00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة سبأ من آية 18 ـ 42 من ( ص 426 ـ 474 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثالث عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[  426 ]

 الآيتان

 وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَـرَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَـهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ(18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَـعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـهُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَـت لِّكُلِّ صَبَّار شَكُور(19)

 

التّفسير

(فجعلناهم أحاديث ومزّقناهم كلّ ممزّق !!)

تعود هذه الآيات إلى قصّة قوم سبأ مرّة اُخرى، وتعطي شرحاً وتفصيلا أكثر حولهم وحول العقاب الذي حلّ بهم. ليكون درساً بليغاً وتربوياً لكلّ سامع.

يقول تعالى: لقد عمّرنا أرضهم إلى حدّ أنّ النعمة لم تغطّها وحدها، بل (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرىً ظاهرة). فقد جعلنا بينهم وبين الأرض المباركة مدائن وقرىً اُخرى متّصلة بفواصل قليلة إلى درجة أنّ القرية ترى من القرية الثّانية.

بعض المفسّرين قالوا في تفسير «قرى ظاهرة» بأنّها إشارة إلى القرى التي كانت تظهر للعيان من جادّة المسير بشكل واضح، ويستطيع المسافرون التوقّف فيها، أو

[  427 ]

أنّها القرى التي كانت على مرتفعات من الأرض فكانت واضحة للعابرين.

أمّا ما هي «الأرض المباركة»؟ فقد أجمع أغلب المفسّرين على أنّها «أرض الشام» (سوريا وفلسطين والأردن)، لأنّ هذا التعبير اُطلق على نفس هذه المنطقة في الآية الاُولى من سورة الإسراء، والآية (81) من سورة الأنبياء.

ولكن بعض المفسّرين إحتمل أنّ المقصود منها هو «صنعاء» أو «مأرب» وكلتاهما كانتا في اليمن، ولا يستبعد هذا التّفسير، لأنّ المسافة بين (اليمن) الواقعة في أقصى جنوب الجزيرة العربية، و (الشام) الواقعة في أقصى شمالها، شاسعة ومليئة بالصحاري اليابسة المقفرة ممّا يجعل تفسير الأرض المباركة هنا (بالشام) بعيداً جدّاً، ولم ينقل في التواريخ ما يشير إلى ذلك.

بعضهم إحتمل أيضاً أن يكون المقصود (بالأرض المباركة). (مكّة) وهو بعيد أيضاً.

هذا من جهة العمران، ولكن العمران وحده لا يكفي، بل إنّ شرطه الأساسي هو «الأمان»، ولذلك تضيف الآية (وقدّرنا فيها السير) أي جعلنا بينها فواصل معتدلة. (سيروا فيها ليالي وأيّاماً آمنين).

وبهذا فإنّ الفواصل والمسافات بين القرى كانت متناسقة محسوبة، وكذلك فإنّها طرق محفوظة من حملات الضواري أو السرّاق أو قطّاع الطرق. بحيث أنّ الناس كانوا يسافرون خلال هذه الطرق. بلا زاد أو دواب وبلا إستفادة من الحراس المسلّحين، ولم يكونوا يخافون من حوادث الطريق أو قلّة الماء والزاد لديهم.

أمّا بأيّة وسيلة تمّ إبلاغ هذه الرسالة للناس (سيروا فيها) الآية، يرد أيضاً الإحتمالان بأن يكون ذلك بواسطة أحد الأنبياء (عليهم السلام)، أو أنّ ظاهر حال المنطقة كان يوصل هذا المعنى إلى وجدانهم.

تقديم «الليالي» على «الأيّام» قد يكون بلحاظ أنّ وجود الأمن في الليل من

[  428 ]

السرّاق أو الوحوش أهمّ منه في النهار الذي تسهل معه مهمّة الأمن.

ولكن هؤلاء جحدوا نعم الله العظيمة التي شملت كلّ مناحي حياتهم ـ كما هو الحال بالنسبة لغيرهم من الأقوام المتنّعمة ـ ولبسهم الغرور، وأحاطت بهم الغفلة ونشوة النعيم وعدم لياقتهم له، فاسلكتهم طريق الكفران وعدم الشكر، وإنحرفوا عن الصراط وتركوا أوامر الله خلف ظهورهم.

فمن جملة مطالبهم العجيبة من الله، (فقالوا ربّنا باعد بين أسفارنا).

أي طلبوا أن يجعل الله المسافات بين قراهم طويلة، كي لا يستطيع الفقراء السفر جنباً إلى جنب مع الأغنياء، ومقصودهم هو أن تكون بين القرى ـ كما أسلفنا ـ فواصل صحراوية شاسعة، حتّى لا يستطيع الفقراء ومتوسّطو الحال الإقدام على السفر بلا زاد أو ماء أو مركّب، وبذا يكون السفر أحد مفاخر الأغنياء وعلامة على القدرة والثروة، ووجوب أن يظهر هذا الإمتياز ويثبت لدى الجميع.

أو أنّهم ملّوا من الراحة والرفاه، كما ملّ بنو إسرائيل من (المنّ والسلوى) (الغذاء السماوي) وطلبوا من الله البصل والثوم والعدس.

بعضهم إحتمل أيضاً أن يكون المقصود بعبارة (باعد بين أسفارنا) أنّهم أصبحوا كسالى إلى درجة لم يكونوا معها حاضرين للسفر لغرض رعي الحيوانات أو التجارة أو الزراعة، ولذا طلبوا من الله أن يبقيهم في وطنهم دائماً ويباعد بين السفرة والاُخرى. ولكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل أفضل.

على كلّ حال فإنّهم بهذا العمل أوقعوا الظلم على أنفسهم (وظلموا أنفسهم).

نعم، فإن كانوا يظنّون أنّهم إنّما يظلمون غيرهم فقد اشتبهوا، إذ أنّهم قد استلّوا خنجراً ومزّقوا به صدورهم، ودخّان النار التي أسعروها أعمى عيونهم.

ويا له من تعبير رائع، ذلك الذي أوضح به القرآن الكريم مصيرهم المؤلم، حيث يقول: إنّنا جازيناهم ودمّرنا بلادهم ومعيشتهم بحيث: (فجعلنا أحاديث).

نعم فلم يبق من تلك الحياة المرفّهة، والتمدّن العريض المشرق، إلاّ أخبار على

[  429 ]

الألسن، وذكريات في الخواطر، وكلمات على صفحات التاريخ (ومزّقناهم كلّ ممزّق).

كيف دمّرنا أرضهم بحيث سلبت منهم معها قدرة البقاء فيها، وبذا أصبحوا مجبرين على أن يتفرّقوا كلّ مجموعة إلى جهة لإدامة حياتهم، ونُثروا كما تنثر أوراق الخريف التي عصفت بها الريح حتّى أضحى تفرّقهم مثلا يضرب فقيل: «تفرّقوا أيادي سبأ»(1).

وكما قال بعض المفسّرين، فقد ذهبت قبيلة (غسّان) إلى الشام، و (أسد) إلى عمان، و (خزاعة) إلى جهة تهامة، و (أنمار) إلى يثرب(2).

وفي ختام الآية يقول تعالى: (إنّ في ذلك لآيات لكلّ صبّار شكور)، لأنّ الصابرين والشاكرين وحدهم يستطيعون الإعتبار ممّا جرى، خصوصاً مع ملاحظة أنّ كلاًّ من (صبّار) و (شكور) هي صيغة مبالغة. ذلك لكونهم بصبرهم وإستقامتهم يتمكّنون من الإمساك بزمام مركب الهوى والهوس الجموح، ويقفون بوجه المعاصي، وبشكرهم لله تعالى في طريق طاعته فإنّهم مرتبطون به ويقظون، وعليه فإنّهم يأخذون العبرة بشكل جيّد، أمّا اُولئك الذين ركبوا سفينة الهوى وتجاهلوا نعم الله عليهم فكيف يمكنهم أخذ العبرة ممّا جرى؟

* * *

بحوث

1 ـ المصير المذهل لقوم سبأ!!

يستفاد ممّا ورد في القرآن الكريم والروايات، وكذلك كتب التاريخ، بأنّ «قوم سبأ» كانوا يقطنون جنوب الجزيرة، وكانت لهم حكومة راقية، وحضارة خلاّبة.

______________________________________

1 ـ نقل هذا المثل على صورتين «تفرّقوا أيدي سبأ» و «أيادي سبأ»، ففي الشكل الأوّل إشارة إلى التمزّق البشري، والشكل الثّاني إشارة إلى تمزّق الأموال والنعم والإمكانات، لأنّ «أيادي» عادةً تستعمل بمعنى النعم.

2 ـ تفسير القرطبي وتفسير أبي الفتوح الرازي، ذيل الآيات مورد البحث.

[  430 ]

ورغم أنّ أرض (اليمن) كانت واسعة وصالحة للزراعة، إلاّ أنّه من إستغلالها لعدم وجود نهر مهمّ في تلك المنطقة، كما أنّ مياه الأمطار ـ التي كانت تهطل بغزارة على قمم الجبال كانت تذهب هدراً في هضاب وصحاري تلك المنطقة. ولكن أهل تلك المنطقة الأذكياء فكّروا في كيفية الإستفادة من تلك المياه المهدورة، فبنوا لهذا الغرض عدداً من السدود في النقاط الحسّاسة كان أهمّها وأكثرها مخزوناً «سدّ مأرب».

«مأرب» بلدة صغيرة تقع عند إنتهاء إحدى ممرّات السيول تلك، وكانت تمرّ سيول جبال «صراة» العظيمة من جنبها، وفي فم هذا المضيق وبين جبلي «بلق» بنوا سدّاً عظيماً قوياً، وأوجدوا فيه منافذ كثيرة للماء، وقد إستطاع هذا السدّ خزن كميّات هائلة من الماء خلفه إلى درجة أنّهم إستطاعوا ـ بالإستفادة من ذخيرته ـ إحداث جنّات جميلة جدّاً، وبساتين مملوءة بالبركة على طرفي النهر الوارد إبتداءً من مصبّ السدّ.

وكما ذكرنا سابقاً فإنّ القرى المأهولة في تلك الأرض كانت شبه متّصلة ببعضها، بحيث أنّ ظلال الأشجار كانت تتواصل مع بعضها البعض، وكانت الأشجار محمّلة بكميّات كبيرة من الثمار حتّى أنّ من يمرّ تحتها بسلّته الخالية يخرج بعد مدّة قصيرة بسلّة ممتلئة تلقائياً، وفور النعمة ـ ممزوجاً بالأمان ـ هيّأ محيطاً مرفّهاً لحياة طاهرة، محيطاً نموذجياً لطاعة الله، والتكامل المعنوي، ولكنّهم لم يقدّروا النعمة حقّ قدرها، فنسوا الله، وجحدوا النعمة، وانشغلوا بالتفاخر والعناوين والمستوى الإجتماعي.

ورد في بعض كتب التاريخ بأنّ الجرذان الصحراوية، بعيداً عن مرأى هؤلاء المغرورين السكارى، كانت تتّخذ لها جحوراً في ذلك السدّ الترابي، وتنخره من الداخل، وفجأةً هطلت أمطار غزيرة وتجمّعت لتشكّل سيولا عظيمة، تراكمت خلف ذلك السدّ الذي لم يعدّ حينها مؤهّلا لتحمّل الضغط الشديد من تلك الكمّيات

[  431 ]

الهائلة، وما هي إلاّ لحظة حتّى إنهار هذا السدّ ليضع النهاية لتلك الحياة الزاهية، ودمّر القرى المعمورة، الجنان، المزارع، المحاصيل، قضى على الحيوانات، هدّم القصور والبيوت الجميلة الجذّابة، وتحوّلت تلك الأرض الحيّة إلى صحراء جافّة لا ماء فيها ولا كلأ، ولم يبق من تلك الجنان والأشجار المثمرة إلاّ شجر (الأراك) المرّ، و (شجر المنّ) وقليل من (السدر)، وهاجرت الطيور المغردة ليحلّ محلّها البوم والغربان ...(1).

