00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 1 ـ 72 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء السابع)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي

الميزان في تفسر القرآن

السيد الطباطبائي

 ج 7

[ 3 ]

تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره

[ 4 ]

الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره المجلد السابع منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 5 ]

(سورة الانعام - مكية وهي مائة وخمس وستون آية)

 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) - هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا أجل مسمى عنده ثم انتم تمترون (2) - وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3)

بيان

 غرض السوره هو توحيده تعالى بمعناه الاعم أعنى أن للانسان ربا هو رب العالمين جميعا منه يبدا كل شئ وإليه ينتهى ويعود كل شئ، أرسل رسلا مبشرين ومنذرين يهدى بهم عباده المربوبين إلى دينه الحق، ولذلك نزلت معظم آياتها في صورة الحجاج على المشركين في التوحيد والمعاد والنبوة، واشتملت على إجمال الوظائف الشرعية والمحرمات الدينية. وسياقها - على ما يعطيه التدبر - سياق واحد متصل لا دليل فيه على فصل يؤدى إلى نزولها نجوما. وهذا يدل على نزولها جملة واحدة، وأنها مكية فإن ذلك ظاهر سياقها الذى وجه الكلام في جلها أو كلها إلى المشركين. وقد اتفق المفسرون والرواة على كونها مكية إلا في ست آيات روى عن بعضهم أنها مدنية. وهى قوله تعالى: (أتل ما قدروا الله حق قدره) (آيه 91) إلى تمام ثلاث آيات، وقوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) (آيه 151) إلى تمام ثلاث آيات.

[ 6 ]

وقيل: إنها كلها مكية إلا آيتان منها نزلتا بالمدينة، وهما قوله تعالى: (قل تعالوأتل) والتى بعدها. وقيل: نزلت سورة الانعام كلها بمكة إلا آيتين نزلتا بالمدينة، في رجل من اليهود، وهو الذى قال: (ما أنزل الله على بشر من شئ) الايه. وقيل. (إنهاكلها مكية إلا آية واحدة نزلت بالمدينة، وهو قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة: الاية. وهذه الاقوال لا دليل على شئ منها من جهة سياق اللفظ على ما تقدم من وحدة السياق واتصال آيات السورة، وسنبينها بما نستطيعه، وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وكذا عن أبى وعكرمة وقتادة: أنها نزلت جملة واحدة بمكة. قوله تعالى: (الحمد لله الذى خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور) افتتح بالثناء على الله وهو كالمقدمة لما يراد بيانه من معنى التوحيد، وذلك بتضمين الثناء ما هو محصل غرض السورة ليتوسل بذلك إلى الاحتجاج عليه تفصيلا، وتضمينه العجب منهم ولومهم على أن عدلوا به غيره والامتراء في وحدته ليكون كالتمهيد على ما سيورد من جمل الوعظ والانذار والتخويف. وقد أشارفى هذاالثناء الموضوع في الايات الثلاث إلى جمل ما تعتمد عليه الدعوة الدينية في المعارف الحقيقية التى هي بمنزلة المادة للشريعة، وتنحل إلى نظامات ثلاث: نظام الكون العام وهو الذى تشير إليه الاية الاولى، ونظام الانسان بحسب وجوده، وهو الذى تشتمل عليه الايد الثانية، ونظام العمل الانساني وهو الذى تومئ إليه الاية الثالثة. فالمتحصل من مجموع الايات الثلاث هو الثناء عليه تعالى بما خلق العالم الكبير الذى يعيش فيه الانسان، وبما خلق يكسب. وما في الاية الثالثة: (وهو الله في السماوات وفي الارض، بمنزله الايضاح لمضمون

[ 7 ]

الايتين السابقتين، والتمهيد لبيان علمه بسر الانسان وجهره وما تكسبه نفسه. فقوله: (خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور) إشارة إلى نظام الكون العام الذى عليه تدبر الاشياء على كثرتها وتفرقها في عالمنا في نظامه الجارى المحكم إلا عالم الارض الذى يحيط به عالم السماوات على سعتها ثم يتصرف بها بالنور والظلمات الذين عليهما يدور رحى العالم المشهود في تحوله وتكامله فلا يزال يتولد شئ من شئ، ويتقلب شئ إلى شئ، ويظهر واحد ويخفى اخر، ويتكون جديد ويفسد قديم، وينتظم من تلاقى هذه الحركات المتنوعة على شتاتها الحركه العالميه الكبرى التى تحمل اثقال الاشياء، وتسير بها إلى مستقرها. والجعل في قوله: (وجعل الظلمات) الخ بمعنى الخلق غير أن الخلق لما كان مأخوذا في الاصل من خلق الثوب كان التركيب من أجزاء شتى مأخوذا في معناه بخلاف الجعل، ولعل هذا هو السبب في تخصيص الخلق بالسماوات والارض لما فيها من التركيب بخلاف الظلمة والنور، ولذا خصا باستعمال الجعل. والله أعلم. وقد أتى بالظلمات بصيغة الجمع دون النور، ولعله لكون الظلمة متحققة بالقياس إلى النور فانها عدم النور فيما من شانه أن يتنور فتتكثر بحسب مراتب قربه من النور وبعده بخلاف النور فانه أمر وجودي لا يتحقق بمقايسته إلى الظلمة التى هي عدمية، وتكثيره تصورا بحسب قياسه التصورى إلى الظلمة لا يوجب تعدده وتكثره حقيقة. قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) مسوق للتعجب المشوب بلوم أي إن الله سبحانه بخلقه السماوات والارض وجعله الظلمات والنور متوحد بالالوهية متفرد بالربوبية لا يماثله شئ ولا يشاركه، ومن العجب أن الذين كفروا مع اعترافهم بان الخلق والتدبير لله بحقيقة معنى الملك دون الاصنام التى اتخذوها آلهة يعدلون بالله غيره من أصنامهم ويسوون به اوثانهم فيجعلون له أندادا تعادله بزعمهم فهم ملومون على ذلك. وبذلك يظهر وجه الاتيان بثم الدال على التاخير والتراخى فكان المتكلم لما وصف تفرده بالصنع والايجاد وتوحده بالالوهية والربوبية ذكرمزعمة المشركين وأصحاب الاوثان أن هذه الحجارة والاخشاب المعمولة أصناما يعدلون بها رب العالمين فشغله التعجب

[ 8 ]

زمانا وكفه عن التكلم ثم جرى في كلامه وأشار إلى وجه سكوته، وأن حيرة التعجب كان هو المانع عن جريه في كلامه فقال: الذين كفروا بربهم يعدلون. قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا) يشير إلى خلقة العالم الانساني الصغير بعد الاشارة إلى خلق العالم الكبير فيبين أن الله سبحانه هو الذى خلق الانسان ودبر أمره بضرب الاجل لبقائه الدنيوي ظاهرا فهو محدود الوجود بين الطين الذى بدأ منه خلق نوعه وإن كان بقاء نسله جاريا على سنه الازدواج والوقاع كما قال تعالى: (وبدأخلق الانسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) (السجدة: 8). وبين الاجل المقضى الذى يقارن الموت كما قال تعالى، (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون) (العنكبوت: 57) ومن الممكن أن يراد بالاجل ما يقارن الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث فان القرآن الكريم كانه يعد الحياة البرزخية من الدنيا كما يفيده ظاهر قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الارض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسال العادين، قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون) (المؤمنون: 114)، وقال ايضا: و (يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون، ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم وإلايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) (الروم: 56). وقد أبهم أمرالاجل بإتيانه منكرا في قوله: (ثم قضى أجلا) للدلالة على كونه مجهولا للانسان لا سبيل له إلى المعرفة به بالتوسل إلى العلوم العادية. قوله تعالى: (وأجل مسمى عنده) تسمية الاجل تعيينه فإن العادة جرت في العهود والديون ونحو ذلك بذكرالاجل وهو المدة المضروبة أو آخر المدة باسمه، وهو الاجل المسمى، قال تعالى: (إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه) (البقره: 282) وهو الاجل بمعنى آخر المدة المضروبة، وكذا قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لات) (العنكبوت: 5) وقال تعالى في قصة موسى وشعيب: (قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك - إلى أن قال - قال ذلك بينى وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان على) (القصص: 28) وهو الاجل بمعنى تمام المدة المضروبة.

[ 9 ]

والظاهر أن الاجل بمعنى آخرالمدة فرع الاجل بمعنى بمعنى تمام المدة استعمالا أي إنه استعمل كثيرا (الاجل المقضى) ثم حذف الوصف واكتفى بالموصوف فأفاد األاجل معنى الاجل المقضى، قال الراغب في مفرداته: يقال للمدة المضروبة لحياة الانسان (اجل) فيقال: دنا أجله عبارة عن دنو الموت، وأصله استيفاء الاجل، انتهى. وكيف كان فظاهر كلامه تعالى أن المراد بالاجل والاجل المسمى هو آخر مدة الحياة لاتمام المدة كما يفيده قوله: (فإن إجل الله لات) الاية. فتبين بذلك أن الاجل اجلان: الاجل على إبهامه، والاجل المسمى عند الله تعالى. وهذا هو الذى لا يقع فيه تغير لمكان تقييده بقوله (عنده) وقد قال تعالى: (وما عند الله باق) (النحل: 96) وهو الاجل المحتوم الذى لا يتغير ولا يتبدل قال تعالى: (إذا جاء اجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) (يونس 49).. فنسبة الاجل المسمى إلى الاجل غير المسمى نسبة المطلق المنجز إلى المشروط المعلق فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذى علق عليه بخلاف المطلق المنجز فإنه لا سبيل إلى عدم تحققه البته. والتدبر في الايات السابقة منضمة إلى قوله تعالى: (لكل أجل كتاب، يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد: 39) يفيد أن الاجل المسمى هو الذى وضع في أم الكتاب، وغير المسمى من الاجل هو المكتوب فيما نسميه بلوح المحو وإلاثبات، وسيأتى إن شاء الله تعالى أن أم الكتاب قابل الانطباق على الحوادث الثابتة في العين أي الحوادث من جهة استنادها إلى الاسباب العامة التى لا تتخلف عن تأثيرها، ولوح المحو والاثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الاسباب الناقصة التى ربما نسميها بالمقتضيات التى يمكن اقترانها بموانع تمنع من تأثيرها. واعتبر ما ذكر من أمر السبب التام والناقص بمثال إضاءة الشمس فإنا نعلم أن هذه الليلة ستنقضي بعد ساعات وتطلع علينا الشمس فتضئ وجه الارض لكن يمكن أن يقارن ذلك بحيلولة سحابة أو حيلولة القمرأو أي مانع آخر فتمنع من الاضاءة وأما إذا كانت الشمس فوق الافق ولم يتحقق أي مانع مفروض بين الارض وبينها فإنها تضئ وجه الارض لا محاله.

[ 10 ]

بيان فطلوع الشمس وحده بالنسبه إلى الاضاءة بمنزلة لوح المحو والاثبات، وطلوعها مع حلول وقته وعدم أي حائل مفروض بينها وبين الارض بالنسبة إلى الاضاءة بمنزلة أم الكتاب المسمى باللوح المحفوظ. فالتركيب الخاص الذى لبنية هذا الشخص الانساني مع ما في أركانه من الاقتضاء المحدود يقتضى أن يعمر العمر الطبيعي الذى ربما حددوه بمائة أو بمائة وعشرين سنة وهذا هو المكتوب في لوح المحو وإلاثبات مثلا غير أان لجميع أجزاء الكون ارتباطا وتاثيرا في الوجود الانساني فربما تفاعلت الاسباب والموانع التى لا نحصيها تفاعلا لا نحيط به فأدى إلى حلول أجله قبل أن ينقضى الامد الطبيعي، وهو المسمى بالموت الاخترامى. وبهذا يسهل تصور وقوع الحاجة بحسب ما نظم الله الوجود إلى الاجل المسمى وغير المسمى جميعا، وأن الابهام الذى بحسب الاجل غير المسمى لا ينافى التعين بحسب الاجل المسمى، وأن الاجل غير المسمى والمسمى ربما توافقا وربما تخالفا والواقع حينئذ هو الاجل المسمى البته. هذا ما يعطيه التدبر في قوله: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) وللمفسرين تفسيرات غريبه للاجلين الواقعين في الاية: منها: أن المراد بالاجل الاول ما بين الخلق والموت والثانى ما بين الموت والبعث، ذكره عدة من الاقدمين وربما روى عن ابن عباس. ومنها: أن الاجل الأول أجل أهل الدنيا حتى يموتوا، والثانى أجل الاخرة الذى لا آخر له، ونسب إلى المجاهد والجبائي وغيرهما. ومنها: أن الاجل الاول أجل من مضى، والثانى أجل من بقى من سيأتي ونسب إلى أبى مسلم. ومنها: أن الاجل الاول النوم، والثانى الموت. ومنها: أن المراد بالاجلين واحد، وتقدير الاية الشريفة ثم قضى أجلا وهذا أجل مسمى عنده. ولا أرى الاشتغال بالبحث عن صحة هذه الوجوه وأشباهها وسقمها يسوغه

[ 11 ]

الوقت على ضيقه، ولا يسمح بإباحته العمر على قصره. قوله تعالى: (ثم أنتم تمترون) من المرية بمعنى الشك والريب، وقد وقع في الاية التفات من الغيبة إلى الحضور، وكأن الوجه فيه أن الاية الاولى تذكر خلقا وتدبيرا عاما ينتج من ذلك أن الكفار ما كان ينبغى لهم أن يعدلوا بالله سبحانه غيره، وكان يكفى في ذلك ذكرهم بنحو الغيبة لكن الايه الثانيه تذكر الخلق والتدبير الواقعين في الانسان خاصة فكان من الحرى الذى يهيج المتكلم المتعجب اللائم أن يواجههم بالخطاب ويلومهم بالتجبيه كأنه يقول: هذا خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور عذرناكم في الغفلة عن حكمه لكون ذلك امرا عاما ربما أمكن الذهول عما يقتضيه فما عذركم أنتم في امترائكم فيه وهو الذى خلقكم وقضى فيكم أجلا وأجل مسمى عنده ؟. قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الارض) الايتان السابقتان تذكران الخلق والتدبير في العوالم عامة وفي الانسان خاصة، ويكفى ذلك في التنبه على أن الله سبحانه هو الاله الواحد الذى لا شريك له في خلقه وتدبيره. لكنهم مع ذلك أثبتوا آلهه أخرى وشفعاء مختلفه لوجوه التدبير المختلفة كإله الحياة وإله الرزق وإله البر وإله البحر وغير ذلك، وكذا للانواع والاقوام والامم المتشتته كإله السماء وإله هذه الطائفة وإله تلك الطائفة فنفى ذالك بقوله: (وهو الله في اسماوات وفى الارض). فالاية نظيرة، قوله: (وهو الذى في السماء إله وفي الارض إله وهو الحكيم العليم) (الزخرف: 84) مفادها انبساط حكم ألوهيته تعالى في السماوات وفي الارض من غير تفاوت أو تحديد، وهى إيضاح لما تقدم وتمهيد لما يتلوها من الكلام. قوله تعالى: (يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) السر والجهر متقابلان وهما وصفان للاعمال، فسرهم ما عملوه سرا وجهرهم ما عملوه جهرا من غير ستر. وأما ما يكسبون فهو الحال النفساني الذى يكسبه الانسان بعمله السرى والجهرى من حسنة أو سيئه فالسر والجهر المذكوران - كما عرفت - وصفان صوريان لمتون الاعمال الخارجية، وما يكسبونه حال روحي معنوى قائم بالنفوس فهما مختلفان بالصورية

[ 12 ]

والمعنوية، ولعل اختلاف المعلومين من حيث نفسهما هو الموجب لتكرار ذكرالعلم في قوله: (يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون. والاية كالتمهيد لما ستتعرض له من أمر الرسالة والمعاد فإن الله سبحانه لما كان عالما بما يأتي به الانسان من عمل سرا أو جهرا، وكان عالما بما يكسبه لنفسه بعمله من خير أو شر، وكان إليه زمام التربية والتدبير كان له أن يرسل رسولا بدين يشرعه لهداية الناس على الرغم مما يصر عليه الوثنيون من الاستغناء عن النبوة كما قال تعالى: (إن علينا للهدى) الليل: 12). وكذا هو تعالى لما كان عالما بالاعمال وبتبعاتها في نفس الانسان كان عليه أن يحاسبهم في يوم لا يغادر منهم أحدا كما قال تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (ص: 28).

