00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الأنفال 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

[ 266 ]

سورة الأنفال

هي مدنية عن ابن عباس وقتادة غير سبع آيات نزلت بمكة (وإذ يمكر بك الذين إلى آخرهن)، وقيل: نزلت بأسرها في غزاة بدر، عدد آيها ست وسبعون آية. بسم الله الرحمن الرحيم (1) يسئلونك عن الانفال: عن حكمها، وهي غنائم خاصة، والنفل: الزيادة على الشئ، سميت به الغنيمة لأنها عطية من الله وفضل. في المجمع: قرأ السجاد، والباقر، والصادق عليهم السلام: (يسألونك الأنفال)، يعني أن تعطيهم. قل الانفال لله والرسول: مختصة بهما يضعانها حيث شاءا. في التهذيب: عن الباقر والصادق عليهما السلام الفئ والأنفال: ما كان من أرض لم تكن فيها هراقة دم، أو قوم (1) صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهو كله من الفئ والأنفال، فهذا كله لله ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء وهو للأمام بعد الرسول. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صولحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة، وبطون الأودية فهو لرسول الله وهو للأمام من بعده يضعه حيث يشاء. وعنه عليه السلام في عدة أخبار من مات وليس له وارث فماله من الأنفال.

____________________________

1 - بيان أو قوم في الموضعين بتقدير مضاف وهو من عطف الخاص على العام فان الاول يشمل ما جلى عنها أهلها. 

[ 267 ]

وعنه عليه السلام نحن قوم فرض الله طاعتنا لنا الأنفال، ولنا صفو (1) المال. والعياشي: عن الباقر عليه السلام لنا الأنفال، قيل: وما الأنفال ؟ قال: منها المعادن والآجام، وكل أرض لا رب لها، وكل أرض باد أهلها فهو لنا. وقال: وما كان للملوك فهو من الأنفال. وفي الجوامع: عن الصادق عليه السلام الأنفال: كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا، وسماها الفقهاء فيئا، والأرضون الموات، والآجام، وبطون الأودية، وقطايع الملوك، وميراث من لا وارث له، وهي لله، وللرسول، ولمن قام مقامه بعده. والقمي: عنه عليه السلام أنه سئل عن الأنفال فقال: هي القرى التي قد خربت، وانجلى أهلها فهي لله وللرسول، وما كان للملوك فهو للأمام، وما كان من أرض خربة لم يوجف (2) عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى، فماله من الأنفال. وقال: نزلت يوم بدر لما انهزم الناس كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاث فرق: فصنف كانوا عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصنف أغاروا على النهب، وفرقة طلبت العدو، وأسروا وغنموا، فلما جمعوا الغنائم والأسارى تكلمت الأنصار في الأسارى فأنزل الله تبارك وتعالى (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) فلما أباح الله لهم الأسارى والغنائم تكلم سعد ابن معاذ وكان ممن أقام عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الجهاد ولا جبنا من العدو ولكنا خفنا أن يعرى موضعك فيميل عليك خيل المشركين، وقد أقام عند الخيمة وجوه المهاجرين والأنصار ولم يشك أحد منهم، والناس كثير يا رسول الله والغنائم قليلة، ومتى تعطي هؤلاء لم يبق لأصحابك

____________________________

1 - الصفو من الغنيمة ما اختاره الرئيس لنفسه قبل القسمة وخالص كل شئ.

 2 - قوله تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب هو من الايجاف وهو السير الشديد والمعنى فما اوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلا ولا ركابا وانما مشيتم إليه على ارجلكم فلم تحصلوا اموالهم بالغلبة والقتال ولكن الله سلط رسله عليهم وحواه اموالهم. 

[ 268 ]

شئ وخاف أن يقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم وأسلاب القتلى بين من قاتل ولا يعطي من تخلف على خيمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا فاختلفوا فيما بينهم حتى سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: لمن هذه الغنائم ؟ فأنزل الله: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) فرجع الناس وليس لهم في الغنيمة شئ ثم أنزل الله بعد ذلك (واعلموا أنما غنمتم) الآية فقسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ثكلتك أمك وهل تنصرون إلا بضعفائكم قال: فلم يخمس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر، وقسم بين أصحابه، ثم استقبل بأخذ الخمس بعد بدر فاتقوا الله: في الأختلاف والمشاجرة. وأصلحوا ذات بينكم: الحال التي بينكم بالمواساة، والمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله والرسول. وأطيعوا الله ورسوله: فيه إن كنتم مؤمنين: فإن الأيمان يقتضي ذلك. (2) إنما المؤمنون: أي الكاملون في الأيمان. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: فزعت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا: ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس. وعلى ربهم يتوكلون: وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون. (3) الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون. (4) أولئك هم المؤمنون حقا: لأنهم حققوا إيمانهم بضم مكارم الأخلاق ومحاسن أفعال الجوارح إليه. لهم درجات عند ربهم: كرامة وعلو منزلة. ومغفرة: لما فرط منهم. ورزق كريم: اعد لهم في الجنة. القمي: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي ذر، وسلمان، ومقداد. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام بتمام الأيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الأيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار. ويأتي صدر الحديث في أواخر سورة التوبة إن شاء الله.

[ 269 ]

(5) كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون: قيل: يعني حالهم هذه في كراهة ما حكم الله في الأنفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب. وفي المجمع: في حديث أبي حمزة فالله ناصرك كما أخرجك من بيتك. (6) يجادلونك في الحق: في إيثارك الجهاد اظهارا للحق لا يثارهم تلقي العير وأخذ المال الكثير على ملاقات النفير والجهاد مع الجم الغفير. بعد ما تبين: أنهم ينصرون أينما توجهوا بأعلام الرسول. كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون: أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت، وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم، وعدم تأهبهم للقتال. (7) وإذ يعدكم الله: على إضمار اذكر إحدى الطائفتين أنها لكم: يعني العير أو النفير. وتودون أن غير ذات الشوكة (1) الحدة. تكون لكم: يعني العير، فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقات النفير لكثرة عددهم وعدتهم (2). العياشي: عن الصادق عليه السلام ذات الشوكة التي فيها القتال. يريد الله أن يحق الحق: أن يثبته ويعليه. بكلماته: قيل: بآياته المنزلة في محاربتهم أو بأوليائه. والقمي: قال: الكلمات: الأئمة عليهم السلام. ويقطع دابر الكافرين ويستأصلهم، والمعنى أنكم تريدون مالا ألا تلقوا مكروها والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق وما يحصل لكم به فوز الدارين. (8) ليحق الحق ويبطل الباطل: فعل ما فعل وليس بتكرير لأن الأول: لبيان مراد الله وتفاوت ما بينه وبين مرادهم، والثاني: لبيان الداعي إلى حمل الرسول على إختيار

____________________________

1 - الشوكة شدة البأس والحدة بالسلاح يقال شاك الرجل من باب خاف ظهرت شوكته وحدته فهو شائك السلاح وشاكي السلاح على القلب 2 - عطف على كثرة لا على عددهم أي لكثرة عددهم ولتأهبهم واستعدادهم. 

[ 270 ]

ذات الشوكة ونصره عليها. ولو كره المجرمون: ذلك. (9) إذ تستغيثون ربكم: لما علمتم أن لا محيص عن القتال مع قلتكم وكثرة عدوكم بدل من - إذ يعدكم -. في المجمع: عن الباقر عليه السلام إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبه فأنزل الله: (إذ تستغيثون) الآية. فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين: متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضا من أردفته أنا إذا جئت بعده، وقرئ بفتح الدال، وهو من أردفته إياه. (10) وما جعله الله: أي الأمداد. إلا بشرى: بشارة لكم بالنصر. ولتطمئن به قلوبكم: ليزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم. وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم: وإمداد الملائكة، وكثرة العدد وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها. (11) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه: أمنا من الله، بدل ثان من - إذ يعدكم - لأظهار نعمة ثالثة، والمعنى إذ تنعسون لأمنكم الحاصل من الله بإزالة الرعب عن قلوبكم. وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به: من الحدث والخبث. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام اشربوا ماء السماء فإنه يطهر البدن ويدفع الأسقام، ثم تلا هذه الآية. ومثله في الخصال، والعياشي: عن أمير المؤمنين عليه السلام. ويذهب عنكم رجز الشيطان: يعني الجنابة، وذلك لأنه احتلم بعضهم وغلب المشركون على الماء، ويحتمل أن يكون المراد برجز الشيطان وسوسته وتخويفه إياهم من العطش إذ روي أنهم نزلوا في كثيب أعقر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا فاحتلم أكثرهم، وقد غلب المشركون على الماء فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تنصرون وقد غلبتم على الماء وأنتم

[ 271 ]

تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله فأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي واتخذوا الحياض على عدوته (1) وسقوا الركاب (2) واغتسلوا وتوضئوا، وتلبد (3) الرمل الذي بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت الوسوسة. وليربط على قلوبكم: بالوثوق على لطف الله تعالى بكم. ويثبت به: بالمطر. الاقدام: حتى لا تسوخ في الرمل أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة. (12) إذ يوحى ربك: بدل ثالث لإظهار نعمة رابعة. إلى الملائكة أنى معكم: في إعانتهم، وتثبيتهم. فثبتوا الذين آمنوا: بالبشارة لهم، وبتكثير سوادهم، ومحاربة أعدائهم. سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق: أعاليها التي هي المذبح والرؤوس. واضربوا منهم كل بنان: أصابع، أي جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. (13) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله: بسبب مشاقتهم لهما، وكونهم في شق خلاف شقهما. ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب. (14) ذلكم: الخطاب فيه مع الكفار على طريقة الألتفات. فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار: والمعنى ذوقوا ما عجل لكم من القتل والأسر مع ما أجل لكم في الآخرة من عذاب النار. القمي: وكان سبب ذلك أن عير قريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالخروج ليأخذوها فأخبرهم أن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين إما العير وإما القريش إن ظفر بهم، فخرج في ثلثمأة وثلاثة عشر رجلا، فلما قارب بدرا وكان أبو سفيان لعنه الله في العير فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج يتعرض العير خاف خوفا شديدا ومضى إلى الشام فلما وافى (4)

____________________________

1 - العدى كالى شاطئ الوادي كالعدوة مثلثة.

 2 - الركب ركبان الابل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعدا وقد يكون للخيل.

 3 - لبد كنصر وفرح لبودا ولبدا أقام ولزق كالبد وتلبد الصوف ونحوه تداخل ولزق بعضه ببعض.

 4 - وافى فلان اتى ووافيته موافاة اتيته ومثله وافيت القوم. 