نعم، حينما يريد الله سبحانه وتعالى إظهار قدرته، فإنّه يدمّر مدينة راقية بعدد من الفئران حتّى يتّضح للعباد مدى ضعفهم ولا يغترّوا بقدرتهم مهما بلغت.

 

2 ـ الإعجاز القرآني التأريخي

أورد القرآن الكريم قصّة «قوم سبأ» في الوقت الذي كان المؤرخّون لا يعلمون شيئاً عن وجود هؤلاء القوم، وعن مثل تلك المدنيّة. والملفت للنظر أنّ المؤرخّين قبل الإكتشافات الحديثة، لم يذكروا شيئاً حول سلسلة ملوك سبأ والمدنية العظيمة لهم، وإعتقدوا فقط بأنّ (سبأ) هو شخص إفتراضي، عرف كأب مؤسّس لدولة «حمير»، في حين أنّ القرآن الكريم أفرد سورة كاملة باسم هؤلاء القوم وأشار إلى أحد مظاهر مدينتهم وهو بناؤهم (لسدّ مأرب) التأريخي.

ولكن بعد الكشوف عن الآثار التأريخية لهؤلاء القوم في اليمن، تغيّرت أفكار علماء التأريخ. والسبب في تأخّر الكشف عن الآثار التأريخية لهؤلاء القوم يعود إلى:

1 ـ صعوبة الطريق المؤدّية إلى مناطق التنقيب وشدّة حرارة الجو هناك.

2 ـ تنفّر سكنة المنطقة حالياً من الأجانب، ممّا جعل الأوربيين غير المطّلعين

______________________________________

1 ـ إقتباس من تفسير مجمع البيان وقصص القرآن وتفاسير اُخرى.

[  432 ]

وغير العارفين يطلقون صفة «التوحّش» على هذه الأحاسيس الصادرة من أهل المنطقة، حتّى إستطاع عدّة معدودة من علماء الآثار يدفعهم التعلّق الشديد بكشف الأسرار الأثرية النفوذ إلى قلب مدينة «مأرب» وما حولها. وإكتشفوا مجموعة من الأحجار الحاوية للخطوط والنقوش الكثيرة، وبعد ذلك تعاقبت مجاميع المنقّبين في القرن التاسع عشر الميلادي ناقلين معهم في كلّ مرّة مجموعة من النقوش والخطوط والآثار، وبالإستفادة من تلك الآثار، التي ناهزت الألف أثر، أطلع العلماء على جزئيات وخصوصيات حضارة هؤلاء القوم، وعلى تأريخ بناء «سدّ مأرب» وخصوصيات اُخرى، وثبت للغربيين بأنّ ما ذكره القرآن الكريم بهذا الخصوص لم يكن اُسطورة، بل واقع تاريخي لم يكونوا قد اطّلعوا عليه، وبعد ذلك إستطاعوا رسم مخطّط كامل لذلك السدّ العظيم وتشخيص منافذ عبور المياه فيه، والجداول الخاصّة بالبساتين والمزارع يميناً وشمالا وسائر خصوصيات المنطقة الاُخرى.

 

3 ـ لفتات هامّة للعبرة في قصّة قصيرة

إنّ التعرّض لسرد قصّة قوم سبأ بعد قصّة سليمان (عليه السلام) له مفهوم خاصّ:

1 ـ إنّ داود وسليمان (عليهما السلام) كانا نبيّين عظيمين إستطاعا تشكيل حكومة قويّة، وإيجاد حضارة مشرقة تلاشت بوفاتهم، وكذلك الحضارة الكبرى التي أقامها قوم سبأ تلاشت بإنهيار سدّ مأرب!!

والجدير بالملاحظة أنّ الروايات تشير إلى أن عصا سليمان (عليه السلام) أكلتها حشرة «الأُرضة»، كما أنّ سدّ مأرب نخرته الجرذان الصحراوية، كي يعلم هذا الإنسان المغرور بأنّ النعم المادية مهما كانت عظيمة ومصدراً للخير، فإنّها أحياناً تتلاشى بواسطة حشرة أو حيوان ضعيف يقلب عاليها أسفلها. وبالنتيجة ينتبه المؤمنون

[  433 ]

والعارفون ولا يقعوا أسرى في شراك هذه النعم، ويفيق المغرورون من سُكر غفلتهم ولا يسلكوا طريق الظلم والعدوان.

2 ـ نلاحظ هنا حضارتين عظيمتين، إحداهما رحمانية، والاُخرى شيطانية المصير، لكنّهما واجهتا الفناء ولم تخلدا.

3 ـ وممّا يستحقّ الإنتباه، هو أنّ المغرورين من قوم سبأ الذين لم يستطيعوا تحمّل وجود المستضعفين بينهم، وتمنّوا حاجزاً منيعاً بين الأقليّة الأشراف والأكثرية الفقراء يحول دون إختلاطهم، ودعوا الله أن يباعد بين قراهم حتّى يشقّ السفر على الفقراء، وقد إستجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم وفرّق جمعهم، ومزّقهم أيادي سبأ، حتّى أنّهم لو أرادوا الإلتقاء لتطلّب منهم ذلك أن يصرفوا عمراً كاملا في السفر.

4 ـ حينما يدقّق المتأمّل في وضع تلك الأرض قبل هجوم «سيل العرم» وبعده، لا يمكنه أن يصدّق بسهولة أنّ هذه الأرض بعد السيل هي تلك الأرض الخضراء المليئة بالأشجار المورقة المثمرة، وكيف أضحت الآن صحراء موحشة ليس فيها إلاّ بضعة أشجار مبعثرة من الشجر المرّ والأراك وقليل من شجر السدر تتراءى من بعيد كمسافرين أضاعوا طريقهم وتبعثروا هنا وهناك.

وهذا يجسّد بلسان الحال: أنّ «كيان الإنسان» كهذه الأرض، فإذا إستطاع السيطرة على قواه الخلاّقة وإستخدمها بالشكل الصحيح، فإنّه ينبت بساتين مليئة بالطراوة من العلم والعمل والفضائل الأخلاقية، ولكن إذا كُسر سدّ التقوى، وإنهالت الغرائز كالسيل المدمّر، وغطّت أرض حياة الإنسان، فلن يبقى غير الخراب، وأحياناً فإنّ أعمالا ظاهرها أنّها بسيطة تبدأ بالتأثير تدريجياً على الاُسس، حتّى ينهار كلّ شيء، لذا يجب الخوف والحذر حتّى من هذه الاُمور الصغيرة التافهة ظاهراً.

[  434 ]

5 ـ آخر ما نروم الإشارة إليه، هو أنّ ذلك المصير العجيب يثبت مرّة اُخرى حقيقة أنّ (الموت) مخفي في جوهر حياة الإنسان، ونفس الشيء الذي يكون سبباً لحياة الإنسان وعمرانها يوماً، يكون عامل موته وهلاكه في يوم آخر.

 

* * *

[  435 ]

 

 

الآيتان

 

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـن إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالاْخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْء حَفِيظٌ(21)

 

التّفسير

لا أحد مجبر على اتّباع الشّيطان:

هذه الآيات في الحقيقة تمثّل نوعاً من الإستنتاج العام من قصّة «قوم سبأ» التي مرّت في الآيات السابقة، ورأينا كيف أنّهم بإستسلامهم لهوى النفس ووسوسة الشيطان، أصبحوا معرضاً لكلّ تلك الخيبة وسوء التوفيق.

يقول تعالى في الآية الاُولى من هذه الآيات: (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فريقاً من المؤمنين).

بتعبير آخر، فإنّ إبليس بعد إمتناعه من السجود لآدم وطرده من محضر الكبرياء الإلهي، توقّع وقال: (فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك منهم المخلصين)(1) وإنّ هذا التوقّع قد صحّ بالنسبة لهؤلاء القوم. فمع أنّه (لعنه الله) قد قال

______________________________________

1 ـ النمل، 19.

[  436 ]

حديثه هذا تخميناً وتوقّعاً، ولكن هذا التخمين أصبح واقعاً في النتيجة. واتّبعه ضعفاء الإيمان والإرادة وسقطوا في فخاخه زرافات ووحداناً، إلاّ مجموعة صغيرة من المؤمنين إستطاعت تحطيم سلاسل الوساوس الشيطانية، وتفادت الوقوع في مصيدته، جاءوا أحراراً وعاشوا أحراراً ورحلوا أحراراً، ومع أنّهم كانوا قلّة من حيث العدد، إلاّ أنّ كلّ واحد منهم كان يعدل دنيا بأسرها من حيث القيمة المعنوية «اُولئك هم الأقلّون عدداً والأكثرون عند الله قدراً»(1).

وتشير الآية التالية إلى مطلبين فيما يخصّ الوساوس الشيطانية، والأشخاص الذين يقعون تحت سلطته، والأشخاص الذين ليس له عليهم سلطان، فتقول الآية المباركة: (وما كان له عليهم من سلطان).

إذن فنحن الذين نجيز له الدخول ونعطيه تأشيرة العبور من حدود دولة الفردية إلى داخل قلوبنا. وذلك هو عين ما ينقله القرآن عن لسان الشيطان نفسه (وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي)(2)، ولكن من الواضح أنّه بعد إجابة دعوته من قبل عديمي الإيمان، وعبيد الهوى، لا يهدأ له بال، بل يسعى إلى إحكام سلطته على وجودهم.

لذا فإنّ الآية تؤكّد أنّ الهدف من إطلاق يد إبليس في وسوساته، إنّما هو لأجل معرفة المؤمنين من غيرهم ممّن هم في شكّ: (إلاّ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممّن هو منها في شكّ)(3).

بديهي أنّ الله تعالى مطّلع تماماً على كلّ ما يقع في هذا العالم منذ الأزل حتّى الأبد، وعليه فإنّ جملة «لنعلم» ليس مفهومها أنّ الله تعالى يقول: «بأنّنا لم نكن

______________________________________

1 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار.

2 ـ إبراهيم، 22.

3 ـ على هذا المعنى الذي ذكرناه في تفسير الآية، فإنّ الإستثناء هنا «إستثناء متّصل» بقرينة ما ورد في الآية (42) من سورة الحجر: (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين)، بلحاظ أنّ ظاهر هذه الآية أنّ للشيطان سلطة على الغاوين ـ طبعاً بعض المفسّرين احتملوا أن يكون «الإستثناء منقطعاً أيضاً».

[  437 ]

نعلم بالمؤمنين بالآخرة من الذين هم في شكّ منها، ويجب أن تكون هناك للشيطان وسوسة حتّى نعلم ذلك» كلاّ، بل المقصود من هذه الجملة هو التحقّق العيني لعلم الله، لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعاقب أحداً بناءً على علمه بالبواطن، والأعمال المستقبلية لذلك الشخص، بل يجب توفّر ميدان للإمتحان، ومن خلال وساوس الشياطين وهوى النفس يُظهر الإنسان ما بداخله ـ بكامل الإرادة والإختيار ـ إلى الواقع الفعلي، ويتحقّق علم الله سبحانه وتعالى عيناً، لأنّه لولا تحقّق الأعمال بالفعل لا يحصل الإستحقاق للثواب والعقاب.

وبتعبير آخر: فإنّ الثواب والعقاب لا يقع على حسن الباطن أو سوئه، فلابدّ لما هو موجود بالقوّة أن يتحقّق بالفعل.

ثمّ تختتم الآية بتنبيه للعباد (وربّك على كلّ شيء حفيظ). حتّى لا يتصوّر أتباع الشيطان بأنّ أعمالهم وأقوالهم تتلاشى في هذه الدنيا، أو أنّ الله ينسى، كلاّ، بل إنّ الله يحتفظ بكلّ ذلك إلى يوم الجزاء.

 

* * *

[  438 ]

 

 

الآيات

 

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِى السَّمَـوَتِ وَلاَ فِى الاَْرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِير(22) وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَـعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ(23) قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ قَلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِى ضَلَـل مُّبِين(24) قُل  لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ(26) قُلْ أَرُونِىَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)

 

التّفسير

نبئوني لماذا؟

قلنا في بداية السورة بأنّ هناك مجموعة من آياتها تتحدّث حول المبدأ والمعاد والإعتقادات الحقّة، ومن ربطها مع بعضها نحصل على حقائق جديدة.

