00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة سبأ من آية 43 ـ آخر السورة من ( ص 475 ـ آخر الجزء الثالث عشر )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثالث عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[  475 ]

 الآيات

 وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَـتُنَا بَيِّنَـت قَالُوا مَا هَـذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَـذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ(43) وَمَا ءَاتَيْنَـهُم مِّن كُتُب يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِير(44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا ءَاتَيْنَـهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ(45)

 

التّفسير

بأيِّ منطق ينكرون آيات الله:

تعود هذه الآيات لتكمل البحث الذي تناولته الآيات السابقة حول المشركين الكفّار وأقوالهم يوم القيامة، فتتحدّث حول وضع هؤلاء في الدنيا ومواقفهم عند سماعهم القرآن حتّى يتّضح أنّ مصيرهم الاُخروي المشؤوم إنّما هو نتاج تلك المواقف الخاطئة التي اتّخذوها إزاء آيات الله في الدنيا.

تقول الآية الكريمة الاُولى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات قالوا ما هذا إلاّ رجل

 ]476 ]

يريد أن يصدّكم عمّا كان يعبد آباؤكم).

فهذا أوّل ردّ فعل لهم إزاء «الآيات البيّنات» وهو السعي إلى تحريك حسّ العصبية في هؤلاء القوم المتعصّبين.

خاصّة مع ملاحظة إستخدامهم تعبير «آباؤكم» بدل «آباؤنا»، يفهم منه أنّهم يريدون القول لقومهم بأنّ تراث الأجداد في خطر، وإنّ عليكم النهوض والتصدّي لهذا الرجل عن العبث بذلك الميراث.

ثمّ تعبير (ما هذا إلاّ رجل) إنّما يقصد به تحقير النّبي (صلى الله عليه وآله) من جهتين الاُولى كلمة «هذا» والثّانية «رجل» بهيأة النكرة، مع العلم بأنّهم يعرفون النّبي (صلى الله عليه وآله) جيّداً، ويعلمون بأنّ له ماضياً مشرقاً.

من الجدير بالملاحظة أيضاً أنّ القرآن وصف «الآيات» بـ «البيّنات»، أي أنّها تحمل دلائل حقّانيتها معها، وما هو قابل للمعاينة لا يحتاج إلى توضيح أو بيان.

ثمّ توضّح الآية مقولتهم الثّانية التي قصدوا بها إبطال دعوة النّبي (صلى الله عليه وآله) فتقول: (وقالوا ما هذا إلاّ إفك مفترى).

«إفك» كما ذكرنا سابقاً بمعنى كلّ مصروف عن وجهه الذي يحقّ أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهابّ «مؤتفكة»، وأي صرف عن الحقّ في الإعتقاد إلى الباطل، ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح. ولكن كما قال البعض، فإنّ «الإفك» يطلق على الأكاذيب الكبيرة.

وكان يكفي إستخدامهم لكلمة «الإفك» في إتّهام الرّسول (صلى الله عليه وآله) بالكذب، لكنّهم أرادوا تأكيد ذلك المعنى بإستخدامهم لكلمة «مفترى»، دون أن يكون لهم أدنى دليل على ذلك الإدّعاء.

وأخيراً، كان الإتّهام الثالث الذي ألصقوه بالرّسول (صلى الله عليه وآله) هو (السحر) كما نرى ذلك في آخر هذه الآية (وقال الذين كفروا للحقّ لمّا جاءهم إنّ هذا إلاّ سحر مبين).

العجيب أنّ هؤلاء الضالّين يطلقون هذه التّهم الثلاث المذكورة بأصرح

[  477 ]

التأكيدات، ففي موضع يقولون إنّه سحر، وفي آخر يقولون: إنّه مجرّد كذب، ثمّ يقولون في موضع ثالث; إنّه يريد أن يصدّكم عن مآثر أجدادكم!

طبعاً هذه الصفات الذميمة الثلاثة ليست متضادّة فيما بينها ـ مع أنّ هؤلاء لا يأنفون من الكلام المتضادّ ـ وعلى فلا داعي ـ كما يقول المفسّرين ـ لإعتبار أنّ كلّ واحدة من هذه الصفات تنسب إلى مجموعة مستقلّة من الكفّار.

كذلك فمن الجدير بالملاحظة أنّ القرآن الكريم إستخدم في المرتين الاُولى والثّانية جملة «قالوا»، ثمّ إستخدم في المرّة الثالثة جملة «قال الذين كفروا»، إشارة إلى أنّ كلّ التعاسة التي أصابتهم إنّما منشأها الكفر وإنكار الحقّ ومعاداة الحقيقة، وإلاّ فكيف يمكن لأحد أن يتّهم رجلا تظهر دلائل حقّانيته من حديثه وعمله وماضيه بهذه التّهم المتلاحقة وبلا أدنى دليل.

فكأنّهم يواصلون بهذه التّهم الثلاث برنامجاً مدروساً لمواجهة النّبي (صلى الله عليه وآله) فقد لاحظوا من جانب أنّ الدين جديد وله جاذبية، ومن جانب آخر، فقد أخافت إنذارات الرّسول (صلى الله عليه وآله) بالعذاب الإلهي في الدنيا والآخرة فئة من المجتمع شاءوا أم أبوا، ومن جانب ثالث فإنّ معجزات الرّسول (صلى الله عليه وآله) تركت أثرها الإيجابي في نفوس عامّة المجتمع ـ شاءوا أم أبوا كذلك.

لذا فإنّهم ـ لأجل إبطال مفعول هذه الاُمور الثلاثة ـ فكّروا بالدعوة إلى حفظ تراث السلف في قبال الدين الجديد، في حين أنّ السلف كان مصداقاً لما ذكره القرآن الكريم (لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) البقرة ـ 170. فلا جرم أن يتخلّى الناس عن مثل تلك الهياكل الخرافية التي كانت إرث هؤلاء الجهلة والحمقى.

