحة في المجتمع مدى حياة النبي صلى الله عليه وآله، ولم يمكث وقودهم دون أن اشتعل ثم زاد اشتعالا ولم يزل، والجميع يرجع إلى ما بدا منه، وكل الصيد في جوف الفراء.

[ 139 ]

وثالثا: أن قوله تعالى: (قل لست عليكم بوكيل) مسوق سوق الكناية أي أعرض عنهم وقل: إن أمركم غير مفوض إلى ولا محمول على حتى أمنعكم من هذا التكذيب نصيحة لكم، وإنما الذى إلى بحسب مقامي أن أنذركم عذابا شديدا هو كمين لكم. ومن هنا يظهر أيضا: أن قوله: (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) من مقول القول وتتمة قول النبي صلى الله عليه وآله لقومه كما يؤيده الخطاب في قوله: (وسوف تعلمون) فإن القوم إنما هم في موقف الخطاب بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله لا بالنسبة إليه تعالى. وقوله: (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) تصريح بالتهديد وإنباء عن الوقوع الحتمى وقد ظهر مما تقدم وجه صحة خطاب المشركين بما سيبتلى به الامة الاسلامية من تفرق الكلمة ونزول الشدة فإن الاعراق تنتهى إليهم وليس الناس إلا أمة واحدة يؤخذ آخرهم بما اكتسبه أولهم ويعود إلى أولهم ما يظهر في آخرهم علموا ذلك أو جهلوا، أبصروا من أنفسهم ذلك أوعموا، قال تعالى: (بل هم في شك يلعبون، فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) (الدخان: 15). تدبر في الايات كيف أخذ آخرهم بما أجرمه أولهم أو هي في عداد ما تقدم نقله من آيات سورة يونس والانبياء والروم، وفي القرآن الشريف شئ كثير من الايات المنبئة عما سيوافى الامة من وخيم العاقبة ووبال السيئة ثم إدراك العناية الالهية ومن أسوء التقصير إهمال الباحثين منا أمر البحث في هذه الايات الكريمة على كثرتها وأهميتها وشدة مساسها بحال الامة وسعادة جدها في دنياها وآخرتها. قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) ذكر الراغب في المفردات أن الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الامور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه، انتهى. وهو الدخول في باطل الحديث والتوغل فيه كذكر الايات الحقة والاستهزاء بها والاطالة في ذلك. والمراد بالاعراض عدم مشاركتهم فيما يخوضون فيه كالقيام عنهم والخروج من بينهم أو ما يشابه ذلك مما يتحقق به عدم المشاركة، وتقييد النهى بقوله: (حتى يخوضوا في

[ 140 ]