[  439 ]

في هذا المقطع من الآيات يجرّ القرآن المشركين في الواقع إلى المحاكمة، وبالضربات الماحقة للأسئلة المنطقية، يحشرهم في زاوية ضيّقة، ثمّ يبيّن تفسّخ منطقهم الواهي بخصوص شفاعة الأصنام.

في هذه المجموعة من الآيات، خوطب الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) خمس مرّات، وقيل له: (قل) لهم ... وفي كلّ مرّة تعرض الآيات مطلباً جديداً يتعلّق بمصير الأصنام وعبّادها، بشكل يُشعر معه بأن ليس هناك عقيدة أفرغ ولا أجوف من عبادة الأصنام، بل لا يمكن أساساً تسمية هذه العبادة (عقيدة) أو (مذهباً).

في الآية الاُولى يقول تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله)(1) ولكن اعلموا أنّ هذه الأصنام أو الشركاء لا يستجيبون لدعائكم أبداً، ولا يحلّون لكم مشكلة، ثمّ تنتقل الآية إلى عرض الدليل على هذا القول، فيقول تعالى: لأنّهم (لا يملكون مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير).

فلو كانوا يستطيعون شيئاً لكان لهم أحد هذه الأوصاف الثلاثة: إمّا مالكية مستقلّة لشيء في السماء أو الأرض، أو على الأقل مشاركة مع الله في أمر الخلق، أو معاونة الخالق في شيء من هذه الاُمور.

في حال أنّ الواضح هو أنّ «واجب الوجود» واحد لا غير، والباقون جميعهم «ممكن الوجود» مرتبطون به. ولو قطع الله تعالى نظر لطفه عنهم لحظة لأحلّهم دار البوار والعدم.

واللطيف هو قوله تعالى: (مثقال ذرّة في السموات والأرض)، فموجودات  لا تملك في هذه السماء اللامحدودة، وهذه الأرض المترامية الأطراف ما يعادل «مثقال ذرّة»، فأي مشكلة يمكنها حلّها لنفسها، ناهيك عن سواها!!

______________________________________

1 ـ في الحقيقة إنّ في الجملة مستترين: الأوّل بعد «زعمتم» تقديره «أنّهم آلهة» والثّاني بعد «من دون الله» تقديره «لا يستجيبون دعاءكم» والجملة تكون هكذا «قل ادعوا الذين زعمتم أنّهم آلهة من دون الله لا يستجيبون لكم».

[  440 ]

هنا يتبادر إلى الذهن فوراً السؤال التالي: إذا كانت الأمر كذلك، فماذا تكون قضيّة شفاعة الشفعاء؟

وللإجابة على هذا التساؤل تقول الآية التي بعدها: لو كان هناك شفعاء لدى الله تعالى فانّهم لا يشفعون إلاّ بإذنه وأمره (ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له).

وعليه فإنّ العذر الذي يتعلّل به الوثنيون بقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(1)، ينتهي بهذا الجواب، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى، لم يجز شفاعتها أبداً.

أمّا جملة (إلاّ لمن أذن له) فهي إشارة إلى الشافعين أو إلى المشفوع لهم. إحتمل المفسّرون الإحتمالين، وإن كان يناسب ما ورد في الآية السابقة من الحديث حول الأصنام واُولئك الذين توهّموا أنّها شفعاؤهم، أن تكون الإشارة إلى «الشافعين».

ثمّ هل أنّ المقصود من «الشفاعة» هنا شفاعة الدنيا، أم الآخرة؟ كلاّ الإحتمالين واردان، ولكن الجملة التي تلي ذلك تدلّل على أنّ المقصود هو شفاعة الآخرة.

لذا تقول العبارة بعدها بأنّه في ذلك اليوم تهيمن الوحشة والإضطراب على القلوب، ويستولي القلق على الشافعين والمشفوع لهم بإنتظار أن يروا لمن يأمر الله بجواز الشفاعة؟ وعلى من ستجوز تلك الشفاعة؟ وتستمر حالة القلق والإضطراب، حتّى حين .. فيزول ذلك الفزع والإضطراب عن القلوب بصدور الأمر الإلهي. (حتّى إذا فزّع عن قلوبهم)(2).

على كلّ حال فذلك يوم الفزع، وعيون الذين يطمعون بالشفاعة تعلّقت بالشفعاء، ملتمسة منهم الشفاعة بلسان الحال أو بالقول. ولكن الشفعاء أيضاً ينتظرون أمر الله، كيف؟ ولمن سيجيز الشفاعة؟ ويبقى ذلك الفزع وذلك

______________________________________

1 ـ يونس، 18.

2 ـ (فزع) من مادّة «فزع»، وفي وقت تعدّيها بحرف الجرّ (عن) تكون بمعنى إزالة الفزع والوحشة والإضطراب، كذلك لو وردت بصورة الثلاثي المجرّد وتعدّت بحرف الجرّ (عن) يكون لها نفس المعنى أيضاً.

[  441 ]

الإضطراب عاماً، إلى أن يصدر عن الحكيم المتعالي أمره بخصوص المتأهّلين للشفاعة.

هنا وحينما يتواجه الفريقان ويتساءلان، (أو أنّ المذنبين يسألون الشافعين) (قالوا: ماذا قال ربّكم) فيجيبونهم: (قالوا: الحقّ)، وما الحقّ إلاّ جواز الشفاعة لمن لم يقطعوا إرتباطهم تماماً مع الله، لا للذين قطعوا كلّ حلقات الإرتباط، وأضحوا غرباء عن ورسوله وأحبّائه.

وتضيف الآية في الختام (وهو العلي الكبير) وهذه العبارة متمّمة لما قاله «الشفعاء»، حيث يقولون: لأنّ الله عليٌّ وكبير فأي أمر يصدره هو عين الحقّ، وكلّ حقّ ينطبق مع أوامره.

ما عرضناه هو أقرب تفسير يتساوق وينسجم مع تعابير الآية، وللمفسّرين بهذا الخصوص تفسيرات اُخرى، والعجيب أنّ بعضها لم يأخذ بنظر الإعتبار الترابط بين صدر الآية وذيلها وما قبلها وما بعدها.

في الآية التالية يلج القرآن الكريم طريقاً آخر لإبطال عقائد المشركين، ويجعل مسألة «الرازقية» عنواناً بعد طرحه لمسألة «الخالقية» التي مرّت معنا في الآيات السابقة. وهذا الدليل ـ أيضاً ـ يطرحه القرآن بصيغة السؤال والجواب من أجل إيقاظ وجدان هؤلاء والفاتهم إلى إشتباههم من خلال تثوير الجواب في ذواتهم.

يقول تعالى: (قل من يرزقكم من السموات والأرض).

بديهي أن لا أحد منهم يستطيع القول بأنّ هذه الأصنام الحجرية والخشبية هي التي تنزل المطر من السماء، أو تنبت النباتات في الأرض، أو تسخّر المنابع الأرضية والسماوية لنا.

الجميل أنّه ـ بدون إنتظار الجواب منهم ـ يردف تعالى قائلا: (قل الله).

قل الله الذي هو منبع كلّ هذه البركات، أي أنّ الأمر واضح إلى درجة لا يحتاج

[  442 ]

إلى جواب من طرف آخر، بل إنّ للسائل والمجيب رأياً واحداً، لأنّ المشركين يعتقدون بأنّ الله هو الخالق والرازق، والأصنام لها مقام الشفاعة فقط.

من الجدير بالملاحظة ـ أيضاً ـ أنّ الأرزاق التي تصل إلى الناس من السماء ليست محصورة بالغيث، بل إنّ النور والحرارة الصادرة عن الشمس، والهواء الموجود في جوّ الأرض، هي الاُخرى لا تقلّ أهميّة عن قطرات المطر.

كما أنّ بركات الأرض كذلك، ليست محصورة في النباتات، بل إنّ المنابع المائية تحت سطح الأرض، والمعادن المختلفة التي كانت معروفة في ذلك الوقت والتي عرفت بعد مرور الزمان تندرج تحت هذا العنوان أيضاً.

آخر الآية تشير إلى موضوع يمكنه أن يكون أساساً لدليل واقعي ومتوائم مع غاية الأدب والإنصاف، بطريقة تستنزل الطرف المقابل من مركب الغرور والعناد الذي يمتطيه، وتدفعه إلى التفكّر والتأمّل، يقول تعالى: (وإنّا أو إيّاكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين)(1).

وهذا إشارة إلى: أنّ عقيدتنا وعقيدتكم متضادّتان، وعليه ـ بناءً على إستحالة الجمع بين النقيضين ـ فلا يمكن أن تكون الدعوتان على حقّ، لذا فمن المحتّم أن يكون أحد الفريقين أهل هدى، والثّاني أسير الضلال.

والآن عليكم أن تفكّروا في أيّ الفئتين على هدىً، وأيّهما على ضلال؟ .. انظروا إلى علامات وخصائص كلّ منهما، ومدى تطابقها مع علامات الهدى والضلال.

وهذا أحد أفضل أساليب المناظرة والبحث، بأن يضع الطرف الآخر في حالة من التفكّر والتفاعل، وما يتوهّمه البعض أنّ ذلك نوع من التقيّة فهو منتهى الإشتباه.

الملفت للنظر هو ذكر «على» من «الهدى» و «في» مع «الضلال»، إشارة إلى أنّ

______________________________________

1 ـ هذه الجملة تقديراً تعود إلى جملتين كما يلي «وانّا لعلى هدىً أو في ضلال مبين، وإنّكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين» (مجمع البيان، مجلّد7، ص388).

[  443 ]

المهتدين كأنّهم يركبون مركباً سريعاً، أو يستعلون مناراً عالياً ويتسلّطون على كلّ شيء، في حال كون الضالّين مغمورين في ظلمة جهلهم.

ومن الجدير بالملاحظة كذلك هو أنّه تعالى تحدّث عن «الهدى» أوّلا ثمّ «الضلال»، وذلك أنّه قال: «إنّا» في بداية الجملة أوّلا، ثمّ قال «إيّاكم»، لتكون تلميحاً إلى هدى الفريق الأوّل، وضلالة الفريق الثاني.

ورغم أنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ وصف «المبين» يرتبط فقط (بالضلال)، بلحاظ أنّ الضلال أنواع وضلال الشرك أوضحها. ولكن يحتمل أيضاً أن يكون هذا الوصف للهدى والضلال على حدّ سواء، لأنّ «الصفة» في مثل هذه الموارد  لا تتكرّر لتكون أكثر بلاغة، وعليه فيكون (الهدى) مبنياً و (الضلال) مبنياً، كما ورد في كثير من آيات القرآن(1).

وتستمرّ الآية التي بعدها بالإستدلال بشكل آخر ـ ولكن بنفس النمط المنصف الذي يستنزل الخصم من مركب العناد والغرور. يقول تعالى: (قل لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نُسأل عمّا تعملون).

والعجيب هنا أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله) مأمور بإستعمال تعبير «جرم» فيما يخصّه، وتعبير «أعمال» فيما يخصّ الطرف الآخر، وبذا تتّضح حقيقة أنّ كلّ شخص مسؤول أن يعطي تفسيراً لأعماله وأفعاله، لأنّ نتائج أعمال أي إنسان تعود عليه، حسنها وقبيحها، وفي الضمن إشارة لطيفة إلى إنّنا إنّما نصرّ على إرشادكم وهدايتكم،  لا لأنّ ذنوبكم تقيّد في حسابنا، ولا لأنّ شرّكم يضرّ بنا، نحن نصرّ على ذلك بدافع الغيرة عليكم وطلباً للحقّ.

الآية التالية ـ في الحقيقة ـ توضيح لنتيجة الآيتين السابقتين، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ والآخر على الباطل، وإلى أنّ كلاًّ منهما مسؤول عن

______________________________________

1 ـ راجع الآيات التالية: النمل: 1، النور: 12، هود: 6، القصص: 2، النمل: 79.