وأمّا في قبال إنذارات الرّسول (صلى الله عليه وآله) بالعذاب الإلهي، فقد طرحوا قضيّة الإتّهام بالكذب لكي يريحوا العامّة.

وفي قبال المعجزات، طرحوا تهمة (السحر). ظنّاً منهم أنّ المعجزات لن تترك أثراً في نفوس الناس بسبب هذا التوجيه.

[  478 ]

ولكن تاريخ الإسلام شاهد على أنّ أيّاً من هذه المخطّطات الشيطانية لم تكن ذات أثر، وكانت النتيجة أن دخل الناس في هذا الدين العظيم فوجاً بعد فوج.

في الآية التي بعدها، يشطب القرآن الكريم على جميع تلك الإدّعاءات الواهية، مع أنّها واضحة البطلان، فيقول: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير).

وهي إشارة إلى أنّ هذه الإدّعاءات يمكنها أن تكون مقبولة فيما لو جاءهم رسول من قبل بكتاب سماوي يخالف مضمونه الدعوة الجديدة، فلا بأس أن ينبروا لتكذيبها، وينادوا بتراث الأجداد تارةً، وبتكذيب الدعوة الجديدة تارةً اُخرى، أو إتّهام من جاء بها بالسحر. أمّا من لا يعتمد إلاّ على فكره الشخصي ـ بدون أي وحي من السماء ـ وبدون أن يكون له نصيب من علم، فلا يحقّ له الحكم لمجرّد تلفيقه الخرافات والأوهام.

ويستفاد من هذه الآية أيضاً أنّ الإنسان لا يمكنه أن يطوي طريق الحياة بعقله فقط، بل لابدّ أن يستمدّ المعونة من وحي السماء ويتقدّم إلى الأمام بالإستعانة بالشرائع، وإلاّ فهي الظلمات والخوف من التيه.

الآية الأخيرة من هذه الآيات، تهدّد تلك المجموعة المتمردّة بكلمات بليغة مؤثّرة فتقول: (وكذب الذين من قبلهم) في حين أنّ هؤلاء لم يبلغوا في القوّة والقدرة عشر ما كان لاُولئك الأقوام (وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذّبوا رسلي فكيف كان نكير).

فمدنهم المدمّرة بضربات العقوبة الإلهية الساحقة ليست ببعيدة عنكم .. فهي في الشام القريب منكم، فليكونوا لكم مرآةً للعبرة، واستمعوا إلى النصائح التي يقولها الدمار، وقارنوا مصيركم بمصيرهم، فلا السنّة الإلهيّة قابلة للتغيير ولا أنتم أقوى منهم!.

«معشار»: بمعنى واحد إلى عشرة. البعض إعتبرها «عُشر العُشر» أيّ واحد إلى

[  479 ]

مائة، ولكن أكثر كتب اللغة والتفاسير ذكرت المعنى الأوّل. وإن كان مثل تلك الأعداد لا يقصد بها التعداد، وتستخدم للتقليل في مقابل سبعة وسبعين وألف وأمثالها التي تستخدم للتكثير، وبذا يكون المعنى المقصود من الآية، إنّنا دمّرنا عصاة أقوياء لا يمتلك هؤلاء إلاّ جزءاً صغيراً من قدرتهم.

وقد ورد نظير هذا المعنى في آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم، من جملتها ما ورد في الآية (6) من سورة الأنعام (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكّناهم في الأرض ما لم نمكّن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين). وكذا ورد نظير هذا المعنى في الآيات 21 ـ المؤمن، 9 ـ الروم.

لفظة «نكير» من مادّة «نكر» والإنكار ضدّ العرفان، والمقصود أنّ إنكار الله هو تلك المجازاة والعذاب الصادر عنه تعالى(1).

* * *

______________________________________

1 ـ بعض المفسّرين احتملوا تفسيراً آخر لهذه الآية، وهو أنّ المقصود من (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) وهو عشر الآيات التي أنزلناها على مشركي قريش لإتمام الحجّة عليهم، لم ننزّله على الأقوام السابقين، فإذا كان العذاب الذي عذّبناهم به بتلك الشدّة، فما بالك بمصير مشركي قريش الذين نالهم عشرة أضعاف الآيات لإتمام الحجّة! ولكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل أنسب (وبناءً على التّفسير الأوّل فإنّه من أربعة ضمائر موجودة في الآية، يعود الضميران الأوّل والثّاني على كفّار قريش، والضمير الثالث والرابع على الكفّار السالفين، أمّا بناءً على التّفسير الثّاني فإنّ الضمير الأوّل يعود على كفّار قريش، والثّاني على الكفّار السالفين، والثالث على كفّار قريش والرابع على الكفّار السابقين ـ تأمّل).

[  480 ]

 

 

الآية

 

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّة إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَاب شَدِيد(46)

 

التّفسير

الثّورة الفكرية أساس لأيّ ثورة أصيلة:

في هذا المقطع من الآيات والآيات التالية، والتي تشكّل أواخر سورة سبأ المباركة، يؤمر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مرّة اُخرى بدعوة هؤلاء بالأدلّة المختلفة ليؤمنوا بالحقّ، ويرجعوا عن ضلالهم، وكما مرّ في البحوث السابقة فقد خوطب الرّسول (صلى الله عليه وآله) خمس مرّات بأن قيل له (قل ...).

ففي الآية الاُولى إشارة إلى اللبنة الأساسية في كلّ التحوّلات والتبدلات الإجتماعية والأخلاقية والسياسية والإقتصادية والثقافية، فتقول وبجمل قصيرة وعميقة المعنى (قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثمّ تتفكّروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلاّ نذير لكم بين يدي عذاب شديد).

كلمات وتعبيرات هذه الآية يشير كلّ منها إلى موضوع هامّ، نجملها في عشرة

[  481 ]

نقاط كما يلي:

1 ـ جملة «أعظكم» توضّح في الحقيقة واقع أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله) يريد القول بأنّي ألحظ فيما أقول لكم خيركم وصلاحكم دون أيّ شيء آخر.

