00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الشعراء من آية 69 ـ 175 من ( ص 391 ـ 445 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الحادي عشر   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[391]

 الآيات

 وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَهِيمَ(69) إذْ قَالَ لاَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـكُفِينَ(71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73) قَالوُاْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلوُنَ(74) قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ(75) أَنتُمْ وَءَابآؤُكُمُ الاَْقْدَمُونَ(76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّى إِلاَّ رَبَّ الْعَـلَمِينَ (77)الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ(78) والَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ (79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينَ(80) والَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ (81)وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَلِى خَطَيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ(82)

 

التّفسير

أعبدُ ربَّاً... هذه صفاته:

كما ذكرنا في بداية هذه السورة، فإِنّ الله يبيّن حال سبعة من الأنبياء العظام، ومواجهاتهم أقوامهم لهدايتهم، لتكون «مدعاة» تسلية للنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين القلّة معه في عصره، وفي الوقت ذاته إنذار لجميع الأعداء والمستكبرين أيضاً...

[392]

لذلك تعقّب هذه الآيات على قصّة موسى وفرعون المليئة بالدروس لتبيّن قصة إبراهيم ومواجهاته المشركين، وتبدأ هذه الآيات بمحاورة إبراهيم لعمه آزر(1) فتقول:

(واتلُ عليهم نبأ إبراهيم).

ومن بين جميع الأخبار المتعلقة بهذا النبيِّ العظيم يركّز القرآن الكريم على هذا القِسْمِ: (إذْقالَ لأبيهِ وقومه ما تعبدون)؟

ومن المسلّم به أنّ إبراهيم كان يعلم أيّ شيء يعبدون، لكن كان هدفه أن يستدرجهم ليعترفوا بما يعبدون، والتعبير بـ «ما» مبيّنٌ ضمناً نوعاً من التحقير!

فأجابوه مباشرةً (قالوا نعبدُ أصناماً فنظلُّ لها عاكفين)! وهذا التعبير يدلّ على أنّهم يحسّوا بالخجل من عملهم هذا، بل يفتخرون به، إذا كان كافياً أن يجيبوه: نعبد أصناماً، إلاّ أنّهم أضافوا هذه العبارة: (فنظل لها عاكفين)!

التعبير بـ «نظلّ» يُطلق عادة على الأعمال التي تؤدى خلال اليوم، وذكره بصيغة الفعل المضارع إشارة إلى الإستمرار والدوام.

كلمة «عاكفين» مأخوذة من «العكوف»، ومعناه التوجه نحو الشيء وملازمته باحترام، وهي تأكيد لما سبق من التعبير.

«الأصنام» جمع الصنم، وهو الهيكل أو التمثال المصنوع من الذهب أو الخشب أو ما شاكلهما للعبادة، وكانوا يتصورون أنها مظهر للتقديس...

وعلى كل حال، فإنّ إبراهيم لما سمع كلامَهم رشقهم بنبال الإشكال والإعتراض بشدّة، وقمعهم بجملتين حاسمتين جعلهم في طريق مغلق، فـ (قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون)؟!

إن أقلّ ما ينبغي توفره في المعبود هو أنْ يسمعَ نداء عابده، وأن ينصره في

_____________________________
 
1 ـ بيّنا مراراً أنّ لفظ «الأب» يطلق في لغة العرب والقرآن على الوالد كما يطلق على العم، وهنا استعمل هذا اللفظ بمعناه الثاني.

[393]

البلاء، أو يضره عند مخالفة أمره!...

إلاّ أن هذه الأصنام ليس فيها ما يدلُّ على أن لَها أقلّ إحساس أو شعور أو أدنى تأثير في عواقب الناس، فهي أحجار أو فلزات «أو معادن أو خشب لا قيمة لها! وإنّما أعطتها الخرافات هذه الهالة وهذه القيمة الكاذبة!...

إلاّ أن عبدة الأصنام الجهلة المتعصبين واجهوا سؤال إبراهيم بجوابهم القديم الذي يكررونه دائماً، فـ (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون).

وهذا الجواب الذي يكشف عن تقليدهم الأعمى لأسلافهم الجهلة هو الجواب الوحيد الذي استطاعوا أن يردّوا به على إبراهيم(عليه السلام)، وهو جواب دليلُ بطلانه كامنٌ فيه، وليس أي عاقل يجيز لنفسه أن يقفَو أثرَ غيره ويصم أُذنيه ويغمضُ عينيه، ولا سيما أن تجارب الخلف أكثر من السلف عادة، ولا يوجد دليل على تقليدهم الأعمى!...

والتعبير بـ (كذلك يفعلون) تأكيد أكثر على تقليدهم، أي نفعل كما كانوا يفعلون، سواءً عبدوا الأصنام أم سواها.

فالتفت إبراهيم مُوبّخاً لهم ومبيناً موقفة منهم و (قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنّهم عدوّلي إلاّ ربَّ العالمين)...

أجلْ... إنّهم جميعاً أعدائي وأنا معاديهم، ولا أسالمهم أبداً...

وممّا ينبغي الإلتفات إليه أن إبراهيم الخليل(عليه السلام) يقول: «فإنّهم عدوٌّ لي» وإن كان لازم هذا التعبير أنّه عدوّ لهم أيضاً، إلاّ أن هذا التعبير لعله ناشىء من أن عبادة الأصنام أساس الشقاء والضلال وعذاب الدنيا والآخرة «للإنسان»، وهذه الأُمور في حكم عداوتها للانسان. أضف إلى ذلك أنه يستفاد من آيات متعددة من القرآن أن الأصنام تبرأ من عبدتها يوم القيامة وتعاديهم، وتحاججهم بأمر الله وتنفر

[394]

منهم.(1)

واستثناء ربّ العالمين مع أنّه لم يكن من معبوداتهم، وكما يصطلح عليه استثناء منقطع، إنّما هو للتأكيد على التوحيد الخالص.

كما يَرِدُ هذا الإحتمال وهو أن من بين عبدة الأصنام من كان يعبدُ الله إضافة إلى عبادة الأصنام، فاستثنى إبراهيم «ربّ العالمين» من الأصنام، رعايةً لهذا الموضوع...

وذكر الضمير «هم» الذي يستعمل عادةً للجمع «في العاقلين» وقد ورد في شأن الأصنام، لما ذكرناه من بيان آنفاً...

ثمّ يصف إبراهيم الخليل ربّ العالمين ويذكر نعمه المعنوية والماديّة، ويقايسها بالأصنام التي لا تسمع الدعاء ولا تنفع ولا تضرّ، ليتّضح الأمر جليّاً...

فيبدأ بذكر نعمة الخلق والهداية فيقول: (الذي خلقني فهو يهدين) فقد هداني في عالم التكوين، ووفر لي وسائل الحياة المادية والمعنوية، كما هداني في عالم التشريع فأوحى إليّ وأرسل إليّ الكتاب السماوي...

وذكر «الفاء» بعد نعمة الخلق، هو إشارة إلى أن الهداية لا تنفصل عن الخلق أبداً، وجملة (يهدين) الواردة بصيغة الفعل المضارع، دليل واضح على استمرار هدايته، وحاجة الإنسان إليه في جميع مراحل عمره!

فكأن أبراهيم في كلامه هذا يريد أن يبيّن هذه الحقيقة، وهي إنّني كنت مع الله منذ أن خلقني، ومعه في جميع الأحوال، وأشعر بحضوره في حياتي، فهو وليي حيث ما كنت ويقلبني حيثما شاء!...

وبعد بيان أولى مراحل الربوبية، وهي الهداية بعد الخلق، يذكر إبراهيم الخليل(عليه السلام) النعم المادية فيقول: (والذي يطعمني ويسقين).

_____________________________
 
1 ـ لمزيد الإيضاح في هذا الصدد يراجع تفسير الآية (82) من سورة مريم.

]395]

أجلْ، إنّني أرى النعم جميعاً من لطفه، فلحمي وجلدي وطعامي وشرابي، كل ذلك من بركاته!...

ولست مشمولا بنعمة في حال الصحةِ فقط، بل في كل حال (وإذا مرضت فهو يشفين).

ومع أنّ المرض أيضاً قد يكون من الله، إلاّ أن إبراهيم نسبه إلى نفسه رعاية للأدب في الكلام...

ثمّ يتجاوز مرحلة الحياة الدنيا إلى مرحلة أوسع منها... إلى الحياة الدائمة في الدار الآخرة، ليكشف أنه على مائدة الله حيثما كان، لا في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضاً. فيقول: (والذي يميتني ثمّ يحيين).

أجل، إنّ موتي بيده وعودتي إلى الحياة مرّة أُخرى منه أيضاً..

وحين أرِدُ عرصات يوم القيامة اعلقّ حبل رجائي على كرمه: (والذي أطمع أن يغفرلي خطيئتي يوم الدين).

وممّا لا شك فيه أن الأنبياء معصومون من الذنب، وليس عليهم وزر كي يُغفر لهم... إلاّ أنّه ـ كما قلنا سابقاً ـ قد تعدّ حسنات الأبرار سيئات المقرّبين أحياناً، وقد يستغفرون أحياناً من عمل صالح لأنّهم تركوا خيراً منه... فيقال عندئذ في حق أحدهم: تَركَ الأَولى.

فإبراهيم(عليه السلام) لا يعوّل على أعماله الصالحة، فهي لا شيء بإزاء كرم الله، ولا تُقاس بنعم الله المتواترة، بل يعوّل على لطف الله فحسب، وهذه هي آخر مرحلة من مراحل الإنقطاع إلى الله!...

وملخّص الكلام أن إبراهيم(عليه السلام) من أجّلِ أن يبيّن المعبود الحقيقي يمضي نحو خالقيّة الله أولا، ثمّ يبيّن بجلاء مقام ربوبيته في جميع المراحل:

فالمرحلة الأُولى مرحلة الهداية.

ثمّ مرحلة النعم الماديّة، وهي أعمّ من إيجاد المقتضي والظروف الملائمة أو

[396]

دفع الموانع...

والمرحلة الأخيرة هي مرحلة الحياة الدائمة في الدار الأُخرى، فهناك يتجلَّى وجه الرب بالهبات والصفح عن الذنوب ومغفرتها!...

وهكذا يبطل إبراهيم الخرافات التي كانت في قومه، من تعدد الآلهة والأرباب وينحني خضوعاً للخالق العظيم.

* * *

[397]

 

 

الآيات

 

رَبِّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصَّـلِحِينَ(83) وَاجْعَل لّىِ لِسَانَ صِدّق فىِ الاَْخِرِينَ(84) وَاجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)وَاغْفِرْ لاَِبِى إِنَّهُ، كَانَ مِنَ الضَّآلِّينَ(86) وَلاَتُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87)

 

التّفسير

دُعاءُ إبراهيم(عليه السلام):

من هنا تبدأ أدعية إبراهيم الخليل وسؤالاته من الله، فكأنّه بعد أن دعا قومه الضالين نحو الله، وبيّن آثار الربوبية المتجليّة في عالم الوجود... يتجه بوجهه نحو الله ويعرض عنهم، فكل ما يحتاجه فانه يطلبه من الله، ليكشف للناس ولعبدة الأصنام أنه مهما أرادوه من شؤون الدنيا والآخرة، فعليهم أن يسألوه من الله، وهو تأكيد آخر ـ ضمنيٌ ـ على ربوبيته المطلقة.

فأوّل ما يطلبه إبراهيم من ساحته المقدسة هو (ربّ هب لي حكماً والحقني بالصالحين).

فالمقام الأوّل هنا الذي يريده إبراهيم لنفسه من الله هو الحكم، ثمّ الإلحاق

]398]

بالصالحين...

و «الحكم» و «الحكمة» كلاهما من جذر واحد... و «الحكمة» كما يقول عنها الراغب في مفرداته: هي الوصول إلى الحق عن طريق العلم ومعرفة الموجودات والأفعال الصالحة، وبتعبير آخر: هي معرفة القيم والمعايير التي يستطيع الإنسان بها أن يعرف الحق حيثما كان، ويميز الباطل في أي ثوب كان، وهو ما يُعبّر عنه عند الفلاسفة بـ «كمال القوّة النظرية».

وهي الحقيقة التي تلقّاها لقمان من ربّه (ولقد آتينا لقمان الحكمة).(1) وعُبّر عنها بالخير الكثير في الآية (269) من سورة البقرة (ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً).

