00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الأعراف  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

[ 179 ]

سورة الأعراف

مكية عدد آيها مأتان وست آيات بسم الله الرحمن الرحيم (1) المص: قد مضى الكلام في تأويله في أول سورة البقرة. وفي المعاني: عن الصادق عليه السلام في حديث و (المص) معناه أنا الله المقتدر الصادق. وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام أنه أتاه رجل من بني أمية وكان زنديقا، فقال له: قول الله عز وجل في كتابه: (المص) أي شئ أراد بهذا ؟ وأي شئ فيه من الحلال والحرام ؟ وأي شئ فيه مما ينتفع به الناس ؟ قال: فاغتاظ من ذلك فقال: أمسك ويحك، الألف: واحد، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، والصاد: تسعون، كم معك ؟ فقال الرجل: مأة وواحد وستون، فقال: إذا انقضت سنة إحدى وستين ومأة ينقضي ملك أصحابك، قال: فنظر فلما إنقضت إحدى وستين ومأة يوم عاشوراء دخل المسودة (1) الكوفة وذهب ملكهم. (2) كتاب: هو كتاب. أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه: ضيق من تبليغه. قيل: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاف تكذيب قومه وإعراضهم عن قبول قوله، وأذاهم له. فكان يضيق صدره في الأداء ولا ينبسط له فأمنه الله بهذه الآية وأمره بترك مبالاته. لتنذر به: أي انزل إليك لأنذارك به. وذكرى: وتذكيرا. للمؤمنين. (3) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم: من القرآن والوحي. ولا تتبعوا من دونه

____________________________

1 - المسودة بكسر الواو أي لابسي السواد ومنه الحديث فدخلت علينا المسودة يعني اصحاب الدعوة العباسية لانهم كانوا يلبسون ثيابا سوداء وعيسى بن موسى أول من لبس لباس العباسيين من العلويين استحوذ عليهم الشياطين وأغمرهم لباس الجاهلية. 

[ 180 ]

أولياء: شياطين الأنس والجن. فيحملوكم على الأهواء والبدع، ويضلوكم عن دين الله وعما أمرتم باتباعه. قليلا ما تذكرون: تذكرا قليلا تتذكرون، وقرء خفيفة الذال ويتذكرون، وبالغيبة خطابا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (4) وكم من قرية: وكثيرا من القرى. أهلكناها فجاءها: فجاء أهلها. بأسنا: عذابنا. بياتا: بايتين كقوم لوط. أو هم قائلون (1): أو هم قائلين نصف النهار كقوم شعيب يعني أخذهم في غفلة منهم وأمن وفي وقتي دعة واستراحة. (5) فما كان دعواهم: ما كانوا يدعونه من دينهم، أو دعائهم، واستغاثتهم. إذ جائهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين: إلا اعترافهم ببطلانه، وبظلمهم فيما كانوا عليه، وتحسرهم على ما كان منهم. (6) فلنسئلن الذين أرسل إليهم: يعني الامم عن قبول الرسالة، وإجابتهم الرسل. ولنسئلن المرسلين: يعني الأنبياء عن تأدية ما حملوا من الرسالة. في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم فيخبرون أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم، وتسأل الامم فيجحدون كما قال الله: (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين). الحديث، وقد مضى تمامه في سورة النساء عند تفسير (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد). (7) فلنقصن عليهم: على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم. بعلم: عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة. وما كنا غائبين: عنهم وعن أفعالهم وأحوالهم والغرض من السؤال: التوبيخ، والتقرير عليهم، وازدياد سرور المثابين بالثناء عليهم، وغم المعاقبين باظهار قبايحهم. (8) والوزن يومئذ الحق أي وزن الأعمال، والتميز بين خفيفها وراجحها.

____________________________

1 - قوله تعالى وأحسن مقيلا هو من القائلة وهو استكنان في وقت نصف النهار وفي التفسير إنه لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار بالنار. 

[ 181 ]

القمي: قال: المجازاة بالأعمال إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، قال: وهو قوله: (فمن ثقلت) الآية. فمن ثقلت موازينه: حسناته جمع موزون. في التوحيد: عن أمير المؤمنين عليه السلام إنما يعني الحسنات توزن الحسنات والسيئات، والحسنات ثقل الميزان، والسيئات خفة الميزان. وفي الأحتجاج: عنه عليه السلام هي قلة الحسنات وكثرتها. فأولئك هم المفلحون: الفائزون بالنجاة والثواب. (9) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم: بتضييع الفطرة السليمة التي فطرت عليها، واقتراف ما عرضها للعذاب. بما كانوا بآياتنا يظلمون: فيكذبون مكان التصديق. القمي: قال: بالأئمة يجحدون. في الأحتجاج: عن الصادق عليه السلام إنه سئل أو ليس توزن الأعمال ؟ قال: لا لأن الأعمال ليست أجساما، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها ولا خفتها، وإن الله لا يخفى عليه شئ، قيل: فما معنى الميزان ؟ قال: العدل قيل: فما معناه في كتابه: (فمن ثقلت موازينه) ؟ قال: فمن رجح عمله. أقول: وسر ذلك أن ميزان كل شئ هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشئ فميزان الناس يوم القيامة: ما يوزن به قدر كل إنسان، وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله لتجزى كل نفس بما كسبت، وليس ذلك إلا الأنبياء والأوصياء عليهم السلام إذ بهم وباتباع شرايعهم وإقتفاء آثارهم وترك ذلك، وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم. فميزان كل امة هو نبي تلك الأمة، ووصي نبيها، والشريعة التي أتى بها، فمن ثقلت حسناته وكثرت فاولئك هم المفلحون، ومن خفت وقلت فاولئك الذين خسروا أنفسهم بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للأنبياء والأوصياء أو عدم إتباعهم. في الكافي، والمعاني: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قول الله عز وجل: (ونضع الموازين

[ 182 ]

القسط ليوم القيامة) قال: هم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام. وفي رواية اخرى: نحن الموازين القسط. وقد حققنا معنى الميزان وكيفية وزن الأعمال ووقفنا بين الأخبار المتعارضة في ذلك والأقوال بما لا مزيد عليه في كتابنا الموسوم بميزان القيامة وهو كتاب جيد لم يسبق بمثله فيما أظن يوفق لمطالعته وفهمه من كان من أهله إن شاء الله. (10) ولقد مكناكم في الاءرض: مكناكم من سكناها، وزرعها، والتصرف فيها. وجعلنا لكم فيها معايش: تعيشون بها. قليلا ما تشكرون: فيما خلقنا لكم. (11) ولقد خلقنكم ثم صورناكم. القمي: عن الباقر عليه السلام أما خلقناكم: فنطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم لحما، وأما صورناكم: فالعين، والأنف، والأذنين، والفم، واليدين، والرجلين صور هذا ونحوه، ثم جعل الدميم، والوسيم، والجسيم، والطويل، والقصير، وأشباه هذا. أقول: الأقتصار على بيان الخلق والتصوير لبني آدم في الحديث لا ينافي شمول الآية لآدم لأنه خلقه طينا غير مصور ثم صوره، فلا ينافي الحديث تمام الآية. ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم: أي بعد خلق آدم وتصويره. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين: ممن سجد لآدم. (12) قال ما منعك ألا تسجد: أي أن تسجد ويزاد - لا - في مثله لتأكيد معنى الفعل الذي دخلت عليه نظيره لئلا يعلم، وفيه تنبيه على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل: الممنوع عن الشئ مضطر إلى خلافه فكأنه قيل: ما اضطرك إلى أن لا تسجد ؟ إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين: في الكافي: عن الصادق عليه السلام أن إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نورا وضيئا من النار. وعنه عليه السلام: أن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه من الحمية فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين).

[ 183 ]

وفي الكافي، والأحتجاج، والعلل: عنه عليه السلام أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال له: يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس، قال: نعم أنا أقيس، قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر. وعنه عليه السلام في حديث طويل: إن أول معصية ظهرت: الأنانية من إبليس اللعين، حين أمر الله ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا وأبى اللعين أن يسجد، فقال الله عز وجل: (ما منعك ألا تسجد) ؟ الآية فطرده الله عز وجل عن جواره، ولعنه وسماه رجيما، وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار. والقمي: عنه عليه السلام كذب إبليس ما خلقه الله إلا من طين، قال الله عز وجل: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا) قد خلقه الله من تلك الشجرة، والشجرة أصلها من طين. (13) قال فاهبط منها: من المنزلة التي أنت عليها في السماء، وزمرة الملائكة. فما يكون لك: فما يصح لك. أن تتكبر فيها: وتعصي فإنها مكان الخاشع المطيع. قيل: فيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه تعالى إنما طرده وأهبطه للتكبر لا لمجرد عصيانه، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله. فاخرج إنك من الصاغرين: ممن أهانه الله تعالى لكبره. (14) قال أنظرني إلى يوم يبعثون: أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي. (15) قال إنك من المنظرين: أجابه الله إلى ما سأله من الأمهال، ولم يجبه إلى ما سأله من غايته، لأن الله يقول في موضع آخر: (فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)، وهو النفخة الاولى، ويوم البعث والقيامة: هو النفخة الثانية. في العلل: عن الصادق عليه السلام يموت إبليس ما بين النفخة الاولى والثانية. والعياشي: عنه عليه السلام أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، ويأتي الخبران في سورة

[ 184 ]

الحجر إن شاء الله تعالى، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته. (16) قال فبما أغويتني: أي فبسبب إغوائك إياي وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة فإنه لما أمره الله بالسجود حملته الأنفة على معصيته. لاءقعدن لهم صراطك المستقيم: لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم بأن أترصد لهم على طريق الأسلام كما يترصد القطاع على الطريق ليقطعه على المارة. العياشي: عن الصادق عليه السلام الصراط هنا: علي عليه السلام. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام يا زرارة إنما عمد لك ولأصحابك، فأما الآخرون فقد فرغ منهم. وفي رواية العياشي: عنه عليه السلام إنما صمد (1). (17) ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم: من الجهات الأربع جمع. في المجمع: عن الباقر عليه السلام: (ثم لاتينهم من بين أيديهم) معناه اهون عليهم أمر الآخرة (ومن خلفهم) أمرهم بجمع الأموال، والبخل بها عن الحقوق، لتبقى لورثتهم (وعن أيمانهم) أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة (وعن شمائلهم) بتحبيب اللذات إليهم، وتغليب الشهوات على قلوبهم (2) والقمي: ما يقرب منه ببيان أبسط. ولا تجد أكثرهم شاكرين: مطيعين قاله تظننا لقوله سبحانه: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه). (18) قال اخرج منها مذؤما: مذموما من ذأمه إذا ذمه. مدحورا: مطرودا. لمن تبعك

____________________________

1 - يصمد في الحوائج يقصد والصمد القصد يقال صمده يصمده صمدا.

 2 - قيل المعنى من قبل دنياهم وآخرتهم ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم عن ابن عباس وتلخيصه إني ازين لهم الدنيا وأخوفهم بالفقر وأقول لهم لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب واثبطهم عن الحسنات واشغلهم عنها واحبب إليهم السيئات واحثهم عليها قال ابن عباس وانما لم يقل من فوقهم لان فوقهم جهة نزول الرحمة من السماء فلا سبيل له الى ذلك ولم يكن من تحت ارجلهم لان الاتيان به يوحش انتهى وانما دخلت من في القدام الخلف وعن في اليمين والشمال لان في القدام والخلف معنى طلب النهاية وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. 

[ 185 ]

منهم: اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه. لاءملاءن جهنم منكم أجمعين: أي منك ومنهم فغلب المخاطب. القمي: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: اخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين فقال إبليس: يا رب فكيف وأنت العدل الذي لا يجور فثواب عملي بطل ؟ قال: لا، ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك، فأول ما سئل: البقاء إلى يوم الدين، فقال الله: قد أعطيتك، قال: سلطني على ولد آدم، قال: سلطتك، قال: أجرني فيهم مجرى الدم في العروق، قال: قد أجريتك، قال: لا يولد لهم ولد إلا ولد لي إثنان، وأراهم ولا يروني، وأتصور لهم في كل صورة شئت، فقال: قد أعطيتك، قال: يا رب زدني قال: قد جعلت لك ولذريتك في صدورهم أوطانا، قال: يا رب حسبي، قال إبليس عند ذلك: (فبعزتك لأغوينهم إلى قوله (شاكرين)، قيل له: جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه ؟ فقال: بشئ كان منه شكره الله عليه، قيل: وما كان منه جعلت فداك ؟ قال: ركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة. (19) ويا آدم: وقلنا يا آدم. اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين: قد مضى تفسيرها في سورة البقرة. (20) فوسوس لهما الشيطان الفرق بين وسوس إليه ووسوس له: أن الأول: بمعنى الأصل: الصوت الخفي. ليبدى لهما: ليظهر لهما. ما وري (1): غطي. عنهما من سوآتهما: عوراتهما. قيل: وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وقال ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا: كراهة أن تكونا. ملكين أو تكونا من الخالدين. (21) وقاسمهما: أقسم لهما. إنى لكما لمن الناصحين. (22) فدليهما: فدلهما إلى الأكل من الشجرة، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية والأدلاء: إرسال الشئ من أعلى إلى أسفل. بغرور: بما

____________________________

1 - قيل تكتب بواو واحدة وتلفظ بواوين مثل داود. 

[ 186 ]

غرهما به من القسم. فإنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما: فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما. القمي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام كانت سواتهما لا تبدو لهما فبدت، يعني كانت داخلة. وطفقا يخصفان (1): وأخذا يرقعان (2) ويلزقان ورقة فوق ورقة. عليهما من ورق الجنة: يغطيان سواتهما به. القمي: عن الصادق عليه السلام لما أسكنه الله الجنة وأباحها له إلا الشجرة لأنه خلق الله خلقة لا تبقى إلا بالأمر والنهي والغذاء واللباس والأكنان (3) والتناكح ولا يدرك ما ينفعه مما يضره إلا بالتوقيف فجائه إبليس فقال له: إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نهاكما الله عنها صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا وإن لم تأكلا منها أخرجكما من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح، فقبل آدم عليه السلام قوله فأكلا من الشجرة وكان الأمر كما حكى الله (بدت لهم سواتهما)، وسقط عنهما ما ألبسهما الله من لباس الجنة، وأقبلا يستران من ورق الجنة. وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين: عتاب على مخالفة النهي، وتوبيخ على الأغترار بقول العدو. (23) قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. (24) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الاءرض مستقر ومتاع إلى حين قد مضى تفسيرها مع تمام القصة في سورة البقرة.

____________________________

1 - أي يلزقان بعضه على بعض ليسترا به عورتهما من الخصف وهم ضم الشئ الى الشئ والالصاق به.

 2 - رقع الثوب أصلحه بالرقاع.

 3 - الكن بالكسر وقا كل شئ وستره كالكنة والكنان بكسرهما والبيت ج اكنان واكنة. 

[ 187 ]

(25) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون: بالجزاء للجزاء، وقرء بفتح التاء. (26) يا بنى آدم: العياشي: عنهما عليهما السلام قالا: هي عامة. قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم: ويغنيكم عن خصف الورق. وريشا: تتجملون به، والريش ما يتجمل به، استعير من ريش الطائر لأنه لباسه وزينته. ولباس (1) التقوى: خشية الله ذ لك خير: وقرء لباس بالنصب. القمي: قال: لباس التقوى ثياب البياض. وعن الباقر عليه السلام: وأما اللباس: فالثياب التي تلبسون، وأما الرياش: فالمتاع والمال، وأما لباس التقوى: فالعفاف، إن العفيف لا تبدو له عورة وإن كان عاريا من الثياب، والفاجر: بادي العورة وإن كان كاسيا من الثياب، (ذلك خير)، يقول: والعفاف خير. ذلك: أي انزال اللباس. من آيات الله: الدالة على فضله ورحمته. لعلهم يذكرون: فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبايح. (27) يبنى آدم لا يفتننكم الشيطان: لا يمتحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة باغوائكم، والمعنى نهيهم عن اتباعه والأفتتان به. كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما أسند النزع إليه للتسبب. إنه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم: تعليل للنهي، وتأكيد للتحذير من فتنته، وقبيله: جنوده، وفي الحديث: أن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم. إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون: لما بينهم من التناسب. (28) وإذا فعلوا فاحشة: فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم، والأئتمام بإمام الجور، والطواف بالبيت عريانا. قالوا وجدنا عليها آبآءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون:

____________________________

1 - قوله ولباس التقوى خشية الله وقيل السمت الحسن وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره ذلك خيرا أو خير وذلك صفته كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير وقرأ نافع وابن عامر والكسائي ولباس بالنصب عطفا على لباسا. 

[ 188 ]

القمي: قال الذين عبدوا الأصنام فرد الله عليهم. وفي الكافي: مضمرا، والعياشي: عن عبد صالح قال: هل رأيت أحدا زعم أن الله أمرنا بالزنا وشرب الخمر وشئ من هذه المحارم ؟ فقيل: لا، قال: ما هذه الفاحشة التي يدعون أن الله أمرهم بها ؟ قيل: الله أعلم ووليه، فقال: فإن هذا في أئمة الجور إدعوا أن الله أمرهم بالأيتمام بقوم لم يأمرهم الله بالأيتمام بهم فرد الله ذلك عليهم فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب، وسمى ذلك منهم فاحشة. والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: من زعم أن الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر إليه فقد كذب على الله. (29) قل أمر ربى بالقسط: بالعدل والأستقامة. وأقيموا وجوهكم: توجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها أو أقيموها نحو القبلة. عند كل مسجد: في كل وقت سجودا، وفي كل مكان سجود، وهو الصلوة. في التهذيب: عن الصادق عليه السلام هذه في القبلة. وعنه عليه السلام: مساجد محدثة فأمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام. والعياشي: مثل الحديثين، وزاد في الأول ليس فيها عبادة الأوثان خالصا مخلصا، وعنه عليه السلام: عند كل مسجد: يعني الأئمة. وادعوه: واعبدوه. مخلصين له الدين: أي الطاعة فإن إليه مصيركم. كما بدأكم: كما أنشأكم إبتداءا تعودون: باعادته فيجازيكم على أعمالكم. القمي: عن الباقر عليه السلام في هذه الآية خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا وسقيا وسعيدا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضال. (30) فريقا هدى: بأن وفقهم للأيمان. وفريقا حق عليهم الضلالة: أي الخذلان إذ لم يقبلوا الهدى فضلوا. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله: أطاعوهم فيما أمروهم به. ويحسبون أنهم مهتدون. القمي: وكأنه تمام الحديث السابق، وهم القدرية: الذين يقولون لا قدر، ويزعمون

[ 189 ]

إنهم قادرون على الهدى والضلال، وذلك إليهم إن شاؤا اهتدوا وإن شاؤا ضلوا، وهم مجوس هذه الأمة وكذب أعداء الله المشيئة والقدرة لله (كما بدأهم يعودون) من خلقه شقيا يوم خلقه كذلك يعود إليه، ومن خلقه سعيدا يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيدا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الشقي: من شقي في بطن امه، والسعيد: من سعد في بطن أمه. وفي العلل: عنه عليه السلام: أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله يعني أئمة دون أئمة الحق. (31) يبنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد: القمي: قال: في العيدين، والجمعة يغتسل ويلبس ثيابا بيضا. وروى أيضا: المشط عند كل صلوة. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام يعني في العيدين والجمعة. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام أي خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلوة في الجمعات والأعياد. والعياشي: عن الرضا عليه السلام هي الثياب. وعن الصادق عليه السلام: هي الأردية في العيدين والجمعة. وفي الجوامع، والعياشي: كان الحسن بن علي عليهما السلام إذا قام إلى الصلوة لبس أجود ثيابه فقيل له: في ذلك، فقال: إن الله جميل يحب الجمال، فأتجمل لربي، وقرء الآية. وفي الفقيه: عن الرضا عليه السلام: من ذلك التمشط عند كل صلوة. والعياشي: عن الصادق عليه السلام مثله. وفي الخصال: عنه عليه السلام في هذه الآية تمشطوا فإن التمشط يجلب الرزق، ويحسن الشعر، وينجز الحاجة، في ماء الصلب، ويقطع البلغم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسرح تحت لحيته أربعين مرة ويمر فوقها سبع مرات، ويقول: إنه يزيد في الرزق ويقطع البلغم.