2 ـ التعبير بـ «واحدة» مع إرتباطه بالتأكيد بواسطة «إنّما» إشارة معبّرة إلى أنّ أصل جميع الإصلاحات الفردية والجماعية، إنّما هي بإعمال الفكر، فما دام تفكير الاُمّة في سبات فستكون هدفاً لسرّاق ولصوص الدين والإيمان والحرية والإستقلال، ولكن حينما تصحوا الأفكار فإنّها تقطع الطريق أمام هؤلاء.

3 ـ التعبير بـ «قيام» ليس معناه مجرّد الوقوف على القدمين، بل معناه الإستعداد لإنجاز العمل، بلحاظ أنّ الإنسان بوقوفه على قدميه إنّما يكون مستعدّاً لإتمام البرامج الحياتية المختلفة، وعليه فإنّ التفكّر يحتاج إلى إستعداد قبلي، لكي يوجد السبب والمحرّك في الإنسان الذي يدفعه بالإرادة والتصميم إلى التفكّر.

4 ـ تعبير «لله» يوضّح أنّ القيام والإستعداد يجب أن يكون باعثه إلهياً، والتفكّر الذي يكون صادراً عن هذا الدافع له قيمة عالية، فالإخلاص في العمل عادةً ـ وحتّى في التفكّر ـ هو الأساس للنجاة والسعادة والبركة.

والملفت للنظر هو إعتبار الإيمان بالله هنا أمراً مسلّماً، وعليه فالتفكّر المطلوب إنّما هو في مسائل اُخرى، وتلك إشارة إلى أنّ التوحيد إنّما هو أمر فطري واضح يدرك حتّى بدون تفكّر.

5 ـ التعبير بـ «مثنى وفرادى» إشارة إلى أنّ التفكّر يجب أن يكون بعيداً عن الغوغائية والفوضى، بأن يقوم الناس آحاداً أو على الأكثر مثنى ويتفكّرون، لأنّ التفكّر وسط الضوضاء والغوغائية لا يمكنه أن يكون عميقاً، خصوصاً وأنّ عوامل الذاتية والتعصّب في طريق الدفاع عن الإعتقادات الشخصية ستكون أشدّ فعلا في التجمّعات الأكبر.

بعض المفسّرين إحتمل أن يكون هذان التعبيران إشارة إلى الإفادة من

[  482 ]

المشورة بالخلط بين الأفكار الفردية والجماعية، فالإنسان يجب أن يتفكّر منفرداً وكذلك يستفيد من أفكار الآخرين، لأنّ الإستبداد بالرأي والفكر سبب للعجب، والتشاور والتعاون لأجل حلّ المشكلات العلمية ـ والذي لا يؤدّي إلى الغوغاء ـ سيعطي حتماً ـ أثراً أفضل، ويمكن أن يكون تقديم «مثنى» على «فرادى» في الآية لهذا السبب.

6 ـ الملفت للنظر أنّ القرآن الكريم يقول هنا «تتفكّروا» دون أن يذكر بماذا؟ فحذف المتعلّق دليل على العموم، أي في كلّ شيء، في الحياة المعنوية والمادية، في الاُمور الكبيرة والصغيرة. وبكلمة: في كلّ أمر يجب التفكّر أوّلا، وأهمّ من ذلك كلّه هو التفكّر للعثور على الإجابة للأسئلة الأربعة التالية: من أين جئت؟ لأي شيء أتيت؟ إلى أين أذهب؟ وأين أنا الآن؟

ولكن بعض المفسّرين ذهبوا إلى أن «تتفكّروا» تتعلّق بالجملة التي تليها وهي «ما بصاحبكم من جنّة» بمعنى أنّكم لو تفكّرتم قليلا لوجدتم أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله) منزّه عن إتّهامكم الواهي له بالجنون. والظاهر أنّ المعنى الأوّل أوضح.

ومن البديهي أنّ من الاُمور التي يجب التفكّر بها هي مسألة النبوّة والصفات العالية التي كان يتمتّع بها شخص النّبي (صلى الله عليه وآله) دون أن تكون منحصرة بذلك.

7 ـ تعبير «صاحبكم» إشارة إلى الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وإنّه ليس نكرة بالنسبة لكم، فقد كان بينكم لسنوات طويلة. لقد عرفتموه بالأمانة والصدق والإستقامة، ولم تجدوا حتّى الآن نقطة ضعف واحدة في مسيرة حياته، لذا فعليكم بالإنصاف قليلا، فالتّهم التي تلصقونها به لا أساس لها جميعاً.

8 ـ «جنّة» بمعنى «جنون» وفي الأصل من مادّة «جن» بمعنى ستر الشيء عن الحاسّة، ومن كون أنّ (المجنون) سُتر عقله، فقد اُطلق عليه هذا التعبير، والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ العبارة تريد الكشف عن هذه الحقيقة، وهي أنّ من يدعو إلى التفكّر والإنتباه كيف يكون هو مجنوناً، والحال أنّ مناداته بالتفكّر إنّما هي دليل

[  483 ]

على تمام عقله ودرايته.

9 ـ جملة (إن هو إلاّ نذير لكم) تلخّص رسالة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مسألة «الإنذار» أي: التحذير من المسؤولية، ومن المحكمة الإلهية، والعقاب الإلهي، صحيح أنّ للرسول (صلى الله عليه وآله) رسالة في «التبشير» أو «البشارة» ولكن الذي يدفع الإنسان أكثر إلى التحرّك هو «الإنذار»، لذا فقد ذُكرت مسألة «الإنذار» في آيات اُخرى من القرآن الكريم على أنّها وظيفة الرّسول الأكرم الأساسية، كما في الآية (9) من سورة الأحقاف (وما أنا إلاّ نذير مبين)، كما ورد كذلك شبيه هذا المعنى في الآية 65 من سورة (ص) وآيات اُخرى.