(بحث روائي)

 في الكافي بإسناده عن الحسن بن على بن أبى حمزة قال قال أبو عبد الله عليه السلام: إن سورة الانعام نزلت جملة، شيعها سبعون ألف ملك حتى أنزلت على محمد صلى الله عليه وآله فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عز وجل فيها في سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها. أقول: ورواه العياشي عنه عليه السلام مرسلا. وفي تفسير القمى قال حدثنى أبى عن الحسين بن خالد عن الرضا عليه السلام قال: نزلت الانعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها استغفروا له إلى يوم القيامة. أقول: ورواه في المجمع أيضا عن الحسين بن خالد عنه عليه السلام إلا أنه قال: سبحوا له إلى يوم القيامة. وفي تفسير العياشي عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن سورة

[ 13 ]

الانعام نزلت جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه واله فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عزوجل فيها سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها، الحديث. وفي جوامع الجامع للطبرسي قال: في حديث أبى بن كعب عن النبي صلى الله عليه واله قال: أنزلت على الانعام جملة واحدة - يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأها صلى عليه اولئك السبعون ألف ملك - بعدد كل آية من الانعام يوما وليلة، أقول: ورواه في الدر المنثور عنه بعدة طرق. وفي الكافي بإسناده عن ابن محبوب عن أبى جعفر الاحول عن سلام بن المستنير عن أبى جعفر عليه السلام قال: إن الله خلق الجنة قبل أن يخلق النار، وخلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية، وخلق الرحمة قبل الغضب، وخلق الخير قبل الشر وخلق الارض قبل السماء، وخلق الحياة قبل الموت، وخلق الشمس قبل القمر، وخلق النورقبل الظلمة. أقول: خلق النور قبل الظلمة بالنظر إلى كون الظلمة عدميا مضافا إلى النور ظاهر المعنى، وأما نسبة الخلق إلى الطاعة والمعصية فليس يلزم منها بطلان الاختيار فإن بطلانه يستلزم بطلان نفس الطاعة والمعصية فلا تبقى لنسبتهما إلى الخلق وجه صحة بل المراد كونه تعالى يملكهما كما يملك كل ما وقع في ملكه، وكيف يمكن أن يقع في ملكه ما هو خارج عن إحاطته وسلطانه ومنعزل عن مشيته وإذنه ؟. ولا دليل على انحصار الخلق في الايجاد والصنع الذى لا واسطه فيه حتى يكون تعالى مستقلا بايجاد كل ما نسب خلقه إليه فيكون إذا قيل: إن الله خلق العدل أو القتل مثلا إنه أبطل إرادة الانسان العادل أو القاتل، واستقل هو بالعدل والقتل بإذهاب الواسطة من البين فافهم ذلك، وقد تقدم استيفاء البحث عن هذا المعنى في الجزء الاول من الكتاب. وبنظير البيان يتبين معنى نسبة الخلق إلى الخير والشر إيضا، سواء كانا خيرا وشرا في الامور التكوينية أو في الافعال. وأما كون الطاعة مخلوق قبل المعصية، وكذا الخير قبل الشر فيجرى ايضا في

[ 14 ]

بيانه نظير ما تقدم من بيان كون النور قبل الظلمة من أن النسبة بينهما نسبة العدم والملكة والعدم يتوقف في تحققه على الملكة ويظهربه أن خلق الحياة قبل الموت. وبذلك يتبين أن خلق الرحمة قبل الغضب فإن الرحمة متعلقة بالطاعة والخير والغضب متعلق بالمعصية والشر، والطاعة والخير قبل المعصية والشر. وأما خلق الارض قبل السماء فيدل عليه قوله تعالى: (خلق الارض في يومين - ألى أن قال - ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين) (حم السجدة: 12). وأما كون خلق الشمس قبل القمر فليس كل البعيد أن يستفاد من قوله تعالى: و (الشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها) (الشمس: 2) وقد رجحت الابحاث الطبيعية اليوم أن الارض مشتقة من الشمس والقمر مشتق من الارض. وفي تفسير العياشي عن جعفر بن أحمد عن العمركى بن على عن العبيدي عن يونس بن عبد الرحمن عن على بن جعفر عن أبى إبراهيم عليه السلام قال: لكل صلاة وقتان، ووقت يوم الجمعة زوال الشمس ثم تلا هذه الاية: (الحمد لله الذى خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) قال: يعدلون بين الظلمات والنور وبين الجور والعدل. أقول: وهذا معنى آخر للاية وبناؤه على جعل قوله: (بربهم) متعلقا بقوله (كفروا) دون (يعدلون). وفي الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة عن حمران عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألت عن قول الله عزوجل (قضى أجلا وأجل مسمى عنده) قال: هما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف. وفي تفسير العياشي عن حمران قالت سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: (قضى أجلا وأجل مسمى) قال: فقال: هما أجلان، أجل موقوف يصنع الله ما يشاء، وأجل محتوم. وفي تفسير العياشي عن مسعدة بن صدة عن أبى عبد الله عليه السلام: في قوله: (ثم

[ 15 ]

قضى أجلا وأجل مسمى عنده) قال: الاجل الذى غير مسمى موقوف يقدم منه ما شاء، وأما ا لاجل المسمى فهو الذى ينزل مما يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها. قال: فذلك قول الله: (إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). وفيه عن حمران عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: (أجلا وأجل مسمى عنده) قال: المسمى ما سمى لملك الموت في تلك الليلة، وهو قال الله (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وهو الذى سمى لملك الموت في ليلة القدر، والاخر له فيه المشية إن شاء قدمه، وإن شاء أخره. أقول: وفي هذا المعنى غيرها من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، والذى يدل عليه من معنى الاجل المسمى وغيره هو الذى تقدمت استفادته من الايات الكريمه. وفي تفسير على بن إبراهيم قال: حدثنى أبى عن النضر بن سويد عن الحلبي عن عبد الله بن مسكان عن أبى عبد الله عليه السلام قال: الاجل المقضى هو المحتوم الذى قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذى فيه البداء يقدم ما يشاء ويؤخر ما شاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير. أقول: وقد غلط بعض من في طريق الرواية فعكس المعنى وفسر كلا من المسمى وغيره بمعنى الاخر. على أن الرواية لا تتعرض لتفسير الاية فلا كثير ضير في قبولها. وفي تفسير العياشي عن الحصين عن أبى عبد الله عليه السلام في قوله: (قضى أجلا وأجل مسمى عنده) قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: الاجل الاول هو ما نبذه إلى الملائكة والرسل والانبياء، والاجل المسمى عنده هو الذى ستره الله عن الخلائق. أقول: ومضمون الرواية ينافى ما تقدمت من الروايات ظاهرا، ولكن من الممكن أن يستفاد من قوله: (نبذه) أن المراد أنه تعالى أعطاهم الاصل الذى تستنبط منه الاجال غير المسماة وأما الاجل المسمى فلم يسلط احدا على علمه بمعنى أن ينبذ إليه نورا يكشف به كل أجل مسمى إذا أريد ذلك، وإن كان تعالى يسميه لملك الموت أو لانبيائه ورسله إذا شاء، وذلك كالغيب يختص علمه به تعالى، وهو مع ذلك يكشف عن شئ منه لمن ارتضاه من رسول إذا شاء ذلك.

[ 16 ]

وفي تفسير البرهان عن ابن بابويه بإسناده عن مثنى الحناط عن أبى جعفر - أظنه محمد بن النعمان - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (وهو الله في السماوات وفي الارض) قال: كذلك هو في كل مكان، قلت: بذاته ؟ قال: ويحك إن الاماكن أقدار فإذا قلت: في مكان بذاته لزمك أن تقول: في أقدار وغير ذلك ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا وليس علمه بما في الارض بأقل مما في السماء. ولا يبعد منه شئ، والاشياء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا وإرادة.

* * *

وما تأتيهم من آيه من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين - 4. فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون - 5. ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين - 6. ولو نزلنا عليك كتابافى قرطاس فلمسوه بايديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين - 7. وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون - 8. ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون - 9. ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن - 10. قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين - 11.

[ 17 ]

(بيان)

 الايات إشارة إلى تكذيبهم الحق الذي أرسل به الرسول وتماديهم في تكذيب الحق والاستهزاء بآيات الله سبحانه ثم موعظة لهم وتخويف وإنذار وجواب عن بعض ما لغوا به في إنكار الحق الصريح. قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) إشارة إلى أن سجية الاستكبار رسخت في نفوسهم فأنتجت فيهم الاعراض عن الايات الدالة على الحق فلا يلتفتون إلى آية من الايات من غير تفاوت بين آية وآية لانهم كذبوا بالاصل المقصود الذى هو الحق، وهو قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم). قوله تعالى: (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن) تخويف وإنذار فإن الذى يستهزؤن به حق، والحق يأبى إلا أن يظهر يوما ويخرج من حد النبا إلى حد العيان قال تعالى: (ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته) ا (لشورى: 24)، وقال: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (الصف: 9) وقال في مثل ضربه: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض) (الرعد: 17). ومن المعلوم أن الحق إذا ظهر لم يستوف مساسه المؤمن والكافر والخاضع والمستهزئ، قال تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وإبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين) (الصافات: 177). قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) إلى آخر الايه، قال الراغب: القرن القوم المقترنون في زمن واحد وجمعه قرون انتهى. وقال أيضا: قال تعالى: (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) يرسل السماء عليكم مدرارا) وأصله من الدر - بالفتح - والدرة - بالكسر - أي اللبن، ويستعار ذلك للمطر استعارة أسماء البعير وأوصافه فقيل: لله دره ودر درك، ومنه استعير قولهم

[ 18 ]

غسوق درة أي نفاق - بالفتح - انتهى. وفى قوله تعالى: (مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم) التفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه فيه ظاهرا رفع اللبس من جهة مرجع الضمير فلو لا الالتفات إلى الحضور في قوله: (ما لم نمكن لكم) أوهم السياق رجوعه إلى ما يرجع إليه الضمير في قوله: (مكنالهم) وإلا فأصل السياق في مفتتح السورة للغيبة، وقد تقدم الكلام في الالتفات الواقع في قوله: (هو الذى خلقكم من طين). وفي قوله: (فأهلكناهم بذنوبهم) دلالة على أن للسيئات والذنوب دخلا في البلايا والمحن العامة، وفي هذا المعنى وكذا في معنى دخل الحسنات والطاعات في إفاضات النعم ونزول البركات آيات كثيره. قوله تعالى: (ولوأنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم) إلى آخر الايه، إشارة إلى أن استكبارهم قد بلغ مبلغا لا ينفع معه حتى لو انزلنا كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم فناله حسهم بالبصر والسمع، وتأيد بعض حسهم ببعض فإنهم قائلون حينئذ لا محالة: هذا سحر مبين، فلا ينبغى أن يعبأ باللغو من قولهم: (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) (الاسراء: 93). وقد نكر الكتاب في قوله: (كتابا في قرطاس) لان هذا الكتاب نزل نوع تنزيل لا يقبل إلا التنزيل نجوما وتدريجا، وقيده بكونه في قرطاس ليكون أقرب إلى ما اقترحوه، وأبعد مما يختلج في صدورهم أن الايات النازلة على النبي صلى الله عليه واله من منشآت نفسه من غير أن ينزل به الروح الامين على ما يذكره الله سبحانه. (نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) (الشعراء: 195). قوله تعالى: (وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون) قولهم (لو لا أنزل عليه ملك) تحضيض للتعجيز، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه واله بما كان يتلو عليهم من آيات الله النازلة عليه أن الذى جاء به إليه ملك كريم نازل من عند الله كقوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم، ذى قوة عند ذى العرش مكين، مطاع ثم أمين) (كورت: 21) إلى غيرها من الايات. فسؤالهم إنزال الملك إنما كان لاحد أمرين على ما يحكيه الله عنهم في كلامه:

[ 19 ]

أحدهما: أن يأتيهم بما يعدهم النبي من العذاب كما قال تعالى: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) (حم السجدة: 13) وقال: (قل هو نبأ عظيم - إلى أن قال - إن يوحى إلى إإلا أنما أنا نذير مبين) (ص: 70). ولما كان نزول الملك انقلابا للغيب إلى الشهادة، ولا مرمى بعده استعقب إن لم يؤمنوا - ولن يؤمنوا بما استحكم فيهم من قريحة الاستكبار - القضاء بينهم بالقسط، ولا محيص حينئذ عن إهلاكهم كما قال تعالى: (ولو أنزلنا ملكا لقضى بينهم ثم لا ينظرون). على أن نفوس الناس المتوغلين في عالم المادة القاطنين في دار الطبيعة لا تطيق مشاهدة الملائكة لو نزلوا عليهم واختلطوا بهم لكون ظرفهم غير ظرفهم فلو وقع الناس في ظرفهم لم يكن ذلك إلا انتقالا منهم من حضيض المادة إلى ذروة ما وراها وهو الموت كما قال تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) (الفرقان: 22) وهذا هو يوم الموت أو ما هوبعده بدليل قوله بعده (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) (الفرقان: 24). وقال تعالى بعده - وظاهر السياق أنه يوم آخر -: (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا، الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) (الفرقان: 26) ولعلهم إياه كانوا يعنون بقولهم: (أو تأتى بالله والملائكة قبيلا) (الاسراء: 92). وبالجملة فقوله تعالى: (ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر) الخ، جواب عن اقتراحهم نزول الملك ليعذبهم، وعلى هذا ينبغى أن يضم إليه ما وعده الله هذه الامة أن يؤخر عنهم العذاب كما تشير إليه الايات من سورة يونس: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون، ويقولون متى هذا الوعدإن كنتم صادقين، قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله لكل إمة أجل - إلى أن قال - ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين) (يونس: 53) وفي هذا المعنى آيات أخرى كثيرة سنستوفى البحث عنها في سورة اخرى إن شاء الله. وقال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)

[ 20 ]

(الانفال: 33). فالمتحصل من الاية أنهم يسألون نزول الملك، ولا نجيبهم إلى ما سألوه لانه لو نزل الملك لقضى بينهم ولم ينظروا وقد شاء الله أن ينظرهم إلى حين فليخوضوا فيما يخوضون حتى يلاقوا يومهم، وسيوافيهم ما سألوه فيقضى الله بينهم. ويمكن أن يقرر معنى الاية على نحو آخر وهو أن يكون مرادهم أن ينزل الملك ليكون آية لا ليأتيهم بالعذاب، ويكون المراد من الجواب أنه لو نزل عليهم لم يؤمنوا به لما تمكن فيهم من رذيلة العناد والاستكبار وحينئذ قضى بينهم وهم لا ينظرون، وهم لا يريدون ذلك. وثانيهما: أن ينزل عليهم الملك ليكون حاملا لاعباء الرسالة داعيا إلى الله مكان النبي صلى الله عليه وآله أو يكون معه رسولا مثله مصدقا لدعوته شاهدا على صدقه كما في قولهم فيما حكى الله: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) ال (فرقان: 7). فإنهم يريدون أن الذى هو رسول من جانب الله لا يناسب شأنه أن يشارك الناس في عادياتهم من أكل الطعام واكتساب الرزق بالمشى في الاسواق بل يجب أن يختص بحياة سماوية وعيشة ملكوتية لا يخالطه تعب السعي وشقاء الحياة المادية فيكون على أمر بارز من الدعوة أو ينزل معه ملك سماوي فيكون معه نذيرا فلا يك في حقية دعوته وواقعية رسالته. وهذا هو الذى تجيب عنه الاية التالية: (ولو جعلناه ملكا) الخ. قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) اللبس بالفتح الستر بساتر لما يجب ستره لقبحه أو لحاجته إلى ذلك، واللبس بالضم التغطية على الحق، وكان المعنى استعارى والاصل واحد. قال الراغب في المفردات: لبس الثواب استتر به وألبسه غيره - إلى أن قال - وأصل اللبس (بضم اللام) ستر الشئ ويقال ذلك في المعاني يقال: لبست عليه أمره قال: وللبسنا عليهم ما يلبسون وقال: ولا تلبسوا الحق بالباطل، لم تلبسون الحق بالباطل، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ويقال: في الامر لبسه أي التباس، انتهى.