حديث غيره) للدلالة على أن المنهى عنه ليس مطلق مجالستهم والقعود معهم، ولو كان لغرض حق، وإنما المنهى عنه مجالستهم ما داموا مشتغلين بالخوض في آيات الله سبحانه. ومن هنا يظهر أن في الكلام نوعا من إيجاز الحذف فإن تقدير الكلام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا يخوضون فيها فأعرض عنهم (الخ)، فحذفت الجملة المماثلة للصلة استغناء بها عنها، والمعنى - والله أعلم وإذا رأيت أهل الخوض والاستهزاء بآيات الله يجرون على خوضهم واستهزائهم بالايات الالهية فأعرض عنهم ولا تدخل في حلقهم حتى يخوضوا في حديث غيره فإذا دخلوا في حديث غيره فلا مانع يمنعك من مجالستهم، والكلام وإن وقع في سياق الاحتجاج على المشركين لكن ما أشير إليه من الملاك يعممه فيشمل غيرهم كما يشملهم، وقد وقع في آخر الاية قوله: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين فالخوض في آيات الله ظلم والاية إنما نهت عن مشاركة الظالمين في ظلمهم، وقد ورد في مورد آخر من كلامه تعالى: (إنكم إذا مثلهم) (النساء: 140). فقد تبين: أن الاية لا تأمر بالاعراض عن الخائضين في آيات الله تعالى بل إنما تأمر بالاعراض عنهم إذا كانوا يخوضون في آيات الله ما داموا مشتغلين به. والضمير في قوله: (غيره) راجع إلى الحديث الذى يخاض فيه في آيات الله باعتبار أنه خوض وقد نهى عن الخوض في الاية. قوله تعالى: (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) و (ما) في قوله: (إما ينسينك) زائد يفيد نوعا من التأكيد أو التقليل، والنون للتأكيد، والاصل وإن ينسك، والكلام في مقام التأكيد والتشديد للنهى أي حتى لو غفلت عن نهينا بما أنساكه الشيطان ثم ذكرت فلا تهاون في القيام عنهم ولا تلبث دون أن تقوم عنهم فإن الذين يتقون ليس هم أي مشاركة للخائضين اللاعبين بآيات الله المستهزئين بها. والخطاب في الاية للنبى صلى الله عليه وآله والمقصود غيره من الامة فقد تقدم في البحث عن عصمة الانبياء عليهم السلام ما ينفى وقوع هذا النوع من النسيان - وهو نسيان حكم إلهى ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره والتمسك به نفسه - عنهم عليهم السلام. ويؤيد ذلك عطف الكلام في الاية التالية إلى المتقين من الامة حيث يقول: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) إلى آخر الاية.

[ 141 ]

وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزا بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) (النساء: 140) فإن المراد في الاية وهى مدنية بالحكم الذى نزل في الكتاب هو ما في هذه الاية من سورة الانعام وهى مكية ولا آية غيرها، وهى تذكر أن الحكم النازل سابقا وجه به إلى المؤمنين، ولازمه أن يكون الخطاب الذى في قوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الخ موجها إلى النبي صلى الله عليه وآله والمقصود به غيره على حد قولهم: إياك أعنى واسمعي يا جارة. قوله تعالى: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) إلى آخر الاية. يريد أن الذى يكتسبه هؤلاء الخائضون من الاثم لا يحمل إلا على أنفسهم ولا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكرهم ذكرى لعلهم يتقون، فإن الانسان إذا حضر مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف ومعاينة المعصية تهون أمر المعصية عند النفس وتصغر الخطيئة في عين المشاهد المعاين، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الانسان فيها فإن للنفس في كل معصية هوى ومن الواجب على المتقى بما عنده من التقوى والورع عن محارم الله أن يجتنب مخالطة أهل الهتك والاجتراء على الله كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في آيات الله لئلا تهون عليه الجرأة على الله وآياتة فتقربه ذلك من المعصية فيشرف على الهلكة، ومن يحم حول الحمى أوشك أن يقع فيه. ومن هذا البيان يظهر أولا: أن نفى الاشتراك في الحساب مع الخائضين عن الذين يتقون فحسب مع أن غير العامل لا يشارك العامل في جزاء عمله انما هو للايماء إلى أن من شاركهم في مجلسهم وقعد إليهم لا يؤمن من مشاركتهم في جزاء عملهم والمؤاخذة بما يؤاخذون به، فالكلام في تقدير قولنا: وما على غير الخائضين من حسابهم من شئ إذا كانوا يتقون الخوض معهم ولكن إنما ننهاهم عن القعود معهم ليستمروا على تقواهم من الخوض أو ليتم لهم التقوى والورع عن محارم الله سبحانه. وثانيا: أن المراد بالتقوى في قوله: (وما على الذين يتقون) التقوى العام وهو الاجتناب والتوقى عن مطلق ما لا يرتضيه الله تعالى، وفي قوله: لعلهم يتقون) التقوى

[ 142 ]

