• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : تفسير الجزء الثلاثين .
                    • الموضوع : 94 ـ في تفسير سورة الانشراح .

94 ـ في تفسير سورة الانشراح

العلامة الشيخ حبيب الكاظمي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)

إنّ هذه السورة بناءً على ارتباطها بسورة الضحى ـ كما هو المستفاد فقهيّاً من لزوم الجمع بينهما في الصلاة ـ فيها صور متعدّدة من صور الامتنان على النبيّ الأكرم (ص) فكأنّها في مقابل توهّم القلى من انقطاع الوحي، وذلك عطفاً على صور الامتنان في السورة السابقة من: نفي القلى، ثمّ بيان أنّ الآخرة محلّ تجلّي الإكرام الإلهي له، وإنّ العطاء يبلغ مبلغاً يرضى معه، ثمّ ذكْر العناية الإلهية له في صباه يتيماً حيث آواه، وفي كبره فاقداً للهداية الخاصّة حيث هداه، وعائلاً حيث أغناه، وأمّا في هذه السورة فإنّها تستمرّ في تعداد النعم الإلهية لحبيبه المصطفى (ص) متمثّلة في: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وتيسير العسر.

وبذلك ويكون قد تكرّر في السورتين ذكر النعم المتوجّهة إليه (ص) عشر مرّات، أضف إلى ضمائر الخطاب الظاهرة والمستترة ـ إكمالاً للدلال ـ والتي تكرّرت في هذه السورة إحدى عشرة مرّة، فكانت الالتفاتة إليه مع ذِكر النعم إحدى وعشرين مرّة بعدد آيات السورتين.

إنّ بيان النعم الإلهية لمن موجبات إحساس العبد بحالة التذلّل والخضوع بين يدي المنعم، وإلا فليس من عادة الكريم أن يمنّ بعطائه إذا لم يجد حكمة في ذلك فكيف بأكرم الأكرمين؟!.. فذِكر المولى في أوّل السورة لمختلف النعم المتوجّهة إلى حبيبه المصطفى (ص) يدخل في هذا السياق.

وعليه، فإنّه من المناسب جدّاً أن يذكّر العبد نفسه بما أنعم عليه مولاه؛ ليعمّق في نفسه مشاعر العبودية لله تعالى؛ كلّما رأى فتوراً في علاقته بربّه.

إنّ شرح الصدر لمن المقامات التي ينبغي أن يطلبها كل مريد لمولاه كما طلبها موسى الكليم (ع) من ربّه ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لي‏ صَدْري سورة طه، 25] وذلك لا لتحمّل أذى العباد فقط، وإنّما لتلقّي المعارف الإلهية الخاصّة التي لا يُعطاها عامّة العباد فضلاً عن تحمّلها!

وهذا المعنى من الممكن تحقّقه لغير المرسلين، كما جرى مع لقمان الحكيم الذي تلقّى الحكمة الخاصّة من ربّ العالمين [﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ سورة لقمان، 12]، وممّا يدلّ على عظمة هذه المزيّة ما روي عنه (ص) أنّه قال: «لقد سألت ربّي مسألة، وددت أنّي لم أسأله.. قلت: أي ربّ إنّه قد كان أنبياء قبلي منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى. قال، فقال: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟.. قال: قلت: بلى. قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟.. قال: قلت: بلى أي ربّ، قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟.. قال: قلت: بلى أي ربّ» [مجمع البيان، ج10، ص770].

إنّ القائد الرسالي الذي يحمل همّ دعوة العباد إلى الله تعالى وتغيير ما فسد من البلاد، لا بُدّ وأن يمنّ الله تعالى عليه بشرح الصدر ليتحمّل تبعات هذه المهمّة؛ لأنّ عداوة أهل الباطل إضافة إلى تحريض الأبالسة، لمن موجبات الأذى الكثير الذي لا يتجرّعه، إلا مَن شرح الله تعالى صدره لذلك.

إنّ من آثار شرح الصدر:

ـ تلقّي الهداية الإلهية الخاصّة التي تريه السبيل الأقوم، عند تشابه السبل.

ـ الكون على النور الخاص من ربّه، والذي يرفع عنه الحيرة في كل مفترق طريق.

ـ تمكين العبد لأن يكون هادياً إلى الله تعالى، ومُخرجاً للعباد من الظلمات إلى النور، بعد أن خرج هو من الظلمات إلى النور.

وعليه، فإنّ جميع هذه المزايا إنّما تتحقّق بفضل شرح الصدر الموجب لهذا النور.

إنّ نبي الله موسى (ع) طلب من الله تعالى شرح الصدر بقوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [سورة طه، 25] ولكن نبيّنا الخاتم (ص) أنعم الله تعالى عليه بهذه النعمة مباشرة حيث قال تعالى عنه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ لتبقى بذلك درجات الأنبياء متمايزة.. ومن الطبيعي أن يكون صاحب الرسالة الخاتمة، هو صاحب شرح الصدر الأكبر!