[ 272 ]

النقرة (1) اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير وأعطاه قلوصا (2) وقال له: امض إلى قريش وأخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والصباة (3) من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير، وأوصاه أن يحزم ناقته ويقطع أذنها حتى يسيل الدم، ويشق ثوبه من قبل ودبر، فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب العير وصاح بأعلى صوته: يا آل غالب يا آل غالب، اللطيمة (4) اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا، وما أريكم تدركون فإن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم. فخرج ضمضم يبادر إلى مكة ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيام كأن راكبا قد دخل مكة ينادي: يا آل غدر يا آل غدر، اغدوا إلى مصارعكم صبيح ثالثة ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابه منه فلذة وكأن وادي مكة قد سال من أسفله دما. فانتبهت ذعرة فأخبرت العباس بذلك، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت الرؤيا في قريش، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: ما رأت عاتكة هذه الرؤيا، وهذه تبنية ثانية في بني عبد المطلب، واللات والعزى لننتظرن ثلاثة أيام فإن كان ما رأت حقا فهو كما رأت، وإن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم، فلما مضى يوم، قال أبو جهل: هذا يوم قد مضى، فلما كان اليوم الثاني، قال أبو جهل: هذان يومان قد مضيا، فلما كان اليوم الثالث، وافى ضمضم ينادي في الوادي يا آل غالب: يا آل غالب، اللطيمة

____________________________

1 - النقرة ويقال معدن النقرة وقد تكسر قافهما منزل لحاج العراق بين اضاخ ومأوان ق.

 2 - القلوص من الابل الشابة أو الباقية على السير أو اول ما يركب من انائها الى ان تثنى ثم هي ناقة والناقة الطويلة القوائم خاص بالاناث قلائص وقلص قلاص.

 3 - في النهاية يقال صبا فلان إذا خرج من دين الى دين غيره قال وكانت العرب تسمي النبي صلى الله عليه وآله الصاب لانه خرج من دن قريش الى دين الاسلام ويسمون المسلمين الصباة بغير همز كأنه جمع الصاب (منه رحمه الله).

 4 - بمعنى ضرب الخد والظاهر في مثل المقام انه كناية عن الصدمة اي اسرعوا الى علاجها أو اشكوا والعير العير أي ادركوهم ويمكن تقدير اسرعوا في الكل وغير ذلك أيضا. 

[ 273 ]

اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا، وما أراكم تدركون، فإن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم. فتصايح الناس بمكة وتهيؤا للخروج، وقام سهل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وأبو البختري بن هشام، ومنبه (1)، ونبيه ابنا الحجاج، ونوفل بن خويلد فقالوا: يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمد والصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم، فوالله ما قرشي ولا قرشية إلا ولهما في هذه العير نش (2) فصاعدا وأنه الذل والصغار أن يطمع محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أموالكم، ويفرق بينكم وبين متجركم فأخرجوا. وأخرج صفوان بن أمية خمسمأة دينار وجهز بها، وأخرج سهيل بن عمرو، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالا وحملوا وقودا وخرجوا على الصعب (3) والذلول لا يملكون أنفسهم كما قال الله تعالى: (خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس) وخرج معهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحرث، وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان (4) يشربون الخمر ويضربون بالدفوف. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلثمأة وثلاثة عشر رجلا فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بشير بن أبي الرغباء، ومحمد بن عمرو يتجسسان خبر العير فأتيا ماء بدر فأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء، وسمعا جاريتين قد تشبثت إحديهما بالاخرى وتطالبها بدرهم كان لها عليها، فقالت: عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وهي تنزل غدا هيهنا وأعمل لهم وأقضيك، فرجعا فأخبراه بما سمعا، فأقبل أبو سفيان بالعير فلما شارف بدرا تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر وكان بها رجل من جهينة يقال له كسب الجهني، فقال له: يا كسب هل لك علم بمحمد صلى الله عليه

____________________________

1 - منبه كمعظم ونبيه كعظيم لفظا ومعنى.

 2 - النش عشرون درهما.

 3 - الجمل المتروك الذي لا يترك.

 4 - والقينة الامة مغنية كانت أو غير مغنية وقيل الامة البيضاء والجمع قيان. 

[ 274 ]

وآله وسلم وأصحابه ؟ قال: لا، قال: واللات والعزى لئن كتمتنا أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تزال قريش لك معادية آخر الدهر فإنه ليس أحد من قريش إلا وله في هذا العير نش فصاعدا فلا تكتمني. فقال: والله ما لي علم بمحمد وأصحابه بالتخبار إلا إني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا فاستعذبا من الماء وأناخا راحلتيهما ورجعا فلا أدرى من هما، فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الأبل بيده فوجد فيها النوى، فقال: هذه علايف يثرب هؤلاء والله عيون محمد فرجع مسرعا، وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر، وتركوا الطريق ومروا مسرعين. ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره إن العير قد أفلتت وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، وأمره بالقتال ووعده النصرة وكان نازلا ماء الصفراء فأحب أن يبلو الأنصار لأنهم إنما وعدوه لأن ينصروه، وكان في الدار فأخبرهم أن العير قد جازت وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، وأن الله قد أمرني بمحاربتهم. فجزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وخافوا خوفا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أشيروا علي فقام أبو بكر، فقال: يا رسول إنها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلت منذ عزت، ولم نخرج على هيئة الحرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اجلس فجلس، فقال: أشيروا علي، فقام عمر، فقال: مثل مقالة أبي بكر، فقال: اجلس. ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها وقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا (1) وشوك الهراس

____________________________

1 - الغضا بالقصر شجر ذو شوك وخشبة من أصلب الخشب ولذا لا يكون في فحمه صلابة الهرماس كسحاب شجر شائك ثمره كالنبق. 

[ 275 ]

لخضنا معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: (إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون)، ولكنا نقول: إذهب أنت وربك فقاتلا وإنا معكما مقاتلون، فجزاه النبي خيرا ثم جلس. ثم قال: أشيروا علي فقام سعد بن معاذ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا ؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره، قال: نعم. قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إننا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله والله ما خضت هذا الطريق قط وما لي به علم، وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهادا لك منهم ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا ولكن نعد لك الرواحل، ونلقى عدونا فإنا صبر عند اللقاء أنجاد في الحرب وإنا لنرجو أن يقر الله عينيك بنا فإن يك ما تحب فهو ذاك، وإن يك غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ويحدث الله غير ذلك كأني بمصرع فلان هيهنا، وبمصرع فلان هيهنا، وبمصرع أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومنبه ونبيه ابني الحجاج فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله الميعاد. فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) إلى قوله: (ولو كره المجرمون) فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر، وهي العدوة الشامية، وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية، وبعثت عبيدها تستعذب من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحبسوهم، فقالوا لهم: من أنتم ؟ قالوا: نحن عبيد قريش، قالوا: فأين العير ؟ قالوا: لا علم لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فانفتل من صلوته فقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم علي بهم فأتوا بهم.

[ 276 ]

فقال لهم: من أنتم قالوا يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم ؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم ؟ قال: كم ينحرون في كل يوم جزورا (1) ؟ قالوا: تسعة إلى عشرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، القوم تسعمأة إلى ألف، قال: فمن فيهم من بني هاشم ؟ قالوا: العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهم فحبسوا. وبلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا، ولقى عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال له: أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا والله ما أفلح قوم قط بغوا ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله ولم نسر هذا المسير. فقال له أبو البختري: إنك سيد من سادات قريش فسر في الناس وتحمل العير التي أصابها محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنخلة ودم (2) ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال عتبة: أنت تشير علي بذلك وما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل فسر إليه وأعلمه إني قد تحملت العير التي أصابها محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنخلة ودم ابن الحضرمي. فقال أبو البختري: فقصدت خبأه وإذا هو قد أخرج درعا له، فقلت له: إن أبا الوليد بعثني إليك، برسالة فغضب، ثم قال: أما وجد عتبة رسولا غيرك ؟ فقلت: أما والله لو غيره أرسلني ما جئت، ولكن أبا الوليد سيد العشيرة، فغضب غضبة اخرى، فقال: تقول سيد العشيرة ؟ فقلت: أنا أقوله وقريش كلها تقول أنه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي. فقال: إن عتبة أطول الناس لسانا وأبلغهم في الكلام، ويتعصب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه من بني عبد مناف وابنه معه ويريد أن لا يخذله بين الناس لا

____________________________

1 - الجزور بالفتح وهي من الابل خاصة ما كمل خمس سنين ودخل في السادسة يقع على الذكر والانثى والجمع جزر كرسول ورسل يقال جزرت الجزور من باب قتل أي نحرتها.

 2 - ودم بالفتح علم وبطن من كلب في تغلب. 

[ 277 ]

واللآت والعزى حتى نقحم (1) عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى فندخلهم مكة فتسامع العرب بذلك ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه. وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا، وشكوا، وبكوا، واستغاثوا، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجنه (2) الليل ألقى الله تعالى على أصحابه النعاس حتى ناموا فأنزل الله تعالى عليهم السماء. (3) وكان نزول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضع لا يثبت فيه القدم. فأنزل الله عليهم السماء ولبد الأرض حتى تثبت أقدامهم، وهو قول الله تعالى: (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان) وذلك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتلم (وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)، وكان المطر على قريش مثل العزالى (4)، وكان على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رذاذا بقدر ما يلبد به الأرض، وخافت قريش خوفا شديدا فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، فقال: ادخلا في القوم وأتونا بأخبارهم فكانا يجولان بعسكرهم لا يرون إلا خائفا ذعرا إذا صهل الفرس وثب على جحفلته (5) فسمعوا منبه بن الحجاج يقول: لا يترك الجوع لنا مبيتا * لابد أن نموت أو يميتنا

____________________________

1 - قحم في الامر كنصر قحوما رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية وقحمته تقحيما وأقحمته فانقحم واقتحم.

 2 - جنه الليل وعليه حنا وأجنه ستره وكل ما ستر عنك فقد جن عنك وجن الليل وجنونه وجناه ظلمته.

 3 - السماء المطر سمي به لانه ينزل من السماء (منه رحمه الله).

 4 - العزالي جمع عزلاء وهو مصب الماء من الرواية ونحوها والرذاذ المطر الضعيف (منه).

 5 - الجحفلة بمنزلة الشفه للخيل والبغال والحمير. 

[ 278 ]

قال: قد والله كانوا شباعا ولكنهم من الخوف قالوا: هذا، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تعالى: (سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب). فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبأ (1) أصحابه، وكان في عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس لمقداد، وكان في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب عليه السلام، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي على جمل يتعاقبون عليه، والجمل لمرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس. فعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بين يديه، فقال: غضو أبصاركم ولا تبدؤهم بالقتال، ولا يتكلمن أحد. فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال أبو جهل: ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد. فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا ومددا ؟ فبعثوا عمرو بن وهب الجمحي، وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم صعد في الوادي وصوت، ثم رجع إلى قريش فقال: ما لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح (2) يثرب قد حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلا سيوفهم، وما أريهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى تقتلوا بعددهم فارتأوا (3) رأيكم، فقال أبو جهل: كذبت وجبنت وانتفخ سحرك حين نظرت إلى سيوف أهل يثرب. وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين نظروا إلى كثرة

____________________________

1 - عبأ المتاع والامر كمنع هيأه والجيش جهزه كعبأه تعبية وتعبيئا فيهما والطيب صنعه وخلطه.