ويبدو أنّ للحكم مفهوماً أسمى من الحكمة... أي إنّه العلم المقترن بالإِستعداد للتنفيذ والعمل، وبتعبير آخر: إن الحكم هو القدرة على القضاء الصحيح الخالي من الهوى والخطأ!

أجلْ، إنّ إبراهيم(عليه السلام) يطلب من الله قبل كل شيء المعرفة العميقة الصحيحة المقرونة بالحاكميّة، لأن أي منهج لا يتحقق دون هذا الأساس!

وبعد هذا الطلب يسأل من الله إلحاقه بالصالحين، وهو إشارة إلى الجوانب العملية، أو كما يصطلح عليها بـ «الحكمة العملية» في مقابل الطلب السابق وهو «الحكمة النظرية»!...

ولا شك أن إبراهيم(عليه السلام) كان يتمتع بمقام «الحكم» وكان في زمرة الصالحين أيضاً... فلم سأل الله ذلك؟!

الجواب على هذا السؤال هو أنّه ليس للحكمة حد معين، ولا لصلاح الإِنسان حدّ، فهو يطلب ذلك ليبلغ المراتب العليا من العلم والعمل يوماً بعد يوم، حتى وهو

_____________________________
 
1 ـ سورة لقمان، الآية 12.

[399]

في موقع النبوة، وأنه من أولي العزم.. لا يكتفي بهذه العناوين...

ثمّ ـ إضافة إلى ذلك ـ فإنّ إبراهيم(عليه السلام) يعلم أن كل ذلك من الله سبحانه، ومن الممكن في أي لحظة أن تسلب هذه المواهب أو تزل به القدم، لذا فهو يطلب دوامها من الله إضافة إلى التكامل، كما أننا نخطو ونسير إن شاء الله في الصراط المستقيم، ومع ذلك فكلّ يوم نسأل ربّنا في الصلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، ونطلب منه التكامل ومواصلة هذا الطريق!

وبعد هذين الطَلَبينِ... يطلبُ موضوعاً مهماً آخر بهذه العبارة: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين).

أيْ اجعلني بحال تذكرني الأجيال الآتية بخير، واجعل منهجي مستمراً بينهم فيتخذوني أُسوةً وقدوة لهم فيتحركون ويسيرون في منهاجك المستقيم وسبيلك القويم...

فاستجاب الله دعاء إبراهيم كما يقول سبحانه في القرآن الكريم: (وجعلنا لهم لسان صدق عليّاً).(1)

ولا يبعد أن يكون هذا الطلب شاملا لما سأله إبراهيمُ الخليل ربه بعد بناء الكعبة، فقال: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم).(2)

ونعرف أن هذا الدعاء تحقق بظهور نبيّ الإِسلام. وذُكر إبراهيم الخليل بالخير في هذه الأُمة عن هذا الطريق، وبقي هذا الذكر الجميل مستمراً...

ثمّ ينظر إبراهيم إلى أفق أبعد من أفق الدنيا، ويتوجه إلى الدار الآخرة، فيدعو بدعاء رابع فيقول: (واجعلني من ورثة جنة النعيم).

«جنة النعيم» التي تتماوج فيها النعم المعنوية والمادية، النعم التي لا زوال لها

_____________________________
 
1 ـ سورة مريم، الآية 50.
2 ـ البقرة، الآية 129.

]400]

ولا اضمحلال... النعم التي لا يمكن أن نتصورها نحنُ ـ سجناءَ الدنيا ـ فهي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت!...

وقلنا سابقاً: إن التعبير بالإرث في شأن الجنّة إمّا لأنّ معنى الإرث الحصول على الشيء دون مشقّة وعناء، ومن المسلّم أن تلك النعم التي في الجنّة تقاس بطاعاتنا، فطاعاتنا بالنسبة لا تمثل شيئاً إليها!... أو أنّ ذلك ـ طبقاً لما ورد في بعض الرّوايات ـ لأن كل إنسان له بيت في الجنة وآخر في النار، فإذا دخل النّار ورث الآخرون بيته في الجنّة ...

وفي خامس أدعيته يتوجه نظره إلى عمّه الضالّ، وكما وعده أنّه سيستغفر له، فإنّه يقول في هذا الدعاء: (واغفر لأبي إنّه كان من الضالين).

وهذا الوعد هو ما صرحت به الآية (114) من سورة التوبة إذ تحكي عنه (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إياه)! وعده من قبل، وكان هدفه أن ينفذ إلى قلبه عن هذا الطريق، وأن يجرّه إلى طريق الإيمان، لذلك قال له مثل هذا القول وعمل به أيضاً... وطبقاً لرواية عن ابن عباس أن إبراهيم(عليه السلام)استغفر لعمّه آزر مراراً، إلاّ أنه حين غادر آزر الدنيا كافراً وثبت عداؤه للدين الحق، قطع إبراهيم استغفار عن عمه، كما نرى في ذيل الآية النص التالي: (فلما تبيّن أنه عدو لله تبرأ منه).(1)

وأخيراً فإنّ دعاءه السادس من ربَّه في شأن يوم التغابن، يوم القيامة، بهذه الصورة (ولا تخزني يوم يبعثون).

(ولا تخزني)، مأخوذ من مادة (خزي) على زنة (حزب) وكما يقول الراغب في مفرداته، معناه الذل والإنكسار الروحي الذي يظهر على وجه الإنسان من

_____________________________
 
1 ـ لمزيد الإِيضاح يراجع تفسير الآية 114 سورة التوبة.

]401]

الحياء المفرط، أو من جهة الآخرين حين يحرجونه ويخجلونه!

وهذا التعبير من إبراهيم، بالإضافة إلى أنه درس للآخرين، هو دليل على منتهى الإحساس بالمسؤولية والإعتماد على لطف الله العظيم.

 

* * *

]402]

 

 

الآيات

 

يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ(88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم (89)وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ(90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91)وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ(92) مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِروُنَ(93) فَكُبْكِبوُاْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ (94)وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أجْمَعُونَ(95) قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96)تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَل مُّبِين(97) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَـلَمِينَ (98)وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ الُْمجْرِمُونَ(99) فَمَا لَنَا مِن شَـفِعِينَ(100) وَلاَ صَدِيق حَمِيم(101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ(102) إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(103) وَإِنَّ رَبِّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ(104)

 

التّفسير

الخصام بين المشركين ومعبوداتهم:

أشير في آخر آية من البحث السابق إلى يوم القيامة ومسألة المعاد... أمّا في هذه الآيات فنلحظ تصوير يوم القيامة ببيان جامع، كما نلاحظ فيها أهم المتاع

]403]

«في تلك السُوق»، وعاقبة المؤمنين وعاقبة الكافرين والضالين وجنود إبليس، ويدلُّ ظاهر الآيات أن هذا الوصف وهذا التصوير هو من كلام إبراهيم الخليل، وأنه ختام دعائه ربَّه، وهكذا يعتقد ـ أيضاً ـ أغلب المفسّرين... وإن كان هناك مَنْ يحتمل أنه هو من كلام الله، وأن الآيات محل البحث هي منه سبحانه جاءت مكملةً لكلام إبراهيم(عليه السلام) وموضحة له، إلاّ أن هذا الإحتمال يبدو ضعيفاً!...

وعلى كل حال، فأوّل ما تبدأ به هذه الآيات هو (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون).

وفي الحقيقة إنّ هاتين الدعامتين المهمتين في الحياة الدنيا «المال والبنون» ليس فيهما أدنى نفع لصاحبهما يوم القيامة، وكل ما كان دون هاتين الدعامتين رتبةً من الأُمور الدنيوية ـ من باب أولى ـ لا نفع فيه، ولا فائدة من ورائه!

وبديهي أنّ المراد من المال والبنين هنا ليس هو ما يكون ـ من المال والبنين ـ في مرضاة الله، بل المراد منه الإستناد إلى الأُمور الماديّة، فالمراد إذاً هو أن هذه الدعامات المادية لا تحلُّ معضلا في ذلك اليوم ... أمّا لو كان أىٌّ من البنين والمال في مرضاة الله فلن يكون ذلك مادّياً.. إذ يصطبغ بصيغة الله ويُعدّ من «الباقيات الصالحات»!...

ثمّ يضيف القرآن في ختام الآية، على سبيل الإِستثناء (إلاّ من أتى اللّهَ بقلب سليم) .

وهكذا يتّضح أنّ أفضل ما ينجى يوم القيامة هو القلب السليم، وياله من تعبير رائع جامع، تعبير يتجسد فيه الإِيمان والنية الخالصة، كما يحتوي على كل ما يكون من عمل صالح! ولم لا يكون لمثل هذا القلب من ثمر سوى العمل الصالح؟!

وبتعبير آخر: كما أن قلب الإنسان وروحه يؤثران في أعماله، فإن أعماله لها أثر واسع في القلب أيضاً، سواءً كانت أعمالا رحمانية أم شيطانية!...

]404]

ثمّ يبيّن القرآن الجنّة والنار بالنحو التالي فيقول: (وأُزلفت الجنّة للمتقين(1)وبُرزت الجحيم للغاوين). أي الضالين

وهذا الأمر ـ في الحقيقة ـ قبل ورود كلٍّ من أهل الجنّة والنار إليهما! فكلّ طائفة ترى مكانها من قريب.. فيُسرّ المؤمنون ويستولي الرعب على الغاوين، وهذا أوّلَ جزائهما هناك!

الطريف هنا أنّ القرآن لا يقول: اقترب المتقون أو أزلف المتقون إلى الجنة، بل يقول: (وأُزلفت الجنة للمتقين) وهذا يدل على مقامهم الكريم وعِظَمِ شأنِهم!...

كما ينبغي الإشارة إلى هذه اللطيفة، وهي أن التعبير بالغاوين هو التعبير ذاته الوارد في قصة الشيطان، إذ طرده الله عن ساحته المقدسة فقال له: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين).(2)

ثمّ يتحدث القرآن عن ملامةِ هؤلاء الضالين، وما يُقالُ لهم من كلمات التوبيخ أو العتاب، فيقول: (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله) فهل يستطيعون معونتكم في هذه الشدة التي أنتم فيها، أو أن يطلبوا منكم أو من غيركم النصر والمعونة (هل ينصرونكم أو ينتصرون)(3)...

إلاّ أنّهم لا يملكون جواباً لهذا السؤال! كما لا يتوقع أحد منهم ذلك!... (فكُبكُبوا فيها هم والغاوون).

كما يقول بعض المفسّرين: إن كلاًّ منهم سيُلقى على الآخر يوم القيامة! (وجنود إبليس أجمعون).

وفي الحقيقة أن هذه الفرق الثلاث، الأصنام والعابدين لها وجنود إبليس

_____________________________
 
1 ـ أُزلفتْ
: فعل مشتق من (الزلفى)
على وزن (كبرى) ومعنى الفعل «قربت».
2 ـ سورة الحجر، الآية 42.
3 ـ قد يكون المراد من «ينتصرون»
هو أن يطلبوا العون والنصر لأنفسهم أو لغيرهم... أو مجموعهما، لاننا سنلاحظ في الآيات المقبلة أن العَبدَةَ ومعبوديهم يساقون إلى النار.

[405]

الدالين على هذا الإنحراف، يساقون جميعاً إلى النار... ولكن بهذه الكيفية... وهي أن تلقى الفرق فرقةً بعد أخرى في النار. لأن «كُبكِبوا» في الأصل مأخوذة من (كبّ)، و (الكبّ) معناه إلقاء الشيء بوجهه في الحفرة وما أشبهها، وتكراره «كبكب» يؤدي هذا المعنى من السقوط، وهذا يدلّ أنّهم حين يُلقون في النار مثلهم كمثل الصخرة إذ تهوى من أعلى الجبل أو تلقى من قمة الجبل، فهي تصل أولا نقطةً ما في الوادي ثمّ تتدحرج إلى نقاط أُخر حتى تستقرّ في القعر!.

إلاّ أن الكلام لا يقف عند هذا الحدّ، بل يقع النزاع والجدال بين هذه الفرق أو الطوائف الثلاث، فيجسم القرآن مخاصمتهم هنا، فيقول: (قالوا وهم فيها يختصمون).

أجل... إن العبدَةَ الضالين الغاوين يقسمون بالله فيقولون: (تالله إن كنّا لفي ضلال مبين(1) إذ نسويكم برب العالمين(2) وما أضلّنا إلاّ المجرمون)...

