00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الكهف من أول السورة ـ آية 24 من ( ص 185 ـ 233 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء التاسع)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[185]

سُورَة الكَهف

مكّية

وعَدَدُ آيَاتِها مائَة وعشرُ آيات

[187]

سورة الكهف

فضيلة سورة الكهف

1 ـ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك، حين نزلت ملأت عظمتها ما بين السماء والأرض؟ قالوا: بلى.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): سورة أصحاب الكهف مَن قرأها يوم الجمعة غفر الله لهُ إِلى الجمعة الأُخرى، وزيادة ثلاثة أيّام، وأعطي نوراً يبلغ السماء، ووُقِيَ فتنة الدجّال»(1).

2 ـ وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَن حفظ عشر آيات مِن أوّل سورة الكهف، ثمّ أدرك الدجّال لم يضره. ومَن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت لهُ نوراً يوم القيامة»(2).

3 ـ وعن الإِمام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال في فضل سورة الكهف: «مَن قرأ سورة الكهف في كلِّ ليلة جمعة لم يمت إِلاَّ شهيداً، وبعثهُ الله مع الشهداء، ووقف يوم القيامة مَع الشهداء»(3).

لقد قُلنا مراراً: إِنَّ عظمة السور القرآنية وتأثيرها المعنوي، وبركاتها

____________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 3، ص 447.

2 ـ المصدر السابق.

3 ـ مجمع البيان، ج 3، ص 447.

[188]

الأخلاقية، إِنّما يكون بسبب الإِيمان بها والعمل وفقاً لمضامينها.

وبما أنَّ قسماً مهمّاً من هذه السورة يتعرض إِلى قصّة تحرك مجموعة مِن الفتية ضدَّ طاغوت عصرهم، ودجّال زمانهم، هذا التحُّرك الذي عرَّض حياتهم ووجودهم للخطر وللموت لولا عناية الباري بهم ورعايتهُ لهم. لذا فإِنَّ الإِلتفات إِلى هذه الحقيقة يُنير القلب بنور الإِيمان، ويحفظهُ مِن الذنوب وإِغواءات الدجالين، ويعصمه من الذوبان في المحيط الفاسد.

إِنَّ ممّا يُساعد على تكميل هذا الأثر النفوس والقلوب هو ما تُثيره السورة من أوصاف الآخرة ويوم الحساب، والمستقبل المشؤوم الذي ينتظر المستكبرين، وضرورة الإِلتفات إِلى علم الخالق المطلق وإِحاطته بكل شيء.

إِنَّ كل ذلك ممّا يحفظ الإِنسان مِن فتن الشيطان، ويجعل نور الإِيمان يشع فيه، ويغرس العصمة في قلبه، وتكون عاقبته مع الشهداء والصدقين.

محتوى سورة الكهف

تبدأ السورة بحمد الخالق جلّ وعلا، وتنتهي بالتوحيد والإِيمان والعمل الصالح.

يشير محتوى السورة ـ كما في أغلب السور المكّية ـ إِلى قضية المبدأ والمعاد والترغيب والإِنذار. وتشير أيضاً إِلى قضية مهمّة كانَ المسلمون يحتاجونها في تلك الأيّام بشدّة، وهي عدم استسلام الأقلية ـ مهما كانت صغيرة ـ إِلى الأكثرية مهما كانت قوية في المقاييس الظاهرية، بل عليهم أن يفعلوا كما فعلت المجموعة الصغيرة القليلة مِن أصحاب الكهف، أن يبتعدوا عن المحيط الفاسد ويتحركوا ضدَّه.

فإِذا كانت لديهم القدرة على المواجهة، فعليهم خوض الجهاد والصراع، وإِن

[189]

عجزوا عن المواجهة فعليهم بالهجرة.

مِن قصص هذه السورة أيضاً قصّة شخصين، أحدهما غنيٌّ مُرفه إِلاَّ أنَّهُ غير مؤمن، والآخر فقير مستضعف ولكنَّهُ مُؤمن. وقد صَمد الفقير المستضعف المؤمن ولم يفقد شرفه عزته وإِيمانه أمام الغني، بل قامَ بنصيحته وإِرشاده، ولمّا لم ينفع معه تبرأ منه، وقد انتهت المواجهة إِلى انتصاره.

وهذه القصّة تذكرّ المسلمين وخاصّة في بداية عصر الإِسلام وتقول لهم: إِنَّ مِن سُنة الأغنياء أن يكون لهم فورة مِن حركة ونشاط مُؤقت سُرعان ما ينطفيء لتكون العاقبة للمؤمنين.

كما يُشير جانب آخر مِن هذه السورة إِلى قصة موسى والخضر(عليهما السلام) لم يستطع الصبر في مقابل أعمال كان ظاهرها يبدو مضراً، ولكنَّها في الواقع كانت مليئة بالأهداف والمصالح، إِذ تبيّنت لموسى(عليه السلام) وبعد توضيحات الخضر مصالح تلك الأعمال، فَنَدِمَ على تعجله.

وفي هذا دَرسٌ للجميع أن لا ينظروا إِلى ظاهر الحوادث والأُمور، ولِيتبصروا بما يكمن خلف هذه الظواهر مِن بواطن عميقة وذات معنى.

قسم آخر من السورة يشرح أحوال (ذي القرنين) وكيف استطاع أن يطوي العالم شرقه وغربه، ليواجه أقواماً مختلفة بآداب وسنن مُختلفة، وأخيراً استطاع بمساعدة بعض الناس أن يقف بوجه مُؤامرة (يأجوج) و(مأجوج) وأقام سداً حديدياً في طريقهم ليقطع دابرهم (تفصيل كل هذه الإِشارات المُختصرة سيأتي لاحقاً إِن شاء الله تعالى) حتى تكون دلالة هذه القصة بالنسبة للمسلمين، هو أن يهيئوا أنفسهم ـ بأفق أوسع ـ لنفوذ إِلى الشرق والغرب بعد أن يتحدوا ويتحصنوا ضدَّ أمثال يأجوج ومأجوج.

الظريف أنَّ السورة تشير إِلى ثلاث قصص (قصة أصحاب الكهف، قصة

[190]

موسى والخضر، وقصة ذي القرنين) حيثُ أنَّ هذه القصص بخلاف أغلب القصص القرآنية لم تُكرَّر في مكان آخر مِن القرآن (أشارت الآية (96) مِن سورة الأنبياء إِلى يأجوج ومأجوج دون ذكر ذي القرنين). وهذه الإِشارة تُعتبر واحدة مِن خصائص هذه السورة المباركة.

وخلاصة الكلام أن السورة تحتوي على مفاهيم تربوية مؤثرة في جميع الأحوال.

* * *

[191]

الآيات

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَـبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا(1) قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّـلِحَـتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً(2) مَّـكِثِينَ فِيهِ أَبَداً(3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً(4) مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم وَلاَ لأَِبَآئِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً(5)

التّفسير

البداية باسم الله، والقرآن:

تبدأ سورة الكهف ـ كما في بعض السور الأُخرى ـ بحمد الله، وبما أنَّ الحمد يكون لأجل عمل أو صفة معينة مهمّة ومطلوبة، لذا فإِنَّ الحمد هُنا لأجل نزول القرآن الخالي مِن كل اعوجاج، فتقول الآية: (الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل لهُ عوجاً).

هذا الكتاب هو كتاب ثابت ومحكم ومعتدل ومستقيم، وهو يحفظ المجتمع الإِنساني ويحمي سائر الكتب السماوية.

[192]

(قيماً) ويُنذر الظالمين مِن عذاب شديد: (لِيُنذرَ بأساً شديداً مِن لدنه). وفي نفس الوقت فهو: (ويُبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً حسناً). وهؤلاء في نعيمهم (ماكثين فيه أبداً).

ثمّ تشير الآيات إِلى واحدة مِن انحرافات المعارضين، سواء كانوا نصارى أو يهود أو مشركين، حيثُ تنذرهم هذا الأمر فتقول: (ويُنذر الذين قالوا اتّخذ الله ولداً) فهي تحذر النصارى بسبب اعتقادهم بأنَّ المسيح ابن الله، وتحذر اليهود لأنّهم اعتقدوا بأنَّ عزير ابن الله، وتحذَّر المشركين لِظَّنهم بأنَّ الملائكة بنات الله.

ثمّ تشير الآيات إِلى أصل أساسي في إِبطال هذه الإِدعاءات الفارغة فتقول: إِنَّ هؤلاء لا علم لهم ولا يقين بهذا الكلام، وإِنّما هم مُقلدون فيه للآباء، وإِنَّ آباءهم على شاكلتهم في الجهل وعدم العلم: (ما لهم بِهِ مِن علم ولا لآبائهم). بل: ولد؟ أو أن يحتاج إِلى الصفات المادية وأن يكون محدوداً ... إِنَّهُ كلام رهيب، ومثل هؤلاء الذين يتفوهون به لا ينطقون إِلاَّ كَذِباً: (إِن يقولون إِلاَّ كذباً).