من خصوص معصية الخوض في آيات الله، أو المراد بالتقوى الاول أصل التقوى وبالثانى تمامه، أو الاول إجمال التقوى والثانى تفصيله بفعلية الانطباق على كل مورد ومنها مورد الخوض في آيات الله، وهيهنا معنى آخر وهو أن يكون المراد بالاول تقوى المؤمنين وبالتقوى الثاني تقوى الخائضين وتقدير الكلام ولكن ذكروا الخائضين ذكرى لعلهم يتقون الخوض. وثالثا: أن قوله ذكرى مفعول مطلق لفعل مقدر والتقدير ولكن نذكرهم بذلك ذكرى أو ذكروهم ذكرى أو خبر لمبتدا محذوف والتقدير: ولكن هذا الامر ذكرى أو مبتدء لخبر محذوف و التقدير: ولكن عليك ذكراهم وأوسط الوجوه أسبقها إلى الذهن. قوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) إلى آخر الاية، قال الراغب: البسل ضم الشئ ومنعه ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه فقيل ه: وباسل ومبتسل الوجه، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن بسل، وقوله تعالى: وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت، أي تحرم الثواب، والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنوعا منه بالحكم والقهر، والبسل هو المنوع منه بالقهر قال عزوجل: (اولئك الذين أبسلوا بما كسبوا) أي حرموا الثواب، انتهى. وقال في المجمع: يقال: أبسلته بجريرته أي أسلمته، والمستبسل المستسلم الذى يعلم أنه لا يقدر على التخلص - إلى أن قال - قال الاخفش: تبسل أي تجازى، وقيل: تبسل أي ترهن والمعاني متقاربة، انتهى. - والمعنى: (واترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) عد تدينهم بما يدعوهم إليه هوى أنفسهم لعبا وتلهيا بدينهم، وفيه فرض دين حق لهم وهو الذى دعتهم إليه فطرتهم فكان يجب عليهم أن يأخذو ا به أخذ جد ويتحرزوا به عن الخلط والتحريف ولكنهم اتخذوه لعبا ولهوا يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال ويحولونه حسب ما يأمرهم به هوى أنفسهم من صورة إلى صورة. ثم عطف على اتخاذهم الدين لعبا ولهوا قوله: (وغرتهم الحياة الدنيا) لما بينهما من الملازمة لان الاسترسال في التمتع من لذائذ الحياة المادية والجد في اقتنائها يوجب الاعراض عن الجد في الدين الحق والهزل واللعب به.

[ 143 ]

ثم قال: وذكر به أي بالقرآن حذرا من أن تبسل أي تمنع نفس بسبب ما كسبت من السيئات أو تسلم نفس مع ما كسبت للمؤاخذة والعقاب، وتلك نفس ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل وتفد كل فدية لا يؤخذ منها لان اليوم يوم الجزاء بالاعمال لا يوم البيع والشرى اولئك الذين أبسلوا ومنعوا من ثواب الله أو أسلموا لعقابه لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون. قوله تعالى: (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا) احتجاج على المشركين بنحو الاستفهام الانكارى، وإنما ذكر من أوصاف شركائهم كونها لا تنفع و لا تضر لان اتخاذ الالهة - كما تقدم - كان مبنيا على أحد الاساسين: الرجاء و الخوف وإذ كانت الشركاء لا تنفع ولا تضر فلا موجب لدعائها وعبادتها والتقرب منها. قوله تعالى: (ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله - إلى قوله - ائتنا) الاستهواء طلب الهوى والسقوط، والرد على الاعقاب كناية عن الضلال وترك الهدى فإن لازم الهداية الحقة الوقوع في مستقيم الصراط والشروع في السير فيه فالارتداد على الاعقاب ترك السير في الصراط والعود إلى ما خلف من المسير وهو الضلال، ولذا قال: ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله فقيد الرد بكونه بعد الهداية الالهية. ومن عجيب الاستدلال احتجاج بعض بهده الاية أعنى قوله: (نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله الاية وما يجرى مجراها من الايات كقول شعيب عليه السلام على ما حكاه الله تعالى في قصته بقوله: (قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين، قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملكتم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا) (الاعراف: 89). فقد احتجوا بها على أن الانبياء ع كانوا قبل البعثة والتلبس بلباس النبوة على الكفر لما في لفظ الرد على الاعقاب بعد إذ هدى الله، والعودة في ملة الشرك بعد إذ نجاهم الله منها من الدلالة على كونهم منتحلين بها واقعين فيها قبل النجاة وهو احتجاج فاسد فإن ذلك تلكم منهم بلسان المجتمع الدينى الذى كانت أفراده على الشرك حتى هداهم الله بواسطة أنبيائه ولسنا نعنى أن غلبة الافراد الذين كانوا على الشرك في أول عهدهم سوغ