[ 21 ]

ومعمول يلبسون محذوف، وربما استفيد من ذلك العموم والتقدير يلبس الكفار على أنفسهم أعم من لبس البعض على نفسه، ولبس البعض على البعض الاخر. أما لبسهم على غيرهم فكما يلبس علماء السوء الحق بالباطل لجهلة مقلديهم وكما يلبس الطواغيت المتبعون لضعفة أتباعهم الحق بالباطل كقول فرعون فيما حكى الله لقومه: (يا قوم أ ليس لى ملك مصر وهذه الانهار تجرى من تحتي افلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين، فلو لا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين، فاستخف قومه فأطاعوه) (الزخرف: 54) وقوله: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (المؤمن: 29). وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم إلى أنفسهم إن الحق باطل وأن الباطل حق ثم تماديهم على الباطل فإن الانسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة الله التى فطر الناس عليها، وكان تلهم نفسه فجورها وتقواها غير أن تقويته جانب الهوى وتأييده روح الشهوة والغضب من نفسه تولد في نفسه ملكة الاستكبار عن الحق، والاستعلاء على الحقيقة فتنجذب نفسه إليه، وتغتر بعمله، ولا تدعه يلتفت إلى الحق ويسمع دعوته، وعند ذاك يزين له عمله، ويلبس الحق بالباطل وهو يعلم كما قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) (الجاثيه: 23) وقال: (قل هل ننبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (الكهف: 104). وهذا هو المصحح لتصوير ضلال الانسان في أمر مع علمه به فلا يرد عليه أن لبس الانسان على نفسه الحق بالباطل إقدام منه على الضرر ا لمقطوع وهو غير معقول. على أنا لو تعمقنا في أحوال أنفسنا ثم أخذنا بالنصفه عثرنا على عادات سوء نقضى بمساءتها لكنا لسنا نتركها لرسوخ العادة وليس ذلك إلا من الضلال على علم، ولبس الحق بالباطل على النفس والتلهى باللذة الخيالية والتوله إليها عن التثبت على الحق والعمل به، أعاننا الله تعالى على مرضاته. وعلى أي حال فقوله تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) الخ، الجواب عن

[ 22 ]

مسألتهم نزول الملك ليكون نذيرا فيؤمنوا به. ومحصله أن الدار دار اختيار لا تتم فيها للانسان سعادته الحقيقية إلا بسلوكه مسلك الاختيار، واكتسابه لنفسه أو على نفسه ما ينفعه في سعادته أو يضره، وسلوك أي الطريقين رضى لنفسه أمضى الله سبحانه له ذلك. قال تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) الدهر: 3) فإنما هي هداية وإراءة للطريق ليختار ما يختاره لنفسه من التطرق والتمرد من غير أن يضطر إلى شئ من الطريقين ويلجإ إلى سلوكه بل يحرث لنفسه ثم يحصد ما حرث، قال تعالى: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الاوفى) (النجم: 41) فليس للانسان إلا مقتضى سعيه فإن كان خيرا أراه الله ذلك وإن كان شرا أمضاه له، قال تعالى: (من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاخرة من نصيب) (الشورى: 20). وبالجملة هذة الدعوة الالهيه لا يستقيم أمرها إلا أن توضع على الاختيار الانساني من غير اضطرار والجاء، فلا محيص عن أن يكون الرسول الحامل لرسالات الله أحدا من الناس يكلمهم بلسانهم فيختاروا لانفسهم قبول الدعوة باية سماوية يلجئهم إليه وإن قدر على ذلك كما قال: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيه فظلت أعناقهم لها خاضعين) (الشعراء: 4).. فلو أنزل الله إليهم ملكا رسولا لكان من واجب الحكمة أن يجعله رجلا مثلهم فيربح الرابحون باكتسابهم ويخسر الخاسرون فيلبسوا الحق بالباطل على أنفسهم وعلى أتباعهم كما يلبسون مع الرسول البشرى فيمضى الله ذلك ويلبس عليهم كمالبسوا، قال تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (الصف: 5). فإنزال الملك رسولا لا يترتب عليه من النفع والاثر أكثر مما يترتب على إرسال الرسول البشرى، ويكون حينئذ لغوا فقول الذين كفروا: لو لا أنزل إليه ملك ليس إلا سؤالا لامر لغو لا يترتب عليه بخصوصه أثر خاص جديد كما رجوا، فهذا معنى قوله:

[ 23 ]

(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون). فظهر مما تقدم من التوجيه أولا أن الملازمة بين جعل الرسول ملكا وجعله رجلا إنما هي من جهة إيجاب الحكمة حفظ الاختيار الانساني في الدعوة الدينية الالهية إذ لو أنزل الملك على صورته السماوية وبدل الغيب شهادة كان من الالجاء الذى لا تستقيم معه الدعوة الاختيارية. وثانيا: أن الذى تدل عليه الاية هو صيرورة الملك رجلا مع السكوت عن كون ذلك هل هو بقلب ماهية الملكية إلى الماهية الانسانية - الذى ربما يحيله عدة من الباحثين - أو بتمثيله مثالا إنسانيا كتمثل الروح لمريم بشرا سويا، وتمثل الملائكة الكرام لابراهيم ولوط في صورة الضيفان من الادميين. وجل الايات الواردة في مورد الملائكة وإن كان يؤيد الثاني من الوجهين لكن قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكه في الارض يخلفون) (الزخرف: 60) لا يخلو عن دلالة ما على الوجه الاول، وللبحث ذيل ينبغى أن يطلب من محل آخر. وثالثا: أن قوله تعالى: (وللبسنا عليهم ما يلبسون) من قبيل قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (الصف: 5) فهو إضلال إلهى لهم بعد ما استحبوا الضلال لانفسهم من غير أن يكون إضلالا ابتدائيا غير لائق بساحة قدسه سبحانه. ورابعا: أن متعلق يلبسون المحذوف أعم يشمل لبسهم على أنفسهم ولبس بعضهم على بعض. وخامسا: أن محصل الاية احتجاج عليهم بإنه لو أنزل عليهم ملك بالرسالة لم ينفعهم ذلك في رفع حيرتهم فأن الله جاعل الملك عندئذ رجلا يماثل الرسول البشرى وهم لابسون على أنفسهم معه متشككون فإنهم لا يريدون بهذه المسالة إلا أن يتخلصوا من الرسول البشرى الذى هو في صورة رجل ليبدلوا بذلك شكهم يقينا وإذا صار الملك على هذا النعت - ولا محالة - فهم لا ينتفعون بذلك شيئا. وسادسا: أن في التعبير: (لجعلناه رجلا) ولم يقل: لجعلناه بشرا ليشمل الرجل والمرأة جميعا إشعارا - كما قيل - بأن الرسول لا يكون إلا رجلا كما أن التعبير لا يخلو

[ 24 ]

من إشعار بأن هذا الجعل إنما هو بتمثل الملك في صورة الانسان دون انقلاب هويته إلى هوية الانسان كما قيل. وغالب المفسرين وجهوا الاية بأن المراد: أنهم لما كانوا لا يطيقون رؤيه الملك في صورته الاصلية لتوغلهم في عالم المادة فلو ارسل إليهم ملك لم يكن بد من تمثله لهم بشرا سويا، وحينئذ كان يبدو لهم من اللبس والشبهة ما يبدو مع الرسول من البشر ولم ينتفعوا به شيئا. وهذا التوجيه لا يفى باستقامة الجواب، وإن سلمنا أن الانسان العادى لا تسعه مشاهدة الملائكة في صورهم الاصلية بالاستناد إلى أمثال قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) (الفرقان: 22). وذلك أن شهود الملك في صورته الاصلية لو كان محالا على الانسان لم يختلف فيه حال الافراد الانسانية بالجواز والامتناع، وقد ورد في روايات الفريقين أن النبي صلى الله عليه واله راى جبرئيل في صورته الاصلية مرتين، ومن المقدور لله أن يقوى سائر الناس على ما قوى عليه نبيه فيعاينوهم ويؤمنوا بهم، ولا محذور فيه بحسب الحكمة إلا محذور الالجاء فهو المحذور الذى يجب أن يدفع بالاية كما تقدم. وكذا مشاهدة الملك في صورة الادميين لا تلازم جواز ا لشك واللبس فإن الله سبحانه يخبر عن إبراهيم ولوط عليهم السلام أنهما عاينا الملائكة في صورة الادميين ثم عرفهم ولم يشكا في أمرهم، وكذا أخبر عن مريم انها شاهدت الروح ثم عرفته ولم تشك فيه ولا التبس عليها أمره فلم لم يكن من الجائز أن يكون حال سائر الناس حالهم عليهم السلام في معاينة الملك في صورة الانسان ثم معرفته واليقين بأمره ؟ لولا أن جعل نفوس الناس جمعيا كنفس أبراهيم ولوط ومريم يستلزم إمحاء غرائزهم وفطرهم، وتبديلها نفوسا طاهرة قادسة، وفيه محذور الالجاء، فالالجاء هو المحذور الذى لا يبقى معه موضوع الامتحان، وهو الذى يجب دفعه بالاية كما تقدم. قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) إلى آخر الايتين، الحيق الحلول وإلاصابة، وفي مفردات: الراغب: قيل وأصله حق فقلب نحو زل وزال، وقد قرئ: (فأزلهما الشيطان) فازالهما، وعلى هذا ذمه وذامه، انتهى.

[ 25 ]

وقد كان استهزاؤهم بالرسل بالاستهزاء بالعذاب الذى كانوا ينذرونهم بنزوله وحلوله فحاق بهم عين ما استهزؤا، به وفي الاية الاولى تطييب لنفس النبي صلى الله عليه واله، وإنذار للمشركين، وفي الاية الثانية أمر بالاعتبار وعظة.

* * *

قل لمن ما في السموات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون - 12. وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم - 13. قل أ غير الله اتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا يطعم قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين - 14. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم - 15. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين - 16. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير - 17. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير - 18.

(بيان)

 فريق من الايات تحتج على المشركين في أمر التوحيد والمعاد فالايتان الاوليان تتضمنان البرهان على المعاد، وبقية الايات وهى خمس مسوقة للتوحيد تقيم البرهان على ذلك من وجهين على ما سيأتي. قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والارض قل لله) شروع في البرهنة على المعاد، ومحصله أن الله تعالى مالك ما في السماوات والارض جميعا له أن يتصرف فيها كيف

[ 26 ]

شاء وأراد، وقد اتصف سبحانه بصفة الرحمة وهى رفع حاجة كل محتاج وإيصال كل شئ إلى ما يستحقه وإفاضته عليه وعدة من عباده ومنهم الانسان صالحون لحياة خالدة مستعدون لان يسعدوا فيها فهو بمقتضى ملكه ورحمته سيتصرف فيهم بحشرهم وإعطائهم ما يستحقونه البتة. فقوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والارض) الخ، يتضمن إحدى مقدمات الحجة وقوله: (كتب على نفسه الرحمة) يتضمن مقدمة اخرى، وقوله: (وله ما سكن في الليل والنهار) الخ، مقدمة اخرى ثالثة بمنزلة الجزء من الحجة.) فقوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والارض) ألخ، يأمر النبي صلى الله عليه واله أن يسألهم عمن يملك السماوات والارض وله التصرف فيها بما شاء من غير مانع يمنعه، وهو الله سبحانه من غير شك لان غيره حتى الاصنام وأرباب الاصنام التى يدعوها المشركون هي كسائر الخلقة ينتهى خلقها وأمرها إليه تعالى فهو المالك لما في السماوات والارض جميعا. ولكون المسئول عنه معلوما بينا عند السائل والمسئول جميعا والخصم معترف به لم يحتج إلى صدور الجواب عن الخصم واعترافه به بلسانه، وأمر النبي صلى الله عليه واله أن يذكر هو الجواب ويتكفل ذلك لتتم الحجة من غير انتظار ما لجوابهم. والسؤال عن الخصم، ومباشرة السائل بنفسه الجواب كلاهما من السلائق البديعة الدائرة في سرد الحجج، يقول المنعم لمن أنعم عليه فكفر بنعمته: من الذى أطعمك وسقاك وكساك ؟ أنا الذى فعل ذلك بك ومن بها عليك وأنت تجازيني بالكفر. وبالجملة ثبت بهذا السؤال والجواب أن الله سبحانه هو المالك على الاطلاق فله التصرف فيها بما شاء من إحياء ورزق وإماتة وبعث بعد الموت من غير أن يمنعه من ذلك مانع كدقة في العمل وموت وغيبة واختلال وغير ذلك. وبهذا تمت إحدى مقدمات الحجة فألحقها المقدمة الاخرى وهى قوله: كتب على نفسه الرحمة. قوله تعالى: (كتب على نفسه الرحمة) الكتابة هو الاثبات والقضاء الحتم، وإذ كانت الرحمة - وهى إفاضة النعمة على مستحقها وإيصال الشئ إلى سعادته التى تليق به -

[ 27 ]

من صفاته تعالى الفعلية صح أن ينسب ألى كتابته تعالى، والمعنى: أوجب على نفسه الرحمة وإفاضه النعم وانزال الخير لمن يستحقه. ونظيره في نسبة الفعل إلى الكتابة ونحوها قوله تعالى: (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) (المجادلة: 21) وقوله: (فو رب السماء والارض إنه لحق) (الذاريات: 23) وأما صفات الذات كالحياة والعلم والقدرة فلا تصح نسبتها إلى الكتابة ونحوها البتة لا يقال: كتب على نفسه الحياة والعلم والقدرة. ولازم كتابة الرحمة على نفسه - كما تقدم - أن يتم نعمته عليهم بجمعهم ليوم القيامة ليجزيهم بأقوالهم وأعمالهم فيفوز به المؤمنون ويخسر غيرهم. ولذلك ذيل بقوله وهو كالنتيجة في الحجة: ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه فأكد المعنى بأبلغ التأكيد: لام القسم ونون التأكيد وقوله لا ريب فيه. ثم أشار إلى أن الربح في هذا اليوم للمؤمنين والخسران على غيرهم فقال: (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). والحجة التى اقيمت في هذه الاية على المعاد غير ما اقيمت من الحجتين عليه في قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (ص: 28) فإن الايتين تقيمان الحجة على المعاد من جهة أن فعله تعالى ليس بباطل بل له غاية، ومن جهة أن التسوية بين المؤمن والكافر والمتقي والفاجر ظلم لا يليق به تعالى، وهما في الدنيا لا يتميزان فلا بد من نشإة اخرى يتميزان فيها بالسعادة والشقاوة، وهذا غير ما في هذه الاية من السلوك إلى المطلوب من طريق الرحمة. قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) السكون في الليل والنهار هو الوقوع في ظرف هذا العالم الطبيعي الذى يدبر أمره بالليل والنهار، ويجرى نظامه بغشيان النور الساكب من شمس مضيئة، وعمل التحولات النورية فيه بالقرب والبعد والكثرة والقلة والحضور والغيبة والمسامتة وغيرها. فالليل والنهار هما المهد العام يربى فيه العناصر الكلية ومواليدها تربيه تسوق كل جزء من أجزائها وكل شخص من أشخاصها إلى غايته التى قدرت له، وتكملها روحا وجسما.

[ 28 ]

وكما أن للمسكن عاما وخاصا دخلا تاما في كينونة الساكن كالانسان مثلا يسكن أرضا فيطوف بها في طلب الرزق، ويرتزق مما يخرج منها من حب وفاكهة وما يتربى فيها من حيوان، ويشرب من مائها، ويستنشق من هوائها، ويفعل وينفعل من كيفيات منطقتها، وينمو جميع أجزاء جسمه على حسب تقديرها كذلك الليل والنهار لهما الدخل التام في تكون عامة ما يتكون فيهما. والانسان من الاشياء الساكنة في الليل والنهار تكون بمشية الله من إئتلاف أجزاء بسيطة ومركبة على صورة خاصة يمتاز وجوده حدوثا وبقاءا بحياة تقوم على شعور فكرى وإرادة يتهيان له من قوى له باطنية عاطفية تأمره بجذب المنافع ودفع المضار، وتدعوه إلى إيجاد مجتمع متشكل فيه ما نراه من تفاصيل التفاهم باللغات والتبانى على اتباع السنن والقوانين والعادات في المعاشرات والمعاملات، واحترام الاراء والعقائد العامة في الحسن والقبح والعدل والظلم والطاعة والمعصية والثواب والعقاب والجزاء والعفو. وإذا كان الله سبحانه هو الخالق لليل والنهار وما سكن فيهما المتفرد بايجادها فله ما سكن في الليل والنهار، وهو ا لمالك الحق لجميع الليل والنهار وسكانهما وما يستعقب وجودها من الحوادث والافعال والاقوال، وله النظام الجارى فيها على عجيب سعته فهو السميع لاقوالنا من أصوات وإشارات، والعليم بأعمالنا وأفعالنا بما لها من صفتي الحسن والقبح، والعدل والظلم والاحسان والاساءة وما تكتسبه النفوس من سعادة وشقاء. وكيف يمكنه الجهل بذلك وقد نشأ الجميع في ملكه وبإذنه ؟ ونحو وجود هذا النوع من الامور أعنى الحسن والقبح والعدل والظلم والطاعة والمعصية، وكذا اللغات الدالة على المعاني الذهنية كل ذلك أمور علمية لا تحقق لها في غير ظرف العلم، ولذلك نرى أن الفعل لا يقع منا حسنا ولا قبيحا ولا طاعة ولا معصية، والصوت المؤلف لا يسمى كلاما إلا إذا علمنا به وقصدنا وجهه. وكيف يمكن أن يملك شئ علمي في نفسه من حيث كونه كذلك ثم يجهله مالكه، ولا يعلم به ؟ (أجد التأمل فيه). والله سبحانه هو الذى أوجد هذا العالم على عجيب سعته في أجزائه البسيطة

[ 29 ]

والعنصرية والمركبة على نظام يدهش اللب، ثم خلقنا وأسكننا الليل والنهار ثم كثرنا وأجرى بيننا نظام الاجتماع الانساني ثم هدانا إلى وضع اللغات، واعتبار السنن ووضع الاعتبارات، ولم يزل يصاحبنا ويصاحب سائر الاسباب خطوة خطوة، ويجارينا وإياها في مسير الليل والنهار لحظة لحظة وساق حوادث لا نحصيها حادثة بعد حادثة. حتى تكلم الواحد منا بكلام فوضع المعنى في قلبه بإلهامه، وأجرى اللفظ في لسانه بتعريفه، وأسمع الصوت لمخاطبة بإسماعه، وسار بمعناه إلى ذهنه بحفظه، وفهم المعنى لمفكرته بتعليمه، ثم بعثه لموافقه ما ألقاه إليه المتكلم أو صده عن ذلك بإرادة باعثة له إليه أو كراهة دافعة له عنه، وهو في جميع هذه المراحل التى تعجز عن الانعقاد عليها أنامل العد والاحصاء قائد وسائق وهاد وحفيظ ورقيب ! فكيف يسع لقائل إلا أن يقول: إنه تعالى سميع عليم، وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم. وكذا إذا عمل الواحد منا بعمل حسنة كان أو سيئة فهو مولود من أب وأم يولدانه تحت مراقبه الاختيار والارادة، وقد انتقل إليهما بعد ما قطع طريقا بعيدا وأمدا مديدا في أصلاب أسباب فاعلة وأرحام علل أخرى منفعلة إلى أن ينتهى بما الله أعلم به، ولم يزل سبحانه ينقله بإرادته من حجر إلى حجر، والارض قبضته والسموات بيمينه حتى نزل منزل الاختيار فصاحبه منزلا بعد منزل بإذنه حتى طلع من أفق العين، وأخذ موضعه من مسكن الليل والنهار ثم لا يزال يجرى فيما يتأثر منه من أجزاء الكون كأحد الاسباب الجارية، والله سبحانه عليه شهيد وبه محيط فكيف يمكن أن يغفل سبحانه عما هذا شأنه ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. ومما تقدم يظهر أن قوله تعالى: (وهو السميع العليم) بمنزلد النتيجة لقوله: (وله ما سكن في الليل والنهار). والسمع والعلم وإن كان معدودين من صفاته تعالى الذاتية التى هي عين الذات المتعالية من غير أن يتفرع على أمر غيرها لكن من العلم وكذا السمع والبصر ما هو صفة فعلية خارجة عن الذات وهى التى يتوقف ثبوتها على تحقق متعلق غير الذات المقدسة