[ 190 ]

وفي التهذيب: عنه عليه السلام في هذه الآية قال: الغسل عند لقاء كل إمام. والعياشي: عنه عليه السلام يعني الأئمة عليهم السلام. وقيل: هو أمر بلبس الثياب في الصلوة والطواف وكانوا يطوفون عراة ويقولون: لا نعبد في ثياب أذنبنا فيها. القمي: أن أناسا كانوا يطوفون عراة بالبيت الرجال بالنهار والنساء بالليل. فأمرهم الله بلبس الثياب، وكانوا لا يأكلون إلا قوتا فأمرهم الله أن يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا. أقول: يعني في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم وكلوا واشربوا: ما طاب لكم. ولا تسرفوا: بالأفراط والأتلاف، وبالتعدي إلى الحرام، وبتحريم الحلال، وغير ذلك. قيل: (1) لقد جمع الله الطب في نصف آية فقال: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا). وهو ناظر إلى الأفراط في الأكل، وهو مذموم في أخبار كثيرة. إنه لا يحب المسرفين: لا يرضى فعلهم. العياشي: عن الصادق عليه السلام قال: أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه، ومنع من منع من هوان به عليه، لا ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودايع وجوز لهم أن يأكلوا قصدا، ويشربوا قصدا، ويلبسوا قصدا، وينكحوا قصدا، ويركبوا قصدا، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين، ويلموا به شعثهم، فمن فعل ذلك كان ما يأكل حلالا، ويشرب حلالا، ويركب حلالا، وينكح حلالا، ومن عدا ذلك كان عليه حراما، ثم قال: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) أترى الله إئتمن رجلا على مال خول (1) له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ويجزيه فرس بعشرين درهما ويشتري جارية بألف دينار ويجزيه بعشرين دينارا، وقال: (لا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). وعنه عليه السلام: قال: من سأل الناس شيئا وعنده ما يقوته يومه فهو من المسرفين.

____________________________

1 - وقد حكى ان الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال ذات يوم لعلي بن الحسين بن راقد ليس في كتابكم من علم الطب شئ والعلم علمان علم الابدان وعلم الاديان فقال له علي قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله كلوا واشربوا ولا تسرفوا وجمع نبينا صلى الله عليه واله وسلم الطب في قوله: المعدة بيت الادواء والحمية رأس كل دواء واعط كل بدن ما عودته فقال الطبيب ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.

 2 - خوله اله امال أعطاه إياه متفضلا. 

[ 191 ]

(32) قل من حرم زينة الله: من الثياب وسائر ما يتجمل به. التى أخرج لعباده: من الأرض كالقطن والكتان والأبريسم والصوف والجواهر. والطيبات من الرزق: المستلذات من المآكل والمشارب، وهو إنكار لتحريم هذه الأشياء. في الكافي: عن الصادق عليه السلام بعث أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن العباس إلى ابن الكوا وأصحابه، وعليه قميص رقيق وحلة، فلما نظروا إليه، قالوا: يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس ؟ فقال: وهذا أول ما اخاصمكم فيه (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) وقال الله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد). والعياشي: عنه عليه السلام ما في معناه. وفي الكافي: عنه عليه السلام أنه رآه سفيان الثوري وعليه ثياب كثيرة القيمة حسان، فقال: والله لآتينه ولأوبخنه فدنا منه، فقال: يا ابن رسول الله ما لبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل هذا اللباس ولا علي عليه السلام ولا أحد من آبائك، فقال له كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمان قتر (1) مقتر وكان يأخذ لقتره واقتاره وأن الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها (2) فأحق أهلها بها ابرارها ثم تلا: (قل من حرم زينة الله) الآية فنحن أحق من أخذ منها ما أعطاه الله غير أني يا ثوري ما ترى علي من ثوب إنما لبسته للناس، ثم اجتدب يد سفيان فجرها إليه، ثم رفع الثوب الأعلى وأخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا، فقال: هذا لبسته لنفسي وما رأيته للناس، ثم جذب ثوبا على سفيان اعلاه غليظ خشن وداخل ذلك الثوب ثوب لين، فقال: لبست هذا الأعلى للناس، ولبست هذا لنفسك تسرها.

____________________________

1 - قتر قترا وقتورا من بابي ضرب وقعد ضيق عليه في النفقة ومنه قتر على عياله إذا ضيق عليهم وأفتر اقتارا وقتر تقتيرا مثله.

 3 - في الحديث فأرسلت السماء عزاليها أي افواهها والعزالي بفتح اللام وكسرها جمع العزلاء مثل الحمراء وهرفم المزادة فقوله أرسلت السماء عزاليها يريد شدة وقع المطر على التشبيه نزوله من افواه المزادة ومثله وان الدنيا بعد ذلك ارخت عزاليها. 

[ 192 ]

وعنه عليه السلام: أنه كان متكئا على بعض أصحابه فلقيه عباد بن كثير وعليه ثياب مروية حسان، فقال: يا أبا عبد الله إنك من أهل بيت نبوة، وكان أبوك، (1) وكان فما لهذه الثياب المروية عليك ؟ فلو لبست دون هذه الثياب، المروية عليك فقال له ويلك يا عباد من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) إن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يراها عليه ليس بها بأس، ويلك يا عباد إنما أنا بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تؤذوني، وكان عباد يلبس ثوبين من قطن. وعنه عليه السلام: أنه قيل له: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيد ؟ فقال له إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا إذا قام لبس لباس علي وسار بسيرته. أقول: وفي رواية اخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه علل خشونة مطعمه وملبسه بأن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ (2) بالفقير فقره. قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا: بالأصالة وأما مشاركة الكفار لهم فيها فتبع. خالصة يوم القيامة: لا يشاركهم فيها غيرهم، وقرء بالرفع. في الكافي: عن الصادق عليه السلام بعد أن ذكر أنهار الأرض فما سقت واستقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي أوسع فيما بين ذه وذه يعني فيما بين السماء والأرض، ثم تلا هذه الآية: (قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا) المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب.

____________________________

1 - وكان أبوك وكان يعني كان زاهدا وكان يلبس الخشن وكان تاركا لنعم الدنيا يعني بأبيه امير المؤمنين (عليه السلام) وفي بعض النسخ قطوتين مكان قطن في آخر الحديث وهو بالمهملة ضرب من البرود منه.

 2 - في الحديث ان الله فرض على أئمة العدل (الخ) اي تهيج به تبيغ عليه الامر اختلط والدم هاج وغلب واللبن كثر. 

[ 193 ]

وفي الأمالي: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث واعلموا يا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال الله: (قل من حرم زينة الله الآية، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت. شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، وأصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل. كذ لك نفصل الآيات لقوم يعلمون: أي كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لهم. (33) قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاءثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. في الكافي، والعياشي: عن الكاظم عليه السلام فأما قوله: (ما ظهر منها) يعني الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر الفواحش في الجاهلية، وأما قوله عز وجل: (وما بطن) يعني ما نكح من أزواج الآباء لأن الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله إذا كان للرجل زوجة ومات عنها تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن امه فحرم الله عز وجل ذلك، وأما (الأثم) فإنها الخمر بعينها، وقد قال الله عز وجل في موضع آخر: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس) فأما الأثم في كتاب الله: فهي الخمر والميسر، واثمهما كبير. وزاد العياشي بعد قوله: (والميسر) أخيرا فهي النرد، قال: (واثمهما كبير) وأما قوله: (والبغي) فهي الزنا سرا. أقول: وربما يعمم الفواحش لكل ما تزايد قبحه ما علن منها، وما خفي، ويعمم الأثم لكل ذنب، ويفسر البغي بالظلم والكبر ويجعل بغير الحق تأكيدا، وما لم ينزل

[ 194 ]

به سلطانا تهكما إذ لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام إن القرآن له ظهر وبطن فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك: أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك: أئمة الحق. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون: أي تتقولوا وتفتروا. وفي الخصال: عنه عليه السلام إياك وخصلتين فيهما هلك من هلك، إياك أن تفتي الناس برأيك، وتدين بما لا تعلم. وفي رواية اخرى: أن تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم. وفيه، وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام أنه سئل ما حجة الله على العباد ؟ فقال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عندما لا يعلمون. وفي الفقيه: عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: يا بني لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم. وفي العيون: عنه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السموات والأرض. (34) ولكل أمة أجل: مدة أو وقت لنزول الموت والعذاب. فإذا جاء أجلهم: انقرضت مدتهم أو حان وقتهم. لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون: العياشي: عن الصادق عليه السلام هو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر (1). وفي الكافي: عنه عليه السلام تعد السنين ثم تعد الشهور، ثم تعد الأيام، ثم تعد النفس (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). (35) يا بنى آدم أما يأتينكم: ضمت - ما - إلى إن الشرطية تأكيدا لمعنى الشرط. رسل منكم: من جنسكم. يقصون عليكم آياتى فمن اتقى: التكذيب منكم. وأصلح:

____________________________

1 - لعل مرجع الضمير المستتر الملائكة الموكلون بالآجال وهم ملك الموت وأعوانه المعبر عنهم بالرسل. 

[ 195 ]

عمله. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (36) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون: قيل: إدخال - الفاء - في الجزاء الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد. (37) فمن أظلم: أشنع ظلما. ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته: تقول عليه ما لم يقله أو كذب ما قاله. أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب: مما كتبت لهم من الأرزاق والآجال. والقمي: أي ينالهم ما في كتابنا من عقوبات المعاصي. حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم: (حتى) غاية لنيلهم نصيبهم وإستيفائهم إياه أي إلى وقت وفاتهم، وهي التي يبتدأ بعدها الكلام، والمراد بالرسل هنا: ملك الموت وأعوانه. قالوا: أي الرسل. أين ما كنتم تدعون من دون الله: أي الآلهة التي تعبدونها. قالوا ضلوا عنا: غابوا عنا. وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين: اعترفوا بأنهم لم يكونوا على شئ فيما كانوا عليه. (38) قال: أي قال الله تعالى لهم ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم: كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم. من الجن والانس: يعني كفار الأمم الماضية من النوعين. في النار: متعلق بادخلوا كلما دخلت أمة: في النار. لعنت أختها: التي ضلت بالأقتداء بها. حتى إذا أداركوا (1) فيها جميعا: أي تداركوا وتلاحقوا في النار. في الكافي: عن الباقر عليه السلام في حديث برأ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة، ولات حين نجاة. قالت أخراهم: منزلة وهم الأتباع والسفلة. لاوليهم: منزلة أي لأجلهم إذ الخطاب مع الله لا معهم، وهم القادة والرؤساء.

____________________________

1 - إدرك بعضهم بعضا أي خاصمه وجادله رجاء الفلج محركة أي الفوز والتخلص من العذاب فيفلتوا أي يطر عقلهم بغتة ويزلون ويسلب تدبيرهم فلا يهتدون سبيلا. 

[ 196 ]

في المجمع: عن الصادق عليه السلام يعني أئمة الجور. ربنا هؤلاء أضلونا: دعونا إلى الضلال وحملونا عليه. فاتهم عذابا ضعفا من النار: مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا. قال لكل ضعف: أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم. ولكن لا تعلمون: ما لكل، وقرء بالياء على الأنفصال. (39) وقالت أوليهم لأخريهم: مخاطبين لهم. فما كان لكم علينا من فضل: عطفوا كلامهم على قول الله سبحانه للأتباع لكل ضعف، أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق الضعف. فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون: القمي: قال: شماتة بهم. (40) إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها: أي عن الأيمان بها. لا تفتح لهم أبواب السماء: لأدعيتهم وأعمالهم، ولنزول البركة عليهم، ولصعود أرواحهم إذا ماتوا. في المجمع: عن الباقر عليه السلام أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء فتفتح لهم أبوابها، وأما الكافر فيصعد بعمله وروحه حتى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد اهبطوا إلى سجين، وهو واد بحضرموت (1) يقال له: برهوت (2) ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط: أي لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدا من ولوج الجمل الذي لا يلج إلا في باب واسع في ثقب الأبرة. وكذ لك: مثل ذلك الجزاء الفضيع. نجزى المجرمين. (41) لهم من جهنم مهاد: فراش. ومن فوقهم غواش: أغطية. وكذلك نجزى الظالمين. (42) والذين ءامنوا وعملوا الصالحت لا نكلف نفسا إلا وسعها: اعتراض بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم. أولئك

____________________________

1 - حضرموت بضم الميم بلد وقبيلة ويقال هذا حضرموت ويضاف فيقال حضرموت بضم الراء وان شئت لا تنون الثاني والتصغير حضيرموت.

 2 - برهوت محركة وبالضم بئراوواد أو بلد. 

[ 197 ]

أصحاب الجنة هم فيها خلدون. (43) ونزعنا ما في صدورهم من غل: على إخوانهم في الدنيا فسلمت قلوبهم وطهرت من الحقد والحسد والشحناء، ولم يكن منهم إلا التعاطف والتراحم والتواد. القمي: عن الباقر عليه السلام العداوة تنزع منهم أي من المؤمنين في الجنة. تجرى من تحتهم الاءنهار وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله: في الكافي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية إذا كان يوم القيامة دعي بالنبي وأمير المؤمنين، وبالأئمة عليهم السلام فينصبون للناس فإذا رأتهم شيعتهم قالوا: (الحمد لله الذى هدانا لهذا) الآية، في ولاية أمير المؤمنين، والأئمة عليهم السلام من ولده. لقد جاءت رسل ربنا بالحق: فاهتدينا بإرشادهم، يقولون ذلك: اغتباطا وتبجحا (1) إذ صار علم يقينهم في الدنيا عين يقينهم في الآخرة. ونودوا أن تلكم الجنة: إذا رأوها. أورثتموها بما كنتم تعملون. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فيرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة فذلك قوله: (أورثتموها بما كنتم تعملون). (44) ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا: قالوا: تبجحا بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسرا لهم، وإنما لم يقل: ما وعدكم كما قال: ما وعدنا لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم كالبعث والحساب ونعيم الجنة لأهلها. قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن: وقرء - أن - بالتشديد. لعنة الله على الظالمين: في الكافي، والقمي: عن الكاظم، والعياشي: عن الرضا عليهما السلام المؤذن: أمير المؤمنين وزاد القمي يؤذن أذانا يسمع الخلائق.

____________________________

1 - البجح بتقديم الباء ثم الجيم ثم الحاء محركة الفرح. 

[ 198 ]

وفي المجمع، والمعاني: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنا ذلك المؤذن. (45) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم عوجا: زيغا وميلا عما هو عليه. وهم بالآخرة كافرون. (46) وبينهما حجاب: أي بين الفريقين لقوله: (فضرب بينهم بسور) أو بين الجنة والنار ليمنع وصول إحداهما إلى الاخرى. وعلى الاءعراف: أعراف الحجاب أي أعاليه. رجال: من الموحدين العارفين المعروفين. يعرفون كلا: من أهل الجنة والنار. بسيماهم: بعلامتهم التي أعلمهم الله بها لأنهم من المتوسمين أهل الفراسة. في المجمع، والجوامع: عن أمير المؤمنين عليه السلام نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار. وفيهما، والقمي: عن الصادق عليه السلام الأعراف: كثبان (1) بين الجنة والنار، والرجال: الأئمة ويأتي تمام الحديث. وفي الكافي: عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية نحن على الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله عز وجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف يوقفنا الله عز وجل يوم القيامة على الصراط فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه. ومثله في البصاير، والأحتجاج: إلا أنه قال: نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار فلا يدخل الجنة الحديث.. وزاد في آخره وذلك بأن الله تبارك وتعالى لو شاء عرف الناس نفسه حتى يعرفوا حده ويأتوه من بابه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله، وبابه الذي يؤتى منه.

____________________________

1 - انكثب الرمل أي اجتمع وكل ما انصب في شئ فقد انكثب فيه ومنه سمي الكثيب من الرمل لانه انصب في مكان واجتمع فيه والجمع الكثبان وهي تلال الرمل. 

[ 199 ]

والعياشي: ما يقرب منه. وعن سلمان: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقول لعلي عليه السلام: أكثر من عشر مرات يا علي إنك والأوصياء من بعدك أعراف بين الجنة والنار، ولا يدخل الجنة إلا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلا من أنكركم وأنكرتموه. وعن الباقر عليه السلام: هم آل محمد عليهم السلام لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه. ورواه في المجمع أيضا. وفي البصائر: عنه عليه السلام الرجال: هم الأئمة من آل محمد عليهم السلام، والأعراف: صراط بين الجنة والنار، فمن شفع له الأئمة منا من المؤمنين المذنبين نجا، ومن لم يشفعوا له هوى فيه. وعنه عليه السلام: قال: نحن أولئك الرجال، الأئمة منا يعرفون من يدخل النار، ومن يدخل الجنة كما تعرفون في قبايلكم الرجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح. والأخبار في هذا المعنى كثيرة وزاد في بعضها لأنهم عرفاء العباد عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق عليهم بالطاعة فوضعهم في كتابه فقال: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) وهم الشهداء على الناس والنبيون شهداؤهم بأخذهم (1) لهم مواثيق العباد بالطاعة. والقمي: عن الصادق عليه السلام كل أمة يحاسبها إمام زمانها ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم وهو قوله: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) فيعطوا (2) أوليائهم كتابهم بيمينهم فيمروا الى الجنة بلا حساب، ويعطوا أعدائهم كتابهم بشمالهم فيمروا إلى النار بلا حساب. وفي البصائر، والقمي: عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال:

____________________________

1 - أي بأخذ النبيين للائمة عليهم السلام.

 2 - سقوط النون من يعطوا وما بعده من الافعال لعله من جهة انجزامها جوابا لشرط مقدر أي إذا عرفوا وحوسبوا فيعطوا. 

[ 200 ]

إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم الأعمال وأنهم لكما قال الله عز وجل. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عنهم فقال: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنة فبرحمته. وفي رواية العياشي: وإن أدخلهم الله الجنة فبرحمته وإن عذبهم لم يظلمهم. أقول: لا منافاة بين هاتين الروايتين، وبين ما تقدمهما من الأخبار كما زعمه الأكثرون، لأن هؤلاء القوم يكونون مع الرجال الذين على الأعراف وكلاهما أصحاب الأعراف، يدل على ما قلناه صريحا حديث الجوامع. والقمي، والآيتان في آخر هذه الآيات فإنهما يدلان على أنه يكون على الأعراف الأئمة مع مذنبي أهل زمانهم من شيعتهم، والوجه في إطلاق لفظ الأعراف على الأئمة كما ورد في عدة من الأخبار التي سبقت: أن الأعراف إن كان اشتقاقها من المعرفة فالأنبياء والأوصياء هم العارفون والمعروفون والمعرفون الله والناس للناس في هذه النشأة وإن كان من العرف (1) بمعنى المكان العالي المرتفع فهم الذين من فرط معرفتهم وشدة بصيرتهم كأنهم في مكان عال مرتفع ينظرون إلى سائر الناس في درجاتهم ودركاتهم ويميزون السعداء عن الأشقياء على معرفة منهم بهم وهم بعد في هذه النشأة، وكذلك بعض من سار سيرتهم من شيعتهم كما يدل عليه حديث حارثة بن النعمان الذي كان ينظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة، وإلى أهل النار يتعاوون في النار وكان بعد في الدنيا، وحديثه مروي في الكافي ونادوا: يعني ونادى أصحاب الأعراف أريد بهم من كان من الأئمة عليهم السلام على الأعراف من مذنبي شيعتهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم. أصحاب الجنة أن سلام عليكم: أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم. لم يدخلوها وهم يطمعون.

____________________________

1 - العرف الرمل والمكان المرتفعان ويضم راؤه كالعرفة بالضم. 