[  444 ]

أعماله، إنتقل إلى توضيح كيفية التحقّق من وضع الجميع، والتفريق بين الحقّ والباطل ومجازاة كلّ فريق طبق مسؤوليته، فيقول تعالى، قل لهم بأنّ الله سوف يجمعنا في يوم البعث، ويحكم بيننا بالحقّ، ويفصل بعضنا عن بعض، حتّى يعرف المهتدون من الضالّين، ويبلغ كلّ فريق بنتائج أعماله. (قل يجمع بيننا ربّنا ثمّ يفتح بيننا بالحقّ).

وإذا كنتم اليوم ترون أنّكم مخلوطون بعضكم البعض، وكلاًّ يدّعي بأنّه على الحقّ وبأنّه من أهل النجاة، فإنّ هذا الوضع لن يدوم إلى الأبد، ولابدّ أن يأتي يوم التفريق بين الصفوف. فربوبية الله إقتضت فصل «الطيب» من «الخبيث» و «الخالص» من «المشوب» و «الحقّ» عن «الباطل» في النهاية. ويستقرّ كلّ منهما في مكانه اللائق.

فكّروا الآن ماذا ستعملون في ذلك اليوم؟ وفي أي صفّ ستقفون؟ وهل أحضرتم إجابة لمساءلة الله في ذلك اليوم؟.

وفي آخر الآية يضيف ليؤكّد حتمية ذلك التفريق فيقول: (وهو الفتّاح العليم). هذان الإسمان ـ وهما من أسماء الله الحسنى ـ أحدهما يشير إلى قدرة الله تعالى على عملية فصل الصفوف، والآخر إلى علمه اللا متناهي. إذ أنّ عملية تفريق صفوف الحقّ عن الباطل لا يمكن تحقّقها بدون هاتين الصفتين. وإستخدام كلمة «الربّ» في الآية أعلاه إشارةً إلى أنّ الله هو المالك والمربّي للجميع، وذلك ممّا يقتضي أن يكون برنامج مثل ذلك اليوم معدّاً، وفي الحقيقة هي إشارة لطيفة إلى إحدى دلائل «المعاد».

لفظة «فتح»، كما يشير الراغب في مفرداته «الفتح إزالة الإغلاق والإشكال، وذلك ضربان: أحدهما يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه، وكفتح القفل، والغلق والمتاع. والثّاني: يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغمّ، وذلك ضروب: أحدها: في الاُمور الدنيوية كغمّ يُفرج وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه، والثاني: فتح

[  445 ]

المستغلق من العلوم، ... إلى أن يقول: و «فتح القضيّة فتاحاً» فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها». وعليه فإنّ إستخدام هذه المفردة هنا لأنّ الحكم والقضاء يتمّ أيضاً هناك، فضلا عن الفصل والتفريق بينهما الذي هو أحد معاني كلمة «فتح» ـ ومجازاة كلّ بما يستحق.

الجدير بالملاحظة، هو أنّ بعض الرّوايات أشارت إلى ذكر «يافتّاح» في الأدعية لحلّ بعض المعضلات، لأنّ هذا الإسم الإلهي العظيم وهو بصيغة المبالغة من الفتح ـ يدلّل على قدرة الله على حلّ أي مشاكل ورفع أي حسرة وغمّ، وتهيئة أسباب أي فتح ونصر، وفي الواقع فإنّه هو وحده (الفتّاح)، ومفتاح كلّ الأبواب المغلقة في يد قدرته تعالى.

في الآية الأخيرة من هذه الآيات والتي هي عبارة عن الأمر الخامس للرسول (صلى الله عليه وآله) يعود القرآن إلى الحديث مرّة اُخرى في مسألة التوحيد التي ابتدأ بها ليختمه بها، يقول تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء).

فما هي قيمة هؤلاء وقابلياتهم؟ فإن كان مقصودكم حفنة الحجر والخشب الجامدة الميتة. فإنّ ذلك لممّا يدعو إلى الخجل ويدلّل على سوء التوفيق أن تتوهّموا تشابه أحقر الموجودات ـ وهي الجمادات ممّا صنعت أيديكم ـ مع الله تعالى. وإن إعتقدتم بأنّها تمثّل الأرواح والملائكة فالمصيبة أعظم، لأنّ هؤلاء أيضاً مخلوقات له سبحانه وتعالى، ومنفذة لأوامره.

لذا فبعد هذه الجملة مباشرة، وبكلمة واحدة يشطب على هذه الأباطيل فيقول: (كلاّ) فهذه الأشياء لا تستحقّ أن تعبد أبداً وهذه الأوهام والتصورات ليس لها شيء من الواقعية، فإلى متى تسلكون هذه الطريقة الخاطئة.

وكلمة «كلاّ» مع صغرها استبطنت كلّ هذه المعاني.

ثمّ لأجل تأكيد وتثبيت هذا المعنى يقول مختتماً الحديث (بل هو الله العزيز الحكيم). فعزّته وقدرته الخارقة، تقتضي الدخول في حريم ربوبيته، وحكمته

[  446 ]

تقتضي توجيه هذه القدرة في محلّها.

نعم، فإنّ إمتلاك هذه الصفات علامة كونه واجب الوجود، وواجب الوجود وجود لا نهاية له ولا حدّ، وغير قابل للتعدّد، ولا شريك له ولا شبيه، لأنّ أي تعدّد له يعني حدّه وإمكانيته، بينما «الوجود اللا متناهي» دائماً وأبداً واحد لا غير «تأمّل».

* * *

 

بحث

طريق تسخير القلوب:

كثيراً ما يلاحظ أفراد فضلاء وعلى مستوى من العلم والمعرفة، لا يمكنهم النفوذ في أفكار الآخرين، لعدم إطّلاعهم على الفنون الخاصّة بالبحث والإستدلال، وعدم رعايتهم للجوانب النفسية، على عكس البعض الآخر الذين ليسوا على وفرة من العلم، إلاّ أنّهم موفّقين من ناحية جذب القلوب وتسخيرها والنفوذ في أفكار الآخرين.

والعلّة الأساسية لذلك هي أنّ طريقة البحث، واُسلوب التعامل مع الطرف المقابل يجب أن تكون مقرونة باُصول وقواعد تتّسق مع الخُلُق والروح، فلا تستثار الجوانب السلبية في الطرف المقابل، كي لا يندفع إلى العناد والإصرار، إذ أنّ مراعاة الجانب النفسي ستؤدّي إلى إيقاظ وجدانه وإثارة روح البحث عن الحقيقة وإحيائها فيه.

والمهمّ هنا أن نعلم أنّ الإنسان ليس فكراً وعقلا صرفاً كي يستسلم أمام قدرة الإستدلال، بل علاوةً على ذلك فإنّ مجموعة من العواطف والأحاسيس التي تشكّل جانباً مهمّاً من روحه مطوية في وجوده، والتي يجب إشباعها بشكل صحيح ومعقول.

[  447 ]

والقرآن الكريم علّمنا كيفية مزج البحوث المنطقية بالاُصول الأخلاقية في المحاورة، حتّى تنفذ في أرواح الآخرين.

شرط التأثير والنفوذ في روح الطرف المقابل هو إحساس الطرف المقابل بأنّ المتحدّث يتحلّى بالصفات التالية:

1 ـ مؤمن بما يقول، وما يقوله صادر من أعماقه.

2 ـ هدفه من البحث طلب الحقّ، وليس التفوّق والتعالي.

3 ـ لا يقصد تحقير الطرف المقابل، وإعلاء شأن نفسه.

4 ـ ليس له مصلحة شخصية فيما يقول، بل إنّ ما يقوله نابع من الإخلاص.

5 ـ يكنّ الإحترام للطرف المقابل، لذا فهو يستخدم الأدب والرقّة في تعبيراته.

6 ـ لا يريد إثارة العناد لدى الطرف المقابل، ويكتفي من البحث في موضوع بالمقدار الكافي، دون الإصرار على إثبات أنّ الحقّ إلى جانبه. ليعرض حديثه.

7 ـ منصف، لا يفرط بالإنصاف أبداً، حتّى وإن لم يراع الطرف المقابل هذه الاُصول.

8 ـ لا يقصد تحميل الآخرين أفكاره، بل يرغب في إيجاد الدافع لدى الآخرين حتّى يوصلهم إلى الحقيقة بمنتهى الحرية.

الدقّة المتناهية في هذه الايات، واُسلوب تعامل الرّسول (صلى الله عليه وآله) ـ بأمر الله ـ مع المخالفين، المقترن بكثير من اللفتات الجميلة، تعتبر دليلا حيّاً على ما ذكرناه. فهو أحياناً يصل إلى حدّ لا يشير بدقّة إلى المهتدي أو المضلّ في أحد الفريقين، بل يقول: (وإنّا وإيّاكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين) حتّى يثير في الذهن التساؤل عن علامات الهدى أو الضلال في أي الفريقين.

أو يقول: (قل يجمع بيننا ربّنا ثمّ يفتح بيننا بالحقّ).

طبعاً لا يمكن إنكار أنّ كلّ ذلك بالنسبة إلى الأشخاص المؤمّل إهتداؤهم، وإلاّ فإنّ القرآن يتعامل مع الأعداء المعاندين والظلمة القساة الذين لا يؤمّل منهم القبول بذلك بطريقة اُخرى. اُسلوب محاورات الرّسول (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) مع

[  448 ]

مخالفيهم يمثّل نموذجاً حيّاً في هذا المجال، وكمثال على ذلك لاحظوا ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا الخصوص في كتب الحديث:

ففي أوائل كتاب توحيد المفضّل نقرأ «روى محمّد بن سنان قال: حدّثني المفضّل بن عمر قال: كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر، وأنا مفكّر فيما خصّ الله تعالى به سيّدنا محمّداً (صلى الله عليه وآله)، من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الاُمّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته، وخطير مرتبته، فإنّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء، «رجل ملحد معروف». إلى أن يذكر أحاديث هذا الرجل التي سمعها المفضّل ... إلى أن (قال المفضّل): فلم أملك نفسي غضباً وغيظاً وحنقاً، فقلت: ياعدوّ الله ألحدت في دين الله، وأنكرت الباري جلّ قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم وصوّرك في أتمّ صورة، ونقلك في أحوالك حتّى بلغ إلى حيث إنتهيت. فلو تفكّرت في نفسك وصدقك ولطيف حسّك، لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده جلّ وتقدّس في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة، فقال: ياهذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا تخاطبنا، ولا بمثل دليلك تجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدّى في جوابنا، وإنّه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا ويتعرّف حجّتنا، حتّى إذا إستفرغنا ما عندنا، وظننا أنّا قطعناه، دحض حجّتنا بكلام يسير، وخطاب قصير يلزمنا به الحجّة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّاً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه»(1).

* * *

______________________________________

1 ـ توحيد المفضّل ـ أوائل الكتاب.

[  449 ]

 

 

الآيات

 

وَمَا أَرْسَلْنَـكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ(29) قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْم لاَّ تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً  وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ(30)

 

التّفسير

الدّعوة العالمية:

الآية الاُولى من هذه الآيات، تتحدّث في نبوّة الرّسول (صلى الله عليه وآله)، والآيات التي تليها تتحدّث حول الميعاد، ومع الأخذ بنظر الإعتبار أنّ الآيات السابقة تحدّثت عن التوحيد، نصبح أمام مجموعة كاملة من بحوث العقائد، تتناسب مع كون السورة مكية.

أشارت الآيات إبتداءً إلى شمولية دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله) وعمومية نبوّته لجميع البشر فقالت: (وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

«كافّة» من مادّة «كفّ» وتعني الكفّ من يد الإنسان، وبما أنّ للإنسان يقبض

[  450 ]

على الأشياء بكفّه تارةً ويدفعها عنه بكفّه تارةً اُخرى، فلذا تستخدم هذه الكلمة للقبض أحياناً، وللمنع اُخرى.