* * *

بحوث

1 ـ افتتاح السورة بحمد الله سبحانهُ وتعالى

هُناك خمس سور في القرآن الكريم تبدأ بحمد الله، ثمّ تعرج بعد الحمد والثناء على قضايا خلق السموات والأرض (أو ملكية الله سبحانهُ وتعالى لها) أو هداية العالمين، عدا هذه السورة التي تتناول بعد الحمد والثناء مسألة نزول القرآن على نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي حقيقة الأمر إِنَّ السور الأربع «الأنعام ـ سبأ ـ فاطر ـ الحمد» تتناول القرآن التكويني، فيما تتطرق سورة الكهف إِلى القرآن التدويني، وكما هو معلوم فإِنَّ الكتابين، أي (القرآن التدويني) وخلق الكون وما فيه (القرآن التكويني) كلٌ

[193]

مِنهما مُكمّل للآخر، وهذا يوضح أنَّ للقرآن وزنٌ يعادل الخلق. وأساساً فإنّ تربية الخلائق الواردة في الآية (الحمد الله رب العالمين) غير ممكنة، ما لم يُستفاد بصورة تامة مِن الكتاب السماوي العظيم، أي القرآن.

2 ـ القرآن كتابٌ ثابت ومستقيم وحافظ

كلمة «قيِّم» على وزن كلمة «سيِّد» وِمُشتقة مِن مصدر الكلمة «قيام» وهُنا تأتي بمعنى (الثبات والصمود) إِضافة إِلى أنّها تعني المدبِّر والحافظ لبقية الكتب السماوية، كما تعني كلمة «قيِّم» في نفس الوقت الإِعتدال والإِستقامة التي  لا اعوجاج فيها وإِضافة إِلى أنَّ كلمة «قيم» هي وصف للقرآن في عدم وجود أي اعوجاج في آياته، بل إنّ في مضمونها تأكيد على استقامة واعتدال القرآن، وخلوّه مِن أي شكل مِن أشكال التناقض، وإِشارة إِلى أبدية وخلود هذا الكتاب السماوي العظيم، وكونه أسوة لحفظ الأصالة، وإِصلاح الخلل، وحفظ الأحكام الإِلهية والعدل والفضائل البشرية.

صفة (القيِّم) مُشتقة مِن (قيمومة) الباري عزَّ وجلّ التي تعني اهتمام الباري عزَّوجلّ وحفظه جميع الكائنات، والقرآن الذي هو كلام الله لهُ نفس الصفة أيضاً.

كما وصف الله سبحانهُ وتعالى دينه في عدّة آيات قرآنية بأنَّهُ (القيِّم) حتى أنَّهُ أمر نبيّه الأكرام(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعمل وُفق ما يمليه الدين القيِّم والمستقيم: (فأقم وجهك للدين القيِّم)(1).

وما ذكر أعلاه بشأن تفسير كلمة «قيِّم»، أُخِذَ مِن عِدَّة تفاسير مُختلفة، وهو خُلاصة لما قالهُ المفسّرون من أنَّ كلمة «قيِّم» تعني الكتاب الباقي الذي لا يُنسخ، أو الكتاب الحافظ للكتب السابقة، أو الكتاب القيِّم على الدين، أو الخالي مِن الإِختلافات والتناقضات، وكل هذه المعاني انصبت في المفهوم الذي ذكرناه.

____________________________

1 ـ الروم، 43.

[194]

واعتبر بعض المفسّرين أنّ جملة (لم يجعل له عوجاً) تعني فصاحة ألفاظ القرآن وكلمة «قيماً» تعني البلاغة والإِستقامة بالرغم مِن عدم امتلاكهم لأي دليل واضح على هذا التباين(1)، والظاهر أنَّ الكلمتين تؤكّد كل مِنهما الأُخرى، مع فرق أن كلمة «قيِّم» لها مفهوم واسع، وتعني اضافة إِلى معنى الإِستقامة، المحافظ والمصلح للكتب المساوية الأُخرى(2).

3 ـ انذارين شديدين عام وخاص:

بعد الإِنذار العام الذي وجهته الآيات في البداية لكافة البشر، وجهت الآيات المذكورة آنفاً انذاراً خاصّاً للذين ادّعوا بأنّ لله ولداً وهذا ما يوضح خطورة الإِنحراف العقائدي الذي أصاب المسيحيين واليهود والمشركين، وانتشر بصورة واسعة في الأجواء التي نزل القرآن، ومِن الطبيعي فإِنَّ انتشار مثل هذه الأفكار يقضي على روح التوحيد في ذلك المجتمع، إِذ حدِّوا الله سبحانه وتعالى بحدود مادية وجسمية، وأنَّهُ يمتلك عواطف وأحاسيس بشرية، إِضافة إِلى وجود أكفاء وشركاء له، وأنَّهُ يحتاج إِلى الآخرين.

وبسبب هذه المعتقدات نزلت آيات عديدة للردّ على تلك الشبهات، ومِنها الآية (68) في سورة يونس: (قالوا اتّخذ الله ولداً سبحانه هو الغني) والآيات مِن (88) إِلى (91) في سورة مريم: (وقالوا اتّخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إِدّاً، تكاد السموات يتفطرن منهُ وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً).

وما جاءَ في هذه الآيات المباركة يوضح قوّة الرّد الإِلهي على تلك الإِدعاءات، حيثُ أكّدت على العقاب الشديد الذي ينتظر مَن يعتقدون بمثل هذه

____________________________

1 ـ روح المعاني، المجلد 15، أثناء تفسير الآية.

2 ـ «قيم» مِن الناحية اللغوية «حال» وعامله «أنزل».

[195]

الخرافة، لأنَّ مَن يدّعي باتّخاذ الله سبحانه وتعالى ولداً، إِنّما يمس كبرياء الباري عزَّوجلّ وعظمته، وينزلهُ إِلى المستوى البشري المادي(1).

4 ـ الإِدعاء الفارغ

إِنَّ البحث في المعتقدات والمباديء المنحرفة، كشف عن أنَّ أغلبها ليس لهُ أي دليل واقعي، ولكن بعض الأشخاص يتخذها كشعار كاذب كي يتبعهُ الآخرون، و تنتقل أحياناً مِن جيل إِلى آخر كعادة. والقرآن هُنا يلقي علينا دروساً في تجنب الإِدعاءات التي ليسَ لها أي دليل أو سند قوي، ويأمرنا بعدم إِعارة أية أهمية لناقلها ومروجها، وقد اعتبر الله تبارك وتعالى تلك الأعمال مِن الكبائر، وعدّها مصدراً للكذب والدجل.

ولو اتّخذ المسلمون هذا الأصل منهجاً في حياتهم، أي عدم التحدُّث بشيء مِن دون التأكُّيد مِنهُ، ورفض أي شيء ليسَ لهُ دليل، وعدم الإِهتمام بالإِشاعات الفارغة، لتحسن الكثير مِن أُمورهم وتصرفاتهم الخاطئة.

5 ـ العمل الصالح برنامجٌ مستمر

الآيات المذكورة أعلاه عندما تتحدَّث عن المؤمنين، تعتبر العمل الصالح بمثابة برنامج مستمر، إِذ أَنَّ كلمة (يعملون في قوله تعالى: (يعملون الصالحات)فعل مُضارع، والفعل المُضارع يدل على الإِستمرارية، فالعمل الصالح يُمكن أن يصدر صدفة أو بسبب ما عن أي شخص، فلا يكون حينئذ دليلا على الإِيمان الصادق، لكن استدامة العمل الصالح دليل الإِيمان الصادق.

____________________________

1 ـ حول عقيدة التثليث واعتقاد المسيحيين بأنَّ المسيح ابن الله يُمكن مُراجعة ما جاء في ذيل الآية (171) من سورة النساء في تفسيرنا هذا.

[196]

6 ـ صفة العبد أرقى وسام للإنسان

وأخيراً، إِنَّ القرآن عندما يتحدَّث في آياته عن قضية نزول الكتاب السماوي يقول: (الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب) وهذا يعني أن صفة «العبد» هي أرقى وسام وأعلى مرتبة ينالها الإِنسان في معراج تكامله المعنوي، فإذا نال الإِنسان وسام العبودية لله تعالى، فإنّه يرى أن كل شيء في العالم ملكاً لله، وعملا يسلك سبيل الطاعة لأوامر اللّه والتمسك بالنهج الذي رسمهُ وَحدَّده تعالى للإِنسان، ولا يفكر في سواه ويرى أنّ خيرُ شرف للإِنسان أن يكون عبداً صالحاً ومُلتزماً بأوامر ونواهي الباري عزَّوجلّ.

* * *

[197]

الآيات

فَلَعَلَّكَ بـخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثـرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الْحِدِيثِ أَسَفاً(6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَْرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا(7) وَإِنَّا لَجـعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً(8)

التّفسير

العالم ساحة اختبار:

الآيات السابقة كانت تتحدَّث عن الرسالة وقيادة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، لذا فإِنَّ أوّل آية نبحثها الآن، تُشير إِلى أحد أهم شروط القيادة، ألا وهي الإِشفاق على الأُمّة فتقول: (فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يُؤمنوا بهذا الحديث أسفاً).

وهُنا يجب الإِنتباه إِلى بعض الملاحظات:

أوّلاً: «باخع» مِن «بخع» على وزن، «نَخَلَ» وهي بمعنى إِهلاك النفس مِن شدّة الحزن والغم.

ثانياً: كلمة «أسفاً» والتي تبيّن شدّة الحزن والغم، هي تأكيد على هذا الموضوع.

ثالثاً: «آثار» جمع «أثر» وهي في الأصل تعني محل موضع القدم، إِلاَّ أنَّ أي

[198]

علامة تدل على شيء معين تُسَمّى أثراً.