[ 201 ]

(47) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: تعوذا بالله. ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين: أي في النار. وفي المجمع: أن في قراءة الصادق عليه السلام قالوا ربنا عائذا بك أن تجعلنا مع القوم الظالمين. (48) ونادى أصحاب الاءعراف: أي الأئمة. رجالا يعرفونهم بسيماهم: من رؤساء الكفار. قالوا ما أغنى عنكم جمعكم: في الدنيا. وما كنتم تستكبرون: عن الحق. (49) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة: من تتمة قول الأئمة للرجال والأشارة إلى شيعتهم الذين كانوا معهم على الأعراف الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة. ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون: أي فالتفتوا إلى أصحابهم، وقالوا لهم: ادخلوها لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. في الجوامع: عن الصادق عليه السلام الأعراف كثبان بين الجنة والنار يوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من أهل زمانه كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده وقد سبق المحسنون إلى الجنة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا إلى الجنة فيسلم عليهم المذنبون وذلك قوله: (سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأمام عليه السلام وينظر هؤلاء إلى أهل النار فيقولون: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين). وينادي أصحاب الأعراف وهم الأنبياء والخلفاء رجالا من أهل النار ورؤساء الكفار يقولون لهم: مقرعين (ما أغنى عنكم جمعكم) واستكباركم (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) إشارة لهم إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء يستضعفونهم ويحتقرونهن بفقرهم، ويستطيلون عليهم بدنياهم، ويقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة (ادخلوا الجنة) يقول أصحاب الأعراف لهؤلاء المستضعفين: عن أمر من أمر الله عز وجل لهم بذلك: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) أي لا خائفين ولا محزونين.

[ 202 ]

والقمي: عنه عليه السلام الأعراف: كثبان بين الجنة والنار، والرجال: الأئمة عليهم السلام يقفون على الأعراف مع شيعتهم، وقد سبق المؤمنون إلى الجنة فيقول الأئمة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: انظروا إلى إخوانكم في الجنة وقد سبقوا إليها بلا حساب، وهو قول الله تعالى: (سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) ثم يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النار، وهو قوله: (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم) في النار فقالوا: (ما أغنى عنكم جمعكم) في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) ثم يقولون لمن في النار من أعدائهم هؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا (لا ينالهم الله برحمة)، ثم يقول الأئمة لشيعتهم: (ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون). (50) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء: أي صبوه وذلك لأن الجنة فوق النار. أو مما رزقكم الله: من الأطعمة والفواكه. العياشي: عن أحدهما عليهما السلام قال: إن أهل النار يموتون عطاشا، ويدخلون قبورهم عطاشا، ويدخلون جهنم عطاشا، فيرفع لهم قراباتهم من الجنة فيقولون: (أفضيوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله). وعن الصادق عليه السلام: يوم التناد: يوم ينادي أهل النار أهل الجنة (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله). قالوا إن الله حرمهما: حرم شراب الجنة وطعامها. على الكافرين. (51) الذين اتخذوا دينهم: الذي كان يلزمهم التدين به لهوا ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا: فحرموا ما شاؤا واستحلوا ما شاؤا. فاليوم ننسيهم كما نسوا لقاء يومهم هذا: في العيون: عن الرضا عليه السلام: في حديث أي نتركهم كما تركوا الأستعداد للقاء يومهم هذا، وقال: إنما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم كما قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون). وفي التوحيد: عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياء الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به، وبرسله وخافوه في الغيب، وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا أي أنه لا يأمر لهم

[ 203 ]

بخير ولا يذكرهم به. وما كانوا بآياتنا يجحدون: وكما كانوا منكرين لآياتنا. (52) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه: بينا معانيه من العقائد، والأحكام، والمواعظ، مفصلة. على علم: عالمين بوجه تفصيله حتى جاء (1) حكيما. هدى ورحمة لقوم يؤمنون. (53) هل ينظرون: هل ينتظرون. إلا تأويله: ما يؤل إليه أمره من تبيين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد. يوم يأتي تأويله: قيل: يوم القيامة. والقمي: ذلك في قيام القائم ويوم القيامة. يقول الذين نسوه من قبل: تركوه ترك الناسي. قد جاءت رسل ربنا بالحق: قد تبين أنهم جاؤوا بالحق. فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنآ: اليوم. أو نرد: إلى الدنيا. فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم: بصرف أعمالهم في الكفر. وضل عنهم ما كانوا يفترون: بطل عنهم فلم ينفعهم. (54) إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام القمي: قال: في ستة أوقات. وفي الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الأناة والمداراة مثالا لأمنائه وإيجابا للحجة على خلقه. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام: وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر على الملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ فيستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى مرة بعد مرة. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: إن الله خلق الخير يوم الأحد، وما كان ليخلق الشر قبل الخير، وفي الأحد والأثنين خلق الأرضين، وخلق أقواتها يوم الثلاثاء، وخلق السموات يوم الأربعاء ويوم الخميس، وخلق أقواتها يوم الجمعة، وذلك قوله تعالى: (خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام). أقول: هذه الآية مشتملة على قوله: (وما بينهما) إنما هي في سورة الفرقان، وفي سورة

____________________________

1 - أي محكما وخالصا من كل خلل وقدح ومعجزا ثابتا باقيا على وجه الدهر. 

[ 204 ]

السجدة التالية للقمان ويستفاد منها ومن هذا الحديث وأمثاله مما ورد من هذا القبيل أن ما بينهما أيضا داخل في المقصود من الآية التي نحن بصدد تفسيرها. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: أن الله تبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام ثم اختزلها (1) عن أيام السنة، والسنة ثلاثمأة وأربعة وخمسون يوما. وفي الفقيه، والتهذيب: عنه عليه السلام إن الله تعالى خلق السنة ثلثمأة وستين يوما، وخلق السموات والأرض في ستة أيام فحجزها (2) من ثلاثمأة وستين يوما فالسنة ثلاثمأة وأربعة وخمسون يوما، الحديث. وفي الخصال، والعياشي: عن الباقر عليه السلام ما يقرب منه. أن قيل: ان الأيام إنما تتقدر وتتمايز بحركة الفلك فكيف خلقت السموات والأرض في الأيام المتمايزة قبل تمايزها. قلنا: مناط تمايز الأيام وتقدرها إنما هو حركة الفلك الأعلى دون السموات السبع والمخلوق في الأيام المتمايزة إنما هو السموات السبع والأرض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك خلاء لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع. وليعلم إن هذه الآية وأمثال هذه الأخبار من المتشابهات التي تأويلها عند الراسخين في العلم. ثم استوى على العرش: في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام استوى تدبيره وعلا أمره. وعن الكاظم عليه السلام: استولى على ما دق وجل. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: استوى على كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، وفي رواية اخرى استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ. وفي اخرى استوى في كل شئ فليس أقرب إليه من شئ لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب استوى في كل شئ. أقول: قد يراد بالعرش الجسم المحيط بجميع الأجسام، وقد يراد به ذلك الجسم

____________________________

1 - انخزل الشئ أي انقطع والاختزال الانقطاع.

 2 - أي فصلها عنها وجعل في طرف منها كالحاشية للشئ. 

[ 205 ]

مع جميع ما فيه من الأجسام أعني العالم الجسماني بتمامه، وقد يراد به ذلك المجموع مع جميع ما يتوسط بينه وبين الله سبحانه من الأرواح التي لا تتقوم الأجسام إلا بها أعني العوالم كلها بملكها وملكوتها وجبروتها. وبالجملة ما سوى الله عز وجل، وقد يراد به علم الله سبحانه المتعلق بما سواه، وقد يراد به علم الله سبحانه الذي اطلع عليه أنبياءه ورسله وحججه وقد وقعت الأشارة إلى كل منها في كلامهم، وربما يفسر بالملك والأستواء بالإحتواء كما يأتي في سورة طه، ويرجع إلى ما ذكر. ثم أقول: فسر الصادق عليه السلام الإستواء في روايات الكافي: باستواء النسبة والعرش بمجموع الأشياء وضمن الأستواء في الرواية الاولى ما يتعدى بعلى كالأستيلاء والأشراف ونحوهما لموافقة القرآن فيصير المعنى استوى نسبته إلى كل شئ حال كونه مستوليا على الكل ففي الآية دلالة على نفي المكان عنه سبحانه خلاف ما يفهمه الجمهور منها، وفيها أيضا إشارة إلى معيته القيومية واتصاله المعنوي بكل شئ على السواء على الوجه الذي لا ينافي أحديته وقدس جلاله وإلى إفاضة الرحمة العامة على الجميع على نسبة واحدة وإحاطة علمه بالكل بنحو واحد وقربه من كل شئ على نهج سواء وأتى بلفظة (من) في الرواية الثانية تحقيقا لمعنى الأستواء في القرب والبعد وبلفظة في الثالثة تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه، وأما اختلاف المقربين كالأنبياء والأولياء مع المبعدين كالشياطين والكفار في القرب والبعد فليس ذلك من قبله سبحانه بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها. وفي التوحيد: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الجاثليق قال: إن الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما يظن كهيئة السرير، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر وربك عز وجل مالكه لا أنه عليه ككون الشئ على الشئ. يغشى الليل النهار: يغطيه به، وقرء بالتشديد. يطلبه حثيثا: يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شئ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره: وقرء برفع الكل. ألا له الخلق: عالم الأجسام. والأمر: عالم الأرواح. تبارك الله رب العلمين: تعالى بالوحدانية في الالوهية، وتعظم بالفردانية في الربوبية. (55) أدعوا ربكم تضرعا وخفية ذوي تضرع وخفية فإن الأخفاء أقرب إلى

[ 206 ]

الأخلاص، وقرء بكسر الخاء. إنه لا يحب المعتدين: المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان في غزاة فأشرف على واد فجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم، فقال: يا أيها الناس اربعوا (1) على أنفسكم أما أنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا إنه معكم. وفي مصباح الشريعة: عن الصادق عليه السلام استعن بالله في جميع امورك متضرعا إليه آناء الليل والنهار، قال الله تعالى: (ادعوا ربك تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) والأعتداء من صفة قراء زماننا هذا وعلامتهم. (56) ولا تفسدوا في الارض: بالكفر والمعاصي. بعد إصلاحها: ببعث الأنبياء، وشرع الأحكام. في الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام أن الأرض كانت فاسدة فأصلحها الله بنبيه، فقال: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). والقمي: أصلحها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين عليه السلام. وادعوه خوفا وطمعا: ذوي خوف من الرد لقصور أعمالكم، وعدم استحقاقكم، وطمعا في إجابته تفضلا وإحسانا لفرط رحمته. إن رحمت الله قريب من المحسنين: ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوسل به إلى الأجابة. في الفقيه: في وصية النبي لعلي (صلوات الله وسلامه عليهما) يا علي من يخاف ساحرا أو شيطانا فليقرأ (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) الآية. وفي الكافي: عن أمير المؤمنين عليه السلام من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية (ان ربكم الله إلى قوله: (تبارك الله رب العالمين) حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين، قال: فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرء هذه الآية فتغشاه الشياطين فإذا

____________________________

1 - ربع كمنع وقف وانتظر وتحبس ومنه قولهم أربع عليك أو على نفسك أو على ظلعك. 

[ 207 ]

هو أخذ بخطمه (1) فقال له صاحبه: انظره واستيقظ الرجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك أحرسه الآن حتى يصبح فلما أصبح رجع إلى أمير المؤمنين فأخبره، وقال له رأيت في كلامك الشفاء والصدق، ومضى بعد طلوع الشمس فإذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعا في الأرض، الحديث. (57) وهو الذى يرسل الرياح نشرا جمع نشور بمعنى ناشر، وقرء بالتخفيف وبفتح النون، وبالباء مخففة جمع بشير. بين يدى رحمته: قدام رحمته يعني المطرفان الصبا (2) تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب يجلبه، والدبور يفرقه. حتى إذا أقلت: حملت. سحابا: سحائب. ثقالا: بالماء. سقناه لبلد ميت: لأحيائه، وقرء بتخفيف الياء. فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات: من كل أنواعها. كذلك نخرج الموتى: نحييهم ونخرجهم من الأجداث. لعلكم تذكرون: فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا. (58) والبلد الطيب: الأرض الكريمة التربة. يخرج نباته بإذن ربه: بأمره وتيسره، عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة (3) نفعه بقرينة المقابلة. والذى خبث: كالحرة (4) والسبخة (5). لا يخرج: نباته. إلا نكدا: قليلا عديم النفع. كذلك نصرف الآيات: نرددها ونكررها. لقوم يشكرون: نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها. قيل: الآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثر بها. والقمي: مثل للأئمة يخرج علمهم بإذن ربهم ولأعدائهم لا يخرج علمهم إلا كدرا

____________________________

1 - الخطم من كل دابة مقدم أنفه وفمه ومن كل طاير منقاره.

 2 - الصبا كعصا ريح تهب من مطلع الشمس وهي احد الارياح الاربعة وقيل الصبا التي من ظهرك إذا استقبلت القبلة والدبور عسكها والعرب تزعم أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه فإذا علا كشف عنه واستقبلته الصبا فوزعت بعضه على بعض حتى يصير كسفا واحدا والجنوب تلحق روادفه وتمده والشمال تزق السحاب وعن بعض أهل التحقيق الصبا محلها ما بين مطع الشمس والجدي في الاعتدال والشمال محلها من الجدي الى مغرب الشمس في الاعتدال والدبور من سهيل الى المغرب والجنوب من مطلع الشمس إليه.

 3 - غزر الماء بالضم غزارا غزارة كثر فهو غزير أي كثير.

 4 - الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها احرقت بالنار والجمع الجرار والحرات.

 5 - السبخة بالفتح واحدة السباخ وهي ارض مالحة يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الاشجار. 

[ 208 ]

فاسدا. وفي المناقب: قال عمرو بن العاص للحسين: ما بال لحاكم أوفر من لحانا فقرء هذه الآية. (59) لقد أرسلنا نوحا إلى قومه: جواب قسم محذوف. قيل: هو نوح بن ملك بن متوشلخ بن إدريس أول نبي بعده. والقمي: روى في الخبر أن اسم نوح عبد الغفار، وإنما سمي نوحا لأنه كان ينوح على نفسه. وفي العلل: عن الصادق عليه السلام مثله، قال: وفي رواية اسمه عبد الأعلى. وفي اخرى عبد الملك. وفي رواية إنما سمي نوحا لأنه بكى خمسمأة عام. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام في حديث إن آدم عليه السلام بشر بنوح عليه السلام وأنه يدعو إلى الله ويكذبه قومه فيهلكهم الله بالطوفان وأوصى ولده أن من أدركه منكم فليؤمن به وليتبعه فإنه ينجو من الغرق، وكان بينهما عشرة آباء أنبياء وأوصياء، وكانوا مستخفين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن. وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام كانت شريعة نوح أن يعبد الله بالتوحيد، والأخلاص، وخلع الأنداد، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، وأخذ الله ميثاقه على نوح والنبيين أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي على المنكر والحلال والحرام ولم يفرض عليهم أحكام حدود، ولا فرض مواريث، فهذه شريعته. فقال يا قوم اعبدوا الله: اعبدوه وحده. ما لكم من إله غيره: وقرء بالجر. إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم: إن لم تؤمنوا. و (اليوم): يوم القيامة، أو يوم الطوفان. (60) قال الملأ. من قومه: أي الأشراف. إنا لنريك في ضلال: متمكنا في ذهاب عن الحق والصواب. مبين: بين. (61) قال يا قوم ليس بى ضلالة: شئ من الضلال بالغ في النفي كما بالغوا في الأثبات. ولكني رسول من رب العالمين: على غاية من الهدى. (62) أبلغكم رسالات ربى: ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، وفي المعاني المختلفة،

[ 209 ]

وقرء ابلغكم بالتخفيف، ورسالة بالوحدة. وأنصح لكم: في زيادة اللام دلالة على إمحاض النصيحة. وأعلم من الله: من صفاته وشدة بطشه أو من جهته بالوحي. ما لا تعلمون: أشياء لا علم لكم بها. (63) أوعجبتم: الهمزة للأنكار، والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم. أن جاءكم: من إن جاءكم. ذكر من ربكم: موعظة منه. على رجل: على لسان رجل. منكم: وذلك أنهم تعجبوا من إرسال البشر. لينذركم: ليحذركم عاقبة الكفر والمعاصي. ولتتقوا: بسبب الأنذار. ولعلكم ترحمون: بالتقوى. (64) فكذبوه فأنجيناه والذين معه: وهم من آمن به. في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا: بالطوفان. إنهم كانوا قوما عمين: عمى القلب غير متبصرين، وأصله عميين ويأتي قصة نوح عليه السلام في سورة هود إن شاء الله. (65) وإلى عاد: وأرسلنا إلى عاد. أخاهم هودا: يعني بالأخ الواحد منهم كقولهم: يا أخا العرب للواحد منهم. والعياشي: عن السجاد عليه السلام إنه قيل له: إن جدك قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم، فقال: ويلك أما تقرأ القرآن ؟ (وإلى عاد أخاهم هودا، وإلى مدين أخاهم شعيبا، وإلى ثمود أخاهم صالحا) فهم مثلهم وكانوا إخوانهم في عشيرتهم وليسوا إخوانهم في دينهم. وفي رواية اخرى: قال: فأهلك الله عادا وأنجى هودا، وأهلك الله ثمودا وأنجى صالحا. وفي الأحتجاج: ما يقرب من الروايتين. قيل: إنما جعل واحدا منهم ليكونوا إليه أسكن، وعنه أفهم وهو من ولد سام بن نوح كما أن عاد، كذلك وقيل: عاد جد هود. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام في حديث وبشر نوح ساما بهود وقال: إن الله باعث نبيا يقال له: هود، وإنه يدعو قومه إلى الله فيكذبونه فيهلكهم بالريح فمن أدركه منهم فليؤمن به وليتبعه وكان بينهما أنبياء. وفي الأكمال: عن الصادق عليه السلام لما حضرت نوحا الوفاة دعا الشيعة فقال

[ 210 ]

لهم: إعلموا أنه سيكون من بعدي غيبة يظهر فيها الطواغيت، وأن الله عز وجل سيفرج عليكم بالقائم من ولدي اسمه هود له سمت (1) وسكينة ووقار يشبهني في خلقي وخلقي. وعنه عليه السلام: إن هودا لما بعث سلم له العقب من ولد سام، وأما الآخرون فقالوا: من أشد منا قوة فاهلكوا بالريح العقيم، وأوصاهم هود، وبشرهم بصالح. وفيه عن الباقر عليه السلام: إن الأنبياء بعثوا خاصة وعامة، وأما هود: فإنه أرسل إلى عاد بنبوة خاصة. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون: عذاب الله. (66) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنريك في سفاهة: متمكنا في خفة عقل راسخا فيها حيث فارقت دين قومك. وإنا لنظنك من الكاذبين. (67) قال يا قوم ليس بى سفاهة ولكني رسول من رب العلمين. (68) أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح: فيما أدعوكم من توحيد الله وطاعته. أمين: ثقة مأمون في تأدية الرسالة فلا أكذب ولا أغير. (69) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم: مضى تفسيره، وفي إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا، والأعراض عن مقابلتهم بمثلها مع علمهم بأنهم أضل الخلق، وأسفههم أدب حسن، وحكاية الله ذلك تعليم لعباده كيف يخاطفون السفهاء ويدارونهم. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح: أي خلفتموهم في الأرض بعد هلاكهم بالعصيان. وزادكم في الخلق بصطة: قامة وقوة. في المجمع: عن الباقر عليه السلام كانوا كالنخل الطوال، وكان الرجل منهم

____________________________

1 - السمت عبارة عن الحالة التي يكون عليها الانسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة النظر والهيئة. 