10 ـ التعبير بـ (بين يدي عذاب شديد) إشارة إلى أنّ القيامة قريبة إلى درجة وكأنّها أمام العين، والحقّ أنّها كذلك بالنسبة إلى عمر الدنيا، كذلك فقد ورد في الروايات الإسلامية نظير هذا المعنى كما في الأثر عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضمّ (صلى الله عليه وآله) الوسطى والسبّابة.

* * *

 

ملاحظتان

1 ـ إستقلال آيات القرآن الكريم وتفسيرها المنحرف.

لقد إتّضح لدينا من خلال تفسير الآية الأخيرة بأنّ الأصنام والأوثان وما يعبد من دون الله تعالى ليس لها آذان صاغية لما يُطلب منها، وإن كان لها فهي غير قادرة على حلّ مشكلة ما، وليس لها في هذا العالم أيّ ملك ولو بقدر رأس الإبرة (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) وعلى هذا الأساس اتّخذ الوهّابيون هذه الآية ذريعة لهم للإدّعاء بأنّ كلّ شيء ما خلا الله جلّ وعلا ـ وإن كان نبيّاً ـ لا يسمع دعاءً، وإن سمع فلا يجيب! كما رفضوا أي نوع من التوسّل بأرواح الأنبياء والأئمّة والأولياء. واعتبروا ذلك مخالفاً للتوحيد محتجّين بقوله تعالى: (والذين تدعون

 ]484 ]

من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون).

ولو أمعنا النظر في الآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية للاحظنا أنّ المقصود من قوله: (من دونه) هي الأصنام لا غير، وذلك يصدق على مجموعة الأحجار والأخشاب وغيرها والتي كانت في نظر مشركي الجاهلية بأنّها ذات قدرة إزاء قدرة الخالق الكريم جلّ وعلا، كما أنّ الأنبياء والأولياء وحتّى الشهداء في سبيل الله أحياء في البرزخ، وحياة البرزخ ـ كما هو معلوم ـ مجرّدة من الحجب المادية ومتعلّقات الدنيا ممّا يجعلها أوسع منها. يضاف إلى ذلك فإنّ التوسّل بالأرواح الطاهرة للأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) لا يعني إقرارنا لهم بالإستقلالية إزاء الخالق الكريم، بل إنّنا إنّما نطلب العون والمدد من مقامهم وجاههم في حضرة الباريء العزيز، وهذا هو عين التوحيد (تأمّلوا جيداً).

وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ الشفيع إنّما يشفع بإذن الله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه) فمن يستطيع إنكار مثل هذه الآيات الصريحة غير الجهلة المغرورين الذين هتفوا بمثل هذه الإدّعاءات لزرع الفرقة بين المسلمين؟!

وفي كثير من الحالات نقرأ في سيرة الصحابة أنّهم حينما تحيق بهم المشكلات يأتون إلى قبر الرّسول (صلى الله عليه وآله) ويتوسّلون إليه، ويطلبون العون من الله عزّوجلّ بشفاعة روحه الطاهرة.

مثالنا على ذلك ما ذكره «البيهقي» من محدّثي العامّة، قال: في زمن الخليفة الثّاني مرّ في الناس قحط وجدب، ممّا حدا ببلال وعدد من الصحابة إلى الذهاب لقبر رسول الله وقالوا عنده: «يارسول الله، استق لاُمّتك ... فإنّهم قد هلكوا»(1).

كما نقل «الآلوسي» في (روح المعاني) الكثير من الأحاديث في هذا الصدد، وبعد المناقشة لهذه الأحاديث يخرج بالقول: إنّني لا أرى مانعاً من التضرّع لله

______________________________________

1 ـ من كتاب (التوصّل إلى حقيقة التوسّل).

[  485 ]

جلّوعلا بمقام الرّسول الأكرم في حياته أو بعد مماته ... ثمّ انّ الآخرين الذين يمتلكون مقاماً وقرباً من الخالق الكريم يجوز التوسّل بالله سبحانه بواسطتهم(1).

ولمزيد من الإطلاع راجع تفسيرنا هذا، ذيل الآية 35 من سورة المائدة.

 

2 ـ جانب من الروايات الإسلامية في التفكّر والتأمّل:

إهتّمت الرواية الإسلامية ـ وعلى خطى القرآن الكريم ـ بمسألة التفكّر إلى حدّ أن جعلتها في المقام الأوّل من الأهميّة، ويلاحظ المطالع للروايات تعبيرات جميلة ومعبّرة أوردنا نماذج منها هنا:

ألف ـ التفكّر أعظم عبادة: نقرأ عن الإمام الرضا (عليه السلام) «ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم إنّما العبادة التفكّر في أمر الله عزّوجلّ»(2).

ونقرأ في رواية اُخرى: «كان أكثر عبادة أبي ذكر التفكّر»(3).

ب ـ ساعة تفكّر أفضل من ليلة من العبادة: عن الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبدالله الصادق (عليه السلام): عمّا يروي الناس أنّ تفكّر ساعة خير من قيام ليلة، قلت: كيف يتفكّر؟ قال: «يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول: أين ساكنوك وأين بانوك، ما لك لا تتكلّمين؟»(4).

ج ـ التفكّر مصدر العمل: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ التفكّر يدعو إلى البرّ والعمل به»(5).

 

* * *

______________________________________

1 ـ روح المعاني.

2 ـ اُصول الكافي، المجلّد 2، كتاب الكفر والإيمان ـ باب التفكّر ـ صفحة 55 حديث 4.

3 ـ سفينة البحار، المجلّد الثّاني، صفحة 382.

4 ـ المصدر السابق.

5 ـ المصدر السابق.

[  486 ]

 

 

الآيات

 

قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ(47) قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّـمُ الْغُيُوبِ(48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَـطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِى وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبَِما يُوحِى إِلَىَّ رَبِّى إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ(50)

 

التّفسير

وما يبديء الباطل وما يعيد:

قلنا أنّ الله تعالى أمر رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) في هذه السلسلة من الآيات الكريمة خمس مرّات بأن يخاطب هؤلاء الضالّين ويقطع عليهم طريق الإعتذار من كلّ جانب.