[ 30 ]

كالخلق والرزق والاحياء والاماتة المتوقفة على وجود مخلوق ومرزوق وحى وميت. والاشياء لما كانت بأنفسها وأعيانها مملوكة محاطة له تعالى فهى إن كانت أصواتا سمع ومسموعة له تعالى، وإن كانت أنوار ألوانا بصر ومبصرة له تعالى، والجميع كائنة ما كانت علم ومعلومة له تعالى، وهذا النوع من العلم من صفاته الفعلية التى تتحقق عند تحقق الفعل منه تعالى لا قبل ذلك، ولا يلزم من ثبوتها بعد ما لم تكن تغير في ذاته تعالى وتقدس لانها لا تعدو مقام الفعل، ولا يدخل في عالم الذات فالاية في استنتاجها العلم من الملك تريد إثبات العلم الفعلى، فافهم ذلك. والاية أعنى قوله: (وله ما سكن في الليل والنهار) الخ، كإحدى مقدمات الحجة المبينة بالاية السابقة فإن الحجة على المعاد وإن تمت بقوله: (قل لمن ما في السموات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة) لكن النظر الابتدائي الساذج ربما غفل عن كون ملكه تعالى للاشياء مستلزما لعلمه بها وسمعه بما يسمع منها كالاصوات والاقوال. ولذلك نبه عليه بتكرار ملك السموات والارض، وتفريع السمع والعلم عليه فقال: (وله ما سكن في الليل والنهار - وهو في معنى قوله: (له ما في السماوات والارض - وهو السميع العليم) فكانت هذه الاية لذلك بمنزلة مقدمة متممة للحجة المسرودة في الاية السابقة. والاية - على أنا لم نستوف حقها ولن يستوفى - من أرق الايات القرآنية معنى وأدقها إشارة وحجة، وأبلغها منطقا. قوله تعالى: (قل أ غير الله أخذ وليا فاطر السموات والارض وهو يطعم) ولا يطعم شروع في الاحتجاج على وحدانيتة تعالى وأن لا شريك له. والذى يتحصل من تاريخ الوثنية واتخاذ الاصنام والالهه أنهم كانوا إنما دانوا بذلك وخضعوا للالهة لاحد أمرين: إما أنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى أسباب كثيرة في إبقاء الحياة كالتغذى بالطعام واللباس والمسكن والازواج والاولاد والعشيرة ونحو ذلك، وعمدتها الطعام الذى حاجة الانسان إليه أشد من حاجته إلى غيره بحسب النظر الساذج، وقد اعتقدوا أن لكل صنف من أصناف هذه الحوائج تعلقا بسبب هو الذى يجود لهم بالتمتع من وسيلة رفع تلك الحاجة كالسبب الذى يمطر السماء فينبت المرعى والكلاء

[ 31 ]

لدوابهم ويمنع بالخصب لانفسهم، والسبب الذى يدبر أمر السهل والجبل أو يلقى بالمحبة والالفة أو إليه أمر البحر والسفائن الجارية فيها. ثم وجدوا أن قوتهم لا تفى بالتسلط على تلك الحاجة أو الحوائج الضرورية فاضطروا إلى الخضوع إلى السبب المربوط بحاجتهم واتخاذه إلها ثم عبادته. وإما لانهم وجدوا هذا الانسان الاعزل غرضا لسهام الحوادث محصورا بمكاره وشرور عامة عظيمة لا يقاومها كالسيل والزلزلة والطوفان والقحط والوباء، وببلايا ومحن أخرى جزئية لا يحصيها كالامراض والاوجاع والسقوط والفقر والعقم والعدو والحاسد والشانئ وغير ذلك، ثم وضعوا لها أسبابا قاهرة هي المرسلة لها إليهم، والقاصمة بها ظهورهم، والمكدرة لصفوة عيشهم، وهى مخلوقات علوية كارباب الانواع وأرواح الكواكب والاجرام العلوية فاتخذوها آلهة خوفا من سخطهم وعذابهم، وعبدوها ليستميلوها بالعبادة ويرضوها بالخضوع والاستكانة فيخلصوا بذلك عن المكاره والرزايا ويأمنوا شرورها والمضار النازلة منها إليهم. والاية أعنى قوله: (قل أغير الله أتخذ وليا) الخ، والايات التالية لها تحتج على المشركين بقلب حجتيهم بعينهما إليهم أي تسلم أصل الحجة وتعدها حقة لكن تبين أن لازمها أن يعبد الله سبحانه وحده، وينفى عنه كل شريك موضوع. فقوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والارض وهو يطعم ولا يطعم) إشارة إلى الحجة من المسلك الاول، وهو مسلك الرجاء أن يعبد الاله لانه منعم فيكون عبادته شكرا لانعامه سببا لمزيده. أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه السلام أن يبين لهم في صورة الاستفهام والسؤال أن الله سبحانه وحده هو الولى للنعمة التى يتنعم بها الانسان وغيره لانه هو الرازق الذى لا يحتاج إلى أن يرزقه غيره يطعم ولا يطعم، والدليل عليه أنه تعالى هو الذى فطر السموات والارض وأخرجها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وأنعم عليها بنعمة التحقق والثبوت، ثم أفاض عليها بنعم لا يحصيها ألا هو لابقاء وجودها، ومنها الاطعام للانسان وغيره فإن جميع هذه النعم المعدة لبقاء وجود الانسان وغيره، والاسباب التى تسوق تلك النعم إلى محال الاستحقاق كل ذلك ينتهى إلى فطره وإيجاده الاشياء والاسباب ومسبباتها

[ 32 ]

جميعا من صنعه. فإليه سبحانه يرجع الرزق الذى من أهم مظاهره عند الانسان الاطعام فيجب أن يعبد الله وحده لانه هو الذى يطعمنا من غير حاجة إلى إطعام من غيره. فظهر بما بيناه أولا: أن التعبير عن العبودية والتأله باتخاذ الولى في قوله: (أغير الله أتخذ وليا) إنما هو لكون الحجة مسوقة من جهة إنعامه تعالى بالاطعام. وثانيا: أن التعلق بقوله: (فاطر السماوات والارض) إنما هو لبيان سبب انحصار الاطعام به تعالى كما تقدم تقريره، وربما استفيد ذلك من التعريض الذى في قوله: (ولا يطعم) فإن فيه تعريضا بكون سائر من اتخذوهم آلهة محتاجين كعيسى وغيره إلى إطعام أو ما يجرى مجراه. ومن الممكن أن يستفاد من ذكره في الحجة أنه أشارة إلى مسلك آخر في إقامة الحجة على توحيده تعالى هو أشرف من المسلكين جميعا، ومحصله أن الله سبحانه هو الموجد لهذا العالم، وإلى فطره ينتهى كل شئ فيجب الخضوع له. ووجه كون هذا المسلك أشرف: هو أن المسلكين الاخرين وإن كانا أنتجا توحيد الاله من جهة أنه معبود لكنهما لا يخلوان مع ذلك من شئ، وهو أنهما ينتجان وجوب عبادته طمعا في النعمة أو خوفا من النقمة فالمطلوب بالذات هو جلب النعمة أو الامن من النقمة دونه تعالى وتقدس، وأما هذا المسلك فإنه ينتج وجوب عباده الله لانه الله سبحانه. وثالثا: أن اختصاص الاطعام من بين نعمه تعالى على كثرتها بالذكر إنما العناية فيه كون الاطعام بحسب النظر الساذج أوضح حوائج الحيوان العائش ومنه الانسان. ثم أمر سبحانه بعد تمام الحجة نبيه صلى الله عليه واله أن يذكر لهم ما يؤيد به هذه الحجة العقلية، وهو أن الله أمره من طريق الوحى أن يجرى في اتخاذ الاله على الطريق الذى يهدى إليه العقل وهو التوحيد، ونهاه صريحا أن يتخطاه إلى أن يلحق بالمشركين فقال: (قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم) ثم قال: (ولا تكونن من المشركين). بقى هنا أمران:

[ 33 ]

أحدهما: أن قوله: (أول من أسلم) إن كان المراد أول من أسلم من بينكم فهو ظاهر فقد أسلم صلى الله عليه واله قبل امته، وإن كان المراد به أول من أسلم من غير تقييد كما هو ظاهر الاطلاق كانت أوليته في ذلك بحسب الرتبه دون الزمان. وثانيهما: أن نتيجة الحجة لما كانت هي العبودية وهى نوع خضوع وتسليم كان استعمال لفظة الاسلام في المقام أولى من لفظة الايمان لما فيه من الدلالة على غرض العبادة، وهو الخضوع. قوله تعالى: (قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) وهذا هو المسلك الثاني من المسلكين اللذين تقدم أن المشركين تعلقوا بهما في اتخاذ الالهة، وهو أن عبادة آلهتهم يؤمنهم من شمول سخطها ونزول عذابها. وقد أخذ سبحانه في الحجة أخوف ما يجب أن يخاف منه من أنواع العذاب وأمره وهو عذاب الساعة التى ثقلت في السماوات والارض كما أخذ في الحجة الاولى أحوج ما يحتاج إليه الانسان بحسب بادئ النظر من النعم، وهو الاطعام. وقد قيل: (إن عصيت ربى) دون أن يقال: إن أشركت بربي إشارة إلى ما في قوله تعالى في الاية السابقة: (ولا تكونن من المشركين) من نهيه صلى الله عليه واله عن الشرك فأدت الاية أن من الواجب على عقلا أن أ عبد الله وحده لاومن مما أخاف من عذاب يوم عظيم، وهذا الذى دل عليه العقل دلنى عليه الوحى من ربى. وبهذا تناظر هذه الاية الاية السابقة من جهة إقامة الحجة العقلية أولا ثم تأييده بالوحى من الله سبحانه فافهم ذلك، وهذا من لطائف إيجاز القرآن الكريم فقد اكتفى في إفادة هذا المعنى على سعته بمجرد وضع قوله: (عصيت) موضع أشركت. قوله تعالى: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) الخ، المعنى ظاهر الاية متممة للحجة المسرودة في الاية السابقة فظاهر الاية السابقة بحسب النظر البسيط إقامة النبي صلى الله عليه واله الحجة في وجوب التوحيد على نفسه بأن الله نهاه عن الشرك فيجب عليه توحيده ليؤمن عذاب الاخرة.

[ 34 ]

فيلوح لنظر المغفل غير المتدبر أن يرد عليه الحجة بأن النهى لما كان مختصا بك كما تدعيه يختص الخوف ثم وجوب التوحيد أيضا بك فلا تقتضي الحجة وجوب التوحيد ونفى الشريك على غيرك، وتصير الحجة عليك لا على غيرك. فأفاد بقوله: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) أن عذابه مشرف على الجميع محيط بالكل لا مخلص عنه إلا برحمته فعلى كل إنسان أن يخاف من عذاب يومئذ على نفسه ما يخافه النبي صلى الله عليه واله على نفسه فالحجة عامة قائمة على جميع الناس لا خاصه به صلى الله عليه واله. قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) إلى آخر الاية، قد كانت الحجتان المذكورتان في الايات السابقة أخذتا أنموذجا مما يرجوه الانسان وهو الاطعام وانموذجا مما يخافه وهو عذاب يوم القيامة، وتممتا بهما البيان، ولم تتعرضا لسائر أنواع الضر وأقسام الخير التى يمس الله سبحانه بهما الانسان، والكل من الله عز اسمه. فالاية توضح بالتصريح أن هناك من الضر ما هو غير عذاب يوم القيامة يمس الله سبحانه به الانسان يجب أن يتوجه إليه تعالى في كشفه، وأن من الخير ما يمس الله به الانسان ولا راد لفضله ولا مانع يمنع من إفاضته لقدرته على كل شئ، ورجاء الخير يوجب على الانسان أن يتخذه سبحانه إلها معبودا. ولما أمكن أن يتوهم أن كونه تعالى يمس الانسان بضر أو بخير إنما يقتضى أن يتخذ معبودا، والخصم لا ينكر ذلك (1). وأما قصر الالوهية والمعبودية فيه تعالى فلا لان ما اتخذوه من الالهة هي أسباب متوسطة وشفعاء أقوياء لها تأثيرات في الكون من شر أو خير يوجب على الانسان أن يتقرب إليها خوفا من شرها أو رجاء لخيرها. دفعه بأن الله سبحانه هو القاهر فوق عباده لا يفوقه منهم أحد ولا يعادله فهم أنفسهم تحت قهره، وكذا أفعالهم وآثارهم لا يعملون عملا من خير أو شر إلا بإذنه ومشيته غير مستقلين بأمر البتة ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا غير ذلك، فما

_________________________________

1 - الخاصة من الوثنية وان كانو يجوزون عبادته تعالى استنادا إلى انه غير محدود الوجوده لا يتعلق به التوجه العبادي لكن العامة منهم ربما عبدوه في عرض سائر الهة كما يظهر من تلبية مشركي مكة في الحج: لبيك لا شريك لك الله شريكا هو لك تملكه وله ملك. (*)

[ 35 ]

يطلع من أفق ذواتهم من أثر خيرا أو شرا ينتهى إلى أمره ومشيتة وإذنه يستند إليه على ما يليق بساحة قدسه وعزته من الاستناد. فالايتان جميعا تتممان معنى واحدا، وهو أن ما يصيب الانسان من خير أو شر فمن الله على ما يليق بساحته من الانتساب، فالله سبحانه هو المتوحد بالالوهية، والمتفرد بالمعبودية لا إله غيره، ولا معبود سواه. وقد عبر عن إصابة الضر والخير بالمس الدال على الحقارة في قوله: (إن يمسسك) (وإن يمسسك) ليدل به على إن ما يصيب الانسان من ضر أو من خير شئ يسيرمما تحمله القدرة غير المتناهية التى لا يقوم لها شئ، ولا يطيقها ولا يتحملها مخلوق محدود. وكأن قوله تعالى في جانب الخير: (فهو على كل شئ قدير) وضع موضع نحو من قولنا: فلا مانع يمنعه، ليدل على أنه تعالى قدير على كل خير مفروض كما أنه قدير على كل ضر مفروض، وتنكشف به علة قوله: فلا كاشف له إلا هو إذ لو كشف غيره تعالى شيئا مما مس به من ضر دفع ذلك قدرته عليه، وكذلك قدرته على كل شئ تقتضي أن لا يقوى شئ على دفع ما يمس به من خير. وتخصيص ما يمس به من ضر أو خير بالنبي صلى الله عليه واله في هذه الاية نظير التخصيص الواقع في قوله: (قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) ويفيد قوله: (وهو القاهر فوق عباده) من التعميم نظير ما أفاد قوله: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه). قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) القهر هو نوع من الغلبة، وهو أن يظهر شئ على شئ فيضطره إلى مطاوعة أثر من الغالب يخالف ما للمغلوب من الاثر طبعا أو بنحوه من الافتراض كالماء يظهر على لنار فيقهرها على الخمود، والنار تقهر الماء فتبخره أو تجفف رطوبته. وإذ كانت الاسباب الكونية إنما أظهرها الله سبحانه لتكون وسائط في حدوث الحوادث فتضع آثارها في مسبباتها، وهى كائنة ما كانت مضطرة إلى مطاوعة ما يريده الله سبحانه فيها وبها، يصدق عليها عامة إنها مقهورة لله سبحانه فالله قاهر عليها.

[ 36 ]

فالقاهر من الاسماء التى تصدق عليه تعالى كما تصدق على غيره، غير أن بين قهره تعالى وقهر غيره فرقا، وهو أن غيره تعالى من الاشياء إنما يقهر بعضها بعضا وهما مجتمعان من جهة مرتبة وجودهما ودرجة كونهما بمعنى أن النار تقهر الحطب على الاحتراق والاشتعال، وهما معا موجودان طبيعيان يقتضى أحدهما بالطبع خلاف ما يقتضيه الاخر لكن النار أقوى في تحميل أثرها على الحطب منه من النار فهى تظهر عليه في تأثيرها بأثرها فيه. والله سبحانه قاهر لا كقهر النار الحطب، بل هو قاهر بالتفوق والاحاطة على الاطلاق بمعنى أنا إذا نسبنا احراق جسم وإشعاله كالحطب مثلا إلى الله سبحانه فهو سبحانه قاهر عليه بالوجود المحدود الذى أوجده به، قاهر عليه بالخواص والكيفيات التى أعطاها له وعبأه بها بيده، قاهر عليه بالنار التى أوقدها لاحراقه وإشعاله، وهو المالك لجميع ما للنار من ذات وأثر، قاهر عليه بقطع عطية المقاومة للحطب، ووضع الاحتراق والاشتعال موضعه فلا مقاومة ولا تعصى ولا جموح ولا شبه ذلك قبال إرادته ومشيته لكونها من أفق أعلى. فهو تعالى قاهر على عباده لكنه فوقهم لا كقهر شئ شيئا وهما متزاملان. وقد صدق القرآن الكريم هذا البحث بنتيجته فذكره اسما له تعالى في موضعين من هذه السورة وهما هذه الاية وآية (61). وقيد الاسم في كلا الموضعين بقوله: (فوق عباده) والغالب في المحفوظ من موارد استعمال القهر هو أن يكون المغلوب من اولى العقل بخلاف الغلبة، ولذا فسره الراغب بالتذليل، والذلة في اولى العقل أظهر، ولا يمنع ذلك من صحة صدقه في غير مورد اولى العقل بحسب الاستعمال أو بعناية. والله سبحانه قاهر فوق عباده يمسهم بالضر وبالخير ويذللهم لمطاوعته وقاهر فوق عباده فيما يفعلونه ويؤثرون به من أثر لانه المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم. ولما نسب في الايتين إليه المس بالضر والخير، وقد ينسبان إلى غيره، ميز مقامه من مقام غيره بقوله في ذيل الاية: (وهو الحكيم الخبير) فهو الحكيم لا يفعل ما يفعل جزافا وجهلا، الخبير لا يخطئ ولا يغلط كغيره.

