00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الأنعام  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

[ 106 ]

سورة الأنعام

هي مكية غير ست وما قدروا الله حق قدرة الى الى آخر ثلاث آيات قل تعالوا اتل ما حرم عليكم ربكم ألى آخر ثلاث آيات فانهن نزلن بالمدينة وعدد آيها مائة وخمس وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى خلق السموت والأرض وصف نفسه بما نبه به على أنه المستحق للمحمد حمد أو لم يحمد ليكون حجة على العادلين به وجعل الظلمت والنور أنشأهما والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التصيير كإنشاء شئ من شئ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون: يعني أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يسوون به ما لا يقدر على شئ منه ومعنى ثم استبعاد عدو لهم (1) بعد هذا الوضوح. في الأحتجاج عن الصادق عليه السلام في حديث في نزول هذه الاية إنها رد على ثلاثة أصناف لما قال الحمد لله الذي خلق السموات والأرض كان ردا على الدهرية الذين قالوا إن الأشياء لا بدولها وهي قائمة ثم قال وجعل الظلمات والنور فكان ردا على الثنوية (2) الذين قالوا إن النور والظلمة هما المدبر ان ثم قال ثم الذين كفروا بربهم

____________________________

1 - وعدلوا بالله أشركوا به وجعلوا له مثلا ومنه حديث علي (عليه السلام) كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم.

 2 - الثنوية من يثبت مع القديم قديما غيره قيل وهم فرق المجوس يثبتون مبدئين مبدء للخير ومبدء للشر وهما النور والظلمة ويقولون بنبوة إبراهيم وقيل هم طائفة يقولون ان كل مخلوق مخلوق للخلق الاول وقد شهد ببطلان قولهم قوله عليه السلام في وصف الحق تعالى لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان فبهذا يدفع جميع حجج الثنوية وشبههم. 

[ 107 ]

يعدلون فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا إن أوثاننا آلهة. (2) هو الذي خلقكم من طين: أي إبتدأ خلقكم منه ثم قضى أجلا: كتب وقدر أجلا محتوما لموتكم لا يتقدم ولا يتأخر وأجل مسمى عنده لموتكم أيضا يمحوه ويثبت غيره لحكمة الصدقة والدعاء وصلة الرحم وغيرها مما يحقق الخوف والرجاء ولوازم العبودية فان بها وبأضدادها يزيد العمر وينقص وفيه سر البداء وقد بيناه في كتابنا المسمى بالوافي مستوفى. في الكافي عن الباقر عليه السلام في تفسيرها قال: أجلان أجل محتوم وأجل موقوف. والقمي: عن الصادق عليه السلام الأجل المقضي: هو المحتوم الذي قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذي فيه البداء يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير ثم أنتم تمترون تشكون فيه وفي بعثه إياكم استبعاد لامترائهم بعدما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم فإن من قدر على خلق الاصول وجمعها وإبداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء وتوقيفهم في الأجل بعد حتمه إياه في الخوف والرجاء بعد قضائه الأمر كان حقيقا بأن يعبد وكان أقدر على جمع الاصول وإحيائها ثانيا فالآية الاولى: دليل التوحيد والثانية دليل التوحيد والبعث جميعا. (3) وهو الله في السموت وفي الارض هو المعبود فيهما والمعروف بالألهية والوحدانية مثل قوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) في التوحيد: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية كذلك هو في كل مكان قيل بذاته قال ويحك الأماكن أقدار فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول: في أقدار وغير ذلك ولكن هو باين من خلقه محيط بما خلق علما وقدرة وإحاطة وسلطانا وليس علمه بما في الأرض بأقل مما في السماء لا يبعد عنه شئ والأشياء عنده سواء علما وقدرة وسلطانا وملكا واحاطة يعلم سركم وجهركم. القمي: قال: السر ما أسر في نفسه، والجهر ما أظهره ويعلم ما تكسبون من خير وشر فيثيب عليه ويعاقب. (4) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين تاركين النظر

[ 108 ]

فيها غير ملتفتين إليها. (5) فقد كذبوا بالحق بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون فسيظهر لهم ما كانوا به يستهزؤون عند نزول العذاب بهم. (6) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن: من أهل زمان مكناهم في الأرض أعطيناهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال ما لم نمكن لكم ما لم نعطكم يا أهل مكة وفي الكلام التفات وأرسلنا السماء المطر عليهم مدرارا مغزارا (1) وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فعاشوا في الخصب (2) بين الأنهار والثمار فأهلكناهم بذنوبهم ولم يغن ذلك عنهم شيئا وأنشأنا وأحدثنا من بعدهم قرنا آخرين بدلا منهم يعني إنا كما قدرنا أن نهلك من قبلكم كعاد وثمود وننشئ مكانهم آخرين قدرنا أن نفعل ذلك بكم. (7) ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس مكتوبا في ورق فلمسوه بأيديهم ولم يقتصر بهم على الرؤية لئلا يقولوا: سكرت أبصارنا لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين لعظم عنادهم وقسوة قلوبهم. (8) وقالوا لولا أنزل عليه ملك يصدقه ويكلمنا إنه نبي لقوله لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر لحق إهلاكهم فإن سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم ثم لا ينظرون لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين. (9) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا جواب ثان أو جواب لأقتراح ثان فإنهم كانوا تارة يقولون: لولا أنزل عليه ملك وتارة يقولون: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة والمعنى لو جعلنا قرينا لك ملكا يصدقك ويعاينوه أو جعلنا مكانك ملكا كما اقترحوه لمثلناه رجلا كما مثل جبرئيل في صورة دحية فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته وللبسنا

____________________________

1 - في الحديث الامام كالعين الغزيرة يقال غزر الماء بالضم غزارا وغزارة كثر فهو غزير أي كثير والمراد شدة النفع وعمومه. والمدرار الكثير الدر مفعال يستوي فيه المذكر والمؤنث.

 2 - الخصب بالكسر كحمل: النماء والبركة والمرعى الخصب كثير العشب. 

[ 109 ]

عليهم ما يلبسون: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلنا وكذبوه كما كذبوك في تفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة. وفي الأحتجاج عنه عليه السلام قال قلت لأبي علي بن محمد عليهما السلام هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجهم قال بلى مرارا كثيرة إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة إذ ابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي فقال يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا زعمت أنك رسول رب العالمين وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت يا محمد إلا مسحورا ولست بنبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم أنت السامع لكل صوت، والعالم بكل شئ، تعلم ما قاله عبادك، فانزل عليه يا محمد (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر) إلى قوله تعالى: (وللبسنا عليهم ما يلبسون) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأما قولك لي ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، فالملك لم تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر، لأنه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وإن ما يقوله حق بل إنما بعث الله بشرا رسولا وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبايع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبكم فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة، وأن ذلك شهادة من الله بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا الا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها ولو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا فالله عز وجل سهل عليكم الأمر وجعله مثلكم بحيث تقوم عليكم حجته وأنتم تقترحون عمل الصعب الذي لا

[ 110 ]

حجة فيه، الحديث ويأتي نبذ منه في سورة الفرقان وآخر في سورة الزخرف إنشاء الله. (10) ولقد استهزئ برسل من قبلك: تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يرى من قومه فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون فأحاط بهم الذي يستهزؤون به من العذاب. (11) قل سيروا في الاءرض: قيل: أي سافروا فيها ثم انظروا بأبصاركم وتفكروا بقلوبكم. القمي: أي انظروا في القرآن وأخبار الأنبياء فانظروا، وقد مضى نظيره عن الصادق عليه السلام في سورة آل عمران كيف كان عاقبة المكذبين المستهزئين بالرسل من الأمم السالفة حيث استأصلهم العذاب. (12) قل لمن ما في السموات والأرض: سؤال تبكيت (1) قل لله تقرير لهم أي هو لله لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره. كتب على نفسه الرحمة: أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والأمهال على الكفر والذنوب لتدارك ما فرط ليجمعنكم: قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة لا ريب فيه: قيل: استيناف، ووعيد على إشراكهم، وإغفالهم النظر. وقيل: بدل من الرحمة فإنه منها. الذين خسروا أنفسهم: بتضييع رأس مالهم الذي هو الفطرة الأصلية. فهم لا يؤمنون: فإن إبطال الفطرة أداهم إلى الأصرار على الكفر. (13) وله: ولله. ما سكن في الليل والنهار: ما تمكن وحل من السكنى. ذكر في الأول السماوات والأرض المشتملتين على الأمكنة جميعا، وهنا الليل والنهار المشتملين على الأزمنة جميعا ليعم الموجودات التي تندرج تحت الظرفين. وهو السميع العليم: لا يخفى عليه شئ. (14) قل أغير الله أتخذ وليا: إنكار لأتخاذ غير الله وليا لا لأتخاذ الولي، ولذلك قدم غير وأولى الهمزة. فاطر السموت والأرض: منشؤهما ومبدعهما، ابتدأ بقدرته وحكمته من

____________________________

1 - التبكيت التقريع والتوبيخ كما يقال له يا فاسق أما استحييت أما خفت الله. 

[ 111 ]

غير احتذاء مثال وهو يطعم ولا يطعم: يرزق ولا يرزق يعني أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الأنتفاع. قل إنى أمرت: أي أمرني ربي. أن أكون أول من أسلم: لأن النبي سابق امته في الأسلام. ولا تكونن من المشركين: وقيل لي: (ولا تكونن من المشركين)، ويجوز عطفه على (قل). (15) قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم: مبالغة اخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب. العياشي: عن الصادق عليه السلام ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم) حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد إلى ذلك الكلام. (16) من يصرف عنه يومئذ يعني العذاب، وقرئ بالبناء للفاعل. فقد رحمه: وتفضل عليه. في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل وذلك الفوز المبين. (17) وإن يمسسك الله بضر: ببلية كمرض وفقر. فلا كاشف له: فلا قادر على كشفه. إلا هو وإن يمسسك بخير: بنعمة كصحة، وغنى. فهو على كل شئ قدير: يقدر على إدامته وإزالته. (18) وهو القاهر فوق عباده: تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة يعني أنهم تحت تسخيره وتذليله. وهو الحكيم: في أمره وتدبيره. الخبير: بالعباد، وخفايا أحوالهم، وبكل شئ. (19) قل أي شئ أكبر شهادة: أعظم شهادة، وأصدق. قل الله شهيد بينى وبينكم: قيل: الله جواب، وشهيد: مستأنف بتقدير هو. وقيل: بل الله شهيد ساد مسد الجواب. أقول: لعله أريد أنه لا يحتاج إلى الجواب ويكون معنى السؤال أنه غير خاف أن الله هو أكبر شئ شهادة وأنتم أيضا تعلمون ذلك، ومعنى (الله شهيد): أن الله الذي هو أكبر شئ شهادة هو الذي يشهد لي بالنبوة، وإنما جاز إطلاق الشئ على الله تعالى لأخراجه

[ 112 ]

عن حد التعطيل، ولكنه شئ بخلاف الأشياء كذا في الكافي: عن الصادق عليه السلام. القمي: عن الباقر عليه السلام إن مشركي أهل مكة قالوا: يا محمد ما وجد الله رسولا يرسله غيرك ما نرى أحدا يصدقك بالذي تقول ؟ وذلك في أول ما دعاهم، وهو يومئذ بمكة، قالوا: ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك ذكر عندهم فأتانا بأمر يشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الله شهيد بيني وبينكم. وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ: قيل: يعني انذركم، وأنذر سائر من بلغه إلى يوم القيامة. وفي المجمع، والكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية ومن بلغ أن يكون إماما من آل محمد (صلوات الله عليهم): فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والقمي: ما في معناه. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى: تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. قل لا أشهد: بما تشهدون. قل إنما هو إله وحد: بل أشهد أن لا إله إلا هو وإنني برئ مما تشركون: به من الأوثان وغيرها. (20) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحليته المذكورة في التوراة والأنجيل. كما يعرفون أبنائهم: بحلاهم. القمي: نزلت في اليهود والنصارى لأن الله قد أنزل عليهم في التوراة والأنجيل والزبور صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفة أصحابه ومهاجره، وهو قوله تعالى: (محمد رسول الله) صلى الله عليه وآله إلى قوله: (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل)، فهذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله في التوراة والأنجيل وصفة أصحابه فلما بعثه الله عز وجل عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به). الذين خسروا أنفسهم: من أهل الكتاب والمشركين. فهم لا يؤمنون: لتضييعهم ما به يكتسب الأيمان.

____________________________

1 - الحلية بالكسر بمعنى الصفة. 

[ 113 ]

(21) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا: كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. أو كذب بآياته: كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحرا، وإنما (أو) وهم قد جمعوا بين الأمرين تنبيها على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الأفراط في الظلم. إنه لا يفلح الظلمون: فضلا عمن لا أحد أظلم منه. (22) ويوم نحشرهم (1) جميعا: منصوب بمضمر تهويلا للأمر. ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم: قيل: أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى ويأتي ما ورد فيه، وأن المراد بها شركاؤهم في الولاية، وقرئ يحشر، ويقول: بالياء. الذين كنتم تزعمون: أي تزعمونهم شركاء توبيخ لهم بعدم انتفاعهم بها. (23) ثم لم تكن فتنتهم: في المجمع: عن الصادق عليه السلام يعني معذرتهم. أقول: يعني معذرتهم التي يتوهمون أن يتخلصوا بها من فتنت الذهب إذا خلصته، وقرئ لم تكن بالتاء، وفتنتهم بالرفع وبالياء والنصب. إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركون: يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحسرة والدهشة، وقرئ ربنا بالنصب. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام، والقمي: عن الصادق عليه السلام يعنون بولاية علي صلوات الله وسلامه عليه. (24) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون من الشركاء. في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث يذكر فيه أهوال يوم القيامة، ثم يجتمعون في موطن آخر ويستنطقون فيه، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، وهؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد فلم ينفعهم إيمانهم بالله تعالى مع مخالفتهم رسله وشكهم فيما أتوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم، واستبد الهم الذي هو

____________________________

1 - قوله ويوم نحشرهم اه هو مفعول به والتقدير واذكر يوم نحشرهم وجميعا حال من ضمير المفعول ومفعولا تزعمون محذوفان اي تزعمونهم شركاء ودل على المحذوف ما تقدم. 

[ 114 ]

أدنى بالذي هو خير فكذبهم الله فيما انتحلوه من الأيمان بقوله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم). والقمي: مقطوعا قال: إنها في قدرية (1) هذه الامة يحشرهم الله تعالى يوم القيامة مع الصابئين والنصارى والمجوس فيقولون: (والله ربنا ما كنا مشركين) يقول الله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون). قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لكل امة مجوسا ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أن المشيئة والقدرة إليهم ولهم. (25) ومنهم من يستمع إليك: حين تتلو القرآن. وجعلنا على قلوبهم أكنة: أغطية جمع كنان وهو ما يستر الشئ. أن يفقهوه: كراهة أن يفقهوه. وفى آذانهم وقرا (2): يمنع من استماعه كناية عن نبو (3) قلوبهم وأسماعهم عن قبوله. وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها: لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم. حتى إذا جاءوك يجادلونك: يخاصمونك. يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين: الأساطير: الأباطيل، وأصله السطر، بمعنى الخط والمعنى بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك، وينا كرونك، ويجعلون كلام الله الذي هو أصدق الحديث خرافات الأولين، وهي غاية التكذيب. وهم ينهون عنه وينأون عنه: القمي: قال: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويمنعون قريشا عنه، وينأون عنه، أي: يباعدونه ولا يؤمنون به وإن يهلكون وما يهلكون بذلك إلا أنفسهم وما يشعرون: إن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. (27) ولو ترى إذ وقفوا على النار: جوابه محذوف، يعني لو تراهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها أو حين يطلعون عليها بالدخول لرأيته أمرا فظيعا (4).

____________________________

1 - في الحديث ذكر القدرية وهم المنسوبون إلى القدر ويزعمون أن كل عبد خالق فعله ولا يرون المعاصي والكفر بتقدير الله ومشيته فنسبوا الى القدر لانه بدعتهم وضلالتهم. وفي شرح المواقف قيل القدرية هم المعتزلة لاستناد أفعالهم الى قدرتهم وفي الحديث لا يدخل الجنة قدري وهو الذي يقول لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء إبليس.

 2 - الوقر بالفتح الثقل في الاذن.

 3 - نبا السيف ينبو من باب قتل نبوا على فعول: كل ورجع من غير قطع.

 4 - فظع الامر بالضم فهو فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع جاوزا المقدار. 

