00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة النمل من آية 27 ـ 60 من ( ص 54 ـ 104 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الثاني عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[ 54 ]

الآيات

قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَـذِبِينَ (27) اذْهَب بِّكِتَـبِى هَذا فَأَلْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُون (28) قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّى أُلْقِىَ إلَىَّ كِتَـبٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَـنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَاَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأس شَدِيد وَالاَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأمُرِينَ (33) قَالَتْ إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفَسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهآ أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)

 التّفسير

الملوكُ مفسدون مخرّبون:

لقد أصغى سليمان(عليه السلام) إلى كلام الهُدهد بكل اهتمام.. وفكّر مليّاً، ولعل سليمان كان يظنُّ أن كلام الهدهد صحيح، ولا دليل على كذب بهذا الحجم.. لكن

[ 55 ]

حيث أن هذه المسألة لم تكن مسألة «ساذجةً» بسيطة، ولها أثر كبير في مصير بلد كامل وأمّة كبيرة!.. فينبغي أن لا يكتفي بمخبر واحد، بل ينبغي التحقيق أكثر في هذا المجال: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ).

وهذا الكلام يثبت بصورة جيدة أنّه يجب الاهتمام في المسائل المصيرية المهمّة، حتى لو أخبر بها «فردٌ» صغير، وأن يُعجّل في التحقيقات اللازمة «كما تقتضيه السين» في جملة «سننظر»!

سليمان(عليه السلام) لم يتهم الهدهد فيحكم عليه بالكذب.. ولم يُصدّق كلامه دون أىّ دليل... بل جعله أساساً للتحقيق!

وعلى كل حال،فقد كتب كتاباً وجيزاً ذا مغزى عميق، وسلّمه إلى الهدهد وقال له: (اذهب بكتابي فألقه إليهم ثمّ تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون )(1).

يستفاد من التعبير (ألقه إليهم ) أن يلقي الكتاب عندما تكون ملكة سبأ حاضرة بين قومها، لئلا تعبث به يد النسيان أو الكتمان.، ومن هنا يتّضح أن ما ذهب إليه بعض المفسّرين بأن الهدهد ذهب إلى قصر ملكة سبأ ودخل مخدعها وألقى الكتاب على صدرها أو حنجرتها ـ لا يقوم عليه دليل ـ وإن كان متناسباً مع الجملة التي وردت في الآية التالية (إنّي أُلقي إليّ كتاب كريم ).

ففتحت ملكة سبأ كتاب سليمان، واطّلعت على مضمونه، وحيث أنّها كانت من قبل قد سمعت بأخبار سليمان واسمه، ومحتوى الكتاب يدلّ على إقدامه وعزمه الشديد في شأن بلدة «سبأ»، لذلك فكّرت مليّاً، ولما كانت في مثل هذه المسائل المهمّة تستشير من حولها، لذلك فقد دعتهم وتوجهت إليهم و(قالت يا أيّها الملأ إنّي أُلقي إليّ كتاب كريم ).

_____________________________

1 ـ قال بعض المفسّرين: إن جملة «ثمّ تول عنهم» مؤخرة معنىً، وإن تقدمت في العبارة، وأصلها هكذا: فانظر ماذا يرجعون ثمّ تولّ عنهم... وإنّما قدروا ذلك لأنّ تولّ عنهم معناه العودة والرجوع، مع أن ظاهر الآية أنّه ألق الكتاب واعرض عنهم وانتظر في مكان مشرف لترى رد فعلهم!..

[ 56 ]

ترى، حقّاً أن ملكة سبأ لم تكن رأت «حامل الكتاب»، إلاّ أنّها أحست بأصالة الكتاب من القرائن الموجودة فيه؟ ولم تحتمل أن يكون الكتاب مفتعلا ومفترى أبداً..؟!

أم أنّها رأت الرّسول بأُم عينيها، ورأت كيفية وصول الكتاب المدهشة التي هي بنفسها دليل على أن المسألة واقعية ومهمّة، ومهما كان الأمر فإنّها عوّلت على الكتاب بكل اطمئنان؟.

وقول الملكة: (إنّي ألقي إلي كتاب كريم ) «أي قيم» لعله لمحتواه العميق، أو لأنّه بُدىء باسم الله أو لأنّه ختم بإمضاء صحيح(1). أو لأنّ مرسله رجل عظيم، وقد احتمل كل مفسّر وجهاً منها ـ أو جميعها ـ لأنّه لا منافاة بينها جميعاً. وقد تجتمع جميعها في هذا المفهوم الجامع!.

صحيح أنّهم (قوم سبأ) كانوا يعبدون الشمس، إلاّ أننا نعرف أن كثيراً من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون بالله ـ أيضاً ـ ويسمونه رب الأرباب ويعظمونه ويحترمونه.

ثمّ إن «ملكة سبأ» تحدثت عن مضمون الكتاب فقالت: (إنّه من سليمان وإنّه بسم الله الرحمن الرحيم ألاّ تعلوا علي وأتوني مسلمين )(2).

ومن البعيد ـ كما يبدو ـ أن يكون سليمان كتب كتابه إلى ملكة سبأ بهذه العبارات «وهذه الألفاظ العربيّة». إذاً فالجمل الآنفة يمكن أن تكون منقولة بالمعنى، أو أنّها خلاصة ما كان كتبه سليمان، وقد أدّتها ملكة سبأ بهذه الوجازة والاقتضاب إلى قومها.

_____________________________

1 ـ ورد في الحديث أن كون الكتاب كريماً هو بخاتمه «تفسير مجمع البيان والميزان والقرطبي». وجاء في حديث آخر أن الرّسول(صلى الله عليه وآله) أراد أن يكتب رسالة للعجم، فقيل له: إنّهم لا يقبلونها إلاّ بالخاتم، فأمر النّبي أن يصنع له خاتم ونقشه «لا اله إلاّ الله محمّد رسول الله» وختم الرسالة أو الكتاب بذلك الخاتم «القرطبي ذيل الايات محل البحث».

2 ـ جملة «ألاّ تعلوا علي» يمكن أن تكون بمجموعها بدلا من (كتاب) وبيان لمحتواه. كما يمكن أن تكون (أن) تفسيرية فهي هنا بمعنى (أي) ـ كما يحتمل أن (أن) تكون متعلقة بمحذوف وتقديره: أوصيكم ألا تعلوا الخ..

[ 57 ]

الطريف أن مضمون هذا الكتاب لم يتجاوَز في الواقع ثلاث جمل:

الأولى: ذكر «اسم الله» وبيان رحمانيّته ورحمته.

الثّانية: الأمر بترك الإستعلاء والغرور.. لأنّ الإستعلاء مصدر المفاسد الفرديّة والإجتماعيّة.

والثّالثة: التسليم والإذعان للحق.

وإذا أمعنا النظر لم نجد شيئاً آخر لابدّ من ذكره.

وبعد أن ذكرت ملكة سبأ محتوى كتاب سليمان لقومها... التفتت إليهم و (قالت يا أيّها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعةً أمراً حتى تشهدون ).

لقد أرادت الملكة بهذه الإستشارة تقوية مركزها في قومها، وأن تلفت أنظارهم إليها، كما أرادت ضمناً أن تعرف مدى انسجامهم وميزان استجابتهم لما تُقدم عليه من تصميم.

كلمة «أفتوني» مشتقّة من (الفتوى) معناها في الأصل الحكم الدقيق والصحيح في المسائل الغامضة والصعبة... فملكة سبأ أرادت بهذا التعبير أن تشعرهم بصعوبة المسألة أوّلا، وأن يدققوا النظر ويجمعوا الرأي فيها ليتجنبوا الخطأ ثانياً.

«تشهدون» مأخوذ من مادة «الشهود»، ومعناه الحضور... الحضور المقرون بالتعاون والمشورة!.

فالتفت إليها أشراف قومها وأجابوها على استشارتها فـ (قالوا نحن أُولوا قوّة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ).

وهكذا فقد أظهروا لها تسليمهم وإذعانهم لأوامرها... كما أبدوا رغبتهم في الإعتماد على القوّة والحضور في ميدان الحرب.

ولمّا رأت الملكة رغبتهم في الحرب خلافاً لميلها الباطني، ومن أجل إطفاء هذا الظمأ وأن تكون هذه القضية مدروسة، لذلك (قالت إن الملوك إذا دخلوا

[ 58 ]

قرية أفسدوها وجعلو أعزة أهلها أذلةً ).

فيقتلون جماعةً منهم ويأسرون آخرين ويطردون طائفة ثالثة ويخرجونهم من ديارهم ويخربون حيّهم و ينهبون ثرواتهم وأموالهم..

ولمزيد التأكيد أردفت قائلةً: (وكذلك يفعلون ).

وفي الحقيقة.. إن ملكة سبأ التي كانت بنفسها ملكةً، كانت تعرف نفسية الملوك بصورة جيدة، وأن سيرتهم تتلخص في شيئين:

1 ـ الإفساد والتخريب.

2 ـ وإذلال الأعزة...

لأنّهم يفكرون في مصالحهم الشخصية، ولا يكترثون بمصالح الأُمّة وعزتها... وهما على طرفي نقيض دائماً.

ثمّ أضافت الملكة قائلةً: علينا أن نختبر سليمان وأصحابه، لنعرف من هم وما يريدون؟ وهل سليمان نبيّ حقاً أو ملك؟ وهل هو مصلح أو مفسد؟ وهل يذلّ الناس أم يحترمهم ويعزّهم؟

فينبغي أن نرسل شيئاً إليه (وإنّي مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ).

فالملوك لهم علاقة شديدة بالهدايا، ونقطة الضعف كامنة في هذا الأمر، فيمكن أن يذعنوا للهدايا الغالية... فإذا أذعن سليمان بهذه الهدية فهو ملك، وينبغي أن نواجهه بالقوّة فنحن أقوياء... وإذا ألح على كلامه ولم يكترث بنا فهو نبيّ، وفي هذه الصورة ينبغي التعامل معه بالحكمة والتعقل!

ولم يذكر القرآن أية هدية أرسلتها الملكة إلى سليمان، لكنّه بتنكيرها بيّن عظمتها، إلاّ أن المفسّرين ذكروا مسائل كثيرة لا يخلو بعضها من الإغراق:

قال بعضهم: أرسلت إليه خمسمائة غلام وخمسمائة جارية ممتازة، وقد ألبست الرجال ثياب النساء والنساء ثياب الرجال، وجعلت الأقراط في آذان

[ 59 ]

الرجال والاسورة في أيديهم، وألبست الجواري تيجاناً... وكتبت في رسالتها إلى سليمان: لو كنت نبيّاً فميّز الرجال من النساء!،

وبعثت أُولئك على مراكب ثمينة، ومعهم جواهر وأحجار كريمة، وأوصت رسولها ـ في الضمن ـ أن أنظر كيف يواجهك سليمان عند وردك عليه، فإن واجهك بالغضب فاعلم بأنه سيرة الملوك، وإن واجهك بالمحبة واللطف فاعلم أنّه نبيّ.