المجرمون الذين كانوا سادة مجتمعاتنا ورؤساءنا وكبراءنا، فأضلونا حفظاً لمنافعهم، وجرّونا إلى طريق الشقوة والغواية... كما يحتمل أن يكون المراد من المجرمين هم الشياطين أو الاسلاف الضالين الذين جرّوهم إلى هذه العاقبة الوخيمة.

(فيما لنا من شافعين ولا صديق حميم)...

والخلاصة أن الأصنام لا تشفع لنا كما كنا نتصور ذلك في الدنيا، ولا يتأتى لأي صديق أن يعيننا هنالك...

وممّا ينبغي الإلتفات إليه، أنّ كلمة (شافعين) جاءت في الآية السابقة بصيغة الجمع كما ترى، إلاّ أن كلمة (صديق) جاءت بصيغة الإفراد، ولعلّ منشأ هذا التفاوت والإختلاف، هو أن هؤلاء الضالين يرون بأمُ أعينهم المؤمنين الجانحين

_____________________________
 
1 ـ (إن كنا)
مخففة من (إنّا كنا)
...
2 ـ يُحتمل أن تكون (إذ)
هنا للظرفية، كما يحتمل أن تكون تعليلية...

[406]

يشفع لهم الأنبياء والأوصياء أو الملائكة وبعض الأصدقاء الصالحين، فأُولئك الضالون يتمنون الشافعين أيضاً، وأن يكون عندهم صديق هنالك!...

إضافةً إلى ذلك فإن كلمتي (الصديق) و (العدو) كما يقول بعض المفسّرين، تطلقان على المفرد والجمع أيضاً...

إلاّ أنّهم ما أسرع أن يلتفتوا إلى واقعهم المرّ، إذْ لا جدوى هناك للحسرة  ولا مجال للعمل في تلك الدار لجبران ما فات في دنياهم، فيتمنون العودة إلى دار الدنيا... ويقولون: (فلو أنْ لنا كرّةً فنكون من المؤمنين)...

وصحيح أنّهم في ذلك اليوم وفي عرصات القيامة يؤمنون بربّهم، إلاّ أن هذا الإيمان نوع من الإيمان الإضطراري غير المؤثر، وليس كالايمان الإختياري، وفي هذه الدنيا حيث يكون أساساً للهداية والعمل الصالح.

ولكن لا يحقق هذا التمني شيئاً، ولا يحلُّ مُعْضلا، ولن تسمح سنةً الله بذلك، وهم يدركون تلك الحقيقة، لأنّهم يتفوّهون بكلمة «لو»(1)...

وأخيراً بعد الإنتهاء من هذا القِسمِ من قصة إبراهيم، وكلماته مع قومه الضالين، ودعائه ربَّه، ووصفه ليوم القيامة، يكرر الله آيتين مثيرتين بمثابة النتيجة لعبادة جميعاً، وهاتان الآيتان وردتا في ختام قصة موسى وفرعون، كما وردتا في قصص الأنبياء الآخرين من السورة ذاتها فيقول: (إنّ في ذلك لآيةً وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربّك لهو العزيز الرحيم)...

وتكرار هاتين الآيتين، هو للتسرية عن قلب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسليته ومن معه من الصحابة القلة وكذلك المؤمنين في كل عصر ومصر لئلا يستوحشوا في الطريق من قلة أهله وكثرة الأعداء... وليطمئنوا إلى رحمة الله وعزته، كما أن هذا التكرار بنفسه تهديد للغاوين الضالين. وإشارة إلى أنه لو وجدوا الفرصة في حياتهم وأمهلهم الله إمهالا فليس ذلك عن ضعف منه سبحانه، بل هو من رحمته وكرمه!

_____________________________
 
1 ـ تعدّ (لو)
من حروف الشرط ـ وعادةً ـ تستعمل حينما يكون الشرط محالا...

[407]

ملاحظات

1 ـ القلب السليم ـ وحده ـ وسيلة النجاة

في اثناء كلام إبراهيم الخليل(عليه السلام) قرأنا ضمن ما ساقته الآيات المتقدمة من تعابير في وصف القيامة، أنّه لا ينفع في ذلك اليوم شيء (إلاّ من أتى الله بقلب سليم).

(السليم) مأخوذ من السلامة، وله مفهوم واضح، وهو السالم والبعيد من أيّ انحراف أخلاقي وعقائدي، أو أيّ مرض آخر!...

تُرى... ألمْ يقل الله القرآن في شأن المنافقين (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً).(1)

ونلاحظ تعاريف للقلب السليم في عدد من الأحاديث الغزيرة المعنى.

1 ـ ففيّ حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) ـ ذيل الآية محل البحث(2) ـ يقول فيه: «وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط».

2 ـ ونعلم من جهة أُخرى أن العلائق المادية الشديدة وحب الدنيا... كل ذلك يجرّ الإنسان إلى كل انحراف وخطيئة، لأن «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة»(3).

ولذلك فالقلب السليم هو القلب الخالي من حبّ الدنيا، كما ورد هذا المضمون في حديث للإمام الصادق(عليه السلام) ـ ذيل محل البحث ـ إذ يقول: «هو القلب الذي سلم من حبّ الدنيا».(4)

ومع الإلتفات إلى الآية (197) من سورة البقرة إذ تقول: (وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى) ... يتّضح أن القلب السليم هو القلب الذي يكون محلا لتقوى الله.

_____________________________

 

1 ـ سورة البقرة، الآية 10.
2 ـ راجع مجمع البيان ذيل الآيات محل البحث.
3 ـ بحار الأنوار، ج 70، ص 239 .
4 ـ تفسير الصافي في ذيل الآية محل البحث.

[408]

3 ـ وآخر ما نقوله ـ هنا ـ أنّ القلب السليم هو القلب الذي ليس فيه سوى الله، كما يجيب الإِمام الصادق(عليه السلام) على سؤال في هذا الشأن فيقول: «القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه».(1)

ولا يخفى أن المراد من القلب في مثل هذه الموارد هو روح الإنسان ونفسُه.

وهناك مسائل كثيرة وردت في الروايات الإسلامية تتحدث حول سلامة القلب والآفات التي تصيبه، وطريق مبارزتها ومكافحتها، ويستفاد من مجموع هذا المفهوم الإسلامي المتين أن الإسلام يهتم قبل كلّ شيء بالأساس الفكري والعقائدي والأخلاقي، لان جميع المناهج التطبيقية والعملية للإنسان هي إنعكاسات لذلك الأساس وآثاره!...

فكما أنّ سلامة القلب الظاهرية سبب لسلامة الجسم، وأن مرضه سبب لمرض أعضائه جميعاً، لأنّ تغذية الخلايا في البدن تتمّ بواسطة الدم الذي يتوزع ويُرسل إلى جميع الأعضاء بإعانةِ القلب على هذه المهمّة... فكذلك هي الحال بالنسبة لسلامة مناهج حياة الإنسان وفسادها، كل ذلك انعكاس عن سلامة العقيدة والأخلاق أو فسادهما...

ونختتم هذا البحث بحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) إذ قال: «إنّ القلوب أربعة: قلب فيه نفاق وإيمان، وقلب منكوس، وقلب مطبوع، وقلب أزهرُ أجرد; «أجرد من غير الله» إلى أن قال(عليه السلام): وأمّا الأزهر فقلب المؤمن، إن أعطاه شكر وإن ابتلاه صبر. وأمّا المنكوس فقلب المشرك (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوّياً على صراط مستقيم) فإن القلب الذي فيه إيمان ونفاق، فهم قوم كانوا بالطائف، فإن أدرك أحدُهم أجله على نفاقه هلك، وإن أدركه على إيمانه نجا».(2)

2 ـ وجاء في الروايات متعددة عن الإمامين الصادقين (أبي جعفر وأبي

_____________________________
 
1 ـ الكافي... طبقاً لما جاء في تفسير الصافي ـ ذيل الآية محل البحث.
2 ـ أصول الكافي ج 2 ص 422 طـ الرّابعة، باب في ظلمة قلب المنافق.

[409]

عبد الله(عليهما السلام)) في تفسير (فكبكبوا فيها هم والغاوون) قولهما: «هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثمّ خالفوه إلى غيره».(1)

وهذا الحديث يدل على أنّ القول بلا عمل قبيح ومذموم جدّاً، إذ يلقي أصحابه في النار، فأولئك قوم ضالون مضلّون، وكلامهم يهدي، الناس إلى الحق، بينما عملهم يجرّهم إلى الباطل، بل إن عملهم كاشف عن عدم إيمانهم بأقوالهم!

وينبغي الإلتفات ـ ضمناً ـ إلى أن كلمة «غاوون» المأخوذة من «الغيّ» لا تعني الضلال مطلقاً، بل كما يقول الراغب في المفردات: هو نوع من الجهل والضلال الناشيء عن فساد العقيدة.

3 ـ وردت في ذيل الآية (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) روايات متعددة، وبعضها صريحة في أن: «الشافعون الأئمّة والصديق من المؤمنين».(2)

وجاء في حديث آخر عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إن الرجل يقول في الجنّة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله: أخرجوا له صديقه إلى الجنّة، فيقول من بقي في النار: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم».(3)

وبديهي أنّه لا الشفاعة بدون معيار وملاك، ولا السؤال في شأن الصديق دون حساب، فلا بد من وجود ارتباط أو علاقة بين الشفيع والمشفوع له ليتحقق هذا الهدف... «بينّا تفصيل هذا الموضوع في بحث الشفاعة، في تفسير الآية 48 من سورة البقرة ـ فليُراجع في محله».

* * *

_____________________________
 
1 ـ نقل هذه الرواية مؤلف تفسير نور الثقلين عن أصول الكافي، وتفسير علي بن إبراهيم، والمحاسن للبرقي.
2 ـ المحاسن للبرقي. ذيل الآية محل البحث.
3 ـ مجمع البيان ذيل الآية.

[410]

 

 

الآيات

 

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ(105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخوُهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ(106) إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108)وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَـلَمِينَ (109)فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(110) قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الاَْرْذَلُونَ(111) قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّى لَو تَشْعُرُونَ(113) وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ(114) إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(115)

 

التّفسير

يا نوحُ، لِمَ يحفُّ بك الأرذلون؟!

يتحدّث القرآن الكريم بعد الإنتهاء ممّا جرى لإبراهيم وقومه الضّالين، عن قوم نوح(عليه السلام) حديثاً للعبرة والإتعاظ... فيذكر عنادهم وشدّتهم في موقفهم من نوح(عليه السلام) وعدم حيائهم وعاقبتهم الأليمة ضمن عدّة آيات... فيقول أوّلا: (كذّبت

]411]

قوم نوح المرسلين).(1)

وواضح أن قوم نوح إنّما كذبوا نوحاً فحسب... ولكنْ لمّا كانت دعوة المرسلين واحدة من حيث الأصول، فقد عدّ تكذيب نوح تكذيباً للمرسلين جميعاً... ولذا قال القرآن (كذبت قوم نوح المرسلين).

كما ويحتمل أنّ قوم نوح أساساً كانوا منكرين لجميع الأديان والمذاهب، سواءً قبل ظهور نوح أو بعده...

ثمّ يشير القرآن الكريم إلى هذا الجانب من حياة نوح(عليه السلام)، الذي سبق أن أشار إليه في كلامه حول إبراهيم وموسى(عليهما السلام)، فيقول: (إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون)...

والتعبير بكلمة «أخ» تعبير يبيّن منتهى المحبّة والعلاقة الحميمة على أساس المساواة... أي أن نوحاً دون أن يطلب التفوق والإستعلاء عليهم، كان يدعوهم إلى تقوى الله في منتهى الصفاء.

والتعبير بالأُخوة لم يَردْ في شأن نوح في القرآن فحسب، بل جاء في شأن كثير من الأنبياء، كهود وصالح ولوط، وهو يلهم جميع القادة والأدلاء على طريق الحق أن يراعوا في دعواتهم منتهى المحبة المقرونة بالإجتناب عن طلب التفوق لجذب النفوس نحو مذهب الحق، ولا يستثقله الناس!...

وبعد دعوة نوح قومه إلى التقوى التي هي أساس كل أنواع الهداية والنجاة، يضيف القرآن فيقول على لسان نوح وهو يخاطب قومه: (إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون) فإن إطاعتي من إطاعة الله سبحانه...