[ 115 ]

القمي: قال: نزلت في بني أمية. فقالوا يليتنا نرد: تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا. ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين: عطف على نرد أو ابتداء كلام، وقرئ بالنصب فيهما على الجواب بإضمار (أن) بعد الواو إجراء لها مجرى - الفاء -، وبرفع الأول ونصب الثاني. (28) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل من نفاقهم، وقبايح أعمالهم، فتمنوا ما تمنوا ضجرا لا عزما على أنهم لو ردوا لآمنوا. ولو ردوا: أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور لعادوا لما نهوا عنه: من الكفر والمعاصي. وإنهم لكاذبون: فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به. العياشي: عن الصادق عليه السلام أنهم ملعونون في الأصل. (29) وقالوا: عطف على عادوا أو إبتداء. إن هي إلا حياتنا الدنيا: الضمير للحياة. وما نحن بمبعوثين. (30) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم: للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه كناية عن اطلاعهم على الرب وجزائه، والوقوف: بمعنى الأطلاع. قال أليس هذا بالحق: تعيير من الله لهم على تكذيبهم بالبعث. قالوا بلى وربنا: أقروا وأكدوا باليمين لأنجلاء الأمر غاية الجلاء. قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون: بسبب كفركم. (31) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله: ببلوغ الآخرة وما يتصل به من الجزاء إذ فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم. حتى إذا جاءتهم الساعة: غاية لكذبوا لا لخسر لأن خسرانهم لا غاية له. بغتة: فجأة. قالوا يا حسرتنا: أي تعالي فهذا أوانك. على ما فرطنا: قصرنا فيها. قيل: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر للعلم بها أو في الساعة أي في شأنها والأيمان بها أو في الجنة يعني في طلبها والعمل لها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله في هذه الآية يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا. وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم: تمثيل لأستحقاقهم آضار (1) الآثام ألا ساء ما يزرون: بئس شيئا

____________________________

1 - الوضر بالتحريك الدرن والدسم يقال وضرت القصعة أي دسمت ووضره وضرا فهو وضر مثل وسخ وسخا فهو 

[ 116 ]

يزرونه وزرهم. (32) وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو: وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهي جواب قولهم: (إن هي إلا حياتنا الدنيا). وللدار الآخرة خير للذين يتقون: لدوامها وخلود لذاتها ومنافعها، وقرئ ولدار الآخرة. أفلا تعقلون: أي الأمرين خير، وقرئ على الخطاب. (33) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك في الحقيقة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون: ولكنهم يجحدون آيات الله ويكذبونه، و (الباء) لتضمن الجحود معنى التكذيب، وقرأ بالتخفيف من اكذبه إذا وجده كاذبا أو نسبه إلى الكذب. في الكافي: والعياشي: عن الصادق عليه السلام قرئ رجل على أمير المؤمنين عليه السلام (فإنهم لا يكذبونك)، فقال: لي والله لقد كذبوه أشد التكذيب، ولكنها مخففة (لا يكذبونك) لا يأتون بباطل يكذبون به حقك. ونسبه القمي إلى الصادق عليه السلام إلا أنه قال: لا يأتون بحق يبطلون حقك. ويؤيد هذا ثبوت التكذيب، والعياشي: عنه عليه السلام أي لا يستطيعون إبطال قولك. وفي المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه كان يقرأ لا يكذبونك، ويقول: إن المراد بها أنهم لا يأتون بحق أحق من حقك. وفيه عن أكثر المفسرين لا يكذبونك بقلوبهم إعتقادا، قال: ويشهد لهذا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي أبا جهل فصافحه فقيل له في ذلك فقال: والله إني لأعلم أنه صادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله تعالى الآية. (34) ولقد كذبت رسل من قبلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا: في الكافي: عن الصادق عليه السلام إن من صبر صبر قليلا، وإن من جزع جزع قليلا، ثم قال: وعليك بالصبر في جميع امورك فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأمره بالصبر والرفق قال: فصبر

[ 117 ]

حتى نالوه (1) بالعظائم، ورموه بها فضاق صدره فأنزل الله عز وجل: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) ثم كذبوه ورموه، فحزن لذلك فأنزل الله: (قد نعلم أنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتاهم نصرنا)، فألزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه الصبر الحديث. والقمي: عنه عليه السلام ما يقرب منه. ولا مبدل لكلمات الله: قيل: اي لمواعيده من قوله: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون). ولقد جاءك من نبإ المرسلين: من قصصهم وما كابدوا (2) من قومهم. (35) وإن كان كبر عليك: عظم وشق. إعراضهم: عنك، وعن الأيمان بما جئت به. القمي: عن الباقر عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب إسلام الحرث بن نوفل بن عبد مناف دعاه وجهد به أن يسلم فغلب عليه الشقاء فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله هذه الآية. فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الاءرض: منفذا تنفذ فيه إلى جوف الأرض. أو سلما في السماء: أو مصعدا تصعد به إلى السماء. فتأتيهم بآية: فتطلع لهم آية من الأرض أو تنزل آية من السماء يؤمنون بها وجوابه محذوف أي فافعل، والجملة جواب الشرط الأول، والمقصود بيان حرصه البالغ على إيمان قومه، وأنه لو قدر على ذلك لفعل، ولكنه لا يقدر نظيره (فلعلك باخع نفسك). ولو شآء الله لجمعهم على الهدى: بأن تأتيهم آية يخضعوا لها، ولكن لا يفعل لخروجه عن الحكمة. في الأكمال: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا علي إن الله قد قضى الفرقة والأختلاف على هذه الامة فلو شاء الله لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف إثنان من هذه الامة، ولا ينازع في شئ من أمره، ولا يجحد المفضول لذي الفضل فضله فلا

____________________________

1 - قوله نالوه بالعظائم يعني نسبوه الى الكذب والجنون والسحر وغير ذلك وافتروا عليه.

 2 - الكبد بالتحريك: الشدة والمشقة من المكابدة للشئ وهو تحمل المشاق في شئ.

 3 - أي قاتل نفسك بالغم والوجد عليهم. 

[ 118 ]

تكونن من الجاهلين. القمي: مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعني الناس. (36) إنما يستجيب الذين يسمعون: بتفهم وتدبر يعني إن الذين تحرص على إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون. والموتى يبعثهم الله: فيحكم فيهم. ثم إليه يرجعون: فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم. (37) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه: مما اقترحوه، تركوا الأعتداد بما نزلت عليه من آيات الله والمعجزات مع كثرتها كأنه لم ينزل عليه شئ من الآيات عنادا منهم. قل إن الله قادر على أن ينزل آية: يخضعوا لها، وقرئ أن ينزل بالتخفيف. ولكن أكثرهم لا يعلمون: إنه يقدر عليه، وإن حكمته لا يقتضي ذلك. القمي: قال: لا يعلمون إن الآية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها لهلكوا. وعن الباقر عليه السلام في هذه الآية: سيريكم في آخر الزمان آيات. منها: دابة الأرض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم، وطلوع الشمس من مغربها. (38) وما من دابة في الاءرض: تدب على وجهها. ولا طئر يطير بجناحيه في الهواء. قيل: وصفه به قطعا لمجاز السرعة ونحوها. إلا أمم أمثالكم: محفوظة أحوالها، مقدرة أرزاقها، مكتوبة آجالها، مخلوقة أبدانها، مربوبة أرواحها كما أنتم كذلك. القمي: يعني خلق مثلكم قال: وقال: كل شئ مما خلق خلق مثلكم. قيل: المقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره وليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية. ما فرطنا في الكتاب من شئ: شيئا من التفريط لأن (فرط) لا يتعدى بنفسه وقد عدى بفي إلى الكتاب، وقرئ بالتخفيف، ويعني بالكتاب القرآن كما يستفاد من كثير من الأخبار كحديث اختلاف العلماء في الفتيا. في نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء له فعليهم أن يقولوا: وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه والله سبحانه يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وفيه

[ 119 ]

تبيان كل شئ. وحديث وصف الأمامة عن الرضا عليه السلام في العيون، وغيره: جهل القوم وخدعوا عن أديانهم إن الله لم يقبض نبيه حتى أكمل الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شئ بين فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه كملا، فقال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ). ثم إلى ربهم يحشرون: يعني الامم كلها. في الفقيه: عن الصادق عليه الصلوة والسلام أي بعير حج عليه ثلاث سنين جعل من نعم الجنة. قال: وروي سبع سنين. وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة معقولة وعليها جهازها فقال: أين صاحبها مروه فليستعد غدا للخصومة. وفي الخصال: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث القيامة قال: لن يركب يومئذ إلا أربعة: أنا وعلي، وفاطمة، وصالح نبي الله. فأما أنا: فعلى البراق، وأما فاطمة ابنتي: فعلى ناقتي العضباء، وأما صالح: فعلى ناقة الله التي عقرت، وأما علي: فعلى ناقة من نور زمامها من ياقوت عليه حلتان خضراوان. (39) والذين كذبوا بآياتنا صم: عن الهدى. وبكم: لا يتكلمون بخير. في الظلمات: يعني ظلمات الكفر، كذا رواه القمي عن الباقر عليه السلام في تفسير الآية. من يشأ الله يضلله: يخذله فيضل لأنه ليس من أهل الهدى. ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم: يرشده إلى الهدى بلطفه لأنه من أهل الهدى واللطف. القمي: عن الباقر عليه السلام نزلت في الذين كذبوا الأوصياء، هم صم وبكم كما قال الله: (في الظلمات) من كان من ولد إبليس فإنه لا يصدق بالأوصياء ولا يؤمن بهم أبدا، وهم الذين أضلهم الله، ومن كان من ولد آدم آمن بالأوصياء وهم على صراط مستقيم. (40) قل أرءيتكم: أرأيت أنفسكم معناه أخبروني. إن أتيكم عذاب الله: في الدنيا أو أتتكم الساعة: يعني القيامة، من تدعون. أغير الله تدعون: تبكيت لهم. إن كنتم صادقين: بأن الأصنام آلهة. (41) بل إياه تدعون: بل تخصون الله بالدعاء دون الالهة. فيكشف ما تدعون

[ 120 ]

إليه: ما تدعون إلى كشفه. إن شآء: أن يتفضل عليكم بكشفه. وتنسون ما تشركون وتتركون آلهتكم لما ركز في العقول إنه القادر على كشف الضر دون غيره أو لا تذكرونها في ذلك الوقت من شدة الأمر وهو له. (42) ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك: يعني الرسل فكذبوهم. فأخذناهم بالبأساء: بالشدة والفقر. والضراء والمرض، ونقصان الأنفس والأموال. لعلهم يتضرعون لكي يتضرعوا، ويخضعوا، ويتذللوا، أو يتوبوا عن ذنوبهم. (43) فلولا إذ جائهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون: معناه نفي تضرعهم في ذلك الوقت جاء بلولا ليدل على أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم في نهج البلاغة: من كلامه ولو أن الناس حين ينزل بهم النقم، ويزول عنهم النعم فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد. (44) فلما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء يعني تركوا الأتعاظ به. فتحنا عليهم أبوب كل شئ: من الصحة والتوسعة في الرزق، وقرئ فتحنا بالتشديد حيث وقع حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا من الخير والنعم واشتغلوا بالنعم عن المنعم. أخذناهم بغتة مفاجأة من حيث لا يشعرون. فإذا هم مبلسون: آيسون من النجاة والرحمة متحسرون. (45) فقطع دابر القوم الذين ظلموا: أي اخرهم لم يترك منهم أحد من دبره إذا تبعه. والحمد لله رب العلمين: على إهلاك أعدائه وإعلاء كلمته فإن تخليص أهل الأرض من سوء عقايد الكفار وقبيح أعمال العصاة والفجار نقمة جليلة يحق أن يحمد عليها. قل في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأيت الله تعالى يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج منه، ثم تلا هذه الاية، وعن أمير المؤمنين عليه السلام يا ابن آدم إذا رأيت ربك تتابع عليك نعمه فاحذره.

[ 121 ]

القمي: عن الباقر عليه السلام (فلما نسوا ما ذكروا به) يعني فلما تركوا ولاية علي ابن أبي طالب عليه السلام وقد أمروا بها (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها (أخذناهم بغتة) يعني بذلك قيام القائم (صلوات الله عليه) حتى كأنهم لم يكن لهم سلطان قط. والعياشي: عنه عليه السلام لما تركوا ولاية علي صلوات الله عليه وقد أمروا بها (أخذناهم بغتة) الآية قال: نزلت في ولد العباس. (46) قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم: بأن يصمكم ويعميكم وختم على قلوبكم بأن يغطي عليها ما يذهب عقلكم ويسلب تميزكم. من إله غير الله يأتيكم به: بذلك. القمي: عن الباقر عليه السلام إن أخذ الله منكم الهدى. أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون: قال: يعرضون. (47) قل أرأيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة من غير مقدمة وظهور إمارة أو جهرة بتقدم أمارة، قابل البغتة بالجهرة لما في البغتة من معنى الخفية. هل يهلك إلا القوم الظالمون: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الذين ظلموا بكفرهم وفسادهم. القمي: نزلت لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأصاب أصحابه الجهد والعلل والمرض، فشكوا ذلك إليه يعني لا يصيبكم إلا الجهد والضر في الدنيا، فأما العذاب الأليم الذي فيه هو الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. العياشي: عن الصادق عليه السلام يؤاخذ بني أمية بغتة، وبني العباس جهرة. (48) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين: المؤمنين بالجنة. ومنذرين: الكافرين بالنار. فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم: من العذاب. ولا هم يحزنون: بفوت الثواب. (49) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب: جعل العذاب ماسا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم يفعل بهم ما يريد. بما كانوا يفسقون: بسبب خروجه عن التصديق والطاعة.

[ 122 ]

(50) قل لا أقول لكم عندي خزائن الله: في التوحيد، والمعاني، والمجالس: عن الصادق عليه السلام لما صعد موسى على نبينا وآله وعليه السلام إلى الطور فنادى ربه عز وجل قال: يا رب أرني خزائنك فقال تعالى: يا موسى إنما خزائني إذا أردت شيئا أن أقول له كن فيكون. ولا أعلم الغيب: الذي اختص الله بعلمه، وإنما أعلم منه ما يعلمني الله. ولا أقول لكم إنى ملك: من جنس الملائكة أقدر على ما يقدرون عليه. إن أتبع إلا ما يوحى إلي ما انبئكم بما كان وما يكون إلا بالوحي تبرأ من دعوى الالوهية والملكية وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر ردا لأستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه. في العيون عن الرضا عليه السلام إنه سئل يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه، وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشئ الواحد فقال: إن الله عز وجل حرم حراما وأحل حلالا، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها قائم بلا نسخ نسخ ذلك فذلك شئ لا يسع الأخذ به لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليحرم ما أحل الله ولا ليحلل ما حرم الله ولا ليغير فرائض الله وأحكامه، وكان في ذلك كله متبعا مسلما مؤديا عن الله عز وجل، وذلك قول الله عز وجل: (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) فكان متبعا لله مؤديا عن الله ما أمر به من تبليغ الرسالة. قل هل يستوى الاعمى والبصير: قيل: الضال والمهتدي. والقمي: من لا يعلم، ومن يعلم. ونسبه في المجمع إلى أهل البيت عليهم السلام. أفلا تتفكرون: فلا تكونوا ضالين أشباه العميان وتنصفوا من أنفسكم. (51) وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون: في المجمع: عن الصادق عليه السلام وأنذر بالقرآن الذين يرجون الوصول إلى

[ 123 ]

ربهم، ترغبهم فيما عنده فإن القرآن شافع مشفع. (52) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي: يعيدونه على الدوام يريدون وجهه: يبتغون مرضاته مخلصين له وقرئ بالغدوة. ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم: جواب النفي. فتكون من الظالمين: جواب النهي. القمي: قال: كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعاهدهم بنفسه، وربما يحمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الأغنياء والمترفون من أصحابه ينكرون عليه ذلك، ويقولون له اطردهم عنك فجاء يوما رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصحاب الصفة قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله يحدثه فقعد الأنصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقدم فلم يفعل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلك خفت أن يلزق فقره بك، فقال الأنصاري: اطرد هؤلاء عنك، فأنزل الله، ولا تطرد الذين يدعون ربهم، الآية. (53) وكذلك مثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا. فتنا ابتلينا. بعضهم ببعض: في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الأيمان ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي هؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعده دوننا ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء، وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم: (لو كانوا خيرا ما سبقونا إليه) واللام للعاقبة. أليس الله بأعلم بالشاكرين بمن يقع منه الأيمان والشكر فيوفقه، وبمن لا يقع منه فيخذله.