فالآية السابقة كانت دعوة للتفكّر ونفي أي حالة من عدم التوازن الروحي عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وفي مطلع هذه الآيات، يتحدّث القرآن في عدم مطالبة الرّسول (صلى الله عليه وآله) بأي أجر مقابل تبليغ الرسالة. تقول الآية الاُولى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم، إن

 ]487 ]

أجري إلاّ على الله).

وذلك إشارة إلى أنّ العاقل حينما يتصرّف أي تصرّف يجب أن يكون لتصرفه باعث، فحينما يثبت لكم بأنّ لدي عقل كامل، وترون بأن ليس لي هدف مادّي، فيجب أن تعلموا بأنّ هناك دافعاً ومحرّكاً إلهياً ومعنوياً هو الذي دفعني إلى ذلك التصرّف أو العمل.

بتعبير آخر: أنا دعوتكم للتفكّر، والآن تأمّلوا، واسألوا وجدانكم، أي سبب يدعوني لأن أنذركم من العذاب الإلهي الشديد؟، وأي ربح سوف أجنيه من هذا العمل؟، وأي فائدة مادية لي فيه؟. إضافةً إلى ذلك فإن كانت حجّتكم في هذا الإعراض ومخالفة الحقّ، هو أنّكم ستدفعون لي أجراً عليه، فسيضيع جزافاً، لأنّي أساساً لم اُطالبكم بأي أجر أو جزاء.

كذلك فقد ورد هذا المعنى بصراحة أيضاً في الآية (46) من سورة القلم (أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون).

أمّا ما هو تفسير جملة (فهو لكم)؟ فهناك تفسيران:

الأوّل: أنّ الجملة كناية عن عدم المطالبة بأي أجر كما لو قلت «كلّ ما أردته منك فهو لك» كناية عن أنّك لا تريد شيئاً مطلقاً. والدليل على ذلك هو الجملة التالية والتي تقول: (إن أجري إلاّ على الله).

الثاني: أنّكم إن لاحظتم أنّي في بعض ما أخبرتكم به عن الله سبحانه وتعالى، قلت لكم: (لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى)(1)، فهذا أيضاً يعود نفعه إليكم، لأنّ مودّة ذي القربى ترتبط بمفهوم (الإمامة والولاية) و «إستمرار خطّ النبوّة، الذي هو ضروري لإدامة هدايتكم.

الدليل على هذا القول هو ما ورد في أسباب النّزول الذي نقله بعضهم هنا، ففي

______________________________________

1 ـ الشورى، 23.

[  488 ]

تفسير روح البيان، ورد أنّه عند نزول الآية (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمشركي مكّة: «لا تؤذوا ذوي قرباي» وهم قبلوا بهذا الطلب، ولكن عندما نال الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من أصنامهم، قالوا: إنّ محمّداً لم ينصفنا، فهو من جانب يدعونا لعدم التعرّض لذوي قرباه بالأذى، ولكنّه من جانب آخر يمسّ أربابنا بالأذى، وهنا نزلت الآية موضوع بحثنا (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم). فما أردته منكم بهذا الخصوص هو بنفعكم، سواء آذيتموهم أو لم تؤذوهم.

ثمّ تختم الآية بالقول: (وهو على كلّ شيء شهيد). فإن كنت اُريد أجري من الله وحده فلأنّه وحده عالم بكلّ أعمالي ومطّلع على نواياي. علاوةً على أنّه هو سبحانه وتعالى شاهد صدقي وحقّانية دعوتي، لأنّه هو سبحانه سخّر لي كلّ هذه المعجزات والآيات البيّنات، والحقّ أنّه سبحانه وتعالى نعم الشاهد، فهو الذي قد أحاط بكلّ شيء علماً وهو أفضل من يستطيع الأداء، ولا يصدر عنه إلاّ الحقّ وهو خير الشاهدين. وهو الله سبحانه وتعالى.

بالإلتفات إلى ما قيل حول حقّانية دعوة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، تضيف الآية التي بعدها قائلة أنّ القرآن واقع غير قابل للإنكار لأنّه ملقى من الله سبحانه وتعالى على قلب الرّسول (صلى الله عليه وآله): (قل إنّ ربّي يقذف بالحقّ علاّم الغيوب).

كلمة «يقذف» من مادّة (قذف) وهو الرمي البعيد، وثمّة تفسيرات متعدّدة لهذه الآية، يمكن جمعها مع بعضها البعض.

أوّلا: المقصود بـ «يقذف بالحقّ» هو الكتب السماوية والوحي الإلهي على قلوب الأنبياء والمرسلين، ولأنّه سبحانه وتعالى هو علاّم الغيوب، فهو يعلم بالقلوب المهيّأة، فينتخبها ويقذف الوحي فيها حتّى ينفذ إلى أعماقها.

وعلى ذلك فالمعنى شبيه بما ورد في الحديث المعروف «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء».

[  489 ]

والتعبير بـ «علاّم الغيوب» يؤيّد هذا المعنى.

الآخر: إنّ المقصود من «قذف الحقّ على الباطل وزهوق الباطل»، يعني أنّ للحقّ قوّة تجعله قادراً على تجاوز أي عائق في طريقه، وليس لأحد طاقة على الوقوف بوجهه، وبهذا تكون الآية تهديداً للمخالفين لكي لا يقفوا بوجه القرآن، وأن يعلموا أنّ حقّانية القرآن ستسحقهم.

وبذا تكون الآية تعبيراً مشابهاً لما ورد في الآية (18) من سورة الأنبياء (بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق).

ويحتمل أن يكون المقصود بتعبير «القذف» هنا هو نفوذ حقّانية القرآن إلى نقاط العالم القريبة والبعيدة، وهي إشارة إلى أنّ هذا الوحي السماوي سيضيء جميع العالم بنوره في نهاية الأمر.