وهذا التعبير يدلّ على أن نوحاً(عليه السلام) كانت له صفة ممتدة من الأمانة بين قومه،

_____________________________
 
1 ـ تأنيث لفظ (كذبت)
لأن (قوم)
في معنى الجماعة، والجماعة فيها تأنيث لفظي... وقال بعضهم: إن كلمة (قوم)
بذاتها مؤنثة، لأنّهم قالوا في تصغيرها «قويمة»
نقل الوجه الأوّل الطبرسي في مجمع البيان، ونقل الوجه الثّاني الفخر الرازي في تفسيره... إلاّ أن «الآلوسى» قال في روح المعاني: إن لفظ «قوم» يستعمل في المذكر والمؤنث على السواء...

[412]

وكانوا يعرفونه بهذه الصفة السامية، فهو يقول لهم: (إنّي لكم رسول أمين) ولهذا فإنّي أمين أيضاً في أداء الرسالة الالهية، ولن تجدوا خيانةً منّي أبداً...

وتقديم التقوى على الإِطاعة، لأنه مالم يكن هناك إيمان واعتقاد بالله وخشية منه، فلن تتحقق الإطاعة لنبيّه...

ومرّة أُخرى يتمسك نوح(عليه السلام) بحقانية دعوته، ويأتي بدليل آخر يقطع به لسان المتذرعين بالحجج الواهية، فيقول: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على ربّ العالمين).

ومعلوم أن الدوافع الإلهية ـ عادةً ـ دليل على صدق مدعي النبوّة، في حين أن الدوافع المادّية تدل بوضوح على أن الهدف من ورائها هو طلب المنفعة،  ولا سيما أن العرب في ذلك العصر كانوا يعرفون هذه المسألة في شأن الكهنة وأضرابهم...

ثمّ يذكر القرآن ذلك التعبير نفسه الذي جاء على لسان نوح، بعد التأكيد على رسالته وأمانته، إذ يقول: (فاتقوا الله وأطيعون)...

إلاّ أنّ المشركين الحمقى، حين رأوا سُبُلَ ما تذرّعوا به من الحجج الواهية موصدة، تمسكوا بهذه المسألة، فـ (قالوا أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون).

إن قيمة الزعيم ينبغي أن تعرف ممن حوله من الأتباع، وبعبارة أخرى «إن الولي يعرف من زوّاره ـ كما يقال» فحين نلاحظ قومك يا نوح، نجدهم حفنةً من الأراذل والفقراء والحفاة والكسبة الضعاف، قد داروا حولك، فكيف تتوقع أن يتبعك الاثرياء الأغنياء الشرفاء والوجهاء ويخضعوا لك؟!

وصحيح أنّهم كانوا صادقين ومصيبين في أنّ الزعيم يُعرف عن طريق أتباعه، إلاّ أن خطأهم الكبير هو عدم معرفتهم مفهوم الشخصية ومعيارها... إذ كانوا يرون معيار القِيَم في المال والثروة والألبسة والبيوت والمراكب الغالية والجميلة، وكانوا غافلين عن النقاء والصفاء والتقوى والطهارة وطلب الحق، والصفات العليا

]413]

للإنسانية الموجودة في الطبقات الفقيرة والقلّة من الاشراف.

إن روح الطبقية كانت حاكمة على أفكارهم في أسوأ أشكالها، ولذلك كانوا يسمّون الفقراء الحفاة بالأراذل.

و «الأراذل» جمع (أرذل) كما أنّه جمع (للرذل) ومعناه الحقير... ولو كانوا يتحررون من قيود المجتمع الطبقي، لأدركوا جيداً أن إيمان هذه الطائفة نفسها دليل على حقانية دعوة النّبي وأصالتها!

إلاّ أنّ نوحاً(عليه السلام) جابههم وردّهم بتعبير متين، وجرّدهم من سلاحهم و (قال وما علمي بما كانوا يعملون).

فما مضى منهم مضى، والمهم هو أنّهم اليوم استجابوا لدعوة النّبي، وقالوا له: لبّيك، وتوجهوا لبناء شخصياتهم، ومكنوا الحقّ من أن ينفذ إلى قلوبهم!...

وإذا كانوا في ما مضى من الزمن قد عملوا صالحاً أو طالحاً، فلست مُحاسباً ولا مسؤولا عنهم آنئذ (إن حسابهم إلاّ على ربي لو تشعرون).

ويستفاد من هذا الكلام ـ ضمناً ـ أنّهم كانوا يريدون أن يتهموا هؤلاء الطائفة من المؤمنين، بالإضافة إلى خلوّ أيديهم، بسوء سابقتهم الأخلاقية والعملية، مع أن الفساد والإنحراف الخلقي عادةً في المجتمعات المرفهة أكثر من سواها بدرجات... فهم الذين تتوفر لديهم كل وسائل الفساد، وهم سكارى المقام والمال، وقلّ أن يكونوا من الصالحين.

إلاّ أن نوحاً(عليه السلام) ـ دون أن يصطدم بهم في مثل هذه الأُمور ـ يقول: ما علمي بهم وبما كانوا يعملون، فإذا كان الأمر كما تزعمون فإنّما حسابهم على ربي لو تشعرون!

وإنّما عليّ أن أبسط جناحي لجميع طلاّب الحق (وما أنا بطارد المؤمنين).

وهذه العبارة في الحقيقة جواب ضمني لطلب هؤلاء المثرين الأغنياء المغرورين، الذين كانوا يطلبون من نوح أن يطرد طائفة الفقراء من حوله، ليتقربوا

]414]

منه ويكونوا من أتباعه بعد طرد أُولئك الفقراء...

ولكن المسؤولية الملقاة على عاتقي هي أن أنذر الناس فحسب (إن أنا إلاّ نذير مبين).

فمن سمع إنذاري وعاد إلى الصراط المستقيم بعد ضلاله، فهو من أتباعي كائناً من كان، وفي أي مستوى طبقي ومقام اجتماعي أو مادي!

وممّا ينبغي الإِلتفات إليه أن هذا الإِيراد لم يتعرّضْ له نوحٌ النّبي الذي هو أول الرسل من أولي العزم فحسب، بل ووُجهَ الى النّبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر الأنبياء به، فالأغنياء كانوا ينظرون بنظاراتهم الفكرية السوداء شخصيات هؤلاء الفقراء البيضاء، فيرونها سوداء، فيطلبون طردهم دائماً. ولم يقبلوا بربّ ولا نبي يتبعه مثل هؤلاء العباد الفقراء!...

إلاّ أنه ما أعذب وأحلى تعبير القرآن عنهم في سورة الكهف، إذ يقول: (واصبر نفسك مع الذين يدعونَ ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً).

وهذا الإيراد أو الإشكال يوردونه حتى على قادةِ الحق والأدلاّء على الهدى في كل عصر وزمان، وهو أن معظم أتباعكم المستضعفون! أو الحفاة الجائعون.

إنّهم يريدون أن يعيبوا بكلامهم هذا الرسالة والمذهب، مع أنّهم من حيث لا يشعرون، يمدحون ويطرون ذلك المذهب ويوقّعون على أصالته.

* * *

]415]

 

 

الآيات

 

قَالوُاْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ(116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ(117) فافْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِى وَمَن الْمؤْمِنِينَ(118) فَأَنجَيْنَـهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ المَشْحُونِ(119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ(120) إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(122)

 

التّفسير

نجاةُ نوح وغرقُ المشركين:

كان ردّ فعل هؤلاء القوم الضالين في مواجهة نبيّهم نوح(عليه السلام)، هو منهج المستكبرين على امتداد التاريخ وهو الإعتماد على القوّة والتهديد بالموت والفناء: (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين).

والتعبير بـ «من المرجومين» يدلُ على أنّ الرجمَ بالحجارة بينهم كان جارياً في شأن المخالفين... وفي الحقيقة إنّهم يقولون لنوح: إذا قررت أن تواصل دعوتك للتوحيد... والإستمرار على عقيدتك ودينك، فستنال ما يناله المخالفون

[416]

ـ عامّة ـ وهو الرجم بالحجارة، الذي يعد واحداً من أسوأ أنواع القتل.(1)

ولما رأى نوح أن دعوته المستمرة الطويلة بما فيها من منطق بيّن... وبما يقترن بها من إصطبار، لم تؤثر إلاّ في جماعة قلة آمنوا به... شكا إلى ربّه أخيراً، وضمن بيان حاله، سأل ربه أن ينجيّه من قبضة الظالمين، وأن يُبعده عنهم... إذ (قال ربّ إن قومي كذبون).

وصحيح أن الله مطّلع على كل شيء، إلاّ أنه لبيان الشكوى وتمهيداً للسؤال التالي، يذكر نوح مثل هذا الكلام.

وممّا يلفت النظر أنّ نوحاً لم يشتكِ من المصائب التي أُبتلي بها، بل اشتكى من تكذيب قومه إيّاه فحسب، إذ لم يصدقوه ولم يقبلوا رسالته الالهية لهدايتهم...

ثمّ يلتفت إلى ربّه فيقول: والآن حيث لم يبق طريق لهداية هؤلاء القوم فاقض بيننا وافصل بيني وبينهم: (فافتح بيني وبينهم فتحاً).

«الفتح» معناه واضح، وهو ما يقابل الغلق ويضاده، وله استعمالان... فتارة يستعمل في القضايا المادية كفتح الباب مثلا، وتارة يستعمل في القضايا المعنوية كفتح الهمّ ورفع الغم، وكفتح المستغلق من العلوم، وفتح القضية، اي بيان الحكم حسم النزاع!

ثمّ يضيف فيقول: (ونجّني ومن معي من المؤمنين).

وهنا يعبر القرآن عن إدراك رحمة الله نوحاً، وإهلاك المكذبين بعاقبة وخيمة مفجعة، إذ يقول: (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون) اي المليء بالناس وانواع الحيوانات (ثمّ أغرقنا بعدُ الباقين)...

«المشحون» مأخوذ من مادة (شحن) على وزن (صحن) ومعناه الملءُ، وقد

_____________________________
 
1 ـ «الرجم»
مأخوذ من (رجام) على وزن (كتاب) وهو جمع (رجمة) على وزن (لقمة) ومعناها القطعة من الحجر التي توضع على القبر، أو ما يطوف حوله عبدة الأوثان، كما يعني الرجم القذف بالحجارة حتى القتل، كما يأتي أحياناً بمعنى القتل بأيّ شكل كان، لأن القتل كان بالحجر سابقاً.

[417]

يستعمل بمعنى التجهيز... و«الشحناء» تطلق على العداوة التي تستوعب جميع جوانب الإِنسان، والمراد من «المشحون» هنا هو أنّ ذلك الفلك [أي السفينة] كان مملوءاً من البشر وجميع الوسائل... ولم يكن فيه أي نقص... إي أن الله بعدما جهز السفينة وأعدّها للحركة، أرسل الطوفان لئلا يُبتلى نوح وجميع من في الفلك بأي نوع من أنواع الأذى... وهذا بنفسه إحدى نعم الله عليهم!

وفي ختام هذه القصة القصيرة، يقول القرآن ما قاله في ختام قصة موسى وإبراهيم(عليهما السلام)، فيكرر قوله: (إن في ذلك لآية) أي في ما جرى لنوح(عليه السلام) ودعوته المستمرة وصبره ونجاته وغرق مخالفيه (وما كان أكثرهم مؤمنين).

ولهذا فلا تحزن يا رسول الله من إعراض المشركين وعنادهم، واستقم كما أُمرت... فإنّ عاقبتك وعاقبة أصحابك عاقبة نوح وأصحابه، وعاقبة الضالين من قومك كعاقبة الضالين من قوم نوح.

) اعلم (إن ربّك لهو العزيز الرحيم).

فرحمته تقتضي أن يمهلهم ويتمّ عليهم الحجة بإعطاء الفرصة الكافية، وعزته تستلزم أن ينصرك عليهم، وتكون عاقبة أمرهم خُسْرَاً!...

* * *

]418]

 

 

الآيات

 

كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ(123) إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ (124)إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(125) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(126) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَـلَمِينَ(127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً تَعْبَثُونَ(128) وَتَتَّخُذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُم تَخْـلُدُونَ (129)وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُم جَبَّارِينَ(130) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131)وَاتَّقُواْ الَّذِى أَمَدَّكُم بمَا تَعْلَمُونَ(132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَـم وَبَنِينَ (133)وَجَنَّـت وَعُيُون(134) إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم عَظِيم(135)

 

التّفسير

جنايات عاد واعمالهم العدوانية:

والآن يأتي الكلام عن «عاد» قوم «هود» إذ يعرض القرآن جانباً من حياتهم وعاقبتهم، وما فيها من دروس العبر، ضمن ثماني عشرة آيةً من آياته!...

