• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المشرف العام .
              • القسم الفرعي : مقالاته .
                    • الموضوع : دروسٌ في علم التفسير - الدرس الثالث .

دروسٌ في علم التفسير - الدرس الثالث

سماحة الشيخ عبدالجليل أحمد المكراني

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم" [الكافي ج١، ص٦٠، باب الرد إلى الكتاب والسنة].

انتهى بنا الكلام في الدرس السابق في بيان تعريف التفسير الاصطلاحي وقلنا أن الصحيح في تعريفه (هو الكشف عن اللطائف وإزاحة الأستر ومعرفة المقاصد - من أنه كتاب هداية, وهادي سلوك الإنسانية ومربّي النفوس وشافي الأمراض القلبية, ومنير طريق الإسلام إلى الله- على قدر معرفة البشر وعلى قدر استجوابه).

ونستخلص من هذا التعريف النقاط التالية:

1- أن علم التفسير من قبيل التصديقات لأنه يتضمن حكماً على الألفاظ بأنها مقيدة لهذه المعاني التي تذكر في إظهار المعنى المراد من الآية وإزاحة الغموض والستر عنها وبيان المقصد.

2- أن مصطلح التفسير ـ وإن كان غير محدود حيث إن الأسئلة التفسيرية متنوّعة ولا تنحصر في قالب معين ولا يمكن فرض ثقافة معينة عليه ـ إلا أنه ما زال في حوزة الادارك والفهم البشري التي تكون على قدرات الإنسان الفكرية.

3- قلنا سابقاً أنه هناك فرق بين التدبر والتفسير.

وتبيّن لنا أن حقيقة التدبر في القرآن هي بمعنى الاتعاظ بظواهر القرآن، فالقرآن لفظ عربي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [سورة الشعراء: 193-195]. فبما أن القرآن عربي، إذن الذهن العربي يستطيع أن يتدبر ظواهر القرآن وأن يعتبر بظواهر القرآن الكريم، فالذهن العربي عندما يستمع إلى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [سورة المائدة : 3] يفهم من هذا الكلام أن هذه محرمات محظورات في الشريعة.

بخلافه في معنى التفسير، فهو عبارة عن تحديد المعنى الواقعي؛ أي: تحديد المقصود الإلهي.

فالتدبّر هو الجري على الظاهر والأخذ بالظاهر، ولذلك لا يمكن عدّ كل ما يقع في دائرة التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم في عداد التفسير. ونضرب هنا مثالاً ضربه لنا السيد الإمام الخميني [في كتابه تفسير القرآن الكريم وهو المستخرج من آثاره في المجلد ١صفحة ٢٧٥]: "إن هذه الاستنباطات الأخلاقية والعرفانية لا ترتبط بالتفسير حتى تعد من التفسير بالرأي" انتهى مورد الشاهد. وكلامه (قدس سره) في مقام الرد والنقد على من يعد الاستنباطات الأخلاقية والعرفانية من ضمن مقولة التفسير بالرأي..

وهنا نضرب أمثلة في المقام:

١- من يستنتج من الحوار الدائر بين موسى والخضر (عليهما السلام) علو مقام العلم وآداب سلوك المتعلم أمام المعلّم، فإن عمله هذا لا يعتبر كشفاً وإزاحة عن مستور وعن أمر غامض وكشفاً عن مقاصد القرآن حتى يعد تفسيراً، فهو تدبر وجري على الظاهر وأخذ به.

٢- من يستنبط من قوله تعالى في سورة الفاتحة [الآية ٢]: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الدالة على انحصار الحمد والثناء لله وهو ما يشير إلى التوحيد الأفعالي؛ أي: ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى، فهذا لا يرتبط بالتفسير حتى يطلق عليه التفسير بالرأي.

٣- قلنا سابقاً إن مراتب الفهم متفاوتة كذلك في عملية التفسير الذي له مراتب وهي عند المفسرين متفاوتة على قدر استعداد طبقاتهم المعرفية، فإن معرفة الذات قد ذكرت في هذا الكتاب الجامع الإلهي على نحو تدركه كل طبقة على قدر استعدادها, كما أن علماء الظاهر والمحدّثين والفقهاء (رضوان الله عليهم) يبيّنون ويفسّرون آيات التوحيد الشريفة, وخصوصاً توحيد الأفعال على نحو يخالف ويباين ما يفسّرها أهل المعرفة وعلماء الباطن.

وكلا التفسيرين صحيح في محله, لأن القرآن هو شفاء الأمراض الباطنية, ويعالج كل مريض على نحو خاص, كما أن الآية الكريمة ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [سورة الحديد: الآية 3]، والآية الكريمة ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور, الآية 35]، والآية الكريمة {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الجمعة، الآية 1] في توحيد الأفعال التي تدل بعضها بوجه دقيق وبعضها بوجه أدّق عرفاني, هي شفاء للأمراض عند كل طبقة من طبقات علماء الظاهر والباطن على نحو معيّن.

٤- يمكن لنا التأكيد على اشتراط شرح مضامين ومقاصد القرآن الكريم في تفسير المفسر، فلو أن تفسيراً قصد كشف وتبيين المعاني من غير اتصاف ببيان المقاصد، لم يُعدّ من التفسير لهذه الآية الكريمة، ومثاله: لو فُرض أن قام بتوضيح أسباب النزول بدل بيان مقاصد النزول، لم يعتبر من التفسير. وكذلك لو قام بشرح قصص القرآن ولم يوضح المقصد من ورائها، بمعنى: لم يبين كيف نهذب أنفسنا ونزيح بها معايبها سواء في نظام المعرفة أو الأحكام الشرعية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مقالات مرتبطة:

دروسٌ في علم التفسير - الدرس الأوّل

دروسٌ في علم التفسير - الدرس الثاني


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2297
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 10 / 19
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 22