[ 211 ]

ينحر (1) الجبل بيده فيهدم منه قطعة. فاذكروا الآء الله لعلكم تفلحون: لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى الشكر المؤدي إلى الفلاح. في الكافي: عن الصادق عليه السلام أتدري ما آلاء الله ؟ قيل: لا، قال: هي أعظم نعم الله على خلقه، وهي ولايتنا. (70) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آبآؤنا: استبعدوا اختصاص الله تعالى بالعبادة، والأعراض عما أشرك به آباؤهم وانهماكا في التقليد، وحبا لما ألفوه. فأتنا بما تعدنا: من العذاب المدلول عليه بقوله: (أفلا تتقون). إن كنت من الصادقين: فيه. (71) قال قد وقع: وجب. عليكم من ربكم رجس: عذاب، من الأرتجاس وهو الاضطراب. وغضب: إرادة انتقام. أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم: في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم سميتموها آلهة، ومعنى الالهية فيها معدوم ونحوه ما تدعون من دونه من شئ. ما نزل الله بها من سلطان: من حجة، ولو استحقت للعبادة لكان استحقاقها بإنزال آية من الله ونصب حجة منه. فانتظروا: نزول العذاب. إنى معكم من المنتظرين. (72) فأنجيناه والذين معه: في الدين. برحمة منا: عليهم. وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين: يعني استأصلناهم وكان ذلك بأن أنشأ الله سبحانه سحابة سوداء زعموا أنها ممطرهم فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم. وفي الكافي، والقمي: عن الباقر عليه السلام الريح العقيم: تخرج من تحت الأرضين السبع، وما خرجت منها ريح قط إلا على قوم عاد حين غضب الله عليهم فأمر الخزان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم فعتت (2) على الخزان فخرج منها على مقدار منخر الثور تغيظا منها على قوم عاد، فضج الخزنة إلى الله تعالى من ذلك فقالوا: يا ربنا إنها قد عتت عن أمرنا

____________________________

1 - انتحر القوم على الشئ إذا تشاحوا عليه حرصا وتنافروا في القتال أي تقابلوا.

 2 - أي جاوزت الريح حد سعة الخاتم وانسلب الاخيار من الخزان. 

[ 212 ]

ونحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك وعمار بلادك، فبعث الله إليها جبرئيل فردها بجناحه فقال لها: إخرجي على ما أمرت به وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم. وفي المجمع: عنه عليه السلام إن لله تبارك وتعالى بيت ريح مقفل لو فتحت لأذرئت (1) ما بين السماء والأرض ما أرسل على قوم عاد إلا قدر الخاتم، قال: وكان هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل ونبينا يتكلمون بالعربية، ويأتي تمام قصة هود في سورة هود إنشاء الله. (73) وإلى ثمود: وأرسلنا إلى ثمود. أخاهم صالحا: هم قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود، بن عابر بن آدم بن سام بن نوح وصالح من ولد ثمود. وفي الأكمال: عن الباقر عليه السلام وأما صالح فإنه أرسل إلى ثمود، وهي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر صغيرة. قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم: معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي. هذه ناقة الله لكم آية: أضافها إلى الله لأنها خلقت بلا واسطة، ولذلك كانت آية. فذروها تأكل في أرض الله: العشب. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. (74) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا: في المجمع: يروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا في الجبال بيوتا لأن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. فاذكروا الآء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين: أي ولا تبالغوا في الفساد. (75) قال الملاء الذين استكبروا: أنفوا من اتباعه. من قومه للذين استضعفوا: للذين استضعفوهم واستذلوهم. لمن آمن منهم: بدل من الذين. أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه: قالوه على الأستهزاء. قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون.

____________________________

1 - ذررت الجسد والملح والدواء أذره ذرا فرقته ومنه الذربرة. 

[ 213 ]

(76) قال الذين استكبروا إنا بالذئ امنتم به كافرون. (77) فعقروا الناقة: أسند العقر إلى جميعهم وإن لم يعقرها إلا بعضهم لأنه كان برضاهم. وعتوا عن أمر ربهم: تولوا واستكبروا عن امتثاله عاتين، وهو ما أمر به على لسان صالح فذروها تأكل في أرض الله. وقالوا يصلح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. (78) فأخذتهم الرجفة: الزلزلة، وفي سورة هود: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة)، وفي سورة الحجر: (فأخذتهم الصيحة) ولعلها كانت من مباديها. القمي: فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا. فأصبحوا في دارهم جاثمين: خامدين ميتين لا يتحركون، يقال: الناس جثم أي قعود لا حراك بهم، وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. (79) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين: قال: ذلك متحسرا على ما فاته من إيمانهم متحزنا لهم بعدما أبصرهم موتى صرعى. في الكافي: عن الباقر عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل جبرئيل عليه السلام كيف كان مهلك قوم صالح ؟ فقال: يا محمد إن صالحا بعث إلى قومه، وهو ابن ست عشرة سنة فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومأة سنة لا يجيبونه إلى خير، قال: وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم إني بعثت إليكم وأنا ابن ست عشرة سنة، وقد بلغت عشرين ومأة سنة، وأنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم فاسئلوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة، وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم فقد سئمتكم وسئمتموني. فقالوا: قد أنصفت يا صالح، فاتعدوا ليوم يخرجون فيه قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا فلما ان فرغوا دعوه، وقالوا: يا صالح سل. فقال لكبيرهم: ما اسم هذا ؟ قالوا: فلان. فقال له صالح: يا فلان أجب فلم يجبه، فقال صالح: ما له لا يجيب ؟ قالوا ادع غيره.

[ 214 ]

قال: فدعاه كلها بأسمائها فلم يجبه منها شئ، فأقبلوا إلى أصنامهم فقالوا لها: مالك لا تجيبين صالحا ؟ فلم تجب، فقالوا: تنح عنا ودعنا وآلهتنا ساعة، ثم نحوا بسطهم وفرشهم، ونحوا ثيابهم وتمرغوا على التراب وطرحوا التراب على رؤوسهم وقالوا لأصنامهم: لئن لم تجيبي صالحا اليوم لنفضحن، قال: ثم دعوه فقالوا: يا صالح ادعها فدعاها فلم تجبه. فقال لهم: يا قوم قد ذهب صدر النهار ولا أرى آلهتكم تجيبني فاسئلوني حتى أدعوا إلهي فيجيبكم الساعة فانتدب له منهم سبعون رجلا من كبرائهم والمنظور إليهم منهم. فقالوا: يا صالح نحن نسألك فإن أجابك ربك اتبعناك وأجبناك ويبايعك جميع أهل قريتنا. فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم ؟ فقالوا: تقدم بنا إلى هذا الجبل، وكان الجبل قريبا منهم فانطلق معهم صالح فلما انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا من هذا الجبل الساعة ناقة حمراء، شقراء، وبراء، وعشراء، بين جنبيها ميل. فقال لهم صالح: لقد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي تعالى. قال: فسأل الله تعالى صالح ذلك، فانصدع الجبل صدعا كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك، ثم اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا كالمرأة إذا أخذها المخاض، ثم لم يفجأهم إلا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع فما استتمت رقبتها حتى اجترت (1)، ثم خرج سائر جسدها، ثم استوت قائمة على الأرض، فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك، ادع لنا ربك يخرج لنا فصيلها فسأل الله ذلك فرمت به فدب حولها. فقال لهم: يا قوم أبقى شئ ؟ قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا وهم يؤمنون بك. قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا، وقالوا:

____________________________

1 - اجتر البعير بالجيم والراء المهملة اكل ثانيا ما اخرجه مما اكله أولا منه رحمه الله. 

[ 215 ]

سحر وكذب. قال: فانتهوا إلى الجميع وقال الستة: حق، وقال الجميع: سحر وكذب. قال: فانصرفوا على ذلك، ثم ارتاب من الستة واحد فكان فيمن عقرها، قال الراوي: فحدثت بهذا الحديث رجلا من أصحابنا يقال له: سعيد بن يزيد، فأخبرني أنه رأى الجبل الذي خرجت منه بالشام، فرأيت جنبها قد حك الجبل فأثر جنبها فيه، وجبل آخر بينه وبين هذا ميل. وعن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر) هذا فيما كذبوا صالحا، وما أهلك الله تعالى قوما قط حتى يبعث إليهم قبل ذلك الرسل فيحتجوا عليهم فبعث الله إليهم صالحا فدعاهم إلى الله فلم يجيبوا وعتوا عليه وقالوا: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كل سنة، ويجتمعون عندها، فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيا رسولا فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء فأخرجها الله كما طلبوا منهم. ثم أوحى الله إليه أن يا صالح قل لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب يوم، ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت ذلك اليوم الماء فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم، ولم تشرب الناقة ذلك اليوم. فمكثوا بذلك إلى ما شاء الله، ثم أنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لها شرب يوم ولنا شرب يوم، ثم قالوا: من الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب، فجاء لهم رجل أحمر، أشقر أزرق ولد الزنا لا يعرف له أب، يقال له: قدار (1)، شقي من الأشقياء، مشؤوم عليهم، فجعلوا له جعلا فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتى شربت ذلك الماء وأقبلت راجعة فقعد

____________________________

1 - قال في مجمع البحرين وفي الحديث بئس العبد القاذورة وان الله يبغض العبد القاذورة القاذورة من الرجال = 

[ 216 ]

لها في طريقها فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا، فضربها ضربة اخرى فقتلها، وخرت إلى الأرض على جنبها وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل فرغا ثلاث مرات إلى السماء، وأقبل قوم صالح فلم يبق أحد منهم إلا شركه في ضربته، واقتسموا لحمها فيما بينهم ولم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها. فلما رآى ذلك صالح أقبل إليهم، فقال: يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم أعصيتم ربكم ؟ فأوحى الله إلى صالح أن قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم، ولم يكن عليهم منها ضرر، وكان لهم فيها أعظم المنفعة، فقل لهم: إني مرسل إليكم عذابي إلى ثلاثة أيام فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث. فأتاهم صالح عليه السلام فقال لهم: (يا قوم إني رسول ربكم إليكم) وهو يقول لكم: إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم، فلما قال لهم ذلك، كانوا أعتى ما كانوا وأخبث، وقالوا: (يا صالح إئتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)، قال: يا قوم إنكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني: وجوهكم محمرة، واليوم الثالث: وجوهكم مسودة. فلما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوههم مصفرة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح، ولا نقبل قوله، وإن كان عظيما، فلما كان اليوم الثاني: أصبحت وجوههم محمرة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح، ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها، ولم يتوبوا ولم يرجعوا. فلما كان اليوم الثالث: أصبحوا ووجوههم مسودة فمشى بعضهم إلى بعض وقال يا قوم قد آتيكم ما قال لكم صالح، فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصرخة أسماعهم وفلقت

____________________________

= الذي لا يبالي بما قال وما صنع والقاذورة السئ الخلق وكأن المراد به هنا الوسخ الذي لم يتنزه عن الاقذار وقد يطلق القاذورة على الفاحشة ورجل مقذار بخسه الناس انتهى والظاهر ان اسم هذا الملعون الشقي من هذه المادة. 

[ 217 ]

قلوبهم وصدعت أكبادهم، وقد كانوا في تلك الثلاثة الأيام قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم، فماتوا أجمعون في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق لهم ناعية ولا راعية [ ثاغية ولا راغية خ ل ] ولا شئ إلا أهلكه الله فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين، ثم أرسل الله عليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصتهم. والقمي: ما يقرب من بعض ما في الحديث في سورة هود. (80) ولوطا: وأرسلنا لوطا، أو واذكر لوطا، في الكافي: عن الصادق عليه السلام أن ام إبراهيم وأم لوط كانتا أختين وهما ابنتان لللاحج وكان اللاحج نبيا منذرا ولم يكن رسولا. وفي العلل، والعياشي: عن الباقر عليه السلام وكان لوط ابن خالة إبراهيم، وكانت سارة إمرأة إبراهيم اخت لوط، وكان لوط وإبراهيم نبيين منذرين. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام إن إبراهيم خرج من بلاد نمرود ومعه لوط لا يفارقه، وسارة إلى أن نزل بأعلى الشامات وخلف لوطا بأدنى الشامات. إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة: توبيخ وتقريع على تلك السيئة المتمادية في القبح. ما سبقكم بها من أحد من العالمين: ما فعلها قبلكم أحد قط. في الكافي، والعلل: عن أحدهما عليهما السلام في قوم لوط إن إبليس أتاهم في صورة حسنة فيه تأنيث، عليه ثياب حسنة فجاء إلى شبان منهم فأمرهم أن يقعوا به، ولو طلب إليهم أن يقع بهم لأبوا عليه، ولكن طلب إليهم أن يقعوا به، فلما وقعوا به التذوا ثم ذهب عنهم وتركهم فأحال بعضهم على بعض. وفي العيون: عن أمير المؤمنين عليه السلام إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس فإنه أمكن من نفسه. (81) إنكم لتأتون الرجال: من أتى المرأة إذا غشيها. شهوة من دون النساء: تاركين إتيان النساء اللاتي أباح الله إتيانهن، وقرءانكم على الأخبار المستأنف. بل أنتم قوم مسرفون: متجاوزون الحد في الفساد حتى تجاوزتم المعتاد إلى غير المعتاد. (82) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم أي ما جاؤا بما

[ 218 ]

يكون جوابا عن كلامه ولكنهم جاؤا بما لا يتعلق بكلامه ونصيحته من إخراجه ومن معه من قريتهم. إنهم أناس يتطهرون: من الفواحش والخبائث. (83) فأنجيناه: خلصنا لوطا. وأهله: المختصين به من الهلاك. إلا امرأته: وهي واهلة فإنها كانت تسر الكفر وتوالي أهل القرية. كانت من الغابرين: من الذين غبروا في ديارهم أي بقوا فيها فهلكوا. (84) وأمطرنا عليهم مطرا: نوعا من المطر عجبا وهي أمطار حجارة من سجيل كما يأتي في موضع آخر. فانظر كيف كان عاقبة المجرمين: في المجمع: عن الباقر عليه السلام إن لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، وكان نازلا فيهم ولم يكن منهم يدعوهم إلى الله وينهيهم عن الفواحش، ويحثهم على الطاعة فلم يجيبوه ولم يطيعوه، وكانوا لا يتطهرون من الجنابة، بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم البخل الداء الذي لا دواء له في فروجهم، وذلك أنهم كانوا على طريق السيارة إلى الشام ومصر، وكان ينزل بهم الضيفان فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضيف فضحوه، وإنما فعلوا ذلك لينكل النازلة عليهم من غير شهوة بهم إلى ذلك فأوردهم البخل هذا الداء حتى صاروا يطلبونه من الرجال ويعطون عليه الجعل، وكان لوط سخيا كريما يقري الضيف إذا نزل بهم فنهوه عن ذلك فقالوا لا تقري ضيفانا تنزل بك فانك إن فعلت فضحنا ضيفك، فكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، وذلك أنه لم يكن للوط عشيرة فيهم. وفي العلل، والعياشي: عنه عليه السلام مثله، ويأتي تمام القصة في سورة هود، والحجر إنشاء الله. (85) وإلى مدين: وأرسلنا إلى مدين. أخاهم شعيبا: قيل: هم أولاد مدين بن إبراهيم، وشعيب منهم، وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، سموا باسم جدهم وسميت به قريتهم. والقمي: قال: بعث الله شعيبا إلى مدين، وهي قرية على طريق الشام فلم يؤمنوا به. وفي الأكمال: عن الباقر عليه السلام أما شعيب فإنه أرسل إلى مدين وهي لا يكمل

[ 219 ]

أربعين نبيا. قال يا قوم اعبدوا الله: وحده. ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم: معجزة شاهدة بصحة نبوتي، وهي غير مذكورة في القرآن ولم نجدها في شئ من الأخبار. فأوفوا الكيل والميزان: أريد بالكيل: المكيال كما في سورة هود. ولا تبخسوا الناس أشياءهم: لا تنقصوهم حقوقهم، جئ بالأشياء للتعميم. ولا تفسدوا في الارض: بالكفر والحيف. بعد إصلاحها: بعدما أصلح فيه الأنبياء وأتباعهم بإقامة الشرايع والسنن. ذلكم خير لكم: في الأنسانية وحسن الاحدوثة وما تطلبونه من الربح لأن الناس إذا عرفوا منكم النصفة والأمانة رغبوا في متاجرتكم. إن كنتم مؤمنين: مصدقين لي في قولي. (86) ولا تقعدوا بكل صراط: بكل منهج من مناهج الدين مقتدين بالشيطان في قوله: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم). توعدون: تتوعدون. وتصدون عن سبيل الله من آمن به: قيل: كانوا يجلسون على الطرق فيقولون لمن يمر بها: إن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم كما كانت تفعل قريش بمكة. وتبغونها عوجا: تطلبون لسبيل الله عوجا، يعني تصفونها بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة بإلقاء الشبه لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها. واذكروا إذ كنتم قليلا: عددكم أو عددكم. فكثركم: بالنسل والمال، قيل: إن مدين بن إبراهيم الخليل تزوج بنت لوط فولدت له فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين: من أفسد قبلكم من الامم كقوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وكانوا قريبي العهد بهم. (87) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به: وقبلوا قولي. وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا: فتربصوا وانتظروا. حتى يحكم الله بيننا: أي بين الفريقين بأن ينصر المحق على المبطل وهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. وهو خير الحاكمين: إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه. (88) قال الملاء الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا: أي ليكونن أحد الأمرين، والعود: إما بمعنى الصيرورة أو ورود الخطاب على تغليب الجماعة على الواحد أو ورد على زعمهم، وذلك لأن شعيبا لم يكن على ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر قط. قال: شعيب. أولو كنا كارهين:

[ 220 ]

أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها. (89) قد افترينا على الله كذبا: فيما دعوناكم إليه. إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها: بأن أقام لنا الدليل على بطلانها وأوضح الحق لنا. وما يكون لنآ: وما يصح لنا. أن نعود فيها إلا أن يشآء الله ربنا: خذلاننا ومنعنا الألطاف بأن يعلم أنه لا ينفع فينا وسع ربنا كل شئ علما: أحاط علمه بكل شئ مما كان وما يكون فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب. وقيل: أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون على الله توكلنا: في أن يثبتنا على الأيمان، ويوفقنا لازدياد الأيقان. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق: احكم بيننا فإن الفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه. وأنت خير الفاتحين: على المعنيين. (90) وقال الملؤ الذين كفروا من قومه: أشرافهم. لئن اتبعتم شعيبا: وتركتم دينكم. إنكم إذا لخسرون: لأستبدلكم الضلالة بالهدى، قالوها لمن دونهم يثبطونهم عن الأيمان. (91) فأخذتهم الرجفة: الزلزلة، وفي سورة هود: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة). وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام بعث الله عليهم الصيحة الواحدة فماتوا، وقد سبق نظيره. فأصبحوا في دارهم جاثمين: خامدين. (92) الذين كذبوا شعيبا كأن لم أي استأصلوا كأن لم يقيموا بها، والمعنى المنزل الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين: دينا ودنيا، والمعنى أنهم هم المخصوصون بالهلاك، والأستيصال، وبالخسران العظيم دون اتباع شعيب لأنهم الرابحون. وفي هذا الأبتداء والتكرير تسفيه لرأي الملأ، ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك. (93) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم: فلم تصدقوني. فكيف آسى على قوم كافرين: فكيف أحزن على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم. لكفرهم واستحقاقهم العذاب النازل بهم.

[ 221 ]

(94) وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء: البؤس والفقر والضراء الضرر والمرض. لعلهم يضرعون: لكي يتضرعوا، ويتوبوا، ويتذللوا. (95) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة: أي رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، ووضعنا مكانه الرخاء والعافية. حتى عفوا: أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم عفا النبات: أي كثر ومنه: اعفاء اللحى. وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسرآء: بطرتهم النعمة فتركوا شكر الله، ونسوا ذكر الله، وقالوا: هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين السراء والضراء، وقد مس آباءنا نحو ذلك فلم ينتقلوا عما كانوا عليه فكونوا (1) على ما أنتم عليه كما كان أباؤكم كذلك. فأخذناهم بغتة: فجأة، عبرة لمن كان بعدهم. وهم لا يشعرون: إن العذاب نازل بهم إلا بعد حلوله. (96) ولو أن أهل القرى: ولو أنهم. ءامنوا: بدل كفرهم واتقوا: الشرك والمعاصي لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض: لوسعنا عليهم الخيرات ويسرناها لهم من كل جانب بإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك. ولكن كذبوا: الرسل. فأخذناهم بما كانوا يكسبون: بسوء كسبهم. (97) أفأمن أهل القرى: المكذبون لنبينا. أن يأتيهم بأسنا: عذابا. بياتا ليلا وقت بيات. وهم نائمون. (98) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى: ضحوة النهار، وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت، وقرء بسكون الواو. وهم يلعبون: يشتغلون بما لا ينفعهم.