[ 37 ]

قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ أنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون - 19. الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون - 20.

(بيان)

 احتجاج على الوحدانية من طريق الوحى فإن وحدة الاله وانتفاء الشريك عنه وإن كانت مما يناله العقل بوجوه من النيل فلا مانع من إثباته من طريق الوحى الصريح الذى لا مرية فيه، فالمطلوب هو اليقين بأنه تعالى إله واحد لا شريك له، وإذا فرض حصوله من طريق الوحى الذى لا يداخله ريب في كونه وحيا إلهيا كالقرآن المتكئ على التحدي فلا مانع من الاستناد إليه. قوله تعالى: (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم) أمر نبيه أن يسألهم عن أكبر الاشياء من حيث الشهادة، والشهادة هي تحمل الخبر عن نوع من العيان كالابصار ونحوه، وأداء ما تحمل كذلك بالاخبار والانباء، وإذ كان التحمل والاداء - وخاصة التحمل - مما يختلف بحسب إدراك المتحملين وبحسب وضوح الخبر الذى تحمله المتحمل، وبحسب قوة المؤدى بيانا وضعفه اختلافا فاحشا. فليس المتحمل الذى يغلب على مزاجه السهو والنسيان أو الغفلة كالذى يحفظ ما يعيه سمعه ويقع عليه بصره، وليس الصاحى كالسكران ولا الخبير الاخصائى بأمر كالأجنبي الاعزل. وإذا كان الامر على ذلك فلا يقع ريب في أن الله سبحانه هو أكبر من كل شئ

[ 38 ]

شهادة فإنه هو الذى أوجد كل ما دق وجل من الاشياء، وإليه ينتهى كل أمر وخلق، وهو المحيط بكل شئ ومع كل شئ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لا يضل ولا ينسى. ولكون الامر بينا لا يقع فيه شك لم يحتج إلى إيراد الجواب في اللفظ بأن يقال: قل الله أكبر شهادة، كما قيل: (قل لمن ما في السماوات والارض قل لله) (الانعام: 12) أو يقال: سيقولون الله، كما قيل: (قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله) (المؤمنون: 85). على أن قوله: (قل الله شهيد بينى وبينكم) يدل عليه ويسد مسده، وليس من البعيد أن يكون قوله (شهيد) خبرا لمبتدء محذوف هو الضمير العائد إلى الله، والتقدير: (قل الله هو شهيد بينى وبينكم) فتشتمل الجملة على جواب السؤال وعلى ما استؤنف من الكلام. وقوله: (قل الله شهيد بينى وبينكم) على أنه يشتمل على إخباره صلى الله عليه واله بشهادة الله تعالى هو بنفسه شهادة لمكان قوله: (قل) إذ أمره بأن يخبرهم بشهادته تعالى بالنبوة لا ينفك عن الشهادة بذلك، وعلى هذا فلا حاجة إلى التشبث بأنواع ما وقع في القرآن الكريم من شهادة الله تعالى على نبوته صلى الله عليه واله وصلم وعلى نزول القرآن من عنده كقوله تعالى: (والله يعلم إنك لرسوله) (: المنافقون: 1) أو قوله: (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) (النساء: 166) وغير ذلك من الايات الدالة على ذلك تصريحا أو تلويحا بلفظ الشهادة أو بغيره. وتقيد شهادته تعالى بقوله (بينى وبينكم) يدل على توسط تعالى بين طرفين متخاصمين هما النبي صلى الله عليه واله وقومه، والنبى لم ينعزل عنهم ولم يتميز منهم في جانب إلا في دعوى النبوة والرسالة ودعوى نزول القرآن لكن نزول القرآن بالوحى قد ذكر بعد في قوله: (واوحى إلى هذا القرآن) فالمراد بشهادته تعالى بينه وبينهم شهادته بنبوته، ويؤيده أيضا قوله في الاية التالية: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) على ما سيجئ إن شاء الله. قوله تعالى: (واوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) من مقول القول

[ 39 ]

وهو معطوف على قوله: (الله شهيد) الخ، وجعل الانذار غاية لنزول القرآن الكريم أخذ بمسلك الخوف في الدعوة النبوية، وهو الاوقع في أفهام عامة الناس فإن مسلك الرجاء والوعد وإن كان أحد الطريقين في الدعوة، وقد استعمله الكتاب العزيز في الجملة لكن رجاء الخير لا يبعث إلى طلبه بعثا الزاميا وانما يورث شوقا ورغبه بخلاف الخوف لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلا. ولان دعوة الاسلام إنما هي إلى دين الفطرة، وهو مخزون مكنوز في فطرة الناس وإنما حجبهم عنه ما ابتلوا به من الشرك والمعصية مما يوجب عليهم غلبه الشقوة ونزول السخط الالهى فالاقرب إلى الحكمة والحزم في دعوتهم أن تبدأ بالانذار، ولهذا كله ربما حصر شأن النبي صلى الله عليه اله وفي الانذار كما في قوله: (إن أنت إلا نذير) (الفاطر: 23) وقوله: (وإنما أنا نذير مبين) (العنكبوت: 50). هذا في عامة الناس وأما الخاصة من عباد الله، وهم الذين يعبدونه حبا له لا خوفا من نار ولا طمعا في جنة فانهم يتلقون من الدعوة بالخوف والرجاء أمرا آخر فإنهم يتلقون من النار أنها دار بعد وسخط فيخافونها لذلك، ومن الجنة أنها ساحة قرب ورضوان فيشتاقون إليها لذلك. وظاهر قوله: (لانذركم به ومن بلغ) أنه خطاب لمشركي مكة أو لقريش وللعرب عامة إلا أن التقابل بين ضمير الخطاب وبين من بلغ - والمراد بمن بلغ هو من لم يشافهه النبي صلى الله عليه وآله بالدعوة في زمن حياته أو بعده - يدل على أن المراد بالمخاطبين في قوله: (لانذركم به هم) الذين شافههم النبي صلى الله عليه واله بالدعوة ممن تقدم دعاءه على نزول الايه أو قارنه أو تأخر عنه. فقوله: (واوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) يدل على عموم رسالته عليه السلام بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى يوم القيامة، وإن شئت فقل: تدل الاية على كون القرآن الكريم حجة من الله وكتابا له ينطق بالحق على إهل الدنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة. وقد قيل: (لانذركم به) ولم يقل: لانذركم بقراءته فالقرآن حجة على من سمع لفظه وعرف معناه واهتدى إلى مقاصده، أو فسر له لفظه وقرع سمعه بمضامينه

[ 40 ]

فليس من شرط كتاب مكتوب إلى قوم أن يكون بلسانهم بل أن تقوم عليهم حجته وتشملهم مضامينه، وقد دعا صلى الله عليه واله بكتابه إلى مصر والحبشة والروم وإيران ولسانهم غير لسان القرآن، وقد كان فيمن آمن به في حياته وقبل إيمانهم سلمان الفارسى وبلال الحبشى وصهيب الرومي وعدة من اليهود ولسانهم عبرى هذا كله مما لا ريب فيه. قوله تعالى: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد) إلى آخر الاية، لما ذكر شهادة الله وهو أكبر شهادة على رسالته ولم يرسل إلا ليدعوهم إلى دين التوحيد، وليس لاحد بعد شهادة الله سبحانه على أن لا شريك له في ألوهيته أن يشهد أن مع الله آلهة أمر نبيه أن يسألهم سؤال متعجب منكر: هل يشهدون بتعدد الالهة، وهذا هو الذى يدل عليه تأكيد المسئول عنه بأن واللام، كأن النفس لا تقبل أن يشهدوا به بعد أن سمعوا شهادة الله تعالى. ثم أمره أن يخالفهم في الشهادة فينفي عن نفسه الشهادة بما شهدوا به فقال: (قل لا أشهد) أي بما شهدتم به بقرينة المقام، ثم قال: (قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون) وهو شهادة على وحدانيته تعالى، والبراءة مما يدعون له من شركاء. قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) هذا إخبار عما شهد به الله سبحانه في الكتب المنزلة على أهل الكتاب، وعلمه علماء أهل الكتاب مما عندهم من كتب الانبياء من البشارة بعد البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وصفه بما لا يعتريه شك ولا يطرأ عليه ريب. فهم بما استحضروا من نعته صلى الله عليه وآله يعرفونه بعينه كما يعرفون أبناءهم، قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل) (الاعراف: 157) وقال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل) (الفتح: 29)، وقال تعالى: (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل) (الشعراء: 197). ولما كان بعض علمائهم يكتمون ما عندهم من بشاراته ونعوته صلى الله عليه وآله ويستنكفون عن الايمان به بين الله تعالى خسرانهم في أمرهم فقال: (الذين خسروا

[ 41 ]

أنفسهم فهم لا يؤمنون). وقد تقدم بعض الكلام في تفسير نظيرة الاية من سورة البقرة (آية 146) وبينا هناك وجه الالتفات من الحضور إلى الغيبة وسيأتى تمام الكلام في سورة الاعراف (آية 156) إن شاء الله تعالى.

(بحث روائي)

 في تفسير البرهان عن ابن بابويه باسناده عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: قال لى أبو الحسن عليه السلام: ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله عزوجل أشئ أم لا شئ ؟ قال: قلت: قد أثبت الله عزوجل نفسه شيئا حيث يقول: (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم) وأقول: إنه شئ لا كالاشياء إذ في نفى الشيئيه عنه نفيه وإبطاله. قال لى: صدقت وأحسنت. قال الرضا عليه السلام: للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفى، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه فمذهب النفى لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لان الله تبارك وتعالى لا يشبهه شئ، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه. أقول: المراد بمذهب النفى نفى معاني الصفات عنه تعالى كما ذهبت إليه المعتزلة، وفي معناه إرجاع الصفات الثبوتية إلى نفى ما يقابلها كالقول بأن معنى القادر أنه ليس بعاجز، ومعنى العالم أنه ليس بجاهل إلا أن يرجع إلى ما ذكره عليه السلام من المذهب الثالث. والمراد بمذهب التشبيه أن يشبهه تعالى بغيره - وليس كمثله شئ - أي أن يثبت له من الصفة معناه المحدود الذى فينا المتميز من غيره من الصفات بأن يكون قدرته كقدرتنا وعلمه كعلمنا، وهكذا، ولو كان ما له من الصفة كصفتنا احتاج كاحتياجنا فلم يكن واجبا تعالى عن ذلك. والمراد بمذهب الاثبات من غير تشبيه أن يثبت له من الصفة أصل معناه وتنفى

[ 42 ]

عنه خصوصيته التى قارنته في الممكنات المخلوقة أي تثبت الصفة وينفى الحد. وفي تفسير القمى: في رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام (قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم) وذلك أن مشركي أهل مكة قالوا: يا محمد ما وجد الله رسولا أرسله غيرك ؟ ما نرى أحدا يصدقك بالذى تقول - ذلك في أول ما دعاهم وهم يومئذ بمكة - قالوا: ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك ذكر عندهم، فأتنا بمن يشهد أنك رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه واله: الله شهيد بينى وبينكم. وفي تفسير العياشي عن بكير عن محمد عن أبى جعفر عليه السلام في قول الله: (لانذركم به ومن بلغ) قال: على عليه السلام ممن بلغ: أقول: ظاهره أن (من بلغ) معطوف على ضمير (كم) ولقد ورد في بعض الروايات أن المراد بمن بلغ هو الامام، ولازمه عطف (من بلغ) على فاعل (لانذركم) المقدر، وظاهر الاية هو الاول. وفي تفسير البرهان عن ابن بابويه بإسناده عن يحيى بن عمران الحلبي عن أبيه عن أبى عبد الله عليه السلام قال: سئل عن قول الله عزوجل: (وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) قال: بكل لسان. أقول: قد مر وجه استفادته من الاية. وفي تفسير المنار: أخرج أبو الشيخ عن أبى بن كعب قال: أتى رسول الله صلى الله عليه واله بأسارى فقال لهم: هل دعيتم إلى الاسلام ؟ قالوا: لا، فخلى سبيلهم ثم قرإ: (وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ) ثم قال: خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل إنهم لم يدعوا. وفي تفسير القمى: إن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: هل تعرفون محمدا في كتابكم ؟ قال: نعم والله نعرفه بالنعت الذى نعته الله لنا إذ رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان. والذى يحلف به ابن سلام: لانا بمحمد هذا أشد معرفة منى بابنى.

* * *

[ 43 ]

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون - 21. ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون - 22. ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين - 23. أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون - 24. ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين - 25. وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون - 26. ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين - 27. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون - 28. وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين - 29. - ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون - 30. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم

[ 44 ]

الساعة بغتة قالوايا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون - 31. وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون - 32. (بيان) تعود الايات إلى أصل السياق وهو الحضور فتلتفت إلى النبي صلى الله عليه واله بالخطاب فتذكر له مظالم المشركين في أصول العقائد الطاهرة وهى التوحيد والاعتقاد بالنبوة والمعاد، و ذلك قوله تعالى: (ومن أظلم) الخ، وقوله: (ومنهم من يستمع إليك) الخ، وقوله: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) الخ. ثم تبين أن ذلك منهم أشد الظلم وإهلاك لانفسهم وخسران لها، وتبين كيف تنعكس إليهم وتوافيهم هذه المظالم يوم القيامة فيكذبون على أنفسهم بإنكار ما قالوا في الدنيا ويتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا الصالحات، ويبدون التحسر على ما فرطوا في جنب الله سبحانه. قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته) الظلم من أشنع الذنوب بل التحليل الدقيق يقضى أن سائر الذنوب إنما هي شنيعة مذمومة بمقدار ما فيها من معنى الظلم، وهو الانحراف والخروج عن الوسط العدل. والظلم كما يكبر ويصغر من جهة خصوصيات من صدر عنه الظلم كذلك يختلف حاله بالكبر والصغر من جهة من وقع عليه الظلم أو أريد إيقاعه عليه فكلما جل موقعه وعظم شأنه كان الظلم أكبر وأعظم، ولا أعز قدرا وأكرم ساحة من الله سبحانه ولا من آياته الدالة عليه فلا أظلم ممن ظلم هذه الساحة المنزهة أو ما ينتسب إليها بوجه، ولا يظلم إلا نفسه. وقد صدق الله سبحانه هذه النظرة العقلية بقوله: (ومن أظلم ممن افترى على

[ 45 ]

الله كذبا أو كذب بآياته) أما افتراء الكذب. عليه تعالى فبإثبات الشريك، له ولا شريك له، أو دعوى النبوة أو نسبة حكم إليه كذبا وابتداعا، وأما تكذيب آياته الدالة عليه فكتب كذيب النبي الصادق في دعواه المقارنة للايات الالهية أو إنكار الدين الحق، ومنه إنكار الصانع أصلا. والاية تنطبق على المشركين، وهم أهل الاوثان الذين إليهم وجه الاحتجاج من جهة أنهم أثبتوا لله سبحانه شركاء بعنوان أنهم شفعاء مصادر امور في الكون، وإليهم ينتهى تدبير شئون العالم مستقلين بذلك، ومن جهة إنهم أنكروا آياته تعالى الدالة على النبوة والمعاد. وربما الحق بعضهم بذلك القائلين بجواز شفاعة النبي صلى الله عليه واله أو الطاهرين من ذريته أو الاولياء الكرام من امته فقضى بكون الاستشفاع بهم في شئ من حوائج الدنيا أو الاخرة شركا تشمله الاية وما يناظرها من الايات الشريفة. وكأنه خفى عليهم أنه تعالى إثبت الشفاعة إذا قارنت الاذن في كلامه من غير أن يقيده بدنيا أو آخرة، فقال عز من قائل: (من ذاالذى يشفع عنده إلا بإذنه) (البقره: 255). على أنه تعالى قال: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون): (الزخرف: 86) فأثبت الشفاعة حقا للعلماء الشهداء بالحق، والقدر المتيقن منهم الانبياء ومنهم النبي صلى الله عليه واله، وقد أثبت الله سبحانه شهادته بقوله: (وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (النساء: 41) ونص على علمه حيث قال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) (النحل: 89)، وقال: (نزل به الروح الامين على قلبك) (الشعراء: 194) وهل يعقل نزول الكتاب الذى هو تبيان كل شئ على قلب من غير علم به، أو بعثه تعالى إياه شهيدا وليس بشهيد بالحق ؟ وقال الله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس) (البقره: 143)، وقال: (ويتخذ منكم شهداء) (آل عمران: 140) وقال تعالى: (وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (العنكبوت: 43) فأثبت في هذه الامة شهداء علماء ولا يثبت إلا الحق. وقال تعالى في أهل بيته عليه السلام: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس

[ 46 ]

أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الاحزاب: 33) فبين أنهم مطهرون بتطهيره، ثم قال: (إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون) (الواقعة: 79) فعدهم العلماء بالقرآن الذى هو تبيان كل شئ والمطهرون هم القدر المتيقن من هذه الامة في الشهادة بالحق التى لا سبيل للغو والتأثيم إليها، وقد أشبعنا الكلام في معنى الشفاعة في الجزء الاول من الكتاب فليراجع. قوله تعالى: (إنه لا يفلح الظالمون) الفلاح والفوز والنجاح والظفر والسعادة ألفاظ قريبة المعنى، ولهذا فسر الراغب الفلاح بإدراك البغية الذى هو معنى السعادة تقريبا، قال في المفردات: الفلح: الشق، وقيل الحديد بالحديد يفلح أي يشق، والفلاح الاكار لذلك والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان دنيوى وأخروى: فالدنيوي الظفر بالسعادات التى تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز و إياه قصد الشاعر بقوله:

أفلح بما شئت فقد يدرك * بالضعف وقد يخدع الاريب.