 2 - نضح البعير الماء حمله من نهر وبئر لسقي الزرع فهو ناضح سمي بذلك لانه ينضح الماء أي يصبه والانثى ناضحة وسانية ايضا والجمع نواضح وهذا اصله ثم استعمل الناضح في كل بعير وان لم يحمل الماء.

 3 - رتأ العقدة كمنع رتأ شدها وفلانا خنقه وأقام وانطلق. 

[ 279 ]

قريش وقوتهم فأنزل الله تعالى على رسوله (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) وقد علم الله أنهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم وإنما أراد الله تعالى بذلك لتطيب قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش فقال: يا معشر قريش ما أجد من العرب أبغض إلي من أبدأكم فخلوني والعرب فإن أك صادقا فأنتم أعلا بي عينا، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري، فارجعوا. فقال عتبة: والله ما أفلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجول في العسكر وينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن تطيعوه ترشدوا فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش اجتمعوا واسمعوا، ثم خطبهم فقال: يمن مع (1) رحب، ورحب مع يمن، يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور وعانقوا الحور، فإن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إل (2) وذمة وهو ابن عمكم فارجعوا ولا تردوا رأيي وإنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها محمد بنخله ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله. فلما سمع أبو جهل ذلك غاضه وقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، وأبلغهم في الكلام ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريس إلى آخر الدهر، ثم قال: يا عتبة نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك (3) وتأمر الناس بالرجوع وقد رأينا آثارنا بأعيننا، فنزل عتبة عن جمله وحمل على أبي جهل، وكان على فرس فأخذ بشعره، فقال الناس: يقتله فعرقب فرسه، فقال: أمثلي يجبن ؟ وسيعلم قريش اليوم أينا الألئم والأجبن وأينا المفسد لقومه، لا يمشي إلا أنا وأنت بالموت عيانا، ثم قال هذا جناى وخياره

____________________________

1 - رحب ككرم وسمع رحبا بالضم ورحابة فهو رحب ورحيب ورحاب بالضم اتسع. الال بالكسر العهد والحلف والامان والقرابة. السحر ويحرك ويضم الرية ج سحور وأسحار واثر دبرة البعير وانتفخ سحره ومساحره عدا طوره وجاوز قدره وانقطع منه سحري يئست منه. 

[ 280 ]

فيه، وكل جان يده إلى فيه، ثم أخذ بشعره يجره فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا أبا الوليد الله الله لا تفت في أعضاد الناس، تنهى عن شئ تكون أوله. فخلصوا أبا جهل من يده. فنظر عتبة إلى أخيه شيبة، ونظر إلى ابنه الوليد فقال: قم يا بني فقام، ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه فلم يجدوها لعظم هامته فاعتم بعمامتين، ثم أخذ سيفه وتقدم هو وأخوه وابنه، ونادى يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار: عوذ، ومعوذ، وعون بني عفراء، فقال عتبة: من أنتم ؟ انتسبوا لنعرفكم ؟ فقالوا: نحن بنو عفراء أنصار الله وأنصار رسول الله، فقال: ارجعوا فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أرجعوا، و كره أن يكون أول الكرة بالأنصار فرجعوا وواقفوا موقفهم. ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وكان له سبعون سنة فقال له: قم يا عبيدة، فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر إلى حمزة بن عبد المطلب فقال له: قم يا عم، ثم نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: قم يا علي، وكان أصغر القوم - سنا - فقاموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسيوفهم فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفي نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ثم قال رسول الله: يا عبيدة عليك بعتبة، وقال لحمزة: عليك بشيبه، وقال لعلي: عليك بالوليد بن عتبة، فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقال عتبة: من أنتم ؟ انتسبوا لنعرفكم، فقال: أنا عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، فقال: كفو كريم، فقال: فمن هذان ؟ فقال: حمزة ابن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فقال: كفوان كريمان، لعن الله من أوقفنا وإياكم هذا الموقف، فقال: شيبة لحمزة من أنت ؟ فقال: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال له شيبة: لقد لقبت أسد الحلفاء (1) فانظر كيف يكون صولتك يا أسد الله.

____________________________

- الحلفة والحلفاء والحلف محركة النبت المعروف ولعل المراد بأسد الحلفاء الاسد الساكن تحت شجرتها لانها تغطيه = 

[ 281 ]

فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه وقطعها وسقطا جميعا، وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما وكل واحد منهما يتقى بدرقته، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد بن عتبة فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، فقال علي عليه السلام: فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الأرض. ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب قد نهر عمك فحمل عليه علي عليه السلام ثم قال: يا عم طأطئ رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه فطير نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستعبر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألست شهيدا ؟ قال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي، فقال: أما لو أن عمك حي لعلم أني أولى بما قال منه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: وأي أعمامي تعني ؟ قال: أبو طالب حيث يقول: كذبتم وبيت الله نبري محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نضرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد أعداء الله بأرض الحبشة، فقال: يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة ؟ فقال: ما سخطت عليك ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك. وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما عجل وبطر ابنا ربيعة عليكم بأهل يثرب فأجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها، وكان فئة من قريش أسلموا بمكة فأحبسهم آباؤهم فخرجوا

____________________________

= وهو يكمن فيها ويستأنس بها ويتوطن عندها فحاصل مراد القائل انك ملقب بالاسد تشبيها وانا اسد حقيقة نطير قول الشاعر اسد دم الاسد الهزبر خضابه. 

[ 282 ]

مع قريش إلى بدر وهم على الشك والأرتياب والنفاق منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكهة، والحارث بن ربيعة. وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن المنبه، فلما نظروا إلى قلة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم فيقتلون الساعة فأنزل الله على رسوله (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم). وجاء إبليس عليه اللعنة إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: أنا جار لكم إدفعوا إلي رايتكم فدفعوها إليه، وجاء بشياطينه يهول بهم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويخيل إليهم ويفزعهم، وأقبلت قريش يقدمها إبليس مع الراية فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجذ، ولا تسلوا سيفا حتى آذن لكم، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وإن شئت أن لا تعبد، لا تعبد، ثم أصابه الغشي فسرى (1) عنه وهو يسلت العرق عن وجهه وهو يقول: هذا جبرئيل قد أتيكم في ألف من الملائكة مردفين. قال: فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لايح قد وقعت على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقائل يقول: إقدم حيزوم، (2) قدم حيزوم وسمعنا قعقعة السلاح من الجو ونظر إبليس إلى جبرئيل فتراجع ورمى باللواء فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثم قال: ويلك يا سراقة تفت (3) في أعضاد الناس فركله (4) إبليس ركلة في صدره، وقال: (إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله) وهو قول الله: (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف

____________________________

1 - سرى عنه انكشف ويسلت العرق أي يمسحه ويميطه (منه رحمه الله).

 2 - وحيزوم اسم فرس كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وفي التفسير اسم جبرئيل اراد اقدم يا حيزوم على الحذف وفي ص حيزوم فرس من خيل الملائكة.

 3 - أي تورد الضعف والانكسار فيهم وتذهب بقوتهم وشوكتهم.

 4 - الركل ضربك الفرس برجلك ليعدو والضرب برجل واحدة.  

[ 283 ]

الله والله شديد العقاب)، ثم قال عز وجل: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق). وحمل جبرئيل على إبليس فطلبه حتى غاص في البحر، وقال: رب أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدين. وروي في خبر أن إبليس التفت إلى جبرئيل، وهو في الهزيمة فقال: يا هذا بد لكم فيما أعطيتمونا ؟ فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: أترى كان يخاف أن يقتله ؟ فقال: لا، ولكنه كان يضربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة، وأنزل الله على نبيه: (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، قال: أطراف الأصابع فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله ويأبي الله إلا أن يتم نوره. وخرج أبو جهل من بين الصفين فقال: اللهم إن محمدا أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه فأهنه الغداة، فأنزل الله على رسوله أن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين)، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفا من حصى فرمى به في وجوه قريش، وقال: شاهت الوجوه فبعث الله رياحا تضرب وجوه قريش فكانت الهزيمة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم لا يغلبنك فرعون هذه الأمة أبو جهل بن هشام، فقتل منهم سبعين وأسر منهم سبعين، والتقى عمرو بن الجموح مع أبي جهل فضرب عمرو أبا جهل على فخذه وضرب أبو جهل عمرا على يده فأبانها من العضد فتعلقت بجلده فاتكى (1) عمرو على يده برجله ثم تراخى في السماء حتى انقطعت الجلدة ورمى بيده. وقال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحط بدمه فقلت: الحمد

____________________________

1 - أي وضع رجله على يده المبانة وتأخر في جهة العلو حتى انقلعت الجلدة وأراد بعبد ابن ام عبد ابن مسعود و مرتقى صعبا أي يعسر ارتقاؤه وليس أمرا سهلا. 

[ 284 ]

لله الذي أخزاك، فرفع رأسه. فقال: إنما أخزى الله عبدا ابن أم عبد لمن الدين ؟ ولمن الملك، ويلك ؟ قلت: لله ولرسوله وإني قاتلك ووضعت رجلي على عنقه، فقال: قد ارتقيت مرتقا صعبا يا رويعي الغنم أما إنه ليس شئ أشد من قتلك إياي في هذا اليوم ألا يتولى قتلي رجل من المطلبيين أو رجل من الأحلاف، فانقلعت بيضة كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام. فسجد لله شكرا. وأسر أبو بشر الأنصاري العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، وجاء بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: هل أعانك عليهما أحد ؟ قال: نعم رجل عليه ثياب بيض. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك من الملائكة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس: أفد نفسك وابن أخيك، فقال: يا رسول الله قد كنت أسلمت، ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك عليه، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا، ثم قال: يا عباس إنكم خاصمتم الله فخصمكم، ثم قال: أفد نفسك وابن أخيك، وقد كان العباس أخذ معه أربعين اوقية من ذهب فغنمها رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قال رسول الله للعباس: أفد نفسك قال يارسول الله أحسبها من فدائي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا، ذاك شئ أعطانا الله منك، فأفد نفسك وابن أخيك، فقال العباس: فليس لي مال غير الذي ذهب مني، قال: بلى المال الذي خلفته عند أم الفضل بمكة، وقلت لها: إن حدث علي حدث فاقسموه بينكم، فقال له: أتتركني وأنا أسأل الناس بكفي ؟ فأنزل الله على رسوله في ذلك (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم).