وقد إحتمل المفسّرون الإحتمالين هنا، الأوّل بمعنى «الجمع» وفي هذه الحالة يكون مفهوم الآية «إنّنا لم نرسلك إلاّ لجميع الناس». أي عالمية دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله). ويقوّي هذا المعنى روايات عديدة وردت في تفسير الآية من طرق الفريقين.

وعليه فمحتوى الآية شبيه بالآية (1) سورة الفرقان (تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً). وكذلك الآية (19) من سورة الأنعام (واُوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ).

جاء في حديث عن ابن عبّاس ينقله المفسّرون بمناسبة هذه الآية، أنّ عمومية دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله) ذكرت كواحدة من مفاخره العظيمة.

فعنه (صلى الله عليه وآله) يقول: «اُعطيت خمساً ولا أقول فخراً، بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، واُحلّ لي المغنم ولا يحلّ لأحد قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، واُعطيت الشفاعة فادّخرتها لاُمّتي يوم القيامة»(1).

وإن كان لم يرد في الحديث أعلاه تصريح بتفسير الآية، فثمّة أحاديث اُخرى بهذا الخصوص، إمّا أن تصرّح بأنّها في تفسير الآية، أو يرد فيها تعبير «للناس كافّة» الذي ورد في نفس الآية(2). وجميعها تدلّل على أنّ مقصود الآية أعلاه، هو عالمية دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله).

وذُكر للآية تفسير آخر مأخوذ من المعنى الثّاني لكلمة «كفّ» وهو (المنع)، وطبقاً لهذا التّفسير تكون «كافّة» صفة للرسول (صلى الله عليه وآله)(3) ويكون المقصود أنّ الله

______________________________________

1 ـ تفسير مجمع التبيان، مجلّد 8، ص391.

2 ـ اُنظر تفسير نور الثقلين، مجلّد 4، ص255 و256.

3 ـ أحياناً تلحق (التاء) اسم الفاعل لتكون صيغة مبالغة لا علامة للتأنيث كما في «رواية».

[  451 ]

سبحانه وتعالى أرسل الرّسول (صلى الله عليه وآله) كمانع ورادع وكافّ للناس عن الكفر والمعصية والذنوب، ولكن يبدو أنّ التّفسير الأوّل أقرب.

على كلّ حال ـ كما أنّ لكلّ الناس غريزة جلب النفع ودفع الضرر ـ فقد كان للرسل أيضاً مقام «البشارة» و «الإنذار». لكي يوظّفوا هاتين الغريزتين ويحرّكوهما، ولكن أكثر المغفّلين الجهّال ـ بدون الإلتفات إلى مصيرهم ـ ينهضون للوقوف في وجههم ويتنكّرون تلك المواهب الإلهية العظيمة.

وبناءً على ما أشارت إليه الآيات السابقة من أنّ الله سبحانه وتعالى يجمع الناس ويحكم بينهم تورد هذه الآية سؤال منكري المعاد كما يلي: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين).

لقد طرح هذا السؤال من قبل منكري المعاد على الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أو الأنبياء الآخرين مراراً، حيناً لفهم وإدراك هذا المطلب، وأغلب الأحيان للإستهزاء والسخرية من قبيل: أين هذه القيامة التي تؤكّدون على ذكرها مراراً وتكراراً، لو كانت حقّاً فقولوا متى ستأتي؟ إشارة منهم إلى أنّ الإنسان الصادق في إخباره يجب أن يعلم بجميع جزئيات الموضوع الذي يُخبر عنه.

ولكن القرآن الكريم يمتنع دائماً عن الإجابة الصريحة على هذا السؤال وتعيين زمان وقوع البعث، ويؤكّد أنّ هذه الاُمور هي من علم الله الخاصّ به سبحانه وتعالى، وليس لأحد غيره الإطلاع عليها.

لذا فقد تكرّر في الآية التي بعدها، هذا المعنى بعبارة اُخرى، يقول تعالى: (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون).

إنّ إخفاء تأريخ قيام الساعة ـ حتّى على شخص الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ كما أسلفنا ـ لأنّ الله سبحانه وتعالى أراد لعباده نوعاً من حرية العمل مقترنة بحالة من التهيّؤ الدائم، لأنّه لو كان تأريخ قيام القيامة معلوماً فإنّ الجميع سيغطّون في الغفلة والغرور والجهل حينما يكون بعيداً عنهم، أمّا حين إقترابه منهم فستكون أعمالهم

[  452 ]

ذات جنبة إضطرارية، وفي كلتا الحالتين تتحجّم الأهداف التربوية للإنسان، لذا بقي تأريخ القيامة مكتوماً، كما هو الحال بالنسبة إلى «ليلة القدر» تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر، أو تاريخ قيام المهدي (عليه السلام)، وعبّر عن ذلك المعنى بلطف ما ورد في الآية (15) من سورة طه (إنّ الساعة لآتية أكاد اُخفيها لتجزي كلّ نفس بما تسعى).

أمّا اُولئك الذين يتصوّرون أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) يجب أن يكون على علم بالتأريخ الدقيق ليوم القيامة لأنّه يخبر عنها، فإنّ ذلك غاية الإشتباه، ودليل على عدم معرفتهم بوظيفة النبوّة، فالنّبي مكلّف بالإبلاغ والبشارة والإنذار، أمّا مسألة القيامة فمرتبطة بالله سبحانه وتعالى، وهو وحده الذي يعلم تمام تفاصيلها، وما يراه الله لازماً لأغراض تربوية، أطلع عليه الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله).

هنا يثار سؤال، وهو أنّ القرآن الكريم في مقام تهديد المخالفين يقول: (لا تستأخرون) ولكن لماذا يقول أيضاً: (لا تستقدمون)؟ فما هو تأثير ذلك في هدف القرآن.

للإجابة يجب الإلتفات إلى نكتتين:

الاُولى: أن ذكر ذينك الإثنين معاً إشارة إلى قطعية ودقّة تأريخ أي أمر، تماماً كما تقول: «فلان قطعي الموعد، وليس لديه تقديم أو تأخير».

الثّانية: أنّ جمعاً من الكفّار المعاندين يلحّون على الأنبياء دائماً، بقولهم: لماذا لا تأتي القيامة؟ وبتعبير آخر، كانوا يستعجلون ذلك الأمر سواءً كان ذلك من قبيل الإستهزاء أو غير ذلك. والقرآن يقول لهم: «لا تستعجلوا فإنّ تأريخ ذلك اليوم هو عينه الذي قرّره الله سبحانه وتعالى».

 

* * *

[  453 ]

 

 

الآيات

 

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَـذَا الْقُرْءَانِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّـلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ(31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَـكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ(32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الاَْغْلَـلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(33)

 

التّفسير

لمناسبة البحث الوارد في الآيات السابقة، حول مواقف المشركين إزاء مسألة المعاد، تعرّج هذه الآيات إلى تصوير بعض فصول المعاد المؤلمة لهؤلاء المشركين كي يقفوا على خاتمة أعمالهم.

[  454 ]

أوّلا، يقول تعالى: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه). أي ولا بالكتب السماوية السابقة.

كلمة «لن» للنفي الأبدي، وعليه فهم يريدون القول لرسول الله (صلى الله عليه وآله): انّك حتّى لو بقيت تدعونا للإيمان إلى الأبد فلن نؤمن لك، وهذا دليل على عنادهم، بحيث أنّهم صمّموا على موقفهم إلى الأبد، في حين أنّ من يطلب الحقّ ويسعى له، إذا لم يقتنع بدليل ما لا يمكنه أن ينكر جميع الأدلّة الممكن ظهورها مستقبلا قبل أن يسمعها، فيقول: إنّي أردّ جميع الأدلّة الاُخرى أيضاً.

أمّا من المقصود بـ «الذين كفروا»؟ فقد أشار جمع من المفسّرين إلى أنّهم «المشركون»، وبعضهم أشار إلى أنّهم «اليهود وأهل الكتاب»، ولكن القرائن الواردة في الآيات اللاحقة، والتي تتحدّث عن الشرك، تُدلّل على أنّ المقصود هم المشركون.

والمقصود من «الذي بين يديه» هو تلك الكتب السماوية التي نزلت قبل القرآن على أنبياء سابقين، وقد ورد هذا التعبير في كثير من آيات القرآن مشيراً إلى هذا المعنى ـ خصوصاً بعد ذكر القرآن ـ وما احتمله البعض من أنّ المقصود منه هو «المعاد» أو «محتوى القرآن» فيبدو بعيداً جدّاً.

على كلّ حال فإنّ إنكار الإيمان بكتب الأنبياء السابقين، يحتمل أن يكون المقصود به. نفي نبوّة الرّسول (صلى الله عليه وآله) من خلال نفي الكتب السماوية الاُخرى، بإعتبار أنّ القرآن أكّد على موضوع ورود دلائل على نبوّة الرّسول (صلى الله عليه وآله) في التوراة والإنجيل، ولهذا يقولون: نحن لا نؤمن لا بهذا الكتاب ولا بالكتب التي سبقته.

ثمّ تنتقل إلى الحديث حول وضع هؤلاء في القيامة من خلال مخاطبة الرّسول(صلى الله عليه وآله) فيقول تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربّهم يرجع بعضهم

 ]455 ]

إلى بعض القول)(1).

ومرّة اُخرى يستفاد من الآية أعلاه أنّ من أهمّ مصاديق «الظلم» هو «الشرك والكفر».

التعبير «عند ربّهم» إشارة إلى أنّهم حاضرون بين يدي مالكهم وربّهم، وما أكثر وأشدّ خجلا من أن يكون الإنسان حاضراً بين يدي من كفر به، في حين أنّ كلّ وجوده غارق بنعمه.

في حين أنّ «المستضعفين» الذين اتّبعوا بجهلهم «المستكبرين» وهم الذين سلكوا طريق الغرور والتسلّط على الآخرين ورسموا لهم منهجهم الشيطاني، هناك: (يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنّا مؤمنين).

إنّهم يريدون بذلك إلقاء مسؤولية ذنوبهم على عاتق هؤلاء «المستكبرين»، مع أنّهم لم يكونوا حاضرين للتعامل معهم بمثل هذه القاطعية في دار الدنيا، لأنّ الضعف والخور والذلّة كانت حاكمة على وجودهم، وقد فقدوا حريتهم، أمّا هناك وبعد أن تبعثرت تلك المفاهيم الطبقية التي كانت سائدة في دار الدنيا، وإنكشفت نتائج أعمال الجميع، فهم يقفون وجهاً لوجه مقابل هؤلاء ويتحدّثون بصراحة ويتلاومون معهم.

لكن «المستكبرين» لا يبقون على صمتهم بل (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذا جاءكم). كلاّ، فلسنا بمسؤولين، فمع إمتلاككم حرية الإرادة، إستسلمتم لأحاديثنا الباطلة، وكفرتم وألحدتم متناسين أحاديث الأنبياء المنطقية، (بل كنتم مجرمين).

صحيح أنّ المستكبرين ارتكبوا ذنباً كبيراً بوسوستهم، ولكن حديثهم الذي تذكره الآية الكريمة له حقيقة أيضاً، حيث أنّ المتملّقين لم يكن عليهم أن يصمّوا

______________________________________

1 ـ (يرجع): تأتي كفعل لازم وكفعل متعدّي، وقد وردت هنا بالحالة الثّانية لتعطي معنى العودة، ومجيئها بعد «بعضهم إلى بعض» معناه في النتيجة بمعنى «مفاعلة».

[  456 ]

أسماعهم وأبصارهم ويلهثوا وراءهم، وإنّما عليهم أيضاً مسؤولية ذنوبهم.

ولكن المستضعفين لا يقتنعون بهذا الجواب، ويعاودون القول مرّة اُخرى لإثبات جرم المستكبرين: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا، بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً).