«عادُ» ـ كما قلنا من قبل ـ جماعة كانوا يقطنون في «الأحقاف»، وهي منطقة في حضرموت تابعة لليمن، تقع جنوب الجزيرة العربية...

]419]

فيقول القرآن: (كذّبت عادٌ المرسلين).(1)

بالرغم من أنّهم كذبوا هوداً فحسب، إلاّ أنّه لمّا كانت دعوة هود هي دعوة الأنبياء جميعاً، فكأنّهم كذبوا الأنبياء جميعاً...

وبعد ذكر هذا الإجمال يقع التفصيل، فيتحدّث القرآن عنهم فيقول: (إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون).

لقد دعاهم إلى التوحيد والتقوى في منتهى الشفقة والعطف والحرص عليهم، لذلك عبّر عنه القرآن بكلمة «أخوهم»...

ثمّ أضاف قائلا: (إنّي لكم رسول أمين) وما سبق من حياتي بين ظهرانيكم يدل على هذه الحقيقة، فإنّي لم أخنكم أبداً... ولم تجدوا منّي غير الصدق والحق!...

ثمّ يضيف مؤكّداً: لما كنتم تعرفونني جيداً (فاتقوا الله وأطيعون) ... لأنّ إطاعتكم إيّاي إطاعة لله سبحانه... ولا تتصوروا بأنّي أدعوكم لأنتفع من وراء دعوتي إيّاكم في حياتي الدنيا وأنال المال والجاه، فلست كذلك (وما أسألكم عليه من أجر أن أجري إلاّ على ربّ العالمين)... فجميع النِعَم والبركات من قِبَلهِ سبحانه، وإذا أردتُ شيئاً طلبته منه، فهو ربّ العالمين جميعاً...

والقرآن الكريم يستند في هذا القسم من سيرة «هود» في قومه إلى أربعة أُمور على الترتيب...

فالأمر الأوّل: هو محتوى دعوة «هود» الذي يدور حول توحيد الله وتقواه، وقرأنا ذلك بجلاء في ما مضى من الآي...

أمّا الأُمور الثلاثة الأخر فيذكرها القرآن حاكياً عن لسان هود في ثوب الإستفهام الإنكاري، فيقول: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون).

_____________________________
 
1 ـ لما كانت «عاد»
قبيلةً، وتتألف من جماعة من الناس أُنث الفعل كما يُرى، فجاء (كذبت عاد)
لأنّ لفظي القبيلة والجماعة مؤنثان...

[420]

«الريع» في الأصل يُطلقُ على المكان المرتفع، أمّا كلمة (تعبثون) فمأخوذ من «العبث»، ومعناه العمل بلا هدف صحيح، ومع ملاحظة كلمة (آية) التي تدل على العلامة يتّضح معنى العبارة بجلاء... وهو أنّ هؤلاء القوم المثرين، كانوا يبنون على قمم الجبال والمرتفعات الأُخر مبانيَ عالية للظهور والتفاخر على الآخرين، وهذه المباني [كالأبراج وما شاكلها] لم يكن من روائها أي هدف سوى لفت أنظار الآخرين، وإظهار قدرتهم وقوّتهم ـ من خلالها ـ !!

وما قاله بعض المفسّرين من أنّ المراد من هذا التعبير هو المباني والمنازل التي كانت تُبنى على المرتفعات، وكانت مركزاً للهو واللعب، كما هو جار في عصرنا بين الطغاة... فيبدو بعيداً، لأن هذا التعبير لا ينسجم مع كلمتي (الآية) و(العبث).

كما أنّ هناك احتمال ثالث ذكره بعض المفسّرين، وهو أنّ عاداً كانت تبني هذه البنايات للاشراف على الشوارع العامّة، ليستهزئوا منها بالمارة، إلاّ أن التّفسير الأوّل يبدو أكثر صحة من سواه...

وأمّا الأمر الثّالث الذي ذكره القرآن حاكياً على لسان هود منتقداً به قومه، فهو قوله: (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون).

«المصانع» جمع «مصنع» ومعناه المكان أو البناء المجلّل المحكم، والنّبي هود لا يعترض عليهم لأنّ لديهم هذه البنايات المريحة الملائِمة، بل يريد أن يقول لهم: إنّكم غارقون في أمواج الدنيا، ومنهمكون بعبادة الزينة والجمال والعمل في القصور حتى نسيتم الدار الآخرة!... فلم تتخذوا الدنيا على أنها دار ممر، بل اتخذتموها دار مقر دائم لكم...

أجل، إنّ مثل هذه المباني التي تُذهل أهلها، وتجعلهم غافلين عن اليوم الآخر، هي لا شك مذمومة!

و في بعض الرّوايات عن أنس بن مالك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج فرأى قبة

[421]

فقال: ما هذه؟ فقالوا له أصحابه: هذا الرجل من الأنصار فمكث حتى إذا جاء صاحبها فسلم في الناس أعرض عنه وصنع ذلك مراراً حتى عرف الرجل الغضب به وبالاعراض عنه، فشكى ذلك إلى أصحابه وقال: والله إليّ لأنكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ما أدرى ما حدث فيّ وما صنعت؟

قالوا: خرج رسول الله فرأى قبّتك فقال: لمن هذه؟ فأخبرناه، فرجع الى قبّته فسواها بالأرض، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم فلم ير القبة فقال: ما فعلت القبة التي كانت ها هنا قالوا: شكى إلينا صاحبها انحراصل عنه فاخبرناه فهدمها فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إن كلّ ما يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة، إلاّ ما لابُدّ منه».(1)

ويعرف من هذه الرّواية وما شابهها من الرّوايات نظر الإسلام بجلاء، فكل بناء «طاغوتي» مشيد بالإسراف والبذخ ومستوجب للغفلة... يمقته الإسلام، ويكره للمسلمين أن يبنوا مثل هذه الأبنية التي يبنيها المستكبرون المغرورون الغافلون عن الله، ولا سيما في محيط يسكن فيه المحرومون والمستضعفون...

إلاّ أن ما ينبغي التنويه به، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستعمل القوة للوصول إلى هذا الهدف الإِنساني أبداً، ولم يأمر بتخريب البناء، بل استطاع أن يحقق هدفه برد فعل لطيف كالإِعراض وعدم الإِهتمام بالبناء مثلا!...

ثمّ ينتقد النّبي «هود» قومه على قسوتهم وبطشهم عند النزاع والجدال فيقول: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين).

فمن الممكن أن يعمل الإنسان عملا يستوجب العقوبة، إلاّ أنّه لا يصح تجاوز الحد والإِنحراف عن جادة الحق والعدل عند محاسبته ومعاقبته، وأن يعامل ذو الجرم الصغير معاملة ذي الجرم الكبير... وأن تسفك الدماء عند الغضب ويقع التماصع بالسيف(2)، فذلك ما كان يلجأ إليه الجبابرة والظلمة والطغاة آنئذ...

_____________________________
 
1 ـ مجمع البيان: ذيل الآية محل البحث، نور الثقلين، ج 4، ص 63.
2 ـ التماصع، التطاحن والقتال. (المصحح)

]422]

ويرى الراغب في المفردات أن «البطش» على زنة (نقش) هو أخذ الشيء بقوّة وقسّوة واستعلاء...

وفي الحقيقة أن هوداً يوبخ عبدة الدنيا عن طرق ثلاثة:

الأوّل: علاماتهم التي كانت مظهراً لحبّ الإستعلاء وحب الذات، والتي كانت تبنى على المرتفعات العالية ليفخروا بها على سواهم.

ثمّ يوبخهم على مصانعهم وقصورهم المحكمة، التي تجرهم إلى الغفلة عن الله، وإن الدنيا دار ممر لا مقر.

وأخيراً فإنّه ينتقدهم في تجاوزهم الحدّ والبطش عند الإنتقام...

والقدر الجامع بين هذه الأُمور الثلاثة هو الإِحساس بالإِستعلاء وحبّ البقاء. ويدلّ هذا الأمر على أن عشق الدنيا كان قد هيمن عليهم، وأغفلهم عن ذكر الله حتى ادعوا الألوهية... فهم باعمالهم هذه يؤكّدون هذه الحقيقة، وهي أن «حب الدنيا رأس كل خطيئة».(1)

والقسم الثّالث من حديث هود ممّا بيّنه لقومه، هو ذكر نعم الله على عباده ليحرك فيهم ـ عن هذا الطريق ـ الإِحساس بالشكر لعلهم يرجعون نحو الله...

وفي هذا الصدد يتبع النّبي هود أسلوبي الإجمال والتفصيل، وهما مؤثران في كثير من الأبحاث، فيلتفت نحوهم أولا فيقول: (واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون).(2)

وبعد هذا التعبير المُجل يذكر تفصيل نعم الله عليهم، فيقول: (أمدكم بأنعام وبنين)...

فمن جهة وفّر لكم الأُمور المادية، وكان القسم المهم منها ـ خاصّة في ذلك

_____________________________
 
1 ـ تفسير الفخر الرازي ذيل الآية محل البحث.
2 ـ (أمدّ)
مأخوذ من «الإمداد»، ويطلق في الأصل على أمور توضع بعضها بعد بعض بشكل منظم، وحيث أن الله يرسل نعمه بشكل منظم إلى عباده استعملت هذه الكلمة هنا أيضاً...

[423]

العصر ـ الأنعام والمطايا من النياق وغيرها. ومن جهة أخرى وفرّ لكم القوّة الكافية وهي «الأبناء» للحفاظ على الأنعام وتدجينها...

وهذا التعبير تكرر في آيات مختلفة، فعند عدّ النعم المادية تذكر الأموال أولا ثمّ الأبناء ثانياً، وهم الحفظة للأموال ومنمّوها، ويبدو أن هذا ترتيب طبيعي، لا أن الأموال أهم من الأبناء... إذ نقرأ في الآية (6) من سورة الإِسراء... (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً)...

ثمّ يضيف بعد ذلك: (وجنات وعيون).

وهكذا فقد وفر الله لكم سبل الحياة جميعاً، من حيث الأبناء أو القوّة الإِنسانية، والزراعة والتدجين ووسائل الحمل والنقل، بشكل لا يحس الإِنسان معه بأي نقص أو قلق في حياته!.

لكن ما الذي حدث حتى نسيتم واهب هذه النعم جميعاً، وأنتم تجلسون على مائدته ليل نهار، ولا تعرفون قدره؟!

وأخيراً، فإنّ هوداً في آخر مقطع من حديثه مع قومه ينذرهم ويهددهم بسوء الحساب وعقاب الله لهم، فيقول: (إنّي أخاف عليكم عذاب يوم عظيم)...

ذلك اليوم الذي ترون فيه نتائج أعمالكم وظلمكم وغروركم واستكباركم، وحب الذات وترك عبادة الله... ترون كل ذلك بأم أعينكم.

وعادة ـ يستعمل لفظ (اليوم العظيم) في القرآن، ويراد منه يوم القيامة العظيم من كل وجه... إلاّ أنّه قد يستعمل في القرآن في اليوم الصعب الموحش المؤلم على الأُمم...

كما نقرأ في هذه السورة في قصة «شعيب»، أن قومه بعد أن جحدوه ولم يؤمنوا به وعاندوه واستهزؤوا به، أرسل الله عليهم صاعقة «وكانت قطعة من الغيم» فعاقبهم بها، فسّمي ذلك اليوم باليوم العظيم، كما تقول الآية: (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنّه كان عذاب يوم عظيم).

[424]

فبناءً على هذا قد يكون التعبير بـ «يوم عظيم» في الآية محل البحث، إشارة إلى اليوم الذي ابتلي به المعاندون من قوم هود (عاد) بالعذاب الأليم وهو الاعصار المدمر، وسيتجلى الشاهد على هذا المعنى في الآيات المقبلة...

كما يمكن أن يكون إشارة إلى يوم القيامة وعذابه... أو إلى العذابين معاً، فيوم الاعصار يوم عظيم،ويوم القيامة يوم عظيم أيضاً...