* * *

 بحوث

1 ـ آداب كتابة الرسائل

ما ورد في الآيات آنفة الذكر في شأن كتاب «سليمان» إلى أهل سبأ، هو قدوة لكتابة الرسائل و«الكتب» وقد تكون من المسائل المهمّة والمصيرية... إذ تبدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم ) وتبيّن روح الكلام في جملتين مدروستين.

ويظهر من التاريخ الإسلامي والرّوايات ـ بشكل واضح ـ أن أئمتنا الكرام عليهم الصلاة والسلام، كانوا يُعنون بالإختصار والإقتضاب في إرسال الكتاب خالياً من الحشو والزوائد، وهو مدروس أيضاً.

فأمير المؤمنين(عليه السلام) يكتب إلى عماله وممثليه في بعض كتبه: «أدقّوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، واحذفوا عنّي فضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإيّاكم والإكثار، فإن أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار» (1).

إن بري لسان القلم يجعل الكلمات أصغر، وتقارب السطور وحذف الفضول، لايؤدي إلى الاقتصاد في الاموال العامة أو الشخصية فحسب ـ بل يقتصد في وقت الكاتب والقارىء أيضاً... وقد يضيع الفضول والتشريفات

_____________________________

1 ـ الخصال ـ للصدوق، طبقاً لما جاء في البحار، ج 76، ص 49.

[ 60 ]

الواردة في أثناء جمل الكتاب الهدف من كتابته، فلا يصل الكاتب و القارىء إلى الهدف المنشود!

وفي هذه الأيّام أصبح من المألوف الا كثار في كتابة العناوين البراقة والألقاب الفخمة وزيادة المقدمات والحواشي والاضافات على خلاف ما كان في صدر الاسلام ممّا يهدر الكثير من الطاقات والاوقات والثروات.

وخاصة ينبغي الإلتفات إلى أن الكتاب «الرسالة» في ذلك العصر كان يتطلب زماناً طويلاً لإيصاله وبذل المال لحامل الكتاب، ومع ذلك كانت الكتب موجزة مقتضبة، ويمكن ملاحظة أمثلة منها في كتب النّبي(صلى الله عليه وآله) إلى خسرو پرويز وقيصر الروم وأمثالهما.

وأساساً فإنّ رسالة الإنسان وكتابه دليل على شخصيته، كما أن حامل الكتاب والرّسول دليل على شخصية المرسل أيضاً.

يقول الإمام علي(عليه السلام) في نهج البلاغة: «رسولك ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ من ينطق عنك» (1).

ويقول الإمام الصادق(عليه السلام) «يستدل بكتاب الرجل على عقله وموضع بصيرته، وبرسوله على فهمه وفطنته» (2).

والجدير بالذكر أنّه يستفاد من الرّويات الإسلامية أنّ ردّ الكتاب واجب كردّ السلام، إذ نقرأ عن الإمام الصادق أنّه قال: «ردّ جواب الكتاب واجب كوجوب ردّ السلام» (3).

وحيث أن كل رسالة أو كتاب مشفوع عادة بالتحية، فلا يبعد أن يكون مشمولا بالآية الكريمة (وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها )(4).

_____________________________

1 ـ نهج البلاغة، الكلمات القصار ـ الجملة 301.

2 ـ البحار، ج 76، ص 50.

3 ـ وسائل الشيعة، ج8، ص427 «كتاب الحج أبواب العشرة باب 32».

4 ـ النساء، الآية 86.

[ 61 ]

2 ـ هل دعا سليمان إلى التقليد؟!

بعض المفسّرين استفادوا من كتاب سليمان أنّه دعا أهل سبأ إليه دون دليل!

ثمّ أجابوا بأن مجيء الهدهد بتلك الصورة «المعجزة» بنفسه دليل على حقانية دعوته(1).

إلاّ أنّنا نعتقد أنّه لا حاجة إلى مثل هذه الردود والإجابات، فوظيفة النّبي هي الدعوة. ووظيفة الآخرين التحقيق في أمره. وبتعبير آخر: إنّ الدعوة هي الباعث على التحقيق... كما قامت بذلك ملكة سبأ، فاختبرت سليمان وتحققت عنه، أهو ملك أم نبىّ؟!

 3 ـ مداليل عميقة في قصّة سليمان (عليه السلام)

نلاحظ في هذا القسم من قصّة سليمان(عليه السلام) إشارات قصيرة إلى مسائل مهمّة أيضاً:

أ ـ تتلخص «روح» دعوة الأنبياء في نفي الإستعلاء الذي يعني نفي كل نوع من أنواع الإستثمار والإستعمار، والتسليم للحق والقانون الصحيح.

ب ـ بالرغم من أنّ أصحاب ملكة سبأ أعلنوا استعدادهم لخوض المعركة، إلاّ أن الطبع النسائي الشفاف في الملكة لم يكن موافقاً على ذلك، ولذلك عطفت انظارهم الى مسائل أُخرى.

ج ـ ولو أن الملكة أذعنت لرأيهم في الحرب لكانت بعيدة عن الحقيقة والصواب، وسنرى أن إقدامها على إرسال الهدية كان مثمراً، وكانت نتيجة طيبة لها ولقومها، وكان سبباً لأن يهتدوا إلى طريق الحق والعدل، ويبتعدوا عن سفك

_____________________________

1 ـ تفسير الرازي، ذيل الآية مورد البحث.

[ 62 ]

الدماء!

د ـ ويستفاد من هذه القضية ضمناً أن المناهج التشاورية لا تنتهي إلى الحق دائماً.. إذ كانت عقيدة الأكثرية هنا أن يلجأوا إلى القوّة والقتال في حين أن ملكة سبأ كانت ترى خلاف نظرتهم، وسنرى أن الحق كان معها في نهاية القصّة!

هـ ـ ويمكن أن يقال: إنّ هذا النوع من التشاور أو المشورة غير ما هو جار بيننا اليوم من التشاور.. فنحن نأخذ برأي الأكثرية على أنّه هو المعيار، ونعطيهم حق التصويت والتصويب. في حين أن التشاور محل البحث هو مجرّد إبداء النظر من قبل الأكثرية، والرأي الحاسم لقائد تلك الجماعة.. ولعل الآية (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله )(1)تشير إلى هذا القسم الثّاني من التشاور. أمّا الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم )(2) فناظرة إلى القسم الأوّل(3).

و ـ قال أصحاب ملكة سبأ لها (نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) ولعل هذا الإختلاف بين «القوة» و«البأس» في التعبير، هو أنّ «القوة» إشارة إلى الكمية العظيمة من الجيش... و«البأس الشديد» إشارة إلى كيفية العمل وروح الشجاعة والشهامة في الجيش، أي أن مرادهم أنّهم مستعدون للقتال من الناحية «الكمية» ومن حيث «الكيفية» لمواجهة العدو أيضاً.

 4 ـ علامات الملوك

يستفاد من هذه الآيات ـ بصورة جيدة ـ أن الحكومة الإستبدادية والسلطنة في كل مكان مدعاة للفساد وإذلال الأعزة... لأنّ الملوك يبعدون عنهم

_____________________________

1 ـ آل عمران، الآية 159.

2 ـ الشورى، الآية 38.

3 ـ لمزيد الإيضاح في موضوع الشورى يراجع تفسير الآية (159) من سورة آل عمران.

[ 63 ]

الشخصيات الفذة، ويدنون المتملقين، ويبحثون في كل شيء عن مصالحهم ومنافعهم الذاتية، وهم أهل رشوة وذهب ومال، وبالطبع فإنّ الامراء والاعوان القادرين على هذه الاُمور أحبّ عندهم من غيرهم.

وبينما نرى تفكير الملوك ورغباتهم تتلخص في نيل الهدايا والجاه والمقام والذهب والمال... نجد أنّ الأنبياء لا يفكرون إلاّ بإصلاح أممهم!.

 * * *

 

[ 64 ]

الآيتان

فَلَمَّا جَآءَ سُلَيمَـنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَال فَمَآ ءَاتَـنِ اللهُ خَيْرٌ مِّمّآ ءَاتَـكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَـا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَـغِرُونَ (37)

 

التّفسير

لا تخدعوني بالمال:

خرج رسل ملكة سبأ بقافلة الهدايا وتركوا اليمن وراءهم قاصدين مقر سليمان «في الشام» ظنّاً منهم أن سليمان سيكون مسروراً بمشاهدته هذه الهدايا ويرحب بهم.

لكن ما إن حضروا عند سليمان حتى رأوا ما يدهش الإنسان... فإنّ سليمان(عليه السلام) مضافاً الى عدم استقباله واكتراثه بتلك الهدايا (قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير ممّا آتاكم )

فما قيمة المال، ازاء مقام النبوّة والعلم والهداية والتقوى (بل أنتم بهديتكم تفرحون ).

[ 65 ]

أجلْ، أنتم الذين تفرحون بمثل هذه الزخارف، فيهدي بعضكم لبعض فيشرق وجه تملع عيناه! إلاّ أن هذه الأُمور لا قيمة لها عندي ولا أكترث بها.

وهكذا فقد حقّر سليمان(عليه السلام) معيار القيم عندهم، وأوضح لهم أن هناك معياراً آخر للقيمة تضمحلّ عنده معايير عبدة الدنيا ولا تساوي شيئاً.

ومن أجل أن يريهم سليمان موقفه الحاسم من الحق والباطل، قال لرسول ملكة سبأ الخاص: (ارجع إليهم فلنأتينّهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنّهم منها أذلَّةً وهم صاغرون ).

و (أذلة ) في الحقيقة حال أولى و(هم صاغرون ) حال ثانية، وهما إشارة إلى أن أُولئك لا يُخرجون من أرضهم فحسب، بل بالإذلال والإحقار والصغار بشكل يتركون جميع ممتلكاتهم من قصور وأموال وجاه وجلال... لأنّهم لم يذعنوا ـ ويُسلموا ـ للحق... وإنّما قصدوا الخداع والمكر!

وطبيعي أن هذا التهديد كان تهديداً جديّاً جديراً بأن يؤخذ بنظر الإعتبار بالنسة لرسل ملكة سبأ الذين كانوا عند سليمان!.

ومع ملاحظة ما قرأناه في الآيات السابقة من أنّ سليمان طلب من أُولئك شيئين: ترك الإستعلاء، والتسليم للحق (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين )وكان عدم إجابتهم لهذين وتوسلهم بالهديّة دليلا على امتناعهم من قبول الحقّ وترك الإستعلاء، ولذلك هدّدهم باستخدام القوة العسكرية.

ولو أنّ ملكة سبأ وقومها طلبوا من سليمان الدليل والمعجزة (على أنّه نبيّ مطاع) لأعطاهم الحق أن يتحروا ويفحصوا أكثر... إلاّ أنّ إرسال الهدية ظاهره أنّهم في مقام الإنكار.

واتضح كذلك أنّ أهمّ خبر مزعج أخبر به الهدهد عن هذه الجماعة «ملكة سبأ وقومها» أنّهم كانوا يعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله الذي له ما في السماوات والأرض فكان سليمان(عليه السلام) قلقاً من هذا الأمر... ومن المعلوم أن عبادة

[ 66 ]

الأصنام ليست أمراً هيّناً تسكت عنه الأديان السماوية، أو أن تتحمل عبدة الأصنام على أنّهم أقليّة دينية. بل تستخدم القوّة إذا لزم الأمر وتحطم الأصنام ويطوى الشرك ومريدوه من الوجود!.

