• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : الثقافة .
              • القسم الفرعي : العرفان .
                    • الموضوع : معرفة الله حقَّ معرفته * .

معرفة الله حقَّ معرفته *

الشيخ محمد المصري

بسم الله الرحمن الرحيم

العرفان: كلمةٌ تطلق ويراد بها (معرفة الله عزّ وجلّ)، ومعرفة الله هي أسُّ الإيمان وأصله في كلّ الأديان السماوية، وجملةٍ من الأديان غير السماوية، وهي الركن الأول الذي تبتني عليه هذه الأديان.

عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «إِنَّ مَعْرِفَةَ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْرَفَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَأَنَّهُ النَّافِعُ الضَّارُّ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ، الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ»(1).

جملةٌ من الصفات ذكرها الإمام (عليه السلام) يتبادرُ من كلّ واحدةٍ منها معنىً أوّلي في ذهن السامع والمقرّ بوجود الله تعالى.. وهكذا الحال في سائر الأحاديث التي تبيّن صفاته تعالى.

وقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله): مَا مَعْرِفَةُ الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ؟

قَالَ: تَعْرِفُهُ بِلَا مِثْلٍ وَلَا شِبْهٍ وَلَا نِدٍّ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَا كُفْوَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ، فَذَلِكَ حَقُّ مَعْرِفَتِهِ(2).

لكن التعبير في روايةٍ بـ (أدنى المعرفة) وفي روايةٍ أخرى بـ (حقّ معرفته) لم يكن متفاوتاً جداً، حيث روي عَنِ الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الحسَنِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَدْنَى المعْرِفَةِ؟

فَقَالَ: «الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا شِبْهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ مُثْبَتٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ فَقِيدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ»(3).

ومثله جواب الإمام عندما سئل: مَا الَّذِي لَا يُجْتَزَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْخَالِقِ بِدُونِهِ؟

فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «لَمْ يَزَلْ عَالِماً وَسَامِعاً وَبَصِيراً، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ».

وفي حديثٍ آخر: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، لَمْ يَزَلْ عَالِماً سَمِيعاً بَصِيراً»(4).

وههنا يطرح سؤال:

كيف يكون الإقرار بـ(التوحيد) وبأنه تعالى (ليس كمثله شيء) (أدنى المعرفة) و(حقّ المعرفة) في الوقت عينه؟

فإنّا لا نجد اختلافاً كبيراً فيما ذكرت الروايات بين الحدّين: الأدنى والأعلى، فهل ترشد الروايات إلى معنىً خاصٍّ من وراء ذلك؟

ثُمَّ كيف يجتمع ذلك مع ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): «يَا عَلِيُّ: مَا عَرَفَ الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَمَا عَرَفَكَ حَقَ‏ مَعْرِفَتِكَ غَيْرُ الله وَغَيْرِي»‏(5).

فكلّنا نؤمن بما ورد أنّه حقّ معرفته: بِلَا مِثْلٍ وَلَا شِبْهٍ وَلَا نِدٍّ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ..

فكيف تكون هذه المعرفة تارة ميسّرة لكلّ أحد، وتارة أخرى مختصة بالكُمَّل كالنبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام)؟

ثم كيف يجتمع كلُّ ذلك مع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله): «سُبْحَانَكَ مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِك»؟(6)‏.

إن الجمع بين هذه الروايات وسائر الروايات الكثيرة وحُكم العقل يرشدنا إلى أمرين غايةً في الأهمية وهما:

الأمر الأول: أن الحديثَ عن (معرفة الله) لا يعني معرفة (ذات الله) تعالى وجوهر حقيقته و(كنهه) عزّ وجل، فإنّ هذا مما لا سبيل لمخلوقٍ إلى إدراكه، بحكم العقل والنقل كما سيأتي.

فالمعرفة معرفتان: معرفة ممتنعة، وهي (الإحاطة بالذات الإلهية).

ومعرفة ممكنة وهي ما دون ذلك مما أشارت له النصوص وحكمت به العقول.

الأمر الثاني: أن أعلى مراتب المعرفة (الممكنة) قد حازها الصفوة من الخلق، وهم محمد (صلى الله عليه وآله)وعترته الطيبين الطاهرين (عليهم السلام) دون سواهم، فلا يدانيهم في هذه المعرفة أحد من الخلق.

فتُحمَلُ النصوص الدالة على أنهم وحدَهم قد عرفوه (حقّ معرفته) على بلوغهم المرتبة العليا (الممكنة) من معرفة الله تعالى.

وتُحمَلُ النصوص الدالة على أنهم وسائر الخلق لم يعرفوه (حقّ معرفته) على امتناع (الإحاطة بذاته تعالى) واكتناهه، أي امتناع بلوغ حقيقته(7).

وقد وردَ التفريق صريحاً بين (حق المعرفة) و(كنه المعرفة) في بعض النصوص، منها ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «لَوْ عَرَفْتُمُ الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ لَزَايَلَتْ بِدُعَائِكُمْ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ، وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ كُنْهَ مَعْرِفَتِهِ».

فَقِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟

قَالَ: «وَلَا أَنَا، الله أَعْلَى وَأَجَلُّ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ»(8).

وفي هذا الحديث مزية عما تقدم من أحاديث، إذ رغم عموم المنع في تلك النصوص، قد يتوهم متوهم انصرافها عن آل محمد (عليهم السلام) لأنهم أقرب الخلق إليه تعالى، والانصراف وإن كان مدفوعاً إذ لا وجه له، فإن هذا الحديث وأمثاله يثبت امتناع اطلاعهم بالخصوص على كنه معرفته تعالى، ولو كان لأحد ذلك ما كان لمتقدم أن يتقدم عليهم (عليهم السلام)، لكن مقام الربوبية محفوظ عن كل خلق بمن فيهم سادات الخلق.

ويمكن الجمع بينها أيضاً بوجه آخر وهو أن قوله (صلى الله عليه وآله): «سُبْحَانَكَ مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِك»، لا يراد منه شموله لنفسه، بل هو لسان حال أمّته بل لسان سائر الخلق، الذين لم يعرفوا الله حقّ معرفته فكان حق المعرفة محصوراً بالكمّل كما قال (صلى الله عليه وآله): «مَا عَرَفَ الله حَقَّ مَعْرِفَتِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ».

فإنّه (صلى الله عليه وآله) يعرف الله حقَّ معرفته، وإن لم يُدرك (كنهه وذاته) لأن هذا الإدراك ممتنعٌ في نفسه: الله أَعْلَى وَأَجَلُّ أَنْ يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ.

___________________

* من كتاب (عرفان آل محمد) لسماحة الشيخ محمد المصري، ص31.

(1) الكافي، ج5، ص36.

(2) التوحيد للصدوق، ص285.

(3) الكافي، ج1، ص86.

(4) المصدر السابق.

(5) مناقب آل أبي طالب، ج3، ص267.

(6) عوالي اللئالي، ج4، ص132.

(7) ففي كتب اللغة: كُنْهُ كل شيء: غايته (كتاب العين ج3 ص380)، وفي لسان العرب: اكْتَنَهْتُ الأَمرَ اكْتِناهاً إذا بلَغْتَ كُنْهَه. ابن الأَعرابي: الكُنْه جوهر الشيء.. والكُنْهُ: نهايةُ الشيء وحقيقته. (لسان العرب ج13 ص537).

(8) عوالي اللئالي، ج4، ص132.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2473
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 04 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 24