00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة السجدة من آية 53 ـ آخر السورة من ( ص 325 ـ 375 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثالث عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[  325 ]

 الآيتان

 يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَـظِرِينَ إِنَيـهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْى مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْى مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنَّ مَتَعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيماً(53) إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شِىْء عَلِيماً(54)

 

سبب النّزول

ذكر المفسّرون في سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) لمّا تزوّج «زينب بنت جحش» أولم للناس وليمة فخمة تقريباً. وقلنا سابقاً: إنّ هذه الأحكام ربّما كانت من أجل تحطيم سنّة جاهلية في مجال تحريم مطلّقات الأدعياء بحزم تامّ، وليكون لهذا التحطيم شعاع أوسع، ولتمحى هذه السنّة الجاهلية التي كانت تعتبر

[  326 ]

الزواج بأيامى العبيد المحرّرين عيباً وعاراً.

يقول «أنس»، وكان خادماً خاصّاً للنبي: أمرني النّبي أن أدعو أصحابه للغداء فدعوتهم، فكانوا يأتون جماعة يأكلون ويخرجون، حتّى قلت: يارسول الله، لم يبق أحد لم أدعه، فأمر برفع السماط، فرفعوا السماط وتفرّق القوم، إلاّ ثلاثة نفر بقوا في بيت النّبي وكانوا مشغولين بالحديث.

فلمّا رأى النّبي (صلى الله عليه وآله) حديثهم قد طال، نهض ونهضت معه لعلّ القوم يلتفتون ويذهبون إلى أعمالهم، فخرج النّبي حتّى أتى حجرة عائشة، ثمّ رجع مرّة اُخرى وكنت معه، فرأيت القوم على جلستهم وحالهم، فنزلت الآية أعلاه وأفهمتهم كيفية التعامل مع هذه المسائل(1).

ويستفاد من بعض الرّوايات أيضاً أنّ الجيران وسائر الناس كانوا يأتون إلى بعض نساء النّبي ويستعيرون أشياء حسب المتعارف والمعتاد، وبالرغم من أنّهم لم يكونوا يرتكبون معصية وذنباً طبقاً لبساطة الحياة آنذاك، إلاّ أنّ الآية أعلاه نزلت لحفظ حيثيّة زوجات النّبي وأمرت المؤمنين أنّهم إن أرادوا أن يأخذوا من نساء النّبي شيئاً فليأخذوه من وراء حجاب.

وجاء في رواية اُخرى أنّ بعض مخالفي النّبي قالوا: كيف تزوّج النّبي بعض نسائنا، أما والله لئن مات لنتزوجنّ نساءه، فنزلت الآية أعلاه وحرّمت الزواج بنساء النّبي من بعده مطلقاً، وأنهت هذه المؤامرة(2).

* * *

 

التّفسير

مرّة اُخرى يوجّه الخطاب إلى المؤمنين، لتبيّن الآية جانباً آخر من أحكام

______________________________________

1 ـ مجمع البيان، المجلّد 8، صفحة 366 ذيل الآية مورد البحث.

2 ـ المصدر السابق، ص366 و368.

[  327 ]

الإسلام ضمن جمل قصيرة بليغة وصريحة، وخاصّة ما كان مرتبطاً بآداب معاشرة النّبي (صلى الله عليه وآله) وبيت النبوّة، فتقول أوّلا: لا ينبغي لكم دخول بيوت النّبي إلاّ إذا دعيتم إلى طعام واُذِن لكم بالدخول بشرط أن تدخلوا في الوقت المقرّر، لا أن تأتوا قبل ذلك بفترة وتجلسون في إنتظار وقت الغذاء (ياأيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبي إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه)(1).

بهذا تبيّن الآية أحد آداب المعاشرة المهمّة، والتي كانت قلّما تراعى في تلك البيئة، ومع أنّ الكلام يدور حول بيت النّبي إلاّ أنّ من المسلّم أنّ هذا الحكم  لا يختصّ به، إذ ينبغي أن لا تدخل دار أي إنسان بدون إذنه (كما جاء ذلك في الآية 27 من سورة النور) بل نقرأ في أحوال النّبي (صلى الله عليه وآله) أنّه عندما كان يريد دخول بيت إبنته فاطمة (سلام الله عليها)، كان يقف خارجاً ويستأذن. وكان معه «جابر بن عبدالله» يوماً، فاستأذن له بعد أن استأذن لنفسه(2).

إضافةً إلى أنّهم إذا دُعوا إلى طعام فينبغي أن يكونوا عارفين بالوقت، لئلاّ يوقعوا صاحب البيت في جهد وإحراج في غير مكانه.

ثمّ تناولت الحكم الثّاني فقالت: (ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا).

وهذا الحكم مكمّل ومؤكّد للحكم السابق في الواقع، فلا تدخلوا البيت الذي دعيتم إليه في غير زمان الدعوة، وفي وقت غير مناسب، ولا تهملوا إجابة الدعوة أو أن لا تعبؤوا بها، ولا تتأخّروا بعد تناول الطعام مدّة طويلة.

من البديهي أنّ مخالفة هذه الاُمور وعدم اتّباعها سيؤدّي إلى أذىً وإشمئزاز المضيف، وهي لا تلائم الاُصول الأخلاقية.

وتقول في الحكم الثالث: (ولا مستأنسين لحديث) فلا تجلسوا حلقاً تتحدّثون

______________________________________

1 ـ «إناه» من مادّة «أنّى يأني» أي حلول وقت الشيء، وتعني هنا تهيئة الطعام للتناول.

2 ـ الكافي، المجلّد 5، ص528.

[  328 ]

بعد تناول الطعام، سواء كان ذلك في بيت النّبي، أم في بيت أي صاحب دعوة.

طبعاً، قد يرغب المضيفون في مثل هذه الحلقات والمجالس، فهذه الحالة مستثناة، إنّما الكلام في ما لو كانت الدعوة لتناول الطعام فقط، لا لتشكيل مجالس الاُنس، حيث تجب مغادرته بعد تناول الطعام، خاصّة إذا كان البيت كبيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مقرّ أداء أكبر رسالات الله وأعظمها، فيجب أن لا يهدر وقته باُمور جانبية تعوقه مدّة عن تأدية رسالته.

ثمّ تبيّن الآية علّة هذا الحكم فتقول: (إنّ ذلكم كان يؤذي النّبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحقّ).

من المسلّم أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن يتردّد لحظة، ولا يخشى شيئاً، أو يستحيي من شيء في بيان الحقّ في الموارد التي لم يكن لها بعد شخصي وخاصّ، إلاّ أنّ بيان الحقّ إذا كان يعود على القائل نفسه ليس بالأمر الجميل الحسن، أمّا تبيانه من قبل الآخرين فانّه رائع ومستحسن، ومورد الآية من هذا القبيل أيضاً، فإنّ اُصول الأخلاق والأدب كانت توجب على النّبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يدافع عن نفسه، بل يدافع الله سبحانه عنه.

ثمّ تبيّن الآية الحكم الرابع في باب الحجاب، فتقول: (وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب).

قلنا: إنّ هذا الأمر كان ولا يزال متعارفاً بين العرب وكثير من الناس أنّهم إذا احتاجوا شيئاً من لوازم الحياة ووسائلها فإنّهم يستعيرونها من جيرانهم مؤقتاً، ولم يكن بيت النّبي مستثنى من هذا القانون، بل كانوا يأتون إليه سواء كان الوقت مناسباً أم غير مناسب، ويستعيرون من نساء النّبي شيئاً، ومن الواضح أن جعل نساء النّبي عرضة لأنظار الناس ـ وإن كن يرتدين الحجاب الإسلامي ـ لم يكن بالأمر الحسن، ولذلك صدر الأمر إلى الناس أن يأخذوا الأشياء من خلف حجاب أو من خلف الباب.

[  329 ]

والمسألة التي ينبغي الإنتباه إليها هنا هي أنّه ليس المراد من الحجاب في هذه الآية لباس النساء، بل هو حكم يضاف إلى ما كان خاصّاً بنساء النّبي، وهو: أنّ الناس مكلّفون إذا أرادوا شيئاً من نساء النّبي أن يأخذوه من وراء حجاب لظروف نساء النّبي الخاصّة، ويجب عليهنّ أن لا يخرجن إلى الناس ويظهرن لهم في مثل هذه الموارد حتّى وإن كن محجّبات، وهذا الحكم لم يرد طبعاً في شأن النساء الاُخريات، بل يكفيهنّ أن يراعين الحجاب الإسلامي.

والشاهد على ذلك أنّ كلمة «الحجاب»، وإن كانت تستعمل في المحادثات اليومية بمعنى حجاب المرأة، إلاّ أنّها ليس لها مثل هذا المعنى لا في كتب اللغة، ولا في تعبيرات فقهائنا.

«الحجاب» في اللغة هو الشيء الذي يحول بين شيئين(1)، ولذلك اُطلق على الغشاء الموجود بين الأمعاء والقلب والرئة اسم «الحجاب الحاجز».

وقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمة بمعنى الحائل أو الساتر في عدّة مواضع، كالآية (45) من سورة الإسراء حيث تقول: (جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً).

ونقرأ في الآية (32) من سورة ص: (حتّى توارت بالحجاب).

وجاء في الآية (51) من سورة الشورى: (وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب).

أمّا في كلمات الفقهاء فقد استعملت كلمة «الستر» فيما يتعلّق بلباس النساء منذ قديم الأيّام وإلى يومنا هذا، وورد أيضاً في الرّوايات الإسلامية هذا التعبير أو ما يشبهه، وإستعمال كلمة «الحجاب» في شأن لباس المرأة إصطلاح ظهر في عصرنا على الأكثر، وإذا وجد في التواريخ والرّوايات فقليل جدّاً.

______________________________________

1 ـ لسان العرب مادّة حجب.

[  330 ]

والشاهد الآخر هو ما نقرؤه في الحديث المروي عن «أنس بن مالك» خادم النّبي الخاص، حيث يقول: أنا أعلم الناس بهذه الآية ـ آية الحجاب ـ لمّا اُهديت زينب إلى رّسول اللّه كانت معه في البيت ـ صنع طعاماً، ودعا القوم فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبي يخرج ثمّ يرجع وهم قعود يتحدّثون، فأنزل الله: (ياأيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النّبي) ـ إلى قوله ـ (من وراء حجاب) فضرب الحجاب وقام القوم(1).

وفي رواية اُخرى عن «أنس» أنّه قال: أرخى الستر بيني وبينه، فلمّا رأى القوم ذلك تفرّقوا(2).

بناءً على هذا فإنّ الإسلام لم يأمر النساء المسلمات بأن يجلسن خلف الستور، ولا يبرحن دورهن، وليس لكلمة «المستورات» أو «المحجّبات» وأمثال ذلك من التعبيرات صفة إسلامية أو بعد إسلامي بالنسبة للنساء، بل إنّ ما يلزم المرأة المسلمة هو محافظتها على الحجاب الإسلامي، إلاّ أنّ نساء النّبي قد أمرن بهذا الأمر الخاص بسبب وجود أعداء كثيرين، ومتتبعين للعيوب والمغرضين، وكان من الممكن أن يصبحن عرضة للتهم، وحربة تقع بيد الإنتهازيين.

وبتعبير آخر: إنّ الناس قد اُموروا أن يسألوا نساء النّبي ما يبتغونه من وراء حجاب. خاصّة وأنّ التعبير بـ «وراء» يشهد لهذا المعنى.

ولذلك بيّن القرآن فلسفة هذا الحكم فقال: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ).

وبالرغم من أنّ مثل هذا التعليل لا ينافي الحكم الإستحبابي، إلاّ أنّ ظهور الأمر في جملة (فاسألوهنّ) لا يتزلزل في دلالته على الوجوب، لأنّ مثل هذا التعليل قد ورد أحياناً في موارد أحكام واجبة اُخرى.

ثمّ تبيّن الآية الحكم الخامس بأنّه (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله)فبالرغم

______________________________________

1 ـ صحيح البخاري، ج6، ص149.

2 ـ المصدر السابق.