وممّا بيّناه من توضيحات آنفاً يظهر أنّه لا تنافي بين تهديدات سليمان والأصل الاساس (لا إكراه في الدين ) لأنّ عبادة الاصنام ليست ديناً، بل هي خرافة وانحراف.

* * *

 

ملاحظات

1 ـ ممّا ينبغي الإلتفات إليه أن الزهد في الأديان السماوية لا يعني أن  لا يتمتع الإنسان بماله وثرواته وإمكاناته الدنيوية، بل حقيقة الزهد هي أن لا يكون أسير هذه الأُمور.. بل أميراً عليها.. وقد بيّن سليمان هذا النبيّ العظيم بردّه الهدايا الثمينة على ملكة سبأ أنّه أميرَها لا أسيرها.

ونقرأ حديثاً للإمام الصادق(عليه السلام) يقول فيه: «الدنيا أصغر قدراً عند الله وعند أنبيائه وأوليائه من أن يفرحوا بشيء منها، أو يحزنوا عليه، فلا ينبغي لعالم  ولا لعاقل أن يفرح بعرض الدنيا» (1).

2 ـ ومرّة أُخرى نجد في هذا القسم من قصّة سليمان دروساً جديرة بالنظر، خافية في تعابير الآيات الكريمة:

ألف: إن الهدف من تعبئة الجيش ليس قتل الناس، بل أن يرى العدوّ نفسه ضعيفاً قبالها، ولا يرى نفسه قادراً على مواجهة الطرف الآخر: (جنود لا قبل لهم بها ).

وهذا التعبير نظير ما أُمر به المسلمون (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة...

_____________________________

1 ـ تفسير روح البيان ذيل الآية محل البحث.

[ 67 ]

ترهبون به عدوّ الله ). (1)

ب ـ إنّ سليمان(عليه السلام) لا يهدد مخالفيه بالقتل، بل يهددهم بالإخراج من القصور أذلة صاغرين، وهذا الأمر جدير بالملاحظة.

ج ـ إنّ سليمان لا يستغفل مخالفيه، بل يحذرهم بصراحة قبل الهجوم.

د ـ إنّ سليمان لا يطمع في أموال الآخرين، بل يقول : «ما آتاني الله خير» فهو لا يرى مواهب الله منحصرة بالقدرة المادية والمالية، بل يفتخر بالعلم والإيمان والمواهب المعنوية!.

 

* * *

_____________________________

1 ـ الأنفال، الآية 60.

[ 68 ]

الآيات

قَالَ يَـأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأتُونِى مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيْتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَـبِ أَنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَـالَ هَـذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنَ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ (40)

 

التّفسير

حضور العرش في طرفة عين:

وأخيراً عاد رُسُل ملكة سبأ بعد أن جمعوا هداياهم وأمتعتهم إلى بلدهم، وأخبروا ملكة سبأ بما شاهدوه من عظمة مُلك سليمان(عليه السلام) المعجز وجهازه الحكومي، وكل واحد من هذه الاُمور دليل على أنّه لم يكن كسائر الأفراد  ولا ملكاً كسائر الملوك، بل هو مُرسل من قبل الله حقّاً، وحكومته حكومة إلهية.

وهنا اتّضح لأُولئك جميعاً أنّهم غير قادرين على مواجهته عكسرياً، بل إذا

[ 69 ]

استطاعوا ـ فرضاً ـ فهم على احتمال قوي في مواجهة نبيّ عظيم ذي سلطة واسعة!.

لذلك قررت الملكة أن تأتي بنفسها مع أشراف قومها إلى سليمان، ويتفحصوا عن هذه المسألة ليتعرفوا على دين سليمان؟

فوصل هذا الخبر ـ عن أىّ طريق كان ـ إلى سمع سليمان(عليه السلام)، فعزم على اظهار قدرته العجيبة ـ والملكة وأصحابها في الطريق إليه ـ ليعرفهم قبل كل شىء على إعجازه، ليذعنوا له ويسلّموا لدعوته... لذلك التفت إلى من حوله و (قال يا أيّها الملأ أيّكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ).

وبالرغم من أن المفسّرين أتعبوا أنفسهم للوقوف على علّة إحضار عرش الملكة، وربّما ذكروا وجوهاً لا تنسجم مع مفاد الآيات ولا تتناسب وإيّاها!. إلاّ أن من الواضح أنّ هدف سليمان(عليه السلام) من هذه الخطة إنّه كان يريد أن يظهر أمراً مهماً للغاية خارقاً للعادة ليذعنوا له دون قيد، ويؤمنوا بقُدرة الله من دون حاجة إلى سفك الدماء والمواجهة في ساحات القتال.

كان يريد أن ينفذ الإيمان إلى أعماق قلب ملكة سبأ وأشراف قومها، ليستجيب الباقون لدعوته والتسليم لأمره!.

وهنا أظهر شخصان استعدادهما لإمتثال طلب سليمان(عليه السلام)، وكان أمر أحدهما عجيباً والآخر أعجب! إذ (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك )(1). فهذا الامر علي يسير، ولا أجد فيه مشقة، كما أنّي لا أخونك أبداً، لأنّي قادر على ذلك (وإني عليه لقوىّ أمين ).

و«العفريت» ... معناه المارد الخبيث.

وجملة (وإنّي عليه لقوي أمين )المشفوعة بالتأكيدات من عدّة جهات «إنّ

_____________________________

1 ـ كلمة «آتيك» ربّما كانت اسم فاعل مضاف إلى (الكاف) ويمكن أن تكون فعل; مضارعاً من (أتى) إلاّ أن الأحتمال الأوّل يبدو أقرب للنظر!

[ 70 ]

والجملة الإسميّة، ولام التوكيد» تشر الى احتمال خيانة هذا العفريت... لذلك فقد أظهر الدفاع عن نفسه بأنه أمين وفىّ.

وعلى كل حال فإنّ قصّة «سليمان» مملوءة بالعجائب الخارقة للعادات  فلا عجب أن يُرى عفريت بهذه الحالة مُبدياً استعداده للقيام بهذه المهمّة خلال سويعات.. وسليمان يقضي بين الناس، أو يتابع أُمور مملكته، أو يقدم نصحه وإرشاده للآخرين.

أمّا الشخص الآخر فقد كان رجلا صالحاً له علم ببعض ما في الكتاب، ويتحدث عنه القرآن فيقول: (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ).

فلمّا وافق سليمان(عليه السلام) على هذا الأمر، أحضر عرش بلقيس بطرفة عين بالإستعانة بقوته المعنوية (فلمّا رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ).

ثمّ أضاف قائلا: (ومن شكر فإنّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ ربّي غني كريم ).

وهناك اختلاف بين المفسّرين وكلام طويل في أن هذا الشخص الذي جاء بعرش الملكة، من كان؟! ومن أين له هذه القدرة العجيبة؟! وما المراد (عنده علم من الكتاب

إلاّ أنّ الظاهر أنّ هذا الشخص هو أحد أقارب سليمان المؤمنين وأوليائه الخاصين، وقد جاء اسمه في التواريخ بأنه (آصف بن برخيا) وزير سليمان وابن أخته(1).

وأمّا «علم الكتاب» فالمراد منه معرفة ما في الكتب السماوية... المعرفة العميقة التي تمكّنه من القيام بهذا العمل الخارق للعادة!

_____________________________

1 ـ وما قاله بعضهم بأنه سليمان أو جبرئيل فلا دليل عليه... وكونه سليمان نفسه (فهو) مخالف لظاهر الآيات قطعاً!

[ 71 ]

وقال بعضهم: يُحتمل أن يكون المراد من (علم الكتاب) هو اللوح المحفوظ الذي علم الله بعضه ذلك الرجل «آصف» ولذلك استطاع أن يأتي بعرش ملكة سبأ بطرفة عين، ويحضره عند سليمان!.

وقال كثير من المفسّرين: إنّ هذا الرجل المؤمن كان عارفاً بالاسم الأعظم، ذلك الاسم الذي يخضع له كل شيء، ويمنح الإنسان قدرة خارقة للعادة!.

وينبغي القول أن «الاسم الأعظم» ليس كما يتصوره الكثير بأنّ مفهومه أن يتلفظ الإنسان بكلمة فيكون وراءها الأثر العجيب، بل المراد منه التخلق بذلك الاسم والوصف، أي على الإنسان أن يستوعب «الاسم» في نفسه وروحه، وأن يتكامل علمه وخلقه وتقواه وإيمانه إلى درجة يكون بها مظهراً من مظاهر ذلك الاسم الأعظم، فهذا التكامل المعنوي والروحاني (بواسطة الاسم الأعظم) يوجد في الإنسان مثل هذه القدرة الخارقة للعادة(1).

كما أنّ للمفسّرين في جملة (قبل أن يرتد إليك طرفك ) لكن بملاحظة الآيات الاُخر من القرآن يمكن معرفة حقيقتها... ففي الآية (43) من سورة إبراهيم نقرأ: (لا يرتد إليهم طرفهم ).

ونحن نعرف أن الإنسان عندما يستوحش ويذهل، تبقى عيناه مفتوحتان على وتيرة واحدة كأنّهما عينا ميت لا تتحركان.

فبناءً على ذلك فالمراد منه أنّني سأحضر عرش ملكة بلقيس قبل أن يتحرك جفناك(2).

 

* * *

_____________________________

1 ـ كان لنا في ذيل الآية (180) من سورة الأعراف بحث في شأن الاسم الأعظم، فلا بأس بمراجعته.

2 ـ ما يقوله بعضهم: إن المراد من (يرتد إليك طرفك) هو إلقاء النظرة على شيء ما وعودة النظرة للإنسان  لا  دليل عليه، كما أن هذا التعبير لا يكون شاهداً على النظرية القائلة بخروج الشعاع من العين الواردة في الفلسفة ـ القديمة.

[ 72 ]

 مسائل مهمة:

1 ـ الجواب على بعض الاسئلة

من الأسئلة ـ التي تثار حول الآيات آنفة الذكر ـ هذا السؤال: لِمَ لَم يقدم سليمان بنفسه على هذا العمل الخارق للعادة؟ فهو نبىّ كريم من قبل الله وذو معاجز! فلم حوّل هذا الأمر إلى «آصف بن برخيا» ؟!

لعل الوجه في ذلك أن آصف كان وصيّه، وكان سليمان يريد أن يبيّن موقعه في هذه اللحظة الحساسة للجميع(1).

إضافة إلى ذلك فإن من المهم أن يختبر الأستاذ تلاميذه في الموارد اللازمة ويعرف جدارتهم، وأساساً فإنّ جدارة التلاميذ دليل كبير على جدارة الأستاذ. السؤال الآخر هو: كيف جاء سليمان بعرش ملكة سبأ وأحضره عنده دون إذنها؟.

فيقال: لعل ذلك لبيان هدف أسمى، كمسألة الهداية وبيان معجزة كبيرة. ثمّ بعد هذا كله فإننا نعرف أن الملوك ليس لهم مال من أنفسهم، بل أموالهم في الغالب مغصوبة من الآخرين!.