نعم، فأنتم الذين لم تكفوا عن بثّ السموم، ولم تفرطوا بأي فرصة من الليل أو النهار من أجل تحقيق أهدافكم المشؤومة، فصحيح أنّنا كنّا أحراراً في القبول بذلك، وبذا نكون مقصّرين وجناة، ولكن بإعتباركم عامل الفساد فأنتم مسؤولون ومجرمون، بل إنّكم واضعوا حجر الأساس لذلك، خاصّة وأنّكم كنتم تتحدّثون معنا دائماً من موقع القدرة والسلطة، (التعبير بـ «تأمروننا» شاهد على هذا المعنى).

بديهي أنّ المستكبرين لا يملكون جواباً لهذا القول، ولا يمكنهم إنكار جرمهم الكبير ذاك، لذا فإنّ الفريقين يندمون على ما قدّمت أيديهم، المستكبرون على إضلالهم للآخرين، والمستضعفون على إيمانهم وقبولهم بتلك الأباطيل المشؤومة، ولكن لكي لا يفتضحوا أكثر فانّهم يكتمون الندم حينما يواجهون العذاب الإلهي .. (وأسرّوا الندامة لمّا رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا).

فمع أنّ الكتمان لا ينفع في «يوم البروز» هناك، ومع عدم إمكانية إخفاء شيء، إلاّ أنّهم ـ جرياً على ما تعوّدوه في الدنيا من قبل ـ يتوهّمون أنّ في إستطاعتهم كتمان حالتهم، فيلجأون إلى ذلك.

نعم، فهم في الدنيا حينما يلتفتون إلى إشتباههم ويندمون لم يكونوا يمتلكون الشجاعة لإظهار ندمهم الذي هو أوّل طريق التوبة وإعادة النظر، وتلك هي الخصلة الأخلاقية الخاصّة بهم والتي يمارسونها في الآخرة أيضاً. ولكن ما الفائدة؟

بعض المفسّرين احتملوا أن يكون ذلك الكتمان للندامة بسبب الرهبة الشديدة من مشاهدة العذاب الإلهي، وإنحباس أنفاسهم في صدورهم وإنعقاد ألسنتهم

[  457 ]

نتيجة الأغلال التي غُلّت بها رقابهم والسلاسل التي لفّتهم. مع أنّهم يطلقون صرخاتهم في مواقف اُخرى من القيامة (ياويلنا إنّا كنّا ظالمين)(1).

وقال آخرون: إن «أسرّوا» بمعنى «أظهروا» بناءً على أنّ هذه اللفظة تستعمل لمعنيين متضادّين في اللغة العربية، ولكن من ملاحظة الموارد التي إستعملت فيها هذه اللفظة في القرآن وغير القرآن، يبدو هذا المعنى مستبعداً، بلحاظ أنّ «سرّ» عادة تستخدم للإشارة إلى ما يقابل «العلن». وقد ضعّف الراغب هذا المعنى أيضاً مع أنّ بعض علماء اللغة أشار إلى كلا المعنيين(2).

وعلى كلّ حال، فإنّ هؤلاء قد وجدوا نتائج أعمالهم (هل يجزون إلاّ ما كانوا يعملون).

نعم، فأعمال وجنايات الكفّار والمجرمين هي التي أضحت قيوداً وسلاسل تلفّ أعناقهم وأيديهم وأرجلهم، لقد كانوا في هذه الدنيا أسارى هوى النفس والطمع والظلم والرغبة في المقام، وفي يوم القيامة حيث تتجسّد الأعمال، يظهر ذلك الأسر بشكل آخر ... إذن، فالآية تشير أيضاً إلى قضيّة تجسّم الأعمال التي أشرنا إليها مراراً. لأنّها تقول: (هل يجزون إلاّ ما كانوا يعملون) وأي تعبير أكثر وضوحاً وحيوية من ذلك التعبير عن تجسّم الأعمال.

التعبير بـ «الذين كفروا» يشير إلى أنّ فريقي الغاوين والمغويين المستضعفين وكلّ الكفّار يلقون ذلك المصير، وعادةً فإنّ ذكر ذلك الوصف هو إشارة إلى أنّ علّة عقابهم إنّما هي «كفرهم».

* * *

______________________________________

1 ـ الأنبياء، 14.

2 ـ اُنظر لسان العرب ذيل مادّة (سرّ) فهناك بحث مفصّل بهذا الخصوص مع إختلافات أهل اللغة والأدب،  مجلّد 4، ص357.

[  458 ]

 

 

الآيات

 

وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَة مِّن نَّذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَـفِرُونَ(34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلا وَأَوْلَـداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ(35) قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(36) وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـدُكُم بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلِحاً فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِى الْغُرُفَـتِ ءَامِنُونَ(37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَـتِنَا مُعَـجِزِينَ أُوْلَـئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ(38)

 

التّفسير

الأموال والأولاد ليست دليلا على القرب من الله ..

بعد أن كان الحديث في الآيات السابقة في الغاوين من المستكبرين، فإنّ جانباً آخر من هذا المبحث تعكسه الآيات أعلاه بطريقة اُخرى، وتقدّم المواساة أيضاً للرسول (صلى الله عليه وآله) ضمن إشارتها بأن لا تعجب إذا خالفك المخالفون، فإنّ المستكبرين

[  459 ]

المرفّهين طبعوا على مخالفة أنبياء الحقّ، فتقول الآية المباركة: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا بما اُرسلتم به كافرون).

«نذير» من «الإنذار» وهو الإخبار الذي فيه تخويف، وإشارة إلى أنبياء الله الذين ينذرون الناس من عذاب الله في قبال الإنحرافات والظلامات والذنوب والفساد.

«مترفوها» جمع «مترف» من مادّة «ترف» بمعنى «التوسّع في النعمة» و (المترف) الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش. وأترفته النعمة أي أطغته(1).

نعم، فإنّ هذه الفئة المترفة الغافلة الطاغية كانت الصف المتقدّم من مخالفي الأنبياء عادةً، لأنّهم يرون أنّ تعليمات الأنبياء تتضارب مع أمانيهم وأهوائهم من جهة، ولأنّ الأنبياء يدافعون عن حقوق المحرومين التي إغتصبها هؤلاء المترفين ونالوا هذا النعيم، من جهة ثانية، ولأنّهم دائماً يستخدمون عامل التسلّط لحماية مصالحهم وأموالهم من جهة ثالثة، والأنبياء يقفون قبالهم في كلّ هذه الحالات، لذا فإنّهم يهبّون فوراً لمخالفة الأنبياء.

العجيب أنّهم لا يشيرون إلى حكم أو فقرة خاصّة ليخالفوها، بل إنّهم فوراً ومرّة واحدة يقولون (نحن كافرون بكلّ ما بعثتم به) ولن نخطوا معكم خطوة واحدة، وهذا بعينه أحسن دليل على عنادهم وتعصّبهم إزاء الحقّ.

وقد كشف القرآن في آيات مختلفة عن مسألة مهمّة، وهو أنّ المحرومين هم أوّل من يلبّي دعوة الأنبياء، والمتنّعمين المغرورين أيضاً هم أوّل مجموعة ترفع لواء المخالفة.

ورغم أنّ منكري دعوة الأنبياء لا ينحصرون في هذه المجموعة فقط، ولكنّهم غالباً عامل الفساد الأوّل والدعاة إلى الشرك والخرافات، ويسعون دوماً إلى إكراه

______________________________________

1 ـ لسان العرب، مجلّد 9، ص17.

[  460 ]

الآخرين لسلوك طريقهم. وردّ هذا المعنى أيضاً في الآيات 23 ـ الزخرف، و116 ـ هود، و33 ـ المؤمنون.

هذه المجموعة لم تقف فقط في وجه الأنبياء فحسب، بل قبال أيّة خطوة إصلاحية من قبل أي عالم أو مصلح أو مفكّر مجاهد، فقد كانوا السبّاقين للمخالفة، ولا يتورّعون في إرتكاب أيّة جريمة وتآمر ضدّ هؤلاء المصلحين.

تشير الآية التالية إلى المنطق الأجوف الذي يتمسّك به هؤلاء لإثبات أفضليتهم ولإستغفال العوام فتقول: (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولاداً).

إنّ الله يحبّنا، فقد أعطانا المال الوفير، والقوّة البشرية، وذلك دليل على لطفه بحقّنا وإشارة إلى مقامنا وموقعنا عنده، ولذلك لن نعاقب أبداً (وما نحن بمعذّبين)! فلو كنّا مطرودين من رحمته فلِمَ سخّر لنا كلّ هذه النعم؟ الخلاصة، إنّ وفرة النعيم في دنيانا دليل واضح على كونه كذلك آخرتنا!!

بعض المفسّرين إحتملوا أن يكون قولهم: (وما نحن بمعذّبين) دليلا على إنكارهم الكلّي للقيامة والعذاب. ولكن الآيات اللاحقة تدلّل على عدم قصد هذا المعنى، بل المراد هو (القرب من الله بسبب الثروة التي يملكونها).

الآية التي بعدها تردّ بأرقى اُسلوب على هذا المنطق الأجوف الخدّاع وتنسفه من الأساس، وبطريق مخاطبة الرّسول (صلى الله عليه وآله) تقول الآية الكريمة: قل لهم: إنّ ربّي يرزق من يشاء ويقدر لمن يشاء، وذلك أيضاً طبق مصالح مرتبطة بإمتحان الخلق وبنظام حياة الإنسان، وليس له أي ربط بقدر ومقام الإنسان عند الله سبحانه وتعالى: (قل إن ربّي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر).

وعليه فلا يجب إعتبار سعة الرزق دليلا على السعادة، وقلّته على الشقاء. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). طبعاً أكثر الجهّال المغفّلين هم كذلك، وإلاّ فإنّ هذا الأمر واضح للعارف.

ثمّ تتابع الآيات هذا المعنى بصراحة أكثر. تقول: (وما أموالكم ولا أولادكم

 ]461 ]

بالتي تقربكم عندنا زلفى)(1) لقد عمّ هذا الإشتباه الخطير بعضاً من البسطاء، وتصوّروا بأنّهم ما داموا محرومين في الدنيا فهم مغضوب عليهم ومطرودون من رحمة الله، وهؤلاء المرفّهون هم المحبوبون المقبولون لديه.

ما أكثر المحرومين الذين امتحنوا بالحرمان، فنالوا أرقى الدرجات والمراتب الروحية.

وما أكثر المرفّهين الذين أصبحت أموالهم وثرواتهم وبالا عليهم ومقدّمة لعقابهم.

أليس قد ذكرت الآية (15) من سورة التغابن بصراحة (إنّما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم).

ولكن ليس معنى هذا هو حثّ الإنسان على ترك السعي والدأب اللازم لإقامة الأود، بل المقصود هو التأكيد على أنّ إمتلاك الإمكانات الإقتصادية والقوّة البشرية الواسعة لا يمثّل أبداً أيّة قيمة معنوية للإنسان عند الله.

ثمّ تتناول الآية موضوع المعيار الأصلي لتقييم الناس، وما يسبّب قربهم منه (على شكل إستثناء منفصل) فتقول: (إلاّ من آمن وعمل صالحاً فاُولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون)(2).

وعليه فجميع المعايير تعود أصلا إلى هذين الأمرين «الإيمان» و «العمل الصالح». ويستوعب هذا المعيار جميع الأفراد وفي أي زمان أو مكان، ومن أي طبقة أو مجموعة كان. وإختلاف مراتب البشر أمام الله إنّما هو بتفاوت درجات إيمانهم ومراتب عملهم الصالح، ولا شيء سوى ذلك. حتّى طلب العلم أو

______________________________________

1 ـ «زلفى» و «زلفة» بمعنى المنزلة والحظوة (مفردات الراغب)، ولهذا السبب عبّر عن (منازل الليل) بـ (زلف الليل) ـ والتعبير بـ «التي» لأجل أنّه في كثير من الموارد يعود الضمير المفرد المؤنث إلى جمع التكسير، وعليه فلا حاجة إلى التقدير هنا.

2 ـ التعبير بـ «جزاء الضعف» من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.