[ 285 ]

ثم 687 قال الله: (وإن يريدوا خيانتك) في علي (فقد خانوا الله من قبل) فيك (فأمكن منهم)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعقيل: لقد قتل الله يا أبا يزيد أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومنبه، ونبيه ابنا الحجاج، ونوفل بن خويلد، وأسر سهيل بن عمرو، والنضر بن الحرث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وفلان وفلان، فقال عقيل: إذا لا تنازعون في تهامة فإن كنت قد أثخنت القوم وإلا فاركب أكتافهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان القتلى ببدر سبعين، والأسرى سبعين، قتل منهم أمير المؤمنين عليه السلام سبعة وعشرين ولم يؤسر أحدا، فجمعوا الأسارى وفرقوهم في الجمال وساقوهم على أقدامهم، وجمعوا الغنائم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة رجال فيهم سعد بن خيثمة، وكان من النقباء، فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بدر ونزل الأثيل عند غروب الشمس وهو من بدر على ستة أميال فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عقبة ابن أبي معيط وإلى النضر بن الحرث بن كلدة وهما في قران واحد، فقال النضر لعقبة: يا عقبة أنا وأنت مقتولان، فقال عقبة: من بين قريش ؟ قال نعم، لأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد نظر إلينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي علي بالنضر وعقبة. وكان النضر رجلا جميلا عليه شعر فجاء علي عليه السلام فأخذه بشعره فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال النضر: يا محمد أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أجريتني كرجل من قريش إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني، وإن أطلقتهم أطلقتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا رحم بيني وبينك قطع الله الرحم بالأسلام، قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقال عقبة: يا محمد ألم تقل لا تصبر قريش، أي لا يقتلون صبرا، قال: وأنت من قريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية لأنت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له ليس منها، قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقدمه فضرب عنقه.

[ 286 ]

فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النضر وعقبة، خافت الأنصار أن يقتل الأسارى كلهم، فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: يا رسول الله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وهم قومك وأساراك فهبهم لنا يا رسول الله وخذ منهم الفداء وأطلقهم، فأنزل الله عليهم: (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)، فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط أن يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء فرضوا منه بذلك، وتمام الحديث مضى في سورة آل عمران. (15) يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا كثيرا بحيث يرى كثرتهم كأنهم يزحفون، أي يدنون. القمي: أي يدنو بعضهم من بعض. فلا تولوهم الادبار: بالأنهزام. (16) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال: لأن يكر بعد الفر لان يخيل عدوه أنه منهزم وهو من مكايد الحرب. أو متحيزا إلى فئة: أو منحازا إلى فئة اخرى من المسلمين ليستعين بهم. فقد بآء بغضب من الله ومأويه جهنم وبئس المصير: العياشي: عن الكاظم عليه السلام إلا متحرفا لقتال قال: متطردا، يريد الكرة عليهم أو متحيزا يعني متأخرا إلى أصحابه من غير هزيمة فمن انهزم حتى يجوز صف أصحابه فقد باء بغضب من الله. (17) فلم تقتلوهم: بقوتكم، يعني إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم. ولكن الله قتلهم: بأن أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم. وما رميت: أنت يا محمد. إذ رميت ولكن الله رمى: حيث أثرت الرمية ذلك الأثر العظيم. القمي: يعنى الحصى الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورمى به في وجوه قريش، وقال: شاهت الوجوه (1).

____________________________

1 - اي قبحت يقال شاه يشوه شوها وشوه شوها ورجل اشوه وامرأة شوهاء. 

[ 287 ]

وروي: أن قريشا لما جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال لعلي: أعطني قبضة من حصاة الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل: قتلت وأسرت فنزلت آية الرمي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه وجد منه صورة ونفاه عنه معنى لأن أثره الذي لا يدخل في قدرة البشر فعل الله سبحانه فكأنه فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من الرسول وفيه وجه آخر غامض. وفي الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال: في هذه الآية سمي فعل النبي فعلا له ألا ترى تأويله على غير تنزيله. العياشي: عن الصادق، والسجاد عليهما السلام إن عليا عليه السلام ناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القبضة التي رمى بها في وجوه المشركين، فقال الله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). وفي الخصال: في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وتعدادها قال: وأما الخامسة والثلاثون فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهني يوم بدر، فقال: أئتني بكف حصاة مجموعة من مكان واحد، فأخذتها ثم شممتها فإذا هي طيبة يفوح منها رائحة المسك فأتيته بها فرمى بها وجوه المشركين، وتلك الحصيات أربع منها كن من الفردوس، وحصاة من المشرق، وحصاة من المغرب، وحصاة من تحت العرش، مع كل حصاة مأة ألف ملك مددا لنا، لم يكرم الله عز وجل بهذه الفضيلة أحدا قبلنا ولا بعدنا. وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا: ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، فعل ما فعل. إن الله سميع: لاستغاثتهم ودعائهم. عليم: بنياتهم وأحوالهم. (18) ذلكم: أي الغرض ذلكم. وأن الله موهن كيد الكافرين: يعني أن المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، وقرئ موهن كيد بالأضافة والتشديد. (19) إن تستفتحوا فقد جائكم الفتح: قيل: الخطاب لأهل مكة على سبيل

[ 288 ]

التهكم إذ روي أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين. وفي المجمع: في حديث أبي حمزة قال أبو جهل: (اللهم ربنا ديننا القديم، ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم. وروي أنه قال: أينا أهجر وأقطع للرحم فأهنه اليوم فأهلكه. وقيل: خطاب للمؤمنين وكذا القولان فيما بعده. وإن تنتهوا: عن الكفر ومعاداة الرسول والتكاسل في القتال، والرغبة عما يستأثره الرسول. فهو خير لكم: لتضمنه سلامة الدارين، وخير المنزلين. وإن تعودوا: لمحاربة والتكاسل. نعد: لنصره والأنكار. ولن تغنى عنكم فئتكم: ولن تدفع عنكم جماعتكم. شيئا: من الأغناء والمضار. ولو كثرت: فئتكم. وأن الله مع المؤمنين: بالنصر والمعونة. (20) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه: عن الرسول. وأنتم تسمعون: القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق. (21) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا: ادعوا السماع. وهم لا يسمعون: سماعا ينتفعون به. (22) إن شر الدواب عند الله الصم عن الحق. البكم الذين لا يعقلون: الحق (1). (23) ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم: سماع تفهم. ولو أسمعهم: وقد علم أن لا خير فيهم. لتولوا: ولم ينتفعوا به. وهم معرضون: لعنادهم (2). في المجمع: عن الباقر عليه السلام نزلت في بني عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير، وحليف لهم يقال له: سويط.

____________________________

1 - يعني هؤلاء المشركين الذين لم ينتفعوا بما يسمعون من الحق ولا يتكلمون به ولا يعتقدونه ولا يقرون به فكأنهم صم بكم لا يتفكرون ايضا فيما يسمعون فكأنهم لم ينتفعوا بعقولهم أيضا وصاروا كالدواب.

 2 - وفي هذا دلالة على أن الله تعالى لا يمنع أحدا من المكلفين اللطف وإنما لا يلطف لمن يعلم أنه لا ينتفع به. 

[ 289 ]

(24) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول: بالطاعة إذا دعاكم: الرسول. لما يحييكم. في الكافي: عن الصادق عليه السلام نزلت في ولاية علي عليه السلام. والقمي: الحياة: الجنة. وعن الباقر عليه السلام: في هذه الآية ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فإن اتباعكم إياه وولايته أجمع لأمركم وأبقى للعدل فيكم. واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه يملك تقلب القلوب من حال إلى حال. القمي: أن يحول بينه وبين ما يريد. وعن الباقر عليه السلام يحول بين المؤمن ومعصيته أن تقوده إلى النار، وبين الكافر وبين طاعته أن يستكمل بها الأيمان، قال: واعلموا أن الأعمال بخواتيمها. وفي التوحيد، والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق. وفي المجمع، والعياشي: عنه عليه السلام معناه لا يستيقن القلب أن الحق باطل أبدا، ولا يستيقن القلب أن الباطل حق أبدا. والعياشي: عنه عليه السلام هو أن يشتهي الشئ بسمعه وبصره ولسانه ويده أما إن هو غشى شيئا مما يشتهي فإنه لا يأتيه إلا وقلبه منكر لا يقبل الذي يأتي يعرف أن الحق ليس فيه. وعن الباقر عليه السلام: هذا الشئ يشتهيه الرجل بقلبه وسمعه وبصره لا تتوق نفسه إلى غير ذلك فقد حيل بينه وبين قلبه إلا ذلك الشئ. وأنه إليه تحشرون: فيجازيكم بأعمالكم. (25) واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل يعمهم وغيرهم كالمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتراق الكلمة، وظهور البدع. والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: أصابت الناس فتنة بعد ما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى تركوا عليا عليه السلام وبايعوا غيره،

[ 290 ]

وهي الفتنة التي فتنوا بها، وقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأتباع علي عليه السلام والأوصياء من آل محمد (صلوات الله عليهم). وفي المجمع: عن علي، والباقر عليهما السلام أنهما قرئا لتصيبن. وعن ابن عباس: أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من ظلم عليا عليه السلام مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي. والقمي نزلت في طلحة والزبير لما حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وظلموه. واعلموا أن الله شديد العقاب. (26) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم (1) الناس فاويكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات: من الغنائم. لعلكم تشكرون: هذه النعم. القمي: نزلت في قريش خاصة وهو مروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا. (27) يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون: أنكم تخونون. في المجمع: عن الباقر والصادق عليهما السلام نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله وولده كانت

____________________________

1 - التخطف الاخذ بسرعة انتزاع يقال تخطف وخطف واختطف أي يستلبكم المشركون من العرب أن خرجتم منها وقيل انه يعني بالناس كفار قريش وقيل فارس والروم فاويكم أي جعل لكم مأوى ترجعون إليه يعني المدينة دار الهجرة. 

[ 291 ]

عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاهم، فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا. فأتاه جبرئيل فأخبره بذلك، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت الآية فيه، فلما نزلت شد نفسه على سارية (1) من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يحلني فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أخلع من مالي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجزيك الثلث إن تتصدق به. والقمي: عن الباقر عليه السلام فخيانة الله والرسول: معصيتهما، أما خيانة الأمانة: فكل إنسان مأمون على ما افترض الله عز وجل عليه، قال: نزل في أبي لبابة بن عبد المنذر فلفظ الآية عام ومعناها خاص. قال: ونزلت في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، وقد كتبت في هذه السورة مع أخبار بدر، وكانت على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، ونزلت مع الآية التي في سورة التوبة قوله: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم)، التي نزلت في أبي لبابة. قال: فهذا دليل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله على نبيه ثم ذكر هذه القصة هناك كما يأتي. (28) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة (2) لألهائهم إياكم عن ذكر الله. والله عنده أجر عظيم: لمن آثر رضاء الله عليهم. في المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك

____________________________

1 - السارية: الاسطوانة.

 2 - أي بلاء ومحنة وسبب لوقوعكم في الجرايم العظام يعني انه سبحانه يختبرهم بالاموال والاولاد ليتبين الراضي يقسمه ممن لا يرضى به وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن ليظهر الافعال التي بها يستحق الثواب والعقاب. 