إِنَّ الإِستفادة مِن هذا التعبير في الآيات أعلاه تشير إِلى ملاحظة لطيفة، وهي أنَّ الإِنسان قد يُغادر في بعض الأحيان مكاناً ما، ولكنَّ آثاره ستبقى بعده، وتزول إِذا طالَ زمن المغادرة. فالآية تريد أن تقول: أنّك على قدر مِن الحزن والغم ولعدم إِيمانهم بحيث تريد أن تُهلك نفسك مِن شدّة الحزن قبل أن تُمحى آثارهم.

ويُحتمل أن يكون الغرض مِن الآثار أعمالهم وتصرفاتهم.

رابعاً: استخدام كلمة (حديث) للتعبير عن القرآن، هو إِشارة إِلى ما ورد من معارف جديدة في هذا الكتاب السماوي الكبير، يعني أنَّ هؤلاء لم يُفكروا في أن يستفيدوا ويبحثوا في هذا الكتاب الجديد ذي المحتويات المستجدَّة. وهذا دليل على عدم المعرفة، بحيث أنَّ الإِنسان بقدر قُربه مِن هذا الكتاب، إِلاَّ أنَّهُ لا يلتفت إِليه.

خامساً: صفة الإِشفاق لدى القادة الإِلهيين.

نستفيد مِن الآيات القرآنية وتأريخ النبوات، أنَّ القادة الإِلهيين كانوا يتألمون أكثر ممّا نتصور لضلال الناس، وكانوا يريدون لهم الإِيمان والهداية. ويألمون عندما يُشاهدون العطاشى جالسين بجوار النبع الصافي، ويأنون مِن شدّة العطش، الأنبياء يبكون لهم ويجهدون أنفسهم ليلا ونهاراً، ويبلغون سرّاً وجهاراً، ويُنادون في المجتمع مِن أجل هداية الناس. إِنّهم يألمون بسبب ترك الناس للطريق الواضح الى الطرق المسدودة، هذا الألم يكاد يوصلهم في بعضِ الأحيان إِلى حدِّ الموت. ولو لم يكن القادة بهذه الدرجة مِن الإِهتمام لما انطبق عليهم المفهوم العميق للقائد.

وبالنسبة لرسول الهدى(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تصل به حالة الحزن والشفقة إِلى مرحلة خطرة على حياته بحيث أنَّ الله تبارك وتعالى يُسلّيه.

فى سورة الشعراء نقرأ في الآيتين (3 ، 4) قوله تعالى (لعلك باخع نفسك ألا

[199]

يكونوا مؤمنين إِن نشأ ننزل عليهم مِن السماء آية فظلَّت أعناقهم لها خاضعين).

الآية التي بعدها تجسِّد وضع هذا العالم وتكشف عن أنَّهُ ساحة للإِختبار والتمحيص والبلاء، وتوضح الخط الذي ينبغي أن يسلكهُ الإِنسان: (إِنا جعلنا ما على الأرض زينة لها).

لقد ملأنا العالم بأنواع الزينة، بحيث أنَّ كلَّ جانب فيه يُذهب بالقلب، ويحيّر الأبصار، و يشير الدوافع الداخلية في الإِنسان، كيما يتسنى امتحانه في ظل هذه الإِحساسات والمشاعر ووسط أنواع الزينة وأشكالها، لِتظهر قدرته الإِيمانية، ومؤهلاته المعنوية.

لذلك تضيف الآية مُباشرة قوله تعالى: (لِنبلوهم أيهم أحسنُ عملا).

أراد بعض المفسّرين حصر معنى (ما على الأرض) بالعلماء أو بالرجال فقط، ويقولوا: إِنَّ هؤلاء هم زينة الأرض، في حين أنَّ لِهذه الكلمة مفهوماً واسعاً يشمل كل الموجودات على الكرة الأرضية.

والظّريف هنا استخدام الآية لِتعبير (أحسن عملا) وليسَ (أكثر عملا) وهي إِشارة إِلى أنَّ حُسن العمل وكيفيته العالية هما اللذان يحدِّدان قيمته عندَ ربّ العالمين، وليسَ كثرة العمل أو كميته.

على أي حال فإِنَّ هُنا إِنذار لكل الناس، لكل المسلمين كي لا ينخدعوا في ساحة الإِختبار بزينة الحياة الدنيا، وبدلا مِن ذلك عليهم أن يُفكروا بتحسين أعمالهم.

ثمّ يبيّن تعالى أنَّ أشياء الحياة الدنيا ليست ثابتة ولا دائمة، بل مصيرها إِلى المحوِ والزوال: (وإنّا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً).

«صعيد» مُشتقّة مِن «صعود» وهي هُنا تعني وجه الأرض، الوجه الذي يتّضح فيه التراب.

[200]

و«جرز» تعني الأرض التي لا ينبت فيها الكلأ وكأنّما هي تأكل نباتها، وبعبارة أُخرى فإِنّ «جرز» تطلق على الأرض الموات بسبب الجفاف وقلّة المطر.

إِنَّ المنظر الذي نشاهدهُ في الربيع في الصحاري والجبال عندما تبتسم الورود وتتفتح النباتات، وحيثُ تتناجى الأوراق، وحيثُ خرير الماء في الجداول... إِنَّ هذه الحالة سوف لا تدوم ولا تبقى، إِذ لا بدَّ أن يأتي الخريف، حيث تتعرى الأغصان وتنطفىء البسمة مِن شفاه الورود، وتذبل البراعم، وتجف الجداول، وتموت الأوراق، وتسكت فيها نغمة الحياة.

حياة الإِنسان المادية تشبه هذا التحوُّل، فلا بدُّ أن يأتي ذلك اليوم الذي يضع نهاية للقصور التي تُناطح السماء، ولملابس الباذخة والنعم الكثيرة التي يَرفُل بها الإِنسان، كذلك تنتهي المناصب والمواقع والإِعتبارات، وسوف لن يبقى شيء من المجتمعات البشرية سوى القبور الساكنة اليابسة، وهذا درسٌ عظيم.

* * *

[201]

الآيات

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحـبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ءَايـتِنَا عَجَباً(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً(10) فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً(11) ثُمَّ بَعَثْنـهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(12)

أسباب النّزول

لقد أوردَ المفسّرون قصّة لسبب نزول الآيات خلاصتها أنَّ سادة قريش اجتمعوا ليبحثوا في أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرروا إِرسال اثنين منهم إِلى أحبار اليهود في المدينة، والاثنان هما النضر بن الحرث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط.

قالَ زعماء قريش لُهؤلاء: سلوا أحبار اليهود عن محمّد وصفا لهُ صفته، وخبراهم بقوله فإِنّهم أهل الكتاب الأوّل وعندهم مِن علم الأنبياء ما ليسَ عندنا.

فخرجا حتى قَدِما المدينة. فسألا أحبار اليهود عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقالا لهم ما قالت قريش.

[202]

فقالَ لهما أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاث فإِن أخبركم بهن فهو نبي مُرسل، وإِن لم يفعل فهو رجل مُتقوّل فروا فيه أريكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كانَ مِن أمرهم، فإِنَّهُ قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح ما هو.

وفي رواية أُخرى قالوا: فإِن أخبركم عن اثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبي.

فانصرفا إِلى مكّة فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصلِ ما بينكم وبين محمّد. وقصّا عليهم القصة.

فجاؤوا إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فسألوه. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): أخبركم بما سألتم غداً ولم يستثن ـ أي لم يقل إِن الله ـ فانصرفوا عنهُ، ومكث(صلى الله عليه وآله وسلم) خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل حتى أرجف أهل مكّة وتكلموا في ذلك. فشق على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يتكلم به أهل مكّة، ثمّ جاءه جبرائيل(عليه السلام)عن الله بسورة الكهف، وفيها ما سألوه عنهُ من أمر الفتية والرجل الطوّاف. وأنزل عليه آية (ويسألونك عن الروح).

وقد سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جبرائيل حين جاءه: «لقد احتبست عنّي يا جبرائيل» فقال لهُ جبرائيل(عليه السلام) (وما نتنزَّل إِلاَّ بأمر ربّك لهُ ما بين أيدينا) الآية.

(مِن الجدير بالذكر هُنا أنَّ سورة الكهف تضمنت الجواب على سؤالين مِن الأسئلة الثلاثة. إِلاَّ أنَّ الآية التي تتحدث عن الروح قد مرّت علينا في سورة لإِسراء. وهذا أمرٌ لا يندر حدوثه في القرآن، إِذ تنزل آية في مُناسبة معينة، ثمّ توضع بأمر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في سورة أُخرى).

* * *

[203]

التّفسير

بداية قصّة أصحاب الكهف

في الآيات السابقة كانت هُناك صورة للحياة الدينا، وكيفية اختبار الناس فيها، ومسير حياتهم عليها، ولأنَّ القرآن غالباً ما يقوم بضرب الأمثلة للقضايا الحسَّاسة، أو أنَّهُ يذكر نماذج مِن التأريخ لتجسيد الوعي بالقضية، لذا قام في هذه السورة بتوضيح قصّة أصحاب الكهف، وعبرَّت عنهم الآيات بأنّهم (أنموذج) أو (أسوة).