____________________________

1 - متفرع على قولهم هذه عادة الدهر أي قالوا هذه عادة الدهر آه فكونوا. 

[ 222 ]

(99) أفأمنوا مكر الله: مكر الله إستعارة لأستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب. والقمي: المكر من الله العذاب. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون: بترك النظر والأعتبار، فيه تنبيه على ما يجب أن يكون عليه العبد من الخوف لعقاب الله، واجتناب المعصية. (100) أو لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها: يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم، وإنما عدى يهدي باللام لأنه بمعنى يبين. أن لو نشاء: أنه لو نشاء أصبناهم بذنوبهم: بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم. ونطبع على قلوبهم: مستأنف يعني ونحن نطبع على قلوبهم. فهم لا يسمعون: سماع تفهم واعتبار. (101) تلك القرى نقص عليك من أنبائها بعض أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات بالمعجزات فما كانوا ليؤمنوا عند مجيئهم بها بما كذبوا من قبل مجيئهم. القمي: قال: لا يؤمنون في الدنيا بما كذبوا في الذر، وهو رد على من أنكر الميثاق في الذر الأول. وفي الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام إن الله خلق الخلق فخلق من أحب مما أحب وكان ما أحب أن خلقه من طينة الجنة وخلق من أبغض مما أبغض وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النار ثم بعثهم في الظلال، فقيل: وأي شئ الظلال ؟ قال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الأقرار بالله وهو قوله: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)، ثم دعوهم إلى الأقرار بالنبيين فأقر بعضهم وأنكر بعض، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض وهو قوله تعالى: (وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به (1) من قبل)، ثم. قال عليه السلام كان التكذيب، ثم. وفي رواية أخرى: فمنهم من أقر بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فقال الله: (فما كانوا ليؤمنوا

____________________________

1 - لفظة به في القرآن انما هي في سورة يونس وليست هنا. منه رحمه الله. 

[ 223 ]

بما كذبوا به من قبل). والعياشي: عنهما عليهما السلام إن الله خلق الخلق وهم أظلة فأرسل إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فمنهم من آمن به ومنهم من كذبه، ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من آمن به في الأظلة، وجحده من جحده يومئذ، فقال: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل). وعن الصادق عليه السلام في هذه الآية: بعث الله الرسل إلى الخلق وهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن صدق حينئذ صدق بعد ذلك، ومن كذب حينئذ كذب بعد ذلك. كذ لك يطبع الله على قلوب الكافرين. (102) وما وجدنا لاءكثرهم من عهد: وفاء عهد، فإن أكثرهم نقضوا عهد الله إليهم في الأيمان والتقوى. وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين: وأنه علمنا أكثرهم خارجين عن الطاعة. في الكافي: عن الكاظم عليه السلام إنها نزلت في الشاك. وعن الصادق عليه السلام: إنه قال لأبي بصير: يا أبا بصير إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا، ولو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم حيث يقول جل ذكره: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). والعياشي: عن أبي ذر والله ما صدق أحد ممن أخذ الله ميثاقه فوفى بعهد الله غير أهل بيت نبيهم وعصابته قليلة من شيعتهم، وذلك قول الله: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين)، وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون). (103) ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا: بالمعجزات. إلى فرعون وملأه فظلموا بها: بأن كفروا بها مكان الأيمان الذي هو من حقها لوضوحها، ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا، وفرعون لقب لمن ملك مصر ككسرى لمن ملك فارس، وقيصر لمن ملك الروم، وكان اسمه قابوس أو الوليد بن مصعب ابن الريان. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين: في الأكمال: عن الباقر عليه السلام في حديث ثم إن الله تبارك وتعالى أرسل

[ 224 ]

الأسباط إثني عشر بعد يوسف، ثم موسى وهارون إلى فرعون وملأه إلى مصر وحدها. والعياشي: مرفوعا إن فرعون بنى سبع مداين يتحصن فيها من موسى عليه السلام وجعل فيما بينها آجاما وغياضا (1) وجعل فيها الأسد ليتحصن بها من موسى، قال: فلما بعث الله موسى إلى فرعون فدخل المدينة فلما رآه الاسد تبصبصت وولت مدبرة، ثم قال: لم يأت مدينة إلا انفتح له بابها حتى انتهى إلى قصر فرعون الذي هو فيه، قال: فقعد على بابه وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه فلما خرج آذن قال له موسى: استأذن لي على فرعون، لم يلتفت إليه، قال: فمكث بذلك ما شاء الله يسأله أن يستأذن له، قال: فلما أكثر عليه قال له: أما وجد رب العالمين من يرسل غيرك قال: فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح حتى نظر إليه فرعون ومن في مجلسه، فقال: ادخلوه، فدخل عليه وهو في قبة له مرتفعة كثيرة الأرتفاع ثمانون ذراعا، قال: فقال: (إني رسول رب العالمين إليك)، قال: فقال: (فأت بآية إن كنت من الصادقين)، قال: (فألقى عصاه)، وكان لها شعبتان، قال: فإذا حية قد وقع إحدى الشعبتين في الأرض، والشعبة الاخرى في أعلى القبة، قال: فنظر فرعون إلى جوفها وهو يلتهب نيرانا، قال: وأهوت إليه فأحدث، وصاح يا موسى خذها. (104) وقال موسى يا فرعون إنى رسول من رب العالمين: إليك. حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق: وكان أصله حقيق علي أن لا أقول فقلب لاءمن الألتباس، أو لأن ما ألزمك فقد لزمته، أو للأغراق في الوصف بالصدق، يعني أنه حق واجب - علي القول الحق - أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي، أو ضمن حقيق معنى حريص، أو وضع - على - مكان الباء كقولهم: رميت السهم على القوس، وقرء علي على الأصل، وعن ابي أنه قرء بالباء، وقرء في الشواذ بحذف على. قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى إسرائيل: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة. (106) قال إن كنت جئت بآية: من عند من أرسلك. فأت بها إن كنت من

____________________________

1 - الغيضة الاجمة وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر والجمع غياض واغياظ وغيض الاسد اي ألف ألف الغيضة. 

[ 225 ]

الصادقين: في الدعوى. (107) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين: ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان، وهو الحية العظيمة. (108) ونزع يده: من جيبه. فإذا هي بيضاء للناظرين: بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس، وكان موسى آدم شديد الادمة فيما يروى. (109) قال الملاء من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم في سورة الشعراء (قال للملأ حوله) ولعله قاله: وقالوه، أو قالوه عنه. (110) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون: تشيرون في أن نفعل. (111) قالوا أرجه وأخاه: أخرهما وأصدرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. العياشي: مقطوعا لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح، ولو كان لأمر بقتلهما، قال: وكذلك نحن لا يسرع إلينا إلا كل خبيث الولادة. وقرء ارجه بحذف الهمزة الثانية وكسر الهاء مع الأشباع وبدونه، وبسكون الهاء من غير همز. وأرسل في المدائن حاشرين (112) يأتوك بكل ساحر عليم: وقرئ سحار. (113) وجاء السحرة فرعون قالوا أئن لنا لاءجرا إن كنا نحن الغالبين. (114) قال نعم وإنكم لمن المقربين: وقرء ان لنا على الأخبار، وإيجاب الأجر. (115) قالوا يا موسى إما أن تلقى وإمآ أن نكون نحن الملقين: خيروه مراعاة للأدب، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبهوا عليه بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ. قال ألقوا: كرما وتسامحا، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الألهي. فلما ألقوا سحروا أعين الناس: بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل

[ 226 ]

والشعوذة. واسترهبوهم: وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم طلبوا رهبتهم. وجآؤا بسحر عظيم: في فنه، وروي أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها حيات ملأت الوادي وركب بعضها بعضا. (117) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك: فألقيها فصارت حية عظيمة. فإذا هي تلقف ما يأفكون: ما يزورونه من الأفك، وهو الصرف وقلب الشئ عن وجهه، وقرء تلقف بالتخفيف حيث كان. روي أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا. (118) فوقع الحق: فحصل وثبت لظهوره أمره وبطل ما كانوا يعملون: من السحر والمعارضة. (119) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين: صاروا أذلاء منهزمين. (120) وألقى السحرة ساجدين: وخروا سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم، ولعل الحق بهرهم (2) واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك لينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى، وينقلب الأمر عليه. (121) قالواء امنا برب العالمين. (122) رب موسى وهرون: أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. (123) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم: وقرء بحذف الهمزة على الأخبار. إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة: إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل

____________________________

1 - الشعوذة خفة في اليد واخذ كالسحر يري الشئ بغير ما عليه أصله في رأي العين وهو مشعوذ ومشعوذ والاخذة بالضم رقية كالسحر أو خرزة يؤخذ بها.

 2 - بهره بهرا أي غلبه. 

[ 227 ]

أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء وتواطأتم على ذلك. لتخرجوا منهآ أهلها: يعني القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الأيمان فسوف تعلمون: وعيد مجمل يفصله ما بعده. (124) لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف: أي من كل شق طرفا. ثم لاصلبنكم أجمعين: تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم. (125) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون: أي لا نبالي بالموت والقتل، لأنقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، وإنا جميعا ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. (126) وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا: أي وما تنكر منا وتعيب إلا الأيمان بآيات الله، وهو أصل كل منقبة وخير. ربنا أفرغ: أفض. علينا صبرا: واسعا كثيرا يغمرنا كما يفرغ الماء. وتوفنا مسلمين: ثابتين على الأسلام. (127) وقال الملاء من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض: بتغيير الناس عليك، ودعوتهم إلى مخالفتك ويذرك وءالهتك: معبوداتك، القمي: قال: كان فرعون يعبد الأصنام، ثم ادعى بعد ذلك الربوبية. وفي المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قرء ويدرك وإلاهتك يعني عبادتك. وقيل: إن فرعون صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه، ولذلك قال: (أنا ربكم الأعلى). قال: فرعون. سنقتل أبنائهم ونستحى نساءهم: كما كنا نفعل من قبل ليعلم إنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، وإن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا، وقرء سنقتل بالتخفيف. وإنا فوقهم قاهرون: غالبون، وإنهم مقهورون تحت أيدينا. (128) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا: تسكينا لهم من ضجرهم بوعيد فرعون، وتسلية لقلوبهم. إن الارض يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين: وعد لهم منه بالنصرة، وتذكير لما كان قد وعدهم من إهلاك القبط، وتوريثهم ديارهم، وتحقيق له. العياشي: عن الصادق عليه السلام قال: (إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده)

[ 228 ]

قال: فما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسول الله فهو للأمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعن الباقر عليه السلام: قال: وجدنا في كتاب علي أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) وأنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فعمرها فليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها. فإن تركها وأخربها بعد ما عمرها فأخذها رجل من المسلمين بعده فعمرها وأحياها فهو أحق به من الذي تركها، فليؤد خراجها إلى الأمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحوزها ويمنعها ويخرجهم عنها، كما حواها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنعها، إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم ويترك الأرض في أيديهم. (129) قالوا: أي بنو إسرائيل. أوذينا من قبل أن تأتينا: بالرسالة. قيل: أي بقتل الأبناء. ومن بعد ما جئتنا: أي بإعادته. والقمي: قال: قال الذين آمنوا بموسى: قد أوذينا قبل مجيئك يا موسى بقتل أولادنا، ومن بعد ما جئتنا لما حبسهم فرعون لأيمانهم بموسى. قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الاءرض: صرح بما كنى عنه أولا لما رآى أنهم لم يتسلوا بذلك. فينظر: فيرى. كيف تعملون: من شكر، وكفران، وطاعة، وعصيان، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. (130) ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين: بالجدوب لقلة الأمطار والمياه. والقمي: يعني السنين الجدبة. أقول: السنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به ثم اشتق منها فقيل: أسنت القوم إذا قحطوا (1). ونقص من الثمرات: بكثرة العاهات. لعلهم يذكرون:

____________________________

1 - القحط بالتحريك الجدب وقحط المطر من باب نفع إذا احتبس وحكى عن الفراء قحط المطر من باب تعب وقحط القوم أصابهم القحط وقحطوا على ما لم يسم فاعله. 

[ 229 ]

لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا وليرق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده. (131) فإذا جاءتهم الحسنة: من الخصب والسعة. قالوا لنا هذه: لأجلنا ونحن مستحقوها. وإن تصبهم سيئة: جدب وبلاء. يطيروا بموسى ومن معه: يتشأموا بهم، ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم. القمي: قال: الحسنة هيهنا: الصحة والسلامة والأمن والسعة، والسيئة هنا: الجوع والخوف والمرض. ألا إنما طائرهم عند الله: أي سبب خيرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيئته كما قال: (قل كل من عند الله). ولكن أكثرهم لا يعلمون. (132) وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين: أي شئ تأتنا لتموه علينا فما نحن لك بمصدقين، أرادوا أنهم مصرون على تكذيبه، وإن أتى بجميع الآيات. (133) فأرسلنا عليهم الطوفان: ما طاف بهم وغشيهم. العياشي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما الطوفان ؟ فقال: هو طوفان الماء، والطاعون. والجراد والقمل: قيل: هو كبار القردان، وقيل: هو صغار الجراد، وقيل: (1) غير ذلك. والضفادع والدم آيات مفصلات: مبينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته عليهم، أو مفصلات لأمتحان أحوالهم إذ كان بين كل آيتين منها سنة، وكان إمتداد كل واحدة أسبوعا. فاستكبروا: عن الأيمان. وكانوا قوما مجرمين. (134) ولما وقع عليهم الرجز: العذاب، العياشي: عن الرضا عليه السلام الرجز: هو الثلج، ثم قال: خراسان بلاد رجز. وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام أنه أصابهم ثلج أحمر لم يروه قبل ذلك

____________________________

() وقيل الدبا الذي لا أجنحة له قال بعض المفسرين: اختلف العلماء في القمل المرسل على بني اسرائيل فقيل هو السوس والذي يخرج من الحنطة وقيل غير ذلك وروي أن موسى عليه السلام مشى إلى كثيب أعفر كثيب مهيل فضربه بعصاه فانتثر كله قملا في مصر فتتبع حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ولحس الارض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل فأنه أخذ شعورهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ومنعهم النوم والقرار. 

[ 230 ]

فماتوا فيه وجزعوا، وأصابهم ما لم يعهدوه قبله. قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك: بعهده عندك. لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرئيل. (135) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه: إلى حد من الزمان هم بالغوه. إذا هم ينكثون: فاجأوا النكث وبادروه ولم يؤخروه. (136) فانتقمنا منهم: فأردنا الأنتقام منهم. فأغرقناهم في اليم: في البحر الذي لا يدرك قعره. بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين: القمي: مقطوعا، ونسب حديثه في المجمع: إلى الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام: قال: لما سجد السحرة وآمن به الناس، قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل. فجاء إليه موسى فقال له: خل عن بني إسرائيل، فلم يفعل. فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية، وضربوا الخيام. فقال فرعون لموسى: ادع لنا ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان، وهم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل فقال له هامان: إن خليت عن بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا وقال: يا موسى ادع ربك أن يكف عنا الجراد حتى اخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الجراد، فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل فذهبت زروعهم وأصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى: إن رفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال: أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني إسرائيل فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، ويقال: إنها تخرج من أدبارهم وآذانهم وآنافهم. فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فجاؤا إلى موسى فقالوا:

[ 231 ]

ادع الله يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك، فلما أبوا أن يخلوا عن بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما. فكان القبطي رآه دما والأسرائيلي رآه ماء فإذا شربه الأسرائيلي كان ماء، وإذا شربه القبطي يشربه دما، وكان القبطي يقول للأسرائيلي: خذ الماء في فمك وصبه في فمي فكان إذا صبه في فم القبطي يحول دما فجزعوا من ذلك جزعا شديدا فقالوا لموسى: لئن رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الرجز وهو الثلج ولم يروه قبل ذلك فماتوا فيه وجزعوا وأصابهم ما لم يعهدوه قبله، فقالوا: (يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل، فلما خلي عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسى من مصر واجتمع إليه من كان هرب من فرعون وبلغ فرعون ذلك، فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل فقد استجمعوا إليه، فجزع فرعون وبعث في المدائن حاشرين، وخرج في طلب موسى. (137) وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون: يعني بني إسرائيل، كان يستضعفهم فرعون وقومه بالأستعباد، وذبح الأبناء مشرق الارض ومغاربها: يعني أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة، والعمالقة، وتمكنوا في نواحيها. التى باركنا فيها: بالخصب والعيش. وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرائيل: ومضت عليهم واتصلت بإنجاز عدته إياهم بالنصر والتمكين، وهي قوله عز وجل: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا) إلى قوله: (ما كانوا يحذرون)، وقرئ كلمات ربك لتعدد المواعيد. بما صبروا: بسبب صبرهم على الشدائد. ودمرنا: وخربنا. ما كان يصنع فرعون وقومه: من القصور والعمارات. وما كانوا يعرشون: من الجنان، أو ما كانوا يرفعون من البنيان، وقرء بضم الراء. (138) وجوزنا ببنى إسرائيل البحر: بعد مهلك فرعون. فأتوا على قوم: فمروا عليهم. يعكفون على أصنام لهم: يقيمون على عبادتها. قالوا يموسى اجعل لنآ إلها: صنما

[ 232 ]

نعبده. كما لهم آلهة: يعبدونها. قال إنكم قوم تجهلون. (139) إن هؤلاء: إشارة إلى القوم. متبر: مدمر مكسر. ما هم فيه: إن الله يهدم دينهم الذي هم عليه على يدي، ويحطم أصنامهم هذه، ويجعلها رضاضا. وبطل: مضمحل. ما كانوا يعملون: من عبادتها، لا ينتفعون بها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله عز وجل. (140) قال أغير الله أبغيكم إلها: أطلب بكم معبودا. وهو فضلكم على العالمين: والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم. (141) وإذ أنجيناكم من آل فرعون: واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت، وقرء أنجيكم. يسومونكم سوء العذاب: يبغونكم ويكلفونكم شدة العذاب. يقتلون أبنائكم: وقرء بالتخفيف. ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم: في الأنجاء نعمة عظيمة، أو في العذاب محنة عظيمة. (142) وواعدنا موسى ثلاثين ليلة: ذا القعدة، وقرء ووعدنا وأتممناها بعشر: من ذي الحجة. فتم ميقات ربه أربعين ليلة: قد سبق تفسيره في سورة البقرة مبسوطا. وقال موسى لأخيه هرون اخلفنى في قومي: كن خليفتي فيهم. وأصلح: ما يجب أن يصلح من أمورهم. ولا تتبع سبيل المفسدين: ولا تطع من دعاك إلى الأفساد، ولا تسلك طريقه. (143) ولما جاء موسى لميقاتنا: لوقتنا الذي وقتناه له وحددناه. وكلمه ربه: من غير واسطة، كما يكلم الملائكة. قال رب أرنى أنظر إليك: أرني نفسك واجعلني متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك. قال لن تراني: لن تطيق رؤيتي. ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه: لما تجليت عليه. فسوف ترينى فلما تجلى ربه للجبل: ظهر له عظمته، وتصدى له إقتداره وأمره. جعله دكا: مدكوكا مفتتا، والدك والدق متقاربان، وقرء دكاء أي أرضا مستوية. وخر موسى صعقا: مغشيا عليه من هول ما رآى. فلمآ أفاق قال: تعظيما لما رآى. سبحنك تبت إليك: من الجرأة والأقدام على مثل هذا السؤال. وأنا أول المؤمنين: بأنك لا ترى. في المجمع: عن الصادق عليه السلام أنا أول من آمن وصدق بأنك لا ترى. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام أنه سئل كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى

[ 233 ]

ابن عمران لا يعلم أن الله لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟ فقال عليه السلام: إن كليم الله علم أن الله منزه عن أن يرى بالأبصار، ولكنه لما كلمه الله وقربه نجيا (1) رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله كلمه وقربه وناجاه فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته، وكان القوم سبعمأة ألف فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمأة، ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم إلى طور سيناء. فأقامهم في سفح (2) الجبل وصعد موسى إلى الطور وسأل الله أن يكلمه ويسمعهم كلامه. فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لأن الله أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة. فلما قالوا: هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة يعني نارا وقع من السماء فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم وبعثهم معه فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك فتخبرنا كيف هو ونعرفه حق معرفته. فقال موسى: يا قوم إن الله لا يرى بالأبصار ولا كيفية له وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: (لن نؤمن لك) حتى تسأله، فقال موسى: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه يا موسى سلني ما سألوك فلم أؤ اخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسى: (رب أرنى أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه) وهو يهوي (فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل) بآياته من آياته (جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك) يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي (وأنا أول المؤمنين) منهم بأنك لا ترى. وفي الأكمال: عن القائم عليه السلام في كلام فلما وجدنا اختيار من قد اصطفيه

____________________________

1 - قوله تعالى قربناه نجيا أي مناجيا وهو مصدر كالصهيل والنعيق يقع على الواحد والجماعة.