إنّ شرح الصدر هبة عظمى من الله تعالى وذلك للسالكين في طريق الدعوة إليه، ولكن هناك علامات له يستشعرها العبد الملتفت إلى الهبات الإلهية، وقد أشار النبيّ الأكرم (ص) إلى ذلك قائلاً: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» [الأمالي، ص532] .. وعليه، فمَن لم يجد هذا المعنى متحقّقاً في نفسه، فلا ينبغي أن يعتقد أنّه مستقر في هذه المرتبة، وإن رأى شيئاً من الانشراح في قلبه.

إنّه من الممكن القول: بأنّ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ تأكيد وتوضيح لقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [سورة الضحى، 3] فكيف يودّع الله تعالى عبداً شرح صدره، ورفع ذِكره؟!.. وفي هذا كمال المؤانسة بين الله تعالى وحبيبه (ص).

والقرآن الكريم مليء بالتعابير المُشعرة بكمال لطف الله تعالى به:

فتارةً يُقسِم بعمره الشريف قائلاً: ﴿لَعَمْرُكَ [سورة الحجر، 72].

وتارةً يشفق عليه لمِا أصابه في ذات الله تعالى قائلاً: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [سورة طه، 2].

وتارةً يجعل أمر طلاقه وزواجه بيده قائلاً: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [سورة التحريم، 5].

إنّ من آثار شرح الصدر الذي مَنّ الله تعالى على نبيّه المصطفى (ص) هو ذلك التعامل الذي لا نظير له مع قومه الذين آذوه وطردوه من وطنه، حيث قال (ص): «اللهم!.. اهد قومي؛ فإنّهم لا يعلمون» [مناقب ابن شهر آشوب، ج1، ص166] ولو طلب الانتقام من ربّه لاستُجيب له وما كان بذلك ملوماً!.. وفي هذا درس لمن أراد الاستنان بسنّته، وذلك في النظر بعين الشفقة إلى المنحرفين عن طريق الله تعالى؛ فكيف بالطائعين له؟!

إنّ الآيات الأربع الأوائل، تشير إلى طبيعة تعامل المولى مع أنبيائه والهبات المعطاة لهم وخصوصاً مع نبيّه الخاتم (ص)؛ أي: مرتبة شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، والتيسير بعد العسر.. ولكن كل هذه المزايا الكبيرة مرتبطة بالآيتين الأخيرتين من هذه السورة ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ إمّا:

ارتباط العلّة بالمعلول؛ أي: أنّ هذه المزايا نتيجة نصب النفس وإتعابها في العبادة، والرغبة فيه تعالى لا في شيء سواه.

أو ارتباط المعلول بالعلّة؛ أي: أنّ مَن أوتي مثل هذه المزايا، حقَّ له أن ينصب نفسه للعبادة، وأن يرغب في ربّه.

إنّ الثقل العظيم الذي وضعه المولى عن نبيّه الأكرم (ص) متمثّل في مقارعة جفاة مرحلة الجاهلية ومعاندي مرحلة الإسلام، ومنه يُعلم أنّ من أصعب التكاليف على العبد هي مواجهة أعداء الله تعالى، ومن المعلوم أنّه كلّما صعب التكليف كلّما اشتدّ القرب!

ومن هنا، فإنّ الذين تركوا مشقّة الدعوة، وأنِسوا بلذّة الطاعة في الخلوات ـ كالرهبان والعباد ـ إنّما طلبوا راحة أنفسهم ولم يطلبوا ما يثقل عليهم وهو ما فيه رضا ربّهم.

ليس الحلّ الأمثل هو الفرار من العقبات وطلب الإعفاء ممّا يوجب الهمّ والغمّ؛ وإنّما الحلّ هو طلب ما يوجب تحمّل ذلك والمتمثّل بشرح الصدر، والذي إذا رُزق صاحبه ذلك صار كمثل البحر، الذي يستوعب كل ما يُلقى فيه من دون أن يتبيّن ذلك فيه، بخلاف الإناء الذي يطفح بأقلّ ما يُرمى فيه.

إنّ رفع ذِكر الدعاة إلى الله تعالى وعلى رأسهم النبيّ (ص) وآله (ع) أثر لشيء ومؤثّر لشيء آخر ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فمن ناحية:

هي هبة ومنحة من آثار رشحات ربّ العالمين في الأنفس والآفاق، كما فعل من قبل مع خليله إبراهيم (ع) حيث جعل أفئدة من الناس تهوي إليه، إضافة إلى إلقاء المودّة الخاصّة بينه وبين ربّه، وبذلك صار رفع الذِكر أثراً لهذا اللّطف الإلهي.