إِنّهم مجموعة من الفتية الأذكياء المؤمنين، الذين كانوا يعيشون في ظل حياة مُترفة بالزّينة وأنواع النعم، إِلاَّ أنّهم انسلخوا مِن كل ذلك لأجل حفظ عقيدتهم وللصراع ضدَّ الطاغوت; طاغوت زمانهم، وذهبوا إِلى غار خال مِن جميع أشكال الزّينة والنعم، وقد أثبتوا بهذا المسلك أمر استقامتهم في سبيل الإِيمان والثبات عليه.

المُلفت للنظر أنَّ القرآن ذكر في البداية قصّة هذه المجموعة مِن الفتية بشكل مجمل، مُوظفاً بذلك أحد أُصول فن الفصاحة والبلاغة، وذلك لِتهيئة أذهان المستمعين ضمن أربع آيات، ثمّ بعد ذلك ذكر التفاصيل في (14) آية.

في البداية يقول تعالى: (أم حسبت أنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مِن آياتنا عجباً). إِنَّ لنا آيات أكثر عجباً في السموات والأرض، وإِن كل واحد منها نموذج لعظمة الخالق جلَّ وعلا، وفي حياتكم ـ أيضاً ـ أسرار عجبية تُعتبر كل واحدة مِنها علامة على صدق دعوتك، وفي كتابك السماوي الكبير هذه آيات عجيبة كثيرة، وبالطبع فإِنَّ قصّة أصحاب الكهف ليست بأعجب مِنها.

أمّا لماذا سميت هذه المجموعة بأصحاب الكهف؟ فذلك يعود إِلى لجوئهم إِلى الغار كي يُنقذوا أنفسهم، كما سيأتي ذلك لاحقاً إِن شاء الله.

[204]

أمّا «الرقيم» ففي الأصل مأخودة مِن (رقم) وتعني الكتابة(1)، وحسب اعتقاد أغلب المفسّرين فإِنَّ هذا هو اسم ثان لأصحاب الكهف، لأنَّهُ في النهاية تمت كتابة أسمائهم على لوحة وُضعت على باب الغار.

البعض يرى أنَّ «الرقيم» اسم الجبل الذي كان فيه الغار.

والبعض الآخر اعتبر ذلك إسماً للمنطقة التي كان الجبل يقع فيها.

أمّا بعضهم فقد اعتبر ذلك إسماً للمدينة التي خرجَ مِنها أصحاب الكهف، إِلاَّ أنَّ المعنى الأوّل أكثر صحة كما يظهر.

أمّا ما احتملهُ البعض مِن أنَّ أصحاب الرقيم هم مجموعة أُخرى غير أصحاب الكهف، وتنقل بعض المرويات قصّة تختص بهم، فالظاهر أنَّ هذا الرّاي لا يتناسب مع الآية، لأنَّ ظاهر الآية يدل على أنَّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مجموعة واحدة، لذلك وبعد ذكر العنوانين تذكر السورة قصّة أصحاب الكهف  ولا تذكر غيرهم. وهذا بنفسه دليل على الوحدة.

وفي الرّوايات المعروفة الواردة في تفسير نور الثقلين في ذيل الحديث عن الآية، نرى أنَّ الأشخاص الثلاثة الذين دخلوا الغار قد دعوا الله بأخلص ما عملوه لوجهه تعالى أن يُنجيهم مِن محنتهم، ولكن هذه الرّوايات لا تتحدث عن أصحاب الرقيم بالرغم مِن أنَّ بعض كُتب التّفسير قد تعرَّضت لهم.

على أية حال يجب أن لا نتردَّد في أنَّ هاتين المجموعتين (أصحاب الكهف والرقيم) هم مجموعة واحدة، وأنَّ سبب نزول الآيات يعضد هذه الحقيقة.

ثمّ تقول الآيات بعد ذلك: (إِذ أوى الفتية إِلى الكهف) وعندما انقطعوا عن كل أمل توجهوا نحو خالقهم: (فقالوا ربّنا آتنا مِن لدنك رحمة) ثم: (وهيىء لنا مِن أمرنا رشداً). أي أرشدنا إِلى طريق يُنقذنا مِن هذا الضيق ويقربنا مِن

____________________________

1 ـ يقول الراغب في المفردات: إِنَّ رقم (على وزن زخم) تعني الخط الخشن والواضح، والبعض اعتبره النقطة في خط. وفي كل الأحوال إِنَّ (رقيم) تعني الكتاب أو اللوح أو الرسالة التي يُكتب فيها شيئاً.

[205]

مرضاتك وسعادتك، الطريق الذي فيه الخير والسعادة وإِطاعة أوامر الله تعالى. وقد أستُجيبت دعوتهم: (فضربنا على أذانهم في الكهف سنين عدداً).

(ثمّ بعثناهم لِنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً).

* * *

ملاحظات

1 ـ جملة (أوى الفتية) مِن مادة (مأوى) وتعني المكان الآمن، وهو إِشارة إِلى أنَّ هؤلاء الفتية الهاربين مِن بيئتهم الفاسدة المنحرفة قد أحسّوا بالأمن عندما وصلوا إِلى الغار.

2 ـ (فتية) جمع (فتى) وهو الشاب الحدث، ولكنها تطلق أحياناً على الأشخاص الكبار والمسنين الذين يملكون روحية شابَّة، وقد ذُكرت هذه الكلمة مَع نوع مِن الإِشادة والمدح لأصحاب الكهف بسبب صفات الفتوة والشهامة والتسليم في مقابل الحق.

والشاهد على هذا الكلام ما نُقل عن الإِمام الصادق في أصحاب الكهف إِذ قال: «أمّا علمت أنَّ أصحاب الكهف كانوا كُلّهم كهولا فسمّاهم الله فتية بإِيمانهم».

بعد ذلك أضاف الإِمام الصادق في معنى الفتوة قولهُ(عليه السلام): «مَن آمن بالله واتقى فهو الفتى»(1).

وقد نقل عن الإِمام الصادق ما يشبه هذا الحديث في (روضة الكافي)(2)أيضاً.

3 ـ استخدام تعبير (مِن لدنك رحمة) إِشارة إِلى أنَّ هؤلاء الفتية عندما لجأوا إِلى الغار تركوا جميع الوسائل والأسباب الظاهرية، وكانوا لا يأملون سوى

____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 3، ص 244 و 245.

2 ـ المصدر السّابق.

[206]

رحمة الله.

4 ـ جملة (ضربنا على آذانهم) كناية لطيفة عن (التنويم)، كأنّما يُوضع ستار على أذُن الشخص بحيث لا يسمع أي شيء، وهو ستار النوم.

ولهذا فإِنَّ النوم الحقيقي هو النوم الذي يطغى على السمع، وكذلك إِذا أردنا أن نوقظ شخصاً مِن نومه، فإنّنا نصيح به ونناديه حتى ينفذ الصوت إِلى مسامعه.

5 ـ إنَّ استخدام تعبير (سنين عدداً) إِشارة إِلى أنَّ نومهم قد استمرَّ لعدّة سنين كما سيأتي تفسير ذلك في الآيات القادمة إِن شاء الله تعالى.

6 ـ إِنّ استخدام تعبير (بعثناهم) لِيقظتهم مِن النوم، قد يكون لأنّ نومهم أصبح مِن الطول بمقدار بحيث كانوا كالموتى. فيقظتهم مِن النوم كبعثهم إِلى الحياة مرّة أُخرى.

7 ـ جملة (لنعلم ...) لا تعني أنّ الله يريد أن يعلم شيئاً جديداً. ويكثُر استخدام هذا التعبير في القرآن، والغرض مِنهُ هو تحقق العلم الإِلهي، بمعنى نحنُ أيقظناهُم مِن المنام حتى يتحقق هذا المعنى، أى حتى يسأل كل واحد الآخر عن مقدار نومهم.

8 ـ عبارة (أي الحزبين) إِشارة لما سنتحدث عنه أثناء تفسير الآيات اللاحقة، حيث أنّهم بعد يقظتهم اختلفوا في مقدار نومهم، فالبعض قال: يوماً، والبعض الآخر قالَ: نصف يوم، في حين أنّهم كانوا نائمين لسنين طويلة.

أمّا قول البعض بأنَّ هذا التعبير هو شاهد على أنَّ أصحاب الكهف هم غير أصحاب الرقيم، فهذا كلام بعيدٌ للغاية ولا يحتاج لمزيد توضيح(1).

* * *

____________________________

1 ـ ذهب إِلى هذا الرأي صاحب كتاب (أعلام القرآن) في صفحة 179 مِن كتابه.

[207]

الآيات

نَّحْنُ نَقْصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا برَبِّهِمْ وَزِدْنـهُمْ هُدىً(13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمـواتِ وَالأَْرْضِ لَن نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلـهاً لَّقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً(14) هـؤُلآَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطـن بَيِّن فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً(15)وَإِذِ اعْتَزَلْـتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُا إِلى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّىء لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً(16)

التّفسير

القصّة المفصَّلة لأصحاب الكهف:

بعد أن ذكرت الآيات بشكل مُختصر قصّة أصحاب الكهف، بدأت الآن مرحلة الشرح المفصَّل لها ضمن (14) آية وكان المنطلق في ذلك قوله تعالى: (نحن نقصّ عليك نبأهم بالحق) كلامٌ خال مِن أي شكل مِن أشكال الخرافة والتزوير. (إِنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هُدى). وكما قُلنا فإِنَّ (فتية) جمع

[208]

(فتى) وهي تعني الشاب الحدث. وبما أنَّ الجسم يكون قوياً في مرحلة الشباب، فهو على استعداد لقبول نور الحق، ومنبع للحب والسخاء والعفة. ولذا كثيراً ما تُستخدم كلمة (الفتى والفتوة) للتدليل على مجموع هذه الصفات حتى لو كانَ أصحابها من المسنيّن.