[ 292 ]

من الفتنة لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن، فإن الله سبحانه يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة). (29) يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل. القمي: يعني العلم الذي به تفرقون بين الحق والباطل. ويكفر عنكم سيئاتكم: ويسترها. ويغفر لكم: بالتجاوز والعفو عنها. والله ذو الفضل العظيم. (30) وإذ يمكر بك الذين كفروا: واذكر إذ تمكر بك قريش، ذكره ذلك ليشكر نعمة الله عليه في خلاصه. ليثبتوك: بالحبس. أو يقتلوك: بسيوفهم. أو يخرجوك: من مكة. ويمكرون ويمكر الله: برد مكرهم ومجازاتهم عليه. والله خير الماكرين. العياشي: عن أحدهما عليهما السلام أن قريشا اجتمعت فخرج من كل بطن أناس، ثم انطلقوا إلى دار الندوة ليتشاوروا فيما يصنعون برسول الله، فإذا شيخ قائم على الباب وإذا ذهبوا إليه ليدخلوا، قال: أدخلوني معكم، قالوا: ومن أنت يا شيخ ؟ قال: أنا شيخ من مضر ولي رأي أشير به عليكم، فدخلوا وجلسوا وتشاوروا وهو جالس وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه، فقال: ليس هذا لكم برأي، إن أخرجتموه أجلب عليكم الناس فقاتلوكم، قالوا: صدقت ما هذا برأي، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن بوثقوه، قال: هذا ليس بالرأي إن فعلتم هذا ومحمد رجل حلو اللسان أفسد عليكم أبناءكم وخدمكم وما نفع أحدكم إذا فارقه أخوه وابنه وامرأته، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه يخرجون من كل بطن منهم بشاهر فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكعبة، ثم قرأ هذه الآية: (وإذ يمكر بك الذين كفروا). والقمي: نزلت بمكة قبل الهجرة، وكان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة بمكة قدمت عليه الأوس والخزرج فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تمنعوني (1) وتكونون لي جارا، حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله

____________________________

1 - وهو في عز ومنعة محركة ويسكن أي معه من يمنعه من عشيرته. وامتنع بقومه تقوى بهم فهو في منعته بفتح النون أي في عز قومه فلا يقدر عليه من يريده قال في المصباح قال الزمخشري هي مصدر مثل الآنفة والعطمة أو جمع مانع وهم = 

[ 293 ]

الجنة، فقالوا: نعم خذ لربك ولنفسك ما شئت، فقال لهم: موعدكم العقبة (1) في الليلة الوسطى من ليالي التشريق، فحجوا ورجعوا إلى منى وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير، فلما كان الثاني من أيام التشريق. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائما ولينسل (2) واحدا فوا حدا، فجاء سبعون رجلا من الأوس والخزرج فدخلوا الدار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة. فقال سعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام: نعم يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أما ما أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم، وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم، فقالوا: فما لنا على ذلك ؟ فقال: الجنة في الآخرة، وتملكون العرب، ويدين لكم العجم في الدنيا، وتكونون ملوكا في الجنة، فقالوا: قد رضينا. فقال: أخرجوا إلي منكم إثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا يكونون شهداء عليكم بذلك فأشار إليه جبرئيل، فقال: هذا نقيب وهذا نقيب تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج: سعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حزام أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت، ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان وهو من اليمن، وأسد بن حصين، وسعد بن خيثمة.

____________________________

= العشيرة والحماة ويجوز ان يكون مقصورا من المناعة وقد يسكن في الشعر لا في غيره خلافا لما اجازه مطلقا والمنيع القوي ذو المنعة.

 1 - العقبة بالتحريك مرقى صعب من الجبال يجمع على عقاب كرقبة ورقاب وليلة العقبة هي التي بايع رسول الله صلى الله عليه وآله الانصار على الاسلام والنصرة وعقبة المدنيين في مكة لمن جاء على طريق المدينة وجمرة العقبة معروفة في منى.

 2 - قوله تعالى يتسللون منكم لواذا أي خيرجون من الجماعة واحدا واحدا كقولك سللت كذا من كذا إذا أخرجته منه. 

[ 294 ]

فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صاح إبليس يا معشر قريش والعرب هذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى، وهاجت قريش فأقبلوا بالسلاح. وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النداء فقال للأنصار: تفرقوا. فقالوا يا رسول الله: إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم اؤمر بذلك، ولم يأذن الله لي في محاربتهم، قالوا: أفتخرج معنا ؟ قال: أنتظر أمر الله، فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، وخرج حمزة وأمير المؤمنين عليه السلام ومعهما السيف فوقفا على العقبة فلما نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له ؟ فقال حمزة: ما اجتمعنا وما هيهنا أحد، والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ضربته باسيفي. فرجعوا إلى مكة، وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاجتمعوا في الندوة، وكان لا يدخل دار الندوة إلا من قد أتى عليه أربعون سنة، فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير، فقال له البواب: من أنت ؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم مني من رأي صائب أني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل فجئت لأشير عليكم، فقال: ادخل، فدخل إبليس فلما أخذوا مجلسهم. قال أبو جهل: يا معشر قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة مرتين ويكرمونا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع، فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه، وصدق لهجته، حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه، إدعى أنه رسول الله وأن أخبار السماء تأتيه فسفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار، فلم يرد علينا شئ أعظم من هذا، [ وقد ] رأيت فيه رأيا، قالوا: وما رأيت ؟ قال: رأيت أن ندس إليه رجلا منا ليقتله فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيانهم عشر ديات.

[ 295 ]

فقال الخبيث ؟ هذا رأي خبيث، قالوا وكيف ذلك ؟ قال: لأن قاتل محمد مقتول لا محالة، فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم، فإنه إذا قتل محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعصبت بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأرض فيقع بينكم الحروب في حرمكم، وتتفانوا، فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر، قال: وما هو ؟ قال: نثبته في بيته ونلقي إليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير، والنابغة، وامرء القيس. فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر، قال: وكيف ذلك ؟ قال: لأن بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم واجتمعوا عليكم فأخرجوه، وقال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من بلادنا ونتفرغ نحن لعبادة آلهتنا، قال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين. قالوا: وكيف ذاك ؟ قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، وأنطق الناس لسانا، وأفصحهم لهجة، فتحملونه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسخرهم بلسانه فلا يفجأكم إلا وقد ملأها عليكم خيلا ورجلا، فبقوا حائرين، ثم قالوا لأبليس: فما الرأي فيه يا شيخ ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد، قالوا: وما هي ؟ قال: يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد ويكون معهم من بني هاشم رجل فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه، وقد شاركوا فيه، فإن سألوكم أن تعطوا الدية فأعطوهم ثلاث ديات، فقالوا: نعم عشر ديات. ثم قالوا: الرأي رأي الشيخ النجدي، فاجتمعوا، ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك، وأنزل عليه في ذلك: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه، وخرجوا إلى المسجد يصفرون، ويصفقون، ويطوفون بالبيت،

[ 296 ]

فأنزل الله: (وما كان صلوتهم عند البيت إلا مكاء (1) وتصدية)، فالمكاء: التصفير، والتصدية: صفق اليدين، وهذه الآية معطوفة على قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) وقد كتبت بعد آيات كثيرة. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت قريش ليدخلوا عليه، فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل فإن في الدار صبيانا ونساء ولا نأمن أن تقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرش له ففرش له، فقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أفدني بنفسك ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: نم على فراشي والتحف ببردتي. فنام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتحف ببردته، وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجه على قريش وهم نيام، وهو يقرء عليهم (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور، وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فدخل الغار، وكان من أمره ما كان. فلما أصبحت قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش فوثب علي في وجوههم فقال: ما شأنكم، قالوا له: أين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: جعلتموني عليه رقيبا ؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا فقد خرج عنكم، فأقبلوا يضربونه، ويقولون أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هذه قدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله لأخت القدم التي في المقام. وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرده معه، فقال أبو

____________________________

1 - قبل المكاء الصفير والتصدية تفعلة من الصدي وهو أن يضرب باحدى يديه على الاخرى فيخرج من بينهما صوت وهو التصفيق. 

[ 297 ]

كرز: وهذه قدم ابن أبي قحافة أو أبيه، ثم قال: وهيهنا عير ابن أبي قحافة، فما زال بهم حتى أوقفهم على باب الغار، ثم قال: ما جازوا هذا المكان، إما أن يكون صعدوا السماء أو دخلوا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار، ثم قال: ما في الغار أحد فتفرقوا في الشعاب فصرفهم الله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أذن لنبيه في الهجرة. (31) وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا: قيل: قائله النضر بن الحرث بن كلدة، واسر يوم بدر فقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبرا بيد علي عليه السلام، وإنما قاله صلفا (1) وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤا، وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه مع فرط حرصهم على قهره وغلبته. إن هذا إلا أساطير الاءولين: ما سطره الأولون من القصص، قيل: قاله النضر أيضا وذلك أنه جاء بحديث رستم واسفنديار من بلاد فارس، وزعم أن هذا هو مثل ذلك. (32) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم: قيل: هذا أيضا من كلام النضر، وهو أبلغ في الجحود، أراد به التهكم وإظهار الجزم التام على كونه باطلا. والقمي: قاله أبو جهل. وفي الكافي: قاله الحارث بن عمرو الفهري. وفي المجمع: قاله النعمان بن الحرث، كما يأتي جميعا. (33) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون: بيان لموجب إمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم. (34) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام: فإنهم

[ 298 ]

ألجأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى الهجرة، وأحصروا عام الحديبية. وما كانوا أولياءه: مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لقولهم نحن ولاة البيت والحرم. إن أولياؤه إلا المتقون: من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره. في المجمع: عن الباقر عليه السلام معناه وما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون. والعياشي: عن الصادق عليه السلام وما كانوا أولياءه، يعني أولياء البيت، يعني المشركين، إن أولياءه إلا المتقون حيثما كانوا أولى به من المشركين. ولكن أكثرهم لا يعلمون: أن لا ولاية لهم عليه. القمي: نزلت لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقريش: (إن الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا وأجر الملك إليكم فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وتكونوا ملوكا في الجنة). فقال أبو جهل: اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو إئتنا بعذاب أليم حسدا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: كنا وبني هاشم كفرسي رهان نحمل إذا حملوا ونطعن إذا طعنوا، ونوفد (1) إذا وفدوا فلما استوى بنا وبهم الركب قال قائل منهم: منا نبي، لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم نبي ولا يكون في بني مخزوم، ثم قال: (غفرانك اللهم)، فأنزل الله في ذلك (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) حين قال: (غفرانك اللهم). فلما هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجوه من مكة، قال الله: (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياؤه) يعني قريشا ما كانوا أولياء مكة (إن أولياؤه إلا المتقون) أنت وأصحابك يا محمد فعذبهم الله يوم بدر فقتلوا. وفي الكافي: عن أبي بصير قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس

____________________________

1 - والوفد هم القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد والوافد السابق من الابل ومنه إمام القوم وافدهم أي سابقهم إلى الله فقدموا أفضلكم. 