[  462 ]

الإنتساب إلى أفراد عظماء، بل حتّى للأنبياء، إذا لم يكن مقترناً بهذين الأمرين فإنّه وحده لا يضيف إلى قيمة الإنسان شيئاً.

هنا يشطب القرآن وبصراحة قلّ نظيرها على كلّ الظنون المنحرفة والخرافات بخصوص عوامل القرب من الله، وما يرفع من قيمة الإنسان، ويخلص إلى أنّ المعيار الأصيل هو في شيئين فقط، يستطيع كلّ الناس تحصيلها، وأنّ الإمكانات والمحروميات المادية لا أثر لها في ذلك.

أجل، فإنّ الأموال والأولاد أيضاً إذا وُجّهت بهذا المسير، صبغت بتلك الصبغة الإلهيّة وتقبّلت لون الإيمان والعمل الصالح، وأصبحت سبباً في القرب من الله. أمّا الأموال والأولاد التي تبعد الإنسان عن الله، وتكون له صنماً يُعبد من دون الله وسبباً للفساد والإفساد، فهي جواذب جهنّم، وكما قال القرآن الكريم: (ياأيّها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم).(1)

كلمة «ضعف» ليست بمعنى «مضاعفة الشيء مرتين» فقط، بل بمعنى «أضعاف مضاعفة لأكثر من مرتين». وقد وردت في هذه الآية بهذا المعنى. لأنّنا نعلم أنّ أي عمل حسن يحسب عند الله بعشرة أمثاله على الأقل (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها).(2) وأحياناً أكثر من ذلك بكثير.

«غرفات» جمع «غرفة» بمعنى الحجرات العلوية من البناء، والتي غالباً ما تكون إضاءتها أكثر وهواؤها أفضل. وبعيدة عن الآفات، لذا عبّر القرآن عن أفضل منازل الجنّة (بالغرف). وهذه اللفظة من مادّة «غرف»، على زنة (بحر) بمعنى رفع الشيء وتناوله.

التعبير بـ «آمنون» فيما يخصّ أهل الجنّة، تعبير جامع يعكس حالة الطمأنينة الروحية والجسدية لهم من كافّة النواحي، فلا خوف من هجوم عدوّ، أو مرض، أو

______________________________________

1 ـ التغابن، 14.

2 ـ أنعام، 160.

[  463 ]

آفة أو ألم، ولا خوف حتّى من الخوف!، وليس أغلى من هذه النعمة بأن يكون الإنسان آمناً من كلّ جانب، فلا بلاء أشدّ من الإحساس بعدم الأمن في مختلف جوانب الحياة.

الآية التالية تصف الفريق المقابل لهؤلاء، فتقول: أمّا هؤلاء الذين يسعون ويجتهدون لتسفيه آياتنا، لا يؤمنون ولا يتركون غيرهم يسيرون في طريق الإيمان، ويتوهّمون أنّهم يستطيعون الفرار من يد قدرتنا، هؤلاء يحضرون في عذاب أليم يوم القيامة (والذين يسعون في آياتنا معاجزين اُولئك في العذاب محضرون).

هؤلاء هم الذين اعتمدوا على أموالهم وأولادهم وكثرة عددهم لتكذيب الأنبياء، وعملوا على اغواء عباد الله، حتّى بلغ غرورهم درجة أن توهّموا أنّهم يفلتون من قبضة العذاب الإلهي، ولكن هيهات فانّ مصيرهم في قلب جهنّم.

وبما أنّ جملة (اُولئك في العذاب محضرون) ليس فيها ما يدلّل على الزمان الآتي ـ فقد تكون إشارة إلى كون هؤلاء مأسورين بالعذاب حتّى في الوقت الحاضر، وأي عذاب أشدّ من هذا السجن الذي صنعوه لأنفسهم من أموالهم وأولادهم.

كذلك يحتمل أن يكون التعبير للتدليل على أنّ وعد الله مسلّم به إلى درجة يمكن القول بأنّهم حالياً فيه، كما هو الحال بالنسبة إلى قوله: (فهم في الغرفات آمنون).

«معاجزين»: كما ذهب بعض أرباب اللغة إلى أنّ معناه أنّ هؤلاء تصوّروا أنّهم يستطيعون الفرار من دائرة قدرة الله تعالى وجزائه وعقابه، إلاّ أنّ هذا التوهّم باطل وسراب خادع(1).

* * *

______________________________________

1 ـ الحقيقة أن تعبير «معاجزين» الذي أوردنا تفسيره من مفردات الراغب، شبيه بتعبير (يخادعون الله ورسوله) البقرة ـ 9، لأنّ باب مفاعلة يمكن أن يأتي على هذه الصورة.

[  464 ]

بحث

معايير التقييم:

من القضايا المهمّة في حياة الأفراد والمجتمعات هي قضيّة «معايير التقييم» و «نظام القيم» الذي يتحكّم بثقافة ذلك المجتمع. لأنّ كلّ الحركات الصادرة عن الأفراد والجماعات في حياتهم إنّما تنبع من هذا النظام وتهدف إلى خلق تلك القيم.

وإشتباه قوم من الأقوام واُمّة من الاُمم في هذه القضيّة والتعامل بقيم خيالية لا أساس لها قد يؤدّي إلى طبع تأريخهم بطابع الغرور. وإدراك القيم الواقعية والمعايير الحقيقية يشكّل أساساً متيناً لبناء سعادتهم.

عبيد الدنيا المغرورون يتصوّرون بأنّ القيم تنحصر فقط في المال والقدرة المادية والتعداد البشري، وحتّى القيمة أمام الله ينظرون إليها من داخل هذا الإطار، كما لاحظنا نموذجاً من ذلك في الآيات السابقة، وهناك نماذج كثيرة من هذا القبيل تلاحظ في القرآن الكريم، منها:

1 ـ فرعون، الطاغية المتجبّر، الذي كان يقول لمن حوله بأنّه لا يصدق أنّ موسى (عليه السلام) رسول من الله، فإن كان حقّاً ما يقول فلِمَ لم يعطه الله سواراً من الذهب (فلولا اُلقي عليه أسورة من ذهب).(1)

وحتّى انّه يرى عدمها دليل هي المهانة والدونية، فيقول: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين).(2)

2 ـ مشركو عصر الرسالة المحمّدية، تعجّبوا من نزول القرآن على رجل فقير كرسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم).(3)

______________________________________

1 ـ الزخرف، 53.

2 ـ الزخرف، 25.

3 ـ الزخرف، 31.

[  465 ]

3 ـ بنو إسرائيل اعترضوا على نبي زمانهم «أشموئيل» في قضيّة إنتخاب «طالوت» كقائد للجيش وقالوا: (نحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال).(1)

4 ـ مشركو زمان نوح (عليه السلام) الأثرياء إعترضوا عليه بأن اتّبعه أراذلهم، وهم الفقراء في نظرهم (قالوا أنؤمن لك واتّبعك الأرذلون)(2)

5 ـ أثرياء مكّة أوردوا نفس هذا الإعتراض على الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بقولهم: لقد أحاط بك الحفاة، ونحن نشمئزّ حتّى من رائحتهم، فلا نتبعك إلاّ بإبتعادهم عنك. وقد حقّرهم القرآن الكريم في سورة الكهف بشدّة، وهدّدهم، وأمر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأن يكون مع الذين عشقوا الله، ويدعونه صباحاً ومساءً وإن كانوا فقراء (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه  ولا تعد عيناك عنهم).(3)

لهذه الأسباب، كان أوّل عمل إصلاحي يقوم به الأنبياء هو تحطيم اُطر التقييم الكاذبة تلك، وإستبدالها بالقيم الإلهية الأصيلة والقيام بـ «ثورة ثقافية» أبدلوا أساس الشخصية ومحورها من الأموال والأولاد والثروة والجاه والشهرة القبلية والعائلة إلى التقوى والإيمان والعمل الصالح.

وقد مرّ نموذج لذلك في الآيات السابقة، فبعد شجب الأموال والأولاد كوسيلة للتقرّب من الله تعالى، والآية (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى)أعطت بعدها مباشرة القيم الأصيلة كبديل بالقول: (إلاّ من آمن وعمل صالحاً).

والآية الشريفة (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) والتي أضحت شعاراً إسلامياً بعد إستبعاد القيم المرتبطة بالقبيلة والعشيرة، تشير إلى هذه الثورة الفكرية والإعتبارية. فإستناداً إلى هذه الآية (الحجرات ـ 13) فليس هناك شيء غير

______________________________________

1 ـ البقرة، 247.

2 ـ الشعراء، 111.

3 ـ الكهف، 28.

[  466 ]

التقوى، والإيمان المقترن بالشعور بالمسؤولية، وصلاح العمل، ليس سوى ذلك معياراً لتقييم شخصية الإنسان وقربه من الله تعالى. وكلّ من كان له نصيب أكبر من ذلك كان إلى الله أقرب وعنده أكرم.

والملفت للنظر أنّ محيط الجزيرة العربية كان قبل نزول التعاليم الإسلامية القرآنية السامية ـ بتأثير هيمنة القيم الظالمة ـ خاضعاً لأصحاب الأموال والكذبة من أمثال أبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب. ولكن بعد ثورة القيم ظهر من نفس ذلك المحيط أمثال أبي ذرّ وعمّار والمقداد (رضوان الله عليهم).

الجميل أنّ القرآن المجيد في سورة «الزخرف» وبعد ذكر الآيات التي أوردناها آنفاً يقول: (ولولا أن يكون الناس اُمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً وإن كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربّك للمتّقين)(1).

هذا كلّه لكي لا تحلّ القيم المزيّفة محلّ القيم الإنسانية الواقعية.

 

* * *

______________________________________

1 ـ الزخرف، 33 ـ 35.

[  467 ]

 

 

الآيات

 

قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَىْء فَهُوَ يَخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ(39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40) قَالُوا سُبْحَـنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ(41) فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ(42)

 

التّفسير

نفور المعبودين من عابديهم:

تعود هذه الآيات لتؤكّد مرّة اُخرى خطأ الذين يتوهمون بأنّ أموالهم وأولادهم سبب لقربهم من الله فتقول: (قل إنّ ربّي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له).

ثمّ تضيف الآية: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين).

[  468 ]

فمع أنّ محتوى هذه الآية يؤكّد ما عرضته الآيات السابقة إلاّ أنّ هناك ما هو جديد من جهتين:

الاُولى: أنّ الآية السابقة التي عرضت نفس المفهوم، كانت تتحدّث عن أموال وأولاد الكفّار، بينما الآية محلّ البحث باحتوائها على كلمة «عباد» تشير إلى المؤمنين، والمعنى أنّه حتّى فيما يخصّ المؤمنين فإنّه قد يتّسع الرزق ـ لأنّه الأصلح بالنسبة للمؤمن ـ وقد يضيق ـ لأنّ المصلحة تقتضي ذلك ـ على كلّ حال، فإنّ سعة وضيق الرزق لا يمكن أن يشكّل دليلا على أي شيء.

الثّانية: الآية السابقة أشارت إلى سعة الرزق وضيقه بالنسبة إلى مجموعتين مختلفتين، في حين أنّ هذه الآية تشير إلى حالتين مختلفتين بالنسبة لشخص واحد، حيناً يتّسع رزقه وحيناً يضيق.

إضافةً إلى أنّ ما جاء في بداية هذه الآية هو في الحقيقة مقدّمة لما جاء في آخرها، وهو الترغيب في الإنفاق في سبيل الله.

جملة «فهو يخلفه» تعبير جميل يشير إلى أنّ ما ينفق في سبيل الله إنّما هو في الحقيقة تجارة وافرة الربح، لأنّ الله سبحانه وتعالى تعهّد بأن يخلفه، ونعلم أنّه في الوقت الذي يتعهّد فيه الكريم بأداء العوض فإنّه لا يراعي المقدار الذي يريد تعويضه، بل إنّه يعوّض بأضعاف مضاعفة، بل بمئات الأضعاف.

طبعاً فإنّ هذا الوعد الإلهي لا ينحصر بالآخرة، فإنّ ذلك مسلّم به، ولكن في الدنيا أيضاً فإنّه يخلف ما أنفق بمختلف البركات.