وتشير الآيات القرآنية ـ وما هو ثابت في التأريخ ـ إِلى أنَّ أصحاب الكهف كانوا يعيشون في بيئة فاسدة وزمانَ شاعت فيه عبادة الأصنام والكفر، وكانت هُناك حكومة ظالمة تحتمي مظاهر الشرك والكفر والإِنحراف.

مجموعة أهل الكهف ـ الذين كانوا على مستوى مِن العقل والصدق ـ أحسّوا بالفساد وقرروا القيام ضدَّ هذا المجتمع، وفي حال عدم تمكنهم مِن المواجهة والتغيير فإِنّهم سيهجرون هذا المجتمع والمحيط الفاسد.

لذا يقول القرآن بعد البحث السابق: (وربطنا على قلوبهم إِذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السماوات والأرض لن ندعو مِن دونه إِلهاً).

فإِذا عبدنا غيره: (لقد قُلنا إِذاً شططاً).

نستفيد مِن تعبير (ربطنا على قلوبهم) أنَّ بذرة التوحيد وفكرته كانت مُنذ البداية مرتكزة في قلوبهم، إِلاَّ أنّهم لم تكن لديهم القدرة على إِظهارها والتجاهر بها. ولكن الله بتقوية قلوبهم أعطاهم القدرة على أن ينهضوا ويعلنوا علانية نداء التوحيد.

وليس مِن الواضح فيما إِذا كانَ هذا الإِعلان قد تمَّ أوّلا أمام ملك زمانهم الظالم (دقيانوس) أو أنَّهُ تمَّ أمام الناس، أو أمام الاثنين معاً (الحاكم الظالم والناس) أو أنّهم تجاهروا به فيما بينهم أنفسهم؟

لكن يظهر مِن كلمة (قاموا) أنَّ إِعلانهم كان وسط الناس، أو أمام السلطان الظالم.

(شطط) على وزن (وسط) تعني الخروج عن الحد والإِفراط في الإِبتعاد لذا

[209]

فإِنَّ (شطط) تُقال للكلام البعيد عن الحق، و يقال لحواشي وضفاف الأنهار الكبيرة (شط) لكونها بعيدة عن الماء، وكونها ذات جدران مُرتفعة.

وفي الواقع، إِنَّ هؤلاء الفتية المؤمنين ذكروا دليلا واضحاً لإِثبات التوحيد ونفي الآلهة. وهو قولهم: إِنّنا نرى وبوضوح أنَّ لهذه السماوات والأرض خالقاً واحداً، وأنَّ نظام الخلق دليل على وجوده، وما نحنُ إِلاَّ جزء مِن هذا الوجود، لذا فإِنَّ ربّنا هو نفسهُ ربّ السماوات والأرض.

ثمّ ذكروا دليلا آخر وهو: (هؤلاء قومنا اتّخذوا مِن دونه آلهة).

فهل يُمكن الإِعتقاد بشيء بدون دليل وبرهان؟: (لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن).

وهل يمكن أن يكون الظن أو التقليد الأعمى دليلا على مثل هذا الإِعتقاد؟ ما هذا الظلم الفاحش والإِنحراف الكبير: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً).

وهذا الإِفتراء هو ظلم للنفس، لأنَّ الإِنسان يستسلم حينئذ لأسباب السقوط والشقاء، وهو أيضاً ظلم بحق المجتمع الذي تسري فيه هذه الإِنحرافات، وأخيراً هو ظلم لله وتعرض لمقامه العظيم سبحانهُ وتعالى.

هؤلاء الفتية الموحدون قاموا بما يستطيعون لإِزالة صدأ الشرك عن قلوب الناس، وزرع غرسة التوحيد في مكانها، إِلاَّ أنَّ ضجة عبادة الأصنام في ذلك المحيط الفاسد، وظلم الحاكم الجبار كانتا مِن الشدّة بحيث حبستا أنفاس عبادة الله في صدورهم وانكمشت همهمات التوحيد في حناجرهم.

وهكذا اضطروا للهجره لانقاذ أنفسهم والحصول على محيط أكثر استعداداً وقد تشاوروا فيما بينهم عن المكان الذي سيذهبون إِليه ثمّ كان قرارهم: ( وإِذا اعتزلتموهم وما يعبدون إِلاَّ الله فأووا إِلى الكهف). حتى: (ينشر لكم ربّكم مِن رحمته ويُهيِّىء لكم مِن أمركم مرفقاً).

«يُهيَّىء» مُشتقة مِن «تهيئة» بمعنى الإِعداد.

[210]

«مرفق» تعني الوسيلة التي تكون سبباً للطف والرفق والراحة، وبذا يكون معنى الجملة (ويهيِّىء لكم مِن أمركم مرفقاً) أنَّ الخالق سبحانهُ وتعالى سيرتب لكم وسيلة للرفق والراحة.

وليس مِن المستبعد أن يكون (نشر الرحمة) الوارد في الجملة الأُولى إِشارة إِلى الألطاف المعنوية لله تبارك وتعالى، في حين أنَّ الجملة الثّانية تشير إِلى الجوانب المادية التي تؤدي إِلى خلاصهم ونجاتهم.

* * *

ملاحظات

1 ـ الفتوة والإِيمان

تتزامن روح التوحيد دائماً مع سلسلة مِن الصفات الإِنسانية العالية، فهي تنبع مِنها وتؤثِّر فيها أيضاً، ويكون التأثير فيما بينهما مُتبادلا. ولهذا السبب فإِننا نقرأ في قصّة أصحاب الكهف أنّهم كانوا فتية آمنوا بربّهم.

وعلى هذا الأساس قال بعض العلماء: رأس الفتوة الإِيمان.

وقالَ البعض الآخر مِنهم: الفتوة بذل الندى، وكف الأذى، وترك الشكوى.

والبعض الثّالث فسِّر الفتوة بقوله: هي اجتناب المحارم واستعمال المكارم.

2 ـ الإِيمان والإِمداد الإِلهي

في عدَّة مواقع مِن الآيات أعلاه تنعكس بوضوح حقيقة الإِمداد الإِلهي للمؤمنين، فإِذا وضع الإِنسان خطواته في طريق الله، ونهضَ لأجله فإِنَّ الإِمداد الإلهي سيشمله، ففي مكان تقول الآية: (إِنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى). وفى مكان آخر تقول: (وربطنا على قلوبهم). وفي نهاية الآيات كانوا بانتظار رحمة الخالق: (ينشر لكم ربّكم مِن رحمته).

[211]

الآيات القرآنيه الأُخرى تؤيد هذه الحقيقة بوضوح، فعندما يجاهد الإِنسان مِن أجل الله، فإِنَّ الله يهديه إِلى طريق الحق: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا)(1) وفي سورة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) آية (17) نقرأ قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى).

إِنَّ طريق الحق مليء بالموانع والصعوبات، ومن العسير على الإِنسان طي هذا الطريق والوصول إِلى الأهداف من دون لطف الله وعنايته.

ونعلم أيضاً إِنَّ لطف الله أكبر مِن أن يترك العبد في طريق الحق لوحده.

3 ـ ملجأ باسم الغار

إِنَّ وجود (أل) التعريف في كلمة «الكهف» قد تكون إِشارة إِلى أنّهم (أصحاب الكهف) كانوا مصممين على الذهاب إِلى مكان معين في حالِ عدم نجاح دعوتهم التوحيدية، وذلك لإِنقاذ أنفسهم مِن ذلك المحيط الملوّث.

(الكهف) كلمة ذات مفهوم واسع، وتذكرنا بنمط الحياة الإِبتدائية للإِنسان، حيث ينعدم فيه الضوء، ولياليه مُظلمة وباردة، وتذكرنا بآلام المحرومين، إِذ ليسَ ثمّة شيء مِن زينة الحياة المادية، أو الحياة الناعمة المرفَّهة.

ويتّضح الأمر أكثر إِذا ما أخذنا بنظر الإِعتبار أنَّ التأريخ ينقل لنا أنَّ أصحاب الكهف كانوا مِن الوزراء وأصحاب المناصب الكبيرة داخل الحُكُم. وقد نهضوا ضدَّ الحاكم وضدَّ مذهبه، وكان اختيار حياة الكهوف على هذه الحياة قراراً يحتاج إِلى المزيد مِن الشهامة والهمّة والروح والإِيمان العالي.

وفي هذا الغار البارد المظلم الذي قد يتضّمن خطر الحيوانات المؤذية، هُناك عالم مِن النور والإِخلاص والتوحيد والمعاني السامية.

إِنّ خطوط الرحمة الإِلهية متجلية على جدران هذا الغار، وأمواج لطف

____________________________

1 ـ العنكبوت، الآية الأخيرة.

[212]

الخالق تسبح في فضائه، ليسَ هُناك وجود للأصنام مِن أي نوع كانت، ولا يصل طوفان ظُلم الجبارين إِلى هذا الكهف.