[  331 ]

من أنّ هذا العمل قد ذكر في نفس الآية، وهو الذهاب إلى بيت النّبي (صلى الله عليه وآله)في وقت غير مناسب، والجلوس بعد تناول الطعام، فقد ورد في روايات سبب النّزول أنّ بعض المنافقين كانوا قد أقسموا على أن يتزوّجوا نساء النّبي من بعده، وقد آلم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولكن معنى الآية عام على كلّ حال، فهو يشمل كلّ نوع من الأذى.

وأخيراً تبيّن الآية الحكم السادس والأخير في مجال حرمة الزواج بنساء النّبي من بعده، فقالت: (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إنّ ذلكم كان عند الله عظيماً).

وهنا يأتي سؤال، وهو: كيف حرّم الله نساء النّبي من اتّخاذ زوج لهنّ بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله)، وقد كان بعضهنّ شابات تقريباً؟

وجواب هذا السؤال يتّضح بملاحظة الغاية من هذا التحريم، وذلك لأنّه:

أوّلا: كما علمنا من سبب النّزول، فإنّ البعض صمّم على هذا العمل كإنتقام من النّبي (صلى الله عليه وآله) وإهانة لقدسيته، وكانوا يريدون أن ينزلوا ضربة بكيانه (صلى الله عليه وآله) عن هذا الطريق.

ثانياً: لو كانت هذه المسألة جائزة، فإنّ جماعة كانوا سيتّخذون زوجان النّبي أزواجاً لهم من بعده، وكان من الممكن أن يستغلّوا هذا الزواج لتحقيق مآربهم والوصول إلى مكانة إجتماعية مرموقة. أو أنّهم يبدؤون بتحريف الإسلام على أساس أنّهم يمتلكون معلومات خاصّة صادرة من داخل بيت النّبي (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت أدرى بالذي فيه، أو أن يبثّ المنافقون بين الناس مطالب عن هذا الطريق تخالف مقام النبوّة ـ تأمّلوا ذلك ـ .

ونلمس ذلك بصورة أوضح عندما نعلم أنّ جماعة هيؤوا أنفسهم للقيام بهذا العمل، وصرّح بذلك بعضهم، وكتمه البعض الآخر في قلبه. وكان من جملة من

[  332 ]

ذكره بعض مفسّري العامّة هنا هو «طلحة»(1).

إنّ الله المطّلع على الأسرار الخفيّة والمعلنة، والخبير بها، قد أصدر حكماً قاطعاً لإحباط هذه الخطّة الخبيثة، وليمنع من وقوع هذه الاُمور، ولتحكيم دعائم هذا الحكم فقد أطلق لقب (اُمّهات المؤمنين) على أزواج النّبي ليعلم اُولئك بأنّ الزواج منهنّ كالزواج من اُمّهاتهم! وبملاحظة ما قيل يتّضح لماذا وجب على نساء النّبي أن يتقبّلن هذا الحرمان بكلّ رحابة صدر؟

قد تطرح أحياناً مسائل مهمّة على مدى حياة الإنسان، يجب أن يظهر تجاهها التضحية والإيثار، وأن يغضّ النظر عن بعض الحقوق التي ثبتت له، خاصّة وأنّ الإفتخارات العظيمة تصاحبها مسؤوليات خطيرة، ولا شكّ أنّ أزواج النّبي قد إكتسبن فخراً لا يضاهى وعزّاً لا يسامى بزواجهنّ من النّبي (صلى الله عليه وآله)، وإكتساب هذا الفخر يحتاج إلى مثل هذه التضحية.

لهذا السبب كانت نساء النّبي يعشن من بعده بكلّ إحترام وتقدير بين الاُمّة الإسلامية، وكن راضيات جدّاً عن حالهنّ، ويعتبرن ذلك الحرمان مقابل هذه الإفتخارات أمراً تافهاً.

وحذّرت الآية الثّانية الناس بشدّة، فقالت: (إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإنّ الله كان بكلّ شيء عليماً) فلا تظنّوا أنّ الله سبحانه لا يعلم ما خططتم له في سبيل إيذاء النّبي (صلى الله عليه وآله) سواء ما ذكرتموه، أو الذي أضمرتموه، فإنّه تعالى يعلم كلّ ذلك جيداً، ويعامل كلّ إنسان بما يناسب عمله.

 

* * *

 

______________________________________

1 ـ تفسير القرطبي، المجلّد 8، صفحة 5310.

[  333 ]

بحوث

مناسبة للبحث الذي ورد في الآيات المذكورة في شأن واجبات المسلمين عندما يدعون إلى ضيافة النّبي (صلى الله عليه وآله)، نورد جانباً من تعليمات الإسلام فيما يتعلّق بأصل مسألة «الضيافة»، وحقّ الضيف، وواجبات المضيف:

 

1 ـ الضيافة:

لقد أولى الإسلام مسألة الضيافة أهميّة خاصّة، حتّى أنّه ورد في حديث عن النّبي (صلى الله عليه وآله): «الضيف دليل الجنّة»(1).

إنّ أهميّة الضيف ووجوب إحترامه وتقديره، بلغ حدّاً إعتبر فيه هدية سماوية، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «إذا أراد الله بقوم خيراً أهدى إليهم هدية، قالوا: وما تلك الهدية؟ قال: الضيف ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب أهل البيت»(2).

والطريف أنّ رجلا حضر عند النّبي (صلى الله عليه وآله) فقال: فداك أبي واُمّي، إنّي اُسبغ الوضوء، واُقيم الصلاة، واُؤتي الزكاة في حينها، واُرحّب بالضيف واُقريه في الله، فقال (صلى الله عليه وآله): «بخ بخ بخ! ما لجهنّم عليك سبيل! إنّ الله قد برأك من الشحّ إن كنت كذلك».

الكلام في هذا الباب كثير، ونكتفي بهذا القدر رعاية للإختصار.

 

2 ـ مراعاة البساطة في الضيافة:

مع كلّ الأهمية التي يتمتّع بها الضيف، فإنّ الضيافة إذا اتّسمت بالتكلّف فإنّها غير راجحة من وجهة نظر الإسلام، بل ونهى عنها، فإنّ الإسلام يوصي بأن تكون الضيافة بسيطة، وجعل معياراً عادلا بين الضيف والمضيف، وهو: أن لا يبخل

______________________________________

1 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 460 باب 93 حديث 14.

2 ـ المصدر السابق.

[  334 ]

المضيف بما عنده ويحضره، وأن لا يتوقّع الضيف أكثر من ذلك!

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «المؤمن لا يحتشم من أخيه، وما أدري أيّهما أعجب؟! الذي يكلّف أخاه إذا دخل عليه أن يتكلّف له، أو المتكلّف لأخيه؟»(1).

ويروي سلمان الفارسي عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أن لا نتكلّف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدّم إليه ما حضرنا»(2).

 

3 ـ حقّ الضيف:

قلنا: إنّ الضيف كالهدية السماوية من وجهة نظر الإسلام، ويجب أن يرحّب به ويكرم غاية الإكرام، ويحترم أقصى ما يمكن، حتّى أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام)يروي عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «من حقّ الضيف أن تمشي معه فتخرجه من حريمك إلى البر»(3).

ويجب تهيئة مستلزمات راحته إلى الحدّ الذي لا يبلغ التكلّف، حتّى أنّه ورد في حديث أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ من حقّ الضيف أن يعد له الخلال»(4).

وقد يكون الضيوف خجولين أحياناً، ولذلك فقد صدر أمر بعدم سؤالهم عمّا إذا كانوا قد تناولوا الطعام أم لا، بل يمدّ لهم السماط فإن شاءوا وأكلوا، كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «لا تقل لأخيك إذا دخل عليك أكلت اليوم شيئاً؟ ولكن قرّب إليه ما عندك، فإنّ الجواد كلّ الجواد من بذل ما عنده»(5).

ومن جملة واجبات المضيف أمام الله سبحانه أن لا يحقّر الطعام الذي أعدّه، لأنّ نعمة الله سبحانه عزيزة ومحترمة مهما كانت، إلاّ أنّ المتعارف بين المترفين

______________________________________

1 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 453.

2 ـ المحجّة البيضاء، المجلّد 3، صفحة 29 الباب الثالث.

3 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 451.

4 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 455.

5 ـ المصدر السابق.

[  335 ]

وأهل التكلّف أنّهم مهما نوّعوا السماط وملؤوه بأنواع الأطعمة فإنّهم يقولون: هذا شيء بسيط لا يليق بمقامكم!

وفي المقابل يجب أن لا يحتقر الضيف ما قدّم إليه، ففي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «هلك امرؤ احتقر لأخيه ما يحضره، وهلك امرؤ احتقر من أخيه ما قدّم إليه»(1).

إنّ الإسلام دقيق النظرة في إكرام الضيف، فهو يقول: استقبل الضيف وأعنه عندما يدخل إلى بيتك، أمّا إذا أراد الخروج فلا تعنه لئلاّ يتصوّر بأنّك راغب في خروجه(2).

 

4 ـ واجبات الضيف:

إنّ المسؤوليات تكون متقابلة دائماً، فكما أنّ على المضيف واجبات تجاه الضيف، فكذلك توجد على الضيف واجبات ينبغي أن يراعيها.

فعلاوة على ما ذكر في الأحاديث السابقة، فإنّ على الضيف أن ينفّذ ما يطلبه منه صاحب البيت ويقترحه عليه في شأن منزله، فإذا طلب منه أن يجلس في مكان ما مثلا فليفعل، فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إذا دخل أحدكم على أخيه في رحله فليقعد حيث يأمر صاحب الرحل، فإنّ صاحب الرحل أعرف بعورة بيته من الداخل عليه»(3).

وملخّص الكلام أنّ مسألة الضيافة وآدابها قد خصّص لها بحث واسع في آداب المعاشرة الإسلامية، وليراجع لمزيد الإيضاح في هذا الباب «بحار الأنوار»، الأبواب 88 ـ 94 من أبواب العشرة، المجلّد 17 و «المحجّة البيضاء»، المجلّد 3

______________________________________

1 ـ المحجّة البيضاء، المجلّد 3، صفحة 30.

2 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 455 حديث 27.

3 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 451.

[  336 ]

الباب الرابع فضيلة الضيافة.

إلاّ أنّ هذه السنّة الإنسانية القديمة قد تقلّصت وللأسف الشديد في عصرنا الحاضر .. عصر غلبة المادية وطغيانها في العالم، وهيمنتها عليه، بل إنّها قد اجتّثت تقريباً في بعض المجتمعات الغربية، وقد سمعنا أنّ بعض اُولئك عندما يأتون إلى البلاد الإسلامية ويرون إنتشار مسألة الضيافة التي لا زالت قائمة في البيوتات الأصيلة، ومدى العواطف التي تكتنفها، فإنّهم يتعجّبون كيف يمكن أن يقدّم الناس أفضل الوسائل الموجودة في البيت، وأنفس الأطعمة وألذّها للضيوف الذين ربّما تربطهم بهم رابطة ضعيفة أحياناً، وربّما كانوا قد تعارفوا في سفرة قصيرة؟!

إلاّ أنّ ملاحظة الأحاديث الإسلامية ـ التي ورد قسم منها قبل قليل ـ تبيّن سبب هذه التضحية والإيثار، وتوضّح الحسابات المعنوية في هذا المجال .. تلك الحسابات التي لا تعني شيئاً لدى عبّاد المادّة والغارقين في بحرها.

 

* * *

[  337 ]

 

 

الآية

 

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهيداً(55)

 

سبب النّزول

يروي بعض المفسّرين أنّ آباء نساء النّبي وأبناءهنّ وعوائلهنّ سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد نزول آية الحجاب ـ الآية السابقة ـ : يارسول الله، ونحن أيضاً نحدّثهنّ من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية بأنّها لا تشملكم.

 

التّفسير

الموارد المستثناة من قانون الحجاب:

لمّا كان الحكم الذي ورد في الآية السابقة حول حجاب نساء النّبي مطلقاً، ويمكن أن يوهم هذا الإطلاق بأنّ المحارم مكلّفون بتنفيذه أيضاً، وأن يحدّثوهنّ من وراء حجاب كالأجانب، فقد نزلت هذه الآية وفصلت حكم هذه المسألة.