 وفلاح اخروى، وذلك أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل. انتهى، فمن الممكن أن يقال: إن الفلاح هو السعادة سميت به لان فيها الظفر وإدراك البغية بشق الموانع الحائلة دون المطلوب. وهذا معنى جامع ينطبق على موارد الاستعمال كقوله: (قد أفلح المؤمنون) (المؤمنون: 1)، وقوله: (قد أفلح من زكاها) (الشمس: 9)، وقوله، (إنه لا يفلح الكافرون) (المؤمنون: 117) إلى غير ذلك من الموارد. فقوله: (إنه لا يفلح الظالمون) - وقد أخذ الظلم وصفا - معناه أن الظالمين لا، يدركون بغيتهم التى تشبثوا لاجل إدراكها بما تشبثوا به فإن الظلم لا يهدى الظالم إلى ما يبتغيه من السعادة والظفر بواسطة ظلمه. وذلك أن السعادة لن تكون سعادة إلا إذا كانت بغية ومطلوبا بحسب واقع الامر وخارج الوجود، ويكون حينئذالشئ الذى يطلب هذه البغية والسعادة بحسب وجوده طبيعة كونه مجهزا بما يناسب هذه السعادة المطلوبة من الاسباب والادوات

[ 47 ]

كالانسان الذى من سعادته المطلوبة إن يبقى بقاء بوضع البدل مكان ما تحلل من بنيته ثم هو مجهز بجهاز التغذى الدقيق الذى، يناسب ذلك، والادوات والاسباب الملائمة له، ثم في المادة الخارجية ما يوافق مزاج بنيته فيأخذها بالاسباب والادوات المهيأة لذلك، ثم يصفيه ويبدل صورته إلى ما يشابه صورة المتحلل من بدنه ثم يلصقه ببدنه فيعود البدن تاما بعد نقصانه، وهذا حكم عام جار في جميع الانواع الخارجية التى تناله حواسنا ويسعه استقراؤنا من غير تخلف واختلاف البتة. و على هذا يجرى نظام الكون في مسيره فلكل غاية مطلوبة وسعادة مقصودة طريق خاص لا يسلك إليها إلا منه، ولو توصل إليها من غير سببه الذى يإلفها النظام أوجب ذلك العطل في السبب وبطلان الطريق، وفي عطله وبطلانه فساد جميع ما يرتبط و يتعلق به من الاسباب والعلائق كالانسان الذى فرض توصله إلى إبقاء الوجود من غير طريق التناول والالتقام والهضم فإن ذلك يفضى إلى عطل قوته الغاذية، وفي عطله انحراف قوتيه المنمية والمولدة مثلا جميعا. وقد اقتضت العناية الالهية في هذه الانواع التى تعيش بالشعور والارادة أن تعيش بتطبيق أعمالها على ما حصلته من العلم بالخارج فلو انحرفت عن الخارج لعارض ما كان في ذلك بطلان العمل، ولو تكرر ذلك بطلت الذات كالانسان المريد للاكل إذا غلط وحسب السم غذاء أو الطين خبزا ونحو ذلك. وللانسان عقائد وآراء عامة متولدة من نظام الكون الخارجي يضعها أصلا ويطبق عمله عليها كالعائد الراجعة إلى المبدء والمعاد، والاحكام العملية التى يجعلها مقاييس لاعماله من العبادات والمعاملات. وهذه طرق إلى السعادات الانسانية بحسب طبعها لا طريق إليها دونها إذا سلكها الانسان أدرك بغيته وظفر بسعادته، ولو انحرف عنها إلى غيرها - وهو الظلم - لم يوصله إلى بغيته ولئن أوصله إليه لم يثبت عليه، ولم يدم له ذلك فان سائر الطرق والسبل مربوطة به فتنازعه في ذلك، وتخالفه وتضاده بجميع ما لها من الوسع والطاقة، ثم أجزاء الكون الخارجي الذى هو السبب لانتشاء هذه الاراء والاحكام لا توافقه في عملة، ولا، تزال على هذا الحال حتى تقلب له الامر، وتفسد عليه سعادته، وتنغص عليه عيشته.

[ 48 ]

فالظالم ربما دعته طاغية الشره إلى أن يستعمل ما له من العزة بالاثم والقدرة الكاذبة في الحصول على بغية وسعادة من غير طريقه المشروع، فيخالف الاعتقاد الحق لتوحيد الله سبحانه، أو ينازع الحقوق المشروعة فيتعدى إلى أموال الناس فيغصبها ظلما، أو إلى أعراض الناس فيهتك أستارهم عنوة، أو إلى دمائهم ونفوسهم فيتصرف فيها من غير حق أو يعصى في شئ من نواميس العبودية لله سبحانه بصلاة وأوصوم أو حج أو غيرها، أو يقأترف شيئا من الذنوب، المتعلقه بذلك كالكذب والفرية والخدعة ونحوها. يأتي بشئ من ذلك وربما أدرك ما قصده، وهو طيب النفس بما ظفر به من مطلوبه بحسب زعمه، وقد ذهب عن خسران صفقته وخيبة مسعاه في دنياه وآخرته. أما في دنياه فلان ما سلكه من الطريق إنما هو طريق الهرج والمرج واختلال النظام إذ لو كان طريقا حقا لعم ولو عم أبطل النظام، ولو بطل النظام بطلت حياة المجتمع الانساني فالنظام الذى يضمن بقاء النوع الانساني كائنا ما كان ينازعه فيما حازه بعمله غير المشروع و، لا يزال على المنازعة حتى يفسد عليه مقتضى عمله ونتيجة سعيه المشئوم عاجلا أو على مهل ولن يدوم ظلمه البتة. وأما في الاخرة فلان ظلمه مكتوب في صحيفة عمله، وهو منقوش في لوح نفسه بما يورد عليها من الاثر ثم هو مجزى به عائش على وتيرته، وإن تبدواما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله. قال الله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل) ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) (البقره: 85)، وقال: (كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، فأذاقهم الله الخزى في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (الزمر: 26)، وقال: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) (الحج: 10) إلى غير ذلك من الايات وهى كثيرة.) والايات - كما ترى - تشمل المظالم الاجتماعية والفردية فهى تصدق ما تقدم من

[ 49 ]

البحث، وأشملها مضمونا الايه المبحوث عنها: إنه لا يفلح الظالمون). قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا) إلى آخر الايتين، الظرف متعلق بمقدر والتقدير: واذكر يوم (الخ)، وقد تعلقت العناية في الكلام بقوله: (جميعا) للدلالة على أن العلم والقدرة لا يتخلفان عن أحد منهم، فالله سبحانه محيط بجميعهم علما وقدرة سيحصيهم ويحشرهم ولا يغادر منهم أحدا. والجملة في مقام بيان قوله: (إنه لا يفلح الظالمون) كأنه لما قيل: (انه لا يفلح الظالمون) سئل فقيل، وكيف ذلك ؟ فقيل: لان الله سيحشرهم ويسألهم عن شركائهم فيضلون عنهم ويفقدونهم فينكرون شركهم ويقسمون لذلك بالله كذبا، ولو أفلح هؤلاء الظالمون في إتخاذهم لله شركاء لم يضل عنهم شركاؤهم، ولم يكذبوا على أنفسهم بل وجدوهم على ما ادعوا من الشركة والشفاعة ونالوا شفاعتهم. وقوله: (ثم لم تكن فتنتهم) الخ، قيل: المراد بالفتنه الجواب أي لم يكن جوابهم إلا أن أقسموا بالله على أنهم ما كانوا مشركين، وقيل الكلام على تقدير مضاف والمراد: لم تكن عاقبة افتتانهم بالاوثان إلا أن قالوا (الخ)، وقيل: المراد بالفتنة المعذرة، لكل من الوجوه وجه. قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) بيان لمحل الاستشهاد فيما قص من حالهم يوم القيامة، والمراد أنهم سيكذبون على أنفسهم ويفقدون ما افتروا به، ولو أفلحوا في ظلمهم وسعدوا فيما طلبوا لم ينجر أمرهم إلى فقد ذلك وإنكاره على أنفسهم. أما كذبهم على أنفسهم فلانهم لما أقسموا بالله أنهم ما كانوا مشركين أنكروا ما ادعوه في الدنيا من أن لله سبحانه شركاء، وهم كانوا يصرون عليه ويعرضون فيه عن كل حجة واضحة وآية بينة ظلما وعتوا، وهذا كذب منهم على أنفسهم. أما ضلال ما كانوا يفترونه عنهم فلان اليوم يوم ينجلى فيه عيانا أن الامر والملك والقوة لله جميعا ليس لغيره من شئ إلا ذله العبودية، والفقر والحاجة من غير أي استقلال قال تعالى (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد

[ 50 ]

العذاب): (البقره: 165)، وقال: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار): (المؤمن: 16) وقال: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والامر يومئذ لله) (الانفطار: 19). فيشاهدون عندئذ مشاهدة عيان أن الالوهية لله وحده لا شريك له، ويظهر لهم أوثانهم و شركاؤهم وهم لا يملكون ضرا ولا نفعا لانفسهم ولا لغيرهم، ووجدوا الاوصاف التى أثبتوها لهم من الربوبية والشفاعة وغيرهما انما هي لله وحده، وقد كان اشتبه عليهم الامر فتوهموها لغيره وضل عنهم ما كانوا يفترون. فإن استمدوا منهم ردوا عليهم ردا لا مطمع معه بعد قال تعالى: (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالو ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون، وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون) (النحل: 87) وقال تعالى: (ذلكم الله ربكم له الملك والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) (الفاطر: 14) وقال تعالى: (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين، هنالك تبلوا كل نفس ما اسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون) (يونس: 30). وبالتدبير في هذه الايات يظهر أن المراد بضلال ما افتروا به هو ظهور حقيقة شركائهم فاقدة لوصف الشركة والشفاعة وتبينهم أن ما ظهر لهم من ذلك في الدنيا لم يكن إلا ظهورا سرابيا كما قال تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه) (النور: 39). فان قلت: (إن الايات المتعرضة لوصف يوم القيامة - كما تقدم - ظاهرة في بروز الحقائق وخروجها عن مكمن الخفاء والالتباس الذى هو من لوازم النشأة الاولى الدنيوية كما قال تعالى: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ) (المؤمن: 16) فأى نفع حينئذ لكذبهم ؟ وكيف يكذبون وما أخبروا به من الكذب مشهود خلافه عيانا ؟ وقد قال تعالى: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء) (آل عمران: 30).

[ 51 ]

قلت: كذبهم وحلفهم على الكذب يوم القيامة مما وقع في كلامه تعالى غير مرة، ومثل الاية قوله تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم) (المجادلة: 18) وليس كذبهم وحلفهم عليه للتوصل به إلى الاغراض الفاسدة وستر الحق كما يتوصل إليها بالكذب في الدنيا فان الاخرة دار جزاء لا دار عمل واكتساب. لكنهم لكونهم اعتادوا أن يتفصوا من المخاطرات والمهالك ويجلبوا المنافع إليهم بالايمان الكاذبة والاخبار المزورة خدعة وغرورا رسخت في نفوسهم ملكة الكذب، والملكة إذا رسخت في النفس اضطرت النفس إلى إجابتها إلى ما تدعو إليه وذلك كما أن البذى الفحاش إذا استقرت في نفسه ملكة السب لا يقدر على الكف عنه وإن عزم عليه والمستكبر اللجوج العنود لا يملك من نفسه أن يتواضع، وإن خضع في موقف المهلكة والذلة أحيانا فإنما يخضع ظاهرا وبلسانه، وأما باطنا وفي قلبه فهو على حاله لم يتغير ولن يتغير البتة. وهذا هو السر في كذبهم يوم القيامة لانه يوم تبلى فيه السرائر والسريرة المعقودة على الكذب ليس فيها إلا الكذب فيظهر ما استقر فيه كما قال تعالى: (ولا يكتمون الله حديثا) (النساء: 42) ونظيرة التخاصم الدائر بين أهل الدنيا فإنه يظهر بعينه يوم القيامة بينهم، وقد قص الله سبحانه ذلك في مواضع كثيرة من كلامه، وأجمله في قوله: (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) (ص: 64) هذا في أهل العذاب وأما أهل المغفرة والجنة فيظهر منهم هناك ما كان في نفوسهم ههنا من الصفا والسلامة، قال تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما) (الواقعة: 26) فافهم ذلك. قوله تعالى: (ومنهم من يستمع إليك) إلى آخر الاية، الاكنة جمع كن بكسر الكاف وهو الغطاء الذى يكن فيه الشئ ويغطى، والوقر هو الثقل في السمع، والاساطير جمع اسطورة بمعنى الكذب والمين على ما نقل عن المبرد، وكأن أصله السطر وهو الصف من الكتابة أو الشجر إو الناس غلب استعماله فيما جمع ونظم ورتب من الاخبار الكاذبة. وكان ظاهر السياق أن يقال: يقولون أن هذا إلا أساطير الاولين، ولعل الاظهار للاشعار بالسبب في هذا الرمى وهو الكفر.

[ 52 ]

قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) ينهون عنه أي عن أتباعه، والنأى الابتعاد، والقصر في قوله: (وإن يهلكون إلا أنفسهم) من قصر القلب فإنهم كانوا يحسبون أن النهى عنه والنأى عنه إهلاك له وإبطال للدعوة الالهية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره فهم هم الهالكون من حيث لا يشعرون. قوله تعالى: (ولو ترى إذ وقفوا على النار) إلى آخر الايتين. بيان لعاقبة جحودهم وإصرارهم على الكفر والاعراض عن آيات الله تعالى. وقوله: (يا ليتنانرد ولا نكذب بايات ربنا) الخ، على قراءة النصب في (نكذب) و (نكون) تمن منهم للرجوع إلى الدنيا والانسلاك في سلك المؤمنين ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة وهذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله وحلفهم بالله على ذلك كذبا من باب ظهور ملكاتهم النفسانية يوم القيامة فإنهم قد اعتادوا التمنى فيما لا سبيل لهم إلى حيازته من الخيرات والمنافع الفائتة عنهم، وخاصة إذا كان فوتها مستندا إلى سوء اختيارهم وقصور تدبيرهم في العمل، ونظيره أيضا ما سيجئ من تحصرهم على ما فرطوا في أمر الساعة. على أن التمنى يصح في المحالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة كتمني رجوع الايام الخالية وغير ذلك قال الشاعر:

ليت وهل ينفع شيئا ليت * ليت الشباب بوع فاشتريت

وقوله: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) الخ، ظاهر الكلام أن مرجع الضمائر أعنى ضمائر (لهم) و (كانوا) و (يخفون) واحد وهو المشركون السابق ذكرهم، وأن المراد بالقبل هو الدنيا فالمعنى أنه ظهر لهؤلاء المشركين حين وقفوا على النار ما كانوا هم أنفسهم يخفونه في الدنيا فبعثهم ظهور ذلك على أن تمنوا الرد إلى الدنيا، والايمان بايات الله، والدخول في جماعة المؤمنين. ولم يبدلهم إلا النار التى وقفوا عليها يوم القيامة فقد كانوا اخفوها في الدنيا بالكفر والستر للحق والتغطية عليه بعد ظهوره لهم كما يشير إليه نحو قوله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) (ق: 22).

[ 53 ]

وأما نفس الحق الذى كفروا به في الدنيا مع ظهوره لهم فهو كان بادئا لهم من قبل والسياق يأبى أن يكون مجرد ظهور الحق لهم مع الغض عن ظهور النار وهول يوم القيامة باعثا لهم على هذا التمنى. ويشعر بذلك بعض ما في نظير المقام من كلامه تعالى كقوله: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (الجاثيه: 33) وقوله: (ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (الزمر: 48). وقد ذكروا في الاية أعنى قوله: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) وجوها كثيرة أنهاها في المنار إلى تسعة أوجه قال: (وفيه إقوال: الاول أنه أعمالهم السيئة وقبائحهم الشائنة ظهرت لهم في صحائفهم، وشهدت بها عليهم جوارحهم. الثاني: أنه أعمالهم التى كانوا يفترون بها ويظنون أن سعادتهم فيها إذ يجعلها الله تعالى هباء منثورا. الثالث: أنه كفرهم وتكذيبهم الذى أخفوه في الاخرة من قبل أن يوقفوا على النار كما تقدم حكايته عنهم في قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين. الرابع: أنه الحق أو الايمان الذى كانوا يسرونه ويخفونه بإظهار الكفر والتكذيب عنادا للرسول واستكبارا عن الحق، وهذا إنما ينطبق على أشد الناس كفرا من المعاندين المتكبرين الذين قال في بعضهم: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) ظلما وعلوا). الخامس: أنه ما كان يخفيه الرؤساء عن أتباعهم من الحق الذى جاءت به الرسل بدا للاتباع الذين كانوا مقلدين لهم، ومنه كتمان بعض أهل الكتاب لرسالة نبينا صلى الله عليه واله وصفاته وبشارة أنبيائهم به.