السؤال الآخر: كيف تكون لعفريت من الجن القدرة على أمر خارق للعادة كهذه الحادثة؟!

وقد بيّنا الجواب على هذا السؤال في الأبحاث المتعلقة بالإعجاز، فقلنا: إن من الناس حتى غير المؤمنين من تكون له قدرة على بعض الأُمور الخارقة للعادة (وذلك للرياضة المجهدة ومجاهدة النفس) إلاّ أن الفرق بين ما يقومون به ممّا يخرق العادة وبين المعجزة هو أنّه لما كانت أعمالهم مستندة إلى قدرة بشرية محدودة... فهي «أعمالهم الخارقة للعادة» محدودة دائماً، في حين أن المعاجز

_____________________________

1 ـ هذا الجواب نفسه أجاب به الإمام الهادي يحيى بن أكثم كما جاء في رواية عن تفسير العياشي ذيل الآية محل البحث.

[ 73 ]

تستند إلى قدرة الله التي لا نهاية لها، وقدرته كسائر صفاته غير محدودة!.

لذلك نرى أن العفريت من الجن يحدّد قدرته ـ على فترة بقاء سليمان في مجلس القضاء والتحقيق في أُمور البلد، ليأتيه بعرش ملكة سبأ، في حين أنّ آصف بن برخيا لم يحدد قدرته، وتحديدها بارتداد الطرف هو في الحقيقة إشارة إلى أدنى فترة زمنية ممكنة... ومن المسلم به أن سليمان(عليه السلام) يشجع الاعمال التي تبيّن للناس الاشخاص الصالحين، ويباركها، لا عمل العفريت الذي قد يوقع العوام والبساط في الوهم، فيعدونه دليلا على تقواه وطهارته!.

وبديهي أن أىّ إنسان يقوم بعمل مهم في المجتمع ويكون عمله مقبولا فانّ أفكاره ومعتقداته ستتجذّر وتتحدّد في المجتمع بذلك «العمل» فلا ينبغي أن يأخذ العفاريت زمام المبادرة في حكومة سليمان الإلهية، بل ينبغي أن يقوم به من عندهم علم من الكتاب ليؤثروا على أفكار الناس وعواطفهم.

 

2 ـ القوة والأمانة شرطان مهمان

جاء في الآيات المتقدمة ـ والآية (26) من سورة القصص ـ أن أهم شرط للعامل أو الموظف شيئان: الأوّل القوة، والثّاني الأمانة!.

وبالطبع فإنّ المباني الفكرية والأخلاقية قد تقتضي أن يكون الإنسان حاوياً على هاتين الصفتين «كما هي الحال في شأن موسى الوارد ذكره في سورة القصص» وقد يقتضي نظام المجتمع والحكومة الصالحة أن يتصف بهاتين الصفتين حتى العفريت من الجن إلزاماً.. ولكن ـ على كل حال ـ فليس من الممكن القيام بأي عمل كبير أو صغير في المجتمع دون توفر هاتين الصفتين... سواءً كان مصدرهما «التقوى» أو «النظام القانوني».. «فتأملّوا بدقة».

 3 ـ الفرق بين «علم من الكتاب» و «علم الكتاب»

[ 74 ]

جاء التعبير في الآيات ـ محل البحث ـ عن الذي أتى بعرش ملكة سبأ في أدنى مدّة «وبطرفة عين» بـ (من عنده علم من الكتاب ) بينما جاء في الآية (43) من سورة الرعد في شأن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن يشهد على حقانيته (قل كفى بالله شهيداً بين وبينكم ومن عنده علم الكتاب ).

في حديث عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن (الذي عنده علم من الكتاب ) الوارد في قصّة سليمان، فقال(صلى الله عليه وآله): هو وصي أخي سليمان بن داود، فقلت: والآية (ومن عنده علم الكتاب ) عمن تتحدث؟ فقال(صلى الله عليه وآله): ذاك أخي علي بن أبي طالب(عليه السلام)(1).

والإلتفات إلى الفرق بين «علم من الكتاب» الذي يعني «العلم الجزئي» و (علم الكتاب) الذي يعني «العلم الكلي»، يكشف البون الشاسع بين آصف وعلي(عليه السلام).

لذلك نقرأ في روايات كثيرة أنّ الاسم الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً إنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالارض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثمّ عادت الارض كما كانت أسرع من طرفة عين ـ كان «حرف» واحد منه عند «آصف بن برخيا» وقام بمثل هذا العمل الخارق للعادة ـ وعندنا نحن الائمّة من أهل البيت ـ اثنان وسبعون حرفاً، وحرف واحد عند الله تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب عنده(2).

 

4 ـ هذا من فضل ربّي

إن عبدة الدنيا وطُلاّبها المغرورين حين ينالون «القوّة» والإقتدار ينسون كل

_____________________________

1 ـ نقل هذا الحديث جماعة من المفسّرين وعلماء السنة بالعبارة ذاتها أو ما يقرب منها، ولمزيد الإيضاح يراجع الجزء الثّالث من إحقاق الحق، ص 280 و 281.

2 ـ راجع اصول الكافي وتفسير نور الثقلين، ج 4، ص 90.

[ 75 ]

شيء إلاّ أنفسهم.. وكل ما يقع في أيديهم يحسبونه من عند أنفسهم لا من غيرهم، كما كان قارون يقول: (إنّما أوتيته على علم عندي ).. في حين أن عباد الله وخاصّته كلما نالوا شيئاً قالوا: (هذا من فضل ربّي )..

الطريف أن سليمان(عليه السلام) لم يقل هذا الكلام عندما شاهد عرش ملكة سبأ عنده فحسب، بل أضاف قائلا: (ليبلوني أأشكر أم أكفر ).

وقرأنا في هذه السورة ـ من قبل ـ أن سليمان(عليه السلام) كان يرى جميع النعم التي يتمتع بها من نعم الله عليه، وكان يدعو ربّه خاضعاً فيقول: (ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه )!

أجل.. هذا هو معيار معرفة الموحدين المخلصين من عبدة الدنيا المغرورين.. وهذه سيرة الرجال العظماء في قبال غيرهم من الأنانيين!.

وبالرغم من أنّه اعتيد كتابة هذه العبارة المهمة (هذا من فضل ربّي ) من قبل المتظاهرين بالشكر على أبواب قصورهم «الطاغوتية» دون أن يعتقدوا بذلك أو يكون أدنى أثر من هذه العبارة في عملهم.. إلاّ أن المهم هو أن تكتب على الباب وعلى جبين حياة الإنسان وفي قبله... أيضاً، وأن يكشف عمله أن كل ذلك من فضل الله.. وأن يشكره عليه، لا شكراً باللسان فحسب، بل شكراً مقروناً بالعمل وفي جميع وجوده(1).

 

5 ـ كيف أحضر «آصف» عرش الملكة؟!

لم يكن هذا (الأمر) أوّل خارق للعادة نراه في قصّة سليمان(عليه السلام)، أو في حياة الأنبياء بشكل عام.. وعلى من يحمل هذه التعبيرات على الكناية والمجاز، ولا يوخذ بظاهرها، أن يبينوا موقفهم من معاجز الأنبياء.

_____________________________

1 ـ كان لنا بحث مُفصّل في أهميّة الشكر، وتأثيره على زيادة النعمة، وأقسام الشكر «التكويني والتشريعي» في ذيل الآية السابقة من سورة إبراهيم.

[ 76 ]

ترى هل يرون الأعمال الخارقة للعادة للانبياء وخلفائهم محالا، وينكرونها كليّاً؟! فهذا ما لا ينسجم مع أصل التوحيد، ولا مع قدرة الله الحاكمة على قوانين الوجود، ولا ينسجم مع صريح القرآن في آيات كثيرة.. أيضاً.

أمّا إذا قبلوا بإمكان المعاجز، فلا ينبغي أن يفرقوا بين أن يكون البحث عن إحياء الموتى وإبراء العمي من قبل «عيسى بن مريم»(عليه السلام)، أو عن إحضار عرش ملكة سبأ من قبل آصف بن برخيا.

ولا شك أن هنا علائق مجهولة وعللا لا نعزفها في هذا الأمر، إذ نجهل ذلك بعلمنا «المحدود»، لكننا نعرف أن هذا الأمر غير محال.

فهل استطاع «آصف» بقدرته المعنوية أن يبدل عرش بلقيس إلى أمواج من نور، وبلحظة أحضرها عند سليمان(عليه السلام) ثمّ أرجعها إلى مادتها الأصليّة مرّة أُخرى؟... هذا الأمر عندنا يلفّه الغموض.

وما نعرف أن الإنسان يقوم اليوم بأعمال بواسطة الطرق العلمية المتداولة، كانت قبل مائتي عام تعدّ في دائرة المحال!.

فمثلا لو كان يقال لشخص ما قبل عدّة قرون: سيأتي زمان على الناس يتكلم الرجل في المشرق فيسمعه الآخرون ويرونه في المغرب في اللحظة ذاتها.. لكان يعد هذا المقال ضرباً من الهذيان أو الحلم!

وليس هذا إلاّ لأنّ الإنسان يريد أن يقوّم كل شيء بعلمه المحدود وقدرته القاصرة! مع أن ما وراء علمه وقدرته أسراراً خفية كثيرة!

 * * *

[ 77 ]

الآيات

قَالَ نَكِّرُوا لَهَـا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ  لاَ يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَآءَتْ قِيْلَ أَهَـكَذا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَـا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كانَتْ تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْم كَـفِرِينَ (43) قِيلَ لَهَـا ادْخُلِى الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـنَ للهِ رَبِّ الْعَـلَمِينَ (44)

 

التّفسير

نور الايمان في قلب الملكة:

نواجه في هذه الآيات مشهداً آخر، ممّا جرى بين سلمان وملكة سبأ فسليمان من أجل أن يختبر عقل ملكة سبأ ودرايتها، ويهىء الجوّ لإيمانها بالله، أمر أن يغيروا عرشها وينكّروه فـ (قال نكّروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ).

وبالرغم من أن المجيء بعرشها من سبأ ا لى الشام كان كافياً لان لا تعرفه ببساطة.. ولكن مع ذلك فإنّ سليمان أمر أن يوجدوا تغييرات فيه، من قبيل تبديل

[ 78 ]

بعض علاماته، أو تغيير ألوانه ومواضع مجوهراته، ولكن هذا السؤال: ما الهدف الذي كان سليمان(عليه السلام) يتوخّاه من اختبار عقل (ودراية) ملكة سبأ وذكائها؟

لعل هذا الاختبار كان لمعرفة أي منطق يواجهها به؟ وكيف يأتي لها بدليل لإثبات المباني العقائدية؟

أو كان يفكر أن يتزوجها، وكان يريد أن يعرف هل هي جديرة بأن تكون زوجة له، أم لا؟.. أو أراد ـ واقعاً ـ أن يعهد لها بمسؤولية بعد ايمانها... فلابدّ من معرفة مقدار استعدادها لقبول المسؤولية!

وهناك تفسيران لجملة (أتهتدي ) فقال بعضهم: المراد منها معرفة عرشها. وقال بعضهم: المراد من هذه الجملة أنّها هل تهتدي إلى الله برؤية المعجزة،  أو لا؟!