 2 - سفح الجبل أسفله حيث يسفح فيه الماء. 

[ 234 ]

الله للنبوة يعني موسى عليه السلام واقعا على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن لا إختيار إلا لمن يعلم ما في الصدور وتكن الضمائر الحديث، ويأتي تمامه في سورة القصص إنشاء الله. وفي التوحيد: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث وسأل موسى عليه السلام وجرى على لسانه من بعد حمد الله عز وجل (رب أرني أنظر إليك) فكانت مسألته تلك أمرا عظيما، وسأل أمرا جسيما فعوتب فقال الله وتعالى: (لن تراني) في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة، ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فأبدى الله سبحانه بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميما وخر موسى صعقا، ثم أحياه الله وبعثه فقال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) يعني أول من آمن بك منهم أنه لن يراك. والعياشي: عن الصادق عليه السلام: إن موسى بن عمران لما سأل ربه النظر إليه وعده الله أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة أن تمر عليه موكبا موكبا بالبرق والرعد والريح والصواعق فكلما مر به موكب ارتعدت فرائصه (1) فيرفع رأسه فيسأل أفيكم ربي فيجاب هو آت وقد سألت عظيما يا ابن عمران. وعنه وعن الباقر عليهما السلام: لما سأل موسى عليه السلام ربه تعالى (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)، قال: فلما صعد موسى الجبل فتحت أبواب السماء وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد وفي رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج يقولون: يا ابن عمران أثبت فقد سألت عظيما، قال: فلم يزل موسى عليه السلام واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، فلما أن رد الله إليه روحه وأفاق قال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين).

____________________________

1 - في الحديث ارتعدت فرائصه واصطكت فرائص الملائكة هي جمع فريصة وهي اللحمة بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد من الدابة وجمعها ايضا فريص وفريص العنق اوداجها الواحدة فريصة. 

[ 235 ]

وفي رواية: إن النار أحاطت بموسى عليه السلام لئلا يهرب لهول ما رأى، وقال: لما خر موسى صعقا مات، فلما أن رد الله روحه أفاق فقال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). والقمي: في قوله: (ولكن انظر إلى الجبل) قال: فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجبل فساخ (1) الجبل في البحر فهو يهوي حتى الساعة ونزلت الملائكة وفتحت أبواب السماء فأوحى الله إلى الملائكة أدركوا موسى لا يهرب فنزلت الملائكة وأحاطت بموسى وقالوا: اثبت يا ابن عمران فقد سألت الله عظيما، فلما نظر موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت وقع على وجهه من خشية الله وهول ما رأى فرد الله عليه روحه فرفع رأسه وأفاق، وقال: (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) أي أول من صدق أنك لا ترى. وفي البصائر: عن الصادق عليه السلام إن الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثم قال: ان موسى عليه السلام لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل وجعله دكا. قال في الجوامع: وقيل في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بقوله أرني أنظر إليك عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا بإظهار بعض آيات الآخرة التي تضطر الخلق إلى معرفتك، أنظر إليك أعرفك معرفة ضرورية كأني أنظر إليك كما جاء في الحديث (سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء مثل أبصاركم القمر إذا امتلى واستوى بدرا، قال: (لن تراني) لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوتك تلك الآية، ولكن انظر إلى الجبل فإني أورد عليه آية من تلك الآيات فإن ثبت لتجليها واستقر مكانه فسوف تثبت بها وتطيقها (فلما تجلى ربه) فلما ظهرت للجبل آية من آيات ربه (جعله دكا وخر موسى صعقا) لعظم ما رآى (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك) مما اقترحت (وأنا أول المؤمنين) بعظمتك وجلالك. أقول: تحقيق القول في رؤية الله سبحانه ما أفاده مولانا أمير المؤمنين عليه

____________________________

1 - ساخت قوائمه في الارض تسوخ سوخا وتسيخ سيخا من باب قال وباع دخلت فيها وغابت وساخت فرسي غاصت في الارض وساخت بهم الارض بالوجهين خسفت وبعدي بالهمزة فيقال اساخه الله. 

[ 236 ]

السلام لم تره العيون بمشاهدة الأبصار (1) ولكن رأته القلوب بحقائق الأيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات. وقال عليه السلام: لم أعبد ربا لم أره. وفي التوحيد: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن الله عز وجل هل يراه المؤمنين يوم القيامة ؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقيل: متى ؟ قال: حين قال لهم: (ألست بربكم قالوا بلى)، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة ألست تراه في وقتك هذا قيل: فاحدث بها عنك فقال: لا فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله، ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون. (144) قال يا موسى إنى اصطفيتك: اخترتك. على الناس: أي الذين كانوا في زمانك، وهرون وإن كان نبيا كان مأمورا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع برسلاتي يعني أسفار التوراة، وقرء برسالتي. وبكلمي: وبتكليمي إياك. فخذ ما آتيتك: ما أعطيتك من الرسالة. وكن من الشاكرين: على النعمة، فيه. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر. في الكافي: عن الصادق عليه السلام قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ان يا موسى تدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي ؟ قال: رب ولم ذاك ؟ قال: فأوحى الله وتعالى إليه يا موسى إني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم أجد فيهم أحدا أذل لي نفسا منك، يا موسى إنك إذا صليت وضعت خدك على التراب، أو قال: على الأرض، وفي العلل: عنه عليه السلام ما يقرب منه. (145) وكتبنا له في الاءلواح من كل شئ: ومما يحتاجون إليه من أمر الدين. موعظة وتفصيلا لكل شئ: وكانت زبرجدة من الجنة كما رواه

____________________________

1 - بالكسر على المصدر في مقابلة الايمان وفي توحيد الصدوق العيان مكان الابصار وحقايق الايمان اركانه من التصديق بالله وبواحدانيته واعتبارات اسمائه وصفاته عز وجل ولرؤية الله سبحانه بالقلوب مراتب بحسب درجات الايمان قوة وضعفا. 

[ 237 ]

العياشي: عن الصادق عليه السلام. وفي البصائر: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنها كانت من زمرد أخضر. فخذها بقوة: بجد وعزيمة. القمي: أي قوة القلب. وأمر قومك يأخذوا بأحسنها: بأحسن ما فيها كالصبر والعفو بالأضافة إلى الأنتقام والأقتصاص، وهو مثل قوله وتعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)، وقوله: (فيتبعون أحسنه). سأريكم دار الفاسقين: منازل القرون الماضية المخالفة لأمر الله الخارجة عن طاعة الله ليعتبروا. العياشي: عن الصادق عليه السلام في الجفر أن الله عز وجل لما أنزل الألواح على موسى أنزلها عليه وفيها تبيان كل شئ كان أو هو كائن إلى أن تقوم الساعة فلما انقضت أيام موسى أوحى الله إليه أن استودع الألواح وهي زبرجدة من الجنة، جبلا يقال له: زينة فأتى موسى الجبل فانشق له الجبل فجعل فيه الألواح ملفوفة فلما جعلها فيه انطبق الجبل عليها فلم تزل في الجبل حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأقبل ركب من اليمن يريدون الرسول. فلما انتهوا إلى الجبل انفرج الجبل وخرجت الألواح ملفوفة كما وضعها موسى فأخذها القوم فلما وقعت في أيديهم القي في قلوبهم أن لا ينظروا إليها، وهابوها حتى يأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله جبرئيل على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بأمر القوم وبالذي أصابوه فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلموا عليه ابتدأهم فسألهم عما وجدوا فقالوا: وما علمك بما وجدنا ؟ قال: أخبرني به ربي وهو الألواح، قالوا: نشهد أنك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجوها فوضعوها إليه فنظر إليها وقرأها وكانت بالعبراني. ثم دعا أمير المؤمنين عليه السلام فقال: دونك هذه ففيها علم الأولين والآخرين وهي ألواح موسى، وقد أمرني ربي أن أدفعها إليك فقال: لست أحسن قرائتها، قال: إن جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه فإنك تصبح وقد علمت قرائتها، قال: فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علمه الله كل شئ فيها فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنسخها فنسخها في جلد وهو الجفر، وفيه علم الأولين والاخرين، وهو عندنا والألواح عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثنا النبيين - أجمعين.

[ 238 ]

قال: قال أبو جعفر عليه السلام: تلك الصخرة التي حفظت ألواح موسى تحت شجرة في واد يعرف بكذا. وفي البصائر: أن الباقر عليه السلام عرف تلك الصخرة ليماني دخل عليه وفيه: هذا الخبر بنحو آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفي آخره فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا هو كتاب بالعبرانية وفتق فدفعه إلي ووضعته عند رأسي فأصبحت بالغداة وهو كتاب بالعربية جليل فيه علم ما خلق الله منذ قامت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة فعلمت ذلك. (146) سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق: بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وإن يروا كل آية: منزلة أو معجزة. لا يؤمنوا بها: لإختلاف عقولهم بسبب إنهماكهم في التقليد والهوى، في الحديث: إذا عظمت امتي الدنيا نزعت عنها هيبة الأسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي. وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا: وقرئ الرشد بفتحتين. وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا. القمي: قال: إذا رأوا الأيمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غفلين: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم للآيات. (147) والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة حبطت أعمالهم: لا ينتفعون بها. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون: إلا جزاء أعمالهم. (148) واتخذ قوم موسى من بعده: من بعد ذهابه للميقات. من حليهم: وقرء بكسر الحاء. عجلا جسدا: خاليا من الروح. له خوار: صوت كصوت البقر، قد مضى قصة العجل مبسوطة في سورة البقرة. العياشي: عن الباقر عليه السلام أن في ما ناجى موسى ربه أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل فالخوار من صنعه، قال: فأوحى الله إليه يا موسى أن تلك فتنتي فلا تفحص عنها.

[ 239 ]

وعن الصادق عليه السلام: قال: يا رب ومن أخار الصنم ؟ فقال الله: يا موسى أنا أخرته، فقال: موسى: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء). ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا: تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر، يعني إنه ليس كآحاد البشر فكيف يكون خالق القوى والقدر. إتخذوه إلها وكانوا ظالمين: واضعين الأشياء في غير مواضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. (149) ولما سقط في أيديهم: كناية عن اشتداد ندمهم فإن النادم المتحسر يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها. ورأوا: وعلموا. أنهم قد ضلوا: باتخاذ العجل. قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا: بالتجاوز عن الخطيئة. لنكونن من الخاسرين: وقرء بالخطاب والنداء. (150) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا: شديد الغضب، أو حزينا. قال بئس ما خلفتموني من بعدى: أي قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله. أعجلتم أمر ربكم: يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيقال: عجل الأمر، والمعنى أتركتم أمر ربكم غير تام ؟ وهو انتظار موسى حافظين لعهده. وألقى الالواح: طرحها من شدة الغضب لله وفرط الضجر حمية للدين. روي: أنه لما ألقاها انكسرت فذهب بعضها. وفي البصائر: عن أمير المؤمنين عليه السلام: إن منها ما تكسر، ومنها ما بقى، ومنها ما ارتفع. وعن الباقر عليه السلام: إنه عرف يمانيا صخرة باليمن ثم قال: تلك الصخرة التي التقمت ما ذهب من التوراة حين ألقى موسى الألواح فلما بعث الله رسوله أدته إليه وهي عندنا. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحم الله أخي موسى عليه السلام ليس المخبر كالمعاين لقد أخبره الله بفتنة قومه، ولقد عرف أن ما أخبره ربه حق وان على ذلك لمتمسك بما في يديه فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وألقى الألواح.

[ 240 ]

والعياشي: عن الصادق عليه السلام ما في معناه. وأخذ برأس أخيه يجره إليه (1). في العلل: عن الصادق عليه السلام وذلك لأنه لم يفارقهم لما فعلوا ذلك، ولم يلحق بموسى، وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب. قال ابن أم: وقرء أم بالكسر، وإنما نسبه إلى الأم لأنه أقرب إلى الأستعطاف. وفي العلل: عنه ولم يقل يا ابن أبي لأن بني الأب إذا كانت أمهاتهم شتى لم تستبعد العداوة بينهم إلا من عصمة الله منهم، وإنما تستبعد بين بني ام واحدة. وفي الكافي: عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة الوسيلة إنه كان أخاه لأبيه وأمه. والقمي: مثله عن الباقر والصادق عليهما السلام. قيل: وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وكان حمولا (2) لينا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل. والقمي: عن الباقر عليه السلام أن الوحي ينزل على موسى، وموسى عليه السلام يوحيه إلى هارون، وكان موسى الذي يناجي ربه، ويكتب العلم، ويقضي بين بني إسرائيل، قال: ولم يكن لموسى ولد وكان الولد لهارون. إن القوم استضعفوني: قهروني واتخذوني ضعيفا، ولم آل جهدا في كفهم بالأنذار والوعظ. وكادوا يقتلونني: وقاربوا قتلي لشدة إنكاري عليهم. فلا تشمت بى الاعداء: فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله. ولا تجعلني مع القوم الظالمين: معدودا في عدادهم بالمؤاخذة علي ونسبة التقصير إلي. (151) قال رب اغفر لى ولاخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الرحمين. (152) إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم: قيل: هو ما أمروا من قتل أنفسهم. وذلة في الحيوة الدنيا: قيل: هي خروجهم من ديارهم وقيل: هي الجزية

____________________________

1 - قيل في معناه ان موسى انما فعل ذلك مستعظما لفعلهم مفكرا فيما كان منهم كما يفعل الانسان بنفسه عند حالة الغضب وشدة الفكر مثل ذلك فيقبض على لحيته ويعض على شفتيه فاجرى موسى أخاه مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الانسان بنفسه عند حالة الغضب والفكر.

 2 - حمل عنه حلم فهو حمول ذو حلم. 

[ 241 ]

وكذلك نجزى المفترين: وافتراؤهم قولهم: (هذا إلهكم وإله موسى). في الكافي: عن الباقر عليه السلام أنه تلا هذه الآية فقال: فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلا، ولا مفتريا على الله وعلى رسوله وعلى أهل بيته إلا ذليلا. (153) والذين عملوا السيئات: من الكفر والمعاصي. ثم تابوا من بعدها: من بعد السيئات. وآمنوا: وعملوا بمقتضى الأيمان. إن ربك من بعدها: من بعد التوبة. لغفور رحيم. (154) ولما سكت عن موسى الغضب: عبر عن سكون الغضب وإطفائه بالسكوت. تنبيها على أن الغضب كان هو الحامل له على ما فعل، والأمر له به والمغرى عليه، وهذا من البلاغة في الكلام. أخذ الاءلواح: التي ألقيها. وفى نسختها هدى: دلالة وبيان لما يحتاج إليه من أمر الدين. ورحمة: نعمة ومنفعة. للذين هم لربهم يرهبون: معاصي الله. (155) واختار موسى قومه: من قومه، من باب الحذف والأيصال. سبعين رجلا لمقاتنا: سبقت قصتهم عند ذكر سؤال الرؤية. فلمآ أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي: تمنى هلاكهم، وهلاكه قبل أن يرى ما رأى. أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ: من التجاسر على طلب الرؤية. في التوحيد: عن الرضا عليه السلام أن السبعين لما صاروا معه إلى الجبل قالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته، فقال: إني لم أره، فقالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة)، واحترقوا عن آخرهم، وبقى موسى وحيدا، فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرتهم به ؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) ؟ فأحياهم الله بعد موتهم. وفي العيون: ما يقرب منه كما مر. إن هي إلا فتنتك: ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية. تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا: القائم بأمرنا. فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين: تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. (156) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة: حسن معيشة، وتوفيق طاعة. وفى الآخرة:

[ 242 ]

الجنة. إنا هدنا إليك: تبنا إليك، من هاد يهود إذا رجع. قال عذابي أصيب به من أشاء: تعذيبه. ورحمتي وسعت كل شئ: في الدنيا فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي، أو في الدنيا والآخرة، إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم. فسأكتبها: فسأثبتها وأوحيها في الآخرة. للذين يتقون: الشرك والمعاصي. ويؤتون الزكوة والذين هم بآياتنا يؤمنون: فلا يكفرون بشئ منها. (157) الذين يتبعون الرسول النبي. في الكافي: عنهما عليهما السلام الرسول: الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي: هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد. الاءمى: المنسوب إلى ام القرى وهي مكة، كذا في المجمع. وعن الباقر عليه السلام، والعياشي: عنه عليه السلام أنه سئل لم سمي النبي الأمي ؟ قال: نسب إلى مكة، وذلك قول الله: (لتنذر ام القرى ومن حولها) وام القرى مكة، فقيل: امي لذلك. وفي العلل: عن الجواد عليه السلام أنه سئل عن ذلك ؟ فقال: ما يقول الناس ؟ قيل: يزعمون أنه إنما سمي الامي لأنه لم يحسن أن يكتب، فقال: كذبوا عليهم لعنة الله، أنى ذلك، والله يقول: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن، والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ويكتب باثنين وسبعين، أو قال: بثلاث وسبعين لسانا، وإنما سمي الأمي لأنه كان من أهل مكة، ومكه من أمهات القرى، وذلك قول الله عز وجل: (لتنذر أم القرى ومن حولها) الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والانجيل: باسمه ونعته. والعياشي: عن الباقر عليه السلام يعني اليهود والنصارى صفة محمد واسمه صلى الله عليه وآله وسلم. وفي المجالس: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال يهودي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني قرأت نعتك في التوراة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وسلم مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب (1) ولا مترنن بالفحش،

____________________________

1 - في الحديث اياك ان تكون سخابا هو بالسين المفتوحة والباء الموحدة صيغة مبالغة من السخب بالتحريك وهو شدة الصوت والخنا مرادف الفحش. 