[ 54 ]

السادس: أنه ما كان يخفيه المنافقون في الدنيا من إسرار الكفر وإظهار الايمان والاسلام. السابع: أنه البعث والجزاء ومنه عذاب جهنم، وأن إخفاءهم له عبارة عن تكذيبهم به، وهو المعنى الاصلى لمادة الكفر. الثامن: أن في الكلام مضافا محذوفا أي بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات ونزل بهم عقابه فتبرموا وتضجروا وتمنوا التفصى منه بالرد إلى الدنيا، وترك ما افضى إليه من التكذيب بالايات وعدم الايمان كما يتمنى الموت من أمضه الداء العضال لانه ينقذه من الالام لا لانه محبوب في نفسه، ونحن لا نرى رجحان قول من هذه الاقوال بل الصواب عندنا قول آخر، وهو: التاسع: أنه يظهر يومئذ لكل من أولئك الذين ورد الكلام فيهم ولاشباههم من الكفار ما كان يخفيه في الدنيا ما هو قبيح في نظره أو نظر من يخفيه عنهم، انتهى، ثم عمم الكلام لرؤساء الكفار وأتباعهم المقلدة وللمنافقين والفساق ممن يقترف الفواحش ويخفيها عن الناس أو يترك الواجبات ويعتذر بأعذار كاذبة ويخفى حقيقة الحال في كلام طويل. وبالرجوع إلى ما قدمناه من الوجه والتامل فيه يظهر ما في كل واحد من هذه الاقوال من وجوه الخلل فلا نطيل. وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) تذكير لفعل ما تقرر في نفوسهم من الملكات الرذيله في نشأة الدنيا فإن الذى بعثهم إلى تمنى الرجوع إلى الدنيا والايمان فيها بآيات الله والدخول في جماعة المؤمنين إنما هو ظهور الحق المتروك بجميع ما يستتبعه من العذاب يوم القيامة، وهو من مقتضيات نشأة الاخرة المستلزمة لظهور الحقائق الغيبية ظهور عيان. ولو عادوا إلى الدنيا لزمهم حكم النشأة، وأسدلت عليهم حجب الغيب، ورجعوا إلى اختيارهم، ومعه هوى النفس ووسوسة الشيطان وقرائح العباد والاستكبار والطغيان فعادواإلى سابق شركهم وعنادهم مع الحق فإن الذى دعاهم وهم في الدنيا إلى

[ 55 ]

مخالفة الحق والتكذيب بآيات الله تعالى هو على حاله مع فرض ردهم إلى الدنيا بعد البعث، فحكمه حكمه من غير فرق. وقوله: (وإنهم لكاذبون) أي في قولهم: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا) الخ، والتمنى وإن كان إنشاء لا يقع فيه الصدق والكذب إلا أنهم لما قالوا: (نرد ولا نكذب، أي ردنا الله إلى الدنيا ولو ردنا لم نكذب، ولم يقولوا: (نعود ولا نكذب، كان كلامهم مضمنا للمسالة والوعد أعنى مسألة الرد ووعد الايمان والعمل الصالح كما صرح بذلك في قوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) (السجدة: 12) وقوله: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعآمل) (الفاطر: 37). وبالجملة قولهم: (يا ليتنا نرد ولا نكذب) الخ، في معنى قولهم ربنا ردنا إلى الدنيا لا ننكذب بآياتك ونكن من المؤمنين، وبهذا الاعتبار يحتمل الصدق والكذب، ويصح عدهم كاذبين. وربما وجه نسبة الكذب إليهم في تمنيهم بأن المراد كذب الامل والتمنى وهو عدم تحققه خارجا كما يقال: كذبك أملك، لمن تمنى ما لا يدرك. وربما قيل: إن المراد كذبهم في سائر ما يخبرون به عن أنفسهم من إصابة الواقع واعتقاد الحق، هو كما ترى. قوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا) إلى آخر الايتين. ذكر لانكارهم الصريح للحشر وما يستتبعه يوم القيامة من الاشهاد وأخذ الاعتراف بما أنكروه، والوثنية كانت تنكر المعاد كما حكى الله عنهم ذلك في كلامه غير مرة، وقولهم بشفاعة الشركاء إنما كان في الامور الدنيوية من جلب المنافع إليهم ودفع المضار والمخاوف عنهم. فقوله: (وقالوا ان هي) الخ، حكاية لانكارهم أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها، وما نحن بمبعوثين بعد الممات، وقوله: (ولو ترى إذ وقفوا) كالجواب وهو بيان ما يستتبعه قولهم: ان هي إلا، (الخ) للنبى صلى الله عليه وآله في صورة التمنى لمكان قوله:

[ 56 ]

(ولو ترى) وهو أنهم سيصدقون بما جحدوه، ويعترفون بما أنكروه بقولهم: (وما نحن بمبعوثين) إذ يوقفون على ربهم فيشاهدون عيانا هذا الموقف الذى اخبروا به في الدنيا، وهو أنهم مبعوثون بعد الموت فيعترفون بذلك بعد ما أنكروه في الدنيا. ومن هنا يظهر أن لله سبحانه فسر البعث في قوله: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) بلقاء الله، ويؤيده أيضا قوله في الاية التالية: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة) الخ، حيث بدل الحشر والبعث والقيامة المذكورات في سابق الكلام لقاء ثم ذكر الساعة أي ساعة اللقاء. وقوله: (أليس هذا) أي أليس البعث الذى أنكرتموه في الدنيا وهو لقاء الله (بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) به وتسترونه. قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) إلى آخر الاية، قال في المجمع: كل شئ أتى فجأه فقد بغت يقال: بغتة الامر يبغته بغتة انتهى، وقال الراغب في المفردات: الحسر كشف الملبس عما عليه يقال: حسرت عن الذراع، والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر، والمحسرة المكنسة - إلى أن قال - والحاسر المعيا لانكشاف قواه - إلى أن قال - والحسرة الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه. انتهى موضع الحاجة. وقال: الوزر (بفتحتين) الملجأ الذى يتلجأ إليه من الجبل، قال: (كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر) والوزر (بالكسر فالسكون) الثقل تشبيها بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الاثم كما يعبر عنه بالثقل، قال (ليحملوا أوزارهم كاملة) الاية كقوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم)، انتهى. والاية تبين تبعة اخرى من تبعات إنكارهم البعث وهو أن الساعة سيفاجئهم فينادون بالحسرة على تفريطهم فيها ويتمثل لهم أوزارهم وذنوبهم وهم يحملونها على ظهورهم وهو أشق احوال الانسان وأردؤها ألا ساء ما يزرون ويحملونه من الثقل أو من الذنب أو من وبال الذنب.

[ 57 ]

والاية أعنى قوله: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) بمنزلة النتيجة المأخوذة من قوله: (وقالوا ان هي إلا حياتنا الدنيا) إلى آخر الايتين، وهى أنهم بتعويضهم راحة الاخرة وروح لقاء الله من إنكار البعث وما يستتبعه من أليم العذاب خسروا صفقة. قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير) الخ، تتمة للكلام فيه بيان حال الحياتين: الدنيا والاخرة والمقايسة بينهما فالحياة الدنيا لعب ولهو ليس إلا فإنها تدور مدار سلسلة من العقائد الاعتبارية والمقاصد الوهمية كما يدور عليه اللعب فهى لعب، ثم هي شاغلة للانسان عما يهمه من الحياة الاخرى الحقيقية الدائمة فهى لهو، والحياة الاخرة لكونها حقيقية ثابتة فهى خير ولا ينالها إلا المتقون فهى خير لهم.

(بحث روائي)

 وفي تفسير العياشي عن هشام بن سالم عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إن الله يعفو يوم القيامة عفوا لا يخطر على بال أحد - حتى يقول أهل الشرك: (والله ربنا ما كنا مشركين). وفي المجمع في قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا) الاية: إن المراد: لم تكن معذرتهم إلا أن قالوا، الخ، قال: وهو المروى عن أبى عبد الله عليه السلام. وفي تفسير القمى في قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) الاية، قال: قال: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه واله ويمنعون قريشا، وينأون أي يباعدون عنه ولا يؤمنون. أقول: والرواية تقرب مما روى عن عطاء ومقاتل: أن المراد أبو طالب عم النبي صلى الله عليه واله فإنه كان ينهى قريشا عن النبي وينآى عن النبي ولا يؤمن به. والسياق يأبى ذلك فإن ظاهر الاية أن الضمير راجع إلى القرآن دون النبي صلى الله عليه واله. على أن الروايات من طرق أهل البيت عليهم السلام متظافرة بإيمانه. قال في المجمع: قد ثبت إجماع أهل البيت عليهالسلام بإيمان أبى طالب،

[ 58 ]

وإجماعهم حجة لانهم أحد الثقلين الذين أمر النبي صلى الله عليه واله بالتمسك بهما بقوله: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا. ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر: أن أبا بكر جاء بأبيه أبى قحافة يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه واله - فقال: ألا تركت الشيخ فآتيه ؟ وكان أعمى، فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، والذى بعثك بالحق لانا كنت بإلاسلام أبى طالب أشد فرحا منى بإسلام أبى ألتمس بذلك قره عينك، فقال صلى الله عليه واله: صدقت. وروى الطبري بإسناده أن رؤساء قريش لما رأوا ذب أبى طالب عن النبي صلى الله عليه واله اجتمعوا عليه وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك وتدفع إلينا إبن أخيك الذى فرق جماعتنا، وسفه أحلامنا فنقتله، فقال أبو طالب ما أنصفتموني تعطونني ابنكم فأغذوه، واعطيكم ابني فتقتلونه بل فليأت كل امرئ منكم بولده فأقتله، وقال:

منعنا الرسول رسول المليك * ببيض تلالا كلمع البروق

أذود وأحمى رسول المليك * حماية حام عليه شفيق

 وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيره مشهورة لا تحصى فمن ذلك قوله:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب

أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب

وقوله من قصيدة:

وقالوا لاحمد أنت امرؤ * خلوف اللسان ضعيف السبب

ألا إن أحمد قد جاءهم * بحق ولم يأتهم بالكذب

 وقوله في حديث الصحيفة وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وآله:

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب

محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب

[ 59 ]

وقوله في قصيدة يحض أخاه حمزة على اتباع النبي والصبر في طاعته:

صبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا

 فقد سرنى إذ قلت إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا

وقوله من قصيدة:

أقيم على نصر النبي محمد * اقاتل عنه بالقنا والقنابل

 وقوله يحض النجاشي على نصر النبي صلى الله عليه واله

تعلم مليك الحبش أن محمدا * وزير لموسى والمسيح بن مريم

أتى بهدى مثل الذى أتيا به * وكل بأمر الله يهدى ويعصم

وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المرجم

فلا تجعلوا لله ندا واسلموا * وإن طريق الحق ليس بمظلم

وقوله في وصيته وقد حضرته الوفاة:

أوصى بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وشيخ القوم عباسا

وحمزة الاسد الحامى حقيقته * وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا

كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا

 وأمثال هذه الابيات مما هو موجود في قصائده المشهورة ووصاياه وخطبه يطول بها الكتاب، انتهى. والعمدة في مستند من قال بعدم إسلامه بعض روايات واردة من طريق الجمهور في ذلك، وفي الجانب الاخر إجماع إهل البيت عليهالسلام وبعض الروايات من طريق الجمهور، وأشعاره المنقولة عنه، ولكل امرئ ما اختار. وفى تفسير العياشي عن خالد عن أبى عبد الله عليه السلام، قال: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في الاصل. بيان وفيه عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عنه عليه السلام، قال: إن الله قال للماء: كن عذبا فراتا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال للماء: كن ملحا أجاجا أخلق

[ 60 ]

منك نارى وأهل معصيتى فأجرى المائين على الطين ثم قبض قبضة بيده وهى يمين فخلقهم خلقا كالذر ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم وعليكم طاعتي ؟ قالوا: بلى، فقال للنار: كونى نارا فإذا نارا تأجج (1)، وقال لهم: قعوا فيها فمنهم من أسرع، ومنهم من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه فلما وجدوا حرها رجعوا فلم يدخلها منهم أحد. ثم قبض قبضة بيده فخلقهم خلقا مثل الذر مثل اولئك ثم أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الاخرين، ثم قال: لهم قعوا في هذه النار فمنهم من أبطأ، ومنهم من أسرع ومنهم من مر بطرف العين فوقعوا فيها كلها (2)، فقال: اخرجوا منها سالمين فخرجوا لم يصبهم شئ. وقال الاخرون: يا ربنا أقلنا نفعل كما فعلوا، قال: قد أقلتكم فمنهم من أسرع في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه مثل ما صنعوا في المرة الاولى، فذلك قوله: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). أقول: هذه الرواية والتى قبلها من روايات الذر وسيأتى استيفاء البحث عنها في سورة الاعراف في تفسير قوله تعالى: (وإذ أخرج ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى) الاية. ومحصلها أنه كما أن لنظام الثواب والعقاب في الاخرة ارتباطا تاما بنشأة اخرى قبلها وهى نشأة الدنيا من حيث الطاعة والمعصية كذلك للطاعة والمعصية في الدنيا ارتباط تام بنشأة اخرى قبلها رتبه. وهى عالم الذر. فالمراد بقوله في الرواية: فذلك قوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا) الخ، أن معنى الاية ولو ردوا من عرصات الحشر إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون من عالم الذر إذ كذبوا الله فيه، وهذا هو المراد بعينه بقوله عليه السلام في الرواية الاولى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم ملعونون في الاصل أي في عالم الذر لكذبهم فيه. وعلى هذا فالروايتان تشتملان على وجه رابع في تفسير الاية غير الوجوه الثلاثة *

___________________________

(1)  تأجت ظ.

(2) كلهم ظ. (*)

[ 61 ]

المتقدمة في البيان السابق. وفي المجمع عن الاعمش عن أبى صالح عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: (يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) الاية، قال: يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا، اه‍.

* * *

قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بإيات الله يجحدون - 33. ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين - 34. وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم باية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين - 35. إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون - 36.

(بيان)

 تسليه للنبى صلى الله عليه وآله عن هفوات المشركين في أمر دعوته، وتطييب لنفسه بوعد النصر الحتمى، وبيان أن الدعوة الدينية إنما ظرفها الاختيار الانساني فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فالقدرة والمشية الالهية الحاتمتان لا تداخلان ذلك حتى تجبراهم على القبول، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى. قوله تعالى: (قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون) إلى آخر الاية، (قد) حرف

[ 62 ]

تحقيق في الماضي، وتفيد في المضارع التقليل وربما استعملت فيه أيضا للتحقيق، وهو المراد في الاية، وحزنه كذا وأحزنه بمعنى واحد، وقد قرئ بكلا الوجهين. وقوله: (فإنهم لا يكذبونك) قرئ بالتشديد من باب التفعيل، وبالتخفيف، والظاهر أن الفاء في قوله: (فإنهم) للتفريع وكأن المعنى قد نعلم إن قولهم ليحزنك لكن لا ينبغى أن يحزنك ذلك فإنه ليس يعود تكذيبهم إليك لانك لا تدعو إلا إلينا، وليس لك فيه إلا الرساهة بل هم يظلمون بذلك آياتنا ويجحدونها. فما في هذه الاية مع قوله في آخر الايات: (ثم إليه يرجعون) في معنى قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور) (لقمان: 23) وقوله: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون) (يس: 76) وغير ذلك من الايات النازلة في تسليته صلى الله عليه له وصلم، هذا على قراءة التشديد. وأما على قراءة التخفيف فالمعنى: لا تحزن فإنهم لا يظهرون عليك بإثبات كذبك فيما تدعو إليه، ولا يبطلون حجتك بحجة وإنما يظلمون آيات الله بجحدها وإليه مرجعهم. وقوله: (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) كان ظاهر السياق أن يقال: ولكنهم، فالعدول إلى الظاهر للدلالة على أن الجحد منهم إنما هو عن ظلم منهم لا عن قصور وجهل وغير ذلك فليس إلا عتوا وبغيا وطغيانا وسيبعثهم الله ثم إليه يرجعون. ولذلك وقع الالتفات في الكلام من التكلم إلى الغيبة: (فقيل بآيات الله) ولم يقل: بآياتنا، للدلالة على أن ذلك منهم معارضة مع مقام الالوهية واستعلاء عليه وهو المقام الذى لا يقوم له شئ. وقد قيل في تفسير معنى الاية وجوه أخرى: أحدها: ما عن الاكثر أن المعنى: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإنما يظهرون التكذيب بأفواههم عنادا. وثانيها: أنهم لا يكذبونك وإنما يكذبوننى فإن تكذيبك راجع إلى ولست

[ 63 ]