إلاّ أنّ الظاهر هو المعنى الأوّل، وإن كان المعنى الأوّل بنفسه مقدمة للمعنى الثّاني.

وعلى كل حال... فلمّا جاءت (قيل أهكذا عرشك ) والظاهر أن القائل لها  لم يكن سليمان نفسه، والاّ فلا يناسب التعبير بـ «قيل»، لأنّ اسم سليمان ورد قبل هذه الجملة وبعدها، وعُبّر عن كلامه بـ «قال».

أضف إلى ذلك أنّه لا يناسب مقام سليمان(عليه السلام) أن يبادرها بمثل هذا الكلام.

وعلى أي حال. فإنّ ملكة سبأ أجابت جواباً دقيقاً و (قالت كأنّه هو ).

فلو قالت: يشبه، لأخطأت.. ولو قالت: هو نفسه، لخالفت الإحتياط، لأنّ مجيء عرشها إلى أرض سليمان لم يكن مسألة ممكنة بالطرق الإعتيادية، إلاّ أن تكون معجزةً.

وقد جاء في التواريخ أن ملكة سبأ كانت قد أودعت عرشها الثمين في مكان محفوظ، وفي قصر مخصوص فيه غرفة عليها حرس كثير!

ومع كل ذلك فإنّ ملكة سبأ استطاعت أن تعرف عرشها رغم كل ما حصل له

[ 79 ]

من تغييرات.. فقالت مباشرة: (وأوتينا العلم من قبلها وكنّا مسلمين ).

أي، إذا كان مراد سليمان(عليه السلام) من هذه المقدمات هو اطلاعنا على معجزته لكي نؤمن به، فإنّنا كنّا نعرف حقانيته بعلائم أخر.. كنّا مؤمنين به حتى قبل رؤية هذا الأمر الخارق للعادة فلم تكن حاجة إلى هذا الامر.

وهكذا فأنّ سليمان(عليه السلام) منعها (وصدّها ما كانت تعبد من دون الله )(1)بالرغم من (أنّها كانت من قوم كافرين ).

أجل، إنّها ودعت ماضيها الأسود برؤية هذه العلائم المنيرة، وخَطت نحو مرحلة جديدة من الحياة المملوءة بنور الإيمان واليقين.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث يجري الكلام عن مشهد آخر من هذه القصّة، وهو دخول ملكة سبأ قصر سليمان الخاص.

وكان سليمان(عليه السلام) قد أمر أن تصنع إحدى ساحات قصوره من قوارير، وأن يجري الماء من تحتها.

فلمّا وصلت مَلكة سبأ إلى ذلك المكان (قيل لها أدخلي الصرح )(2) فلما رأته

ظنته نهراً جارياً فرفعت ثوبها لتمر وسط الماء وهي متعجبة عن سبب وجود هذا الماء الجاري، وكما يقول القرآن: (فلما رأته حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها )(3).

_____________________________

1 ـ للمفسّرين أقوال مختلفة في فاعل (صدّ) وأنّ (ما) هل هي موصولة أو مصدرية، فقال جماعة من المفسّرين. إن الفاعل هو سليمان كما بيّناه في المتن، وبعضهم قال: بل هو الله، والنتيجة تكاد تكون واحدة وطبقاً لهذين التّفسيرين تكون «ها» مفعولا أوّلا و (ما كانت) مكان المفعول الثّاني، وإن كان أصلها جاراً ومجروراً، أي وصدها سليمان أو الله عما كانت تعبد من دون الله. إلاّ أن جماعة ذهبوا إلى أن فاعل صدّ، هو (ما كانت)، لكن حيث أن الكلام عن إيمانها لا كفرها فالتّفسير الأوّل أنسب.. وأمّا كلمة (ما) فقد تكون موصولة.. أو مصدرية.

2 ـ «صَرْحُ» معناه الفضاء الواسع، وقد يأتي بمعنى البناء العالي والقصر وفي الآية المشار إليها آنفاً معناه ساحة القصر أي فضاءه الواسع ظاهراً.

3 ـ «اللّجة» في الاصل مأخوذة من اللجاج، ومعناه الشدّة، ثمّ أطلق على ذهاب الصوت وإيابه في الحنجرة تعبير (لجة) على وزن (ضجة)، أمّا الأمواج المتلاطمة فىُ البحر فتسمى (لُجة) على وزن (جُبة) وهي هنا في الآية بهذا المعنى الأخير.

[ 80 ]

إلاّ أنّ سليمان(عليه السلام) التفت إليها وقال: (إنّه صرح ممرد من قوارير )(1).  فلا حاجة الى الكشف عن ساقيك فلا يمس الماء قدميك.

وهنا ينقدح سؤال هام، وهو أن سليمان نبيّ كبير، فلم كان لديه هذا البناء الفائق والتزيّن الرائق... والصرح الممرد والبساط الممهّد!.. وصحيح أنّه كان حاكماً مبسوط اليد، إلاّ أن الأنسب أن يكون له بساط مألوف كسائر الأنبيآء.

إلاّ أنّه، ما يمنع أن يُري سليمان مَلكة سبأ التي كانت ترى قدرتها وعظمتها بالعرش والتاج والقصر العظيم والزينة.. يريها هذا المشهد لتذعن لأمره، ولتحتقر ما عندها؟! وهذه نقطة انعطاف في حياتها لتعيد النظر في ميزان القيم ومعيار الشخصية!

ما يمنعه ـ بدلاً من أن يغير جيشاً لجباً فيسفك الدماء ـ أن يجعل فكر ملكة سبأ حائراً مبهوتاً بحيث لم تكن تتوقع ذلك أصلا... خاصة أنّها كانت امرأة تهتم بهذه الاُمور والتشريفات!.

ولا سيما أنّ أغلب المفسّرين صرحوا بأن سليمان أمر أن يبنى مثل هذا الصرح والقصر قبل أن تصل ملكة سبأ إلى الشام، وكان هدفه أن يُريها قدرته لتذعن لأمره وتسلم له... وهذا الأمر يدلّ على أن سليمان(عليه السلام) كان يتمتع في سلطانه بقدرة عظيمة من حيث القوّة الظاهرية وُفق بها للقيام بمثل هذا العمل!.

وبتعبير آخر: إنّ هذه النفقات المالية إزاء أمن منطقة واسعة، وقبول دين الحق، والوقاية عن الإنفاق المفرط للحرب ـ لم تكن أمراً مسرفاً.

ولذلك حين رأت مَلكة سبأ هذا المشهد الرائع (قالت ربّ إنّي ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين ).

_____________________________

1 ـ «الممرد» معناه الصافي... و (القوارير) جمع قارورة وهي الزجاجة.

[ 81 ]

لقد كنت في ما مضى أسجد للشمس وأعبد الأصنام، وكنت غارقة في الزينة والتجميل، وكنت أتصور أنّي أعلى الناس في الدنيا.

أمّا الآن فإنّني أفهم أنّني ضعيفة جدّاً وهذه الزخارف والزبارج لا تروي ظمأ الإنسان ولا تبلّ غليل روحه!.

ربّاه... أتيت اليك مسلمة مع سليمان نادمة عن سالف عمري ، خاضعة عنقي إليك. الطريف هنا أنّها تقول: أسلمت مع سليمان، فتستعمل كلمة (مع) ليتجلّى أن الجميع إخوة في السبيل إلى الله! لا كما يعتاده الجبابرة إذ يتسلط بعضهم على رقاب بعض، وترى جماعة أسيرة في قبضة آخر.

فهنا لا يوجد غالب ومغلوب، بل الجميع ـ بعد قبول الحق ـ في صف واحد!.

صحيح أن ملكة سبأ كانت قد أعلنت إيمانها قبل ذلك أيضاً، لأنّنا سمعنا عن لسانها في الآيات آنفة الذكر (وأوتينا العلم من قبلها وكنّا مسلمين ).

إلاّ أن إسلام الملكة هنا وصل إلى أوجه، لذلك أكّدت إسلامها مرّة أُخرى.

إنها رأت دلائل متعددة على حقانية دعوة سليمان.

فمجيء الهدهد بتلك الحالة الخاصّة!

وعدم قبول سليمان الهدية الثمينة المرسلة من قبلها.

وإحضار عرشها في فترة قصيرة من مدى بعيد.

وأخيراً مشاهدة قدرة سليمان الاعجازية، وما لمسته فيه من أخلاق دمثة لا تشبه أخلاق الملوك!

* * *

 بحثان

1 ـ عاقبة أمر ملكة سبأ

كان هذا كل ما ورد في القرآن المجيد عن ملكة سبأ إذ آمنت أخيراً ولحقت

[ 82 ]

بالصالحين... لكن هل عادت إلى وطنها بعد إيمانها، وواصلت حكمها من قبل سليمان، أو بقيت عند سليمان و تزوجت منه؟! أو تزوجت من أحد ملوك اليمن المشهورين باسم «تُبّع»؟

هذه الاُمور لم يشر إليها القرآن الكريم، لأنّها لا علاقة لها بالهدف الأصلي الذي يبتغيه القرآن من المسائل التربوية!... إلاّ أن المؤرّخين والمفسّرين كلاًّ منهم اختار رأياً، ولا نجد ضرورة في الخوض في ذلك، وإن كان المشهور ـ طبقاً لما قاله أغلب المفسّرين ـ أنّها تزوّجت من سليمان نفسه(1).

إلاّ أنّه ينبغي أن نذّكر بهذا الأمر المهم، وهو أنّه وردت أساطير كثيرة حول سليمان وجنوده وحكومته وخصوصيات ملكة سبأ. وجزئيات حياتها أيضاً، ممّا يصعب على عامة الناس تمييزها من الحقائق التاريخية، وربّما يُغشّي هذه الحقائق التاريخية. ظلٌّ مظلم من الخرافات يشوه وجهها الناصع.. وهذه هي نتيجة الخرافات المتداخلة في الحقائق التي ينبغي أن تُراقب مراقبة تامّة!.

 

2 ـ خلاصة عامة عن حياة سليمان

ما ورد عن سيرة سليمان وحالاته في الثلاثين آية آنفة الذكر،يكشف عن مسائل كثيرة، قرأنا قسماً منها في أثناء البحث، ونشير إلى القسم الآخر إشارة عابرة:

1 ـ إنّ هذه القصّة تبدأ بالحديث عن موهبة (العلم الوافر) التي وهبها الله لسليمان بن داود، وتنتهي بالتسليم لأمر الله، وذلك التوحيد أساسه العلم أيضاً.

2 ـ هذه القصّة تدل على أن غياب طائر أحياناً (في تحليقة استثنائية) قد يغير مسير تأريخ أُمّة، ويجرها من الفساد إلى الصلاح، ومن الشرك إلى الإيمان... وهذا مثل عن بيان قدرة الله، ومثل من حكومة الحق!.

_____________________________

1 ـ الآلوسي في روح المعاني.

[ 83 ]

3 ـ إنّ هذه القصّة تكشف عن أن نور التوحيد يشرق في جميع القلوب، حتى الطائر الذي يبدو ظاهراً أنّه صامت، فإنّه يخبر عن أسرار التوحيد العميقة!.