تقول الآية: (لا جناح عليهنّ في آبائهنّ ولا أبنائهنّ ولا إخوانهنّ ولا أبناء

 ]338 ]

إخوانهنّ ولا أبناء أخواتهنّ ولا نسائهنّ ولا ما ملكت أيمانهنّ). وبتعبير آخر: فإنّ محارمهنّ الذين استثنوا في الآية هم هؤلاء الستّة فقط، وإذا قيل: إنّ هناك أفراداً من المحارم أيضاً لم يجر لهم ذكر في الآية كالأعمام والأخوال، فيجاب على هذا السؤال بأنّه:

لمّا كان القرآن يراعي الفصاحة والبلاغة في أجلى صورها وأسماها، وأحد اُصول الفصاحة هو أن لا تكون في الكلام أي كلمة زائدة، فقد إمتنع عن ذكر الأعمام والأخوال هنا، وذلك لأنّه حينما ذكر أولاد الأخ وأولاد الاُخت، فسوف يتّضح حكم الأعمام والأخوال من المحارم، لأنّ لهذه المحرمية جانبان، فكما أنّ ابن الأخ محرم بالنسبة إلى المرأة، فإنّها ستكون محرماً أيضاً بالنسبة إلى ابن أخيها ـ ونحن نعلم أنّ مثل هذه المرأة تعتبر «عمّة» ـ ولأنّ ابن الاُخت كما هو محرم عليها فإنّها ستكون محرماً بالنسبة إلى ابن الاُخت، ونعلم أنّ مثل هذه المرأة هي «الخالة».

وعندما تكون العمّة والخالة محرماً بالنسبة إلى ابن الأخ وابن الاُخت، فإنّ العمّ والخال سيكونان أيضاً محرماً بالنسبة إلى ابنة الأخ وابنة الاُخت، حيث لا فرق بين العمّ والعمّة، والخال والخالة، وهذه إحدى دقائق القرآن الكريم. (تدبّر ذلك).

وهنا يطرح سؤال آخر، وهو: إنّ أبا الزوج وابن الزوج بعض محارم المرأة، فلماذا لم يذكرا هنا؟ في حين أنّهما ذكرا من جملة المحارم في الآية (31) من سورة النور.

والإجابة عن هذا السؤال واضحة، لأنّ الكلام في هذه الآية منحصر في حكم نساء النّبي (صلى الله عليه وآله)، ونحن نعلم أنّ أبا النّبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن موجوداً حال حياته، ولا اُمّه، ولم يكن له ابن(1). «فتأمّل».

______________________________________

1 ـ ذكر المؤرخّون ثلاثة أولاد للنبي (صلى الله عليه وآله): القاسم وعبدالله (الملقّب بالطيّب والطاهر)، وكانا من خديجة، وقد ودّعا الحياة في طفولتهما، وإبراهيم الذي ولد في السنة الثامنة للهجرة، ولم يعش أكثر من 18 أو 16 شهراً ولم يكن أي منهم حيّاً عند نزول سورة الأحزاب، وإبراهيم ولد بعد ذلك ومات في طفولته. يراجع: اُسد الغابة، وسائر كتب التأريخ والرجال.

[  339 ]

إنّ عدم ذكر الإخوة والأخوات من الرضاعة، وأمثالهم بسبب أنّ هؤلاء في حكم الأخ والاُخت وسائر المحارم، ولا يحتاجون إلى ذكر مستقل.

ويتغيّر اُسلوب الآية في نهايتها من الغائب إلى المخاطب، فتخاطب نساء النّبي وتقول: (واتّقين الله إنّ الله كان على كلّ شيء شهيداً) فإنّ الحجاب والستر وأمثالهما وسائل للحفظ والإبعاد عن الذنب والمعصية ليس إلاّ، والدعامة الأساسية هي التقوى فحسب، ولولاها فسوف لا تنفع كلّ هذه الوسائل.

والجدير بالذكر أنّ (نسائهنّ) إشارة إلى النساء المسلمات، وذلك لأنّ من غير اللائق بالنساء المسلمات ـ وكما قلنا في تفسير سورة النور ـ أن يكنّ بدون حجاب أمام غير المسلمات، إذ أنّ من الممكن أن تصفهنّ غير المسلمات لأزواجهنّ(1).

وأمّا جملة: (ولا ما ملكت أيمانهنّ) فلها معنى واسع ـ كما قلنا ذلك في تفسير سورة النور أيضاً ـ يشمل الجواري والغلمان، إلاّ أنّها تختّص بالجواري طبقاً لبعض الرّوايات الإسلامية، وبناءً على هذا فإن ذكرهنّ بعد ذكر «النساء» قد يكون من جهة شمولها للجواري غير المسلمات عموماً. (دقّقوا ذلك).

 

* * *

______________________________________

1 ـ يراجع التّفسير الأمثل ذيل الآية (31) من سورة النور.

[  340 ]

 

 

الآيات

 

إِنَّ اللهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً(56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً(57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَـناً وَإِثْماً مُّبِيناً(58)

 

التّفسير(1)

الصلاة على النّبي والسلام عليه:

بعد البحوث التي مرّت في الآيات السابقة حول وجوب حفظ حرمة النّبي (صلى الله عليه وآله)وعدم إيذائه، فإنّ هذه الآيات تتحدّث أوّلا عن محبّة الله وملائكته للنّبي (صلى الله عليه وآله)وتعظيمهم له، وبعد ذلك تأمر المؤمنين بذلك، ثمّ تذكر العواقب المشؤومة الأليمة لاُولئك الذين يؤذون النّبي (صلى الله عليه وآله) ثمّ تبيّن أخيراً عظم ذنب الذين يؤذون المؤمنين بإتّهامهم والإفتراء عليهم.

______________________________________

1 ـ الطريف أنّ البدء بهذه الآيات صادف ليلة ميلاد النّبي (صلى الله عليه وآله) في شهر ربيع الأوّل سنة الف وأربعمائة وأربع للهجرة.

[  341 ]

تقول أوّلا: (إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبي).

إنّ مقام النّبي (صلى الله عليه وآله) ومنزلته من العظمة بمكان، بحيث أنّ خالق عالم الوجود، وكلّ الملائكة الموكّلين بتدبير أمر هذا العالم بأمر الله سبحانه يصلّون عليه، وإذا كان الأمر كذلك فضمّوا أصواتكم إلى نداء عالم الوجود هذا، فـ (ياأيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً).

إنّه جوهرة نفيسة لعالم الخلقة، وقد جُعل بينكم بلطف الله، فلا تستصغروا قدره، ولا تنسوا مقامه ومنزلته عند الله وملائكة السماوات .. إنّه إنسان ظهر من بينكم، لكنّه ليس إنساناً عادياً، بل هو إنسان يتلخّص عالم الوجود في وجوده.

وهنا اُمور يجب الإلتفات إليها:

1 ـ (الصلاة) وجمعها «صلوات»، كلّما نسبت إلى الله سبحانه فإنّها تعني «إرسال الرحمة»، وكلّما نسبت إلى الملائكة فإنّها تعني «طلب الرحمة»(1).

2 ـ إنّ التعبير بـ (يصلّون) وهو فعل مضارع يدلّ على الإستمرار، يعني أنّ الله وملائكته يصلّون عليه دائماً وباستمرار صلاة دائمة خالدة.

3 ـ إختلف المفسّرون في الفرق بين (صلّوا) و (سلّموا) والذي يبدو أنسب للأصل اللغوي للكلمتين، وأوفق لظاهر الآية القرآنية، هو: أن (صلّوا) أمر بطلب الرحمة والصلاة على النّبي، أمّا (سلِّموا) فتعني التسليم لأوامر نبي الإسلام الأكرم، كما ورد في الآية (65) من سورة النساء (ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً).

وكما نقرأ في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ أبا بصير سأله فقال: قد عرفت صلاتنا على النّبي، فكيف التسليم؟ قال: «هو التسليم له في الاُمور»(2).

أو أن يكون بمعنى «السلام» على النّبي (صلى الله عليه وآله) بـ (السلام عليك يارسول الله) وما

______________________________________

1 ـ أورد الراغب هذا المعنى بعبارات اُخرى في المفردات.

2 ـ مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث.

[  342 ]

أشبه ذلك، والذي يعني طلب سلامة النّبي (صلى الله عليه وآله) من الله سبحانه.

يروي «أبو حمزة الثمالي» عن «كعب» ـ وهو أحد أصحاب النّبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية قلنا: قد عرفنا السلام عليك، فكيف نصلّي عليك؟ فقال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد»(1). ومن هذا الحديث تتّضح كيفية الصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله)وكذلك يتّضح معنى «السلام».

وبالرغم من أنّ هذين المعنيين للسلام يبدوان مختلفين تماماً، إلاّ أنّه يمكن عطفهما وإرجاعهما إلى نقطة واحدة إذا دقّقنا فيهما، وهي: التسليم القولي والفعلي للنبي (صلى الله عليه وآله)، لأنّ من يسلّم عليه ويرجو من الله سلامته، يعشقه ويعرفه كنبي مفترض الطاعة.

4 ـ ممّا يلفت النظر أنّه قد ورد صريحاً في كيفية الصلاة على النّبي وفي روايات لا تحصى من طرق العامّة وأهل البيت، أن يضاف (آل محمّد) عند الصلوات على محمّد (صلى الله عليه وآله).

فقد روي في «الدرّ المنثور» عن صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه ورواه آخرين عن كعب بن عجرة: أنّ رجلا أتى إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أمّا السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ فقال النّبي (صلى الله عليه وآله): «قل اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد. اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد».

وقد أورد صاحب تفسير الدرّ المنثور ثمانية عشر حديثاً آخر إضافةً إلى هذا

______________________________________

1 ـ المصدر السابق. وروي الحديث الثّاني في كتب الفريقين بطرق متعدّدة، وبعبارات قريبة الألفاظ.

[  343 ]

الحديث، صرّحت جميعاً بوجوب ذكر «آل محمّد» عند الصلوات.

وقد رويت هذه الأحاديث عن كتب أهل السنّة المعروفة المشهورة عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عبّاس، وطلحة، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وبريدة، وابن مسعود، وكعب بن عجرة، وأمير المؤمنين علي(عليه السلام)(1).

وقد رويت في صحيح البخاري (وهو أشهر مصادر الحديث عند أهل السنّة) روايات عديدة في هذا الباب يستطيع من يريد مزيد الإيضاح أن يرجع إليه(2).

وكذلك وردت في صحيح مسلم روايتان في هذا الباب(3).

والعجيب في هذا الكتاب أنّه بالرغم من ورود (آل محمّد) عدّة مرّات في هذين الحديثين، فإنّه إختار هذا العنوان لهذا الباب: (باب الصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله)) بدون ذكر «الآل»!!

وثمّة مسألة تستحقّ الإنتباه وهي: أنّ في بعض روايات أهل السنّة، وفي كثير من روايات أهل البيت لم ترد حتّى كلمة (على) لتفرّق بين محمّد وآل محمّد، بل كيفية الصلاة هي: اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

وننهي هذا البحث بحديث آخر عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فإنّ «ابن حجر» يروي في الصواعق: أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) قال: «لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء؟ قال: تقولون: اللهمّ صلّ على محمّد وتمسكون، بل قولوا: اللهمّ صلّ على على محمّد وآل محمّد»(4).

ولهذه الرّوايات فقد اعتبر جمع من كبار فقهاء العامّة إضافةً (آل محمّد) إلى

______________________________________

1 ـ تفسير الدرّ المنثور ذيل الآية مورد البحث، طبقاً لتفسير الميزان، ج16، صفحة 344.

2 ـ صحيح البخاري، المجلّد 6، صفحة 151.

3 ـ صحيح مسلم، المجلّد 1، صفحة 305 باب الصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله).

4 ـ الصواعق المحرقة، صفحة 144.

[  344 ]

اسم «محمّد» في تشهد الصلاة واجباً(1).