[ 124 ]

(54) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة: قيل: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقيل: نزلت في حمزة، وجعفر، وعمار، ومصعب بن عمير، وغيرهم. وقيل: إن جماعة أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: إنا أصبنا ذنوبا كثيرة فسكت عنهم فنزلت. وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام أنها نزلت في التائبين. ويؤيده تمام الاية، ولا تنافي بين الروايات. إنه: استيناف يفسر الرحمة، وقرئ بالفتح على البدل منها. من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح: بالتدارك. فإنه غفور رحيم: وقرئ بالفتح. (55) وكذلك: ومثل ذلك التفصيل الواضح. نفصل الآيات: آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوابين. ولتستبين سبيل المجرمين: قرئ بالتاء، ونصب السبيل على الخطاب وبالياء ورفعها. (56) قل إنى نهيت: صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة، وانزل علي من الآيات في أمر التوحيد أن أعبد الذين تدعون: تعبدون. من دون الله قل لا أتبع أهواءكم تأكيد لقطع أطماعهم، وإشارة إلى الموجب للنهي وعلة الأمتناع من متابعتهم واستجهال لهم وبيان مبدأ ضلالهم، وإن ما هم عليه هوى وليس بهدى، وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. قد ضللت إذا: أي إن اتبعت أهواءكم فقد ضللت وما أنا من المهتدين: أي في شئ من الهدى حتى أكون من عدادهم، وفيه تعريض بأنهم كذلك. (57) قل إني على بينة: على حجة واضحة. من ربى: من معرفة ربي، وأنه لا معبود سواه، أو صفة لبينة. وكذبتم به: أنتم حيث أشركتم به غيره. ما عندي ما تستعجلون به: قيل: يعني العذاب الذي استعجلوه بقولهم: (فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم). إن الحكم إلا لله: في تعجيل العذاب وتأخيره. يقضي الحق: قضاء الحق

[ 125 ]

في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل، وهو خير الفاصلين القاضين وقرئ يقص الحق أي يتبعه من قص أثره. (58) قل لو أن عندي ما تستعجلون به: من العذاب. لقضى الامر بينى وبينكم: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين: في معنى استدراك كأنه قال: ولكن الأمر إلى الله وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ، وبمن ينبغي أن يمهل كذا قيل. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام في حديث وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الأمر بينى وبينكم) قال: لو إني امرت أن أعلمكم الذي أخفيتم في صدوركم من استعجالكم بموتي لتظلموا أهل بيتي من بعدي فكان مثلكم كما قال الله عز وجل: (كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله) يقول: أضاءت الأرض بنور محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما تضئ الشمس الحديث. (59) وعنده مفاتح الغيب: خزائنه إن كان جمع المفتح بفتح الميم بمعنى المخزن أو مفاتيحه إن كان جمع المفتح بكسر الميم بمعنى المفتاح أي ما يتوصل به إلى المغيبات، وقرئ مفاتيح. لا يعلمها إلا هو: فيظهرها على ما اقتضته حكمته. ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس: معطوفات على ورقة. إلا في كتب مبين: قيل: أي علم الله، أو اللوح المحفوظ، أو القرآن، بدل من الأستثناء الأول، وقرئت المعطوفات بالرفع عطفا على محل من (ورقة)، أو على (الأبتداء)، والخبر (إلا في كتاب). في الفقيه: في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام (وما تسقط من ورقة) من شجرة. وفي الكافي، والمعاني، والعياشي: عن الصادق عليه السلام والقمي: الورقة: السقط، والحبة: الولد، وظلمات الأرض: الأرحام، والرطب: ما يحيى الناس، واليابس: ما يغيض، وكل ذلك: في كتاب مبين. والعياشي: عن الكاظم عليه السلام الورقة: السقط، يسقط من بطن أمه من

[ 126 ]

قبل أن يهل الولد، والحبة: الولد في بطن أمه إذا هل وسقط من قبل الولادة، والرطب: المضغة إذا أسكنت في الرحم قبل أن يتم خلقها قبل أن تنتقل، واليابس: الولد التام، والكتاب المبين: الأمام المبين. وفي الأحتجاج: عن الصادق عليه السلام في حديث وقال: لصاحبكم أمير المؤمنين عليه السلام (قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتاب). وقال الله عز وجل: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وعلم هذا الكتاب عنده. أقول: قد مضى معنى الكتاب من جهة التأويل في أول سورة البقرة. وهو الذى يتوفكم بالليل يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت. ويعلم ما جرحتم: أي ما كسبتم من الأعمال. بالنهار ثم يبعثكم فيه: ثم ينبهكم من نومكم في النهار. ليقضى أجل مسمى: لتستوفوا آجالكم. القمي: عن الباقر عليه السلام في قوله: (ليقضى أجل مسمى) قال: هو الموت. ثم إليه مرجعكم: بالموت. ثم ينبئكم بما كنتم تعملون: بالمجازاة. (61) وهو القاهر فوق عباده: المقتدر المستعلي على عباده. ويرسل عليكم حفظة: يحفظونكم ويحفظون أعمالكم، ويذبون عنكم مردة الشياطين، وهوام الأرض، وسائر الآفات، ويكتبون ما تفعلون. قيل: الحكمة في كتابة الأعمال: أن العباد إذا علموا أن أعمالهم تكتب عليهم وتعرض على رؤوس الأشهاد كانوا أزجر من القبائح، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عطفه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمة المتطلعين عليه. ويأتي ما يقرب منه عن الصادق عليه السلام في سورة الأنفطار إنشاء الله. حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ملك الموت وأعوانه كما سبق بيانه في سورة النساء، وقرء توفاه بألف (1) ممالة وهم لا يفرطون لا يقصرون بالتواني والتأخير. (62) ثم ردوا إلى الله: إلى حكمه وجزائه موليهم: الذي يتولى أمرهم الحق

____________________________

1 - بأن يشبع الفتحة حتى يحصل منها نصف ألف وتميل الى الالف. 

[ 127 ]

العدل الذي لا يحكم إلا بالحق. ألا له الحكم: يومئذ لا حكم لغيره. وهو أسرع الحاسبين: يحاسب الخلائق في مقدار لمح البصر كما مر في سورة البقرة. وفي الأعتقادات: أن الله تعالى يخاطب عباده من الأولين والآخرين يوم القيامة بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة يسمع منها كل واحد قضيته دون غيره، ويظن أنه المخاطب دون غيره، لا يشغله عز وجل مخاطبة عن مخاطبة، ويفرغ من حساب الأولين والآخرين في مقدار نصف ساعة من ساعات الدنيا. (63) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الأبصار، فقيل: لليوم الشديد: يوم مظلم. تدعونه تضرعا: متضرعين بألسنتكم. وخفية: ومسرين في أنفسكم لئن أنجنا من هذه: على إرادة القول أي قائلين لئن أنجيتنا من هذه الظلمة والشدة لنكونن من الشكرين. (64) قل الله ينجيكم منها: وقرئ بالتخفيف. ومن كل كرب: غم سواها. ثم أنتم تشركون: تعودون إلى الشرك، ولا توفون بالعهد بعد قيام الحجة عليكم. (65) قل هو القادر على أن يبعث: يرسل عليكم عذابا من فوقكم: كما أمطر على قوم لوط، وعلى أصحاب الفيل الحجارة. ومن تحت أرجلكم: كما أغرق فرعون، وخسف بقارون. أو يلبسكم: يخلطكم. شيعا: فرقا مختلفي الأهواء، كل فرقة منكم مشايعة للأمام، ومعنى خلطهم أن يختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. ويذيق بعضكم بأس بعض: يقتل بعضكم بعضا. انظر كيف نصرف الآيات: بالوعد والوعيد. لعلهم يفقهون: العياشي، والقمي: عن الباقر عليه السلام (عذابا من فوقكم): هو الدخان، والصيحة، (أو من تحت أرجلكم): هو الخسف، (أو يلبسكم شيعا): هو الأختلاف في الدين، وطعن بعضكم على بعض، (ويذيق بعضكم بأس بعض): هو أن يقتل بعضكم بعضا، وكل هذا في أهل القبلة، يقول الله: (أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون). وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام، (من فوقكم): من السلاطين الظلمة، (ومن تحت أرجلكم): العبيد السوء، ومن لا خير فيه، (أو يلبسكم شيعا): يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة

[ 128 ]

والعصبية، (ويذيق بعضكم بأس بعض): هو سوء الجوار. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم، فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلال فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فمنعني. قال: وفي الخبر أنه قال: إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة. (66) وكذب به قومك وهو الحق قيل: أي بالقرآن، وقيل: أي بالعذاب. وهو الحق الصدق أو الواقع لابد أن ينزل. قل لست عليكم بوكيل بحفيظ. (67) لكل نبأ خبر مستقر وقت استقرار ووقوع. وسوف تعلمون: عند وقوعه. (68) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والأستهزاء بها والطعن فيها. فأعرض عنهم: فلا تجالسهم، وقم من عندهم. العياشي: عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال: الكلام في الله، والجدال في القرآن، قال: منه القصاص. حتى يخوضوا في حديث غيره: غير ذلك. وإما ينسينك الشيطان النهي، وقرئ ينسينك بالتخفيف. فلا تقعد بعد الذكرى (1) بعد أن تذكر مع القوم الظلمين أي معهم فوضع الظاهر موضعه تنبيها على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والأستهزاء موضع التصديق والأستعظام. في العلل عن السجاد ليس لك أن تقعد مع من شئت لأن الله تبارك وتعالى يقول: (وإذا رأيت الذين) الآية. والقمي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم إن الله تعالى يقول في كتابه: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الآية.

____________________________

1 - ودفعا لتوهم رجوع الضمير الى خصوص هؤلاء المكذبين المعهودين بل النهي عام لكل من فعل مثل فعلهم. 

[ 129 ]

(69) وما على الذين يتقون: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم. من حسابهم من شئ مما يحاسبون عليه من قبائح أعمالهم وأقواهم ولكن ذكرى ولكن عليهم ذكرى أو عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها لعلهم يتقون: يجتنبون ذلك حبا أو كراهة لمسائتهم. في المجمع عن الباقر عليه السلام لما نزل (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزأ المشركون قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام فأنزل الله: (وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ) أمر بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا. (70) وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا: حيث سخروا به واستهزؤا منه وبنوا أمر دينهم على التشهي أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لعب ولهو. والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم وغرتهم الحيوة الدنيا فألهتهم عن العقبى وذكر به أي بالقرآن. أن تبسل نفس بما كسبت: مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترتهن بسوء عملها، وأصل البسل: المنع. ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع: يدفع عنها العذاب. وإن تعدل كل عدل: وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية لأنها تعادل المفدى، أريد به هيهنا الفداء. لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا: أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الزايفة لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون: تأكيد، وتفصيل لذلك، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم. (71) قل أندعوا: نعبد. من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا: لا يقدر على نفعنا وضرنا. ونرد على أعقابنا: ونرجع عن دين الأسلام إلى الشرك. بعد إذ هدينا الله كالذى استهوته الشياطين: كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامة (1) من هوى إذا ذهب،

____________________________

1 - المهامة اما من الهومة بمعنى الفلاة ولذا يلقب الاسد بالهوام لاتخاذه المسكن في الهومة فيكون الهومة والمهامة بمعنى أو يأتي من الهيماء بمعنى المفازة بلا ماء. 

[ 130 ]

وقرئ استهواه بألف ممالة في الارض حيران: متحيرا ضالا عن الطريق. له أصحاب لهذا المستهوى رفقة يدعونه إلى الهدى: إلى الطريق المستوي أو إلى أن يهدوه الطريق المستقيم. ائتنا: يقولون له: ائتنا وقد اعتسف التيه تابعا للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم وهذا مبني على ما تزعمه العرب أن الجن يستهوي الأنسان كذلك. قل إن هدى الله: الذي هو الأسلام. هو الهدى: وحده وما سواه ضلال. وأمرنا لنسلم لرب العلمين: من جملة المقول. (72) وأن أقيموا الصلوة واتقوه: أي أمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا يعني للأسلام، ولأقامة الصلاة. وهو الذى إليه تحشرون: فيجازي كل عامل منكم بعمله. (73) وهو الذى خلق السموت والارض بالحق: قائما بالحق والحكمة. ويوم يقول كن فيكون. (74) قوله الحق قيل أي قوله الحق يوم يقول كقولك القتال يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين والمعنى أنه الخالق للسموات والأرض، وقوله الحق نافذ في الكائنات أو يوم معطوف على السموات وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون والمراد حين يكون الأشياء ويحدثها وله الملك يوم ينفخ في الصور كقوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار والصور قرن من نور التقمه إسرافيل فينفخ فيه كذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وروي أن فيه بعدد كل إنسان ثقبة فيها روحه ووصف بالسعة والضيق واختلف في أن أعلاه ضيق وأسفله واسع أو بالعكس ولكل وجه ويأتي في بيانه وصفة النفخ فيه حديث في سورة الزمر. إنشاء الله عالم الغيب والشهادة: أي هو عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير وهذا كالفذلكة (1) للآية. (75) وإذ قال إبرهيم لابيه آزر. في المجمع قال عن الزجاج ليس بين النسابين اختلاف في أن اسم أبي

____________________________

1 - فذلك حسابه انهاه وفرغ منه مخترعه من قوله إذا اجمل حسابه فذلك كذا وكذا. 

[ 131 ]

إبراهيم تارح (1) قال وهذا يقوي ما قاله أصحابنا إن آزر كان جد إبراهيم عليه السلام لأمه أو كان عمه من حيث صح عندهم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم عليه السلام كان كلهم موحدين وأجمعت الطائفة على ذلك ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لم يزل ينقلني الله تعالى من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا لم يدنسني بدنس الجاهلية ولو كان في آبائه كافر لم يصف جميعهم بالطهارة مع قوله إنما المشركون نجس. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أن آزر أبا إبراهيم عليه السلام كان منجما لنمرود وساق الحديث إلى أن قال ووقع آزر بأهله فعلقت بإبراهيم الحديث. والعياشي عنه عليه السلام أنه سئل عن قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر قال كان اسم أبيه آزر والعلم عند الله أتتخذ أصناما آلهة إنى أريك وقومك في ضلال عن الحق مبين ظاهر الضلالة. (76) وكذلك نرى إبرهيم مثل هذا التبصير نبصره وهو حكاية حال ماضية ملكوت السموات والارض ربوبيتها وملكها والملكوت أعضم الملك والتاء فيه للمبالغة وليكون من الموقنين أي وليكون أو وفعلنا ذلك ليكون. في المجمع عن الباقر عليه السلام كشط (2) الله عن الأرضين حتى رآهن وما تحتهن وعن السموات حتى رآهن وما فيهن من الملائكة وحملة العرش. والعياشي والقمي عن الصادق عليه السلام كشط له عن الأرض ومن عليها وعن السماء ومن فيها والملك الذي يحملها والعرش ومن عليه. وزاد القمي وفعل ذلك برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأمير المومنين عليه السلام وفي رواية والأمة عليهم السلام.

____________________________

1 - تارح بالتاء المثناة من فوق والمهملتين منه.

 2 - الكشط رفعك شيئا عن شئ قد غشاه. 

[ 132 ]

وفي رواية العياشي عن الباقر عليه السلام وفعل بمحمد صلى الله عليه واله وسلم كما فعل بابرهيم عليه السلام واني لأرى صاحبكم قد فعل به مثل ذلك. وعنه عليه السلام قال أعطى بصره من القوة ما نفذ السموات فرأى ما فيها ورأى العرش وما فوقه ورأى ما في الأرض وما تحتها وفي المناقب عنه عليه السلام أنه سأله جابر بن يزيد عن هذه الآية فرفع بيده وقال ارفع رأسك قال فرفعته فوجدت السقف متفرقا ورمق (1) يناظري في ثلم (2) حتى رأيت نورا حار عنه بصري فقال هكذا رأى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض وانظر الى الأرض ثم ارفع رأسك فلما رفعته رأيت السقف كما كان ثم أخذ بيدى وأخرجنى من الدار والبسني ثوبا وقال غمض عينيك ساعة، ثم قال أنت في الظلمات التي رأى ذو القرنين، ففتحت عيني فلم أر شيئا ثم اخطا خطا فقال: أنت على رأس عين الحياة للخضر عليه السلام، ثم خرجنا من ذلك العالم حتى تجاوزنا خمسة أقاليم، فقال: هذا ملكوت الأرض، ثم قال: غمض عينيك وأخذ بيدي فإذا نحن بالدار التي كنا فيها، وخلع عني ما كان ألبست قلت جعلت فداك كم ذهب من اليوم ؟ فقال: ثلاث ساعات. وفي الكافي، والمجمع، والقمي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام لما رآى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض رأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثم رآى آخر فدعا عليه فمات، ثم رآى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا فأوحى الله إليه يا إبراهيم إن دعوتك مستجابة فلا تدع على عبادي فإني لو شئت أن أميتهم لدعائك ما خلقتهم، فإني خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: صنف يعبدني ولا يشرك بي شيئا فأثيبه، وصنف يعبد غيري فليس يفوتني، وصنف يعبد غيري فأخرج من صلبه من يعبدني. (76) فلما جن عليه الليل: أظلم عليه وستره بظلامه. رأى كوكبا قال هذا ربى:

____________________________

1 - رمقه بعينه رمقا من باب قتل اطال النظر إليه م.

 2 - ثلم الاناء والسيف ونحوه كضرب وفرح وثلمه فانثلم وتثلم كسر حرفه فانكسر والثلمة بالضم فرجة المكسور والمهدوم. 

[ 133 ]

على سبيل الأنكار والأستخبار لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب أو على وجه النظر والأستدلال لأنه كان طالبا في حداثة سنه. فلما أفل: غاب. قال إني لا أحب الآفلين فضلا عن عبادتهم فإن الأنتقال والأحتجاب والأستتار دليل الحدوث والفقر. (77) فلما رأى القمر بازغا: مبتدءا في الطلوع. قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين: استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشادا لقومه وتنبيها لهم على أن القمر أيضا لتغير حاله لا يصلح للالوهية وإن من اتخذه إلها فهو ضال. العياشي: عنهما عليهما السلام لأكونن من القوم الضالين ناسيا للميثاق. (78) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى: قيل: ذكر اسم الأشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث. هذا أكبر: كبره إظهارا لشبهة الخصم أو إستدلالا فلما أفلت قال يا قوم إنى برئ مما تشركون: من الأجرام المحدثة المفتقرة إلى محدث يحدثها ويخص أحوالهما بما خصت به ثم لما تبرأ عنها توجه إلى موجدها، ومبدعها الذي دلت هي عليه فقال. (79) إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين: في العيون: عن الرضا عليه السلام أنه سأل المأمون فقال: له يا ابن رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون قال: بلى. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى) فقال الرضا عليه السلام: إن إبراهيم عليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب (1) الذي أخفي فيه فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال: (هذا ربى) على الأنكار والأستخبار (فلما أفل) الكوكب قال: (لا أحب الافلين) لأن

____________________________

1 - السرب بالتحريك جحر الوحشي والحقير تحت الارض والقناة التي يدخل منها الماء الحائط والمراد الغار الذي ولد فيه هربت إليه امها من خوف النمرودية وولدها فيه وربته فاعانة جبرئيل حتى مر عليه سنوات فخرج من الغار وبرز وشرع في الدعوة. 