4 ـ ينبغي من أجل لفت نظر الإنسان إلى القيمة الواقعية له وهدايته نحو الله، أن يُدمّر غروره وكبرياؤه أولا.. ليُماط عن وجه ستار الظلام، كما فعل سليمان، فدمر غرور مَلكة سبأ وذلك بإحضار عرشها، وادخالها الصرح الممرد الذي حسبته لجةً.

5 ـ إنّ الهدف النهائي في حكومة الأنبياء ليس التوسع في رقعة الأرض، بل الهدف هو ما قرأناه في آخر آية من الآيات محل البحث، وهو أن يعترف الظالم بذنبه، وأن يسلم لربّ العالمين، ولذلك فإن القرآن ختم بهذه «اللطيفة» القصّة المذكورة.

6 ـ إنّ روح الإيمان هي التسليم، لذلك فقد أكّد سليمان عليه في كتابه إلى مَلكة سبأ.

7 ـ قد يكون بعض الناس مع ما لديه من قدرة عظيمة لا ترقى إليه قدرة الآخرين، محتاجاً إلى موجود ضعيف كالطائر مثلا، لا إلى علمه فحسب، بل قد يستعين بعلمه أيضاً، وقد تحقّره نملة بما هي عليه من ضعف!

8 ـ إنّ نزول هذه الآيات في مكّة حيث كان المسلمون تحت نير العدو، وكانت الأبواب موصدة بوجوههم، هذا النّزول كان له مفهومه الخاص. وهو تقوية معنويات المسلمين وتسلية قلوبهم، واحياء أملهم بلطف الله ورحمته والإنتصارات المقبلة.

 * * *

[ 84 ]

الآيات

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَـهُمْ صَـلحاً أَنِ اعْبُدُ اللهَ فَإذا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَـقَومِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرنَا بِكَ وَبِمَنْ مَّعَكَ قَالَ طَـئرُكُمْ عِنْدَ الله بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ تُفْتَنُونَ (47)

 

التّفسير

صالحٌ في ثمود:

بعد ذكر جانب من قصص موسى وداود وسليمان(عليهم السلام) فإنّ هذه الآيات تتحدث عن قصّة رابع نبيّ ـ وتبيّن جانباً من حياته مع قومه ـ في هذه السورة، وهي ما جاء عن صالح(عليه السلام) وقومه «ثمود»!

إذ يقول القرآن: (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً أن اعبدوا الله )(1).

وكما قيل من قبل: إنّ التعبير بـ «أخاهم» الوارد في قصص كثير من الأنبياء، هو إشارة إلى منتهى المحبّة والإشفاق من قبل الأنبياء لأُممهم، كما أن في بعض

_____________________________

1 ـ جملة (أن اعبدوا الله) مجرورة بحرف جر مقدرو أصلها: ولقد ارسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً بعبادة الله.

[ 85 ]

المواطن إشارة الى علاقة القربى «الروابط العائلية للانبياء بأقوامهم».

وعلى كل حال، فإنّ جميع دعوة هذا النّبي العظيم تلخصت في جملة (أن اعبدوا الله ). أجل، إنّ عبادة الله هي عصارة كل تعليمات رسل الله.

ثمّ يضيف قائلا: (فاذا هم فريقان يختصمون )(1). المؤمنون من جهة والمنكرون المعاندون من جهة أُخرى.

وقد عبر في الآيتين 75 و 76 من سورة الأعراف عن الفريقين، بالمستكبرين والمستضعفين: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربّه قالوا إنّا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا إنّا بالذي آمنتهم به كافرون ).

وبالطبع فإنّ هذه المواجهة بين الفريقين «الكفار والمؤمنين» تصدق في شأن كثير من الأنبياء، بالرغم من أن بعض الانبياء بقوا محرومين حتى من هذا المقدار القليل من الانصار حيث وقف كل افراد قومهم ضدهم.

فأخذ صالح(عليه السلام) ينذرهم ويحذرهم من عذاب الله الأليم... إلاّ أنّ أُولئك  لم يستجيبوا له وتمسكوا بعنادهم وطلبوا منه باصرار أن إذا كنت نبيّاً فليحل بنا عذاب الله «وقد صرحت الآية 77 من سورة الأعراف بأنّهم سألوا نبيّهم نزول العذاب» (فقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ).

إلاّ أن صالحاً أجابهم محذراً و (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ).

فلِمَ تفكرون بعذاب الله دائماً وتستعجلونه؟ ألا تعلمون أن عذاب الله إذا حلّ بساحتكم ختم حياتكم ولا يبقى مجال للايمان؟

_____________________________

1 ـ كلمة (فريقان) تثنية، وفعلها مسند إلى ضمير الجميع، وذلك لأنّ كل فريق يتألف من جماعة... فأخذ الجمع بنظر الإعتبار..

[ 86 ]

تعالوا واختبروا صدق دعوتي في البعد الايجابي والأمل في رحمة الله في ظل الإيمان به (لولا تستغفرون الله لعلكم تُرحمون )!.

علام تسألون عن نزول العذاب وتصرون على السيئات؟! ولم هذا العناد وهذه الحماقة؟!

لم يكن قوم صالح ـ وحدهم ـ قد طلبوا العذاب بعد انكارهم دعوة نبيّهم، فقد ورد في القرآن المجيد هذا الامر مراراً في شأن الامم الآخرين، ومنهم قوم هود «كما في الآية 70 من سورة الاعراف».

ونقرأ في شأن النّبي محمّد(صلى الله عليه وآله) وما واجهه به بعض المشركين المعاندين، إذ قالوا: (اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ).(1)

وهذا أمر عجيب حقّاً أن يريد الإنسان اختبار صدق دعوة نبيّه عن طريق العقاب المهلك، لا عن طريق طلب الرحمة! مع أنّهم يعلمون يقيناً احتمال صدق دعوة هؤلاء الأنبياء «يعلمون ذلك في قلوبهم وإن أنكروه بلسانهم».

وهذا الأمر يشبه حالة ما لو أدعى رجل بأنّه طبيب، فيقول: هذا ا لدواء ناجع شاف، وذلك الدواء ضار مهلك. و نحن من أجل أن نختبر صدقه نستعمل الدواء المهلك!!

فهذا منتهى الجهل والتعصب... ولمرض الجهل الكثير من هذه الافرازات.

وعلى كل حال، فإنّ هؤلاء القوم المعاندين بدلا من أن يصغوا لنصيحة نبيّهم ويستجيبوا له، واجهوه باستنتاجات واهية وكلمات باطلة!... منها أنّهم (قالوا اطيرنا بك وبمن معك ) ولعل تلك السنة كانت سنة قحط وجدب، فقالوا: إنّ هذا البلاء والمشاكل والعقبات كلّها بسبب قدوم هذا النّبي وأصحابه... فهم مشؤومون

_____________________________

1 ـ الأنفال، الآية 32.

[ 87 ]

جلبوا الشقاء لمجتمعنا!!

فكانوا يحاولون مواجهة دعوة نبيّهم صالح ومنطقه المتين بحربة التطير، التي هي حربة المعاندين الخرافيين.

لكنّه ردّ عليهم و (قال طائركم عند الله ) فهو الذي يبتليكم بسبب أعمالكم بهذه المصائب التي ادت إلى هذه العقوبات.

في الحقيقة إن ذلك اختبار وإمتحان إلهي كبير لكم، أجل (بل أنتم قوم تفتنون ).

هذه امتحانات وفتن إلهية... هذه إنذارات وتنبيهات لينتبه ـ من فيهم اللياقة من غفلتهم، ويصلحوا انحرافهم ويتجهوا نحو الله!.

* * *

 بحث

«التطيُّر والتفاؤل»

«التطيُّر» مأخوذ من مادة «طير» وهو معروف، إذ يعني مايطير بجناحين في الجوّ، ولما كان العرب يتشاءمون غالباً من بعض الطيور، سمي الفأل غير المحبوب تطيّراً، وهو في قبال «التفأل» ومعناه الفأل الحسن المحبوب.

وقد وردت في القرآن الإشارة إلى هذا المعنى مراراً وهي أن المشركين الخرافيّين كانوا يواجهون أنبياءهم بحربة التطير، كما نقرأ ذلك في قصّة موسى وأصحابه (وإن تصبهم سيئة يطيّروا بموسى ومن معه )(1).

وفي الآيات ـ محل البحث ـ أظهر قوم «ثمود» المشركون رد فعلّهم في

_____________________________

1 ـ الأعراف، 131.

[ 88 ]

مقابل نبيّهم «صالح*» بالتطير أيضاً.

وأساساً، ونقرأ في سورة «يس» أن المشركين تطيّروا من مجيء رسل المسيح(عليه السلام) الى «انطاكية» (يس ـ 18).

فإنّ الإنسان لا يمكن أن يقف أمام الحوادث على حال واحدة، فلابدّ أن يفسّر آخر الأمر لكل حادثة علةً... فإذا كان الإنسان مؤمناً موحداً لله، فإنّه يرجع العلل إلى ذاته المقدسة تعالى طبقاً لحكمته، فكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. ولو استند إلى العلم في تحليل العلة والمعلول الطبيعيين، فستُحل مشكلته ايضاً، وإلاّ فإنّه سينتج أوهاماً وخرافات لا أساس لها.. أوهاماً  لا حد لها.. وأحدها «التطير» والفأل السيء!

مثلا كان عرب الجاهلية إذا رأوا الطائر يتحرك من اليمين نحو الشمال عدوّه فألاً حسناً، وإذا رأوه يتحرك من الشمال «اليسار» نحو اليمين عدّوه فألا سيئاً، ودليلا على الخسران أو الهزيمة! وغيرها من الخرافات الكثيرة عندهم(1).

واليوم يوجد ـ من قبيل هذه الخرافات والأوهام ـ الكثير في مجتمعات  لا تؤمن بالله، وإن حققت نصراً من حيث العلم والمعرفة، بحيث لو سقطت «مملحة» على الأرض أقلقتهم إلى حد كبير!... ويستوحشون من الدار أو البيت أو الكرسي المرقم بـ 13، وما زالت سوق المنجمين وأصحاب الفأل رائجة غير كاسدة! فهناك مشترون كثر «للطالع والبخت»!.

إلاّ أنّ القرآن جمع كل هذه الامور فجعلها في جملة موجزة قصيرة فقال:

(طائركم عند الله ).

_____________________________

1 ـ يشير الكميت الأسدي إلى بعض هذه الخرافات في قصيدته البائية فيقول:

ولا أنا ممن يزجر الطير هَمّهُ أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشيةً أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضبُ (المصحح).

[ 89 ]

أجل، فطائركم وطالعكم وانتصاركم وهزيمتكم وتوفيقكم وفشلكم كله عند الله، الله الحكيم الذي يهب عطاياه لمن كانت عنده اللياقة، واللياقة بدورها انعكاس تنعكس عن الايمان والأعمال الصالحة أو الطالحة!.

وهكذا فإنّ الاسلام يدعو أتباعه ليخرجهم من وادي الخرافة إلى الحقيقة، ومن المفازة(1) إلى الصراط المستقيم.

«كان لنا بحث مفصل في مجال التطير والتفاؤل ذيل الآية 131 من سورة الأعراف».