هي مزيّة وخاصّية أيضاً في إنجاح الدعوة، فمَن ارتفع ذِكره الحسن بين الخلق، صار أقدر من غيره في التأثير عليهم؛ لأنّ القلوب مجبولة على القبول ممّن أحبته، وهذا يُفسِر سرّ تفاني أصحابهم (ع) في ميادين الجهاد وغيرها، وبذلك صار هذا اللّطف الإلهي مؤثّراً في إنجاح العبد في الدعوة.

إنّ هناك فرقاً كبيراً بين مَن يسعى لرفع ذِكر نفسه، وذلك بجهده طلباً للعاجل، فهذا الإنسان قد لا يوفّق لذلك وإذا وفّق لا يدوم ذِكره، إذ إنّ الأيّام يداولها الله تعالى بين الناس، وبين مَن أراد الله تعالى أن يرفع ذِكره فإنّ هذا الإنسان يبقى ذِكره متّصلاً بدوامه تعالى، وهذا ما تحقّق لنبيّه الأعظم (ص) حيث قَرَن اسمه في الشهادتين، وفي الإقامتين، وفي تشهّد الصلوات الواجبة والمستحبّة، وهذا المعنى باقٍ إلى قيام الساعة.

وقد روي عن النبي (ص) في تفسير هذه الآية: «قال لي جبرائيل عليه السلام: قال الله عزّ وجلّ: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي» [مناقب ابن شهر آشوب، ج1، ص302].

إنّ اليسر هو القاعدة العامّة المتوافقة مع الرحمة الغامرة، وكأنّ العسر لا يُصار إليه إلا لغرض من أغراض التكامل.. ومن هنا أمكن القول بأنّ مع العسر الواحد يسرين، بناءً على أنّ المعرفة إذا أعيدت ثانية في الكلام كان المراد منها عين المراد في الأولى، وقد ورد عن النبي الأكرم (ص): «لن يغلب عسرٌ يسرين» [مجمع البيان في تفسير القرآن، ج10، ص390].

إنّ العسر ملازم لليسر تلازم المعيّة ـ كما تذكره الآية الكريمة ـ لا أنّه سابق له سبق القبْليّة، وفي ذلك إراحة للمؤمن الواقع في العسر عندما يعلم أنّ اليسر مصاحب لعسره، لا أنّه آت في المستقبل؛ ملتفتاً أنّ ذلك كله بيد الحكيم الخبير الذي بيده أسباب العسر واليسر معاً.

وقد ورد عن النبي الأكرم (ص) أنّه قال: «واعلم أنّ الصبر مع النصر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً» [مشکاة الأنوار، ص20].

إنّنا من الممكن أن نعتبر آية ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا:

علّةً لشرح الصدر، حيث إنّ من مصاديق التيسير هو شرح صدر مَن ابتلي بالهمّ العظيم!.

معلولةً لشرح الصدر من جهة اُخرى، بأن نجعل التيسير من آثار شرح الصدر، فمَن شرح الله صدره ووضع عنه وزره فإنّه يُيسّر عسره أيضاً.

إنّ ذِكر النعم الإلهية ـ وخصوصاً النعم المعنوية كشرح الصدر ـ لمن موجبات التفات العبد إلى ربّه والرغبة إليه لقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ومن مشجّعات العبد كي يُتعب نفسه في طريق طاعته ﴿إِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ كما أشارت إليه الآيتان الأخيرتان من هذه السورة.

إنّ المجاهدين في سبيل القرب من الحقّ لا يعرفون كللاً ومللاً في حركتهم الدائبة، فهم بعد الفراغ من العمل بما أمروا في نشر الرسالة، ينصبون أنفسهم للعبادة والدعاء بين يديه؛ استعداداً للمزيد من تحمّل المشاقّ في تخليص العباد وتطهير البلاد.

وفي هذا أيضاً درس بليغ للدعاة إلى الله تعالى، فإنّ انشغالهم بمواجهة الأعداء لا يغنيهم عن تفريغ أنفسهم للعبادة والالتجاء إلى الله تعالى، إلى درجة إتعاب النفس المستفاد من قوله تعالى: ﴿فَانصَبْ طلباً للمزيد من الثبات والتوفيق.

إنّ الآيات الكريمة وإن ذكرت بعض صور الجزاء المادّي في الجنّة كالحور والغلمان [﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ سورة الدخان، 54]، وأمرت بالمسارعة إلى جنّة عرضها السماوات والأرض [﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ سورة آل عمران، 133]، إلا أنّ القرآن الكريم يحثّ الخواص لنيل بعض الرتب التي لا تُقارن بتلك النعم، ومنها نعيم الرضوان الذي هو أكبر من كل نعيم في الجنّة، ومنها نعيم القرب والوصال الإلهي.

ومن الممكن أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ إشارة إلى رتبة (الرغبة فيه) تعالى لا في (جزائه)؛ لأنّه تعالى في هذه الآية هو متعلّق الرغبة مباشرة؛ ومن المعلوم أنّ بين الرغبة في الحقّ والرغبة في ثوابه بوناً شاسعاً!


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2411
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 10 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 11 / 17