بعدئذ ولزيادة التأكيد يضيف سبحانه وتعالى: (قل جاء الحقّ وما يبدىء الباطل وما يعيد)(1). وعليه فلن يكون للباطل أي دور مقابل الحقّ، لا خطّة اُولى جديدة، ولا خطّة معادة، إذ أنّ خطط الباطل نقش على الماء، ولهذا السبب فلم يتمكّن الباطل من طمس نور الحقّ ومحو أثره من القلوب.

مع أنّ بعض المفسّرين أرادوا حصر مصاديق «الحقّ» و «الباطل» في هذه الآية في حدود معيّنة، لكن الواضح أنّ مفهوم الإثنين واسع وشامل جدّاً، القرآن، الوحي الإلهيى، تعليمات الإسلام، جميعها مصاديق لمفهوم «الحقّ». والشرك والكفر، والضلال، والظلم والذنوب، ووساوس الشيطان، والبدع الطاغوتية كلّها تندرج تحت معنى «الباطل»، وفي الحقيقة فإنّ هذه الآية شبيهة بالآية (81) من سورة الإسراء، (وقل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً).

وقد ورد أنّ ابن مسعود قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة وحول البيت ثلاثمائة

______________________________________

1 ـ (يبدىء) من مادّة «بدء» بمعنى الإيجاد الإبتدائي، و (يعيد): من مادّة (عود) بمعنى التكرار، الباطل: فاعل، والمفعول محذوف، والتقدير «ما يبدىء الباطل شيئاً وما يعيد شيئاً».

[  490 ]

وستّون صنماً فجعل يطعنها بعود في يديه ويقول: «جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً ـ جاء الحقّ وما يبدىء الباطل وما يعيد»(1).

 

سؤال:

يثار هنا سؤال وهو أنّ الآية أعلاه تقول: إنّه بظهور الحقّ، يمحق الباطل، ويفقد كلّ خلاّقيته، والحال أنّنا نرى أنّ الباطل له جولات وصيت إلى الآن، ويسيطر على مناطق كثيرة؟

وللإجابة على هذا السؤال، يجب الإلتفات إلى ما يلي:

أوّلا: إنّه بظهور الحقّ وإشراقه. فإنّ الباطل ـ والذي هو الشرك والنفاق والكفر وكلّ ما ينبع عنها ـ يفقد بريقه، وإذا استمرّ وجوده فبالقوّة والظلم والضغط، وإلاّ فإنّ النقاب قد اُزيل عن وجهه، وظهرت صورته القبيحة لمن يطلب الحقّ، وهذا هو المقصود من مجيء الحقّ ومحو الباطل.

ثانياً: لأجل تحقّق حكومة الحقّ وزوال حكومة الباطل في العالم، فإضافة إلى الإمكانيات التي يضعها الله في خدمة عباده، هناك شرائط اُخرى مرتبطة بالعباد أنفسهم، والتي أهمّها «القيام بترتيب المقدّمات للإستفادة من تلك الإمكانات الإلهية». وبتعبير آخر، فإنّ إنتصار الحقّ على الباطل ليس فقط في المناحي العقائدية والمنطقية وفي الأهداف، بل في المناحي الإجرائية على أساسين، «فاعلية الفاعل» و «قابلية القابل» وإذا لم يصل الحقّ إلى النصر على الباطل في المرحلة العملية نتيجة عدم تحقّق (القابلية) فليس ذلك دليلا على عدم إنتصاره.

ولنضرب لذلك مثلا قرآنياً، فالآية الكريمة تقول: (ادعوني أستجب)(2)، ولكن المعلوم لدينا بأنّ إستجابة الدعاء ليست بدون قيد أو شرط، فإن تحقّقت شرائط

______________________________________

1 ـ مجمع البيان، مجلّد 8، صفحة 397.

2 ـ المؤمن، 60.

[  491 ]

الدعاء فهو مستجاب قطعاً، وفي غير هذه الحالة ينبغي عدم إنتظار الإستجابة، (شرح هذا المعنى جاء في تفسير الآية 186 ـ من سورة البقرة).

وذلك بالضبط كما لو أنّنا أتينا بطبيب حاذق لمريض ممدّد على فراشه، وعندها نقول له: زادت فرصة النجاة لك، وفي أي وقت أحضرنا له دواء نذكره بأنّنا قد حللنا له مشكلا آخر، في حين أنّ كلّ هذه الاُمور هي من مقتضيات الشفاء وليست (علّة عامّة)، فيجب أن يكون الدواء مؤثّراً في المريض، وأن تراعى توصيات الطبيب، كما أنّه يجب أن لا ننسى الحمية وأثرها، لكي يتحقّق الشفاء العيني والواقعي (تأمّل).

ثمّ يضيف تعالى: لأجل إيضاح أنّ ما يقوله (صلى الله عليه وآله) هو من الله، وأنّ كلّ هداية منه، وأن ليس هناك أدنى خطأ أو نقص في الوحي الإلهي، (قل إن ضللت إنّما أضلّ على نفسي وإن إهتديت فبما يوحي إليّ ربّي)(1).

أي إنّني لو اتّكلت على نفسي فسوف أضلّ، لأنّ الإهتداء إلى طريق الحقّ من بين أكداس الباطل ليس ممكناً بغير إمداد الله، ونور الهداية الذي ليس فيه ضلال وتيه هو نور الوحي الإلهي.

صحيح أنّ العقل هو مصباح مضيء، غير أنّ الإنسان ليس معصوماً، وشعاع هذا المصباح لا يمكنه كشف جميع حجب الظلام، إذاً تعالوا وتعلّقوا بنور الوحي الإلهي هذا حتّى تخرجوا من الظلمات، وتضعوا أقدامكم على أرض النور.

وفي ختام الآية يضيف تعالى: (إنّه سميع قريب).