 * * *

_____________________________

1 ـ المفازاة تأتي بمعنى الفوز، وتأتى بمعنى الهلاك... فهي من الأضداد في اللغة ـ وهنا معناها الصحراء المهلكة (المصحح).

[ 90 ]

الآيات

وَكَـانَ فِى الْمَدِيْنَةِ تِسْعَةُ رَهْط يُفْسِدُونَ فِى الاْرْضِ  وَلاَ يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَـا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وِإنَّا لَصَـدِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَـهُمْ وَقَومَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِى ذلِكَ لاََيَةً لِّقَوم يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (53)

 

التّفسير

تآمر تسعة رهط في وادي القُرى:

نقرأ هنا قسماً آخر من قصّة «صالح» وقومه، حيث يكمل القسم السابق ويأتي على نهايته، وهو ما يتعلق بالتآمر على قتل «صالح» من قِبل تسعة «رهط»(1) من المنافقين والكفار، وفشل هذا التآمر! في وادي القرى منطقة

_____________________________

1 ـ «الرهط» من الناس ما لا يقل عن الثلاثة ولا يزيد عن العشرة، وهو اسم جنس لا مفرد له من نوعه ويجمع على أراهط وأرهاط ـ ولا يكون في الرهط امرأة (المصحح).

[ 91 ]

«النّبي صالح وقومه».

يقول القرآن في هذا الشأن (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون ).

ومع ملاحظة أنّ «الرّهط» يعني في اللغة الجماعة التي تقلُّ عن العشرة أو تقلّ عن الأربعين، فإنّه يتّضح أن كلاّ من المجموعات الصغيرة التسع كان لها منهج خاص، وقد اجتمعوا على أمر واحد، وهو الإفساد في الأرض والاخلال بالمجتمع (ونظامه الإجتماعي) ومبادىء العقيدة والأخلاق فيه.

وجملة «لا يصلحون» تأكيد على هذا الأمر، لأنّ الإنسان قد يفسدُ في بعض الحالات ثمّ يندم ويتوجه نحو الإصلاح.. إنّ المفسدين الواقعيين ليسوا كذلك، فهم يواصلون الفساد والإفساد ولا يفكرون بالإصلاح!.

وخاصّة أن الفعل في الجملة «يفسدون» فعل مضارع، وهو يدل على الإستمرار، فمعناه أن إفسادهم كان مستمراً... وكلّ رهط من هؤلاء التسعة كان له زعيم وقائد... ويحتمل أن كلاًّ ينتسب إلى قبيلة!.

ولا ريب أن ظهور «صالح» بمبادئه السامية قد ضيّق الخناق عليهم، ولذلك تقول الآية التالية في حقّهم: (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله ثمّ لنقولنّ لوليّه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ).

«تقاسموا» فعل أمر، أيّ اشتركوا جميعاً في اليمين، وتعهّدوا على هذه المؤامرة الكبرى تعهداً لا عودة فيه ولا انعطاف!.

الطريف أنّ أُولئك كانوا يقسمون بالله، ويعني هذا أنّهم كانوا يعتقدون بالله، مع أنّهم يعبدون الأصنام، وكانوا يبدأون باسمه في المسائل المهمّة.. كما يدل هذا الأمر على أنّهم كانوا في منتهى الغرور و«السكر» بحيث يقومون بهذه الجناية الكبرى على اسم الله وذكره!! فكأنّهم يريدون أن يقوموا بعبادة أو خدمة مقبولة... إلاّ أنّ هذا نهج الغافلين المغرورين الذين لا يعرفون الله والضالين عن الحق.

[ 92 ]

وكلمة «لنبيتنّه» مأخوذة من ـ«التبييت»، ومعناه الهجوم ليلا، وهذا التعبير يدلّ على أنّهم كانوا يخافون من جماعة صالح وأتباعه، ويستوحشون من قومه.. لذلك ومن أجل أن يحققوا هدفهم ولا يكونوا في الوقت ذاته مثار غضب أتباع صالح، اضطروا إلى أن يبيتوا الأمر، واتفقوا أن لو سألوهم عن مهلك النّبي ـ لأنّهم كانوا معروفين بمخالفته من قبل ـ حلفوا بأن لا علاقة لهم بذلك الأمر، ولم يشهدوا الحادثة أبداً.

جاء في التواريخ أن المؤامرة كانت بهذه الصورة، وهي أن جبلا كان في طرف المدينة وكان فيه غار يتعبّد فيه صالح، وكان يأتيه ليلا بعض الأحيان يعبد الله فيه ويتضرع إليه، فصمّموا على أن يكمنوا له هناك ليقتلوه عند مجيئه في الليل، ويحملوا على بيته بعد استشهاده ثمّ يعودوا إلى بيوتهم، وإذا سئلوا أظهروا جهلهم وعدم معرفتهم بالحادث.

فلمّا كمنوا في زاوية واختبأوا في ناحية من الجبل انثالت صخور من الجبل تهوي إلى الأرض، فهوت عليهم صخرة عظيمة فأهلكتهم في الحال!

لذلك يقول القرآن في الآية التالية: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم  لا  يشعرون ).

ثمّ يضيف قائلا: (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرنا هم وقومهم أجمعين ).

وكلمة (مكر) ـ كما بينّاها سابقاً ـ تستعملها العرب في كل حيلة وتفكير للتخلص أو الإهتداء إلى أمر ما.. ولا تختص بالاُمور التي تجلب الضرر، بل تستعمل بما يضر وما ينفع.. فيصح وصف المكر بالخير إذا كان لما ينفع، ووصفه بالسوء إذا كان لما يضرّ.. قال سبحانه: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ). وقال: (ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله )! «فتأملوا بدقّة»

يقول الراغب في المفردات.. المكر صرف الغير عما يقصده.. فبناءً على هذا إذا نسبت هذه الكلمة إلى الله فإنّها تعني إحباط المؤامرات الضارة من قبل

[ 93 ]

الآخرين، وإذا نسبت إلى المفسدين فهي تعني الوقوف بوجه المناهج الإصلاحية، والحيلولة دونها.

ثمّ يعبّر القرآن عن كيفية هلاكهم وعاقبة أمرهم فيقول: (فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا ).

فلا صوتَ يُسمع منها

ولا حركة تتردد

ولا أثر من تلك الزخارف والزبارج والنعم والمجالس الموبوءة بالذنوب والخطايا.

أجل، لقد أذهبهم ريح عتوّهم وظلمهم، واحترقوا بنار ذنوبهم فهلكوا جميعاً (إن في ذلك لآية لقوم يعلمون ).

إلاّ أن الأخضر لم يحترق باليابس، والأبرياء لم يؤخدوا بجرم الأشقياء... بل سلم المتقون (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ).

* * *

 

ملاحظات

1 ـ عقوبة ثمود

تختلف تعابير آيات القرآن في موضوع هلاك قوم صالح «ثمود».

فتارةً يأتي التعبير عن هلاكهم بالزلزلة (فأخذتهم الرجفة ).(1)

وتارة يقول: «عنهم» القرآن: (فأخدتهم الصاعقة )(2).

وتارة يقول: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة )(3).

_____________________________

1 ـ الأعراف، الآية 78.

2 ـ الذاريات، 44.

3 ـ هود، 67.

[ 94 ]

إلاّ أنّه لا منافاة بين هذه التعابير الثلاثة أبداً... لأنّ «الصاعقة» هي الشعلة الكبيرة بين السحاب والأرض المقرونة بصيحة عظيمة واهتزاز شديد في الأرض «ذكرنا تفصيلا عن الصيحة السماوية في ذيل الآية 67».

2 ـ روى بعض المفسّرين أن أصحاب صالح الذين نجوا معه كانوا أربعة آلاف رجل، وقد خرجوا بأمر الله من المنطقة الموبوءة بالفساد إلى حضر موت»(1).

3 ـ «خاوية» من (الخواء) على وزن (الهواء) معناه السقوط والهوىّ والإنهدام، وقد يأتي الخواء بمعنى الخلو... وهذا التعبير ورد في سقوط النجم وهويه، إذا قالوا «خوى النجم» أي هوى.

ويرى الراغب في المفردات أن الاصل في «خوى» هو الخلو... ويُرِد هذا التعبير في البطون الغرثى، والجوز الخالي، والنجوم التي لا تعقب الغيث، كان عرب الجاهلية يعتقدون أن كل نجم يظهر في الأفق يصحبه الغيث! «المطر».

4 ـ روي عن ابن عباس أنّه قال: استفدت من القرآن أن الظلم يخرب البيوت ويهدمها، ثمّ استدل بالآية الكريمة (فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا )(2).

وفي الحقيقة فإن تأثير الظلم في تخريب البيوت والمدن والمجتمعات لا يقاس بأي شيء، فالظلم يأتي بالصاعقة المهلكة، والظلم يزلزل ويدمر... والظلم له أثر كأثر الصيحة ـ في السماء ـ المهلكة المميتة، وقد أكد التأريخ مراراً هذه الحقيقة وأثبتها، وهي أن الدنيا قد تدوم مع الكفر، إلاّ أنّها لا تدوم مع الظلم أبداً.

5 ـ ما لا شك فيه أن عقاب ثمود «قوم صالح» كان بعد أن عقروا الناقة «قتلوها» وكما يقول القرآن في الآيات (65) ـ (67) من سورة هود: (فعقروها

_____________________________

1 ـ راجع الطبرسي في مجمع البيان، والآلوسي في روح المعاني، والقرطبي في تفسيره المعروف، ذيل الآيات محل البحث.

2 ـ مجمع البيان ذيل الآية محل البحث..

[ 95 ]

فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، فلمّا جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربّك هو القوي العزيز، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ).

فبناءً على هذه الآيات لم ينزل العذاب مباشرة بعد المؤامرة على قتل صالح، بل الإحتمال القوي أن الجماعة الذين تآمروا على قتله أهلكوا فحسب، ثمّ أمهل اللّه الباقين، فلمّا قتلوا الناقة أهلك الله جميع الظالمين والآثمين الكافرين.

وهذه هي نتيجة الجمع بين آيات هذه السورة، والآيات الواردة في هذا الشأن في سورتي الأعراف وهود.

وبتعبير آخر: في الآيات محل البحث جاء بيان إهلاكهم بعد مؤامرتهم على قتل نبيهم صالح، أمّا في سورتي الأعراف وهود فبيان هلاكهم بعد عقرهم الناقة. ونتيجة الأمرين أنّهم حاولوا قتل نبيّهم، فلمّا لم يفلحوا أقدموا على قتل الناقة (وعقرها) التي كانت معجزته الكبرى... ونزل عليهم العذاب بعد أن أمهلوا ثلاثة أيام.

ويحتمل أيضاً أنّهم أقدموا على قتل الناقة أولا، فلما هدّدهم نبيّهم صالح بنزول العذاب بعد ثلاثة أيّام حاولوا قتله، فأهلكوا دون أن يفلحوا في قتله(1).

 * * *

  _____________________________

1 ـ تفسير روح البيان ذيل الآية محل البحث..

[ 96 ]

الآيتان

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأتُونَ الْفَـحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54)أَئِنَّكُمْ لَتَأتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ تَجْهَلُونَ (55)

 التّفسير

انحراف قوم لوط!