[ 134 ]

الافول من صفات المحدث لا من صفات القديم (فلما رآى القمر بازغا قال هذا ربى) على الأنكار والأستخبار (فلما أفل قال عليه السلام لئن لم يهدنى ربي لأكونن من القوم الضالين) فلما أصبح (ورآى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) من الزهرة والقمر، على الأنكار والأستخبار لا على الأخبار والأقرار (فلما أفلت قال) للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: (يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) وإنما أراد إبراهيم عليه السلام بما قال: أن يبين لهم بطلان دينهم ويثبت عندهم أن العبادة لخالقها وخالق السموات والأرض وكان ما احتج به على قومه ما ألهمه الله وآته كما قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء)، فقال المأمون: لله درك يا ابن رسول الله. والقمي: عن الصادق عليه السلام إن آزر أبا إبراهيم عليه السلام كان منجما لنمرود بن كنعان فقال له: إني أرى في حساب النجوم أن هذا الزمان يحدث رجلا فينسخ هذا الدين، ويدعو إلى دين آخر، فقال له نمرود: في أي بلاد يكون ؟ قال: في هذه البلاد، وكان منزل نمرود بكوثاريا، فقال له نمرود: قد خرج إلى الدنيا ؟ قال آزر: لا، قال: فينبغي أن يفرق بين الرجال والنساء فحملت أم إبراهيم بإبراهيم عليه السلام ولم يتبين حملها، فلما حان ولادتها قالت: يا آزر إني قد اعتللت وأريد أن أعتزل عنك، وكان في ذلك الزمان المرأة إذا اعتلت اعتزلت عن زوجها فخرجت واعتزلت في غار، ووضعت إبراهيم عليه السلام وهيئته وقمطته ورجعت إلى منزلها وسدت باب الغار بالحجارة. فأجرى الله لإبراهيم عليه السلام لبنا من إبهامه، وكانت أمه تأتيه ووكل نمرود بكل إمرأة حامل، وكان يذبح كل ولد ذكر. فهربت ام إبراهيم بإبراهيم عليه السلام من الذبح، وكان يشب إبراهيم في الغار يوما كما يشب غيره في الشهر حتى أتى له في الغار ثلاثة عشرة سنة. فلما كان بعد ذلك زارته امه، فلما أرادت أن تفارقه تشبث بها فقال: يا امي أخرجيني، فقالت له: يا بني إن الملك إن علم أنك ولدت في هذا الزمان قتلك، فلما خرجت

[ 135 ]

امه خرج من الغار وقد غابت الشمس نظر إلى الزهرة في السماء، فقال: (هذا ربى) فلما غابت الزهرة قال: لو كان ربي ما تحرك وما برح، ثم قال: (لا أحب الآفلين)، والآفل: الغائب فلما رآى القمر بازغا قال هذا ربي هذا أكبر) وأحسن، فلما تحرك وزال قال: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) فلما أصبح وطلعت الشمس ورآى ضوءها وقد أضاءت الدنيا لطلوعها (قال هذا ربي هذا أكبر) وأحسن فلما تحركت وزالت كشط الله له عن السموات حتى رأى العرش ومن عليه وأراه الله ملكوت السموات والأرض فعند ذلك قال: (يا قوم إني برئ مما تشركون إنى وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) فجاء إلى أمه وأدخلته إلى دارها وجعلته بين أولادها قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم عليه السلام (هذا ربي) أشرك في قوله: هذا ربي قال: من قال هذا اليوم فهو مشرك، ولم يكن من إبراهيم عليه السلام شرك، وإنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك. والعياشي: مثله، وزاد عن أحدهما عليهما السلام إنما كان طالبا لربه ولم يبلغ كفرا، وأنه من فكر من الناس في مثل ذلك فأنه بمنزلته. (80) وحآجه قومه: وخاصموه في التوحيد قال أتحجوني في الله: في وحدانيته، وقرئ بتخفيف النون. وقد هدان إلى توحيده. ولا أخاف ما تشركون به: أي لا أخاف معبوداتكم قط، لأنها لا قدرة لها على ضر ولا على نفع. إلا أن يشاء ربى شيئا: أن يصيبني بمكروه وكأنه جواب لتخويفهم إياه من جهة آلهتهم وسع ربى كل شئ علما: فلا يستبعد أن يكون في علمه إنزال مخوف بي. أفلا تتذكرون فتميزوا بين القادر والعاجز. (81) وكيف أخاف مآ أشركتم: ولا يتعلق به ضرر ولا تخافون أنكم أشركتم بالله: وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع، وتسوية بين المقدور والعاجز والقادر الضار النافع ما لم ينزل به عليكم سلطانا: حجة، والمعنى وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف. فأى الفريقين أحق بالامن: الموحدون أو المشركون. إن كنتم تعلمون.

[ 136 ]

(82) الذين آمنوا ولم يلبسوا: ولم يخلطوا. إيمنهم بظلم أولئك لهم الاءمن وهم مهتدون: في المجمع: عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنه من تمام قول إبراهيم عليه السلام. وعن ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية شق على الناس، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه، فقال: إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح عليه السلام (يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم). والعياشي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: الظلم: الضلال فما فوقه. وعنه عليه السلام: إنه سئل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) الزنا منه قال: أعوذ بالله من أولئك لا ولكنه ذنب إذا تاب تاب الله عليه، وقال: مدمن الزنا، والسرقة، وشارب الخمر، كعابد الوثن. وفي رواية قال: أولئك الخوارج، وأصحابهم. وفي الكافي، والعياشي: عنه عليه السلام: إن الظلم هنا: الشك. وعنه عليه السلام: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية، ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان. (83) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم: أرشدناه إليها، وعلمناه إياها على قومه نرفع درجات من نشاء: في العلم والحكمة، وقرئ بالتنوين. إن ربك حكيم: في رفعه وخفضه. عليم: بحال من يرفعه واستعداده له. (84) ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا: أي كلا منهما. ونوحا هدينا من قبل: يعني هديناهم لنجعل الوصية في أهل بيتهم كذا عن الباقر عليه السلام رواه في الكافي، والأكمال: في حديث اتصال الوصية من لدن آدم. ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين. (85) وزكريا ويحيى وعيسى: العياشي: عن الصادق عليه السلام والله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم عليه السلام من قبل النساء، ثم تلا هذه الآية.

[ 137 ]

وفي العيون: عن الكاظم عليه السلام إنما الحق عيسى عليه السلام بذراري الأنبياء من طريق مريم، وكذلك الحقنا بذراري النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أمنا فاطمة عليها السلام في جواب هرون عن هذه المسألة وإلياس كل من الصالحين. (86) وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين. (87) ومن آبآئهم وذرياتهم وإخونهم واجتبينهم وهديناهم إلى صرط مستقيم. (88) ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا: مع فضلهم وعلو شأنهم. لحبط عنهم ما كانوا يعملون: فكانوا كغيرهم. (89) أولئك الذين آتيناهم الكتاب: يريد به الجنس. والحكم: والحكمة أو الحكم بين الناس. والنبوة فإن يكفر بها: أي بالنبوة أو الثلاثة. هؤلاء: يعني قريشا. فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكفرين. في المحاسن: عن الصادق عليه السلام قوما يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويذكرون الله كثيرا. (90) أولئك الذين هدى الله: يريد الأنبياء المقدم ذكرهم. فبهديهم اقتده: فاقتص طريقتهم بالأقتداء، والهاء للوقف في مصباح الشريعة: عن الصادق عليه السلام لا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الأقتداء، لأنه المنهج الأوضح والمقصد الأصح قال الله لأعز خلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده) فلو كان لدين الله مسلك أقوم من الأقتداء لندب أنبياءه وأولياءه إليه. والقمي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحسن الهدى: هدى الأنبياء. وفي نهج البلاغة: اقتدوا بهدى نبيكم فإنه أفضل الهدى. قل لا أسئلكم عليه: على التبليغ أجرا جعلا من جهتكم كما لم يسأل من كان قبلي من النبيين، وهذا من جملة

[ 138 ]

ما أمر بالأقتداء بهم. إن هو: أي التبليغ. إلا ذكرى للعلمين: تذكيرا وعظة لهم. (91) وما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته، وما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به من الرحمة على عباده واللطف بهم. في الكافي: عن الصادق عليه السلام إن الله لا يوصف، وكيف يوصف وقد قال في كتابه: (وما قدروا الله حق قدره) فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك. ويأتي فيه حديث آخر في سورة الزمر إنشاء الله تعالى إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ: حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل وذلك من أعظم رحمته وأجل ألطافه. القمي: هم قريش واليهود. قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا: الزموا بما لا بد لهم من الأقرار به مع توبيخهم بتحريفهم بإبداء بعض وإخفاء بعض، وجعلها ورقات متفرقة ليتمكنوا بما حاولوه. العياشي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية قال: كانوا يكتمون ما شاؤوا، ويبدون ما شاؤا. وفي رواية كانوا يكتبونه في القراطيس، ثم يبدون ما شاؤا، ويخفون ما شاؤا. والقمي: يخفون يعني من أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرئ بالياء. وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله: أي أنزله الله، قيل: أمره بأن يجيب عنهم إشعارا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيها على أنهم بهتوا بحيث لا يقدرون على الجواب. ثم ذرهم في خوضهم يلعبون: القمي: يعني ما خاضوا فيه من التكذيب. (92) وهذا كتاب أنزلناه مبارك: كثير النفع والفائدة مصدق الذى بين يديه: الكتب التي قبله. ولتنذر: وقرئ بالياء أي الكتاب. أم القرى: يعني مكة سميت بها لأنه دحيت الأرض من تحتها، فكأنها تولدت منها. والقمي: قال: سميت أم القرى لأنها أول بقعة خلقها الله من الأرض. ومن

[ 139 ]

حولها: أهل الشرق والغرب. والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلوتهم يحافظون: فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن به ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلوة لانها عماد الدين وعلم الأيمان. (93) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله: في الكافي، والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مضر، وهو ممن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة هدر دمه، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا أنزل الله عز وجل (إن الله عزيز حكيم) كتب (إن الله عليم حكيم) فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعها فإن الله عليم حكيم، وكان ابن أبي سرح يقول للمنافقين: إني لأقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي فأنزل الله تبارك وتعالى فيه الذي أنزل. والقمي: عن الصادق عليه السلام قال: إن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان من الرضاعة أسلم وقدم المدينة وكان له حسن، وكان إذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاه فكتب ما يمليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سميع بصير يكتب سميع عليم، وإذا قال له: والله بما تعملون خبير يكتب بصير، ويفرق بين التاء والياء وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: هو واحد، فارتد كافرا ورجع إلى مكة، وقال لقريش: والله ما يدري محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يقول. أنا أقول: مثل ما يقول فلا ينكر علي ذلك، فأنا أنزل مثل ما ينزل فأنزل الله على نبيه في ذلك (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة أمر بقتله فجاء به عثمان، وقد أخذ بيده ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فقال: يا رسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أعاد فسكت، ثم أعاد فقال: هو لك، فلما مر قال

[ 140 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ألم أقل من رآه فليقتله فقال رجل: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الأنبياء لا يقتلون بالأشارة، فكان من الطلقاء. والعياشي: عن الباقر عليه السلام في تأويله من ادعى الأمامة دون الأمام عليه السلام. ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت: شدائده من غمره الماء إذا غشيه. والملائكة باسطوا أيديهم: لقبض أرواحهم كالمتقاضي المتسلط. أخرجوا أنفسكم: يقولون لهم: تغليظا وتعنيفا (1) اليوم تجزون عذاب الهون: الهوان، القمي: قال: العطش. والعياشي: عن الباقر عليه السلام العطش يوم القيامة. بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون: لا تؤمنون بها. (94) ولقد جئتمونا فرادى عن أموالكم، وأولادكم، وأوثانكم. كما خلقنكم أول مرة: على الهيئة التي ولدتم عليها. في الخرايج: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ على فاطمة بنت أسد هذه الآية، فقالت: وما فرادى فقال: عراة، فقالت: واسوأتاه، فسأل الله أن لا يبدي عورتها، وأن يحشرها بأكفانها. وفي معناها حديث في الكافي عن الصادق عليه السلام. وعنه عليه السلام تنوقوا (2) في الأكفان فإنكم تبعثون بها. وفي الأحتجاج: عنه عليه السلام أنه سئل عن الناس أيحشرون عراة قال: بل يحشرون في أكفانهم، قيل: أنى لهم بالأكفان وقد بليت ؟ قال: إن الذي أحيى أبدانهم جدد أكفانهم، قال: فمن مات بلا كفن ؟ قال: يستر الله عورته بما يشاء من عنده. وتركتم ما خولنكم: ما ملكناكم به في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة وراء ظهوركم: لم تحتملوا منه شيئا. وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء أي شركاء الله في

____________________________

1 - يقال عنفه تعنيفا أي لامه وعتب والتعنيف التعيير واللوم وعنف به وعليه من باب قرب إذا لم يرفق به وأعنف الامر إذا اخذ به بعنف.

 2 - في الحديث تنوقوا بأكفانكم فانكم تبعثون بها أي اطلبوا أحسنها وجودتها من قولهم تنوق وتنيق في مطعمه وملبسه تجود وبالغ والاسم النيقة بالكسر. 

[ 141 ]

ربوبيتكم، واستحقاق عبادتكم. لقد تقطع بينكم: أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم - والبين - من الأضداد يستعمل للوصل والفصل، وقرئ بالنصب على إضمار الفاعل أي ما بينكم. وضل عنكم: ضاع وبطل ما كنتم تزعمون: القمي: عن الصادق عليه السلام نزلت هذه الآية في معاوية وبني أمية وشركاؤهم وأئمتهم. (لقد تقطع بينكم): يعني المودة. (95) إن الله فالق الحب والنوى: بالنبات والشجر. يخرج الحى من الميت: ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو كالنطفة والحب. ومخرج الميت من الحى: ما لا ينمو مما ينمو، في الكافي: عن الصادق عليه السلام في حديث الطينة، الحب: طينة المؤمنين ألقى الله عليها المحبة، والنوى: طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير، وإنما سمي النوى من أجل أنه نأى عن كل خير وتباعد منه، فقال الله: (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) فالحي: المؤمن الذي تخرج طينته من طينة الكافر، والميت الذي يخرج من الحي: هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن. والقمي قال: الحب: ما أحبه، والنوى: ما نأى (1) عن الحق، وقال أيضا: فالق الحب: أي يفلق العلم عن الأئمة، والنوى: ما بعد عنه (2). والعياشي: عن الصادق عليه السلام الحب: المؤمن وذلك قوله: (وألقيت عليك محبة مني) والنوى: الكافر الذي نأى عن الحق فلم يقبله. ذلكم الله: أي الذي يحق له العبادة. فأنى تؤفكون: تصرفون عنه إلى غيره. (96) فالق الاءصباح: شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل: وجعل الليل سكنا: يسكن فيه الخلق كما قال: (لتسكنوا فيه). في نهج البلاغة: ولا تسر أول الليل فإن الله جعله سكنا، وقدره مقاما لا ظعنا (3) فأرح فيه بدنك وروح ظهرك. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام تزوج بالليل، فإن الله جعله سكنا. والعياشي: مثله. وفي رواية: ولا تطلبوا الحوائج بالليل فإنه مظلم.

____________________________

1 - النأي البعيد يقال نأيت عنه نأيا أي بعدت.

 2 - فلقته من باب ضرب شققته والفلق بالسكون الشق.

 3 - ظعن كجعل ظعنا سار. 

[ 142 ]

وفي الكافي: كان علي بن الحسين عليهما السلام يأمر غلمانه أن لا يذبحوا حتى يطلع الفجر. ويقول: إن الله جعل الليل سكنا لكل شئ، وقرئ وجاعل الليل. والشمس والقمر حسبانا: على أدوار مختلفة تحسب بها الأوقات. ذلك تقدير العزيز: الذي قهرهما وسيرهما على الوجه الخاص العليم: بتدبيرهما. (97) وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر (1): في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضافتها إليهما للملابسة، أو في مشتبهات الطرق، أو الامور سماها ظلمات على الأستعارة. القمي: مقطوعا قال: (النجوم): آل محمد عليهم السلام. قد فصلنا الآيات: بيناها فصلا فصلا. لقوم يعلمون: فإنهم منتفعون به. (98) وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة وهو آدم عليه السلام. فمستقر: وقرء بكسر القاف أي قار. ومستودع: والعياشي: عن الباقر عليه السلام إنه قال لأبي بصير حين سأله عن هذه الآية: ما يقول أهل بلدك الذي أنت فيه ؟ قال: يقولون: مستقر: في الرحم، ومستودع: في الصلب، فقال: كذبوا، المستقر: من استقر الأيمان في قلبه فلا ينزع منه أبدا، والمستودع: الذي يستودع الأيمان زمانا ثم يسلبه، وقد كان الزبير منهم. وعن الصادق عليه السلام: أنه سئل عنها ؟ فقال: مستقر: في الرحم، ومستودع: في الصلب، وقد يكون مستودع الأيمان ثم ينزع منه، ولقد مشى الزبير في ضوء الأيمان ونوره حين قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مشى بالسيف، وهو يقول: لا نبايع إلا عليا. وفي رواية: قال: المستقر: الثابت، والمستودع: المعار. وعن الكاظم عليه السلام في هذه الآية: ما كان من الأيمان المستقر: فمستقر إلى

____________________________

1 - لان من النجوم ما يكون بين يدي الانسان ومنها ما يكون خلفه ومنها ما يكون عن يمينه ومنها ما يكون عن يساره ويهتدي بها في الاسفار وفي البلاد وفي القبلة وأوقات الليل وإلى الطريق في مسالك البراري والبحار وقال البلخي ليس في قوله لتهتدوا ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك بل خلقها سبحانه لامور جليلة عظيمة ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر الكبير واختلاف مواقعها ومجاريها واتصالاتها وسيرها وظهور منافع الشمس والقمر في نشو الحيوان والنبات علم أن الامر كذلك. 