[ 243 ]

ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا مالي فاحكم فيه بما أنزل الله. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام لما نزلت التورية على موسى بشر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: فلم تزل الأنبياء تبشر به حتى بعث الله المسيح عيسى بن مريم فبشر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك قوله: (يجدونه): يعني اليهود والنصارى (مكتوبا): يعني صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (عندهم): يعني في التوراة والأنجيل، وهو قول الله عز وجل يخبر عن عيسى عليه السلام: (ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد). وفيه مرفوعا: إن موسى ناجاه ربه تعالى فقال له في مناجاته: أوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى بن مريم، ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر، الطيب، الطاهر، المطهر، فمثله في كتابك إنه مهيمن على الكتب كلها، وأنه راكع، ساجد، راغب، راهب، إخوانه المساكين، وأنصاره قوم آخرون. يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث: يستفاد من بعض الروايات تأويل الطيبات بأخذ العلم من أهله، والخبائث بقول من خالف. ويضع عنهم إصرهم والاغلل التى كانت عليهم: ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة وأصل الأصر: الثقل، وقد مضى حديث وضع الأصر عن هذه الأمة في آخر سورة البقرة، وقرء أصارهم. فالذين آمنوا به وعزروه: وعظموه بالتقوية والذب عنه، وأصل التعزير: المنع. ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه: قيل النور: القرآن. والعياشي: عن الباقر عليه السلام النور: علي عليه السلام. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام النور في هذا الموضع: علي والأئمة عليهم السلام. أولئك هم المفلحون. (158) قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا: في المجالس: عن الحسن المجتبى عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد أنت الذي تزعم أنك رسول الله وأنك الذي يوحى إليك كما يوحى إلى موسى بن عمران ؟ فسكت النبي ساعة ثم قال: نعم أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا خاتم

[ 244 ]

النبيين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، قالوا: إلى من إلى العرب أم إلى العجم أم إلينا ؟ فأنزل الله هذه الآية. الذى له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذى يؤمن بالله وكلماته: يريد بها ما أنزل الله عليه، وعلى من تقدمه من الرسل. واتبعوه لعلكم تهتدون: أقول: يعني إلى العلم اللدني الموصل إلى محبة الله وولايته فإنه لا يحصل إلا بالأيمان واتباع النبي، ومن أمر النبي باتباعه (1). (159) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق: بكلمة الحق. وبه: وبالحق. يعدلون: بينهم في الحكم. العياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قوم موسى: هم أهل الأسلام. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام إن هذه الامة قوم من وراء الصين، بينهم وبين الصين واد حار من الرمل، لم يغيروا ولم يبدلوا، ليس لأحدهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويضحون (2) بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم أحد منا، ولا منهم إلينا، وهم على الحق، وقال: وقيل: إن جبرئيل انطلق بالنبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج إليهم فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به وصدقوه، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ويتركوا السبت، وأمرهم بالصلاة والزكاة ولم يكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا، قال: وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد عليهم السلام. وروي: أن ذا القرنين رآهم وقال: لو أمرت بالمقام لسرني أن أقيم بين أظهركم. (160) وقطعناهم: وصيرناهم قطعا متميزا بعضهم عن بعض. إثنتى عشرة

____________________________

1 - العياشي عن الصادق عليه السلام قال إذا قام قائم آل محمد عليهم السلام استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلا خمسة عشر يعدلون وسبعة من اصحاب الكهف ويوشع وصي موسى ومؤمن آل فرعون وسلمان الفارسي وابا دجانة الانصاري ومالك الاشتر وعن أمير المؤمنين عليه السلام ان بني اسرائيل بعد موسى افترقت على احدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فان الله يقول ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون فهذه التي تنجو (منه رحمه الله) اقول ولا يبعد ان يكونوا هم المقصودون بالآخرين في الرواية المتقدمة.

 2 - ضحى ضحوا وضحيا اصابته الشمس وارض مضحاة لا تكاد تغيب عنها الشمس ويضحون مبني على للمفعول اما من باب نصر أو من باب الافعال. 

[ 245 ]

أسباطا أمما: والأسباط ولد الأولاد، والأسباط في ولد يعقوب بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل وأوحينا إلى موسى إذ استسقه قومه: في التيه. أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست: أي فضرب فانبجست، وفي حذفه إشارة إلى أنه لم يتوقف في الأمتثال. منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم: كل سبط مشربهم. وظللنا عليهم الغمام: ليقيهم حر الشمس. وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا: أي وقلنا لهم: كلوا. من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: مضى تفسيره في سورة البقرة. (161) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية: بإضمار اذكروا، والقرية: بيت المقدس. وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين. (162) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون: مضى تفسيره فيها، وقرء تغفر بالتاء والبناء للمفعول، وخطيئتكم بالتوحيد، وخطاياكم. (163) واسألهم: واسأل اليهود، وهو سؤال تقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله. عن القرية: عن خبرها، وما وقع بأهلها. التى كانت حاضرة البحر: قريبة منه. إذ يعدون في السبت: يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت وقد نهوا عنه. إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم: يوم تعظيمهم أمر يوم السبت، مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة. شرعا: ظاهرة على وجه الماء، من شرع عليه إذا دنا منه وأشرف. ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. (164) وإذ قالت أمة منهم: جماعة من أهل القرية. لم تعظون قوما الله مهلكهم: مخترمهم. أو معذبهم عذابا شديدا: لتماديهم في العصيان. قالوا معذرة: وقرء معذرة بالرفع إلى ربكم: يعني موعظتنا أنها عذرا إلى الله حتى لا تنسب إلى تفريط في النهي عن المنكر. ولعلهم يتقون: إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. (165) فلما نسوا: تركوا ترك الناسي. ما ذكروا به: ما ذكرهم به الواعظون. أنجينا الذين ينهون عن السوء: وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس: شديد من بؤس يبؤس

[ 246 ]

بأسا إذا اشتد، وقرء على وزن ضيغم، وبكسر الباء وسكون الهمزة وبكسرها، وقلب الهمزة ياء بما كانوا يفسقون: بسبب فسقهم. (166) فلما عتوا عما نهوا عنه: تكبروا عن النهي أو عن ترك ما نهو عنه، وهذا مثل قوله تعالى: (وعتوا عن ربهم). قلنا لهم كونوا قردة خاسئين: مطرودين مبعدين من كل خير، كقوله: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون). في تفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة عند قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين)، قال علي بن الحسين عليهما السلام: كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر نهاهم الله وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لأنفسهم ما حرم الله فخدوا أخاديد (1) وعملوا طرقا تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق ولا يتهيأ لها الخروج إذ همت بالرجوع فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان لها فدخلت الأخاديد وحصلت في الحياض والغدران فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن من صايدها فرامت الرجوع فلم تقدر وبقيت ليلها في مكان يتهيؤ أخذها بلا اصطياد لأسترسالها فيه وعجزها عن الأمتناع لمنع المكان لها، وكانوا يأخذون يوم الأحد ويقولون ما اصطدنا في السبت إنما اصطدنا في الأحد، وكذب أعداء الله بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتى كثر من ذلك مالهم وثراهم، وتنعموا بالنساء وغيرهم لأتساع أيديهم به. وكانوا في المدينة نيفا وثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا وأنكر عليهم الباقون كما قص الله: (واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر) الآية، وذلك أن طائفة منهم وعظوهم وزجروهم، ومن عذاب الله خوفوهم، ومن انتقامه وشدائد بأسه حذروهم، فأجابوهم من وعظهم (لم تعظون قوما الله مهلكهم) بذنوبهم هلاك الأصطلام (2) (أو معذبهم عذابا شديدا)، أجاب القائلين هذا لهم: (معذرة إلى ربكم) هذا القول منا لهم معذرة

____________________________

1 - الاخدود شق في الارض مستطيل جمعه أخاديد وخد الارض من باب مد شقها.

 2 - الاصطلام الاستيصال وهو افتعال من الصلم وهو القطع المستأصل وصلمت الاذن من باب ضرب استأصلتها قطعا. - 

[ 247 ]

إلى ربكم، إذ كلفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربنا مخالفتنا لهم وكراهتنا لفعلهم، قالوا: ولعلهم يتقون ونعظهم أيضا لعلهم تنجع فيهم المواعظ فيتقوا هذه الموبقة (1) ويحذروا عقوبتها. قال الله تعالى: (فلما عتوا) حادوا وأعرضوا وتكبروا عن قبول الزجر عما نهو عنه قلنا لهم: (كونوا قردة خاسئين) مبعدين من الخير مغضبين فلما نظر العشرة الآلاف والنيف أن السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم ولا يخافون بتخويفهم إياهم وتحذيرهم لهم اعتزلوهم إلى قرية أخرى وانتقلوا إلى قرية من قريتهم، وقالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب الله ونحن في خلالهم، فأمسوا ليلة فمسخهم الله كلهم قردة، وبقى باب المدينة مغلقا، لا يخرج منه أحد ولا يدخله أحد وتسامع بذلك أهل القرى فقصدوهم وسموا حيطان البلد فاطلعوا عليهم فإذا هم كلهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض، يعرف هؤلاء الناظرين معارفهم وقراباتهم وخلطائهم فيقول المطلع لبعضهم: أنت فلان وأنت فلانة فتدمع عينه ويؤمي برأسه أو بفمه بلى أو نعم، فما زالوا كذلك ثلاثة أيام، ثم بعث الله تعالى مطرا وريحا فجرفهم إلى البحر وما بقى مسخ بعد ثلاثة أيام، وإنما الذين ترون من هذه المصورات بصورها فإنما هي أشباهها لا هي بأعيانها ولا من نسلها. والقمي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام إن قوما من أهل أيلة من قوم ثمود وأن الحيتان كانت سبقت إليهم يوم السبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدام أبوابهم في أنهارهم وسواقيهم فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم عنها الأحبار، ولا يمنعهم العلماء من صيدها، ثم إن الشيطان أوحى إلى طائفة منهم إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، ولم تنهوا عن صيدها فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما سوى ذلك من الأيام، فقالت طائفة منهم: الآن نصطادها فعتت، وانحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين فقالوا: ننهيكم عن عقوبة الله أن تتعرضوا بخلاف أمره، واعتزلت طائفة منهم ذات الشمال، وسكتت فلم يتعظهم، فقالت للطائفة التي وعظتهم: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا)، فقالت الطائفة التي وعظتهم: (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)،

____________________________

1 - وبق كوعد ورجل وورث وبوقا وموبقا هلك كاستوبق وكمجلس المهلك. 

[ 248 ]

قال: فقال الله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به) يعني لما تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة فقالت الطائفة التي وعظتهم: لا والله لا نجامعكم ولا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه التي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل بكم البلاء فيعمنا معكم، قال: فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء فنزلوا قريبا من المدينة فباتوا تحت السماء فلما أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله تعالى غدوا (1) لينظروا ما حال أهل المعصية فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت فدقوه فلم يجابوا ولم يسمعوا منها حس أحد فوضعوا سلما على سور المدينة ثم أصعدوا رجلا منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون، فقال الرجل لأصحابه: يا قوم أرى والله عجبا ! قالوا: وما ترى ؟ قال: أرى القوم قد صاروا قردة يتعاوون، لها أذناب، فكسروا الباب ودخلوا المدينة، قال: فعرفت القردة أنسابها من الأنس، ولم يعرف الأنس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهكم ؟ قال: فقال علي عليه السلام: والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة أني لأعرف أنسابهم من هذه الأمة لا ينكرون ولا يغيرون بل تركوا ما أمروا به فتفرقوا، وقد قال الله: (فبعدا للقوم الظالمين) فقال الله: (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون). وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام في هذه الاية: كانوا ثلاثة أصناف صنف إئتمروا وأمروا: فنجوا، وصنف إئتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا. والعياشي: عن الباقر عليه السلام ما في معناه. وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام هلكت الفرقتان، ونجت الفرقة الثالثة. (167) وإذ تأذن ربك: تفعل، من الأيذان بمعنى الأعلام والعزم، والأقسام معناه واذكر إذا علم أو عزم ربك وأقسم. ليبعثن عليهم: ليسلطن على اليهود. إلى يوم القيامة من يسومهم: يكلفهم. سوء العذاب: شدته بالقتل والأذلال، وضرب الجزية. قيل: بعث الله عليهم من بعد سليمان بخت نصر فخرب ديارهم، وقتل مقاتليهم، وسبى نساءهم

____________________________

1 - غدا غدوا من باب قعد ذهب غدوة وجمع الغدوة غدى كمدية ومدى هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان. 

[ 249 ]

وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ما فعل وضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام إن المعنى بهم: أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن ربك لسريع العقاب: عاقبهم في الدنيا. وإنه لغفور رحيم: لمن تاب وآمن. (168) وقطعناهم في الارض أمما: وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم. منهم الصالحون: هم الذين آمنوا بالله ورسوله. ومنهم دون ذلك: ناس دون ذلك، أي منحطون عن الصلاح وهم كفرتهم وفسقتهم وبلوناهم بالحسنات والسيئات: بالنعم والنقم والمسخ والمحن لعلهم يرجعون: ينتبهون فينيبون. (169) فخلف من بعدهم خلف: بدل سوء وهو بالتسكين شائع في الشر، وبالتحريك في الخير، وقيل المراد به: الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورثوا الكتاب: التوراة من أسلافهم. يأخذون عرض هذا الادنى: حطام هذا الشئ الأدنى، يعني الدنيا. قيل: هو ما كانوا يأخذون من الرشاء في الحكم، وعلى تحريف الكلم للتسهيل على العامة. ويقولون سيغفر لنا: لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه: أي يرجون المغفرة وهم مصرون وعايدون إلى مثل فعلهم غير تائبين عنه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب: الميثاق في التوراة. أن لا يقولوا على الله إلا الحق: بأن لا يكذبوا على الله ولا يضيفوا إليه إلا ما أنزله. ودرسوا ما فيه: وقرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك. في الكافي: عن الصادق عليه السلام إن الله خص عباده بآيتين (1) من كتابه أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، وقال عز وجل: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن

____________________________

1 - قيل يعني عباده الذين هم من أهل الكتاب والكلام كأن من سواهم ليسوا مضافا إليه بالعبودية بآيتين أي مضمونهما وإلا فالآيات في ذلك فوق اثنتين كقوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا وكذب بآياته ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الفاسقون فأولئك هم الظالمون الى غير ذلك ولا يردوا ما لم يعلموا يعني لا يكذبوا به بل يكلوا علمه الى قائله فان التصديق بالشئ كما هو محتاج الى تصوره اثباتا فكذلك هو مفتقر إليه نفيا وهذا في غاية الظهور ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

[ 250 ]

لا يقولوا على الله إلا الحق)، وقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه). والعياشي: عنه وعن الكاظم عليهما السلام ما يقرب منه والدار الآخرة خير للذين يتقون: محارم الله مما يأخذ هؤلاء. أفلا تعقلون: فيعلمون ذلك، وقرء بالخطاب. (170) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين: أما عطف على الذين يتقون وما بينهما اعتراض، وإما استيناف ووضع الظاهر موضع المضمر لأنه في معناه، وللتنبيه على أن الأصلاح مانع عن الأضاعة، وقرء يمسكون بالتخفيف من الأمساك. القمي: عن الباقر عليه السلام نزلت في آل محمد (صلوات الله عليهم) وأشياعهم. (171) وإذ (1) نتقنا الجبل: قلعناه ورفعناه وأصله الجذب. فوقهم كأنه ظلة: سقيفة، وهي كل ما أظل. وظنوا: وتيقنوا. أنه واقع بهم: ساقط عليهم، لأن الجبل لا يثبت في الجو ولأنهم كانوا يوعدون به. قيل: إنما أطلق الظن لأنه لم يقع متعلقة خذوا (2) ما آتيناكم بقوة: بعزم من قلوبكم وأبدانكم. العياشي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية أقوة في الأبدان أم قوة في القلوب ؟ قال: فيهما جميعا. واذكروا ما فيه: من الأوامر والنواهي. لعلكم تتقون. القمي: عن الصادق عليه السلام لما أنزل الله التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء، فقال لهم موسى إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل فقبلوه وطأطأوا رؤوسهم، وقد مضى تفسيره في سورة البقرة بأبسط من هذا. (172) وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم: وقرء ذرياتهم، أخرج من

____________________________

1 - معناه واذكر يا محمد إذ قلعنا الجبل من أصله فرفعناه فوق بني اسرائيل وكان عسكر موسى فرسخا في فرسخ فرفع الله الجبل فوق جميعهم.

 2 - قوله تعالى خذوا ما اتيناكم بقوة أي خذوا ما ألزمناكم من أحكام كتابنا وفرائضه فاقبلوه بجد واجتهاد منكم في كل أوان من غير تقصير ولا توان. 

[ 251 ]

أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، يعني نثر حقايقهم بين يدي علمه فاستنطق الحقايق بأسنة قابليات جواهرها وألسن استعدادات ذواتها. وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا: أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الأقرار بها حتى صاروا بمنزلة الأشهاد على طريقة التمثيل، نظير ذلك قوله عز وجل: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وقوله جل وعلا: (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) ومعلوم أنه لا قول ثمة وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى وذلك حين كانت أنفسهم في أصلاب آبائهم العقلية، ومعادنهم الأصلية يعني شاهدهم وهم دقايق في تلك الحقايق، وعبر عن تلك الآباء بالظهور لأن كل واحد منهم ظهر أو مظهر لطائفة من النفوس أو ظاهر عنده لكونه صورة عقلية نورية ظاهرة بذاتها وأشهدهم على أنفسهم أي أعطاهم في تلك النشأة الأدراكية العقلية شهود ذواتهم العقلية، وهويأتهم النورية فكانوا بتلك القوى العقلية يسمعون خطاب (ألست بربكم) كما يسمعون الخطاب في دار الدنيا بهذه القوى البدنية وقالوا بألسنة تلك العقول بلى أنت ربنا الذي أعطيتنا وجودا قدسيا ربانيا، سمعنا كلامك وأجبنا خطابك، ولا يبعد أيضا أن يكون ذلك النطق باللسان الملكوتي في عالم المثالي الذي دون عالم العقل فإن لكل شئ ملكوتا في ذلك العالم كما أشار إليه بقوله سبحانه: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) والملكوت باطن الملك، وهو كله حياة، ولكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح، والتمجيد والتوحيد والتحميد وبهذا اللسان نطق الحصى في كف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبه تنطق الأرض يوم القيامة (يومئذ تحدث أخبارها) وبه تنطق الجوارح (أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ). أن تقولوا: أي كراهة أن تقولوا، وقرء بالياء. يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين: لم ننبه عليه. (173) أو تقولوا إنما أشرك آبآؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم: فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الحجة والتمكن من العلم بها لا يصلح عذرا. أفتهلكنا بما فعل المبطلون: يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك. (174) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون: عن التقليد واتباع الباطل.

[ 252 ]

في الكافي، والتوحيد، والعياشي: عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية ؟ فقال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم نفسه وأراهم صنعه ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه. وفي الكافي: عنه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية ؟ فقال: وأبوه يسمع حدثني أبي أن الله عز وجل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق آدم منها فصب عليها الماء العذب الفرات ثم تركها أربعين صباحا، ثم صب عليها المالح الأجاج (1) فتركها أربعين صباحا، فلما اختمرت الطينة أخذها فعركها (2) عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه وشماله، وأمرهم جميعا أن يقعوا في النار فدخل أصحاب اليمين فصارت عليهم بردا وسلاما، وأبى أصحاب الشمال أن يدخلوها. وعن الصادق عليه السلام: أنه سئل كيف أجابوا وهم ذر ؟ فقال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه. وزاد العياشي يعني في الميثاق. أقول: وهذا بعينه ما قلناه أنه عز وجل ركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الأقرار. وعنه عليه السلام: لما أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة عليهم السلام فقالوا: أنت ربنا فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم أقروا الله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة، فقالوا: نعم ربنا أقررنا، فقال الله للملائكة: اشهدوا فقال الملائكة: شهدنا على أن لا تقولوا غدا: (إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) الآية. والقمي: عنه عليه السلام في هذه الآية أنه سئل معاينة كان هذا ؟ قال: نعم فثبتت المعرفة ونسوا الموقف، وسيذكرونه ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه، فمنهم من أقر بلسانه في الذر، ولم يؤمن بقلبه فقال الله: (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل). والعياشي: عنه وعن أبيه عليهما السلام ما في معناه إلى قوله: ورازقه. وفي رواية أخرى له: وأسر

____________________________

1 - الاجاج المالح والمر الشديد الملوحة يقال أج الماء اجوجا إذا ملح واشتدت ملوحته.