[ 144 ]

أن ينسب كفرهم السابق إلى الجميع حتى يكون تغليبا لشركهم على إيمان نبيهم فإن كلامه الحق لا يحتمل ذلك بل نعنى أن مجتمع الدين الشامل للنبى وأمته يصدق عليه أن افراد انما نجوى من الشرك بعد هداية الله سبحانه إياهم وليس لهم من دونه إلا الضلال أما الامة فإنهم كانوا على الشرك في زمان قبل زمان اهتدائهم بالدين، وأما أنبياؤهم فإنما اهتداؤهم بالله سبحانه، وليس لهم من أنفسهم لو لا الهداية الالهية إلا الضلال فإن غيره تعالى لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فمن الصادق في حقهم أن ليس لهم أن يرتدوا على أعقابهم بعد إذ هداهم الله أو يعودوا إلى الشرك بعد إذ نجاهم الله منه. وبالجملة الكلمة صادقة عليهم بنحو الحقيقة وإن لم يكن بعض مجتمعهم وهو النبي الذى فيهم كافرا قبل نبوته فإن الايمان والاهتداء على أي حال لهم من الله سبحانه بعد الحال الذى لهم من أنفسهم وحالهم من انفسهم هو الضلال كما عرفت. على أنك قد عرفت فيما تقدم من البحث المتنوع في عصمة الانبياء أن القرآن الشريف ناص على طهارة ساحتهم عن أصغر المعاصي الصغيرة فكيف بالكبيرة وبأكبر الكبائر الذى هو الشرك بالله العظيم. وقوله: (كالذى استهوته الشياطين في الارض حيران) (الخ) تمثيل مثل به حال الانسان المتحير الذى لم يؤت بصيرة في أمره وعزيمة راسخة على سعادته فترك أحسن طريق وأقومه إلى مقصده، وقد ركبه قبله أصحاب له مهتدون به وبقى متحيرا بين شياطين يدعونه إلى الردى والهلاك، وأصحاب له مهتدين قد نزلوا في منازلهم أو أشرفوا على الوصول يدعونه إلى الهدى أن ائتنا فلا يدرى ما يفعل وهو بين مهبط ومستوى ؟. قوله تعالى: (قل إن هدى الله هو الهدى) إلى آخر الاية. إى أن كان الامر دائرا بين دعوة الله سبحانه وهى التى توافق الفطرة وتسمية الفطرة هدى الله، وبين دعوة الشياطين وهى التى فيها الهوى واتخاذ الدين لعبا ولهوا فهدى الله هو الهدى الحقيقي دون غيره. أما أن ما يوافق دعوة الفطرة هو هدى الله فلا شك يعتريه لان حق الهداية هو الذى ينطق به الصنع والايجاد الذى ليس إلا لله ولا نروم شيئا من دين أو اعتقاد إلا لابتغاء مطابقة الواقع والواقع لله فلا يعدوه هداه، وأما أن هدى الله هو الهدى الحقيقي الذى يجب أن يؤخذ به دون الدعوة الشيطانية فظاهر أيضا لان الله سبحانه هو الذى إليه

[ 145 ]