5 ـ هل أنّ الصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله) واجبة أم لا؟ وإذا كانت واجبة فأين تجب؟

يقول الفقهاء في الإجابة عن هذا السؤال: إنّ جميع فقهاء أهل البيت يعتبرونها واجبة في التشهّد الأوّل والثّاني من الصلاة، ومستحبة في غيرهما.

وعلاوةً على الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الباب، فإنّ الروايات الواردة في كتب أهل السنّة، والدالّة على الوجوب، ليست بالقليلة، ومن جملتها ما ورد عن عائشة أنّها قالت: سمعت رسول الله يقول: «لا يقبل صلاة إلاّ بطهور وبالصلاة عليّ».

ويعتبر «الشافعي» ـ وهو من فقهاء العامّة ـ الصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله) واجبة في التشهّد الثاني، و «أحمد» في إحدى الروايتين المرويتين عنه، وجمع آخر من الفقهاء، غير أنّ «أبا حنيفة» لا يعتبرها واجبة.

والطريف أنّ «الشافعي» قد نظّم فتواه هذه شعراً وذكرها بصراحة حيث يقول:

ياأهل بيت رسول الله حبّكم فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم من لم يصلّ عليكم لا صلاة له(2)

ثمّ تبيّن الآية التالية النقطة المقابلة للآية السابقة، فتقول: (إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً).

ماذا يراد من أذى الله سبحانه؟

قال البعض: إنّ المراد منه هو الكفر والإلحاد الذي يُغضِب الله عزّوجلّ، لأنّ «الأذى» لا يعني في شأن الله تعالى إلاّ إغضابه.

______________________________________

1 ـ أورد العلاّمة الحلّي هذا القول في بحث التشهّد من التذكرة ـ إضافةً إلى كلّ علماء الشيعة ـ عن الإمام أحمد وبعض الشافعية.

2 ـ ذكر العلاّمة الأميني في كتاب «الغدير» النفيس نسبة هذه الأشعار إلى الشافعي عن شرح المواهب للزرقاني وجماعة آخرين.

[  345 ]

ويحتمل أيضاً أن يكون إيذاء النّبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين هو إيذاء الله تعالى، وذكر الله في الآية لأهمية المطلب وتأكيده.

وأمّا إيذاء نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) فله معنى واسع، ويشمل كلّ عمل يؤذيه، سواء كان الكفر والإلحاد ومخالفة أوامر الله والإفتراءات والتّهم، أم الأذى الذي يراه حين يدعوهم إلى بيته، كما مرّ في الآية (53) من هذه السورة (إنّ ذلكم كان يؤذي النّبي).

أو الموضوع الذي ورد في الآية (61) من سورة التوبة عندما اتّهموا النّبي (صلى الله عليه وآله)بأنّه «اُذن» نتيجة إصغائه لكلام الناس ورعايته لأدب المحادثة (ومنهم الذين يؤذون النّبي ويقولون هو اُذن) وأمثال ذلك.

بل ويستفاد من الرواية الواردة في ذيل الآية أنّ إيذاء أهل بيت النّبي وخاصّة علي وفاطمة (عليهما السلام)، يدخل ضمن الآية، وقد جاء في المجلّد الخامس من صحيح البخاري، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»(1).

وورد هذا الحديث في «صحيح مسلم» بهذه العبارة: «إنّ فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها»(2).

وروي هذا المعنى في حقّ علي (عليه السلام) عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)(3).

وأمّا «اللعن» الوارد في الآية أعلاه، فإنّه بمعنى الطرد عن رحمة الله، وهو في مقابل الرحمة والصلوات التي وردت في الآية السابقة تماماً.

إنّ اللعن والطرد عن رحمة الله سبحانه .. تلك الرحمة الواسعة التي لا تعرف الحدود، يعدّ أسوأ أنواع العذاب، خاصّةً إذا كان هذا الطرد في الدنيا والآخرة كما هو في الآية مورد البحث، ولعلّ ذكر مسألة اللعن قبل العذاب المهين لهذا السبب.

______________________________________

1 ـ صحيح البخاري، الجزء 5، صفحة 26.

2 ـ صحيح مسلم، المجلّد 4، صفحة 1903 باب فضائل فاطمة.

3 ـ تفسير مجمع البيان ذيل الآية مورد البحث.

[  346 ]

والتعبير بـ (أعَدّ) دليل على تأكيد هذا العذاب وشدّته.

وتتحدّث الآية الأخيرة عن إيذاء المؤمنين، وتهتمّ به جدّاً بعد إيذاء الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، فتقول: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) لأنّ للمؤمن علاقة بالله ورسوله عن طريق الإيمان، ولهذا جعل في مرتبة الله ورسوله هنا.

وتعبير (بغير ما اكتسبوا) إشارة إلى أنّ هؤلاء لم يرتكبوا ذنباً حتّى يؤذوا، ومن هنا يتّضح أنّهم إن بدر منهم ذنب يستوجب الحدّ والقصاص فلا مانع من إجرائه وتنفيذه في حقّهم، وكذلك لا يشمل هذا الكلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إنّ تقديم «البهتان» على «الإثم المبين» لأهميّته، لأنّ البهتان يعتبر من أكبر الذنوب، والجراحات التي تنجم عنه أشدّ ألماً من جراحات السنان، كما قال الشاعر العربي:

جراحات السنان لها التيام ولا يلتام ما جرح اللسان

وقد أولت الرّوايات الإسلامية هذه المسألة إهتماماً فائقاً، ففي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله عزّوجلّ يقول: «ليأذن بحرب منّي من آذى عبدي المؤمن»(1).

وقال بعض المفسّرين: يستفاد من اُسلوب الآية أنّ جماعة في المدينة كانوا يطلقون الشائعات ويثيرون الشبهات حول المؤمنين، ويتّهمونهم بما ليس فيهم، وحتّى نبي الله لم يكن بمنأى عن ألسن اُولئك المؤذين. وهذه الفئة ليست قليلة في المجتمعات الاُخرى، وخاصّة في مجتمعات اليوم، وليس لها عمل إلاّ التآمر ضدّ الصالحين والمحسنين، وإختلاق الأكاذيب والتّهم.

______________________________________

1 ـ اُصول الكافي، المجلّد 2، صفحة 35.

[  347 ]

لقد هاجم القرآن الكريم هؤلاء الأشخاص أشدّ هجوم، ووصفت أعمالهم بالبهتان والإثم المبين. والشاهد لهذا الكلام سيأتي في الآيات التالية.

وجاء في حديث آخر يرويه الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من بهت مؤمناً أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى يوم القيامة على تلّ من نار حتّى يخرج ممّا قاله فيه»(1).

 

* * *

______________________________________

1 ـ بحار الأنوار، المجلّد 75، صفحة 194.

[  348 ]

 

 

الآيات

 

يَـأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لاَِّزْوَجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً(59) لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَـفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا(60) مَّلْعُونِينَ أَيْنََما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا (61)سُنَّةَ اللهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا(62)

 

سبب النّزول

جاء في تفسير «علي بن إبراهيم» في سبب نزول الآية الاُولى: فإنّه كان سبب نزولها أنّ النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلّين خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا كان بالليل خرجن إلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة والغداة، يقعد الشبّان لهنّ في طريقهنّ فيؤذونهن ويتعرّضون لهنّ فأنزل الله: (ياأيّها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ـ إلى قوله ـ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً

 ]349 ]

رحيماً)(1).

وجاء في نفس الكتاب في شأن نزول الآية الثانية، أنّها نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج في بعض غزواته يقولون قتل وأسر فيغتمّ المسلمون لذلك ويشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله في ذلك: (لئن لم ينته المنافقون ـ إلى قوله ـ ثمّ لا يجاورونك إلاّ قليلا)(2) فبذلك هدّدت مختلقي الشايعات بشدّة.

 

التّفسير

تحذير شديد للمؤذين ومختلقي الإشاعات!

بعد النهي عن إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين الذي ورد في الآية السابقة، أكّدت الآية هنا على أحد موارد الأذى، ومن أجل الوقوف أمامه سلكت طريقين: فأمرت المؤمنات أوّلا أن لا يدعن في يد المفسدين والعابثين حجّة يتشبّثون بها في سبيل تحقيق أذاهم، ثمّ هاجمت المنافقين ومختلقي الإشاعات وهدّدتهم بتهديد قلّ نظيره في آيات القرآن.

فتقول الآية في الجزء الأوّل: (ياأيّها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين).

هناك رأيان لدى المفسّرين في المراد من «المعرفة» لا يتناقضان:

الأوّل: أنّه كان من المتعارف ذلك اليوم أن تخرج الجواري من المنازل مكشوفات الرأس والرقبة، ولمّا لم يكن مقبولات من الناحية الأخلاقية، فقد كان بعض الشباب المتهوّر يضايقوهنّ، فأمرت المسلمات الحرائر أن يلتزمن الحجاب التامّ ليتميّزن عن الجواري، وبالتالي لا يقدر أن يؤذيهنّ اُولئك الشباب.

______________________________________

1 ـ تفسير القمّي ج2 ص196.

2 ـ المصدر السابق طبقاً لنقل نور الثقلين، ج4، ص307.

[  350 ]

ومن البديهي أنّ هذا الكلام لا يعني أنّه كان لاُولئك الطائشين حقّ أذى الجواري، بل المراد سلب الحجّة من الأفراد الفاسدين.

والآخر: أنّ الهدف هو أن لا تتساهل المسلمات في أمر الحجاب كبعض النساء المتحلّلات والمتبرجات المسلوبات الحياء رغم التظاهر بالحجاب، هذا التبرّج يغري السفلة والأراذل ويلفت إنتباههم.

أمّا المراد من «الجلباب» فقد ذكر المفسّرون وأرباب اللغة عدّة معان له:

1 ـ أنّه «الملحفة»، وهي قماش أطول من الخمار يغطّي الرأس والرقبة والصدر.

2 ـ أنّه المقنعة والخمار.

3 ـ أنّه القميص الفضفاض الواسع(1).

ومع أنّ هذه المعاني تختلف عن بعضها، إلاّ أنّ العامل المشترك فيها أنّها تستر البدن.

وتجدر الإشارة إلى أنّ «الجلباب» يقرأ بكسر الجيم وفتحها.

إلاّ أنّ الأظهر أنّ المراد هو الحجاب الذي يكون أكبر من الخمار وأقصر من العباءة، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب.

والمراد من (يُدنين) أن يقربن الجلباب إلى أبدانهن ليكون أستر لهنّ، لا أن يدعنه كيف ما كان بحيث يقع من هنا وهناك فينكشف البدن، وبتعبير أبسط أن يلاحظن ثيابهنّ ويحافظن على حجابهنّ.

أمّا ما إستفاده البعض من أنّ الآية تدلّ على وجوب ستر الوجه أيضاً، فلا دليل عليه، والنادر من المفسّرين من إعتبر ستر الوجه داخلا في الآية(2).

وعلى كلّ حال، فيستفاد من هذه الآية أنّ حكم الحجاب بالنسبة للحرائر كان

______________________________________

1 ـ لسان العرب، مجمع البحرين، مفردات الراغب القطر المحيط، وتاج العروس.

2 ـ كان لنا بحث حول فلسفة الحجاب وأهميّته، وكذلك حول إستثناء الوجه والكفّين في ذيل الآيتين 31 و32 من سورة النور.

[  351 ]

قد نزل من قبل، إلاّ أنّ بعض النسوة كنّ يتساهلن في تطبيقه، فنزلت الآية المذكورة للتأكيد على الدقّة في التطبيق.

ولمّا كان نزول هذا الحكم قد أقلق بعض المؤمنات ممّا كان منهن قبل ذلك، فقد أضافت الآية في نهايتها (وكان الله غفوراً رحيماً) فكلّ ما بدر منكنّ إلى الآن كان نتيجة الجهل فإنّ الله سيغفره لكنّ، فتبن إلى الله وارجعن إليه، ونفذن واجب العفّة والحجاب جيداً.