[ 299 ]

إذ أقبل أمير المؤمنين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فيك شبها من عيسى بن مريم، ولولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصاري في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدمك يلتمسون بذلك البركة. قال: فغضب الأعرابيان، والمغيرة بن شعبة، وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضى أن يضرب لابن عمه مثلا إلا بعيسى بن مريم، فأنزل الله على نبيه فقال: (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكم) يعني من بني هاشم (ملائكة في الأرض يخلفون). قال: فغضب الحرث بن عمرو الفهري فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلا (1) بعد هرقل فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فأنزل الله عليه مقالة الحرث ونزلت هذه الآية: (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) ثم قال له: يا ابن عمرو إما تبت وإما رحلت، فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضت هامته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به، قال الله عز وجل: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد). وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا يوم غدير خم، قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) طار ذلك في البلاد فقدم على النبي النعمان بن الحرث الفهري فقال: أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم

____________________________

1 - هرقل وزان خندف اسم ملك الروم قال الجوهري ويقال أيضا هر قل على وزن دمشق قال في المجمع هرقل وضغاطر ملكان من ملوك الروم فضغاطر اسلم ودعا الروم الى الاسلام فقتلوه واما هرقل فشح بملكه وحارب المسلمين في موتة وتبوك ويحتمل ان يضمر الاسلام ويفعل هذه المعاصي شحا بملكه.. ومن كلام الحارث بن عمرو الفهري اللهم إن كان هذا هو الحق من ان بني هاشم يتوارثون هرقا بعد هرقل أراد أن بني هاشم يتوارثون ملكا بعد ملك. 

[ 300 ]

والصلوة والزكاة فقبلناها، ثم لم ترض عنا حتى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ منك أو أمر من عند الله ؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله، فولى النعمان بن الحرث، وهو يقول: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع). وفي الكافي: عنه عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن لكم في حيوتي خيرا، وفي مماتي خيرا، قال: فقيل يا رسول الله أما حيوتك فقد علمنا، فما لنا في وفاتك ؟ فقال: أما في حيوتي فإن الله يقول: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وأما في مماتي فتعرض علي أعمالكم فأستغفر لكم. والقمي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام ما يقرب منه، وقال في آخره: فإن أعمالكم تعرض علي كل خميس واثنين، فما كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيئة استغفرت الله لكم. وفي نهج البلاغة: كان في الأرض أمانان من عذاب الله فرفع أحدهما، ودونكم الآخر فتمسكوا به، أما الأمان الذي رفع فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما الأمان الباقي: فالأستغفار ثم تلا الآية. والعياشي: عن الصادق عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأستغفار حصنين لكم من العذاب، فمضى أكبر الحصنين وبقي الأستغفار، فأكثروا منه فأنه ممحاة للذنوب وإن شئتم فاقرؤا، ثم تلا الآية. (35) وما كان صلوتهم عند البيت إلا مكآء صفيرا وتصدية تصفيقا، يعني وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلوة. وفي المعاني، والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: التصفير والتصفيق.

[ 301 ]

وفي العيون عن الرضا عليه السلام سميت مكة مكة (1) لأن الناس يمكون فيها، وكان يقال لمن قصدها قد مكا (2)، وذلك قول الله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) فالمكاء: الصفير، والتصدية: تصفيق اليدين. قيل: كانوا يطوفون بالبيت عراء يشبكون بين أصابعهم ويصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلوته يخلطون عليه. وفي المجمع: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان بأيديهما فيخلطان عليه صلوته، فقتلهم الله جميعا ببدر. فذوقوا العذاب: يعني القتل والأسر يوم بدر، أو عذاب النار في الآخرة. بما كنتم تكفرون: بسبب كفركم. القمي: هذه الآية معطوفة على قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا) كما نقلنا عنه هناك. (36) إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون. القمي: نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم وأخبرهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلب العير، فأخرجوا أموالهم، وحملوا وأنفقوا، وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم. أقول: قد مضت تسمية بعض المنافقين في قصة بدر. والذين كفروا إلى جهنم يحشرون: يساقون. (37) ليميز الله الخبيث من الطيب: الكافر من المؤمن، والصالح من الفاسد.

____________________________

1 - المك النقض والهلاك ومنه سمي البلد الحرام مكة لانها تنقض الذنوب وتنقيها أو تمك من قصدها بالظلم أي تهلكه كما وقع لاصحاب الفيل أو لقلة الماء بها.

 2 - مكا يمكو إذا صفر ويقال المكاء صفير كصفير المكاء بالتشديد والمد وهو طائر بالحجاز له صفير. 

[ 302 ]

ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا: فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض. فيجعله في جهنم: كله. أولئك هم الخاسرون: الكاملون في الخسران. في العلل: عن الباقر عليه السلام في حديث إن الله سبحانه مزج طينة المؤمن حين أراد خلقه بطينة الكافر، فما يفعل المؤمن من سيئة فإنما هو من أجل ذلك المزاج، وكذلك مزج طينة الكافر حين أراد خلقه بطينة المؤمن فما يفعل الكافر من حسنة فإنما هو من أجل ذلك المزاج. أو لفظ هذا معناه، قال: فإذا كان يوم القيامة ينزع الله من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويرده إلى المؤمن، وينزع الله تعالى من المؤمن سنخ الناصب ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية ويرده إلى الناصب عدلا منه جل جلاله وتقدست أسماؤه، ويقول: للناصب لا ظلم عليك هذه الأعمال الخبيثة من طينتك ومزاجك وأنت أولى بها وهذه الأعمال الصالحة من طينة المؤمن ومزاجه وهو أولى بها (لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب)، ثم قال: أزيدك في هذا المعنى من القرآن أليس الله عز وجل يقول: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)، وقال عز وجل: (والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون). وقد أوردنا تمام هذا الحديث على وجهه وشرحناه في كتابنا المسمى بالوافي، من أراده فليطلبه هناك. (38) قل للذين كفروا إن ينتهوا: عن الكفر ومعاداة الرسول. يغفر لهم ما قد سلف: من ذنوبهم. وإن يعودوا: إلى قتاله. فقد مضت سنة الاولين: الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير، كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك. العياشي: عن الباقر عليه السلام أنه قال له رجل: إني كنت عاملا لبني أمية فأصبت مالا كثيرا، فظننت أن ذلك لا يحل لي فسألت عن ذلك فقيل لي: إن أهلك ومالك وكل شئ لك حرام، فقال ليس كما قالوا لك، قال: فلي توبة، قال: نعم توبتك في

[ 303 ]

كتاب الله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). (39) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة: لا يوجد فيهم شرك. القمي: أي كفر، قال: وهي ناسخة لقوله: (كفوا أيديكم) ولقوله (ودع أذاهم). ويكون الدين كله لله: ويضحمل عنهم الأديان الباطلة. في الكافي: عن الباقر عليه السلام لم يجئ تأويل هذه الآية بعد إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم، ولكنهم يقتلون حتى يوحد الله، وحتى لا يكون شرك. وفي المجمع، والعياشي: عن الصادق عليه السلام لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغ الليل حتى لا يكون مشرك على ظهر الأرض كما قال الله تعالى (يعبدونني ولا يشركون بى شيئا). فإن انتهوا: عن الكفر. فإن الله بما يعملون بصير: فيجازيهم على إنتهائهم عنه، وإسلامهم. (40) وإن تولوا: ولم ينتهوا. فاعلموا أن الله مولكم: ناصركم، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم. نعم المولى: لا يضيع من تولاه. ونعم النصير: لا يغلب من نصره. (41) واعلموا أنما غنمتم من شئ: قيل: أي الذي أخذتموه من الكفار قهرا. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام هي والله الأفادة يوما بيوم. أقول: يعني استفادة المال من أي جهة كانت. فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل: في الكافي: عن الباقر عليه السلام إن ذا القربى هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والخمس لله، وللرسول، ولنا. والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام مثله، وزاد: أنه سئل منهم اليتامى

[ 304 ]

والمساكين وابن السبيل قال: نعم. وفي الكافي، والتهذيب: عن أمير المؤمنين عليه السلام نحن والله عنى بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه وبرسوله، فقال: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) منا خاصة، قال: ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس. وفي الكافي: عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقيل له: فما كان لله فلمن هو ؟ فقال: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو للأمام)، فقيل له: أرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقل ما يصنع به ؟ قال: ذاك إلى الأمام، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصنع ؟ أليس إنما كان يعطي على ما يرى ؟ كذلك الأمام. وفي الفقيه، والتهذيب، والعياشي: عن الصادق عليه السلام أما خمس الله: فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول: فلأقاربه، وخمس ذوي القربى: فهم أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة الأسهم فيهم، وأما المساكين، وابن السبيل: فقد عرفت إنا لا نأكل الصدقة، ولا تحل لنا. فهي للمساكين، وأبناء السبيل. وفي التهذيب: عن أحدهما عليهما السلام، خمس الله: للأمام، وخمس الرسول: للأمام، وخمس ذي القربى: لقرابة الرسول والأمام واليتامى: يتامى الرسول، والمساكين منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم. والقمي: فهم أيتام آل محمد (صلوات الله عليهم) خاصة ومساكينهم وأبناء سبيلهم، فمن الغنيمة يخرج الخمس ويقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله، وسهم للأمام، فسهم الله، وسهم الرسول يرثه الأمام فيكون للأمام ثلاثة أسهم من ستة، والثلاثة الأسهم لأيتام آل الرسول صلوات الله عليهم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، وإنما صارت للأمام وحده من الخمس ثلاثة أسهم لأن الله تعالى قد ألزمه بما ألزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تربية الأيتام ومؤن المسلمين وقضاء ديونهم وحملهم في الحج والجهاد، وذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما انزل عليه: (النبي أولى بالمؤمنين

[ 305 ]

من أنفسهم) وهو أب لهم، فلما جعله الله أبا للمؤمنين لزمهم ما يلزم الوالد للولد، فقال عند ذلك: من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي فلزم الأمام ما لزم الرسول صلى الله عليه وآله، فلذلك صار له من الخمس ثلاثة أسهم. إن كنتم آمنتم بالله: متعلق بمحذوف، يعني إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة. وما أنزلنا: على عبدنا: محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات، والملائكة، والنصر. يوم الفرقان: يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. يوم التقى (1) الجمعان: المسلمون والكفار. في الخصال في حديث الأغسال عن الباقر عليه السلام: ليلة التقى الجمعان: ليلة بدر. والله على كل شئ قدير: فيقدر على نصر القليل على الكثير، والأمداد بالملائكة. (42) إذ أنتم بالعدوة الدنيا: من المدينة بدل من يوم الفرقان، والعدوة - مثلثة -: شط الوادي. وهم بالعدوة القصوى: البعدى من المدينة، تأنيث الأقصى. القمي: يعني قريشا حيث نزلوا بالعدوة اليمانية، ورسول الله صلى الله عليه وآله نزل بالعدوة الشامية، وقرئ العدوة بكسر العين والركب: القمي: يعني العير التي أفلتت. والعياشي: عن الصادق عليه السلام يعني أبا سفيان وأصحابه. أقول: والتفسيران متحدان، فإن أبا سفيان كان مع العير. أسفل منكم: في مكان أسفل من مكانكم يقودون العير بالساحل، والفائدة في ذكر هذا المواطن الأخبار من الحالة الدالة على قوة المشركين وضعف المسلمين وإن غلبتهم على مثل هذه الحالة أمر إلهي لا يتيسر إلا بحوله وقوته، وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء، ولا ماء بالعدوة الدنيا، وكانت رخوة تسوخ فيها الأرجل، وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة

____________________________

1 - العياشي عن الباقر عليه السلام في تسعة عشر من شهر رمضان يلتقي الجمعان قيل ما معنى يلتقي الجمعان قال يجمع فيها ما يريد من تقديمه وتأخيره على إرادته وقضائه منه رحمه الله). 