أمرنا كله من جهة مبدئنا ومنتهانا وما نحتاج إليه في دنيا أو آخرة. وقوله: (وأمرنا لنسلم لرب العالمين) قال في المجمع تقول العرب: أمرتك لتفعل وأمرتك أن تفعل وأمرتك بأن تفعل فمن قال: أمرتك بأن تفعل فالباء للالصاق والمعنى وقع الامر بهذا الفعل، ومن قال: أمرتك أن تفعل حذف الجار، ومن قال: أمرتك لتفعل فالمعنى أمرتك للفعل، وقال الزجاج: التقدير أمرنا كى نسلم. والجملة أعنى قوله: (وأمرنا لنسلم) الخ، عطف تفسير لقوله: (إن هدى الله هو الهدى) فالامر بالاسلام هو مصداق لهدى الله، والمعنى: أمرنا الله لنسلم له وإنما أبهم فاعل الفعل ليكون تمهيدا لوضع قوله: (لرب العالمين) موضع الضمير فيدل به على علة الامر فالمعنى أمرنا من ناحية الغيب أن نسلم لله لانه رب العالمين جميعا ليس لها جميعا أو لكل بعض منها - كما تزعمه الوثنية - رب آخر ولا أرباب أخر. وظاهر الاية أن المراد بالاسلام هو تسليم عامة الامور إليه تعالى لا مجرد التشهد بالشهادتين، وهو ظاهر قوله: (إن الدين عند الله الاسلام) (آل عمران: 19) كما مر في تفسير الاية. قوله تعالى: (وأن أقيموا الصلاة واتقوه ت) فنن في سرد الكلام بأخذ الامر بمعنى القول والجرى في مجرى هذه العناية كأنه قيل: وقيل لنا: أن أسلموا لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه. وقد أجمل تفاصيل الاعمال الدينية ثانيا في قوله: (واتقوه) غير أنه صريح من بينها باسم الصلاة تعظيما لامرها وإعتناء بشأنها واهتمام القرآن الشريف بأمر الصلاة ظاهر لا شك فيه. قوله تعالى: (وهو الذى إليه تحشرون) فمن الواجب أن يسلم له ويتقى لان الرجوع إليه، والحساب والجزاء بيده. قوله تعالى: (وهو الذى خلق السماوات والارض بالحق) إلى آخر الاية. بضعة أسماء وأوصاف له سبحانه مذكورة اريد بذكرها بيان ما تقدم من القول وتعليله فإنه تعالى ذكر أن الهدى هداه ثم فسره نوع تفسير بالاسلام له والصلاة والتقوى وهو تمام الدين ثم بين السبب في كون هداه هو الهدى الذى لا يجوز التجافي عنه وهو أن حشر الجميع إليه

[ 146 ]