جملة (هو خير الرازقين) ذات معنى واسع، ويمكن الإفادة منها من وجوه مختلفة.

هو خير من يعطي رزقاً، لأنّه يعلم ماذا يعطي وإلى أي حدّ، بحيث لا يكون ما يعطيه عاملا للفساد والغرور، لأنّه عالم بكلّ شيء.

هو يعطي أي شيء يريد أن يعطيه لأنّه قادر على كلّ شيء.

[  469 ]

ولا يريد جزاءاً على ما يعطيه لأنّه غني بذاته. ويعطي إبتداءً، لأنّه حكيم وعالم بكلّ شيء. بل الحقيقة أنّه ليس من رزّاق غيره، لأنّ أي معط إنّما يعطي ممّا رزقه الله، وبذا فهو ليس سوى «واسطة إنتقال» لا رزّاقاً.

وكذلك فهو تعالى يعطي النعم الباقية قبال المال الفاني، والكثير مقابل القليل.

ولأنّ فريقاً من الأثرياء الظالمين الطغاة كانوا في صفّ المشركين، وادّعوا بأنّهم يعبدون الملائكة وأنّهم شفعاؤهم يوم القيامة، فقد ردّ القرآن على هذا الإدّعاء الباطل فقال: (ويوم يحشرهم جميعاً ثمّ يقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون).

بديهي أنّ هذا السؤال ليس من باب الإستفهام عن الجواب، لأنّ الله تعالى عالم بكلّ شيء، ولكن الهدف هو أن تظهر الحقائق من إجابة الملائكة، لكي يخسأ هؤلاء الضالّون ويخيب ظنّهم، ويعلموا بأنّ الملائكة متنفّرين من أعمالهم، فيصيبهم اليأس إلى الأبد.

ذكر (الملائكة) من بين المعبودات التي كان المشركون يعبدونها، إمّا لأنّ الملائكة أشرف المخلوقات التي عبدها الضالّون، والتي لم يحصلوا على شفاعتها يوم القيامة، فماذا يستطيعون الحصول عليه من حفنة من الحجر أو الأخشاب أو الجنّ أو الشياطين!؟

أو أنّه من قبيل أنّ عبدة الأوثان كانوا يعتقدون بأنّ الأحجار والأخشاب هي مظهر ونموذج لموجودات علوية (كالملائكة وأرواح الأنبياء)، ولذا عبدوها. فكما ورد في تاريخ الوثنية عند العرب «إنّ سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب، هو أنّ «عمرو بن لحي» مرّ بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له: هذه أرباب نتّخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصر بها ونستسقي. فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسوّل للعرب فعبدوه وإستمرّت عبادة الأصنام

[  470 ]

فيهم إلى أن جاء الإسلام»(1) (2).

والآن لننظر ماذا تقول الملائكة للإجابة على سؤال الباري عزّوجلّ؟ لقد إختارت الملائكة في الحقيقة أكثر الأجوبة شمولية وأعظمها أدباً (قالوا سبحانك أنت وليّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون).

أمّا ما هو المقصود من الجواب الذي أجابت به الملائكة؟ فللمفسّرين أقوال، ويبدو أنّ أقربها هو القول بأنّ المقصود (بالجنّ) هو (الشيطان) وسائر الموجودات الخبيثة التي شجّعت عبدة الأوثان على ذلك العمل، وزينته في أنظارهم، وعليه فإنّ المراد من عبادة الجنّ هي تلك الطاعة والإنقياد لأوامرها والرضى بأضاليلها.

فالملائكة إذاً يقولون ضمن إعلان تنفّرهم وعدم رضاهم على هذه الأعمال: إنّ العامل الأساسي لهذا الفساد هم الشياطين، وإن كان الظاهر أنّهم يعبدوننا، فالمهمّ هو الكشف عن الوجه الحقيقي لهذا العمل أمام الملأ.

وقد ورد نظير هذا المعنى في سورة يونس ـ الآية (28) حيث يقول تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً ثمّ نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيّلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيّانا تعبدون). أي إنّكم في الحقيقة لم تعبدونا نحن، بل تعبدون أهواءكم وأوهامكم وخيالاتكم، ناهيك عن أنّ هذه العبادة لم تكن بأمرنا ورضانا. وعبادة هذا شكلها ليست بعبادة أصلا.

وبهذه الطريقة يتبدّل أمل المشركين في ذلك اليوم إلى يأس كامل، وتتجلّى لهم بذلك حقيقة أنّ معبوديهم لن يحلّوا من مشاكلهم عقدة صغيرة واحدة، بل على العكس فهم منهم متنفّرون مستاءون.

لذا ـ وكإستخلاص للنتيجة ـ تقول الآية الكريمة التي بعدها: (فاليوم لا يملك

______________________________________

1 ـ تفسير روح المعاني، مجلّد 22، ص140 ـ كذلك ورد هذا المعنى بتفاوت يسير في سيرة ابن هشام، مجلّد 1، ص79 ـ وهناك نقرأ أنّه جلب معه الصنم «هبل».

2 ـ عمرو بن لُحي: أحد الشخصيات المعروفة في مكّة قبل الإسلام.

 ]471 ]

بعضكم لبعض نفعاً ولا ضرّاً). وبناءً على ذلك فلا الملائكة ـ الذين هم ظاهراً معبودون ـ يستطيعون الشفاعة لهم، ولا هم يستطيعون مساعدة بعضهم البعض.

(ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذّبون).

ليست هذه هي المرّة الاُولى التي يعبّر فيها القرآن عن المشركين بـ «الظلم» بل ورد ذلك في الكثير من آيات القرآن.

التعبير عن «الكفر» بـ «الظلم». أو عن «الكافرين والمشركين» بـ «الظالمين». ذلك لأنّهم قبل كلّ شيء ظلموا أنفسهم بخلعهم تاج العبودية لله عن رؤوسهم، ولفّوا طوق الذلّة للأوثان على رقابهم. ودمّروا شخصيتهم ومصيرهم.

وفي الحقيقة فإنّهم سيعاقبون يوم القيامة على شركهم وعلى إنكارهم للمعاد، وجملة (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذّبون) تشتمل على المعنيين.

* * *

 

بحوث

1 ـ الإنفاق سبب النماء لا النقصان

التعبير الوارد في الآية السابقة يحتوي على معان جمّة:

أوّلا: فمن جهة أنّ كلمة «شيء» بمعناها الواسع تشمل كلّ أنواع الإنفاق، المادّي والمعنوي القليل والكثير، لأيّ من المحتاجين كان الإنفاق، صغيراً أو كبيراً، المهمّ أن يعطي الإنسان شيئاً ممّا يملك في سبيل الله بأي كيفية كان وبأي كميّة كانت.

ثانياً: لقد أخرجت الآية (الإنفاق) بمفهومه من «الفناء»، ولوّنته بلون «البقاء» لأنّ الله ضَمِنَ إخلاف ما يُنفق في سبيله بمواهبه المادية والمعنوية، بمرّات مضاعفة، مئات الآلاف، أقلّها عشرة أضعاف، وبذا فإنّ المنفق ـ وبهذه الروحية

[  472 ]

وهذا الإعتقاد ـ سيلج ميدان الإنفاق بيد وقلب أكثر إنفتاحاً، ولن يخطر على باله إحساس بالقلّة، ولن يفكّر بالفقر، بل إنّه سيشكر الله على حسن توفيقه له على هذه التجارة الوفيرة الربح.

وقد عبّر القرآن في الآيات (10) و (11) من سورة الصفّ عن هذا المعنى فقال: (ياأيّها الناس هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ـ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).

ونقرأ في الحديث عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله):

ينادي مناد كلّ ليلة: لدوا للموت.

وينادي مناد: ابنوا للخراب.

وينادي مناد: اللهمّ هب للمنفق خلفاً.

وينادي مناد: اللّهمّ هب للممسك تلفاً.

وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا.

وينادي مناد: ليتهم إذ خلقوا فكّروا فيما له خلقوا!!»(1).

والمقصود من هؤلاء المنادين هم الملائكة الذين يدبّرون اُمور هذا العالم بأمر الله.

وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله): «من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة»(2).

وقد نقل نفس المعنى عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

والجدير بالتذكير هو أنّ الإنفاق يجب أن يكون من المال الحلال والكسب المشروع، وإلاّ فلا قبول لغيره عند الله ولا بركة فيه.

لذا فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سأله أحدهم قال: قلت: آيتان في

______________________________________

1 ـ مجمع البيان: ذيل الآيات مورد البحث.

2 ـ نور الثقلين، المجلّد 4، ص340، ح77.

[  473 ]

كتاب الله عزّوجلّ أطلبهما فلا أجدهما.

قال (عليه السلام) «وما هما؟».

قلت: قول الله عزّوجلّ: (ادعوني أستجب لكم)، فندعوه ولا نرى إجابة.

قال (عليه السلام): أفترى الله عزّوجلّ أخلف وعده؟».

قلت: لا.

قال: فممّ ذلك؟

قلت: لا أدري.

قال (عليه السلام): «لكنّي أخبرك، من أطاع الله عزّوجلّ فيما أمره من دعائه من جهة الدعاء أجابه».

قلت: وما جهة الدعاء.

قال: «تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عندك ثمّ تشكره ثمّ تصلّي على النّبي (صلى الله عليه وآله)، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّ بها، ثمّ تستعيذ منها فهذا جهة الدعاء».

ثمّ قال (عليه السلام): «وما الآية الاُخرى؟».

قلت: قول الله عزّوجلّ: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)وإنّي أنفق ولا أرى خلفاً؟

قال: «أفترى الله عزّوجلّ أخلف وعده؟

قلت: لا.

قال: «فممّ ذلك؟».

قلت: لا أدري؟

قال: لو أنّ أحدكم إكتسب المال من حلّه وأنفقه في حلّه لم ينفق درهماً إلاّ أخلف عليه»(1).

______________________________________

1 ـ تفسير البرهان، مجلّد 3، ص353.

[  474 ]

2 ـ أمّنوا على أموالكم بتأمين إلهي!!

لأحد المفسّرين تحليل جميل بهذا الخصوص، يقول: «ثمّ إنّ من العجب أنّ التاجر إذا علم أنّ مالا من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء، ويقول بأنّ ذلك أولى من الإمهال إلى أن يهلك المال، فإن لم يبع حتّى يهلك ينسب إلى الخطأ، ثمّ إن حصل به كفيل مليء ولا يبيع ينسب إلى قلّة العقل. فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى الجنون، ثمّ إنّ كلّ أحد يفعل هذا ولا يعلم أنّ ذلك قريب من الجنون، فإنّ أموالنا كلّها في معرض الزوال المحقّق، والإنفاق على الأهل والولد إقراض، وقد حصل الضامن المليء وهو الله العلي وقال تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) ثمّ رهن عند كلّ واحد إمّا أرضاً أو بستاناً أو طاحونة، أو حمّاماً أو منفعة، فإنّ الإنسان لابدّ أن يكون له صفة أو جهة يحصل له منها مال، وكلّ ذلك ملك الله، وهو في يد الإنسان بحكم العارية، فكأنّه مرهون بما تكفّل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التامّ، ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجوراً ولا مشكوراً»(1).

 

3 ـ سعة مفهوم الإنفاق:

لأجل فهم الحدّ لمفهوم الإنفاق في الإسلام، نطالع الحديث التالي عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إذ يقول: «كلّ معروف صدقة، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى به الرجل عرضه فهو صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلفها، إلاّ ما كان من نفقة في بنيان أو معصية»(2).

يبدو أنّ إستثناء البنيان من قانون الإخلاف، لأنّ عين البناء باقية، أو لأنّه يكثر توجّه الناس إليه.

* * *

______________________________________

1 ـ تفسير الفخر الرازي، مجلّد 25، ص263 (ذيل الآيات مورد البحث).

2 ـ الجامع لأحكام القرآن (القرطبي)، مجلّد 14، ص307.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903274

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:56

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net