 

* * *

[425]

 

 

الآيات

 

قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الوَاعَظِينَ(136) إِنْ هَذَآ إِلاَّ خُلُقُ ا لاَْوَّلِينَ(137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ(138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـهُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(140)

 

التّفسير

لا تتعب نفسك في نصحنا:

رأينا في الآيات المتقدمة أحاديث النّبي هود المحترق القلب شفقةً لقومه المعاندين «عاد» وما حملته هذه الأحاديث من معان غريزة سامية... والآن ينبغي أن نعرف جواب قومه الجارح وغير المنطقي ولا المعقول، يقول القرآن في هذا الصدد (قالوا سواء علينا أوَعظت أمْ لم تكن من الواعظين) فلن يؤثر ذلك فينا،  فلا تتعب نفسك.

أمّا اعتراضك علينا بهذه الاُمور فلا محل له من الاعراب (إن هذا إلاّ خُلق الأوّلين).

وليس الأمر كما تقول، فإنّه لا شيء بعد الموت (وما نحن بمعذّبين) لا في هذا

[426]

العالم، ولا في العالم الآخر.

و «الخُلقُ» ـ بضم الخاء واللام ـ معناه العادة والسلوك والأخلاق لأن هذه الكلمة جاءت بصيغة الإفراد بمعنى الطبع والسجّية والعادة الأخلاقية... وهى هنا إشارة إلى الأعمال التي كانت تصدر منهم كعبادة الأصنام، وبناء القصور العالية الجميلة، وحب الذات، والتفاخر عن طريق تشييد الأبراج على النقاط المرتفعة، وكذلك البطش عند الإِنتقام أو الجزاء... أي إن ما نقوم به من أعمال هو ما كان يقوم به السلف فلا مجال للاعتراض والانتقاد!...

وفسّر «الخلقُ» بعضهم بالكذب، أي إنّ ما تقوله في شأن الله والقيامة كلام باطل قيل من قبل (إلاّ أن هذا التّفسير إنّما يُقبل إذا قرىء النص: إن هذا إلاّ خَلْقُ الأولين. فيكون الخلق فيه على وزن (الحلق) إلاّ أن القراءة المشهورة ليست كذلك!).

ويبيّن القرآن عاقبة قوم هود الوبيلة فيقول: (فكذبوه فأهلكناهم).

وفي ختام هذه الاحداث يذكر القرآن تلكما الجملتين المعبرّتين، اللتين تكررتا في نهاية قصص نوح وإبراهيم وموسى عليهما السلام... فيقول: (إن في ذلك لآية) على قدرة الله، واستقامة الأنبياء وعاقبة المستكبرين السيئة، ولكن مع ذلك (وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربّك لهو العزيز الرحيم).

فيمهلُ إمهالا كافياً، ويمنح الفرصة، ويبيّن الدلائل الواضحة للمضلينَ ليهتدوا... إلاّ أنه عند المجازاة والعقاب، وبعد إتمام الحجة يأخذ أخذاً عسيراً  لا مفرّ لأحد منه أبداً...

* * *

]427]

 

 

الآيات

 

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلينَ(141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُم صَـلِحٌ أَلا تَتَّقُونَ(142) إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(143) فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَطِيعُونِ (144)وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَـلَمِينَ (145)أتُتْرَكُونَ فِى مَا هَـهُنآءَ امِنِينَ(146) فِى جَنَّـت وَعُيون (147)وَزُرُوع وَنَخْل طَلْعُهَا هَضِيمٌ(148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَـرِهِينَ(149) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(150) وَلا تُطِيعُواْ أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ(151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الاَْرْضِ وَلا يُصْلِحُون (152)

التّفسير

لا تطيعوا المسرفين المفسدين:

القسم الخامس من قصص الأنبياء في هذه السورة، هو قصّة «ثمود» الموجزة القصيرة، ونبيّهم «صالح» الذين كانوا يقطنون في «وادي القُرى» بين المدينة والشام، وكانت حياتهم مترفة مرفهة... إلاّ أنّهم لطغيانهم وعنادهم أُبيدوا وأبيروا حتى لم يبق منهم ديّار ولم تترك لهم آثار...

[428]

وبداية القصّة هذه مشابهة لبداية قصة عاد «قوم هود» وبداية قصة نوح وقومه، وهي تكشف كيف يتكرر التاريخ، فتقول: (كذبت ثمود المرسلين)...

لأنّ دعوة المرسلين جميعاً دعوة واحدة، فتكذيب ثمود نبيّهم صالحاً تكذيب للمرسلين أيضاً...

وبعد ذكر هذا الإجمال يفصّل القرآن ما كان بين صلاح وقومه، فيقول: (إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون)...

لقد كان النّبي صالح هادياً ودليلا لقومه مشفقاً عليهم، فهو بمثابه «الأخ» لهم، ولم يكن لديه نظرة استعلائية ولا منافع ماديّة، ولذلك فقد عبّر القرآن عنه بكلمة «أخوهم»... وقد بدأ دعوته إيّاهم كسائر الأنبياء بتقوى الله والإحساس بالمسؤولية!...

ثمّ يقول لهم معرفاً نفسه: (إنّى لكم رسول أمين) وسوابقي معكم شاهد مبين على هذا الامر (فاتقوا الله وأطيعون) إذْ لا أريد إلاّ رضا الله والخير والسعادة لكم...

ولذلك فأنا لا أطلب عوضاً منكم في تبليغي إيّاكم... (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين) فأنا أدعوكم له، وأرجو الثواب منه سبحانه...

كان هذا أوّل قسم من سيرة صالح التي تلخصت في دعوته قومه وبيان رسالته إليهم...

ثمّ يضع «صالح» اصبعه على نقاط حساسة من حياتهم، فيتناولها بالنقد ويحاكمهم محاكمة وجدانية، فيقول: (أتتركون فيما ها هنا آمنين).

وتتصورون أن هذه الحياة المادية التي تستغفل الإنسان دائمة له وهو خالد فيها! فلذلك تأمنون من الجزاء، وأن يد الموت لا تنوشكم؟!

وبالأسلوب المتين، اُسلوب الإجمال والتفصيل... يشرح النّبي صالح لقومه تلك الجملة المغلقة والمجملة بقوله: وتحسبون أنّكم مخلّدون (في جنات وعيون

]429]

وزروع ونخل طلعها هضيم).(1)

ثمّ ينتقدهم على بيوتهم المرفهة المُحكمة فيقول: (وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين).

«الفارِهُ» مشتق من (فره على وزن فَرِح) ومعناه في الأصل السرور المقرون باللامبالاة وعبادة الهوى... كما يستعمل في المهارة عند العمل أحياناً... ومع أن المعنيين ينسجمان مع الآية، إلاّ أنّه مع ملاحظة توبيخ نبيّهم صالح إيّاهم وملامته لهم فيبدو أنّ المعنى الأوّل أنسب...

ومن مجموع هذه الآيات وبمقايستها مع ما تقدم من الآيات في شأن عاد، يستفاد أن عاداً «قوم هود» كان أكثر اهتمامهم في حب الذات والمقام والمفاخرة على سواهم... في حين أن ثمود «قوم صالح» كانوا أسرى بطونهم والحياة المرفهة»... ويهتمون أكبر اهتمامهم بالتنعم، إلاّ أنّ عاقبة الجماعتين كانت واحدة، لأنّهم جعلوا دعوة الأنبياء التي تحررهم من سجن عبادة الذات للوصول إلى عبادة الله، جعلوها تحت أقدامهم، فنال كلٌّ منهم عقابه الصارم الوبيل...

وبعد ذكر هذه الإنتقادات يتحدث النّبي صالح(عليه السلام) في القسم الثّالث من كلامه مع قومه، فيقول: (فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون).

 

* * *

 

_____________________________

 

1 ـ «الطلع»

مأخوذ من مادة «الطلوع» ويستعمل في ما يكون منه الرطب بعدئذ، وهو معروف وشكله جميل منضوم نضيد، له غلاف ينشقّ عنه العِذقُ أول الربيع. ثمّ يُلقح بيد الإنسان أو بالرياح ليكون الثمر... وقد يستعمل الطلع في الثمرة الأُولى للنخل! و «الهضيم»

من مادة «هضم»

، وله معان مختلفة، فتارة يراد منه الثمرة الناضجة، وتارة يطلق على الثمر اللين القابل للهضم، وتارة يطلق على المهضوم، وقد يستعمل بمعنى المنضوم المنضد، فإذا كان الطلع في الآية محل البحث بمعنى العذق أوّل طلوعه، فالهضيم معناه المنضود، وإذا كان الطلع أول الثمر فالهضيم معناه الناضج اللين اللطيف...

[430]

ملاحظة:

العلاقة بين الإسرافِ والفساد في الأرض!

نعرف أن «الإسراف» هو التجاوز عن حدّ قانون التكوين وقانون التشريع... وواضح أيضاً أنّ أيّ تجاوز عن الحد موجب للفساد والإختلال وبتعبير آخر: إن مصدر الفساد هو الإسراف، ونتيجة الإسراف هي الفساد أيضاً.

وينبغي الإلتفات إلى أنّ الإسراف له معنى واسع، فقد يطلق على المسائل المادية كالأكل والشرب، كما في الآية (31) من سورة الأعراف (كلوا واشربوا ولا تسرفوا).

وقد يَرِدُ في الإنتقام والقصاص ـ عند تجاوز الحد ـ كما في الآية (33) من سورة الإسراء...(فلا يسرفْ في القتل إنه كان منصوراً).

وقد يستعمل في الإِنفاق والبذل عند التبذير وعدم التدبير، كما في الآية (67) من سورة الفرقان: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً).

وقد يأتي في الحكم أو القضاء الذي يجرّ إلى الكذب، كما في الآية (28) من سورة غافر: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب)!

وقد يستعمل في الإعتقاد المنتهى إلى الشك والتردد والإرتياب كما في الآية (34) من سورة غافر إذ تقول: (كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب).

وقد يأتي بمعنى الإستعلاء والإستكبار والإستثمار كما جاء في الآية (31) من سورة الدخان في شأن فرعون (إنّه كان عالياً من المسرفين).

وأخيراً فقد يأتي بمعنى مطلق الذنوب كما هو في الآية (53) من سورة الزمر (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً).

وبملاحظة كل ما بيّناه آنفاً، تتّضح العلاقة بين الإسراف والفساد بجلاء...

يقول العلاّمة الطباطبائي في الميزان: «إن الكون على ما بين أجزائه من

]431]

التضاد والتزاحم، مؤلف تأليفاً خاصاً يتلائم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج والآثار... فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة، وهو بما بين أجزائه من الإرتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلا خاصّاً يسير فيها بأعمال خاصّة، من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار أو ينحرف بإفراط أو تفريط، فإنّ في الميل والإِنحراف إفساداً للنظام المرسوم ويتبعه إفساد غايته وغاية الكل... ومن الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطه المخطوط له، وإفساد النظم المفروض له ولغيره، يستعقب منازعة بقية الأجزاء له، فإن استطاعت أن تقيمه وترده إلى وسط الإِعتدال فهو وإلاّ أفنته وعفت آثاره، حفظاً لصلاح الكون واستبقاءً لقوامه والإِنسان الذي هو أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية، فإن جرى على ما يهديه إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له، وإن تعدّى حدود فطرته وأفسد في الأرض، أخذه الله سبحانه بالسنين والمثلات وأنواع النكال والنقمة، لعله يرجع إلى الصلاح والسداد، قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).(1)

وإن أقاموا مع ذلك على الفساد ـ لرسوخه في نفوسهم ـ أخذهم الله بعذاب الإِستئصال وطهّر الأرض من قذارة فسادهم قال الله تعالى: (ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)(2)(3)

ومن هنا يتّضح بجلاء، لِمَ ذكر الله سبحانه في الآيات المتقدمة الإسراف والفساد في الأرض وعدم الإصلاح، في سياق واحد ومنسجم.

* * *

_____________________________

 

1 ـ الروم، الآية 41.

2 ـ الأعراف، الآية 96.

3 ـ راجع تفسير الميزان، الجزء 15، الصفحة 333 ـ 334.

[432]

 

 

الآيات

 

قَالواْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ(153) مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأتِ بِآيَة إِن كُنتَ مِنَ الصَّـدِقِينَ(154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْم مَّعْلُوم(155) وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْم عَظِيم(156) فَعَقَرُوهَا فأَصْبَحُواْ نَـدِمِينَ(157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ(159)

 

التّفسير

عناد قوم صالح ولجاجتهم:

لقد استمعتم إلى منطق صالح المتين والمحب للخير، مع قومه المضلين ـ في الآيات المتقدمة ـ والآن لنستمع إلى جواب قومه في هذه الآيات.