ثم بينه أتم بيان بقوله: (وهو الذى خلق السماوات والارض بالحق) الخ، فهذه أسماء ونعوت له تعالى لو انتفى واحد منها لم يتم البيان. فقوله: (هو الذى خلق) الخ، يريد به أن الخلقة جميعا فعله وإنما أتى به بالحق لا بالباطل، والفعل إذا لم يكن باطلا لم يكن مندوحة من ثبوت الغاية له فللخلقة غاية وهو الرجوع إليه تعالى وهذا هو إحدى الحجتين اللتين ذكرهما في قوله عز من قائل (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا) إلى آخر الايتين (ص: 27) فخلقة السماوات والارض بخلقة حقة تؤدى إلى أن الخلق يحشرون إليه. وقوله: (يوم يقول كن فيكون) السياق يدل على أن المراد بالمقول له هو يوم الحشر وإن كان كل موجود مخلوق على هذه الصفه ة كما قال تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: 82) ويوم ظرف متعلق بالقول والمعنى: يوم يقول ليوم القيامة: كن فيكون، وربما قيل: إن المقول له هو الشئ والتقدير: يوم يقول لشئ كن فيكون، وما ذكرناه أوفق للسياق. وقوله: (قوله الحق) تعليل عللت به الجملة التى قبله، والدليل عليه فصل الجملة، والحق هو الثابت بحقيقة معنى الثبوت وهو الوجود الخارجي والكون العينى وإذ كان قوله هو فعله و إيجاده كما يدل عليه قوله: (ويوم يقول كن فيكون) فقوله تعالى هو نفس الحق فلا مردله ولا مبدل لكلماته قال تعالى: (والحق أقول) (ص: 84). قوله تعالى: (وله الملك يوينفخ في الصور) يريد به يوم القيامة. قال تعالى: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) (المؤمن: 16) والمراد بثبوت الملك له تعالى يوم النفخ مع أن له الملك دائما إنما هو ظهور ذلك بتقطع الاسباب وانبتات الروابط والانساب وقد تقدم شذور من البحث في ذلك فيما تقدم وسيجئ استيفاء البحث عنه وعن معنى الصور في الموضع المناسب لذلك إن شاء الله تعالى. وقوله (عالم الغيب والشهادة) قد تقدم معناه، وهو اسم يتقوم بمعناه الحساب والجزاء، وكذلك الاسمان: الحكيم والخبير فهو تعالى بعلمه بالغيب والشهادة يعلم ظاهر الاشياء وباطنها فلا يخفى عليه ظاهر لظهوره ولا باطن لبطونه، وبحكمته يتقن تدبير الخليقة ويميز الواجب من الجزاء كما ينبغى فلا يظلم ولا يجازف، وبخبرته لا يفوت عنه دقيق لدقته ولا جليل لجلالته.

[ 147 ]

فهذه الاسماء والنعوت تبين بأتم البيان أن الجميع محشورون إليه وأن هداه هو الهدى ودين الفطرة الذى أمر به هو الدين الحق فإنه تعالى خلق العالم لغاية مطلوبه أرادها منه وهو الرجوع إليه، وإذ كان يريدها فسيقول لها كن فيكون لان قوله حق لا مرد له، ويظهر اليوم أن الملك له لا سلطنة لشئ غيره على شئ، وعند ذلك يتميز بتمييزه من أطاعه ممن عصاه لانه يعلم كل غيب وشهادة عن حكمة وخبره. وقد بان مما تقدم أولا: أن قوله: (بالحق) أريد به أن خلق السماوات والارض خلق حق أي إن الحق وصفه، وقد تقدم قريبا معنى كون فعله وقوله تعالى حقا، وأما ما قيل: إن المعنى خلق السماوات والارض بالقول الحق فبعيد. وثانيا: أن ظاهر قوله: (ويوم يقول كن فيكون) بدلالة السياق بيان لامر يوم القيامة وإن كان الامر في خلق جميع الاشياء على هذه الطريقة. وثالثا: أن اختصاص نفخ الصور من بين أوصاف القيامة بالذكر في قوله: (وله الملك يوم ينفخ في الصور) للاشارة إلى معنى الاحضار العام الذى هو المناسب لبيان قوله في ذيل الاية السابقة: (وهو الذى إليه تحشرون) فإن الحشر هو إخراج الناس وتسييرهم مجتمعين بنوع من الازعاج، والصور إنما ينفخ فيه لاجتماع إفراد العسكر لامر يهمهم، ولذلك ينفخ الصور أعنى النفخة الثانية يوم القيامة ليحضروا عرصة المحشر لفصل القضاء قال تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون - إلى أن قال - إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون. فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) (يس: 54). وليس اليوم في الموضعين بمعنى واحد فاليوم الاول اريد به مطلق الظرف كالظرف ليوم القيامة بنو ع من العناية الكلامية كقولنا: يوم خلق الله الحركة وحين خلق الله الايام والليالي وإنما اليوم من فروع الحركة متفرع عليه، والحين هو اليوم والليل، والمراد باليوم الثاني نفس يوم القيامة.

[ 148 ]




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903269

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:53

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net