فلعلّكم تعتقدون أنّه تعالى لا يسمع ما نقول وما تقولون، أو أنّه يسمع ذلك ولكنّه بعيد، كلاّ، فهو (سميع) و (قريب)، فلا تعزب عنه ذرّة ممّا نقول أن ندعو.

* * *

______________________________________

1 ـ فيما يخصّ لماذا أورد في الجملة الاُولى (على نفسي) وفي الجملة الثّانية (فيما يوحي إليّ ربّي) قال بعض المفسّرين: كلّ واحدة من هاتين الجملتين تحتوي على محذوف مقدّر، والتقدير كاملا «إن ضللت فإنّما أضلّ نفسي وإن إهتديت فإنّما أهتدي لنفسي بما يوحي إليّ ربّي» (تأمّل!!) ـ تفسير روح المعاني ـ تفسير الآية مورد بحثنا.

[  492 ]

 

 

الآيات

 

وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَان قَرِيب (51)وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيد(52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَان بَعِيد(53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِى شَكٍّ مُّرِيب(54)

 

التّفسير

ليس للكافرين مفرّ:

الآيات الأخيرة من سورة سبأ تعود إلى الحديث في المشركين المعاندين الذين مرّ الحديث فيهم في الآيات السابقة عن طريق مخاطبة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)فتصوّر حال تلك المجموعة عند وقوعها في قبضة العذاب الإلهي، كيف تفكّر في الإيمان، حين لا يكون لإيمانهم أدنى فائدة.

يقول تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واُخذوا من مكان قريب).

ثمّة آراء بين المفسّرين في: متى يكون ذلك الصراخ والفزع والإضطراب؟ فبعضهم يرى أنّه عذاب الدنيا أو عذاب الموت، وبعضهم يرى أنّه يخصّ عقاب يوم

[  493 ]

القيامة، غير أنّ آخر هذه الآية، يشير إلى أنّ هذه الآيات جميعها تتحدّث عن الدنيا وعذاب الإستئصال، أو لحظة تسليم الروح، إذ يقول تعالى في الآية الأخيرة من هذا المقطع (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعل بأشياعهم من قبل) وهذا التعبير لا ينسجم مع يوم القيامة. لأنّ الجميع يجمعون في ذلك اليوم للحساب، كما تشير إلى ذلك الآية (102) من سورة هود (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود).

وفي الآيتين 49 ـ 50 من سورة الواقعة أيضاً نقرأ (قل إنّ الأوّلين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم).

وعليه فإنّ المقصود من جملة (اُخذوا من مكان قريب) هو أنّ هؤلاء الأفراد الكافرين والظالمين، ليس فقط لا يمكنهم الفرار من يد القدرة الإلهيّة فحسب، بل إنّ الله سبحانه وتعالى يأخذهم بالعذاب من مكان قريب منهم جدّاً.

ألم يدفن الفراعنة في أمواج النيل الذي كان المصدر الأساس لفخرهم، ألم تنخسف الأرض بقارون وكنوزه، و «قوم سبأ» الذين مرّت بنا قصّتهم في هذه السورة ألم يحيق بهم الهلاك أقرب الأمكنة لهم، وهو ذلك السدّ العظيم الذي كان سبب عمران بلادهم وسبب حياتهم وحركتهم؟ لذا فإنّه الله يأخذ بالعذاب من أقرب الأماكن حتّى يُعلم مدى قدرته وسطوته.

فأكثر السلاطين الظلمة قتلوا على أيدي أقرب أفراد حواشيهم، وأغلب المتسلّطين الجبابرة تلقّوا الضربة الأخيرة من داخل قصورهم.

ولو لاحظنا ما ورد في الكثير من الروايات من طرق السنّة والشيعة، لرأينا أنّ لهذه الآية مصداقاً في أحاديث «السفياني» (مجموعة على خطّ أبي سفيان وعصارة عصر الجاهلية يخرجون على أتباع الحقّ في عصر ظهور المهدي (عليه السلام)). حيث أنّ السفياني وجيشه تخسف بهم الصحراء وسط الطريق إلى مكّة، وذلك في الحقيقة واحد من مصاديق الآية (واُخذوا من مكان قريب). حيث أنّهم وقعوا في

[  494 ]

العذاب الإلهي من أقرب النقاط لهم، وهي الأرض التي تحت أقدامهم. وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المضمون عن ابن عبّاس وابن مسعود وأبي هريرة وحذيفة واُمّ سلمة وعائشة، كما يلاحظ في كتب السنّة، وكلّهم ينقلون عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)(1).

وقد أوردت تلك الأحاديث في تفسير هذه الآية في الكثير من كتب التّفسير الشيعية من أمثال تفسير القمّي، ومجمع البيان، ونور الثقلين، والصافي، والكثير من كتب التّفسير السنّية كتفسير روح المعاني، وروح البيان، والقرطبي.

كذلك فإنّ العلاّمة المجلسي ـ أعلى الله مقامه ـ أورد العديد من الروايات عن الإمام الباقر (عليه السلام) بهذا الخصوص، والتي تشير إلى كونها أحد مصاديق هذه الآيات، بإعتبار أنّ الخسف الذي يحلّ بالسفياني وجيشه هو مصداق للأخذ من مكان قريب(2).

وكما أشرنا مراراً فإنّ الرّوايات التي يوردها المفسّرون للتدليل على معنى الآية، إنّما هي المصاديق الأوضح، وليس معناها تحديد معنى الآية في ذلك.

الآية التي بعدها، تعرض وضع هؤلاء بعد أن أخذهم العذاب الإلهي تقول الآية الكريمة (وقالوا آمنا به)(3) ولكن (أنّى لهم التناوش من مكان بعيد).

نعم فبحلول الموت وعذاب الإستئصال اُغلقت أبواب العودة كليّاً، وحيل كالسدّ المحكم بين الإنسان وبين أن يكفّر عن ذنوبه، لذا فإنّ إظهار الإيمان في ذلك الحين، كأنّه كائن من مكان بعيد، وهو إيمان إضطراري بسبب الخوف الشديد من العذاب الذي يعاين هناك، مثل ذلك الإيمان أصلا لا قيمة له، لذا فإنّ الآية

______________________________________

1 ـ تفسير الميزان، المجلّد 16، صفحة 419.