إنهم واجهوه بكلام خشن و (قالوا إنّما أنت من المسحّرين) فلذلك فقدت عقلك وتتكلم بكلمات غير موزونة ولا معقولة.

ثمّ بعد هذا كله (ما أنت إلاّ بشر مثلنا) وكل عاقل لا يبيح لنفسه أن يطيع

[433]

انساناً مثله (فأت بآية إن كنت من الصادقين) لكي نؤمن بك ونتبعك.

كلمة (المسحّر) مشتقّة من (السحر) ومعناها المسحور، أي المصاب بالسحر، إذ كانوا يعتقدون أن السحرة كانوا عن طريق السحر يعطلون عمل العقل، وهذا القول لم يتّهم به النبيّ صالحاً فحسب، بل اتهم به كثير من الأنبياء، حتى أن المشركين اتّهموا نبيَّنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) به فقالوا: (إن تتبعون إلاّ رجلا مسحوراً)(1). أجَلْ، إنّهم كانوا يرون معيار العقل أن يكون الإنسان متوفقاً مع البيئة والمحيط، فيأكل الخبز ـ مثلا ـ بسعر يومه، ويطبّق نفسه على جميع المفاسد... فلو أن رجلا مصلحاً إلهيّاً دعا الناس للقيام والنهوض بوجه العقائد الفاسدة وإصلاحها، عَدُّوهُ ـ بحسب منطقهم ـ مجنوناً «مسحّراً».

وهناك احتمالات أُخر في معنى «المسحّرين»، صرفنا النظر عنها لعدم مناسبتها...

وعلى كل حال فإنّ هؤلاء المعاندين من قوم صالح، طلبوا منه معجزةً لا من أجل معرفة الحق، بل تذرعاً بالحُجة الواهية، وعلى نبيّهم أن يُتم الحجة عليهم، فاستجاب لهم ـ وبأمر الله ـ قال: (هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم).

و «الناقة» معروفة عند العرب، وهي أنثى الجمَلِ، والقرآن لم يذكر خصائص هذه الناقة التي كان لها حالة إعجازية، إلاّ أنه ذكرها بنحو الإجمال... لكننا نعرف أنّها لم تكن ناقة كسائر النياق الطبيعية، فكما يقول جماعة من المفسّرين: كانت هذه الناقة بحالة من الإعجاز بحيث خرجت من قلب الجبل. ومن خصائصها أنّها كانت تشرب ماء الحيّ في يوم، واليوم الآخر لأهل الحي «أو القرية» وهكذا دواليك... كما أشارت الآية آنفة الذكر إلى هذا المعنى، ووردت الإشارة إلى هذا المعنى في الآية (28) من سورة القمر أيضاً.

_____________________________

 

1 ـ سورة الفرقان، الآية 8.

[434]

وقد ذكر المفسّرون لها خصائص أُخر(1).

وعلى كل حال، كان على صالح(عليه السلام) أن يُعلمَهُم أن هذه الناقة ناقة عجيبة وخارقة للعادة، وهي آية من آيات عظمة الله المطلقة فعليهم أن يَدَعوها على حالها، وقال: (ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم)...

وبديهي أن المترفين قوم صالح المعاندين كانوا يعلمون أن يقظة الناس ستؤدي إلى الإضرار بمنافعهم الشخصية فتآمروا على نحر الناقة: (فعقروها فأصبحوا نادمين)(2) لأنّهم رأوا انفسهم قاب قوسين من العذاب الالهي.

ولما تجاوز طغيانهم الحدّ، وأثبتوا بأعمالهم أنّهم غير مستعدين لقبول الحق، اقتضت إرادة الله ومشيئته أن يطهر الأرض من وجودهم الملوّث (فأخذهم العذاب).

وكما نقرأ في الآية (78) من سورة الأعراف، والآية (67) من سورة هود، ما جاء عن عذاب الله لهم إجمالا... أن الأرض زُلزلت من تحتهم ليلا، فانتبهوا من نومهم وجثوا على الركب فما أمهلهم العذاب وأخذتهم الرجفة والصيحة، فاهتزت حيطانهم وهوت عليهم فأماتتهم جاثمين على حالهم ففارقوا الدنيا بحال موحشة رهيبة!...

ويقول القرآن في ختام هذه الحادثة ما قاله في ختام حوادث قوم هود وقوم صالح وقوم نوح وقوم إبراهيم(عليه السلام)، فيعبّر تعبيراً بليغاً موجزاً يحمل بين ثناياه عاقبة أولئك الظالمين: إن في قصة قوم صالح، وفي صبره وتحمله واستقامته ومنطقه القويم من جهة، وعناد قومه وغرورهم وانكارهم للمعجزة البيّنة، والمصير

_____________________________

 

1 ـ لمزيد الإيضاح في هذا الصدد يراجع تفسير الآية (61) من سورة هود...

2 ـ كلمة (عقروها)

مأخوذة من مادة (عُقر)

على زنة (قُفل) ومعناها في الأصل أساس الشيء وجذره، وقد تأتي بمعنى حز الرأس، وتأتي بمعنى قطع الأرجل من الحيوان، وما إلى ذلك.

[435]

الأسود الذي آلو إليه دروس وعبر: (إنّ في ذلك لآية وماكان أكثرهم مؤمنين).

أجلْ، ليس لأحد أن يغلب ربّه; فما فوق قوته من قوّة!! وهذه القوّة وهذه القدرة العظيمة لا تمنع أن يرحم أولياءه، بل أعداءه أيضاً: (وإن ربّك لهو العزيز الرحيم)(1)

 

* * *

_____________________________

 

1 ـ تقول الروايات إن الذي قتل ناقة صالح كان واحداً لا غير... إلاّ أن القرآن يعبر عن هذا الفعل بصيغة الجمع (فعقروها)

. وهذا التعبير لأن الآخرين كانوا راضين بعمله ويضمون أصواتهم إلى صوته، ويعتقدون بمعتقده... وتنفتح نافذة من هنا على أصل اسلامي، وهو أنّ العلائق الفكرية والمذهبيّة تجعل المنتمين إليها في صف واحد، وتكون عاقبتهم واحدة. لمزيد الإيضاح يراجع الآية (65) من سورة هود...

[436]

 

 

الآيات

 

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط الْمُرْسَلِينَ(160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ(161) إِنِّى لَكُم رَسُولٌ أَمِينٌ(162) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163)وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَـلَمِينَ (164)أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَـلَمِينَ(165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ(166)

 

التّفسير

السفلة المعتدون:

سادس نبيّ ـ ورد جانبٌ من حياته وحياة قومه المنحرفين في هذه السورة ـ هو «لوط»(عليه السلام)، ومع أنَّه كان يعيش في عصر إبراهيم الخليل، إلاّ أنّ قصته لم تأت بعد قصّة إبراهيم(عليه السلام)، لأن القرآن لم يكن كتاباً تاريخياً ليبيّن الحوادث بترتيب وقوعها... بل يلفت النظر إلى جوانبه التربوية البناءة، والتي تقتضي تناسباً آخر... وقصّة لوط وما جرى لقومه تنسجم في حياة الأنبياء الآخرين الذين ورد ذكرهم في ما بعد...

يقول القرآن أوّلا في هذا الصدد: (كذبت قوم لوط المرسلين).

]437]

ورود «المرسلين» بصيغة الجمع، إمّا لأنّ دعوة الأنبياء(عليهم السلام) واحدة، فتكذيب الواحد منهم تكذيب للجميع، أو أن قوم لوط لم يؤمنوا بأيّ نبي قبل لوط واقعاً وحقيقة...

ثمّ يشير القرآن الكريم إلى دعوة لوط التي تنسجم مع دعوة الأنبياء الآخرين الماضين، فيقول: (إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون).

ولحن كلماته وقلبه المتحرق لهم، العميق في تودّه إليهم، يدل على أنّه بمثابة «الأخ» لهم.

ثمّ أضاف لوط قائلا: (إنّي لكم رسول أمين) فلم تعرفوا عنّي خيانة حتى الآن... وسأرعى الأمانة في إيصال رسالة الله إليكم أبداً... (فاتقوا الله وأطيعون)فأنا زعيمكم إلى السعادة والنجاة.

ولا تتصوروا أنّ هذه الدعوة وسيلة اتخذها للحياة والعيش، وأنّ وراءها هدفاً مادّياً، كلاّ: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلاّ على رب العالمين).

ثمّ يتناول بالنقد أعمالهم القبيحة، وقسماً من انحرافاتهم الأخلاقية... وحيث أنّ أهم نقطة في انحرافاتهم... هي مسألة الإِنحراف الجنسي، لذلك فإنّه ركّز عليها وقال: (أتأتون الذكران من العالمين). فتختارون الذكور من بين الناس لاشباع شهواتكم!!

أي، إنّكم على الرغم ممّا خلق الله لكم من الجنس المخالف «النساء» حيث تستطيعون أن تعيشوا معهن بالزواج المشروع عيشاً طاهراً هادئاً، إلاّ أنّكم تركتم نعمة الله هذه وراءكم، ولوّثتم أنفسكم بمثل هذا العمل القبيح المخزي...

كما ويحتمل في تفسير هذه الآية أن «من العالمين» جاء قيداً لقوم لوط أنفسهم، أي إنّكم من دون العالمين وحدكم المنحرفون بهذا الإنحراف والمبتلون به... كما أن هذا الإحتمال ينسجم مع بعض التواريخ إذ يقال أن أوّل أمّة ارتكبت

[438]

الإِنحراف الجنسي «اللواط» بشكل واسع هي قوم لوط،(1) إلاّ أن التّفسير الأوّل مع الآية التالية ـ أكثر إنسجاماً.

ثمّ أضاف قائلا: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون).

فالحاجة والغريزة الطبيعية، سواءً كانت روحية أم جسمية لم تجرّكم إلى هذا العمل الإنحرافي الشنيع ابداً، وإنّما جرّكم الطغيان والتجاوز، فتلوثتم وخزيتم به...

إن ما تقومون به يشبه من يترك الثمر الطيب والنافع والسالم، ويمضي نحو الغذاء المسموم الملوّث المميت... فهذا الفعل ليس حاجة طبيعية... بل هو التجاوز والطغيان!

* * *

 

بحثان

1 ـ الانحراف الجنسي انحراف مخجل

أشار القرآن في سور متعددة منه ـ كالأعراف وهود والحِجر والأنبياء والنمل والعنكبوت، إلى ما كان عليه قوم لوط من الوزر الشنيع... إلاّ أن تعابيره ـ في السور المذكورة آنفاً ـ يختلف بعضها عن بعض... وفي الحقيقة إن كل تعبير من هذه التعابير يشير إلى بُعد من أبعاد عملهم الشنيع:

ففي «الأعراف» نقرأ مخاطبة لوط إيّاهم (بل أنتم قوم مسرفون).(2)

وفي الآية (74) سورة الأنبياء يتحدث القرآن عن لوط فيقول: (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين).

أمّا في الآية ـ محل البحث ـ فقد قرأنا مخاطبة لوط إياهم بقوله: (بل أنتم

_____________________________

 

1 ـ في شأن انحراف هؤلاء القوم، يذكر التأريخ قصة يمكن مراجعتها في تفسير الآية (81) من سورة هود...

2 ـ سورة الأعراف، الآية 81.

]439]

قوم عادون).

وجاء في الآية (55) من سورة النمل قوله لهم: (بل أنتم قوم تجهلون) «الآية 55».

كما جاء في الآية (29) من سورة العنكبوت على لسان لوط مخاطباً إيّاهم (إنّكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل).(1)

وهكذا فقد ذُكر هذا العمل القبيح بعناوين «إسراف»، «خبيث»، «فسق»، «تجاوز»، «جهل»، و«قطع السبيل».

«الإسراف» من جهة أنّهم نسوا نظام الخلق في هذا الأمر، وتجاوزوا عن الحد، و«التعديّ» ذكر أيضاً لهذا السبب.

و«الخبيث» هو ما ينفر منه طبع الإنسان السليم، وأيّ عمل أقبح من هذا العمل الذي يُنفَرُ منه؟!

«الفسق» معناه الخروج عن الطاعة ـ طاعة الله ـ والتعري عن الشخصيّة الإنسانية، وهو من لوازم هذا العمل حتماً.