هؤلاء الفتية الموحدون تركوا الدنيا الملوثة الواسعة والتي كان سجناً لأرواحهم وذهبوا إِلى غار مظلم جاف. وفعلهم هذا يشبه فعل النّبي يوسف(عليه السلام)حين أصروا عليه أن يستسلم لشهوة امرأة العزيز الجميلة، وإِلاَّ فالسجن الموحش المظلم سيكون في انتظاره، لكن هذا الضغط زادَ في صموده وقال مُتوجهاً إِلى ربِّه العظيم: (ربَّ السجن أحبّ إِلىّ ممّا يدعونني إليه وإِلاَّ تصرف عنّي كيدهن أصب إِليهن)(1).

* * *

____________________________

1 ـ يوسف، 33.

[213]

الآيتان

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الَْيمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَة مِّنْهُ ذْلِكَ مِنْ ءَايـتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً(17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الَْيمِينِ وذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بـسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بَالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً(18)

التّفسير

مكان أصحاب الكهف:

يُشير القرآن في الآيتين أعلاه إِلى التفاصيل الدقيقة المتعلِّقة بالحياة العجيبة لأصحاب الكهف في الغار، وكأنّها تحكى على لسان شخص جالس في مقابل الغار ينظر إِليهم.

في هاتين الآيتين إِشارة إِلى ست خصوصيات هي:

أوّلا: فتحة الغار كانت باتجاه الشمال، ولكونه في الجزء الشمالي مِن الكرة الأرضية، فإِنَّ ضوء الشمس كانَ لا يدخل الغار بشكل مُباشر، فالقرآن يقول إنّك

[214]

اذا رأيت الشمس حين طلوعها لرأيت أنّها تطلع من جهة يمين الغار، وتغرب من جهة الشمال: (وترى الشمس إِذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإِذا غربت تقرضهم ذات الشمال).

وعلى هذا الأساس لم يكن ضوءِ الشمس يصل إِلى أجسادهم بشكل مِباشر، وهو أمر لو حصل فقد يؤدي إِلى تلف أجسادهم، ولكن الأشعة غير المباشرة كانت تدخل الغار بمقدار كاف.

إِنَّ عبارة (تزاور) التي تعني (التمايل) تؤكّد على هذا المعنى، وكأنَّ الشمس كانت مأمورة بأن تمرّ مِن اليمين (يمين الغار). وكلمة (تقرض) التي تعني (القطع) تؤكّد نفس مفهوم السابق، وإِضافة إِلى هذا فإِنَّ كلمة «تزاور» المشتقّة مِن كلمة (الزيارة) المقارنة لبداية الشيء تُناسب مفهوم طلوع الشمس. (وتقرض) تعني القطع والنهاية وهو معنى يتجلى في غروب الشمس.

ولأنَّ فتحة الغار كانت إِلى الشمال فإِنَّ الرياح اللطيفة والمعتدلة كانت تهب مِن طرف الشمال وكانت تدخل بسهولة إِلى داخل الغار، وتؤدي الى تلطيف الهواء في جميع زوايا الغار.

ثانياً: (وهم في فجوة منه)

لقد كان أُولئك في مكان واسع مِن الغار، وهذا يدل على أنّهم لم يأخذوا مُستَقَرَّهم في فتحة الغار التي تتسم بالضيق عادة، بل إِنّهم انتخبوا وسط الغار مستقراً لهم كي يكونوا بعيدين عن الأنظار، وبعيدين أيضاً عن الأشعة المباشر لضوء الشمس.

وهُنا يقطع القرآن تسلسل الكلام ويستنتج نتيجة معنوية، حيثُ يبيّن أنَّ الهدف مِن ذكر هذه القصة هو لتحقيق هذا الغرض: (ذلك مِن آيات الله مَن يهد الله فهو المهتد ومَن يضلل فلن تجد لهُ ولياً مرشداً).

[215]

نعم، إِنَّ الذين يضعون أقدامهم في طريق الله، ويُجاهدون لأجله فإِنَّ الله سيشملهم بلطفه في كل خطوة وليسَ في بداية العمل فقط. إِنَّ الله يرعى هؤلاء حتى في أدق التفاصيل.

ثالثاً: إِنَّ نوم أصحاب الكهف لم يكن نوماً عادياً: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود). وهذا يدل على أنَّ أجفانهم كانت مفتوحة بالضبط مِثل الإِنسان اليقظ، وقد تكون هذه الحالة الإِستثنائية لكي لا تقترب منهم الحيوانات المؤذية التي تخاف الإِنسان اليقظ. أو لكي يكون شكلهم مُرعباً كي لا يتجرأ إِنسان على الإِقتراب منهم. وهذا بنفسه أُسلوب للحفاظ عليهم.

رابعاً: وحتى لا تتهرأ أجسامهم بسبب السنين الطويلة التي مكثوا فيها نياماً في الكهف، فإِنَّ الله تبارك وتعالى يقول: (وَنقلبهم ذات اليمين وذات الشمال).

حتى لا يتركز الدم في مكان معين، ولا تكون هُناك آثار سيئة على العضلات الملاصقة للأرض بسبب الضغط عليها لمدّة طويلة.

خامساً: في وصف جديد يقول تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد).

كلمة «وصيد» وكما يقول الراغب في المفردات تعني في الأصل الغرفة أو المخزن الذي يتمّ إِيجاده في الجبال لأجل خزن الأموال، إِلاَّ أنَّ المقصود بهِ هنا هو فتحة الغار.

برغم أنَّ الآيات القرآنية لم تتحدث حتى الآن عن كلب أصحاب الكهف، إِلاَّ أنّ القرآن يذكر هُنا تعابير خاصّة تتضح مِن خلالها بعض المسائل، فمثلا ذكر حالة كلب أصحاب الكهف يفيد أنّه كان معهم كلب يتبعهم أينما ذهبوا ويقوم بحراستهم.

أمّا متى التحق هذا الكلب بهم، وهل كان كلب صيدهم، أو أنَّهُ كلب ذلك الراعي الذي التقى بهم في مُنتصف الطريق، وعندما عرف حقيقتهم أرسل

[216]

حيواناته إِلى القرية والتحق بهم، لأنَّهُ كان يبحث عن الحقيقة مثلهم وقد رفض هذا الكلب أن يتركهم واستمرَّ معهم.

ألا يعني هذا الكلام أنَّ جميع المحبّين ـ لأجل الوصول إِلى الحق ـ يستطيعون سلوك هذا الطريق، وأنَّ الأبواب غير مغلقة أمام أحد سواء كانوا وزراء عند الملك الظالم ثمّ تابوا، أو كان راعياً، بل وحتى كلبه؟!

ألم يؤكّد القرآن أن جميع ذرات الوجود في الأرض والسماء، وجميع الأشجار والأحياء تذكر الله، وتحبّ الله في قلوبها وصميم وجودها؟ (راجع سورة الإِسراء ـ الآية 44).

سادساً: قوله تعالى: (لو اطلّعت عليهم لوليت مِنهم فراراً ولملئت مِنهم رُعباً).

إِنّها ليست المرّة الأُولى ولا الأخيرة التي يحفظ فيها الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين بالرعب والخوف، فقد واجهتنا في الآية (151) مِن سورة آل عمران صورة مُماثلة جسّدها قول الله تبارك وتعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب)(1).

وفي دعاء الندبة نقرأ كلاماً حول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ثمّ نصرتهُ بالرعب».

أو ما هو سبب الرعب في مشاهدة أهل الكهف، وهل يعود ذلك لظاهرهم الجسماني، أو بسبب قوّة معنوية سرية؟

الآيات القرآنية لم تتحدَّث عن ذلك، ولكن المفسّرين ذكروا بحوثاً مُفصَّلة في هذا المجال، ولعدم قيام الدليل عليها صرفنا النظر عن ذكرها.

كما أنّ قوله تعالى: (ولملئت مِنهم رعباً) في الحقيقة عِلَّة لقوله تعالى:

____________________________

1 ـ لأجل التوضيح أكثر يمكن مراجعة ما جاء في ذيل الآية (148) مِن سورة آل عمران والآية (12) مِن سورة الأنفال من تفسيرنا هذا.

[217]

(لوليت مِنهم فراراً) يعني لكُنت تهرب بسبب الخوف الذي يملأ قلبك، وكأنَّ قلبك مملوء بالخوف، وينفذ إلى ذرّات وجودك بحيث أنَّ جميع وجود الإِنسان يُصاب بالوحشة والخوف. على أي حال، إِذا أراد الله شيئاً فإِنَّهُ يُحقق أهم النتائج مِن خلال أبسط الطرق.

* * *

[218]

الآيتان

وَكَذلِكَ بَعَثْنـهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُم كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هـذِهِ إِلَى الْمَدِينَهِ فَلْيَنظُر أَيُّهَآ أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْق مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَيُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً(19)إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُم يَرْجُمُوكُمْ أَو يُعيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً(20)

التّفسير

اليقظة بعدَ نوم طويل:

سوف نقرأ في الآيات القادمة ـ إِن شاء الله تعالى ـ أنَّ نوم أصحاب الكهف كان طويلا للغاية بحيث استمر (309) سنة، وعلى هذا الأساس كانَ نومهم أشبه بالموت، ويقظتهم أشبه بالبعث، لذا فإِنَّ القرآن يقول في الآيات التي نبحثها (وكذلك بعثناهم).

يعني مِثلما كُنّا قادرين على إِنامتهم نوماً طويلا فإِنّنا أيضاً قادرون على

[219]

إِيقاظهم. لقد أيقظناهم مِن النوم: (ليتساءلوا بينهم قالَ قائل مِنهم كم لبثتم)(1).

(قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم).

لعل التردُّد والشك هنا يعود ـ كما يقول المفسّرون ـ إِلى أن أصحاب الكهف دخلوا الغار في بداية اليوم، ثمّ ناموا، وفي نهاية اليوم استيقظوا مِن نومهم، ولهذا السبب اعتقدوا في بادىء الأمر بأنّهم ناموا يوماً واحداً، وبعد أن رأوا حالة الشمس، قالوا: بل (بعض يوم).

وأخيراً، بسبب عدم معرفته لمقدار نومهم قالوا: (قالوا ربّكم أعلم بما لبثتم).

قال بعضهم: إِنَّ قائل هذا الكلام هو كبيرهم المسمى (تلميخا) وبالنسبة لإِستخدام صيغة الجمع على لسانه (قالوا) فهو متعارف في مثل هذه الموارد.

وَقد يكون كلامهم هذا بسبب شكِّهم في أنَّ نومهم لم يكن نوماً عادياً، وذلك عندما شاهدوا هندامهم وشعرهم وأظفارهم وما حلَّ بملابسهم.

ولكنَّهم ـ في كل الأحوال ـ كانوا يحسّون بالجوع وبالحاجة الشديدة إِلى الطعام، لأنَّ المخزون الحيوي في جسمهم انتهى أو كاد، لذا فأوّل اقتراح لهم هو إِرسال واحد منهم مع نقود ومسكوكات فضية لشراء الغذاء: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إِلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه).

ثمّ أردفوا: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً). لماذا هذا التلطُّف: (إِنّهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملّتهم).

ثمَّ: (ولن تُفلحوا إِذاً أبداً).

* * *

____________________________

1 ـ اللام في «ليتساءلوا» هي لام العاقبة وليست للعلّة. يعنى أنَّ نتيجة يقظتهم هو أن سأل أحدهم الآخر عن طول مدّة نومهم.

[220]

بحوث

1 ـ أزكى الطعام

مع أنَّ أصحاب الكهف كانوا بعد يقظتهم بحاجة شديدة إِلى الطعام، إِلاَّ أنّهم قالوا للشخص الذي كلَّفوه بشراء الطعام: لا تشتر الطعام مِن أيّ كان، وإِنّما انظر أيُّهم أزكى وأطهر طعاماً فأتنا منهُ.

بعض المفسّرين تأولوا المعنى وقالوا: إِنَّ المقصود مِن (أزكى) هو ما يعود إِلى الحيوانات المذبوحة، إِذ أنّهم كانوا يعلمون أنَّ في تلك المدينة مَن يبيع لحم الميتة (أي غير المذبوح على الطريقة الشرعية) وأنَّ البعض يتكسَّب بالحرام، لذلك أوصوا صاحبهم بضرورة أن يتجنب مثل هؤلاء الأشخاص عندما يحاول شراءِ الطعام.

ولكن يظهر أنَّ لهذه الجملة مفهوماً واسعاً يشمل كافة أشكال الطهارات الظاهرية والباطنية (المعنوية)، وكلامهم وتوصيتهم هي توصية لكافة أنصار الحق، في أن لا يفكروا بطهارة غذائهم المعنوي وحسب، بل عليهم أيضاً الإِهتمام بطهارة طعام الأجسام كي يكون زكياً نقياً مِن جميع الأرجاس والشبهات. وإِنَّ هذا الأمر ينبغي أن يلازمهم حتى في أصعب لحظات الحياة وأشدَّها عسراً، لأنَّ هذا المعنى هو تعبير عن أصل في وجود المؤمن.

اليوم يسعى معظم أفراد عالمنا للإِهتمام بجانب مِن هذا الأمر، وهو الجانب المتعلق بالحفاظ على الطعام مِن أشكال التلوث الظاهري، إِذ يضعون الطعام في أواني مغطاة بعيدة عن الأيدي الملوَّثة، وعن الأتربة والغبار. وهذا العمل بحدَّ ذاته جيد جدّاً، إِلاَّ أنّ علينا أن لا نكتفي بهذا المقدار، بل ينبغي تزكية الطعام وتطهيره مِن لوثة الشبهة والحرام والرّبا والغش وأي شكل من أشكال التلوَّث المعنوي.

وفي الرّوايات الإِسلامية هُناك تأكيد كبير على الطعام الحلال النقي الزاكي وأثره في صفاء القلب واستجابة الدعاء.

[221]

ففي رواية نقرأ أنّه جاء رجلٌ إِلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسَألهُ قائلا: أحبُّ أن يُستجاب دُعائي.

فقال لهُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «طهَّر مأكلك ولا تدخل بطنك الحرام»(1).

ثانياً: التقية البنّاءة

نستفيد مِن تعبير الآيات أعلاه أنَّ أصحاب الكهف كانوا يُصرّون على أن  لا يعرف أحد مكانهم حتى لا يجبرون على عبادة الأصنام، أو يقتلون بأفجع طريقة مِن خلال رميهم بالحجارة. إِنّهم كانوا يرغبون في أن يبقوا غير معروفين حتى يستطيعوا بهذا الأُسلوب الإِحتفاظ بقوّتهم للصراع المقبل، أو على الأقل حتى يستطيعوا أن يحتفظوا بإِيمانهم.

وهذا المعنى تعبير عن أحد أقسام «التقية البنّاءة» حيثُ أنّ حقيقة التقية هو أن يحفظ الإِنسان طاقته مِن الهدر بإِخفاء نفسه أو عقيدته. يحفظ نفسهُ ويصونها حتى يستطيع ـ في مواقع الضرورة ـ الإِستمرار في جهاده المؤثِّر. وطبيعي عندما تكون التقية واخفاء العقيدة سبباً لتصدُّع الأهداف والبرنامج الكبرى، فإِنّها تكون ممنوعة وينبغي الجهر بالحق والصدع به بالغاً ما بلغ الضرر.

ثالثاً: اللطف مركز القرآن

إِنَّ قوله تعالى: (ليتلطَّف) ـ كما هو مشهور ـ هي نقطة الفصل بين نصفي القرآن مِن حيث عدد الكلمات. وهذا بنفسه يشير إِلى معنى لطيف للغاية، لأنّ الكلمة مُشتقّة مِن اللطف، واللطافة والتي تعني هُنا الدقة. بمعنى أنَّ المرسل لتهيئة الطعام عليه أن يذهب ويرجع بحيث لا يُشعِر أحد بقصتهم.

____________________________

1 ـ وسائل الشيعة، المجلد الرابع، أبواب الدعاء، باب (67) الحديث الرابع. ولمزيد مِن التوضيح يمكن مُراجعة تفسير الآية (186) مِن سورة البقرة.

[222]

بعض المفسّرين قالوا: إِنَّ الغرض مِن التلطُّف في شراء الطعام هو أن  لا يتصَعَّب في التعامل، ويبتعد عن النزاع الضوضاء وينتخب أفضل البضاعة.

وهذا بذاته لطف أن تُشكِّل كلمة اللطف وسط القرآن ونقطة النصف بين كلماته الهادية.

* * *

[223]

الآيات

وَكَذلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنـزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيـناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً(21) سَيَقُولُونَ ثَلـثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمَا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيْهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظـهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحداً(22)وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىء إِنِّى فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً(23) إِلاَّ أن يَشَآءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لاَِقْرَبَ مِنْ هـذَا رَشَداً(24)

التّفسير

نهاية قصّة أصحاب الكهف:

لقد وصلت بسرعة أصداء هجرة هذه المجموعة مِن الرّجال المتشخّصين

[224]

إِلى كلِّ مكان وأغاظت بشدّة الملك الظالم، حيث قدَّر أن تكون هذه الهجرة مقدّمة ليقظة ووعي الناس، أو قد يذهب أصحاب الكهف إِلى مَناطق بعيدة أو قريبة ويقومون بتبليغ مذهب التوحيد والدعوة إِليه، ومحاربة الشرك وعبادة الأصنام.

لقد أصدر الحاكم تعليماته إِلى جهاز شرطته للبحث عن أصحاب الكهف في كل مكان، وعليهم أن يتبعوا آثارهم حتى إِلقاء القبض عليهم ومعاقبتهم.

ولكن كلما بحثوا لم يعثروا على شيء، وهذا الأمر أصبح بحدِّ ذاته لغزاً للناس، ونقطة انعطاف في أفكارهم، وقد يكون هذا الأمر ـ وهو قيام مجموعة من ذوي المناصب في الدولة بترك مواقعهم العالية في الدولة وتعريض أنفسهم للخطر ـ هو بحدِّ ذاته سبباً ليقظة الناس ومصدراً لوعيهم، أو لوعي قسم منهم على الأقل.

ولكن في كل الأحوال، فإِنَّ قصّة هؤلاء النفر قد استقرت في صفحات التأريخ وأخذت الأجيال والأقوام تتناقلها عبر مئات السنين.

والآن لنعد إِلى الشخص المكلَّف بشراء الطعام ولننظر ماذا جرى له.

لقد دَخل المدينة ولكنَّهُ فغَر فاه مِن شدّة التعجُّب، فالشكل العام للبناء قد تغيَّر، هندام الجميع ولباسهم غريب عليه، الملابس من طراز جديد، خرائب الأمس تحولت إِلى قصور، وقصور الأمس تحوَّلت إِلى خرائب!