بعد الأمر الذي صدر في الآية السابقة للمؤمنات، تناولت هذه الآية بُعداً آخر لهذه المسألة، أي أساليب الأراذل والأوباش في مجال الإيذاء، فقالت: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينّك بهم ثمّ لا يجاورونك فيها إلاّ قليلا)(1).

(المرجفون) من مادّة «إرجاف»، وهي إشاعة الأباطيل بقصد إيذاء الآخرين وإحزانهم، وأصل الإرجاف: الإضطراب والتزلزل، ولمّا كانت الإشاعات الباطلة تحدث إضطراباً عامّاً، فقد اُطلقت هذه الكلمة عليها.

و (نغرينّك) من مادّة «الإغراء»، ويعني الدعوة إلى تنفيذ عمل، أو تعلّم شيء، دعوة تقترن بالترغيب والتحريض.

ويستفاد من سياق الآية أنّ ثلاث فئات في المدينة كانت مشتغلة بأعمال التخريب والهدم، وكلّ منها كان يحقّق أهدافه باُسلوب خاصّ، فظهر ذلك كتيار ومخطّط جماعي، ولم تكن له صبغة فردية:

فالفئة الاُولى: هم «المنافقون» الذين كانوا يسعون لإقتلاع جذور الإسلام عبر مؤامرتهم ضدّه.

والثّانية: هم «الأراذل» الذين يعبّر عنه القرآن: (الذين في قلوبهم مرض) كما

______________________________________

1 ـ (قليلا) هنا مستثنى من محذوف، والتقدير: لا يجاورونك زماناً إلاّ زماناً قليلا.

[  352 ]

أنّ هذا التعبير قد ورد في الآية (32) من سورة الأحزاب في شأن من يتّبع أهواءه وشهواته (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض).

والفئة الثالثة: هم الذين كانوا بيثّون الإشاعات في المدينة، وخاصّةً عندما كان النّبي (صلى الله عليه وآله) وجيش المسلمين يتّجهون إلى الغزوات، لإضعاف معنوياتهم، وكانوا ينشرون الأخبار الكاذبة عن هزيمة النّبي والمؤمنين، وهؤلاء هم «اليهود» برأي بعض المفسّرين.

وبهذا فإنّ القرآن الكريم هدّد هذه الفئات الثلاثة جميعاً.

ويحتمل في تفسير الآية أيضاً، أنّ كلّ أعمال التخريب للفئات الثلاثة كانت من عمل المنافقين، وفصلها عن بعضها هو فصل الصفات لا الأشخاص.

ومهما كان، فإنّ القرآن يقول: إنّ هؤلاء إن استمروا في أعمالهم القبيحة المشينة فسنصدر أمراً بالهجوم العام عليهم، لنقتلع جذورهم من المدينة بحركة المؤمنين الشعبية، ولا يقدرون على البقاء في المدينة بعد ذلك.

وعندما يطردون من هذه المدينة، ويخرجون عن حماية الحكومة الإسلامية، فإنّهم سيكونون (ملعونين أينما ثقفوا اُخذوا وقتلوا تقتيلا).

«ثقفوا» من مادّة «ثقف» و «ثقافة»، وهي: السيطرة على الشيء بدقّة ومهارة، ولهذا يقال للعلم وتحصيله والإحاطة به «ثقافة». وهذا التعبير إشارة إلى أنّهم سوف لا يجدون مكاناً آمناً بعد هذا الهجوم، بل سيبحث عنهم المؤمنون بدقّة حتّى يجدوهم ويرسلوهم إلى ديار الفناء.

وهناك إحتمالان في المراد من الآية: فامّا أنّه سيطاردون المنافقين ويتعقّبونهم خارج المدينة ويقتلونهم، أو أنّهم إذا بقوا في المدينة بعد حكم الإبعاد العام سيلاقون هذا المصير، ولا منافاة بينهما، إذ أنّ المعنى هو أنّ هؤلاء المنافقين والمخرّبين والمرجفين ومرضى القلوب سوف لا يكونون بمأمن من سطوة المسلمين الشجعان بعد أن هدرت دماؤهم، وسحبت الحماية عنهم، وصدر الحكم

[  353 ]

بإخراجهم من المدينة، سواء بقوا فيها أم خرجوا.

ثمّ تضيف الآية الأخيرة من هذه الآيات أنّ هذا الأمر ليس جديداً، بل (سنّة الله في الذين خلوا من قبل) فكلّما زادت صلافة المفسدين وتجاوزت مؤامراتهم الحدود، يصدر الأمر بالهجوم عليهم.

ولمّا كان هذا الحكم سنّة إلهيّة، فإنّه سوف لا يتغيّر ولا يتبدّل أبداً، حيث أنّ سنّة الله ثابتة (ولن تجد لسنّة الله تبديلا).

إنّ هذا التعبير يجسّد كون هذا التهديد حقيقياً وجدياً، ليعلموا أنّ هذا المطلب والمصير حتمي، وله جذوره ونظائره في التأريخ، ولا سبيل إلى تغييره وتبديله، فإمّا أن ينتهوا عن أعمالهم المخزية، أو أن ينتظروا هذا المصير المؤلم.

* * *

 

تعليقات

1 ـ إبدأ بنفسك!

الأمر الذي ورد في الآيات مورد البحث حول وجوب رعاية الحجاب الإسلامي بدقّة، وأمر النّبي (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ هذا الأمر، أوّل ما بدأ بنساء النّبي، ثمّ بناته، ثمّ المؤمنات، وهو إشارة إلى أنّك يجب أن تبدأ بنفسك وأهل بيتك في أيّ برنامج إصلاحي، وهذا خطّ لكلّ مصلحي البشر.

وبدأ بالزوجات عندما دار الأمر بين الزوجات والبنات، وذلك لأنّهنّ أقرب إلى الرجل، لأنّ البنات يتزوجنّ وينتقلن إلى بيوت الأزواج.

 

2 ـ العلاج من طريقين:

لمّا كانت المفاسد الإجتماعية لا تنبعث من علّة واحدة غالباً، فلذلك يجب أن تبدأ مكافحتها من جميع الجوانب. والطريف في الأمر أنّ الآيات المذكورة، ومن

[  354 ]

أجل الوقوف أمام مضايقات الطائشين قد أمرت المؤمنات أوّلا أن لا يتركن ذريعة بيد الطائشين، ثمّ أوقفتهم عند حدّهم بتهديدهم أشدّ تهديد.

وهذا أيضاً برنامج دائمي للجميع، بأنّ الصديق لابدّ من إصلاحه، ويوقف العدوّ عند حدّه بالقوّة.

 

3 ـ موقع المسلمين القوي:

يستفاد جيّداً من تهديدات الآيات القويّة والشديدة أنّه بعد إنتهاء حادثة «بني قريظة»، وإجتثاث جذور هذه الفئة من الأعداء الداخليين الخطرين، فإنّ موقع المسلمين قد قوي في المدينة تماماً، ولم تكن المخالفات تأتي إلاّ من جانب المنافقين المندّسين بين صفوف المسلمين، أو من جانب جماعة من الأوباش والمتهوّرين ومطلقي الإشاعات، فتعامل النّبي (صلى الله عليه وآله) معهم من موقع القوّة، وحذّرهم بشدّة بأنّهم إن لم يكفوا عن مؤامراتهم ونفثهم للسموم، فإنّه سيقوم بتصفية الحساب معهم بهجوم واحد ويقضي عليهم!

وقد أثّر هذا التعامل الحازم والدقيق أثره بوضوح تامّ.

 

4 ـ إجتثاث جذور الفساد:

هل أنّ ما ورد في الآيات أعلاه عن إقتلاع جذور المفاسد كمؤامرات المنافقين، وملاحقة أعراض المسلمين وأذاهم، وإطلاق الإشاعات يصلح علاجاً في سائر الأعصار والقرون، ولكلّ الحكومات الإسلامية؟

قليل من المفسّرين من بحث ذلك، إلاّ أنّه يبدو أنّ هذا الحكم كسائر الأحكام الإسلامية لا يختّص بزمان أو مكان أو أشخاص.

إذا كان نفث السموم والتآمر قد تجاوز الحدّ على أرض الواقع، وأصبح كتيار جارف يهدّد المجتمع الإسلامي بأخطار حقيقية، فما المانع من أن تنفذ الحكومة

[  355 ]

الإسلامية أوامر الآيات أعلاه، والتي اُنزلت على النّبي (صلى الله عليه وآله) ومنحته هذه الصلاحية، وتعبىء الناس للقضاء على جذور الفساد؟

إلاّ أنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الأعمال وأمثالها، خاصّة وأنّها مطروحة كسنّة لا تقبل التغيير، لا يسمح بها كتصرّف شخصي، وتمسّك برأي خاصّ، بل تجوز فقط بعد إذن ولي أمر المسلمين وحكّام الشرع بها.

 

5 ـ سنن الله الثابتة:

قرأنا في الآيات السابقة أنّ القرآن ذكر أنّ إحدى سنن الله التي لا تقبل التغيير هي إقتلاع جذور التآمر بهجوم عامّ، وقد كانت هذه السنّة جارية في الاُمم السابقة.

وقد ورد نظير هذا التعبير في مواضع اُخرى من القرآن، ومن جملتها ما ورد في الآية (38) من سورة الأحزاب هذه، فبعد أن أجاز سبحانه مخالفة سنّة جاهلية خاطئة وإلغاءها في مسألة مطلقة الابن بالادّعاة، يقول: ليس للنبي أيّ ذنب إذا ما نفّذ أوامر الله مهما كانت.

ثمّ يضيف تعالى: (سنّة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً).

وفي الآية (43) من سورة فاطر، وبعد أن هدّد الكافرين والمجرمين بالفناء والهلاك، يقول سبحانه: (فهل ينظرون إلاّ سنّة الأوّلين فلن تجد لسنّة الله تبديلا ولن تجد لسنّة الله تحويلا).

وفي الآية (85) من سورة غافر، وبعد أن صرّح بأنّ إيمان الكفّار العنودين من الأقوام الماضين عند مشاهدتهم عذاب الإستئصال لم ينفعهم شيئاً، يضيف: (سنّة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون).

وفي الآية (23) من سورة الفتح، وبعد أن ذكر إنتصار المؤمنين وهزيمة الكفّار في الحروب، وأن ليس لهم ولي ولا نصير، يضيف: (سنّة الله التي قد خلت من قبل

 ]356 ]

ولن تجد لسنّة الله تبديلا).

وكذلك في الآية (77) من سورة الإسراء عندما يبيّن مؤامرة إبعاد النّبي أو قتله، يضيف: (وإذاً لا يلبثون خلافك إلاّ قليلا سنّة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنّتنا تحويلا).

يستفاد من مجموع هذه الآيات جيّداً أنّ المراد من السنّة في مثل هذه الموارد: القوانين الإلهيّة الثابتة والأساسية، سواء التكوينية منها أم التشريعية، التي لا تتغيّر مطلقاً.

وبتعبير آخر: فإنّ لله سبحانه في عالم التكوين والتشريع قوانين واُصولا ثابتة، كالقوانين الأساسية والدساتير المسنونة بين شعوب العالم والتي لا تتبدّل، ولا تكون عرضةً للتغيير، وهذه القوانين الإلهية كانت حاكمة على الأقوام الماضين، وتحكّمنا اليوم، وستكون حاكمة في المستقبل على الأجيال الآتية.

إنّ نصرة النّبي، وهزيمة الكفّار، ووجوب تنفيذ أوامر الله والعمل بموجبها، حتّى وإن أدّت إلى إثارة سخط الناس وعدم رضاهم، عدم جدوى التوبة حين نزول العذاب الإلهي، وأمثال ذلك هي جزء من هذه السنن الخالدة.

إنّ هذه التعبيرات تسلّي خواطر كلّ السائرين في طريق الحقّ، وتمنحهم الهدوء والطمأنينة من جهة، وتوضّح من جهة اُخرى وحدة دعوة الأنبياء وإنسجامها، وتناسق القوانين الحاكمة على نظام الخلقة ونظام الحياة الإنسانية وإتّحادها، وهي في الحقيقة فرع من فروع التوحيد.