[ 143 ]

يوم القيامة أبدا، وما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات. وفي الكافي: عنه عليه السلام أن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الأيمان فلا يكونون إلا مؤمنين، وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن شاء سلبهم إياه، قال: وفيهم جرت (فمستقر ومستودع)، وقال: إن فلانا كان مستودعا إيمانه فلما كذب علينا سلب إيمانه ذلك. أقول: وكنى بفلان عن أبي الخطاب محمد بن مقلاص الغالي كما يستفاد من حديث آخر. قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون: قيل: ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى إستعمال فطنة وتدقيق نظر. (99) وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا: على تلوين (1) الخطاب. به: بالماء. نبات كل شئ: نبت كل شئ من أصناف النبات، والمعنى إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة بماء واحد كما قال: (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل). فأخرجنا منه خضرا: نبتا غضا أخضر، وهو الخارج من الحبة المتشعب. نخرج منه: من الخضر. حبا متراكبا: قد ركب بعضه على بعض، وهو السنبل. ومن النخل من طلعها قنوان أعذاق (2) جمع قنو، كصنوان جمع صنو دانية: قريبة من التناول. وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه: بعضها متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم، وبعضها غير متشابه. انظروا إلى ثمره: إلى ثمر كل واحد من ذلك، وقرئ بضم الثاء على الجمع. إذا أثمر: إذا أخرج ثمره كيف يكون صغيرا حقيرا لا يكاد ينتفع به. وينعه: وإلى حال نضجه أو إلى نضيجه كيف يعود ضخما ذا نفع ولذة مصدر ينعت (3) الثمرة: إذا

____________________________

1 - تلوين الخطاب لغيره من اسلوب الى آخر وهو من البلاغة.

 2 - العذق النخلة بحملها وبالكسر والقنو منها والعنقود من العنب وإذا اكل ما عليه اعذاق.

 3 - ينع الثمر كمنع وضرب ينعا وينعا وينوعا بضمهما خان قطافه كأينع واليانع الاحمر من كل شئ والثمر الناضج. كالينع جمع ينع. 

[ 144 ]

أدركت أو جمع يانع. إن في ذلكم لآيات: على وجود صانع عليم حكيم قدير، يقدره، ويدبره، وينقله من حال إلى حال. لقوم يؤمنون: فإنهم المنتفعون. (100) وجعلوا لله شركاء الجن: الملائكة جعلوهم أندادا لله فعبدوهم وقالوا: إنهم بنات الله، سماهم جنا لاجتنانهم (1)، وتحقيرا لشأنهم ونحوه وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا. وقيل: بل اريد بالجن: الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم، أو قالوا إن الله خالق الخير، وإبليس خالق الشر. وخلقهم وقد خلقهم (2) أي وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن، وليس من يخلق كما لا يخلق. وخرقوا (3) له: واختلقوا لله. بنين وبنات: فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وأهل الكتابين: عزير ابن الله، والمسيح: ابن الله، وقرء وخرقوا للتكثير. بغير علم: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه، ولكن جهلا منهم بعظمة الله. سبحانه وتعالى عما يصفون: وهو أن له شريكا وولدا. (101) بديع السموات والارض أي هو مبدعهما ومنشؤهما بعلمه ابتداء لا من شئ ولا على مثال سبق كذا في المجمع عن الباقر عليه السلام أنى يكون له ولد من أين وكيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة يكون منها الولد وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم ومن كان بهذه الصفات فهو غني عن كل شئ. (102) ذلكم موصوف بهذه الصفات الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ. في الخصال عن الباقر عليه السلام. وفي العيون: عن الرضا عليه السلام أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين والله خالق كل شئ ولا نقول بالجبر والتفويض فاعبدوه فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة وهو على كل شئ وكيل حفيظ مدبر وقيل هو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها (4) إليه وتوسلوا بعبادته إلى انجاح مأربكم ورقيب على

____________________________

1 - أي لإستتارهم من الجنة الليل.

 2 - خلق الإفك افتراه كاختلقه وتخلقه.

 3 - خرق الرجل كذب 4 - وكل بالله يكل وتوكل عليه فأوكل واتكل استسلم إليه ووكل إليه الأمر وكلا ووكولا سلمه وتركه. 

[ 145 ]

أعمالكم فيجازيكم عليها. (103) لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار. في الكافي والتوحيد عن الصادق عليه السلام في هذه الآية يعني إحاطة الوهم الا ترى إلى قوله وقد جاءكم بصائر من ربكم ليس يعني بصر العيون فمن أبصر فلنفسه ليس يعني من البصر بعينه ومن عمي فعليها لم يعن عمى العيون إنما عني إحاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر وفلان بصير بالفقه وفلان بصير بالدراهم وفلان بصير بالثياب الله أعظم من أن يرى بالعين. وعن الباقر عليه السلام في هذه الآية أوهام القلوب أدق من أبصار العيون أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولم تدركها ببصرك وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات وأما قوله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فهو كما قال لا تدركه الأبصار لا تحيط به الأوهام وهو يدرك الأبصار يعني يحيط بها. وفي المجمع والعياشي عن الرضا عليه السلام أنه سئل عما اختلف الناس من الرؤية فقال من وصف الله سبحانه بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله لا تدركه الأبصار وهذه الأبصار ليست هذه الأعين إنما هي الأبصار التي في القلوب لا يقع عليه الأوهام. وهو اللطيف (1) الخبير. في الكافي والتوحيد والعيون عن الرضا عليه السلام وأما اللطيف فليس على قلة وقصافة وصغر ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء والإمتناع من أن يدرك كقول الرجل لطف عني هذا الأمر ولطف فلان في مذهبه وقوله يخبرك أنه غمض فيه العقل

____________________________

1 - في الحديث إن الله لطيف ليس على قلة وقضافة صغر للقضافة بالضم والقضف محركة النحافة والقضف الدقة وقد قضف بالضم قضافة فهو قضيف اي نحيف والجمع قضاف. 

[ 146 ]

وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف واللطافة منا الصغر والقلة فقد جمعنا الأسم واختلف المعنى قال: وأما الخبير فالذي لا يغرب عنه شئ ولا يفوته شئ ليس للتجربة ولا للاعتبار بالأشياء فتفيده التجربة والأعتبار علما ولولاهما ما علم لأن من كان كذلك كان جاهلا والله لم يزل خبيرا بما يخلق والخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم فقد جمعنا الأسم واختلف المعنى. (104) قد جاءكم بصائر (1) من ربكم البصيرة للقلب كالبصر للبدن فمن أبصر الحق وآمن به فلنفسه أبصر لأن نفعه لها ومن عمى عن الحق وضل فعليها وباله وما أنا عليكم بحفيظ: وإنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها، وهذا كلام ورد على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. (105) وكذلك نصرف الآيات مثل ذلك التصريف نصرف وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف وهو نقل الشئ من حال إلى حال وليقولوا درست: أي (وليقولوا درست) صرفنا، واللام للعاقبة، والدرس: القراءة والتعلم، وقرئ (دارست) أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، ودرست: من الدروس أي: قدمت هذه الآيات، وعفت كقولهم: (أساطير الأولين). القمي: كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الذي تخبرنا من الأخبار تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه. ولنبينه: (اللام) هنا على أصله، لأن التبيين مقصود التصريف، والضمير للآيات باعتبار المعنى. لقوم يعلمون: فإنهم المنتفعون به.

____________________________

1 - قوله بصائر من ربكم أي حجج بينة واحدها بصيرة وهي الدلالة التي يستبصرها الشئ على ما هو به وهو نور. 

[ 147 ]

وأعرض عن المشركين: ولا تحتفل (1) بأقوالهم، ولا تلتفت إلى آرائهم. (107) ولو شاء الله ما أشركوا: في المجمع: في تفسير أهل البيت عليهم السلام ولو شاء الله أن يجعلهم كلهم مؤمنين معصومين حتى كان لا يعصيه أحد لما كان يحتاج إلى جنة ولا إلى نار، ولكنه أمرهم ونهاهم وامتحنهم وأعطاهم ما له عليهم به الحجة من الالة والأستطاعة ليستحقوا الثواب والعقاب. القمي: ما يقرب منه. وما جعلنك عليهم حفيظا: رقيبا. وما أنت عليهم بوكيل: تقوم بأمورهم. (108) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله: ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح. فيسبوا الله عدوا: تجاوزا عن الحق إلى الباطل. بغير علم: على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به. في المجمع، والقمي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الشرك أخفى من دبيب (2) النمل على صفا (3) سوداء، في ليلة ظلماء فقال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله. فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسبوا الكفار إله المؤمنين فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون. وفي الكافي: عنه عليه السلام في حديث طويل وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم. والعياشي: عنه عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية فقال: أرأيت أحدا يسب الله ؟ فقيل: لا، وكيف ؟ قال: من سب ولي الله فقد سب الله. وفي إعتقادات عنه عليه السلام أنه

____________________________

1 - أي لا تعتن كمال الاعتناء بأقوالهم من الاحتفال بمعنى حسن القيام بالامور.

 2 - دب يدب دبا ودبيبا مشى على هيئته وهو خفي.

 3 - الصفا والصفاة صخرة ملساء. 

[ 148 ]

قيل: إنا نرى في المسجد رجلا يعلن بسب أعدائكم ويسبهم، فقال: ما له لعنه الله تعرض بنا، قال الله: (ولا تسبوا الذين يدعون) الآية. قال: وقال الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية: لا تسبوهم فإنهم يسبون عليكم. وقال: من سب ولي الله فقد سب الله وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي صلوات الله عليه: من سبك فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله فقد كبه (1) الله على منخريه في نار جهنم. كذ لك زينا لكل أمة عملهم: في الخير والشر. والقمي: يعنى بعد اختبارهم ودخولهم فيه، فنسبه الله إلى نفسه والدليل على ذلك لفعلهم المتقدم: قوله (بما كانوا يعملون). ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون: بالمحاسبة والمجازاة. (109) وأقسموا بالله جهد أيمانهم حلفوا به مجدين مجتهدين، القمي: يعني قريشا. لئن جاءتهم ءاية: من مقترحاتهم. ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء على مقتضى الحكمة، ليس شئ منها بقدرتي وإرادتي. وما يشعركم: وما يدريكم استفهام إنكار. أنها: إن الآية المقترحة. إذا جاءت لا يؤمنون: بها يعني أنا أعلم إنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك. قيل: وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم عند مجئ الآية، يتمنون مجيئها فأخبرهم الله سبحانه أنهم ما يدرون ما سبق علمه به من أنهم لا يؤمنون، ألا ترى إلى قوله: (كما لم يؤمنوا به أول مرة) وقيل: (لا) مزيدة. وقيل: (إن) بمعنى (لعل) ويؤيده قراءة ابي لعلها، وقرئ (إنها) بالكسر، على أن الكلام قد تم قبله، ثم أخبرهم بعلمه فيهم وهذا أوضح، ولا تؤمنون - بالتاء على أن الخطاب للمشركين. (110) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم: عطف على لا يؤمنون، أي وما يشعركم إنا

____________________________

1 - كببت فلانا كبا ألقيته على وجهه فاكب هو بالالف وهي من النوادر التي يعدى ثلاثيها دون رباعيها. 

[ 149 ]

حينئذ نقلب أفئدتهم عن الحق فلا يفقهونه، وأبصارهم فلا يبصرونه، فلا يؤمنون بها. كما لم يؤمنوا به أول مرة: أي بما أنزل الله من الآيات. والقمي: يعني في الذر، والميثاق. ونذرهم في طغيلنهم يعمهون وندعهم متحيرين ولا نهديهم هداية المؤمنين. القمي: عن الباقر عليه السلام (ونقلب أفئدتهم)، يقول: ننكس قلوبهم فيكون أسفل قلوبهم أعلاها، وتعمى أبصارهم فلا يبصرون الهدى، وقال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: إن أول ما تقلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر منكرا، نكس قلبه، وجعل أعلاه أسفله، فلم يقبل خيرا أبدا. (111) ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا (1) كما اقترحوا فقالوا: (لو لا أنزل علينا الملائكة) (فأتوا بآبائنا) (أو تأتي بالله والملائكة قبيلا). القمي: قبلا: أي عيانا. وفسر بمعان أخر، وقرئ (قبلا) بكسر القاف وفتح الباء وهو بمعناه المذكور. ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون: أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم، ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون، فيتمنون نزول الآية طمعا في إيمانهم كذا قيل. (112) وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا: أي كما جعلنا لك عدوا جعلنا لكل نبي سبقك عدوا بمعنى التخلية بينهم وبين أعدائهم للأمتحان. القمي: عن الصادق عليه السلام ما بعث الله نبيا قط إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان الناس بعده، فأما صاحبا نوح ففيطيقوس، وحزام، وأما صاحبا إبراهيم فمكمل، ورزام، وأما صاحبا موسى فالسامري ومرعقيبا، وأما صاحبا عيسى فبوليس،

____________________________

1 - أي قبيلا قبيلا وقيل عيانا وقبلا أي أصنافا جمع قبيل أي صنف. 

[ 150 ]

ومرينون، وأما صاحبا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحبتر وزريق بتقديم الزاي على الراء مصغر زرق، والحبتر بتقديم المهملة ثم الموحدة ثم المثناة من فوق ثم الراء على وزن - جعفر -: الثعلب، وإنما كنى عنهما بهما لزرقة عين أحدهما، ولشبه الآخر بالثعلب في الحيلة. شياطين الاءنس والجن: مردتهما. يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا: الأباطيل المموهة (1) من زخرفة: إذا زينه. القمي: يقول بعضهم إلى بعض: لا تؤمنوا بزخرف القول، فهذا الوحي كذب. في الكافي: عن الصادق عليه السلام في حديث من لم يجعله الله من أهل صفة الحق فاولئك شياطين الأنس والجن. وفي الخصال: عنه عليه السلام الأنس على ثلاثة أجزاء: فجزء تحت ظل العرش يوم لا ظل إلاء ظله، وجزء عليهم الحساب والعذاب، وجزء وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين. ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. (113) ولتصغى إليه: تميل أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه: لأنفسهم. وليقترفوا: وليكتسبوا ما هم مقترفون: من الآثام. (114) أفغير الله أبتغى حكما: يعني قل لهم: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل وهو الذى أنزل إليكم الكتاب: القرآن. مفصلا: مبينا فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والألتباس. والذين آتيناهم الكتاب: التورات والأنجيل. يعلمون أنه منزل من ربك بالحق: لتصديق ما عندهم إياه ولتصديقه وما عندهم مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم، فلا تكونن من الممترين: في أنهم يعلمون ذلك أو في أنه منزل بجحود أكثرهم فيكون من باب التهييج كقوله: (ولا تكونن من المشركين) ومن قبيل إياك أعني واسمعي يا جارة.

____________________________

1 - موهت الشئ بالتشديد إذا طليته بفضة أو ذهب وتحت ذلك نحاس أو حديد ومنه التمويه وهو التلبيس وقول مموه اي مزخرف مزخرف أو ممزوج من الحق والباطل. 

[ 151 ]

(115) وتمت كلمت ربك: ما تكلم به من الحجة وقرأت (كلمات ربك). يعني بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده. صدقا: في الأخبار والمواعيد. وعدلا: في الأقضية والأحكام. لا مبدل لكلمته: لا أحد يبدل شيئا منها بما هو أصدق وأعدل. وهو السميع: بما يقولون. العليم: بما يضمرون. في الكافي: عن الصادق عليه السلام إن الأمام يسمع في بطن أمه فإذا ولد خط بين كتفيه، وفي رواية بين عينيه. وفي أخرى: على عضده الأيمن (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) الآية فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة. وفي رواية فبهذا (1) يحتج الله على خلقه. والقمي، والعياشي: ما يقرب منه. (116) وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله: لأن الأكثر في الغالب يتبعون الأهواء. إن يتبعون إلا الظن: وهو ظنهم أن آباءهم كانوا محقين وهم يقلدونهم، أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة. وإن هم إلا يخرصون: يقولون: عن تخمين. (117) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله: أي بمن يضل أو استفهام. وهو أعلم بالمهتدين: أي أعلم بالفريقين. (118) فكلوا مما ذكر اسم الله عليه: مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحلون الحرام وذلك أنهم قالوا للمسلمين: أتأكلون مما قتلتم أنتم ولا تأكلون مما قتل ربكم ؟ فقيل: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه. إن كنتم بآياته مؤمنين: فإن الأيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله واجتناب ما حرمه. (119) وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه: وأي غرض لكم بأن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم منه. وقد فصل لكم ما حرم عليكم: مما لم يحرم بقوله:

____________________________

1 - أي فبمن يكون على هذه الصفة. 