[ 306 ]

عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وتحملهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ويبذلوا نهاية نجدتهم، وفيه تصوير ما دبر الله من أمر وقعة بدر. ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد: أي لو تواعدتم أنتم، وهم على موعدة للقتال ثم علمتم حالكم وحالهم لخالف بعضكم بعضا، ثبطكم قلتكم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من الرعب فلم يتفق لكم من الوفاء ما وفقه الله. ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا: كان واجبا أن يفعل من إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، ونصر أوليائه، وقهر أعدائه. ليهلك من هلك عن بينة: عاينها. ويحيى من حى عن بينة: شاهدها. القمي: قال: يعلم من بقى أن الله نصره. وقيل: ليصدر كفر من كفر، وإيمان من آمن عن وضوح بينة، وقيام حجة، وقرئ حيي بفك الأدغام. وإن الله لسميع عليم: يعلم كيف يدبر أموركم. (43) إذ يريكهم الله في منامك قليلا: لتخبر به أصحابك فيكون تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم. ولو أريكهم كثيرا لفشلتم: لجبنتم. ولتنازعتم في الاءمر: أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار. ولكن الله سلم: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع. إنه عليم بذات الصدور: يعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها من الجرأة والجبن. القمي: فالمخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى لأصحابه، أراهم الله قريشا في منامهم أنهم قليل، ولو أراكهم كثيرا لفزعوا. في الكافي: عن الباقر عليه السلام كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين الناس فشد عليه جبرئيل بالسيف فهرب منه، وهو يقول: يا جبرئيل إني مؤجل حتى وقع في البحر، قيل: لأي شئ يخاف وهو مؤجل ؟ قال: بقطع بعض أطرافه. (44) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا: تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيتا لكم، في الجوامع: عن ابن مسعود لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين ؟ قال: أراهم مأة، فأسرنا رجلا منهم، فقلنا: كم كنتم ؟ قال:

[ 307 ]

ألفا. ويقللكم في أعينهم: حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور، وقال أبو جهل: ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا عليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد، كما مر ذكره في القصة، وإنما قللهم في أعينهم ليجترؤا عليهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيما بعد اللقاء لتفجأهم الكثرة فيهابوا، وتقل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسبانهم، وهذا من عظائم آيات تلك الواقعة، وعجائب قدرة الله فيها، فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا، والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد. ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الاءمور. (45) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة: إذا حاربتم جماعة كافرة أو باغية، واللقاء مما غلب في القتال. فاثبتوا: لقتالهم ولا تفرقوا. واذكروا الله كثيرا: في مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره. لعلكم تفلحون: تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، قيل: فيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شئ عن ذكر الله تعالى وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بشراشره (1)، فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في شئ من الأحوال. (46) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا: باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر واحد. فتفشلوا: فتضعفوا عن قتال عدوكم. وتذهب ريحكم: دولتكم، شبهت الدولة بالريح في نفوذ أمرها وهبوبها، يقال: هبت ريح فلان إذا نفذ أمره، وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله. وفي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. واصبروا إن الله مع الصابرين: بالكلاءة والنصر. (47) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم: يعني أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير. بطرا: فخرا وأشرا. ورئآء الناس: ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا جحفة (2) وأتاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فأبى أبو

____________________________

1 - الشراشر الاثقال الواحد شرشره يقال القى عليه شراشره أي نفسه حرصا ومحبة.

 2 - وجحفة موضع بين مكة والدينة وهي ميقات أهل الشام وكان اسمها مهيعة فأجحف السيل بأهلها فسميت جحفة. 

[ 308 ]

جهل، وقال: حتى نقدم بدرا ونشرب بها الخمور وتعزف (1) علينا القيان، ونطعم بها من حضرنا من العرب، فذلك بطرهم ورثاؤهم فوافوها فسقوا كأس الحمام (2) مكان الخمر وناحت عليهم النوايح مكان القيان، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين. ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط. (48) وإذ زين لهم الشيطن أعمالهم: في معادة الرسول وغيرها بأن وسوس إليهم. وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم: مجيركم. فلما تراءت الفئتان: تلاقى الفريقان. نكص على عقبيه: رجع القهقرى، وبطل كيده، وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم. وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون: يعني جنود الملائكة. إنى أخاف الله: أن يصيبني مكروها. والله شديد العقاب: قد مضى لهذه الآية بيان في سورة آل عمران في قصة بدر. وفي المجمع: عن الباقر والصادق عليهما السلام أنهم لما التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة أتخذلنا على هذه الحال ؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال: والله ما ترى إلا جواسيس يثرب، فدفع في صدر الحرث وانطلق وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قال الناس: هزم سراقة فبلغ سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالو: إنك آتيتنا في يوم كذا فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان. العياشي: عن السجاد عليه السلام لما عطش القوم يوم بدر انطلق علي عليه السلام بالقربة يستقي وهو على القليب إذ جاءت ريح شديدة، ثم مضت فلبث ما بدا له، ثم جاءت ريح أخرى، ثم مضت، ثم جاءت أخرى كاد أن تشغله وهو على القليب (3)، ثم جلس حتى مضى فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بذلك، فقال

____________________________

1 - المعارف الملاهي والعازف اللاعب بها والمغني وقد عزف عزفا.

 2 - الحمام بالكسر والتخفيف الموت.

 3 - القليب البئر قبل أن تطوى يذكر ويؤنث. 

[ 309 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما الريح الاولى: ففيها جبرئيل مع ألف من الملائكة، والثانية: فيها ميكائيل مع ألف من الملائكة، والثالثة: فيها إسرافيل مع ألف من الملائكة، وقد سلموا عليك، وهم مدد لنا وهم الذين رآهم إبليس فنكص على عقبيه يمشي القهقرى حين يقول: (إنى أرى ما لا ترون) الآية. (49) إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: الشاكون في الأسلام. غر هؤلاء دينهم: يعني المسلمين، أي اغتروا بدينهم حتى تعرضوا مع قلتهم لقتال جم غفير. ومن يتوكل على الله: جواب لهم. فإن الله عزيز: غالب ينصر الضعيف على القوي، والقليل على الكثير. حكيم: يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه، وقد مضى لهذه الآية وما بعدها بيان في قصة بدر. (50) ولو ترى: ولو رأيت وشاهدت، فإن (لو) تجعل المضارع ماضيا عكس إن إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة: ببدر، وقد قرئ تتوفى بالتاء. يضربون وجوههم: ما أقبل منهم. وأدبارهم: وما أدبر. العياشي: مرفوعا إنما أراد واستاههم ان الله كريم يكنى. وذوقوا عذاب الحريق: ويقولون: ذوقوا عذاب الآخرة، وقيل: كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا إلتهبت النار منها. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا قال له: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه فبدر رأسه، فقال: سبقك إليه الملائكة. (51) ذلك بما قدمت أيديكم بسبب ما كسبت أيديكم من الكفر والمعاصي. وأن الله (1) ليس بظلام للعبيد: بأن الله يعذب الكفار بالعدل، لأنه لا يظلم عباده في عقوبتهم، و (ظلام) للمتكثر لأجل العبيد. (52) كدأب آل فرعون: أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم: وعادتهم،

____________________________

1 - وفي هذا دلالة واضحة على بطلان مذهب ؟ ؟ المحرة ؟ ؟ في أنه يخلق الكفر ثم يعذب عليه وأنه يجوز أن يعذب من غير ذنب وأن يأخذ بذنب غيره لان هذا غاية الظلم وقد بالغ عز اسمه في نفي الظلم عن نفسه بقوله ليس بظلام لعبيد. 

[ 310 ]

وعملهم الذي دأبوا فيه، أي داوموا عليه. والذين من قبلهم: من قبل آل فرعون. كفروا بآيات الله: تفسير لدأبهم. فأخذهم الله بذنوبهم: كما أخذ هؤلاء. إن الله قوى شديد العقاب: لا يغلبه في دفعه شئ. (53) ذلك: إشارة إلى ما حل بهم. بأن الله: بسبب أن الله. لم يك مغيرا: لا يصح في حكمته أن يغير. نعمة أنعمها على قوم: مبدلا إياها بالنقمة. حتى يغيروا ما بأنفسهم: يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوء كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم، والكف عن تعرض الآيات والرسل بمعاداة الرسول ومن تبعه منهم، والسعي في إراقة دمائهم والتكذيب بالآيات والأستهزاء بها، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعث. وأن الله سميع: لما يقولون. عليم: بما يفعلون. في الكافي: عن الصادق عليه السلام إن الله بعث نبيا من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه أن قل لقومك: أنه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سراء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون الحديث. وعنه عليه السلام أنه كان أبي يقول: إن الله قضى قضاء حتما لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة. (54) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال فرعون: تكرير للتأكيد، وفي قوله: (بآيات ربهم) زيادة دلالة على كفران النعم، وفي ذكر الأغراق بيان للأخذ بالذنوب. وكل: من غرقى آل فرعون، وقتلى قريش. كانوا ظالمين: أنفسهم بكفرهم ومعاصيهم. (55) إن شر الدواب عند الله الذين كفروا أصروا على الكفر ورسخوا فيه. فهم لا يؤمنون: فلا يتوقع منهم إيمان. القمي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام نزلت في بني أمية، فهم أشر خلق الله،

[ 311 ]

هم الذين كفروا في بطن القرآن. (56) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة: قيل: هم يهود بني قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا يمالئوا عليه عدوا فنكثوا، بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالئوا عليه الأحزاب يوم الخندق. والقمي: هم أصحابه الذين فروا يوم احد. وهم لا يتقون: لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون ما فيه من العار والنار. (57) فإما تثقفنهم: تصادفنهم وتظفر بهم. في الحرب فشرد بهم: ففرق عن محاربتك ونكل عنها بقتلهم والنكاية فيهم. من خلفهم: من وراء من الكفرة، والتشريد: تفريق على اضطراب. لعلهم يذكرون: يتعظون. (58) وإما تخافن من قوم معاهدين. خيانة: نقض عهد بإمارات تلوح لك. فأنبذ إليهم: فاطرح إليهم عهدهم. على سوآء: على طريق مقتصد مستو في العداوة وذلك بأن تخبرهم بنقض العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا يتبين لهم أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تبدأهم بالقتال، وهم على توهم العهد، فيكون ذلك خيانة. إن الله لا يحب الخائنين: فلا تخنهم بأن تناجزهم القتال من غير إعلامهم بالنبذ. القمي: نزلت في معاوية لما خان أمير المؤمنين عليه السلام. (59) ولا يحسبن الذين كفروا: وقرئ بالياء. سبقوا: فأتوا من أن يظفر بهم. إنهم لا يعجزون: لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا من إدراكهم، وقرئ بالفتح بمعنى أنهم. (60) وأعدوا: أيها المؤمنون. لهم: للكفار. ما استطعتم من قوة: من كل ما يتقوى به في الحرب. في الكافي، والعياشي: مرفوعا والعامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن القوة: الرمي.