 

* * *

[  357 ]

 

 

الآيات

 

يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً(63) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَـفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً(64) خَـلِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً  وَلاَ نَصِيراً (65)يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَـلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ(66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَْ(67) رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً(68)

 

التّفسير

يسألون أيّان يوم القيامة؟!

كانت الآيات السابقة تتحدّث عن مؤامرات المنافقين والأشرار، وقد اُشير في هذه الآيات التي نبحثها إلى واحدة اُخرى من خططهم الهدّامة، وأعمالهم المخرّبة، حيث كانوا يطرحون أحياناً هذا السؤال: متى تقوم القيامة التي يخبر بها محمّد ويذكر لها كلّ هذه الصفات؟ وذلك إمّا استهزاءً، أو لزرع الشكّ فيها في قلوب

[  358 ]

البسطاء، فتقول الآية: (يسألك الناس عن الساعة).

ويحتمل أيضاً أن يكون بعض المؤمنين قد سأل النّبي (صلى الله عليه وآله) هذا السؤال بدافع من حبّ الإستطلاع، أو للحصول على معلومات أكثر حول هذا الموضوع.

غير أنّ ملاحظة الآيات التي تلي هذه الآية ترجّح التّفسير الأوّل، والشاهد الآخر لهذا الكلام ما ورد في الآيتين 17 ـ 18 / سورة الشورى في هذا الباب، حيث تقولان: (وما يدريك لعلّ الساعة قريب . يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها).

ثمّ تقول الآية ـ مورد البحث ـ في مقام جوابهم: (قل إنّما علمها عند الله) ولا يعلمها حتّى المرسلون والملائكة المقرّبون.

ثمّ تضيف بعد ذلك: (وما يدريك لعلّ الساعة تكون قريباً).

وبناءً على هذا يجب أن نكون مستعدّين دائماً لقيام القيامة، وهذه هي الحكمة من كونها خافية مجهولة لئلاّ يظنّ أحد أنّه في مأمن منها، ويتصوّر أنّ القيامة بعيدة فعلا، ويعتبر نفسه في معزل عن عذاب الله وعقابه.

ثمّ تطرّقت الآية إلى تهديد الكافرين، وتناولت جانباً من عقابهم الأليم، فقالت: (إنّ الله لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون وليّاً  ولا نصيراً).

الفرق بين «الولي» و «النصير» هنا هو: أنّ «الولي» من يتولّى القيام بكلّ الأعمال وتنفيذها، أمّا «النصير» فهو الذي يعين على الوصول إلى الهدف المطلوب. إلاّ أنّ هؤلاء الكافرين لا وليّ لهم في القيامة ولا نصير.

ثمّ بيّنت جزءاً آخر من عذابهم الأليم في القيامة فقالت: (يوم تقلّب وجوههم في النهار) وهذا التقليب إمّا أن يكون في لون البشرة والوجه حيث تصبح حمراء أو سوداء أحياناً، أو من جهة تقلّبهم في النار ولهيبها حيث تكون وجوههم في مواجهة النار أحياناً، وأحياناً جوانب اُخرى (نعوذ بالله من ذلك).

[  359 ]

هنا ستنطلق صرخات حسرتهم، و (يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا)فإنّا لو كنّا أطعناهما لم يكن ينتظرنا مثل هذا المصير الأسود الأليم.

(وقالوا ربّنا إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا)(1).

(السادة) جمع «سيّد»، وهو المالك العظيم الذي يتولّى إدارة المدن المهمّة أو الدول، و «الكبراء» جمع «كبير» وهو الفرد الكبير سواء من ناحية السنّ، أو العلم، أو المركز الإجتماعي وأمثال ذلك. وبهذا فإنّ السادة إشارة إلى رؤساء البلاد العظام، والكبراء هم الذين يتولّون إدارة الاُمور تحت إشراف اُولئك السادة، ويعتبرون معاونين ومشاورين لهم، وكأنّهم يقولون: إنّنا قد جعلنا طاعة السادة محل طاعة الله، وطاعة الكبراء مكان طاعة الأنبياء، فابتلينا بأنواع الإنحرافات والتعاسة والشقاء.

من البديهي أنّ معيار السيادة وكون الشخص كبيراً بين اُولئك الأقوام هو القوّة والسيطرة، والمال والثروة الغير مشروعة، والمكر والخداع. وربّما كان إختيار هذين التعبيرين هنا من أجل أنّهم يحاولون توجيه عذرهم ويقولون: لقد كنّا تحت تأثير العظمة الظاهرية لاُولئك.

هنا تثور ثائرة هؤلاء الجهنميين الضالّين، ويطلبون من الله سبحانه أن يزيد في عذاب مضلّيهم وعقابهم أشدّ عقاب فيقولون: (ربّنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) ـ عذاب لضلالهم وعذاب لإضلالهم ـ .

من المسلّم أنّ هؤلاء يستحقّون العذاب واللعن، وإستحقاقهم للعذاب المضاعف واللعن الكبير بسبب سعيهم في سبيل إضلال الآخرين، ودفعهم إلى طريق الإنحراف.

والطريف ما ورد في الآية 38 من سورة الأعراف، من أنّ هؤلاء المتّبعين

______________________________________

1 ـ إنّ الألف في «الرسولاً» و «السبيلاً» هي ألف الإطلاق، ولتناسق آخر الآيات، وإلاّ فإنّ التنوين لا يجتمع مع الألف واللام مطلقاً.

[  360 ]

الضالّين عندما يطلبون عذاب الضعف لسادتهم وأئمّتهم، يقال: (لكلّ ضعف ولكن لا تعلمون)(1).

إنّ كون عذاب أئمّة الكفر والضلال مضاعفاً واضح، لكن لماذا يكون عذاب من اتّبعهم مضاعفاً؟

إنّ سبب ذلك هو أنّهم استحقّوا عذاباً لضلالتهم، والعذاب الآخر لمعونة الظالمين ومؤازرتهم، لأنّ الظالمين لا يقدرون على أن يستمرّوا في عمل ما لوحدهم مهما كانت لهم من قوّة، إلاّ أنّ أتباعهم هم الذين يؤجّجون نار حروبهم، ويسجرون أتون ظلمهم وكفرهم، وإن كان عذاب أئمّة الكفر ـ إذا ما قورن بعذاب المتّبعين ـ أشدّ وآلم بدون شكّ.

وقد كان لنا بحث مفصّل في هذا الباب في الآية (30) من هذه السورة.

* * *

______________________________________

1 ـ ممّا يستحقّ الإنتباه أنّه قد ورد «الضعفان» في الآيات مورد البحث، و «الضعف» في آية سورة الأعراف، إلاّ أنّه بالتدقيق في معنى الضعف يتّضح أنّ لكليهما معنىً واحداً.

[  361 ]

 

 

الآيات

 

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً(69) يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً(71)

 

التّفسير

بماذا رموا موسى (عليه السلام) واتّهموه؟

بعد البحوث التي مرّت في الآيات السابقة حول وجوب إحترام مقام النّبي (صلى الله عليه وآله)، وترك كلّ ما يؤذيه والإبتعاد عنه، فقد وجّهت هذه الآيات الخطاب للمؤمنين، وقالت: (ياأيّها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرّأه الله ممّا قالوا وكان عند الله وجيهاً).

إنّ إختيار موسى (عليه السلام) من جميع الأنبياء الذين طالما اُوذوا، بسبب أنّ المؤذين من بني إسرائيل قد آذوه أكثر من أي نبي آخر، إضافةً إلى أنّ بعض أنواع الأذى التي رآها كانت تشبه أذى المنافقين لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله).

وهناك بحث بين المفسّرين في المراد من إيذاء موسى (عليه السلام) هنا؟ ولماذا ذكره

[  362 ]

القرآن بشكل مبهم؟ وقد ذكروا إحتمالات عديدة في تفسير الآية، ومن جملتها:

1 ـ إنّ موسى وهارون (عليهما السلام) قد ذهبا إلى جبل ـ طبق رواية ـ وودّع هارون الحياة، فأشاع المرجفون من بني إسرائيل أنّ موسى (عليه السلام) قد تسبّب في موته، فأبان الله سبحانه حقيقة الأمر، وأسقط ما في يد المرجفين.

2 ـ كما أوردنا مفصّلا في ذيل الآيات الأخيرة من سورة القصص، فإنّ قارون المحتال أراد أن يتملّص من قانون الزكاة، ولا يؤدّي حقوق الضعفاء والفقراء، فعمد إلى بغيّ واتّفق معها على أن تقوم بين الناس وتتّهم موسى (عليه السلام) بأنّه زنى بها، إلاّ أنّ هذه الخطّة قد فشلت بلطف الله سبحانه، بل وشهدت تلك المرأة بطهارة موسى (عليه السلام) وعفته، وبما أراده منها قارون.

3 ـ إنّ جماعة من الأعداء اتّهموا موسى (عليه السلام) بالسحر والجنون والإفتراء على الله، ولكن الله تعالى برّأه منها بالمعجزات الباهرات.

4 ـ إنّ جماعة من جهّال بني إسرائيل قد اتّهموه بأنّ فيه بعض العيوب الجسمية كالبرص وغيره، لأنّه كان إذا أراد أن يغتسل ويستحمّ لا يتعرّى أمام أحد مطلقاً، فأراد أن يغتسل يوماً بمنأى عن الناس، فوضع ثيابه على حجر هناك، فتدحرج الحجر بثيابه، فرأى بنو إسرائيل جسمه، فوجدوه مبرّأً من العيوب.

5 ـ كان المعذرون من بني إسرائيل أحد عوامل إيذاء موسى (عليه السلام)، فقد كانوا يطلبون تارةً أن يريهم الله عزّوجلّ «جهرةً»، واُخرى يقولون: إنّ نوعاً واحداً من الطعام ـ وهو «المنّ والسلوى» ـ لا يناسبنا، وثالثة يقولون: إنّنا غير مستعدّين للدخول إلى بيت المقدس ومحاربة «العمالقة». إذهب أنت وربّك فقاتلا، وافتحاه لنا لندخله بعد ذلك!

إلاّ أنّ الأقرب لمعنى الآية، هو أنّها بصدد بيان حكم كلّي عام جامع، لأنّ بني إسرائيل قد آذوا موسى (عليه السلام) من جوانب متعدّدة .. ذلك الأذى الذي لم يكن يختلف عن أذى بعض أهل المدينة (لنبيّنا (صلى الله عليه وآله)) كإشاعة بعض الأكاذيب وإتّهام زوج النّبي

[  363 ]

بتهم باطلة، وقد مرّ تفصيلها في تفسير سورة النور ـ ذيل الآيات 11 ـ 20 ـ والإعتراضات التي اعترضوا بها على النّبي (صلى الله عليه وآله) في زواجه بزينب، وأنواع الأذى والمضايقات التي كانوا يضايقونه بها في بيته، أو مناداته باُسلوب خال من الأدب والأخلاق، وغير ذلك.

وأمّا الإتّهام بالسحر والجنون وأمثال ذلك، أو العيوب البدنية، فإنّها وإن اتُّهم موسى بها، إلاّ أنّها لا تتناسب مع (ياأيّها الذين آمنوا) بالنسبة لنبيّنا (صلى الله عليه وآله) إذ لم يتّهم المؤمنون موسى (عليه السلام) ولا نبيّنا (صلى الله عليه وآله) بالسحر والجنون. وكذلك الإتّهام بالعيوب البدنية، فإنّه على فرض كونه قد حدث بالنسبة لموسى (عليه السلام)، وأنّ الله تعالى قد برّأه، فليس له مصداق أو حادثة تؤيّده في تاريخ نبيّنا (صلى الله عليه وآله).

وعلى أيّة حال، فيمكن أن يستفاد من هذه الآية أنّ من كان عند الله وجيهاً وذا منزلة، فإنّ الله سبحانه يدافع عنه في مقابل من يؤذيه ويتّهمه بالأباطيل، فكن طاهراً وعفيفاً، واحفظ وجاهتك عند الله، فإنّه تعالى سيظهر عفّتك وطهارتك للناس، حتّى وإن سعى الأشقياء والمسيؤون إلى اتّهامك وتحطيم منزلتك وتشويه سمعتك بين الناس.