[ 152 ]

(حرمت عليكم الميتة)، وقرئ (فصل) على البناء للمفعول و (حرم) على البناء للفاعل. إلا ما اضطررتم إليه: مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة. وإن كثيرا ليضلون: بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، وقرئ بضم الياء. بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين: المتجاوزين الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام. (120) وذروا ظاهر الاءثم وباطنه: ما يعلن وما يسر. القمي: قال: الظاهر من الأثم: المعاصي، والباطن: الشرك والشك في القلب. إن الذين يكسبون الاءثم سيجزون بما كانوا يقترفون: يعملون. (121) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه: في الفقيه، والتهذيب: عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن مجوسي قال: بسم الله وذبح فقال: كل، فقيل: مسلم ذبح ولم يسم فقال: لا تأكل إن الله يقول: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب ؟ فقال: لا بأس إذا ذكر اسم الله عليه، ولكني أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى عليهما السلام. وعنه عليه السلام: إنه سئل عن ذبائح اليهود والنصارى ؟ فقال: الذبيحة اسم ولا يؤمن على الأسم إلا مسلم. وفي التهذيب: عن الباقر عليه السلام في ذبيحة الناصب واليهودي والنصراني، قال: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله عليه أما سمعت قول الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). أقول: هذا الحديث يوضح سابقه ويحكم عليهما، ويفصل إجمالهما، كما أن أولهما يحكم عليه، والثلاثة توفق بين كل ما ورد في هذا المعنى مع كثرته واختلافه. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن رجل ذبح ولم يسم، فقال:

[ 153 ]

إن كان ناسيا فليسم حين يذكر، ويقول بسم الله على أوله وآخره. وعنه عليه السلام: إذا ذبح المسلم ولم يسم ونسي فكل من ذبيحته وسم الله على ما تأكل. وفيه: عنه عليه السلام أنه سئل عن رجل ذبح فسبح أو كبر أو هلل أو حمد الله، قال: هذا كله من أسماء الله تعالى، ولا بأس به. وإنه لفسق: وان الفسق: ما أهل لغير الله به لقوله تعالى: (أو فسقا أهل لغير الله به). وإن الشياطين (1) ليوحون: ليوسوسون. إلى أوليائهم: من الكفار. ليجادلوكم: بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم، وجوارحكم، وتدعون ما قتله الله. وإن أطعتموهم: في إستحلال ما حرم. إنكم لمشركون: فإن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك بالله. (122) أو من كان ميتا: وقرئ بالتشديد. فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها: يعني مثل من هداه الله وأنقذه من الضلالة وجعل له حجة يهتدي بنورها كمن صفته البقاء في الضلالة لا يفارقها بحال أبدا. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام (ميتا): لا يعرف شيئا، و (نورا يمشي به في الناس): إماما يؤتم به، (كمن مثله في الظلمات): الذي لا يعرف الأمام. والعياشي: مثله. وعنه عليه السلام الميت: الذي لا يعرف هذا الشأن يعني هذا الأمر، و (جعلنا له نورا) إماما يأتم به يعني علي بن أبي طالب صلوات الله عليه (كمن مثله في الظلمات) قال: بيده هكذا هذا الخلق الذي لا يعرفون شيئا. وفي المناقب: عن الصادق عليه السلام كان ميتا عنا فأحييناه بنا. والقمي: كان جاهلا عن الحق والولاية فهديناه إليها، قال: (النور): الولاية، (في

____________________________

1 - يعني علماء الكافرين ورؤساؤهم المتمردين في كفرهم وقال ابن عباس معناه وإن الشياطين من الجن وهم ابليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الانس والوحي القاء المعنى الى النفس من وجه خفي وهم يلقون الوسوسة الى قلوب أهل الشرك. 

[ 154 ]

الظلمات) يعني ولاية غير الأئمة عليهم السلام. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام في حديث قال الله تعالى: (يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى) فالحي: المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر، والميت الذي يخرج من الحي: هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن، فالحي: المؤمن، والميت: الكافر، وذلك قوله عز وجل: (أو من كان ميتا فأحييناه) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، وكان حيوته حين فرق الله بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عز وجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور، ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النور، وذلك قوله عز وجل: (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين). كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون. في المجمع: عن الباقر عليه السلام إن الآية نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل. (123) وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها أي كما جعلنا في مكة والمعنى خليناهم وشأنهم. ليمكروا ولم نكفهم عن المكر، وإنما خص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم. وما يمكرون إلا بأنفسهم: لأن وباله يحيق (1) بهم. وما يشعرون: ذلك. (124) وإذا جاءتهم آية قالوا: القمي: قال الأكابر. لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله: روي أن أبا جهل قال: زاحمنا (2) بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت. ونحوه قوله عز وجل: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى

____________________________

1 - قوله تعالى وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون أي احاط بهم وحل يقال حاق بهم العذاب حيقا إذا نزل والحيق نزول البلاء.

 2 - قوله لع تزاحمنا أي ضايقنا الامر عليهم من كل وجه ولم نقصر عنهم في شرف حتى صرنا كالفرسين المتسابقين في ميدان الاستباق يهم في سبق كل منهما على الآخر فلا نسلم أبدا لهم شرفا لا يكون مثله لنا فلا نؤمن بالآيات المنزلة فيهم إلا أن ينزل مثلها فينا حتى لا نقصر عنهم. 

[ 155 ]

صحفا منشرة). الله أعلم حيث يجعل رسالته: استيناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال، وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالته من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي فيه يضعها، وقرئ رسالاته. سيصيب الذين أجرموا صغار: ذل وحقارة بعد كبرهم. عند الله: يوم القيامة، وقيل: من عند الله. وعذاب شديد بما كانوا يمكرون: القمي: أي يعصون الله في السر. (125) فمن يرد الله أن يهديه: يعرفه الحق ويوفقه للأيمان. يشرح صدره للاسلام: فيتسع له ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل القلب قابلا للحق مهيئا لحلوله فيه، مصفى عما يمنعه وينافيه. في المجمع: قد وردت الرواية الصحيحة انه لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عن شرح الصدر وما هو ؟ قال: نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن فينشرح له صدره وينفسح، قالوا: فهل لذلك من إمارة يعرف بها ؟ فقال: نعم، الأنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والأستعداد للموت قبل نزول الموت. ومن يرد أن يضله (1) يجعل صدره ضيقا حرجا: بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الأيمان، وقرئ ضيقا بالتخفيف، وحرجا بالكسر أي شديد الضيق. في المعاني: عن الصادق عليه السلام: في هذه الآية قال: قد يكون ضيقا وله منفذ يسمع منه ويبصر، والحرج: هو الملتأم الذي لا منفذ له، يسمع به ولا يبصر منه. والعياشي: عنه عليه السلام: إنه قال لموسى بن أسمر أتدري ما الحرج قال: قلت: لا، فقال بيده وضم أصابعه: كالشئ (2) المصمت الذي لا يدخله فيه شئ، ولا يخرج منه شئ. كأنما يصعد في السماء: يتصعد، وقرئ بالتخفيف، ويصاعد بمعنى يتصاعد مبالغة في ضيق

____________________________

1 - لا يجوز ان يكون المراد بالاضلال في الآية الدعاء الى الضلال ولا الامر به ولا إجبار عليه لاجماع الامة على أن الله تعالى لا يأمر بالضلال ولا يدعوا إليه فيكف يجبر عليه والدعاء إليه أهون من الاجبار عليه وقد ذم الله فرعون والسامري عن إضلالهما عن دين الهدى في قوله وأضل فرعون قومه وما هدى وقوله فاضلهم السامري ولا خلاف في أن أضلالهما اضلال أمر واجبار ودعاء وقد ذمهما الله تعالى عليه مطلقا فكيف بما ذم عليه غيره.

 2 - المصمت الذي لا جوف له. 

[ 156 ]

صدره. بتشبيهه بمن يزاول ما لا يقدر عليه فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الأستطاعة ويضيق عند القدرة. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون: العياشي: عن الصادق عليه السلام: هو الشك. وفي الكافي: عنه عليه السلام إن القلب ليتخلخل (1) في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه إطمأن به وقر ثم تلا (فمن يرد الله أن يهديه) الآية. والعياشي: مثله. وفي رواية: قال: إن القلب ينقلب عن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فإذا أصاب الحق قر، ثم تلا هذه الآية. وفي المجمع: عنه عليه السلام: مثله. أقول: يتخلخل بالخاءين المعجمتين أو الجيمين أي يتحرك. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا نكت (2) في قلبه نكتة من نور فأضاء لها سمعه وقلبه حتى يكون أحرص على ما في أيديكم منكم، وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء فأظلم لها سمعه وقلبه، ثم تلا: (فمن يرد الله أن يهديه) الآية. وفيه، وفي التوحيد، والعياشي: عنه عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء سد مسامع قلبه، ووكل به شيطانا يضله، ثم تلا هذه الآية. وفي الكافي: عنه عليه السلام: في حديث واعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح الله صدره للأسلام، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق، وعقد قلبه عليه فعمل به. فإذا جمع الله له على ذلك تم له إسلامه، وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه فكان صدره ضيقا حرجا فإن

____________________________

1 - ليتخلخل اي يتحرك ويضطرب كالخلخال الملبوس.

 2 - النكتة في الشئ كالنقطة والجمع نقط. 

[ 157 ]

جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه، وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين، وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة (1) عليه فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للأسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحكمة حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك. وفي التوحيد، والمعاني، والعيون: عن الرضا عليه السلام: إنه سئل عن هذه الآية فقال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا وإلى جنته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله، والثقة به، والسكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاد قلبه حتى يصير (كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). (126) وهذا صراط (2) ربك: قيل يعني طريقته وعادته في التوفيق والخذلان. مستقيما: عادلا مطردا لا إعوجاج فيه. القمي: يعني الطريق الواضح. قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون: فيعلمون أن القادر هو الله، وأن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه، وأنه عليم بأحوال العباد حكيم عدل فيما يفعل بهم. (127) لهم: للذين تذكروا وعرفوا الحق. دار السلام: دار الله أو دار السلامة من كل آفة وبلية. القمي: يعني في الجنة، والسلام: الأمان والعافية والسرور. ويأتي في سورة يونس فيه حديث بالمعنى الأول. عند ربهم: في ضمانه يوصلهم إليها لا محالة. وهو وليهم: قيل: مولاهم ومحبهم. القمي: أي أولى بهم. بما كانوا يعملون: وبسبب أعمالهم.

____________________________

1 - فإن العلم إذا لم يقارن العمل فهو مخاصم صاحبه.

 2 - وصف الصراط الذي هو أدلة الحق بالاستقامة مع اختلاف وجوه الادلة لانها مع اختلافها تؤدي الى الحق فكأنها طريق واحد لسلامة چميعها من التناقض والفساد. 

[ 158 ]

(128) ويوم نحشرهم جميعا: واذكر يوم نحشرهم أو يوم يحشرهم، وقرئ بالياء ثم يقول يا معشر الجن: يعني الشياطين. قد استكثرتم من الاءنس: أضللتم منهم كثيرا. القمي: قال: كل من والى قوما فهو منهم، وإن لم يكن من جنسهم. وقال أولياؤهم من الاءنس: الذين اتبعوهم وأطاعوهم ربنا استمتع بعضنا ببعض: أي انتفع الأنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وما يوصل إليها، وانتفع الشياطين بالأنس حيث أطاعوهم وحصلوا مرادهم. وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا. القمي: يعني القيامة. قال: قال الله لهم. النار مثويكم: مقامكم. خلدين فيها: مؤبدين. إلا ما شاء الله إن ربك حكيم: في أفعاله. عليم: بأعمال الثقلين (1) وأحوالهم. (129) وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون: نكل بعضهم إلى بعض. القمي: قال: نولي كل من يولي أولياءهم فيكونون معهم. وفي الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام: ما انتصر الله من ظالم، إلا بظالم وذلك قوله عز وجل: (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا). (130) يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا: يعني يوم القيامة. في العيون: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام: هل بعث الله نبيا إلى الجن فقال: نعم. بعث الله نبيا يقال له: يوسف فدعاهم إلى الله فقتلوه. وعن الباقر عليه السلام: في حديث أن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجن والأنس. أقول: وعموم رسالته الثقلين مستفيض. قالوا شهدنا على أنفسنا: بالجرم والعصيان، وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب. وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا

____________________________

1 - الثقل محركة متاع المسافر وحشمه وكل شئ نفيس مصون ومنه الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي والثقلان الانس والجن. 

[ 159 ]

على أنفسهم أنهم كانوا كافرين: ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيا واللذات المخدجة (1) وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والأستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين من مثل حالهم. (131) ذلك: أي إرسال الرسل ان لم يكن لان لم يكن ربك مهلك القرى بظلم: ظالما أو بسبب ظلم فعلوه. وأهلها غافلون: لم ينبهوا برسول. (132) ولكل: من المكلفين. درجات: مراتب. مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون: فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب، وقرئ بالخطاب. (133) وربك الغنى: عن عباده، وعن عبادتهم. ذو الرحمة: يترحم عليهم بالتكليف ليعرضهم (2) للمنافع العظيمة التي لا يحسن إيصالهم إليها إلا بالأستحقاق إن يشأ يذهبكم: أيها العصاة. ويستخلف من بعدكم ما يشاء: وينشئ من بعد هلاككم و إذهابكم خلقا غيركم يطيعونه يكونوا خلفا لكم. كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين: قرنا بعد قرن. (134) إن ما توعدون: من الحشر والثواب والعقاب. لآت: لكائن لا محالة وما أنتم بمعجزين: بخارجين من ملكه يقال: أعجزني كذا أي فاتني وسبقني. (135) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم: قيل: على غاية تمكنكم واستطاعتكم أو على حالكم التي أنتم عليها، وقرئ مكاناتكم حيث ما وقع. إنى عامل: على مكانتي التي أنا عليها وهو تهديد، والمعنى أثبتوا على كفركم وعداوتكم فإني ثابت

____________________________

1 - في الخبر كل صلاة لا يقرء فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج أي نقصان وصف بالمصدر للمبالغة يقال خدجت الناقة فهي خادج إذا ألقت ولدها قبل تمام الايام وان كان تمام الخلق وفي حديث علي (عليه السلام) في ذي الثدية مخدج اليد أي ناقص اليد.

 2 - قوله تعالى وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا أي اظهرناها حتى يراها الكفار يقال عرضت الشئ فأعرض أي أظهرته فظهر. 

[ 160 ]

على الأسلام وعلى مصابرتكم. فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار: أينا تكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار ؟ وقرئ يكون بالياء، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد وتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر وهذا كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم). إنه لا يفلح الظلمون: وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة. (136) وجعلوا لله: يعني مشركي العرب مما ذرأ: مما خلق الله. من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم: من غير أن يؤمروا به، وهذا لشركائنا: أصنامهم التي أشركوها في أموالهم وقرئ بضم الزاي وكذا فيما يأتي فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون: حكمهم هذا. روي أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث ونتاج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئا منهما لالهتهم وينفقون على سدنتها (1) ويذبحون عندها ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حبا لآلهتهم واعتلوا لذلك بأن الله غني. وفي المجمع: عن أئمتنا عليهم السلام: كان إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل لله ردوه وإذا اختلط ما جعل لله بما جعلوه للأصنام تركوه، وقالوا: الله غني وإذا إنخرق الماء من الذي لله في الذي للأصنام لم يسدوه وإذا انخرق (2) من الذي للأصنام في الذي لله سدوه وقالوا إن الله غني قيل: وفي قوله (مما ذرأ) تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شئ ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له. (137) وكذلك: ومثل ذلك التزيين. زين لكثير من المشركين قتل أولدهم: بالوأد (3) خيفة العيلة أو العار أو بالنحر لآلهتهم. شركاؤهم: من الشياطين أو السدنة. ليردوهم: ليهلكوهم بالأغواء. وليلبسوا عليهم دينهم: وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه. ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون.

____________________________

1 - سدن سدنا وسدانة خدم الكعبة أو بيت الصنم وعمل الحجابة فهو سادن.

 2 - قوله إذا انخرق أي انفتح وخرج.

 3 - وأدبنته يئدها دفنها حية فهي وئيد ووئيدة وموؤدة. 

[ 161 ]

(138) وقالوا هذه: إشارة إلى ما جعل لآلهتهم. أنعام وحرث حجر: حرام. لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم: من غير حجة. القمي: قال: كانوا يحرمونها على قوم. وأنعام حرمت: حرام. ظهورها: قال: يعني البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها: في الذبح والنحر. وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها، والمعنى إنهم قسموا أنعامهم فقالوا: هذه أنعام حجر، وهذه أنعام محرمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله فجعلوها أجناسا بدعواهم الباطلة، ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله. افتراء عليه: أي فعلوا ذلك كله على جهة الأفتراء. سيجزيهم بما كانوا يفترون. (139) وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. القمي: كانوا يحرمون الجنين الذي يخرجونه من بطون الأنعام على النساء، فإذا كان ميتا يأكله الرجال والنساء. قيل: وانث - خالصة - لأن ما في معنى الأجنة، والتاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر، أو هو مصدر كالعافية، وقرئ تكن بالتاء وميتة بالنصب، بوجوه أخر سيجزيهم وصفهم: أي جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم والتحليل من قوله: وتصف ألسنتهم الكذب هذا حلال وهذا حرام). إنه حكيم عليم. (140) قد خسر الذين قتلوا أولادهم: كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر، وقرئ (قتلوا) بالتشديد بمعنى التكثير. سفها بغير علم: لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله رازق أولادهم. لا هم. وحرموا ما رزقهم الله: من البحاير، ونحوها. افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين: إلى الحق والصواب. (141) وهو الذى أنشأ جنات: من الكروم. معروشات: مرفوعات على ما يحملها. وغير معروشات: ملقيات على وجه الأرض. والنخل والزرع مختلفا أكله: أكل ذلك أي ثمره الذي يؤكل في اللون والطعم والحجم والرائحة. والزيتون والرمان متشابها

[ 162 ]

وغير متشابه: يتشابه بعض أفرادهما في الطعم واللون والحجم ولا يتشابه بعضها. كلوا من ثمره: من ثمر كل واحد من ذلك. إذا أثمر: وإن لم يدرك ولم يينع بعد، وقيل: فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله. أقول: وإنما يصح ذلك إذا خرص ما يأكل. وءاتوا حقه يوم حصاده: وقرئ بكسر الحاء. في قرب الأسناد: إنه قرء عند الرضا عليه السلام: فقال للقارئ: هكذا يقرؤها من كان قبلكم قال: نعم قال: افتح الفم بالحاء. كأنه كان يقرؤها: بالكسر، وكأن القمي أيضا بهذا أشار حيث قال: كذا نزلت. قيل: يريد بالحق: ما يتصدق به يوم الحصاد، لا الزكوة المقدرة، لأن الزكوة فرضت بالمدينة، والآية مكية. وقيل: بل هو: الزكوة أي لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الأيتاء، والآية مدنية. والمروي عن أهل البيت عليهم السلام: إنه غير الزكوة. ففي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام: في الزرع حقان: حق تؤخذ به، وحق تعطيه، أما الذي تؤخذ به: فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل: (وآتوا حقه يوم حصاده) فالضغث (1) تعطيه ثم الضغث حتى تفرغ. وعن الباقر عليه السلام: هذا من الصدقة تعطي المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ (2) الحفنة بعد الحفنة (3). والقمي: عن الصادق عليه السلام: في هذه الآية قال: الضغث: من السنبل، والكف من التمر إذا خرص. والعياشي: عنه عليه السلام: فيها قال: إعط من حضرك من مشرك وغيره.