[ 312 ]

والعياشي: عن الصادق عليه السلام سيف وترس. والقمي: قال السلاح. وفي الفقيه: عنه عليه السلام منه الخضاب بالسواد. ومن رباط الخيل: والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. ترهبون به: تخوفون به، وقرئ بالتشديد. عدو الله وعدوكم: كفار مكة. وآخرين من دونهم: من غيرهم من الكفرة. لا تعلمونهم: لا تعرفونهم بأعيانهم، لأنهم يصلون ويصومون. الله يعلمهم: يعرفهم، لأنه المطلع على الأسرار. وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم: جزاؤه. وأنتم لا تظلمون: بتضييع العمل أو نقص الثواب. (61) وإن جنحوا: مالوا. للسلم: للصلح والأستسلام، وقرئ بالكسر. فاجنح لها: وعاهد معهم، وتأنيث الضمير لحملها على نقيضها الذي هي الحرب، وقد مضى للآية بيان في قصة بدر. والقمي: قال: هي منسوخة بقوله: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون)، ونزلت هذه الآية (وإن جنحوا) قبل نزول: (يسألونك عن الأنفال) وقبل الحرب، وقد كتبت في آخر السورة بعد انقضاء أخبار بدر. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما السلم ؟ قال: الدخول في أمرنا. وتوكل على الله: ولا تخف من خديعتهم ومكرهم، فإن الله عاصمك وكافيك منهم. إنه هو السميع: لأقوالهم. العليم: بنياتهم. (62) وإن يريدوا أن يخدعوك: في الصلح بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن القتال حتى يقوى أمرهم فيبدوكم به من غير استعداد منكم. فإن حسبك الله: محسبك الله. القمي: عن الباقر عليه السلام هؤلاء قوم كانوا معه من قريش. هو الذى أيدك: قواك. بنصره وبالمؤمنين. (63) وألف بين قلوبهم: حتى صاروا متحابين متوادين بعد ما كان بينهم من

[ 313 ]

التضاغن والتحارب. في المجمع، والقمي: عن الباقر عليه السلام هم الأنصار، وهم الأوس والخزرج. وزاد القمي كان بين الأوس والخزرج حرب شديد وعداوة في الجاهلية فألف الله بين قلوبهم ونصر بهم نبيه لو أنفقت ما في الاءرض جميعا ما آلفت بين قلوبهم: يعني تناهي عدواتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الالفة والأصلاح. ولكن الله ألف بينهم: بالأسلام بقدرته البالغة، فإنه مالك القلوب يقلبها كيف يشاء. إنه عزيز: تام القدرة والغلبة لا يعصى عليه ما يريده. حكيم: يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريد. (64) يأيها النبي حسبك الله: كافيك. ومن اتبعك من المؤمنين: قيل: نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. (65) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال بالغ في حثهم على القتال. إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين وإن يكن منكم مأة يغلبوا ألفا من الذين كفروا: هذه عدة من الله بأن الجماعة من المؤمنين أن صبروا وغلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بتأييد الله، وقرء تكن بالتاء. بأنهم قوم لا يفقهون: بسبب أن الكفار جهلة بالله واليوم الآخر، يقاتلون على غير احتساب الثواب، ولا يثبتون ثبات المؤمنين الراجين لعلو الدرجات. (66) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا: وقرئ بفتح الضاد. فإن يكن منكم مأة صابرة: وقرئ تكن بالتاء. يغلبوا مأتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله: هذه الآية ناسخة لما قبلها. في الكافي: عن الصادق عليه السلام في حديث طويل ذكر فيه هذه الاية فقال: نسخ الرجلان العشرة. والعياشي: عن أمير المؤمنين عليه السلام من فر من رجلين في القتال [ من الزحف فقد ] فر من الزحف، ومن فر من ثلاثة رجال في القتال من الزحف فلم يفر.

[ 314 ]

والقمي: ما يقرب من معنى الحديثين. قيل: كان فيهم قلة أولا. فامروا بذلك، ثم لما كثروا خفف الله عنهم. والله مع الصابرين: بالنصر والمعونة فلا محالة يغلبون. (67) ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الاءرض: يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الأسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض إذا أثقله. تريدون عرض الدنيا: حطامها بأخذ الفداء. والله يريد الآخرة: يريد لكم ثواب الآخرة. والله عزيز: يغلب أولياءه على أعدائه. حكيم: يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها. قيل: كان هذا يوم بدر فلما كثر المسلمون نزل: (فإما منا بعد وإما فداء)، وقد مضى لهذه الآية وما بعدها بيان في قصة بدر. (68) لولا كتاب من الله سبق أي حكم منه سبق إثباته في اللوح بإباحة الغنائم لكم. لمسكم: لنالكم. فيما أخذتم: فيما استحللتم قبل الأباحة من الفداء. عذاب عظيم. (69) فكلوا مما غنمتم: من الفدية. حلالا طيبا واتقوا الله: في مخالفته. إن الله غفور: غفر لكم ذنبكم. رحيم: أباح لكم ما أخذتم. (70) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاءسرى: وقرئ الاسارى. إن يعلم الله في قلوبكم خيرا: خلوص عقيدة، وصحة نية في الأيمان. يؤتكم خيرا مما أخذ منكم: من الفداء. ويغفر لكم والله غفور رحيم: قد مضى لهذه الآية بيان في قصة بدر. وفي الكافي العياشي: عن الصادق عليه السلام إنها نزلت في العباس، وعقيل، ونوفل. وقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبو البختري فأسروا فأرسل عليا عليه السلام فقال: انظر من هيهنا من بني هاشم، قال: فمر علي عليه السلام على عقيل بن أبي طالب فحاد عنه، [ حار خ ل ] عنه فقال له عقيل: يا ابن أم علي أما والله لقد رأيت مكاني، قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا عقيل في يد فلان، وهذا نوفل

[ 315 ]

ابن الحرث في يد فلان، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حتى انتهى إلى عقيل فقال له يا أبا يزيد قتل أبو جهل، فقال: إذا لا تنازعون في تهامة، فقال إن كنتم أثخنتم القوم، وإلا فاركبوا أكتافهم، قال: فجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابني أخيك، فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي، قال: أعط ما خلفت عند أم الفضل وقلت لها إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك، فقال له: يا ابن أخي من أخبرك بهذا فقال: أتاني به جبرئيل من عند الله، فقال: ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي، أشهد أنك لرسول الله، قال: فرجع الاسرى كلهم مشركين إلا العباس، وعقيل، ونوفل، وفيهم نزلت هذه الآية (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية. في قرب الأسناد: عن السجاد قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمأتي درهم، فقال: يا عباس أبسط رداءك وخذ من هذا المال طرفا فبسط رداءه فأخذ منه طائفة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا من الذي قال الله: (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) الآية. والعياشي: عن الصادق عليه السلام مثله. (71) وإن يريدوا خيانتك: نقض ما عاهدوك. فقد خانوا الله: بالكفر. من قبل: القمي: وإن يريدوا خيانتك في علي فقد خانوا الله من قبل فيك، كما مضى في قصة بدر. فأمكن منهم: فأمكنك منهم يوم بدر، فإن أعادوا الخيانة فسيمكن منهم. والله عليم حكيم. (72) إن الذين آمنوا وهاجروا: فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ولرسوله، وهم المهاجرون من مكة إلى المدينة. وجاهدوا بأموالهم: فصرفوها. وأنفسهم: فبذلوها. في سبيل الله والذين آووا ونصروا: والذين أو وهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم، وهم الأنصار. أولئك بعضهم أولياء بعض: أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث. القمي: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة آخى بين المهاجرين والمهاجرين، وبين الأنصار والأنصار، وبين المهاجرين والأنصار، وكان إذا مات

[ 316 ]

الرجل يرثه أخوه في الدين، ويأخذ المال، وكان له ما ترك دون ورثته، فلما كان بعد بدر أنزل الله: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، الآية، فنسخت أية الأخوة (بعضهم أولى ببعض). وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الأولى دون التقارب حتى نسخ ذلك بقوله: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض). والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا: أي من توليهم في الميراث، وقرئ ولايتهم بالكسر تشبيها لها بالعمل والصناعة، كالكتابة والأمارة كأنه بتولية صاحبه يزاول عملا. العياشي: عنهما عليهما السلام أن أهل مكة لا يولون أهل المدينة. وإن استنصروكم في الدين: قيل: معناه وإن طلب المؤمنون الذين لم يهاجرون منكم النصرة لهم على الكفار. فعليكم النصر: لهم. إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق: فلا يجوز لكم نصركم عليهم. والله بما تعملون بصير. (73) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض نهى المسلمون عن موالاة الكفار ومعاونتهم وإن كانوا أقارب، وأوجب أن يتركوا يتولى بعضهم بعضا. إلا تفعلوه: لا تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم، وتولي بعضكم بعضا حتى في التوارث تفضيلا لنسبة الأسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار. تكن فتنة في الاءرض وفساد كبير: تحصل فيها فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة لأن المسلمين ما لم يكونوا يدا واحدة على أهل الشرك كان الشرك ظاهرا وتجرأ أهله على أهل الأسلام ودعوهم إلى الكفر. (74) والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا: لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة والأنسلاخ من الأهل والمال والنفس لأجل الدين. لهم مغفرة ورزق كريم: لا تبعة له ولا منة فيه. (75) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم: يريد اللاحقين بعد السابقين كقوله: (والذين جاؤا من بعدهم). فأولئك منكم: أي من جملتكم أيها المهاجرون

[ 317 ]

والأنصار، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم. وأولوا الاءرحام: وأولوا القربات. بعضهم أولى ببعض: بعضهم أولى بميراث بعض من بعض، ومن غيرهم، وهو نسخ للتوارث بالهجرة، والنصرة كما سبق بيانه. في كتاب الله: في حكمه المكتوب، وفيه دلالة على أن من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام كان علي عليه السلام إذا مات مولى له وترك قرابته لم يأخذ من ميراثه شيئا، ويقول: (أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض). والقمي: قال: هذه الآية نسخت قوله: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم). وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام لا تعود الأمامة في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام أبدا، إنما جرت من علي بن الحسين عليه السلام كما قال الله: (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، فلا يكون بعد علي بن الحسين عليهما السلام، إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إن الله بكل شئ عليم: من المواريث وغيرها، وبالحكمة في إناطتها بنسبة الأسلام والمظاهرة (1) أولا واعتبار القرابة ثانيا إلى غير ذلك. وذكر ثواب قراءة هذه السورة يأتي في آخر سورة التوبة إن شاء الله تعالى والله العالم.

____________________________

1 - المظاهرة المطابقة والمعاضدة والمعاونة والمساعدة وأصله من ترادف الظهرين والصاق أحدهما بالآخر واعتماده عليه. 

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843236

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:27

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net