بعد ذكر جوانب من حياة موسى وداود وسليمان وصالح(عليهم السلام) مع أُممهم وأقوامهم، فإنّ النّبي الخامس الذي وردت الإشارة إليه في هذه السورة: نبيّ الله العظيم «لوط».

وليست هذه أوّل مرّة يشير القرآن إلى هذا الموضوع، بل تكررت الإشارة إليه عدّة مرّات، كما في سورة الحجر، وسورةهود، وسورة الشعراء، وسورة الاعراف.

وهذا التكرار والتشابه، لأنّ القرآن ليس كتاباً تاريخياً كي يتحدث عن الموضوع مرّة ولا يعود إليه.. بل هو كتاب تربوي إنساني.. ونعرف أنّ المسائل التربوية قد تقتضي الظروف أحياناً أن تُكرر الحادثة ويذكر بها مراراً، وأن يُنظر إليها من زوايا مختلفة، ويُستنتج من جهاتها المتعددة.

[ 97 ]

وعلى كل حال فإنّ حياة قوم لوط المشهورين بالإنحراف الجنسي والعادات السيئة المخزية الأُخرى، كما أنّ عاقبة حياتهم الوخيمة يمكن أن تكون لوحة بليغةً لأُولئك السادرين في شهواتهم... وإن سعة هذا التلوث بين الناس تقتضي أن يُكرر ما جرى على قوم لوط مراراً.

يقول القرآن: في الآيتين محل البحث أوّلا: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون )(1).

«الفاحشة» كما أشرنا إليها من قبل، تعني الأعمال السيئة القبيحة، والمراد منها الإنحراف الجنسي وعمل اللواط المخزي.

وجملة (وأنتم تبصرون ) إشارة إلى أنّكم ـ يعني قوم لوط ـ ترون بأم أعينكم قبح هذا العمل وآثاره الوخيمة، وكيف تلوّث مجتمعكم من قرنه إلى قدمه به... وحتى الأطفال في غير مأمن من هذا العمل القبيح، فعلام تبصرون  ولا تتنبهون!

وأمّا ما يحتمله بعضهم من أن جملة «تبصرون» إشارة إلى أنّهم كانوا يشهدون فعل اللواط «بين الفاعل والمفعول» فهذا المعنى لا ينسجم وظاهر التعبير، لأنّ لوطاً يريد أن يحرّك «وجدانهم» وضمائرهم، وأن يوصل نداء فطرتهم إلى آذانهم... فكلام لوط نابع من البصيرة ورؤية العواقب الوخيمة لهذا العمل والتنبه منه.

ثمّ يضيف القرآن قائلا: (أئنكم لتأتون الرجال شهوةً من دون النساء ).

وقد ورد التعبير عن هذا العمل القبيح بالفاحشة، ثمّ وضحه أكثر لئلا يبقى أي إبهام في الكلام، وهذا اللون من الكلام واحد من فنون البلاغة لبيان المسائل المهمة.

_____________________________

1 ـ يحتمل أن «ولوطاً» منصوب بالفعل (أرسلنا) الذي سبق ذكره في الآيات المتقدمة، ويحتمل أن يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره (اذكر) وحيث جاء بعد الكلمة (إذ قال) فالإحتمال الثّاني أنسب...

[ 98 ]

ولكي يتّضح بأن الدافع على هذا العمل هو الجهل، فالقرآن يضيف قائلا: (بل أنتم قوم تجهلون ).

تجهلون بالله.. وتجهلون هدف الخلق ونواميسه.. وتجهلون آثار هذا الذنب وعواقبه الوخيمة، ولو فكرتم في أنفسكم لرأيتم أن هذا العمل قبيح جدّاً، وقد جاءت الجملة بصيغة الإستفهام ليكون الجواب نابعاً من أعماقهم ووجدانهم، فيكون أكثر تأثيراً.

 

* * *

[ 99 ]

 بداية الجزء العشرون

 من   القرآن الكريم

 

[ 101 ]

  الآيات

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوآ أَخْرِجُوا ءَالَ لُوط مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَـهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَـهَا مِنَ الْغَـبِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلَـمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءَاللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)

 

التّفسير

عندما تُعدُّ الطهارة عيباً كبيراً!

لا حظنا ـ في ما سبق من البحوث ـ منطق نبي الله العظيم «لوط»، ذلك المنطق المتين أمام المنحرفين الملوثين، وبيانه الإستدلالي الذي كان يعنّفهم على عملهم القبيح، ويكشف لهم نتيجة جهلهم وعدم معرفتهم بقانون الخلق وبجميع القيم الإنسانية.

والآن، لنستمع الى جواب هؤلاء المنحرفين بماذا أجابوا منطق «لوط»؟!

يقول القرآن: (فما كان جواب قومه إلاّ أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم إنّهم أناس يتطهرون ).

[ 102 ]

فجوابهم كاشف عن انحطاطهم الفكري والسقوط الأخلاقي البعيد!.

أجل.. إنّ الطهارة تعدّ عيباً ونقصاً في المحيط الموبوء، وينبغي أن يلقى أمثال يوسف المتعفف في السجن، وأن يطرد آل لوط نبيّ الله العظيم ويبعدوا ـ لأنّهم يتطهرون ـ خارج المدينة، وأن يبقى أمثال «زليخا» أحراراً أولي مقام... كما ينبغي أن يتمتع قوم لوط في مدينتهم دون حرج!.

وهذا هو المصداق الجلي لكلام القرآن في الضالين، إذ يقول: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ) بسبب أعمالهم السيئة المخزية.

ويحتمل في جملة (إنّهم أناس يتطهرون ) أن قوم لوط لإنحرافهم وغرقهم في الفساد، وتطبعهم وتعودهم على التلوّث، كانوا يقولون مثل هذا الكلام من باب السخرية والإستهزاء.. أي إنّهم يتصورون أن أعمالنا قبيحة وغير طاهرة! وأن تقواهم من التطهر، فما أعجب هذا الكلام! إنه لمهزلة!.

وليس هذا غريباً أن يتبدل إحساس الإنسان ـ نتيجة تطبعه بعمل قبيح ـ فيتغير سلوكه ونظرته.. فقد سمعنا بقصّة الدباغ المعروفة، إذ ورد أن رجلا كان يدبغ الجلود المتعفنة دائماً، وتطبعت «شامّته» برائحة الجلود «العفنة» فمرّ ذات يوم في سوق العطارين، فاضطرب حاله وأُغمي عليه، لأنّ العطور لا تناسب «شامّته» فأمر رجل حكيم أن يؤخذ إلى سوق الدباغين لانقاذه من الموت... فهذا مثال حسىّ طريف لهذا الموضوع المنطقي.

جاء في الرّوايات أن لوطاً كان يبلغ قومه حوالي ثلاثين عاماً وينصحهم، إلاّ أنّه لم يؤمن به إلاّ أسرته وأهله باستثناء زوجته فإنّها كانت من المشركين وعلى عقيدتهم(1).

بديهي أن مثل هؤلاء القوم لا أمل في إصلاحهم في عالم الدنيا، فينبغي أن يطوى «طومار» حياتهم، لذلك تقول الآية التالية في هذا الشأن (فأنجيناه وأهله

_____________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 382.

[ 103 ]

إلاّ امرأته قدرناها من الغابرين )(1).

وبعد أن خرج آل لوط في الموعد المعين «سحر ليلة كانت المدينة غارقة فيها بالفساد» فلمّا أصبح الصباح نزلت عليهم الحجارة من السماء، وتزلزت الأرض بهم، فدفنوا جميعاً تحت الحجارة والأنقاض، والى هذا تشير الآية الكريمة التالية (وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المُنذرين ).

وكان لنا بحث مفصل في قوم لوط وعاقبتهم الوخيمة وآثار الإنحراف الجنسي، في ذيل الآيات 77 ـ 83 من سورة هود، ولا حاجة إلى تكراره.

إن قانون الخلق عيّن لنا مسيراً لو سلكناه لكان ذلك مدعاة لتكاملنا وحياتنا، ولو انحرفنا عنه لكان باعثاً على سقوطنا وهلاكنا.

فقانون الخلق جعل الجاذبية الجنسية بين الجنسين المتخالفين عاملا لبقاء نسل الإنسان واطمئنان روحه. وتغيير المسير نحو الإنحراف الجنسي «اللواط أو السحاق» يذهب بالإطمئنان الروحي .. والنظام الإجتماعي.

وحيث أن لهذه القوانين الإجتماعية جذراً في الفطرة، فالتخلف «أو الإنحراف» يسبب الإضطراب وعدم الإنسجام في نظام وجود الإنسان!.

فلوط نبيّ الله العظيم نبّه قومه المنحرفين إلى هذا الاساس «الفطري» فقال لهم: (أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون )؟! فالجهل وعدم معرفتكم بقانون الحياة والسفاهة هو الذي يقودكم إلى الضلال والتيه!.

فلا عجب أن تتغير سائر قوانين الخلق في شأن هؤلاء القوم الضالين، فبدلا من أن يغاثوا بماء من السماء يهب الحياة يمطرون بالحجارة.. وبدلا من أن تكون الأرض مهاداً وثيراً لهم تضطرب وتتزلزل ويُقلب عاليها سافلها، لئلا يقتصر الحال على هلاكهم فحسب، بل لتمحى آثارهم!.

وفي آخر آية من الآيات محل البحث، وبعد بيان ما جرى على لوط وقومه

_____________________________

1 ـ «الغابرين» جمع الغابر ومعناه هنا الباقي من الذاهبين من المكان.

[ 104 ]

المنحرفين، يتوجه الخطاب إلى النّبي الكريم «محمّد»(صلى الله عليه وآله) ليستنتج ممّا سبق، فيقول له:(قل الحمد لله ).

الحمد والثناء الخاص لله، لأنّه أهلك أُمماً مفسدين كقوم لوط، لئلا تتلوث الأرض من وجودهم!.

الحمد لله الذي أبار قوم صالح ثمود، وفرعون وقومه المفسدين، وجعل آثارهم عبرة للمعتبرين.

وأخيراً فالحمد لله الذي أنعم وتفضل على عباده المؤمنين... كداود وسليمان وأمثالهما، وأولاهم القوّة والقدرة، وهدى القوم الضالين كقوم سبأ.

ثمّ يضيف قائلا: (وسلام على عباده الذين اصطفى ).

سلام على موسى وصالح ولوط وسليمان وداود، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، ومن والاهم بإحسان.

ثمّ يقول: (آلله خير أمّا يشركون )(1)!!

رأينا في قصص هؤلاء الأنبياء أن الأصنام لم تستطع عند نزول البلاء أن تسعف اتباعها، أو تقوم بأدنى مساعدة لهم! غير أن الله سبحانه لم يترك عباده وحدهم في هذه الخطوب، بل أعانهم بلطفه الذي لا ينفذ!

 * * *

 _____________________________

1 ـ (آلله) أصلها (أألله) فانقلبت إحدى الهمزتين ألفاً ثمّ صارت مدة كما هي عليه الآن.. وجملة (أمّا يشركون) أصلها (أم ما يشركون) إذ أُدغمت (أم) المعادلة الإستفهامية بما الموصولة فصارت (أمّا) .

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8911238

  • التاريخ : 11/08/2020 - 19:36

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net