____________________________

1 - الضغث بالكسر والفتح قبضة الحشيش المختلط رطبها ويابسها ويقال ملأ الكف من القضبان والحشيش والشماريخ.

 2 - جذذت الشئ جذا من باب قتل كسرته وقطعته فهو مجذوذ والجذاذ ضما وكسرا والضم أفصح قطع ما يكسر. الجداد بالفتح والكسر صرام النخل وهو قطع ثمرتها.

 3 - الحفنة بالفتح فالسكون ملأ الكفين من طعام والجمع حفنات كسجدة وسجدات وحفنت لفلان من باب ضرب أعطيته قليلا. 

[ 163 ]

والأخبار في هذا المعنى: كثيرة. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: لا تصرم (1) بالليل، ولا تحصد بالليل، ولا تضح بالليل، ولا تبذر بالليل إلى قوله: وإن حصدت بالليل لم يأتك السؤال وهو قول الله: (وآتوا حقه يوم حصاده) يعني القبضة بعد القبضة إذا حصدته فإذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، وكذلك عند الصرام، وكذلك عند البذر ولا تبذر بالليل لأنك تعطي من البذر كما تعطي في الحصاد. وعنه عليه السلام: في هذه الآية تعطي المسكين يوم حصادك الضغث، ثم إذا وقع في البيذر، ثم إذا وقع في الصاع العشر ونصف العشر. والقمي: قال: فرض الله يوم الحصاد من كل قطعة أرض قبضة للمساكين، وكذا في جذاذ النخل وفي التمر، وكذا عند البذر، وإن الرضا عليه السلام: سئل إن لم يحضر المساكين وهو يحصد كيف يصنع ؟ قال: ليس عليه شئ. وأن الصادق عليه السلام: سئل هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله ؟ قال: لا هو أسخى لنفسه قبل أن يدخله بيته. ولا تسرفوا: في التصدق، كقوله: (ولا تبسطها كل البسط). إنه لا يحب المسرفين: لا يرتضي فعلهم. في الكافي، والعياشي: عن الرضا عليه السلام: إنه سئل عن هذه الآية فقال: كان أبي يقول: من الأسراف في الحصاد والجذاذ أن يتصدق الرجل بكفيه جميعا، وكان أبي إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به اعط بيد واحدة القبضة بعد القبضة، والضغث بعد الضغث من السنبل. وعن الصادق عليه السلام: إنه سئل عن هذه الآية فقال: كان فلان بن فلان الأنصاري وسماه كان له حرث، وكان إذا أخذه تصدق به، ويبقى هو وعياله بغير شئ فجعل الله عز وجل ذلك سرفا. وفي الكافي: عنه عليه السلام: في حديث قال: وفي غير آية من كتاب الله يقول: (إنه لا يحب المسرفين) فنهاهم عن الأسراف، ونهاهم عن التقتير، لكن

____________________________

1 - الصرام وجذاذ النخل وهذا أول الصرام بالفتح والكسر والصرمة القطعة من النخل نحوا من ثلاثين. 

[ 164 ]

أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له. (142) ومن الانعام حمولة وفرشا: وأنشأ من الأنعام ما تحمل الأثقال، وما ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش. كلوا مما رزقكم الله منها ولا تتبعوا خطوات الشيطان: في تحريم شئ منها من عند أنفسكم. إنه لكم عدو مبين: ظاهر العداوة. (143) ثمانية أزو ج: بدل من حمولة وفرشا أو مفعول (كلوا)، (ولا تتبعوا) معترض، والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه، وقد يقال: لمجموعهما. من الضأن اثنين: الأهلي والوحشي. ومن المعز اثنين: الأهلي والوحشي، وقرئ بفتح العين. قل ءالذكرين: ذكر الضأن وذكر المعز. حرم أم الاءنثيين: أم انثييهما. أما اشتملت عليه أرحام الاءنثيين: أو ما حملته اناث الجنسين ذكرا كان أو أنثى. نبؤنى بعلم: بأمر معلوم يدل على أن الله حرم شيئا من ذلك. إن كنتم صادقين: في دعوى التحريم عليه. (144) ومن الاءبل اثنين: العراب (1) والبخاتي (2). ومن البقر اثنين: الأهلي والوحشي، وقيل: اريد بالأثنين الذكر والأنثى من كل صنف، والصواب ما قلناه كما يأتي بيانه. قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين كما مر والمعنى انكار ان الله حرم من الأجناس الأربعة أهليا كان أو وحشيا ذكرا كان أو انثى وما تحمل اناثها ردا عليهم فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، واناثها تارة، وأولادها كيف كانت تارة زاعمين أن الله تعالى حرمها. أم كنتم شهداء: بل كنتم حاضرين شاهدين. إذ وصكم الله بهذا: حين وصكم بهذا التحريم فإنكم لا تؤمنون بالرسل فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة أو السماع. فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا: فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، والمراد كبراؤهم المقررون لذلك، أو عمرو بن لحي المؤسس له الذي بحر البحاير، وسيب السوائب. ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين. القمي: فهذه التي أحلها الله في كتابه في قوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية

____________________________

1 - الابل العراب خلاف البخاتي 2 - البخت بالضم الابل الخراسانية كالبختية ج بخاتي وبخاتي وبخات. 

[ 165 ]

أزواج) ثم فسرها في هذه الآية فقال من الضأن اثنين عنى الأهلي (الجبلي)، ومن المعز اثنين عنى الأهلي والوحشي (الجبلي) ومن البقر اثنين عنى الأهلي والوحشي (الجبلي)، ومن الأبل اثنين يعني البخاتي والعراب، فهذه أحلها الله. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام: حمل نوح عليه السلام: في السفينة الأزواج الثمانية التي قال الله عز وجل: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين) الآية فكان من الضأن اثنين زوج داجنة (1) يربيها الناس، والزوج الآخر الضأن التي تكون في الجبال الوحشية أحل لهم صيدها، ومن المعز اثنين زوج داجنة يربيها الناس والزوج الآخر الضباء التي تكون في الغار، ومن الأبل اثنين البخاتي والعراب، ومن البقر اثنين زوج داجنة للناس، والزوج الآخر البقر الوحشية، وكل طير طيب وحشي وانسي. وفيه، وفي الفقيه: عن داود الرقي قال: سألني بعض الخوارج عن هذه الآية (من الضأن اثنين) الآية ما الذي أحل الله من ذلك وما الذي حرم ؟ فلم يكن عندي فيه شئ فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام: وأنا حاج فأخبرته بما كان، فقال: إن الله تعالى أحل في الأضحية بمنى الضأن والمعز الأهلية، وحرم أن يضحى بالجبلية، وأما قوله: (ومن الأبل اثنين ومن البقر اثنين) فإن الله تعالى أحل في الأضحية الأبل العراب، وحرم منها البخاتي (2) وأحل البقر الأهلية أن يضحى بها، وحرم الجبلية فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بهذا الجواب، فقال: هذا شئ حملته الأبل من الحجاز. أقول: لعل الخارجي كان قد سمع تحريم الأضحية ببعض هذه الأزواج الثمانية مع حلها كلها فأراد أن يمتحن بمعرفته داود، ولعل علة تحريم الأضحية بالجبلية منها بمنى كونها صيدا وتحريمها بالبخت لعلة أخرى. (145) قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما: طعاما محرما. على طاعم يطعمه: فيه ايذان بأن التحريم إنما يثبت بالوحي لا بالهوى. إلا أن يكون: الطعام. ميتة أو دما

____________________________

1 - دجن بالمكان دجنا من باب قتل ودجونا: أقام فيه وأدجن مثله.

 2 - الظاهر المراد بالبخاتي في هذا الخبر هو الوحشي من الابل. 

[ 166 ]

مسفوحا: مصبوبا كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال أو المختلط باللحم لا يمكن تخليصه منه. أو لحم خنزير فإنه رجس: قذر. أو فسقا أهل لغير الله به: سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله (1) في الفسق. فمن اضطر: فمن دعته الضرورة إلى تناول شئ من ذلك. غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم: لا يؤاخذه بأكله، وقد مضى تفسير الباغي والعادي في سورة البقرة. فإن قيل: لم خص هذه الأشياء الأربعة هنا بذكر التحريم مع أن غيرها محرم أيضا، فإنه سبحانه ذكر في المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية وغيرها، وقد ورد الأخبار الصحيحة بتحريم كل ذي مخلب (2) من الطير، وكل ذي ناب من الوحش، وما لا قشر له من السمك، إلى غير ذلك. قلنا: أما المذكورات في المائدة فكلها يقع عليه اسم الميتة فيكون في حكمها فأجمل هيهنا وفصل هناك، وأما غيرها فليس بهذه المثابة في الحرمة فخص هذه الأشياء بالتحريم تعظيما لحرمتها، وبين تحريم ما عداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وورد أنه مما يعاف عنه. وأما ما قيل: إن هذه السورة مكية، والمائدة مدنية فيجوز أن يكون غير ما في هذه الآية من المحرمات إنما حرم فيما بعد فلا تساعده الأخبار الواردة في ذلك عن أهل البيت عليهم السلام. وكذا ما قاله القمي فإنه قال: قد احتج قوم بهذه الآية على أنه ليس شئ محرم إلا هذا وأحلوا كل شئ من البهائم: القردة، والكلاب، والسباع، والذئاب، والأسد، والبغال، والحمير، والدواب، وزعموا أن ذلك كله حلال، وغلطوا في ذلك هذا غلطا بينا، وإنما هذه الاية رد على ما أحلت العرب وحرمت لأن العرب كانت تحلل على نفسها وتحرم أشياء فحكى الله ذلك لنبيه صلى الله عليه وآله: ما قالوا، فقال: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) الاية فكان إذا سقط الجنين أكله الرجال وحرم على النساء، وإذا كان ميتا أكله الرجال والنساء، انتهى كلامه.

____________________________

1 - أوغل في البلاد والعلم ذهب وبالغ وأبعد كتوغل.

 2 - مخلب الطائر بكسر الميم وفتح اللام بمنزلة الظفر للانسان. 

[ 167 ]

انتهى كلامه وإنما قلنا إن القولين لا يساعده الأخبار لأنها وردت بأن الحرام ليس إلا ما حرم الله وتليت هذه الاية، وذلك حين سألوا عن حرمة غير المذكور فيها من الحيوان. ففي التهذيب، عن الصادق عليه السلام: والعياشي: عن الباقر عليه السلام: إنه سئل عن الجري (1) والمار (2) ماهي والزمير (3) وما ليس له قشر من السمك حرام هو فقال لي: يا محمد إقرأ هذه الاية التي في الأنعام: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه) فقال: فقرأتها حتى فرغت منها، فقال: إنما الحرام ما حرم الله ورسوله في كتابه، ولكنهم قد كانوا يعافون عن أشياء فنحن نعافها. وعن الباقر والعياشي: عن الصادق عليهما السلام: إنه سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر له القنافذ، والوطواط (4)، والحمير، والبغال، والخيل فقال: ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يوم خيبر عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهاهم من أجل ظهورهم أن يفنوها وليست الحمير بحرام، ثم قال: اقرأ هذه الآية: (قل لا أجد) الآية. وعنه عليه السلام: إنه سئل عن الجريث ؟ فقال: وما الجريث ؟ فنعت له فقال: (لا أجد) الآية ثم قال: لم يحرم الله شيئا من الحيوان في القرآن إلا الخنزير بعينه، ويكره كل شئ من البحر ليس له قشر مثل الورق، وليس بحرام وإنما هو مكروه. وعن أحدهما عليهما السلام: إن أكل الغراب ليس بحرام إنما الحرام ما حرم الله في كتابه، ولكن الأنفس تتنزه عن كثير من ذلك تقززا (5). قال صاحب التهذيب: قوله: (ليس الحرام إلا ما حرم الله في كتابه) المعنى فيه أنه ليس الحرام المخصوص المغلظ الشديد الحظر إلا ما ذكره الله في القرآن وإن كان فيما عداه أيضا محرمات كثيرة إلا أنها دونه في التغليظ. (146) وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر من دابة أو طير. ومن البقر

____________________________

1 - الجري بالجيم والراء المشددة المكسورة والياء المشددة اخيرا ضرب من السمك عديم الفلس ويقال له الجريث بالثاء.

 2 - المار ماهي بفتح الراء معرب وأصله حية السمك.

 3 - الزمير كسكيت نوع من السمك.

 4 - الوطواط الخطاف وقيل الخفاش والجمع الوطاوط.

 5 - التقزز بالقاف والزائين المعجمتين التباعد عن الدنس والمبالغة في التطهير. 

[ 168 ]

والغنم حرمنا عليهم شحومهما: الثروب وشحوم الكلى. إلا ما حملت ظهورهما: أي ما علقت بظهورهما. أو الحوايا (1) أو ما اشتمل على الأمعاء أو ما اختلط بعظم: وهو شحم الألية فإنه متصل بالعصعص (2) ذلك جزيناهم ببغيهم: بسبب ظلمهم. وإنا لصادقون: في الأخبار والوعد والوعيد. (147) فإن كذبوك: فيما تقول. فقل ربكم ذو رحمة واسعة: لا يعجل بالعقوبة فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يمهل إذا جاء وقته. ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين: حين ينزل. (148) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولاء ابآؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك حذر الذين من قبلهم أي مثل هذا التكذيب لك في أن الله منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه (كذب الذين من قبلهم الرسل). حتى ذاقوا بأسنا: الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم. قل هل عندكم من علم: من أمر معلوم يصح الأحتجاج به على ما زعمتم. فتخرجوه لنا: فتظهروه لنا. إن تتبعون إلا الظن: ما تتبعون في ذلك إلا الظن. وإن أنتم إلا تخرصون: تكذبون على الله تعالى. (149) قل فلله الحجة البالغة (3): البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة، والقوة على الأثبات. فلو شآء لهديكم أجمعين: بالتوفيق لها والحمل عليها. القمي قال: لو شاء لجعلكم كلكم على أمر واحد، ولكن جعلكم على الاختلاف. وفي الكافي: عن الكاظم عليه السلام أن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة: فالرسل والأنبياء والأئمة، أما الباطنة: فالعقول. وعن الباقر عليه

____________________________

1 - الحوية كغنية استدارة كل شئ كالتحوي وما تحوى من الامعاء كالحاوية والحاوياء ج حوايا.

 2 - العصعص بضم عينيه عظم الذنب وهو عظم يقال له أول ما يخلق وآخر ما يبلى.

 3 - الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل آه لعل المقصود انها ما تساوي في معرفتها الجاهل والعالم وان افترقا في ان العالم يعرفها بحقيقة الايمان والجاهل بالالزام والغلبة عليه والاعجاز والاذلال وان انكرها في قلبه بمعنى حسده عليه وعدم رضاه وتسليمه لها مثل معرفة ابليس بالمعارف الحقة فان الحسد والجحود والعداوة والكبر يمنعه عن الرضاء بها وتسليمه لها. 

[ 169 ]

السلام: نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض. والعياشي: عنه عليه السلام مثله. وفي الأمالي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن قوله تعالى: (فلله الحجة البالغة) فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أكنت عالما ؟ فإن قال: نعم. قال له: أفلا عملت بما علمت ؟ وإن كان جاهلا قال له: أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه. فتلك الحجة البالغة. وفي رواية: عن الصادق عليه السلام الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل من أهل الكتاب فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه. (150) قل هلم شهداءكم: احضروهم. الذين يشهدون أن الله حرم هذا: يعني قدوتهم فيه استحضرهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم، ولذلك قيد الشهداء بالأضافة ووصفهم بما يقتضي العهد بهم. فإن شهدوا فلا تشهد معهم: فلا تصدقهم فيه وبين لهم فساده. ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا: فيه إشعار بأن التكذيب مسبب عن متابعة الهوى، والتصديق مسبب عن متابعة الحجة. والذين لا يؤمنون بالآخرة: كعبدة الأصنام. وهم بربهم يعدلون: يجعلون له عديلا. (151) قل تعالوا أتل: أقرء. ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا: لما أوجب ترك الشرك، والأحسان إلى الوالدين، فقد حرم الشرك والأساءة إليهما، لأن إيجاب الشئ نهي عن ضده، فيصح أن يقع تفصيلا لما حرم. وبالوالدين إحسانا، وضعه موضع النهي عن الأساءة إليهما للمبالغة والدلالة على أن ترك الأساءة في شأنهما غير كاف. القمي: مقطوعا قال: الوالدين رسول الله، وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما. ولا تقتلوا أولدكم من إملاق: من أجل فقر أو من خشية فقر لقوله: (خشية إملاق). نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش: كبائر الذنوب أو الزنا. ما ظهر منها وما بطن: في الكافي، والعياشي: عن السجاد ما ظهر: نكاح إمرأة الأب، وما بطن: الزنا. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام ما ظهر: هو الزنا: وما بطن المخالة (1). ولا تقتلوا

____________________________

1 - المخالة بالتشديد من الخلة يعني اتخاذ الخليل قال الله تعالى ولا متخدان منه رحمه الله وخاله مخالة وخلالا ويفتح وانه الكريم الخل والخلة بكسرهما أي المصادقة والاخاء والخلة ايضا الصديق للذكر والانثى والواحد والجمع. 