مختصا به، وهذا الوجه غير ما قدمناه من الوجه وإن كان قريبا منه، والوجهان جميعا على قراءة التشديد. وثالثها: أنهم لا يصادفونك كاذبا تقول العرب: قاتلناهم فما أجبناهم أي ما صادفناهم جبناء، والوجه ما تقدم. قوله تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا) إلى آخر الاية. هداية له صلى الله عليه وآله إلى سبيل من تقدمه من الانبياء، وهو سبيل الصبر في ذات الله، وقد قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (الانعام: 90). وقوله: (حتى أتاهم نصرنا) بيان غاية حسنة لصبرهم، وإشارة إلى الوعد الالهى بالنصر، وفي قوله: (ولا مبدل لكلمات الله) تأكيد لما يشير إليه الكلام السابق من الوعد وحتم له، وإشارة إلى ما ذكره بقوله: (كتب الله لاغلبن أنا ورسلي) (المجادلة: 21)، وقوله: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون) (الصافات: 172). ووقوع المبدل في قوله: (ولا مبدل لكلمات الله) في سياق النفى ينفى أي مبدل مفروض سواء كان من ناحيته تعالى بأن يتبدل مشيتة في خصوص كلمة بأن يمحوها بعد إثباتها أو ينقضها بعد إبرامها أو كان من ناحية غيره تعالى بأن يظهر عليه ويقهره على خلاف ما شاء فيبدل ما أحكم ويغيره بوجه من الوجوه. ومن هنا يظهر أن هذه الكلمات التى أنبأ سبحانه عن كونها لا تقبل التبديل أمور خارجة عن لوح المحو والاثبات، فكلمة الله وقوله وكذا وعده في عرف القرآن هو القضاء الحتم الذى لا مطمع في تغييره وتبديله، قال تعالى: (قال فالحق والحق أقول) (ص: 84) وقال تعالى: (والله يقول الحق) (الاحزاب: 4)، وقال تعالى: (ألا إن وعد الله حق) (يونس: 55) وقال تعالى: (لا يخلف الله الميعاد) (الزمر: 20) وقد مر البحث المستوفى في معنى كلمات الله تعالى وما يرادفها من الالفاظ في عرف القرآن في ذيل قوله تعالى: (منهم من كلم الله) (البقره: 253). وقوله في ذيل الاية: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) تثبيت واستشهاد لقوله:

[ 64 ]

(ولقد كذبت رسل من قبلك) الخ، ويمكن أن يستفاد منه أن هذه السورة نزلت بعد بعض السور المكية التى تقص قصص الانبياء كسورة الشعراء ومريم وأمثالهما، وهذه السور نزلت بعد أمثال سورة العلق والمدثر قطعا فتقع سورة الانعام على هذا في الطبقة الثالثة من السورة النازلة بمكة قبل الهجرة، والله أعلم. قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله - فتأتيهم باية) قال الراغب: النفق الطريق النافذ والسرب في الارض النافذ فيه قال: فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الارض، ومنه نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونفق، ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه بقوله: إن المنافقين هم الفاسقون أي الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرا من الكافرين فقال: إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار، ونيفق السراويل معروف، انتهى. وقال: السلم ما يتوصل به إلى الامكنة العالية فيرجى به السلامة ثم جعل اسما لكل ما يتوصل به إلى شئ رفيع كالسبب، قال تعالى: أم لهم سلم يستمعون به، وقال: أو سلما في السماء، وقال الشاعر: ولو نال أسباب السماء بسلم، انتهى. و جواب الشرط في الاية محذوف للعلم به، والتقدير كما قيل: وإن استطعت أن تبتغى كذا وكذا فافعل. والمراد بالاية في قوله تعالى: (فتأتيهم بأية) الاية التى تضطرهم إلى الايمان فإن الخطاب أعنى قوله: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) الخ، إنما ألقى إلى النبي صلى الله عليه واله من طريق القرآن الذى هو أفضل آية إلهية تدل على حقية دعوته، ويقرب إعجازه من فهمهم وهم بلغاء عقلاء فالمراد أنه لا ينبغى أن يكبر ويشق عليك إعراضهم فإن الدار دار الاختيار، والدعوة إلى الحق وقبولها جاريان على مجرى الاختيار، وإنك لا تقدر على الحصول على آية توجب عليهم الايمان وتلزمهم على ذلك فإن الله سبحانه لم يرد منهم الايمان إلا على اختيار منهم فلم يخلق آية تجبر الناس على الايمان والطاعة، ولو شاء الله لامن الناس جميعا فالتحق هؤلاء الكافرون بالمؤمنين بك فلا تبتئس ولا تجزع بإعراضهم فتكون من الجاهلين بالمعارف إلالهية. وأما ما احتمله بعضهم: أن المراد فتأتيهم بآية هي أفضل من الاية التى أرسلناك

[ 65 ]

بها أي القرآن فلا تلائمه سياق الاية وخاصة قوله (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) فإنه ظاهر في الاضطرار. ومن هنا يظهر أن المراد بالمشية أن يشاء الله منهم الاهتداء إلى الايمان فيضطروا إلى القبول فيبطل بذلك اختيارهم هذا ما يقتضيه ظاهر السياق من الاية الشريفة. لكنه سبحانه فيما يشابه الاية من كلامه لم يبن عدم مشيته ذلك على لزوم الاضطرار كقوله تعالى: (ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول منى لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) (السجدة: 13) يشير تعالى بذلك إلى نحو قوله: (قال فالحق والحق أقول لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (ص: 85) فبين تعالى أن عدم تحقق مشيته لهداهم جميعا إنما هو لقضائه ما قضى تجاه ما أقسم عليه إبليس أنه سيغويهم إجمعين إلا عباده منهم المخلصين. وقد أسند القضاء في موضع آخر إلى غوايتهم قال تعالى في قصة آدم وإبليس: (قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، وإن جهنم لموعدهم أجمعين) (الحجر: 43) وقد نسب ذلك إليهم إبليس ايضا فيما حكى الله سبحانه من كلامه لهم يوم القيامة: (وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم - إلى أن قال - إنى كفرت بما أشركتمون من قبل) (إبراهيم: 22). فالايات تبين أن المعاصي ومنها الشرك تنتهى إلى غواية الانسان والغواية تنتهى إلى نفس الانسان، ولا ينافى ذلك ما يظهر من آيات أخر أن الانسان ليس له أن يشاء إلا أن يشاء الله منه المشية كقوله تعالى: (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (الانسان: 30)، وقال تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (التكوير: 29). فمشية الانسان في تحققها وإن توقفت على مشية الله سبحانه إلا أن الله سبحانه لا يشاء منه المشية إلا إذا استعد لذلك بحسن سريرته، وتعرض منه لرحمته، قال تعالى:

[ 66 ]

(ويهدى إليه من أناب) (الرعد: 27) أي انعطف ورجع إليه، وأما الفاسق الزائغ قلبه المخلد إلى الارض المائل إلى الغواية فإن الله لا يشاء هدايته ولا يغشاه برحمته كما قال: (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) (البقرة: 26) وقال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (الصف: 5) وقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه) (الاعراف: 176). وبالجملة فالدعوة الدينية لا تسلك إلا سبيل الاختيار، والايات الالهية لا تنزل الا مع مراعاة الاختيار، ولا يهدى الله سبحانه إليه إلا من تعرض لرحمته واستعد لهدايته من طريق الاختيار. وبهذا تنحل شبهة أخرى لا تخلو عن إعضال، وهى أنا سلمنا أن إنزاله تعالى آية تجبرهم على الايمان وتضطرهم إلى قبول الدعوة الدينيه ينافى أساس الاختيار الذى تبتنى عليه بنية الدعوة الدينية لكن لم لا يجوز أن يشاء الله إيمان الناس جميعا على حد مشيته إيمان من آمن منهم بأن يشاء من الجميع أن يشاءوا كما شاء من المؤمنين خاصه أن يشاءوا ثم ينزل آية تسوقهم إلى الهدى، وتلبسهم الايمان من غير أن يبطل بذلك اختيارهم وحريتهم في العمل. وذلك أنه وإن أمكن ذلك بالنظر إلى نفسه لكنه ينافى الناموس العام في عالم الاسباب، ونظام الاستعداد والافاضة فالهدى إنما يفاض على من اتقى الله وزكى نفسه وقد أفلح من زكاها، ولا يصيب الضلال إلا من أعرض من ذكر ربه ودسى نفسه وقد خاب من دساها، وإصابة الضلال هو أن يمنع الانسان الهدى قال تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (الاسراء: 20) أي ممنوعا فالله سبحانه يمد كل نفس من عطائه بما يستحقه فإن أراد الخير أوتيه وإن أراد الشر أوتيه أي منع من الخير، ولو شاء الله لكل نفس صالحة أو طالحة أن تشاء الخير وتنكب على الايمان والتقوى من طريق الاختيار كان في ذلك إبطال النظام العام وإفساد أمر الاسباب. وتؤيد ما ذكر الاية التالية أعنى قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون)

[ 67 ]

إلى آخر الاية على ما سيجئ من معناها. قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون) الاية كالبيان لقوله: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) إلى آخر الاية فإن ملخصه إنك لا تستطيع صرفهم عن هذا الاعراض، والحصول على آية تسوقهم إلى الايمان، فبين في هذه الاية أنهم بمنزلة الموتى لا شعور لهم ولا سمع حتى يشعروا بمعنى الدعوة الدينية ويسمعوا دعوة الداعي وهو النبي صلى الله عليه وآله. فهذه الهياكل المتراءات من الناس صنفان: صنف منهم أحياء يسمعون، وإنما يستجيب الذين يسمعون، وصنف منهم أموات لا يسمعون وإن كانوا ظاهرا في صور الاحياء وهؤلاء يتوقف سمعهم الكلام على أن يبعثهم الله، وسوف يبعثهم فيسمعون ما لم يستطيعوا سمعه في الدنيا كما حكاه الله عنهم بقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا إبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) (السجدة: 12) فالكلام مسوق سوق الكناية، والمراد بالذين يسمعون المؤمنون وبالموتى المعرضون عن استجابة الدعوة من المشركين وغيرهم، وقد تكرر في كلامه تعالى وصف المؤمنين بالحياة والسمع، ووصف الكفار بالموت والصمم كما قال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (الانعام: 122) وقال تعالى: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) (النمل: 81) إلى غير ذلك من الايات الكثيرة. وقد تكرر في بعض الابحاث السابقة معنى آخر لهذه الاوصاف التى حملها الجمهور من المفسرين على الكناية والتشبيه، وأن لها معنى من الحقيقة فليراجع. وفي الاية دلالة على أن الكفار والمشركين سيفهمهم الله الحق ويسمعهم دعوته في الاخرة كما فهم المؤمنين وأسمعهم في الدنيا، فالانسان مؤمنا كان أو كافرا لا مناص له عن فهم الحق عاجلا أو آجلا.

[ 68 ]

(بحث روائي)

 في تفسير القمى قال: (وفي رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السللام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب إسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله صلى الله عليه واله وجهد به أن يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه واله فأنزل الله: (وإن كان كبر عليك إعراضهم - إلى قوله -. فقا في الارض)، يقول: سربا. أقول والرواية على ما بها من ضعف وإرسال لا تلائم ظاهر الروايات الكثيرة الدالة على نزول السورة دفعة، وإن كان يمكن توجيهها بوقوع السبب قبل نزول السورة ثم الاشارة بالاية إلى السبب المحقق بعنوان الانطباق.

* * *

وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون - 37. وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون - 38. والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم - 39. قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين - 40. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون - 41. ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضراء

[ 69 ]

لعلهم يتضرعون - 42. فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون - 43. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون - 44. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين - 45. قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون - 46. قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون - 47. وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون - 48. والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون - 49. قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الاعمى والبصير أفلا تتفكرون - 50. وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون - 51. ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من

[ 70 ]

حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين - 52. وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين - 53. وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم - 54. وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين - 55.

(بيان)

 احتجاجات متنوعة على المشركين في أمر التوحيد وآية النبوة. قوله تعالى: (وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر) إلى آخر الاية، تحضيض منهم على تنزيل الاية بداعي تعجيز النبي صلى الله عليه وآله، ولما صدر هذا القول منهم وبين أيديهم أفضل الايات أعنى القرآن الكريم الذى كان ينزل عليهم سورة سورة وآية آية، ويتلى عليهم حينا بعد حين تعين أن الاية التى كانوا يقترحونها بقولهم: (لو لا نزل عليه آية من ربه هي آية غير القرآن، وأنهم كانوا لا يعدونه آية تقنعهم وترتضيه نفوسهم بما لها من المجازفات والتهوسات. وقد حملهم التعصب لالهتهم أن ينقطعوا عن الله سبحانه كأنه ليس بربهم، فقالوا: (لو لا نزل عليه آية من ربه) ولم يقولوا: من ربنا أو من الله ونحوهما إزراء بأمره وتأكيدا في تعجيزه أي لو كان ما يدعيه ويدعو إليه حقا فليغر له ربه الذى يدعو إليه ولينصره ولينزل عليه آية تدل على حقية دعواه. والذى بعثهم إلى هذا الاقتراح جهلهم بأمرين: أحدهما: أن الوثنية يرون لالهتهم استقلالا في الامور المرجوعة إليهم في الكون مع ما يدعون لهم من مقام

[ 71 ]

الشفاعة فإله الحرب أو السلم له ما يدبره من الامر من غير أن يختل تدبيره من ناحية غيره، وكذلك إله البر وإله البحر وإله الحب وإله البغض وسائر الالهة، فلا يبقى لله سبحانه شأن يتصرف فيه فقد قسم الامر بين أعضاده وإن كان هؤلاء شفعاءه وهو رب الارباب، فليس يسعه تعالى أن يبطل أمر آلهتهم بإنزال آية تدل على نفى الوهيتها. وكان يحضهم على هذه المزعمة ويؤيد هذا الاعتقاد في قلوبهم ما كانوا يتلقونه من يهود الحجاز أن يد الله مغلوله لا سبيل له إلى تغيير شئ من النظام الجارى، وخرق العادة المألوفة في عالم الاسباب. وثانيهما: أن الايات النازلة من عند الله سبحانه إذا كانت مما خص الله به رسولا من رسله من غير أن يقترحه الناس فإنما هي بينات تدل على صحة دعوى الرسول من غير أن يستتبع محذورا للناس المدعوين كالعصا واليد البيضاء لموسى وإحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص وخلق الطير لعيسى، والقرآن الكريم لمحمد صلى الله عليه وآله وعليهم. لكن الاية لو كانت مما اقترحها الناس فإن سنة الله جرت على القضاء بينهم بنزولها فإن آمنوا بها وإلا نزل عليهم العذاب ولم ينظروا بعد ذلك كآيات نوح وهود وصالح وغير ذلك، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك، كقوله تعالى: (وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون) (الانعام 8)، وقوله: وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها) (الاسراء: 59). وقد أشير في الاية الكريمة أعنى قوله: (وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون)، إلى الجهتين جميعا. فذكر أن الله قادر على أن ينزل أي آية شاء، وكيف يمكن إن يفرض من هو مسمى بإسم (الله) ولا تكون له القدرة المطلقة، وقد بدل في الجواب لفظة (الرب) إلى إسم (الله) للدلالة على برهان الحكم، فان الالوهية المطلقة تجمع كل كمال من غير أن تحد بحد أو تقيد بقيد فلها القدرة المطلقة، والجهل بالمقام الالوهى هو الذى بعثهم إلى اقتراح الاية بداعي التعجيز. على أنهم جهلوا أن نزول ما اقترحوه من الاية لا يوافق مصلحتهم، وأن اجتراءهم

[ 72 ]

على اقتراحها تعرض منهم لهلاك جمعهم وقطع دابرهم، والدليل على أن هذا المعنى منظور إليه بوجه في الكلام، قوله تعالى في ذيل هذه الاحتجاجات، قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم والله أعلم بالظالمين) (الانعام ك: 58). وفي قوله تعالى: (نزل) و (ينزل) مشدديمن التفعيل دلالة على أنهم اقترحوا آية تدريجية أو آيات كثيرة تنزل واحدة بعد واحدة كما يدل عليه ما حكى من اقتراحهم في موضع آخر من كلامه تعالى كقوله: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، أو تكون لك جنة - إلى أن قال - أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) الايات (الاسراء: 93)، وقوله: (وقال الذين لا يرجون لقائنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) (الفرقان: 21) وقوله: (وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة) (الفرقان: 32). وروى عن ابن كثير أنه قرأ بالتخفيف. قوله تعالى: (وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) إلى آخر الاية، الدابة كل حيوان يدب على الارض وقد كثر استعماله في الفرس، والدب بالفتح والدبيب هو المشى الخفيف. والطائر ما يسبح في الهواء بجناحيه، وجمعه الطير كالراكب والركب، والامة هي الجماعة من الناس يجمعهم مقصد واحد يقصدونه كدين واحد أو سنة واحدة أو زمان واحد أو مكان واحد، والاصل في معناها، القصد يقال: أم يؤم إذا قصد، والحشر جمع الناس بإزعاج إلى الحرب أو جلاء ونحوه من الامور الاجتماعية. والظاهر أن توصيف الطائر بقوله: (يطير بجناحيه) محاذاة لتوصيف الدابة بقوله: (في الارض) فهو بمنزلة قولنا: ما من حيوان إرضى ولا هوائي، مع ما في هذا التوصيف من نفى شبهة التجوز فإن الطيران كثيرا ما يستعمل بمعنى سرعة الحركة كما أن الدبيب هو الحركة الخفيفة فكان من المحتمل أن يراد بالطيران حيث ذكر مع الدبيب الحركة السريعة فدفع ذلك بقوله: (يطير بجناحيه).




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903208

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:24

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net