و«الجهل» لعدم معرفتهم بعواقب هذا الفعل الوخيمة على الفرد والمجتمع!...

وأخيراً فإن «قطع السبيل» هو النتيجة السيئة لهذا الفعل، لأنّه سيؤدي إلى انقطاع النسل عند اتساع هذا الفعل، لأنّ العلاقة نحو الجنس المشابه ستحل محل العلاقة نحو الجنس المخالف بالتدريج (كما هي الحال بالنسبة للواط والسحاق).

 

2 ـ العواقب الوخيمة للإنحراف الجنسي.

بالرغم من بحثنا لهذا الموضوع في ذيل الآيات 81 ـ 83 بحثاً مفصّلا في أضرار هذا العمل القبيح، إلاّ أنه ـ نظراً لأهميته ـ نرى هنا من اللازم أن نذكر

_____________________________

 

1 ـ قيل أن المراد من (تقطعون السبيل)

أي تقطعون سبيل الفطرة وتداوم النسل، وفسّره آخرون بأنّ المراد هو أن قوم لوط كانوا قطّاع طرق وسرّاقاً!...

[440]

مطالب أُخَر مضافاً إلى ما سبق!

في الحديث عن النبيّ (محمّد)(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «لا يجد ريح الجنّة زنوق وهو المخنث».(1)

وفي حديث آخر عن الإمام علي(عليه السلام) أنه قال: «اللواط هو الكفر».(2)

وفي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا في فلسفة تحريم اللواط والسحاق أنه قال: «علة تحريم الذكران للذكران، والإِناث للإِناث، لما رُكب في الإِناث وماطبع عليه الذكران، ولما في إتيان الذكران الذكران، والإِناث للإِناث من انقطاع النسل، وفساد التدبير، وخراب الدنيا».(3)

وهذه المسألة قبيحة جدّاً في نظر الإِسلام بحيث جعل ـ في أبواب الحدود ـ حدّة القتل دون شك... حتى الذين يقومون بعمل أدنى من اللواط والسحاق جعل لهم عقاباً صارماً...

ففي حديث عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «من قبل غلاماً من شهوة، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».(4)

وعقوبة من يفعل مثل هذا الفعل تتراوح من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين سوطاً...

وعلى كل حال، فلا شك أن الإنحراف الجنسي من أخطر الإنحرافات الاجتماعية... لأنّه يلقي بظله المشؤوم على جميع المسائل الأخلاقية، ويجر الإنسان إلى الإنحراف العاطفي.

«وكان لنا بحث مفصل في هذا الصدد في ذيل الآية 81 من سورة هود».

* * *

_____________________________

 

1 ـ بحار الانوار، الطبعة الجديدة، ج 79، ص 67.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ المصدر السابق، ص 64.

4 ـ بحار الانوار، ج 79، ص 72.

[441]

 

 

الآيات

 

قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَـلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الُْمخْرَجِينَ(167) قَالَ إِنِّى لَعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ(168) رَبِّ نَجِنِّى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ (169)فَنَجَّيْنَـهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ(170) إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغَـبِرِينَ(171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الاَْخَرِينَ(172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهُم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ(173) إِنَّ فِى ذَلكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (174)وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(175)

 

التّفسير

عاقبة قوم لوط:

إن قوم لوط الغارقين بالغرور والمتمادية بهم رياح الشهوة، بدلا من أن يذعنوا لنصائح هذا القائد الإلهي، فتدخل مواعظه في قلوبهم ويخلصوا من تلك الأمواج الرهيبة، فإنهم نهضوا لمواجهتهِ و (قالوا لئن لم تنتهِ يا لوط لتكونن من المخرجين)...

إن كلامك يُبلبل أفكارنا، ويسلب اطمئناننا وهدوءنا، فنحن غير مستعدين

]442]

حتى للإصغاء إلى كلامك... وإذا واصلت هذا الاُسلوب ولم تنته منه، فإنّ أقل ما تجزى به هو الإبعاد والإخراج من هذه الأرض...

ونقرأ في مكان آخر من القرآن أن قوم لوط سعوا لتنفيذ تهديدهم، وأمروا بإخراج لوط وأهله، فقالوا: (أخرجوهم من قريتكم إنّهم اُناس يتطهّرون).

إن فعل هؤلاء الضالّين ـ بلغ بهم أن يعدوا التقوى والتطهر بينهم أكبر عيب، وأن يفخروا بالرجس وعدم الطهارة، وهذه هي العاقبة المشؤومة للمجتمع المسرع نحو الفساد!

ويستفاد من عبارة (لتكونن من المخرجين) أنّ هذه الجماعة الفاسدة كانوا قد أخرجوا اُناساً طاهرين من حيّهم فهدّدوا لوطاً بهذا الأمر أيضاً، وهو أنه إذا لم تنته فستنال ما ناله سواك من الإبعاد والإخراج...

وقد صُرّح في بعض التفاسير أنّهم كانوا يُخرجون المتطهرين من القرية بأسوأ الحال(1)...

إلاّ أنّ لوطاً لم يكترث بتهديدهم، وواصل نصحه لهم و (قال إنّي لعملكم من القالين).

إنّه يريد أن يقول: سأواصل انتقادي إيّاكم... فافعلوا ما شئتم... فأنا لا أترك مواجهة هذه الأعمال القبيحة بالإعتراض والنقد!...

والتعبير بـ «من القالين» يدلُّ أيضاً على أن جماعة كانوا مثل النّبي لوط يرفضون هذه الأعمال ويعترضون عليها... رغم أن المنحرفين أخرجوهم من قريتهم آخر الأمر.

كلمة «القالِين» جمع «قال» من مادة (قَلَى) أو (قَلِيَ) «على وزنيْ حَلَقَ وشَرِكَ» ومعناها العداوة الشديدة التي تترك أثرها في قلب الإنسان، وهذا التعبير

_____________________________

 

1 ـ تفسير روح المعاني، والتّفسير الكبير للفخر الرازي، ذيل الآيات محل البحث.

[443]

يكشف عن شدّة تنفّر لوط من أعمالهم...

والذي يسترعي النظر أن لوطاً يقول: إنّي لعملكم من القالين. أي إنّني  لا أعاديكم بأشخاصكم، بل أعادي أعمالكم المخزية، فلو ابتعدتم عن هذا العمل الشنيع فأنا محبّ لكم وغير قال لكم.

وأخيراً لم تؤثر مواعظ لوط ونصائحه في قومه، فبدّل الفساد مجتمعهم كلّه إلى مستنقع عفن... وتمّت الحجة عليهم بمقدار كاف، وبلغت رسالة لوط مرحلتها النهائية... فعليه أن يغادر هذه المنطقة العفنة، وأن ينجّي من معه ممن استجاب دعوته، لينزل عذاب الله على القوم الفاسقين فيهلكهم، فسأل لوط ربّه أن يخلّصه من قومه، فقال: (رب نجني وأهلي ممّا كانوا يعملون).

وبالرغم من أنّ بعضهم احتمل أن يكون المراد من الأهل من الآية جميع من آمن به... إلاّ أن الآية (36) من سورة الذاريات تقول: (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين).

ولكن كما أشرنا من قبل ـ فإن بعض التعابير الواردة في الآيات محل البحث، تشير إلى أن جماعة من المؤمنين به كانوا قد أُبعدوا وأُخرجوا من القرية...

ويستفاد ممّا قيل ـ ضمناً ـ أن دعاء لوط لأهله لم يكن بسبب العلاقة العاطفية والإرتباط النسبي القرابتي، بل لإيمانهم به...

فاستجاب الله دعاؤه كما تقول الآية التالية: (فنجّيناه وأهله أجمعين إلاّ عجوزاً في الغابرين).(1)

وهذه العجوز لم تكن سوى زوج النّبي لوط التي كانت منسجمة مع أفكار قومه الضالين وعقيدتهم، ولم تؤمن بلوط أبداً، ولذلك ابتليت بما أُبتلي به قومه من العذاب والهلاك.

_____________________________

 

1 ـ «الغابر»

من مادة (الغبور)

ومعناه الباقي، ومتى ما تحركتْ جماعة وبقي شخص في المكان فإنّه يدعى (غابراً)

ولهذا السبب سمي التراب الباقي غباراً... والغبرة

: الباقي من اللبن في ثدي الحيوان.

[444]

وقد بيّنا تفصيل هذا الموضوع في ذيل الآيات «81 ـ 83 من سورة هود».

أجَلْ، لقد نجّى الله لوطاً والمؤمنين القلّة معه، فأمر أن يخرج بهم ليلا من تلك المدينة ـ أو القرية ـ فترك قومه الغارقين بالفسق والفجور على حالهم، فنزل عذاب الله في الغداة، فتزلزلت بهم الأرض وانهارت عليهم الأبنية والقصور الجميلة حتى اصبح عاليها سافلها وهلكوا جميعاً في ديارهم، وقد عبّر القرآن عن كان ذلك بعبارة موجزة بليغة، فقال: (ثمّ دمرنا الآخرين) ولم يكف ذلك بل (وأمطرنا عليهم مطراً) وأيّ مطر! إنّه وابل من احجار نزل على تلك الخرائب ليمحو أثرها من الانظار. (فساء مطر المنذرين)!...

والأمطار عادة تمنح الحياة، إلاّ أن هذا المطر كان موحشاً مهلكاً مخرّباً...

ويستفاد من الآية (82) من سورة هود أن قرى قوم لوط ومدنهم قُلب عاليها سافلها أوّلا، ثمّ أمطرت بالحجر النضيد المتراكم، ولعله كان إمطارهم بالحجارة لمحوا آثارهم، فلم يبق منها غير تل كبير من الأحجار والتراب بدل تلك المدن العامرة...

تُرى هل كانت هذه الأحجار قد حملت من الصحارى على أثر اعصار عظيم وسقطت على رؤوسهم؟ أو هي أحجار نزلت من السماء بأمر من الله عليهم؟!

أو كما يقول بعض المفسّرين كان هناك بركان أو جبل نار قد خمد لفترة، ثمّ انفجر بأمر الله فأمطرهم بالحجارة، ليس ذلك معلوماً على نحو الدقّة! إلاّ أن من المسلّم به أنّ هذه الأحجار ـ أو هذا المطر المهلك ـ لم يترك للحياة في تلك الأرض من أثر!

«وتفصيل هذا الموضوع ذكرناه في ذيل الآيات 81 ـ 83 من سورة هود، كما ذكرناه في الجزء الثامن مع «لطائف» مختلفة فلا بأس بمراجعتها»...

ومرّة أُخرى نواجه في نهاية هذه القصّة الجملتين اللتين تكررتا في القصص المشابهة لها في هذه السورة، في شأن خمسة أنبياء كرام آخرين، إذ يقول القرآن:

[445]

(إنّ في ذلك لآيةً وما كان أكثرهم مؤمنين).

وأيّة آية أجلى من هذه الآية التي تعرفكم على هذه المسائل المهمّة والبناءة، دون أن تحتاجوا إلى تجربة شخصية! أجل إن تاريخ الماضين عبرة وآية للآتين، وليس تجربة، لأنّ التجربة ينبغي على الإِنسان أن يتحمل فيها خسائر ليحصل على نتائجها... إلاّ أننّا هنا نحصل على النتائج من خسائر الآخرين!.

(وإن ربّك لهو العزيز الرحيم).

وأية رحمة أعظم من أنّه لا يعاقب أقواماً فاسقين كقوم لوط فوراً، بل يمهلهم إمهالا كافياً لعلهم يهتدون، ويجددوا نظرهم في أعمالهم!...

وأية رحمة أعظم من أن لا يخلط عقابه «الأخضر باليابس» بل لو كان في ألفِ ألفِ(1) أُسرة غير صالحة أسرة واحدة صالحة، فإنه ينجيها منها وينزل العذاب على اُولئك!

وأية عزّة أعظم من أن ترى بطرفة عين واحدة ديار الفاسقين قد دُمرت تدميراً ولم يبق منها أي أثر!

فالأرض التي كانت مهاداً لأمنهم أمرت بإقبارهم، والمطر الذي تحيا به الأرض والناس يكون مميتاً لهم!

 * * *

_____________________________

 1 ـ ذكرنا آنفاً أن مصطلح ألف ألف هو التعبير العربي الصحيح وأن كلمة مليون ليست عربيّة بل هى غربية فتأمل.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (7)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 192

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8499287

  • التاريخ : 8/04/2020 - 07:37

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net