[ 170 ]

النفس التى حرم الله إلا بالحق: كالقود، وقتل المرتد، ورجم المحصن. ذلكم: إشارة إلى ما ذكر مفصلا. وصكم به: بحفظه. لعلكم تعقلون. (152) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن: إلا بالخصلة التي هي أحسن مما يفعل بماله كحفظه وتثميره. حتى يبلغ أشده: قوته، وهو بلوغ الحلم، وكمال العقل. في الفقيه، والتهذيب: عن الصادق إنقطاع يتم اليتيم: الاحتلام، وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله. وفيهما، وفي الكافي: عنه عليه السلام إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها. وأوفوا الكيل والميزان بالقسط: بالعدل والتسوية. لا نكلف نفسا إلا وسعها: إلا ما يسعها ولا يعسر عليها في اتباع إيفاء الكيل والميزان بذلك تنبيه على تعسيره وإن ما وراء الوسع فيه معفو. وإذا قلتم: في حكومة ونحوها. فاعدلوا: فيه. ولو كان ذا قربى: ولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم. وبعهد الله أوفوا: يعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. ذلكم وصيكم به لعلكم تذكرون: تتعظون به، وقرء بتخفيف الذال. والعياشي: عن الباقر عليه السلام إنه كان متكئا على فراشه إذ قرء الآيات المحكمات التي لم ينسخهن شئ من الأنعام فقال: شيعهن سبعون ألف ملك (قل تعالوا أتل ما حرم عليكم ربكم ألا تشركوا به شيئا) الآيات. وفي المجمع: عن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شئ من جميع الكتب وهي محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار، وقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذا لأول شئ في التورية (بسم الله الرحمن الرحيم (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الآيات. (153) وأن: ولأن تعليل للأمر باتباعه. هذا صراطي مستقيما: قيل: الأشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة، وبيان الشريعة، وقرء (إن)

[ 171 ]

بالكسر على الأستيناف وبالفتح والتخفيف، وصراطي: بفتح الياء وبالسين. فاتبعوه ولا تتبعوا السبل: الأديان المختلفة المنشعبة على الأهوية المتباينة. فتفرق بكم: فتفرقكم وتزيلكم. عن سبيله: الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان. ذلكم: الأتباع. وصكم به لعلكم تتقون: الضلال، والتفرق عن الحق. في روضة الواعظين: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية، سألت الله أن يجعلها لعلي عليه السلام ففعل. وفي الأحتجاج: عنه عليه السلام في خطبة الغدير معاشر الناس: إن الله قد أمرني ونهاني، وقد أمرت عليا ونهيته فعلم الأمر والنهي من ربه، فاسمعوا لأمره تسلموا، وأطيعوه تهتدوا، وانتهوا نهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده، ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله. معاشر الناس: أنا الصراط المستقيم الذي أمركم باتباعه، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه: (أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون). والعياشي: عن الباقر عليه السلام إنه قال لبريد العجلي: تدري ما يعني ب‍ (صراطي مستقيما) ؟ قال: قلت لا، قال: ولاية علي والأوصياء عليهم السلام، قال: وتدري ما يعني (فاتبعوه) ؟ قال: قلت: لا، قال: يعني علي بن أبي طالب، قال: وتدري ما يعني (ولا تتبعوا السبل) ؟ قال: قلت: لا، قال: ولاية فلان وفلان والله، قال: وتدري ما يعني: (فتفرق بكم عن سبيله) قال: قلت: لا، قال: يعني سبيل علي عليه السلام. (154) ثم آتينا موسى الكتاب: عطف على وصاكم، و (ثم) للتراخي في الأخبار أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل: (ذلكم وصاكم به) قديما وحديثا، ثم أعظم من ذلك إنا آتينا موسى الكتاب. تماما: للكرامة والنعمة. على الذى أحسن: على من أحسن القيام به. وتفصيلا لكل شئ: وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج إليه في الدين. وهدى ورحمة لعلهم: لعل بني إسرائيل. بلقاء ربهم يؤمنون: بلقائه للجزاء. (155) وهذا كتاب: يعني القرآن. أنزلنه مبارك: كثير النفع. فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون: باتباعه والعمل بما فيه.

[ 172 ]

(156) أن تقولوا: أنزلناه كراهة أن تقولوا. إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا: اليهود والنصارى. وإن كنا عن دراستهم: قرائتهم. لغافلين: لا ندري ما هي. (157) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم: لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقفنا فنونا من العلم كالقصص والأشعار والخطب على إنا أميون. فقد جائكم بينة من ربكم حجة واضحة تعرفونها. وهدى ورحمة: لمن تأمل فيه وعمل به. فمن أظلم ممن كذب بآيات الله: بعد أن عرف صحتها أو تمكن من معرفتها وصدف: أعرض وصد (1). القمي: أي دفع. عنها: فضل واضل. سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب: شدته بما كانوا يصدفون: بإعراضهم وصدهم. (158) هل ينظرون: إنكار يعني ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة: ملائكة الموت أو العذاب، أو يأتي ربك: أي أمره بالعذاب. أو يأتي بعض آيات ربك. في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في معنى هذه الآية إنما خاطب نبينا هل ينتظر المنافقون والمشركون (إلا أن تأتيهم الملائكة) فيعاينوهم (أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك): يعني بذلك أمر ربك والآيات هي العذاب في دار الدنيا كما عذب الأمم السالفة والقرون (2) الخالية. وفيه، وفي التوحيد: عنه عليه السلام يخبر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عن المشركين والمنافقين الذين لم يستجيبوا لله ولرسوله فقال: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) حيث لم يستجيبوا لله ولرسوله (أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) يعني بذلك العذاب يأتيهم في دار الدنيا كما عذب القرون الأولى. يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: كأن المعنى

____________________________

1 - صد عنه صدودا أعرض وفلانا عن كذا صدا منعه وصرفه.

 2 - قوله تعالى وقد خلت القرون أي مضت. 

[ 173 ]

إنه لا ينفع الأيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها أو مقدمة ايمانها غير كاسبة في إيمانها خيرا. في التوحيد: في الحديث السابق (من قبل): يعني من قبل أن تجئ هذه الآية، وهذه الآية طلوع الشمس من مغربها، ومثله في الأحتجاج: عنه عليه السلام. والقمي: عن الباقر عليه السلام نزلت أو اكتسبت في إيمانها خيرا قال: إذا طلعت الشمس من مغربها من آمن في ذلك اليوم لم ينفعه إيمانه أبدا. وفي الخصال: عنه عليه السلام فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلهم في ذلك اليوم، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها. ومثله في الكافي، والعياشي: عنهما عليهما السلام في قوله (يوم يأتي بعض آيات ربك) قال: طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدجال، والدخان، والرجل يكون مصرا ولم يعمل عمل الأيمان، ثم تجئ الآيات فلا ينفعه إيمانه. وعن أحدهما عليهما السلام في قوله: (أو كسبت في إيمانها خيرا) قال: المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلة حسناته فلم يكسب في إيمانه خيرا. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام (من قبل) يعني في الميثاق (أو كسبت في إيمانها) خيرا قال: الأقرار بالأنبياء والأوصياء وأمير المؤمنين عليهم السلام خاصة قال: لا ينفع إيمانها لأنها سلبت. وفي الأكمال: عنه عليه السلام في هذه الآية يعني: خروج القائم المنتظر. وعنه عليه السلام: قال: (الآيات): هم الأئمة عليهم السلام، والآية المنتظرة القائم عليه السلام فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها. وعن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث يذكر فيه خروج الدجال وقاتله، يقول: في آخره ألا إن بعد ذلك الطامة الكبرى، قيل: وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال خروج دابة الأرض من عند الصفا معها خاتم سليمان وعصا موسى عليه السلام تضع الخاتم

[ 174 ]

على وجه كل مؤمن فينطبع فيه هذا مؤمن حقا، وتضعه على وجه كل كافر فينكت هذا كافر حقا، حتى أن المؤمن لينادي الويل لك يا كافر، وأن الكافر لينادي طوبى لك يا مؤمن وددت أني كنت مثلك فأفوز فوزا عظيما، ثم ترفع الدابة رأسها فيراها من بين الخافقين (1) بإذن الله جل جلاله وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها فعند ذلك ترفع التوبة فلا تقبل توبة ولا عمل يرفع (ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) ثم فسر صعصعة راوي هذا الحديث طلوع الشمس من مغربها بخروج القائم عليه السلام قل انتظروا (2) إنا منتظرون: وعيد لهم وتهديد، أي انتظروا إتيان أحد الثلاثة إنا منتظرون له، وحينئذ لنا الفوز ولكم الويل. (159) إن الذين فرقوا دينهم: بددوه (3) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وافترقوا فيه، وقرئ فارقوا أي باينوا، ونسبها في المجمع: إلى أمير المؤمنين عليه السلام. والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يقرؤها فارقوا دينهم، قال: فارق والله القوم. وكانوا شيعا: فرقا يشيع كل فرقة إماما. في المجمع: عن الباقر عليه السلام إنهم أهل الضلال وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الامة. والقمي: قال: فارقوا أمير المؤمنين عليه السلام وصاروا أحزابا. وعن الصادق عليه السلام في هذه الآية: فارق القوم والله دينهم. وفي الحديث النبوي: ستفرق امتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي التي تتبع وصيي عليا لست منهم في شئ: قيل: أي من السؤال عنهم وعن

____________________________

1 - الخافقان جانبا الجو من المشرق الى المغرب والخافقان السماء والارض.

 2 - قوله تعالى قل انتظروا أي اتيان الملائكة ووقوع هذه الآيات انا منتظرون بكم وقوعها في هذه الآية حث على المسارعة الى الايمان والطاعة قبل الحال التي لا يقبل فيها التوبة وفيها أيضا حجة على من يقول إن الايمان اسم لاداء الواجبات أو للطاعات فإنه سبحانه قد صرح فيها بان اكتساب الخبرات غير الايمان المجرد لعطفه سبحانه كسب الخيرات وهي الطاعات في الايمان على الايمان فكأنه قال لا ينفع نفسا لم تؤمن قبل ذلك اليوم وكذا لا ينفع نفسا لم تكن كاسبة خيرا في ايمانها قبل ذلك كسبها الخيرات ذلك اليوم.

 3 - بددت الشئ بدا من باب قتل فرقته واستعمل مبالغة وتكثيرا وبدد الله عظامه يوم القيامة فرقها. 

[ 175 ]

تفرقهم. وقيل: معناه إنك على المباعدة التامة من الأجتماع معهم في شئ من مذاهبهم الفاسدة. إنما أمرهم: والحكم بينهم في اختلافهم. إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون: بالمجازاة. (160) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها: أي عشر حسنات أمثالها فضلا من الله تعالى. في المجمع: عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الاية (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رب زدني فأنزل الله سبحانه: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الحديث. القمي: هذه ناسخة لقوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها). أقول: هذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وسبع مائة، وبغير حساب. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام أنه سئل هل للمؤمن فضل على المسلم في شئ من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقربان به إلى الله عز وجل، قيل: أليس الله عز وجل يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ؟ وزعمت أنهم مجتمعون على الصلوة والزكوة والصوم والحج مع المؤمن، قال: أليس قد قال الله: (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله لهم حسناتهم لكل حسنة سبعين ضعفا فهذا فضل المؤمن، ويزيده الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير. والقمي: عنه عليه السلام في هذه الاية هي للمسلمين عامة، قال: فإن لم يكن ولاية دفع عنه بما عمل من حسنة في الدنيا (وما له في الآخرة من خلاق). ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها: عدلا من الله سبحانه. وهم لا يظلمون: بنقص الثواب وزيادة العقاب.

[ 176 ]

القمي: عن الصادق عليه السلام لما أعطى الله سبحانه إبليس ما أعطاه من القوة قال آدم: يا رب سلطته على ولدي وأجريته فيهم مجرى الدم في العروق وأعطيته ما أعطيته فما لي ولولدي ؟ فقال: لك ولولدك السيئة بواحدة، والحسنة بعشر أمثالها، قال: رب زدني، قال: التوبة مبسوطة إلى أن تبلغ النفس الحلقوم، فقال: يا رب زدني، قال: أغفر ولا أبالي، قال: حسبي. أقول: لعل السر في كون الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إن الجوهر الأنساني المؤمن بطبعه مائل إلى العالم العلوي لأنه مقتبس منه، وهبوطه إلى القالب الجسماني غريب من طبيعته، والحسنة إنما ترتقى إلى ما يوافق طبيعة ذلك الجوهر لأنها من جنسه، والقوة التي تحرك الحجر إلى ما فوق ذراعا واحدا هي بعينها إن استعملت في تحريكه إلى أسفل حركته عشرة أذرع وزيادة، فلذلك كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمأة ضعف، ومنها ما يوفى أجرها بغير حساب، والحسنة التي لا يدفع تأثيرها سمعة أو رياء أو عجب كالحجر الذي يدور من شاهق لا يصادفه دافع لأنه لا يتقدر مقدار هويته بحساب حتى تبلغ الغاية. (161) قل إننى هديني ربى إلى صراط مستقيم: بالوحي والأرشاد. دينا: هداني دينا. قيما: فيعل من قام كالسيد والهين، وقرئ قيما بكسر القاف خفيفة الياء على المصدر. ملة إبراهيم حنيفا: هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته (1) وما كان من المشركين: العياشي: عن الباقر عليه السلام ما أبقت الحنيفية شيئا حتى أن منها قص الأظفار، والأخذ من الشارب، والختان. وعنه عليه السلام: ما من أحد من هذه الامة يدين بدين إبراهيم غيرنا، وغير شيعتنا. وعن السجاد عليه السلام: ما أحد على ملة إبراهيم عليه السلام إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها براء.

____________________________

1 - الحنيف: المسلم المايل الى الدين المستقيم والجمع حنفاء والحنيف المسلم لانه لا تحنف أي تحرى الدين المستقيم والحنف محركة الاستقامة. 

[ 177 ]

(162) قل إن صلوتى ونسكى: عبادتي وقرباني. ومحياى ومماتي: وما أنا عليه في حيوتي، وأموت عليه من الأيمان والطاعة. لله رب العالمين: خالصة له. (163) لا شريك له: لا أشرك فيها غيره. وبذلك: أي الأخلاص لله. أمرت وأنا أول المسلمين: قيل: لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. أقول: بل لأنه أول من أجاب في الميثاق في عالم الذر كما ورد عنهم عليهم السلام فإسلامه متقدم على إسلام الخلايق كلهم. العياشي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قد ذكر فيه إبراهيم عليه السلام فقال: دينه ديني، وديني دينه، وسنته سنتي، وسنتي سنته، وفضلي فضله، وأنا أفضل منه. (164) قل أغير الله أبغى ربا فاشركه في عبادتي، وهو جواب عن دعائهم إلى عبادة آلهتهم. وهو رب كل شئ: والحال إن كل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية. ولا تكسب كل نفس: جزاء عمل من طاعة أو معصية. إلا عليها: فعليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. ولا تزر وازرة وزر أخرى: لا تحمل نفس إثم نفس أخرى، جواب عن قولهم اتبعوا سبلنا ولنحمل خطاياكم. في العيون: عن الرضا عليه السلام إنه سئل ما تقول في حديث يروى عن الصادق عليه السلام أنه إذا خرج القائم عليه السلام قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائهم فقال عليه السلام: هو كذلك. فقيل: قول الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر اخرى) ما معناه قال: صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين عليه السلام يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كان كمن أتاه، ولو أن رجلا قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم عليه السلام إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. وفيه: فيما كتبه عليه السلام للمأمون من محض الأسلام وشرائع الدين ولا يأخذ

[ 178 ]

الله البرئ بالسقيم، ولا يعذب الله الأطفال بذنوب الآباء: (ولا تزر وازرة ؟ ؟ اخرى). ثم إلى ربكم مرجعكم: يوم القيامة. فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون: بتبيين الرشد من الغي، وتميز المحق عن المبطل. (165) وهو الذى جعلكم خلائف الارض: قيل: أي يخلف بعضكم بعضا، كلما مضى قرن خلفهم قرن يجري ذلك على انتظام وإتساق إلى يوم القيامة أو خلفاء الله في أرضه يتصرفون فيها. ورفع بعضكم فوق بعض درجات: في الشرف، والغنى، والعقل، وغير ذلك. ليبلوكم: ليختبركم. فيما آتيكم: من الجاه والمال كيف تشكرون نعمه. إن ربك سريع العقاب: لمن كفر نعمه. وإنه لغفور رحيم: لمن قام بشكرها. في الكافي، وثواب الأعمال: عن الصادق عليه السلام إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة شيعها سبعون ألف ملك حتى نزلت على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعظموها وبجلوها فإن اسم الله فيها في سبعين موضعا ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها. والقمي: عن الرضا عليه السلام نزلت الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل (1) بالتسبيح، والتهليل، والتكبير، فمن قرأها سبحوا له إلى يوم القيامة.

____________________________

1 - الزجل بالتحريك الصوت يقال سحاب زجل أي ذو رعد ومنه لهم زجل بالتسبيح. 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843300

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:54

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net