وقد قرأنا نظير هذا المعنى في قصّة «يوسف» الصدّيق الطاهر، وكيف برّأه الله سبحانه من تهمة امرأة عزيز مصر الكبيرة والخطيرة.

وكذلك في شأن «مريم» بنت عمران اُمّ عيسى (عليه السلام)، حيث شهد وليدها الرضيع بطهارتها وعفّتها، وقطع بذلك ألسن المتربّصين بها من بني إسرائيل، والذين كانوا يسعون لإتّهامها وتلويث سمعتها.

والجدير بالذكر أنّ هذا الخطاب لم يكن مختّصاً بالمؤمنين في زمان النّبي (صلى الله عليه وآله)، بل من الممكن أن تشمل الآية حتّى اُولئك الذين سيولدون بعده ويقومون بعمل يؤذون روحه الطاهرة به، فيحتقرون دينه ويستصغرون شأنه، وينسون مواريثه، ولذلك جاء في بعض الرّوايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام): «ياأيّها الذين آمنوا لا

[  364 ]

تؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي والأئمّة صلوات الله عليهم ...»(1).

وآخر كلام في تفسير هذه الآية هو: أنّه بعد ملاحظة أحوال الأنبياء العظام الذين لم يكونوا بمأمن من جراحات ألسن الجاهلين والمنافقين، يجب أن  لا نتوقّع أن لا يبتلى المؤمنون والطاهرون بمثل هؤلاء الأفراد، فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إنّ رضى الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط ..» ثمّ يضيف الإمام في نهاية هذا الحديث: «ألم ينسبوا إلى موسى أنّه عنين وآذوه حتّى برّأه الله ممّا قالوا، وكان عند الله وجيهاً»(2).

 

قولوا الحقّ لتصلح أعمالكم:

بعد البحوث السابقة حول ناشري الإشاعات والذين يؤذون النّبي، تصدر الآية التالية أمراً هو في الحقيقة علاج لهذا المرض الإجتماعي الخطير، فتقول: (ياأيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديداً).

«القول السديد» من مادّة (سد) أي المحكم المنيع الذي لا يعتريه الخلل، والموافق للحقّ والواقع، ويعني القول الذي يقف كالسدّ المنيع أمام أمواج الفساد والباطل. وإذا ما فسّره بعض المفسّرين بالصواب، والبعض الآخر بكونه خالصاً من الكذب واللغو وخالياً منه، أو تساوي الظاهر والباطن ووحدتهما، أو الصلاح والرشاد، وأمثال ذلك، فإنّها في الواقع تفاسير ترجع إلى المعنى الجامع أعلاه.

ثمّ تبيّن الآية التالية نتيجة القول السديد، فتقول: (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم).

إنّ التقوى في الواقع هي دعامة إصلاح اللسان وأساسه، ومنبع قول الحقّ، والقول الحقّ أحد العوامل المؤثّرة في إصلاح الأعمال، وإصلاح الأعمال سبب

______________________________________

1 ـ نور الثقلين، المجلّد 4، ص308.

2 ـ نور الثقلين، المجلّد 4، ص309.

[  365 ]

مغفرة الذنوب، وذلك لـ (انّ الحسنات يذهبن السيّئات).(1)

يقول علماء الأخلاق: إنّ اللسان أكثر أعضاء البدن بركة، وأكثر الوسائل تأثيراً في الطاعة والهداية والصلاح، وهو في الوقت نفسه يعدّ أخطر أعضاء البدن وأكثرها معصية وذنباً، حتّى أنّ ما يقرب من الثلاثين كبيرة تصدر من هذا العضو الصغير(2).

وفي حديث عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه،  ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه»(3).

ومن الرائع جدّاً ما ورد في حديث آخر عن الإمام السجّاد (عليه السلام): «إنّ لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن تركتنا. ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: إنّما نثاب بك ونعاقب بك»(4).

هناك روايات كثيرة في هذا الباب تحكي جميعاً عن الأهميّة الفائقة للّسان ودوره في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس الإنسانية، ولذلك نقرأ في حديث: «ما جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) على هذا المنبر قطّ إلاّ تلا هذه الآية: (ياأيّها الذين آمنوا

______________________________________

1 ـ سورة هود، الآية 114.

2 ـ عدّ الغزالي في إحياء العلوم عشرين كبيرة أو معصية تصدر عن اللسان، وهي: 1 ـ الكذب 2 ـ الغيبة 3 ـ النميمة  4 ـ النفاق في الكلام، أي كون الإنسان ذا لسانين ووجهين 5 ـ المدح في غير موضعه 6 ـ بذاءة الكلام 7 ـ الغناء والأشعار غير المرضية 8 ـ الإفراط في المزاح 9 ـ السخرية والإستهزاء 10 ـ إفشاء أسرار الآخرين 11 ـ الوعد الكاذب 12 ـ اللعن في غير موضعه 13 ـ التخاصم والنزاع 14 ـ الجدال والمراء 15 ـ البحث في اُمور الباطل 16 ـ الثرثرة 17 ـ البحث في الاُمور التي لا تعني الإنسان 18 ـ وصف مجالس الشراب والقمار والمعصية 19 ـ السؤال عن المسائل الخارجة عن إدراك الإنسان والبحث فيها 20 ـ التصنّع والتكلّف في الكلام.
ونزيد عليها عشرة مواضيع مهمّة اُخرى، وهي: 1 ـ الإتّهام 2 ـ شهادة الزور 3 ـ إشاعة الفحشاء، ونشر الإشاعات التي  لا أساس لها 4 ـ مدح الإنسان نفسه 5 ـ الإصرار في غير محلّه 6 ـ الغلظة والخشونة في الكلام 7 ـ الأذى باللسان 8 ـ ذم من لا يستحقّ الذمّ 9 ـ كفران النعمة اللسان 10 ـ الإعلام الباطل.

3 ـ بحار الأنوار، المجلّد 71، صفحة 78.

4 ـ بحار الأنوار، المجلّد 71، صفحة 278.

 ]366 ]

اتّقوا الله وقولوا قولا سديداً)(1).

ثمّ تضيف الآية في النهاية: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)وأي فوز وظفر أسمى من أن تكون أعمال الإنسان صالحة، وذنوبه مغفورة، وهو عند الله من المبيضة وجوههم الذين رضي الله عنهم؟!

 

* * *

______________________________________

1 ـ الدرّ المنثور، طبقاً لنقل تفسير الميزان، الجزء 16، صفحة 376.

[  367 ]

 

 

الآيتان

 

إِنَّا عَرَضْنَا الاَْمَانَةَ عَلَى السَّمَـوَتِ وَالاَْرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَـنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا(72) لِّيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَـفِقِينَ وَالْمُنَـفِقَـتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـتِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيَما(73)

 

التّفسير

حمل الأمانة الإلهية أعظم إفتخارات البشر:

تكمل هاتان الآيتان ـ اللتان هما آخر آيات سورة الأحزاب ـ المسائل المهمّة التي وردت في هذه السورة في مجالات الإيمان، والعمل الصالح، والجهاد، والإيثار، والعفّة والأدب والأخلاق، وتبيّن كيف أنّ الإنسان يحتل موقعاً سامياً جدّاً بحيث يستطيع أن يكون حامل رسالة الله العظيمة، وكيف أنّه إذا ما جهل قيمه الحياتية والوجودية سيظلم نفسه غاية الظلم، وينحدر إلى أسفل سافلين!

تبيّن الآية أوّلا أعظم إمتيازات الإنسان وأهمّها في كلّ عالم الخلقة، فتقول: (إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن

 [368 ]

منها).

ممّا لا شكّ فيه أنّ إباءها تحمل المسؤولية وإمتناعها عن ذلك لم يكن إستكباراً منها، كما كان ذلك من الشيطان، حيث تقول الآية (24) من سورة البقرة: (أبى واستكبر)، بل إنّ إباءها كان مقترناً بالإشفاق، أي الخوف الممتزج بالتوجّه والخضوع.

إلاّ أنّ الإنسان، اُعجوبة عالم الخلقة، قد تقدّم (وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولا).

لقد تحدّث كبار مفسّري الإسلام حول هذه الآية كثيراً، وسعوا كثيراً من أجل الوصول إلى حقيقة معنى «الأمانة»، وأبدوا وجهات نظر مختلفة، نختار أفضلها بتقصّي القرائن الموجودة في طيّات الآية.

ويجب التأكيد في هذه الآية العميقة المحتوى على خمس موارد:

1 ـ ما هو المراد من الأمانة؟

2 ـ ما معنى عرضها على السماوات والأرض والجبال؟

3 ـ لماذا وكيف أبت هذه الموجودات حمل هذه الأمانة؟

4 ـ كيف حمل الإنسان ثقل الأمانة هذا؟

5 ـ لماذا وكيف كان ظلوماً جهولا؟

لقد ذُكرت تفاسير مختلفة للأمانة ومن جملتها:

أنّ المراد من الأمانة: هي الولاية الإلهية، وكمال صفة العبودية، والذي يحصل عن طريق المعرفة والعمل الصالح.

أنّ المراد: صفة الإختيار والحرية والإرادة التي تميّز الإنسان عن سائر الموجودات.

أنّ المراد: العقل الذي هو ملاك التكليف، ومناط الثواب والعقاب.

أنّ المراد: أعضاء جسم الإنسان، فالعين أمانة الله، ويجب الحفاظ عليها وعدم

[  369 ]

إستعمالها في طريق المعصية، والاُذن واليد والرجل واللسان كلّها أمانات يجب حفظها.

أنّ المراد: الأمانات التي يأخذها الناس بعضهم من بعض، والوفاء بالعهود.

أنّ المراد: معرفة الله سبحانه.

أنّ المراد: الواجبات والتكاليف الإلهيّة كالصلاة والصوم والحجّ.

لكن يتّضح من خلال أدنى دقّة أن هذه التفاسير لا تتناقض مع بعضها، بل يمكن إدغام بعضها في البعض الآخر، فبعضها أخذت جانباً من الموضوع، وبعضها الآخر كلّه.

ومن أجل الحصول على جواب جامع كاف، يجب أن نلقي نظرة على الإنسان لنرى أي شيء يمتلكه وتفتقده السماوات والأرضون والجبال؟

إنّ الإنسان موجود له إستعدادات وقابليات يستطيع من خلال إستغلالها أن يكون أتمّ مصداق لخليفة الله، ويستطيع أن يصل إلى قمّة العظمة والشرف بإكتساب المعرفة وتهذيب النفس وتحصيل الكمالات، وأن يسمو حتّى على الملائكة.

إنّ هذا الإستعداد المقترن بالحرية والإرادة والإختيار يعني أنّ الإنسان يطوي هذا الطريق بإرادته وإختياره، ويبدأ فيه من الصفر ويسير إلى ما لا نهاية.

إنّ السماء والأرض والجبال تمتلك نوعاً من المعرفة الإلهية، وهي تذكر الله سبحانه وتسبّحه، وتخضع لعظمته وتخشع لها وتسجد، إلاّ أنّ كلّ ذلك ذاتي وتكويني وإجباري، ولذلك ليس فيه تكامل ورقي، والموجود الوحيد الذي  لا ينتهي منحنى صعوده ونزوله، وهو قادر على إرتقاء قمّة التكامل بصورة لا تعرف الحدود، ويقوم بكلّ هذه الأعمال بإرادته وإختياره، هو الإنسان، وهذه هي «الأمانة الإلهيّة» التي إمتنعت من حملها كلّ الموجودات، وحملها الإنسان! ولذلك نرى الآية التالية قسّمت البشر إلى ثلاث فئات: «المؤمنين» و «الكفّار» و

[  370 ]

«المنافقين».

بناءً على هذا يجب القول في عبارة مختصرة أنّ الأمانة الإلهية هي قابلية التكامل غير المحدودة والممتزجة بالإرادة والإختيار، والوصول إلى مقام الإنسان الكامل، وعبودية الله الخاصّة وتقبّل ولاية الله.