 2 - يقال عرك البعير جنبه بمرفقه إذا دلكه فأثر فيه. 

[ 253 ]

بعضهم خلاف ما أظهر. وفي معنى هذه الأخبار: أخبار كثيرة منها: ما هو أبسط مما ذكر، وقد شرحنا بعضها بما لا مزيد عليه في كتابنا الوافي. (175) واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا: القمي: نزلت في بلعم بن باعورا، وكان من بني إسرائيل أوتي علم بعض كتب الله. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام الأصل فيه بلعم ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة. والعياشي: عنه عليه السلام مثل المغيرة بن سعيد مثل بلعم الذي أوتي الأسم الأعظم الذي قال الله: (آتيناه آياتنا) الآية. فانسلخ منها: بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره. فأتبعه الشيطان: فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له. فكان من الغاوين: من الضالين. القمي: عن الرضا عليه السلام أنه أعطى بلعم بن باعورا الأسم الأعظم وكان يدعو به فيستجيب له فمال إلى فرعون فلما مر فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون: لبلعم ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلب موسى فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عز وجل فقالت: ويلك على ماذا تضربني أتريدني أن أجئ معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين، فلم يزل يضربها حتى قتلها وانسلخ الأسم من لسانه وهو قوله تعالى (فانسلخ منها) الآية. (176) ولو شئنا لرفعناه: إلى منازل الأبرار من العلماء. بها: بتلك الايات وملازمتها. ولكنه أخلد إلى الارض: مال إلى الدنيا. واتبع هواه: في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات فحططناه. فمثله كمثل الكلب: فصفته كصفة الكلب في أخس أحواله. إن تحمل عليه: بالزجر، والطرد، من الحملة لا من الحمل. يلهث: يخرج لسانه بالتنفس الشديد. أو تتركه يلهث: دائم اللهف بخلاف سائر الحيوان فإنه إذا هيج وحرك لهث وإلا لم يلهث، والمعنى إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، ضال في كل حال. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص: المذكورة لعلهم يتفكرون: فيتعظون ويحذرون مثل عاقبته.

[ 254 ]

(177) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا: أي مثلهم. وأنفسهم كانوا يظلمون: لا غيرهم. (178) من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون: قيل: الأفراد في الأول والجمع في الثاني لأعتبار اللفظ والمعنى تنبيه على أن المهتدين كواحد لأتحاد طريقتهم بخلاف الضالين. (179) ولقد ذرأنا: خلقنا. لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها. القمي: عن الباقر عليه السلام لهم قلوب لا يفقهون بها، يقول: طبع الله عليها فلا تعقل، ولهم أعين عليها غطاء عن الهدى لا يبصرون، بها ولهم آذان لا يسمعون بها، جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى. أولئك كالاءنعم: في عدم الفقه والأبصار للأعتبار والأستماع للتدبر وفي أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها. بل هم أضل: فإنها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار، وتجتهد في جذبها ودفعها غاية جهدها وهم ليسوا كذلك بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. أولئك هم الغافلون: الكاملون في الغفلة. في العلل: عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم. (180) ولله الاسماء الحسنى: التي هي أحسن الأسماء لتضمنها معاني هي أحسن المعاني. القمي: قال: الرحمن الرحيم. فادعوه بها: فسموه بتلك الأسماء. في الكافي: عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن الأسم فقال: صفة موصوف. والعياشي: عنه عليه السلام قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله وهو قول

[ 255 ]

الله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها). قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد طاعة إلا بمعرفتنا، قال: (فادعوه بها). وقد مضى تمام تحقيق معنى الأسم في أوائل سورة البقرة. وذروا الذين يلحدون في أسمائه: وقرء بفتح الياء والحاء وهو بمعناه، أي واتركوا الذين يعدلون بأسمائه عما هي عليه فيسمون بها أصنامهم، أو يصفونه بما لا يليق به، ويسمونه بما لا يجوز تسميته به. في الكافي: عن الرضا عليه السلام أن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والأبصار عن الأحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون الحديث. وفي التوحيد: عن الصادق عليه السلام في حديث طويل وله الأسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره، وهي التي وصفها في الكتاب فقال: (فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه) جهلا بغير علم، فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظن أنه يحسن، ولذلك قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها. سيجزون ما كانوا يعملون. (181) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون: في الكافي: عن الصادق، والعياشي: عن الباقر عليهما السلام في هذه الآية: هم الأئمة عليهم السلام. وفي المجمع: عنهما عليهما السلام قالا: نحن هم. والقمي: هذه الآية لآل محمد عليهم السلام، وأتباعهم. والعياشي: عن أمير المؤمنين عليه السلام والذي نفسي بيده لتفرقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو من هذه الأمة.

[ 256 ]

وعنه عليه السلام: يعني أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه لكم وقد أعطي قوم موسى مثلها. وعنه صلى الله عليه وآله وسم هي لأمتي بالحق يأخذون، وبالحق يعطون، وقد أعطي لقوم بين أيديكم مثلها (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). أقول: أريد بهذه الأخبار الثلاثة بعض الأمة كما يدل على قوله: (مثلها) وما رواه في المجمع: أن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم. (182) والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم: سنستدينهم قليلا قليلا إلى الهلاك حتى يقعوا فيه بغتة، وأصل الأستدراج: الأستصعاد أو الأستنزال. درجة بعد درجة. من حيث لا يعلمون: ما يراد بهم، وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنوا أنها لطف من الله بهم فيزدادوا بطرا وإنهماكا في الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب. القمي: قال تجديد النعم عند المعاصي. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو العبد يذنب الذنب فتجدد له النعمة تلهيه تلك النعمة عن الأستغفار من ذلك الذنب. وعنه عليه السلام: إذا أراد الله بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره الأستغفار، وإذا أراد بعبد شرا فأذنب ذنبا فأتبعه بنعمة لينسيه الأستغفار، ويتمادى بها وهو قول الله عز وجل: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) بالنعم عند المعاصي. (183) وأملى لهم: وامهلهم. إن كيدى متين (1) لا يدفع بشئ إنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.

____________________________

1 - المتين من أسمائه وهو الشديد القوي الذي لا يعتريه وهن ولا يسمه لغوب والمعنى في وصفه بالقوة والمتانة انه قادر بليغ الاقتدار على كل شئ ومتن الشئ بالضم متانة اشتد وصلب فهو متين. 

[ 257 ]

(184) أو لم يتفكروا ما بصاحبهم: يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم. من جنة: أي جنون، روي أنه علا الصفا فدعاهم فخذا (1) يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بات يهوت (2) إلى الصباح فنزلت. إن هو إلا نذير مبين: موضح إنذاره بحيث لا يخفى على ناظر. (185) أو لم ينظروا: نظر اعتبار. في ملكوت السموات والارض: في باطنها وأرواحها. وما خلق الله من شئ: مما يقع عليه اسم الشئ من أجناس خلقه التي لا يمكن حصرها لتدلهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها، ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. وأن عسى: وأنه عسى. أن يكون قد اقترب أجلهم: يعني في اقتراب آجالهم، وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة (3) الموت ونزول العذاب. فبأى حديث بعده: بعد القرآن. يؤمنون: إذا لم يؤمنوا به، والمعنى ولعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الأيمان بالقرآن ؟ وماذا ينتظرون بعد وضوحه فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. (186) من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (4). القمي: قال: يكله إلى نفسه، وقرء يذرهم بالياء، وبه وبالجزم، كأنه قيل: لا يهده أحد غيره ويذرهم. (187) يسئلونك عن الساعة: أي القيامة، وهي من الأسماء الغالبة. أيان مرسيها: متى ارساؤها، أي اثباتها واستقرارها. قل إنما علمها عند ربى: استأثر (5) به لم يطلع عليه

____________________________

1 - الفخذ بالكسر فالسكون للتخفيف دون القبيلة وفوق البطن والجمع افخاذ.

 2 - هوت به تهويتا صاح.

 3 - عافصة فاجأه وأخذه على غرة.

 4 - العمه في القلب العمى في العين.

 5 - استأثر بالشئ استبد به وخص به نفسه. 

[ 258 ]

ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا. لا يجليها لوقتها: لا يظهرها في وقتها. إلا هو: يعني إن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها، واللام للتوقيت. ثقلت في السموات والأرض: عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهو لها وشدتها. لا تأتيكم إلا بغتة: فجأة على غفلة. في الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه. يسئلونك كأنك حفى عنها (1) قيل: أي عالم بها وأصله كأنك حفيت بالسؤال حتى علمتها أي استقصيت وألحفت (2) قل إنما علمها عند الله: لم يؤته أحدا من خلقه لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به ولكن أكثر الناس لا يعلمون: إنه المختص بالعلم بها. القمي: إن قريشا بعثت العاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة ابن أبي معيط إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان فيها سألوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم متى تقوم الساعة ؟ فإن ادعى علم ذلك فهو كاذب فإن قيام الساعة لم يطلع الله عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فلما سألوه نزلت. (188) قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا: جلب نفع ولا دفع ضرر، وهو إظهار للعبودية والتبري عن إدعاء العلم بالغيوب. إلا ما شآء الله: من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء. في المعاني والعياشي: عن الصادق عليه السلام يعني الفقر. والقمي: قال: كنت أختار

____________________________

1 - أي كأنك استحفيت بالسؤال عنها حتى علمتها والحفي المستقصي بالسؤال عن الشئ وأعفى فلان في المسألة إذا ألح فيها وبالغ.

 2 - قوله تعالى لا يسألون الناس الحافا أي الحاحا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى على ما قيل لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحفوا. 

[ 259 ]

لنفسي الصحة والسلامة. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون: فإنهم المنتفعون. (189) هو الذى خلقكم من نفس واحدة: هي نفس آدم وجعل منها: من فضل طينها. زوجها: حواء. ليسكن إليها: ليستأنس بها ويطمئن إليها. فلما تغشيها: جامعها. حملت حملا خفيفا: خف عليها. فمرت به: أي استمرت بالحمل. فلمآ أثقلت: صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا: ولدا سويا بريئا من الآفة. لنكونن من الشاكرين. (190) فلمآ أتيهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتيهما: وقرئ شركا بالمصدر. فتعالى الله عما يشركون. القمي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام هما آدم وحواء وإنما كان شركهما شرك طاعة، وليس شرك عبادة. وزاد القمي قال: جعلا للحارث نصيبا في خلق الله ولم يكن أشركا إبليس في عبادة الله بعد أن ذكر في ذلك حديثا مبسوطا رواه عن الباقر عليه السلام موافقا لما روته العامة فيه مما لا يليق بالأنبياء والمستفاد من ذلك الحديث أن معنى اشراكهما فيما آتيهما الله تسميتهما أولادهما بعبد الحارث، والحارث اسم إبليس، وإبليس قد حملهما على ذلك بتغريره. وقيل: معناه التسمية بعبد عزى، وعبد مناة، وعبد يغوث، وما أشبه ذلك من أسماء الأصنام، ومعنى - جعلا له -: جعل أولادهما شركاء فيما أتى أولادهما على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في الموضعين. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام أنه قال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون ؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عز وجل: (فلما أتيهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتيهما) ؟ فقال له الرضا عليه السلام: إن حواء ولدت لآدم عليه السلام خمسمأة بطن في كل بطن ذكرا وأنثى، وأن آدم وحواء عاهدا الله تعالى ودعواه وقالا: لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فلما آتيهما صالحا من النسل خلقا سويا بريئا من الزمانة والعاهة كان ما آتيهما صنفين: صنفا ذكرانا، وصنفا إناثا، فجعل الصنفان لله سبحانه شركاء فيما آتيهما، ولم يشكراه كشكر أبويهما له عز وجل، فتعالى الله عما يشركون فقال المأمون: أشهد أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقا.

[ 260 ]

(191) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون: يعني الأصنام. (192) ولا يستطيعون لهم: لعبدتهم. نصرا ولا أنفسهم ينصرون: فيدفعون عنها ما يعتريها. (193) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم أن يكون الخطاب للمسلمين، و (هم) ضمير المشركين، يعني أن تدعو المشركين إلى الأسلام لا يجيبوكم. والثاني: أن يكون الخطاب للمشركين و (هم) ضمير الأصنام، يعني إن تدعو الأصنام إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله، وقرء يتبعوكم بالتخفيف. سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون. (194) إن الذين تدعون من دون الله: أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دونه سبحانه. عباد أمثالكم: مملوكون مسخرون. فادعوهم فليستجيبوا لكم: في مهماتكم. إن كنتم صادقين: إنهم آلهة. (195) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم: واستعينوا بهم في عداوتي. ثم كيدون: فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكر وهي أنتم وشركاؤكم. فلا تنظرون: فلا تمهلوني فإني لا ابالي بكم لوثوقي على ولاية الله وحفظه. (196) إن وليى: ناصري وحافظي. الله الذى نزل الكتاب: القرآن. وهو يتولى الصالحين: ينصرهم ويحفظهم. (197) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. (198) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون: يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه. (199) خذ العفو: أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما تأتي منهم

[ 261 ]

من غير كلفة وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم، ولا تداقهم، واقبل الميسور منهم، ونحوه قوله: (يسروا ولا تعسروا) من العفو الذي هو ضد الجهد. العياشي: عن الصادق عليه السلام أن الله أدب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أي خذ منهم ما ظهر وما تيسر قال: والعفو: الوسط. وفي الفقيه: عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال لرجل من ثقيف: إياك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنا امرنا أن نأخذ منه العفو. وأمر بالعرف: بالمعروف الجميل من الأفعال، والحميد من الأخلاق. وأعرض عن الجاهلين: ولا تمار (1) السفهاء، ولا تكافأهم بمثل سفههم. في المجمع: روي أنه لما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل عن ذلك فقال: لا أدري حتى أسأل العالم، ثم أتاه فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تعفوا عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وفي الجوامع: عن الصادق عليه السلام أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام أن الله أمر نبيه بمداراة الناس، فقال: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). (200) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ: ينخسنك (2) منه نخس في القلب يوسوسك على خلاف ما أمرت به كإعتراء غضب، والنزغ، والنسغ، والنخس: والغرز بمعنى، شبه وسوسة الناس إغراء لهم على المعاصي، وإزعاجا بغرز السائق ما يسوقه. في المجمع: لما نزلت الآية السابقة قال النبي صلى الله عليه وآله: كيف يا رب والغضب، فنزلت فاستعذ بالله إنه سميع: يسمع استعاذتك. عليم: بما فيه صلاح أمرك.

____________________________

1 - المماراة المجادلة.

 2 - نخس الدابة كنصر وجعل غرز مؤخرها أو جنبها بعود ونحوه أصل النخس الدفع والحركة. 

[ 262 ]

(201) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان: لمة (1) منه كأنها طافت بهم ودارت حولهم ولم تقدر أن تؤثر فيهم، وقرء طيف بغير ألف. تذكروا: ما أمر الله به ونهى عنه. فإذا هم مبصرون: مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيحترزون عنها. في الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام هو العبد يهم بالذنب، ثم يتذكر فيمسك. وفي رواية: فيدعه، وفي اخرى فيبصر ويقصر. والقمي: قال: إذا ذكرهم الشيطان المعاصي وحملهم عليها يذكرون اسم الله فإذا (202) وإخوانهم وإخوان الشياطين، يعني الذين لم يتقوا. يمدونهم: الشياطين، وقرء بضم الياء وكسر الميم. في الغى: بالتزيين والحمل عليه. ثم لا يقصرون: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا فيهلكوا أو لا يقصر الأخوان عن الغي. (203) وإذا لم تأتهم بآية: من القرآن، أو بآية مما اقترحوه. قالوا لولا اجتبيتها: هلا جمعتها، تقولا من عند نفسك كسائر ما تقرء، أو هلا طلبتها من الله. قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى: لست بمختلق للآيات أو لست بمقترح لها. هذا: القرآن. بصائر: للقلوب بها تبصر الحق. من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. (204) وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون: قيل: نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الأمام والأنصات له. وفي الفقيه: عن الباقر عليه السلام إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الأوليين وأنصت لقراءته، ولا تقرأن شيئا في الأخيرتين فإن الله يقول للمؤمنين: (وإذا قرئ القرآن) يعني في الفريضة خلف الأمام (فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) والأخيرتان تبع للأولتين.

____________________________

1 - وفي حديث ابن مسعود لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان واللمة الهمة والخطرة تقع في القلب اراد المام الملك أو الشيطان به والقرب منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان. 

[ 263 ]

وفي التهذيب: عن الصادق عليه السلام إذا كنت خلف إمام تتولاه وتثق به فإنه يجزيك قراءته وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه فإذا جهر فأنصت قال الله تعالى: (وأنصتوا لعلكم ترحمون). والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت وسبح في نفسك. وعن الصادق عليه السلام: يجب الأنصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها، وإذا قرء عندك القرآن وجب عليك الأنصات والأستماع. وفي التهذيب: عنه عليه السلام إنه سئل عن الرجل يؤم القوم وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال: إذا سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له، قيل: فإنه يشهد علي بالشرك، قال: إن عصى الله فأطع الله فرددت عليه فأبى أن يرخص لي، قيل: أصلي إذن في بيتي ثم أخرج إليه، فقال: أنت وذاك، وقال: إن عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوا وهو خلفه (ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين)، فأنصت علي تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية، ثم عاد في قراءته ثم أعاد ابن الكوا الآية فأنصت علي أيضا، ثم قرء فأعاد ابن الكواء فأنصت علي عليه السلام، ثم قال: (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) ثم أتم السورة ثم ركع. أقول: هذان الحديثان وما في معناهما مما يوافق ظاهر القرآن في عموم وجوب الأستماع، والأنصات محمول عند أصحابنا، وعامة الفقهاء: على الأستحباب وتأكده، بل قد ورد الأمر بالقراءة خلف المخالف وإن سمعت قراءته إذا لم تكن هناك تقية. (205) واذكر ربك في نفسك: عام في كل ذكر. تضرعا وخيفة: متضرعا وخائفا. ودون الجهر من القول: باللسان لأن الذكر في النفس، ودون الجهر الذين يعبر عنهما بالسر أدخل في الأخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى القبول. بالغدو والآصال: بالغدوة والعشيات لفضل هذين الوقتين. ولا تكن من الغافلين: عن ذكر الله اللآهين عنه.

[ 264 ]

في الكافي، والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام لا يكتب الملك إلا ما يسمع، وقال الله عز وجل: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله لعظمته. والعياشي: مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (واذكر ربك في نفسك) يعني مستكينا، (وخيفة) يعني خوفا من عذابه، (ودون الجهر من القول) يعني دون الجهر من القراءة، (بالغدو والآصال) يعني بالغداوة والعشي. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام قال الله: من ذكرني سرا ذكرته علانية (1). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا، إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر، فقال الله تعالى: (يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا). وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام في هذه الآية قال: تقول عند المساء لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت وهو على كل شئ قدير، قيل: بيده الخير قال إن بيده الخير ولكن: قل كما أقول لك عشر مرات: (وأعوذ بالله السميع العليم) حين تطلع الشمس وحين تغرب عشر مرات. (206) إن الذين عند ربك قيل: يعني الملائكة. والقمي: يعني الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام. لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه: وينزهونه. وله يسجدون: ويخصونه بالعبادة والتذلل، ولا يشركون به غيره. هنا أول سجدات القرآن. وفي الحديث إذا قرء ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فعلي النار. وفي ثواب الأعمال: عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة الأعراف في كل شهر

____________________________

1 - قال في الوافي بيان ذكر الله سرا يشمل الذكر في النفس الذي في مقابلة الغفلة والذكر على اللسان بالاخفات الذي يقابل الجهر كذا ذكر الله لعبده علانية يشمل ذكره بالخير يوم القيامة على رؤوس الاشهاد وذكره بالجميل في الدنيا على السن العباد. 

[ 265 ]

كان يوم القيامة من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإن قرأها في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة، والله تبارك وتعالى أعلم بكل شئ.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843268

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:41

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net