2 ـ بحار الأنوار، مجلّد 52، صفحة 185 فيما بعد.

3 ـ الضمير في كلمة «به» يعود على «الحقّ» على إعتبار أنّه أقرب مرجع له، ونعلم بأنّ الحقّ الآيات السابقة يشير إلى «القرآن ومحتواه والمبدأ والمعاد ورسول الإسلام».

[  495 ]

(28) من سورة الأنعام تعبّر عنهم قائلة: (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنّهم لكاذبون).

«التناوش» من مادّة «نوش» ـ على زنة خوف ـ بمعنى التناول، وبعضهم إعتبروا أنّها بمعنى «التناول بسهولة» أي كيف يتناولون الإيمان من مكان بعيد ولم يكونوا يتناولونه من قريب؟

كيف يستطيعون الآن وبعد أن انتهى كلّ شيء، أن ينبروا لجبران خطاياهم ويؤمنوا، في حين أنّهم قبل هذا كفروا مع أنّهم كانوا يتمتّعون بالإختيار والإرادة: (وقد كفروا به من قبل).

ولم يكتفوا بالكفر فقط، بل إنّهم ألصقوا بالرّسول (صلى الله عليه وآله) وبتعاليمه مختلف أنواع التّهم، وحكموا أحكاماً خاطئة فيما يخصّ (عالم الغيب ـ والقيامة ـ والنبوّة): (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد).

«القذف» ـ كما قلنا ـ الرمي من بعيد، و «الغيب» هو عالم ما وراء الحسّ، والجملة كناية لطيفة عمّن يطلق أحكامه على عالم ما وراء الطبيعة بلا سابق علم أو معرفة، كمن يرمي شيئاً من نقطة بعيدة، فقلّما يصيب الهدف، فظنونهم وأمانيهم وأحكامهم لا تصيب أهدافها أيضاً. فقد عدّوا الرّسول (صلى الله عليه وآله) (ساحراً) حيناً، وحيناً (مجنوناً) وآخر (كذّاباً)، وحيناً اعتبروا القرآن «نتاجاً فكرياً بشرياً». ومرّة أنكروا الجنّة والنار والقيامة بشكل كلّي، كلّ هذه أنواع «للرجم بالغيب» أو «إصطياد الطيور في ظلام الليل» أو بعبارة اُخرى «القذف من مكان بعيد».

ثمّ يضيف تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل)ففي لحظة مؤلمة، فصل بينهم وبين كلّ ثرواتهم وأموالهم، وقصورهم ومقاماتهم، وأمانيهم، فكيف سيكون حالهم؟ هؤلاء الذين كانوا يعشقون الدرهم والدينار، والذين كانت قلوبهم لا تطاوعهم في التخلّي عن أبسط الإمكانات المادية .. كيف سيكون حالهم في تلك اللحظة التي يجب عليهم فيها أن يودّعوا كلّ ذلك وداعاً

[  496 ]

أخيراً، ثمّ يغمضون عيونهم ويسيرون باتّجاه مستقبل مظلم موحش.

جملة (حيل بينهم وبين ما يشتهون)، فُسّرت بتفسيرين:

الأوّل: هو ما عرضناه سابقاً.

الثاني: أنّه حيل بينهم وبين رغبتهم في الإيمان وجبران ما فاتهم .. غير أنّ التّفسير الأوّل ينسجم أكثر مع جملة (ما يشتهون).

فضلا عن أنّ جملة (أنّى لهم التناوش من مكان بعيد) قد تعرّضت إلى قضيّة عدم تمكّنهم من الإيمان عند الموت وعذاب الإستئصال كما ذكرنا، فلا يبدو أنّ هناك داعياً للتكرار.

من الجدير بالذكر أيضاً أنّ كثيراً من مفسّري هذه الآية اعتبروا هذه الآيات ممّا يخصّ الحديث في عقوبات الآخرة وندامة المسيئين في المحشر، ولكن الآية الأخيرة وبالأخصّ جملة (كما فعل بأشياعهم من قبل) لا تنسجم مع هذا المعنى، بل إنّ المقصود هو لحظة الموت ومشاهدة عذاب الفناء.

وما أجمل ما يقول أمير المؤمنين علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) حينما يصوغ بكلماته النورانية وصفاً للحظات فراق الروح لعالم الدنيا، ومفارقة نعمها:

«إجتمعت عليهم سكرة الموت، وحسرة الفوت، ففترت لها أطرافهم وتغيّرت لها ألوانهم!

ثمّ زاد الموت فيهم ولوجاً، فحيل بين أحدهم وبين منطقه، وإنّه لبين أهله، ينظر ببصره ويسمع باُذنه ...

يفكّر فيم أفنى عمره؟ وفيم أذهب دهره؟ ويتذكّر أموالا جمعها، أغمض في مطالبها، وأخذها من مصرحاتها ومشبهاتها!...

فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره، ويتمنّى أنّ الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها

[  497 ]

دونه»!(1).

اللهمّ إجعلنا من الذين ينتبهون قبل فوات الفرص، ويجبرون ما فاتهم.

شِباك الدنيا ومغرياتها مشرعة لنا، والعدوّ شديد المراس، ولولا لطفك، فإنّ أعمالنا تافهة حقيرة ..

اللهمّ! اجعلنا من الذين يشكرون النعم حين حلولها، وأعذنا من الغفلة والغرور، واجعلنا من الذين لا يجزعون حين المصائب والشدائد ..

 

... إنّك عليٌّ سميع

نهاية تفسير سورة سبأ

نهاية المجلّد الثالث عشر

* * *

______________________________________

1 ـ نهج البلاغة، خطبة 109.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903362

  • التاريخ : 8/08/2020 - 06:47

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net