لكن لماذا عُبّر عن هذا الأمر بالأمانة، مع أنّ كلّ وجودنا وكلّ ما لدينا أمانة الله؟

لقد عبّر بهذا التعبير لأهميّة إمتياز البشر العظيم هذا، وإلاّ فإنّ بقية المواهب أمانات الله أيضاً، غير أنّ أهميّتها تقلّ أمام هذا الإمتياز.

ويمكن أن نعبّر هنا عن هذه الأمانة بتعبير آخر ونقول: إنّها التعهّد والإلتزام وقبول المسؤولية.

بناءً على هذا فإنّ اُولئك الذين فسّروا الأمانة بصفة الإختيار والحرية في الإرادة، قد أشاروا إلى جانب من هذه الأمانة العظمى، كما أنّ اُولئك الذين فسّروها بالعقل، أو أعضاء البدن، أو أمانات الناس لدى بعضهم البعض، أو الفرائض والواجبات، أو التكاليف بصورة عامّة، قد أشار كلّ منهم إلى غصن من أغصان هذه الشجرة العظيمة المثمرة، وإقتطف منها ثمرة.

لكن ما هو المراد من عرض هذه الأمانة على السموات والأرض؟

هل المراد: أنّ الله سبحانه قد منح هذه الموجودات شيئاً من العقل والشعور ثمّ عرض عليها حمل هذه الأمانة؟

أو أنّ المراد من العرض هو المقارنة؟ أي أنّها عندما قارنت حجم هذه الأمانة مع ما لديها من القابليات والإستعدادات أعلنت عدم لياقتها وإستعدادها عن تحمّل هذه الأمانة العظيمة.

طبعاً، يبدو أنّ المعنى الثّاني هو الأنسب، وبهذا فإنّ السماوات والأرض والجبال قد صرخت جميعاً بأنّا لا طاقة لنا بحمل هذه الأمانة.

[  371 ]

ومن هنا يتّضح جواب السؤال الثالث أيضاً، بأنّ هذه الموجودات لماذا وكيف رفضت وأبت حمل هذه الأمانة العظمى، وأظهرت إشفاقها من ذلك؟

ومن هنا تتّضح كيفية حمل الإنسان لهذه الأمانة الإلهية، لأنّ الإنسان كان قد خلق بشكل يستطيع معه تحمّل المسؤولية والقيام بها، وأن يتقبّل ولاية الله، ويسير في طريق العبودية والكمال ويتّجه نحو المعبود الدائم، وأن يطوي هذا الطريق بقدمه وإرادته، وبالإستعانة بربّه.

أمّا ما ورد في روايات عديدة وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) من تفسير هذه الأمانة بقبول ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وولده، فمن أجل أنّ ولاية الأنبياء والأئمّة نور ساطع من تلك الولاية الإلهية الكليّة، والوصول إلى مقام العبودية، وطي طريق التكامل لا يمكن أن يتمّ من دون قبول ولاية أولياء الله.

جاء في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه سئل عن تفسير آية عرض الأمانة، فقال: «الأمانة الولاية، من إدّعاها بغير حقّ كفر»(1).

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال عندما سئل عن تفسير هذه الآية: «الأمانة الولاية، والإنسان هو أبو الشرور المنافق»(2).

والمسألة الاُخرى التي يلزم ذكرها هنا، هي أنّنا قلنا في ذيل الآية (172) من سورة الأعراف فيما يتعلّق بعالم الذرّ بأن أخذ ميثاق الله على التوحيد كان عن طريق الفطرة، وإستعداد وطبيعة الآدمي، وإنّ عالم الذرّ هو عالم الإستعداد والفطرة.

وفي مورد قبول الأمانة الإلهيّة يجب القول بأنّ هذا القبول لم يكن قبول اتّفاق وعقد، بل كان قبولا تكوينياً حسب عالم الإستعداد.

السؤال الوحيد الذي يبقى هو مسألة كون الإنسان «ظلوماً جهولا»، فهل أنّ

______________________________________

1 ـ تفسير البرهان، المجلّد 3، صفحة 341 ذيل الآية مورد البحث.
2 ـ المصدر السابق.

[  372 ]

وصف الإنسان بهاتين الصفتين ـ وظاهرهما ذمّه وتوبيخه ـ كان نتيجة قبوله لهذه الأمانة؟

من المسلّم أنّ النفي هو جواب هذا السؤال، لأنّ قبول هذه الأمانة أعظم فخر وميزة للإنسان، فكيف يمكن أن يُذمّ على قبوله مثل هذا المقام السامي؟

أم أنّ هذا الوصف بسبب نسيان غالب البشر وظلمهم أنفسهم، وعدم العلم بقدر الإنسان ومنزلته .. وبسبب الفعل الذي بدأ منذ إبتداء نسل آدم من قِبل قابيل وأتباعه، ولا يزال إلى اليوم.

إنّ الإنسان الذي ينادى من العرش، وبني آدم الذين وُضع على رؤوسهم تاج (كرّمنا بني آدم) والبشر الذين هم وكلاء الله في الأرض بمقتضى قوله سبحانه: (إنّي جاعل في الأرض خليفة) والإنسان الذي كان معلّماً للملائكة وسجدت له، كم يجب أن يكون ظلوماً جهولا لينسى كلّ هذه القيم السامية الرفيعة، ويجعل نفسه أسيرة هذه الدنيا، وتابعاً لهذا التراب، ويكون في مصاف الشياطين، فينحدر إلى أسفل سافلين؟!

أجل .. إنّ قبول هذا الخطّ المنحرف ـ والذي كان ولا يزال له أتباع وسالكون كثيرون جدّاً ـ خير دليل على كون الإنسان ظلوماً جهولا، ولذلك نرى أنّه حتّى آدم نفسه، والذي كان رأس السلسلة ومتمتّعاً بالعصمة، يعترف بأنّه قد ظلم نفسه (ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين).(1)

لقد كان «ترك الأولى» الذي صدر منه ناشئاً في الحقيقة عن نسيان جزء من عظمة هذه الأمانة الكبرى!

وعلى أي حال، فيجب الإعتراف بأنّ الإنسان الضعيف والصغير في الظاهر، هو اُعجوبة علم الخلقة، حيث إستطاع أن يتحمّل أعباء الأمانة التي عجزت السماوات

______________________________________
1 ـ الأعراف، 23.

[  373 ]

والأرضون عن حملها إذا لم ينس مقامه ومنزلته(1).

وتبيّن الآية التالية علّة عرض هذه الأمانة على الإنسان، وبيان حقيقة أنّ أفراد البشر قد إنقسموا بعد حمل هذه الأمانة إلى ثلاث فئات: المنافقين والمشركين والمؤمنين، فتقول: (ليعذّب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً).

يوجد هناك إحتمالان في معنى «اللام» في (ليعذّب):

الأوّل: أنّها «لام الغاية» التي تذكر لبيان عاقبة الشيء ونهايته، وبناءً على هذا يكون معنى الآية: كانت عاقبة حمل هذه الأمانة أن سلك جماعة طريق النفاق، وجماعة سبيل الشرك، وهؤلاء سيبتلون بعذاب الله لخيانتهم أمانته، وجماعة هم أهل الإيمان الذين ستشملهم رحمته لأدائهم هذه الأمانة والقيام بواجباتهم.

والثاني: أنّها «لام العلّة»، فتكون هناك جملة مقدرة، وعلى هذا يكون تفسير الآية: كان الهدف من عرض الأمانة أن يوضع كلّ البشر في بوتقة الإختبار، ليُظهر كلّ إنسان باطنه فيرى من الثواب والعقاب ما يستحقّه.

وهنا اُمور ينبغي الإلتفات إليها:

1 ـ إنّ سبب تقديم أهل النفاق على المشركين هو أنّ المنافق يتظاهر بأنّه أمين في حين أنّه خائن، إلاّ أنّ خيانة المشرك ظاهرة مكشوفة، ولذلك فإنّ المنافق يستحقّ حظّاً أكبر من العذاب.

2 ـ يمكن أن يكون سبب تقديم هاتين الفئتين على المؤمنين هو أنّ الآية

______________________________________
1 ـ اتّضح ممّا قلناه في تفسير الآية أن لا حاجة مطلقاً إلى أن نقدر شيئاً في الآية، كما قال ذلك جمع من المفسّرين، ففسّروا الآية بأنّ المراد من عرض أمانة الله على السماء والأرض والجبال هو عرضها على أهلها، أي الملائكة! ولذلك قالوا بأنّ اُولئك الذين أبوا أن يحملوها قد أدّوها، واُولئك الذين حملوها خانوها.

إنّ هذا التّفسير ليس مخالفاً لظاهر الآية من ناحية الإحتياج إلى التقدير وحسب، بل يمكن أن يناقش ويورد على إعتقاده بأنّ على الملائكة نوع تكليف، وأنّها حاملة لجزء من هذه الأمانة. وبغضّ النظر عن كلّ ذلك فإنّ تفسير أهل الجبال بالملائكة لا يخلو من غرابة، دقّقوا ذلك.

[  374 ]

السابقة قد ختمت بـ (ظلوماً جهولا) وهاتان الصفتان تناسبان المنافق والمشرك، فالمنافق ظالم، والمشرك جهول.

3 ـ لقد وردت كلمة (الله) مرّة واحدة في شأن المنافقين والمشركين، ومرّة في شأن المؤمنين، وذلك لأنّ مصير الفئتين الاُوّليين واحد، وحساب المؤمنين يختلف عنهما.

4 ـ يمكن أن يكون التعبير بالتوبة بدل الجزاء والثواب في شأن المؤمنين بسبب أنّ أكثر خوف المؤمنين من الذنوب والمعاصي التي تصدر عنهم أحياناً، ولذا فإنّ الآية تطمئنهم وتمنحهم السكينة بأنّ ذنوبهم ستغفر.

أو لأنّ توبة الله على عباده تعني رجوعه عليهم بالرحمة، ونعلم أنّ كلّ الهبات والعطايا والمكافآت قد اُخفيت في كلمة «الرحمة».

5 ـ إنّ وصف الله بالغفور والرحيم ربّما كان في مقابل الظلوم والجهول. أو لمناسبته ذكر التوبة بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات.

الآن وقد بلغنا نهاية سورة الأحزاب بفضل الله سبحانه، نرى لزاماً ذكر هذه المسألة، وهي: أنّ إنسجام بداية هذه السورة مع نهايتها يستحقّ الدقّة والإنتباه، لأنّ هذه السورة ـ سورة الأحزاب ـ قد بدأت بخطاب النّبي (صلى الله عليه وآله) وأمره بتقوى الله، ونهيه عن طاعة الكافرين والمنافقين، والتأكيد على كون الله عليماً حكيماً، وإنتهت بذكر أعظم مسألة في حياة البشر، أي حمل أمانة الله. ثمّ بتقسيم البشر إلى ثلاث فئات: المنافقين، والكافرين، والمؤمنين، والتأكيد على كون الله غفوراً رحيماً.

وبين هذين البحثين طرحت بحوثاً كثيرة حول هذه الفئات الثلاثة، واُسلوب تعاملهم مع هذه الأمانة الإلهية، وكلّ هذه البحوث يكمل بعضها بعضاً، ويوضّح بعضها بعضاً.

اللهمّ إجعلنا ممّن قبلوا أمانتك بإخلاص، وحملوها بعشق ولذّة، وقاموا

[  375 ]

بواجباتهم تجاهها.

اللهمّ اجعلنا من المؤمنين الذين وسعتهم رحمتك، لا من المنافقين والمشركين الذين استحقّوا العذاب لكونهم ظلومين جهولين.

اللهمّ انزل غضبك وسخطك على أحزاب الكفر التي اتّحدت مرّة اُخرى، واحتّلت مدينة الإسلام في عصرنا الحاضر، واهدم قصورهم على رؤوسهم. اللهمّ وهب لنا من الثبات والإستقامة ما نقف به كالجبل لندافع عن مدينة الإسلام ونحرسها في هذه اللحظات الحسّاسة.

آمين ياربّ العالمين.

نهاية سورة الأحزاب

* * *




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903254

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:46

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net