لقد ظنَّ ـ للحظة واحدة ـ أنَّهُ لا يزال نائماً، وأنَّ ما يُشاهده ليس سوى أحلام، فركَ عينيه، إِلاَّ أنَّهُ التفت إِلى ما يراه، وهو عين الحقيقة، وإِن كانت عجيبة ولا يمكن تصديقها.

إِنَّهُ لا يزال يعتقد بأنَّ نومهم في الغار كان ليوم أو بعض يوم، فلماذا هذا الإِختلاف، وكيف تمَّت كل هذه التغييرات الكبيرة والواسعة في ظرف يوم واحد؟!

[225]

ومن جانب آخر كان منظره هو عجيباً للناس وغير مألوف. ملابسهُ، كلامه، شكلهُ كل شيء فيه بدا غريباً للناس، وقد يكون هذا الوضع قد لفت أنظارهم إِليه، لذا قام بعضهم بمُتابعته.

لقد انتهى عجبه عِندما مدَّ يدهُ إِلى جيبه لِيُسدِّد مبلغ الطعام الذي اشتراه، فالبائع وقع نظره على قطعة نقود ترجع في قدمها إِلى (300) سنة، وقد يكون اسم (دقيانوس) الملك الجبار مكتوباً عليها، وعندما طلب منهُ توضيحاً قالَ لهُ بأنَّهُ حصل عليها حديثاً.

وقد عرف الناس تدريجياً مِن خلال سلسلة مِن القرائن أنَّ هذا الشخص هو واحد مِن أفراد المجموعة الذين قرأوا عن قصّتهم العجيبة والتأريخية التي وقعت قبل (300) سنة، وأنَّ قصّتهم كانت تدور على الألسن في اجتماعات الناس وندواتهم، وهنا أحسَّ الشخص بأنَّهُ وأصحابه كانوا في نوم عميق وطويل.

هذه القضية كانَ لها صدى كالقنبلة في المدينة، وقد انتقلت عبر الألسن إِلى جميع الأماكن.

قال بعض المؤرّخين: إِنَّ حكومة المدينة كانت بيد حاكم صالح ومؤمن، إِلاَّ أنَّ استيعاب وفهم قضية المعاد الجسماني وإِحياء الموتى بعد الموت كان صعباً جدّاً على أفراد ذلك المجتمع، فقسم مِنهم لم يكن قادراً على التصديق بأنَّ الإِنسان يُمكن أن يعود للحياة بعدَ الموت، إِلاَّ أنَّ قصّة أصحاب الكهف أصبحت دليلا قاطعاً لأُولئك الذين يعتقدون بالمعاد الجسماني.

ولذا فإِنَّ القرآن يبيّن أنّنا كما قمنا بإِنامتهم نقوم الآن بإِيقاظهم حتى ينتبه الناس: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أنَّ وعد الله حق) ثمّ أضاف تعالى: (وإِنَّ الساعة لا ريب فيها).

حيث أنَّ هذا النوم الطويل الذي استمرَّ لمئات السنين كان يشبه الموت، وأن إِيقاظهم يشبه البعث. بل يمكن أن نقول: إِنَّ هذه الإِنامة والإِيقاظ هي أكثر إِثارة

[226]

للعجب مِن الموت والحياة في بعض جوانبها، فمن جهة قد مرَّت عليهم مئات السنين وهم نيام وأجسامهم لم تفنَ أو تتأثَّر، وقد بقوا طوال هذه المدَّة بدون طعام أو شراب، إِذن كيف بقوا أحياءً طيلةَ هذه المدَّة؟

اليسَ هذا دليلا قاطعاً على قدرة الله على كل شيء، فالحياة بعد الموت، بعد مُشاهدة هذه القضية ممكنة حتماً.

بعض المؤرّخين كتب يقول: إِنَّ الشخص الذي أرسل لتهيئة الطعام وشرائه، عاد بسرعة إِلى الكهف وأخبر رفقاءه بما جرى، وقد تعجب كل منهم، وبعد أن علموا بفقدان الأهل والأولاد والأصدقاء والإِخوان، ولم يبق مِن أصحابهم أحد، أصبحت الحياة بالنسبة إِليهم صعبة للغاية، فطلبوا مِن الخالق جلَّ وعلا أن يُميتهم، وينتقلون بذلك إِلى جوار رحمته. وهذا ما حدث.

لقد ماتوا ومضوا إلى رحمة ربَّهم، وبقيت أجسادهم في الكهف عندما وصلهُ الناس.

وهنا حدث النزاع بين أنصار المعاد الجسماني وبين مَن لم يعتقد به، فالمعارضون للمعاد كانوا يُريدون أن تنسى قضية نوم ويقظة أصحاب الكهف بسرعة، كي يُسلبوا أنصار المعاد الجسماني هذا الدليل القاطع، لذا فقد اقترح هؤلاء أن تُغلق فتحة الغار، حتى يكون الكهف خافياً إِلى الأبد عن أنظار الناس. قال تعالى: (إِذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنياناً).

ولأجل إِسكات الناس عن قصّتهم كانوا يقولون: لا تتحدثوا عنهم كثيراً، إِنَّ قضيتهم معقدة ومصيرهم محاط بالألغاز!! لذلك فإِن: (ربّهم أعلم بهم). أي اتركوهم وشأنهم واتركوا الحديث في قصّتهم.

أمّا المؤمنون الحقيقيون الذين عرفوا حقيقة الأمر واعتبروه دليلا حيّاً لإِثبات المعاد بعد الموت، فقد جَهدوا على أن لا تُنسى القصة أبداً لذلك اقترحوا أن يتخذوا قرب مكانهم مسجداً، وبقرينة وجود المسجد فإِنَّ الناس سوف لن

[227]

ينسوهم أبداً، بالإِضافة إلى ما يتبرك بهِ الناس مِن آثارهم: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذنَّ عليهم مسجداً).

وفي تفسير الآية ذُكرت احتمالات أُخرى سنقف على بعضها في البحوث.

الآية التي بعدها تُشير إِلى بعض الإِختلافات الموجودة بين الناس حول أصحاب الكهف، فمثلا تتحدث الآية عن اختلافهم في عددهم فتقول: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم). وبعضهم (ويقولون خمسة سادسهم كلبهم). وذلك مِنهم (رجماً بالغيب). وبعضهم (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم). أمّا الحقيقة فهي: (قل ربّي أعلم بعدتهم). ولذلك لأنّه (ما يعلمهم إِلاَّ قليل).

وبالرغم مِن أنَّ القرآن لم يشر إِلى عددهم بصراحة، لكن نفهم مِن العلامات الموجودة في الآية أنَّ القول الثّالث هو الصحيح المطابق للواقع، حيث أنَّ كلمة (رجماً بالغيب) وردت بعد القول الأوّل والثّاني، وهي إِشارة إِلى بُطلان هَذين القولين، إِلاَّ أنَّ القول الثّالث لم يُتَبع بمثل الإِستنكار بل استتبع بقوله تعالى: (قل ربّي أعلم بعدتهم) وأيضاً بقوله (ما يعلمهم إِلاّ قليل) وهذا بحدِّ ذاته دليل على صحة هذا القول (الثّالث).

وفي كل الأحوال فإِنَّ الآية تنتهي بنصيحة تحث على عدم الجدال حولهم إِلاَّ الجدل القائم على أساس المنطق والدليل: (فلا تُمار فيهم إِلاَّ مراءً ظاهراً).

(مراء) كما يقول الراغب في مفرداته، مأخوذة في الأصل مِن (مريت الناقة) بمعنى قبضت على (ضَرَعْ) الناقة لأحلبها، ثمّ أطلق المعنى بعد ذلك لِيشمل الأشياء الخاضعة للشك والترديد.

وقد تُستخدم كثيراً في المجادلات والدفاع عن الباطل، إِلاَّ أنَّ أصلها  لا يختص بهذا المعنى، بل تتسع لكل أنواع البحوث والمفاوضات حول أي موضوع كان موضعاً للشك.

«ظاهر» تعني غالب ومسيطر ومُنتصر. لذا فالآية تقول: (فلا تمار فيهم إِلاَّ

[228]

مراءً ظاهراً) بمعنى قُل لهم قولا مَنطقياً بحيث تَتَوضَح رجحان منطقك.

وقد احتمل البعض أن تفسير هذه الآية هو: لا تتحدَّث حديثاً خاصّاً مع المعارضين والمعاندين حيثُ أنَّهم يُحرِّفون كلَّ ما تقول، بل تحدَّث معهم علانية وأمام النّاس كي لا يستطيعوا أن يحرفوا حقيقة ما تقول، ولا يستطيعوا إِنكارها.

التّفسير الأوّل أكثر صحّة.

وعلى أي حال فإِنَّ مفهوم الكلام هو: عليك أن تتحدَّث معهم بالإِعتماد على الوحي الإِلهي، لأنَّ أقوى الأدلة هو ما يصدر عن الوحي دون غيره: (ولا تستفت فيهم مِنهم أحداً).

الآية التي بعدها تعطي توجيهاً عاماً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ولا تقولن لشيء إِنّي فاعل ذلك غداً).

(إِلاَّ أن يشاء الله) يعني يجب أن تقول (إِن شاء الله) لكل ما يخص أخبار المستقبل وأحداثه و لكل تصميم تتخذه، لأنّك أوّلا غير مستقل في اتّخاذ القرارات، وإِذا لم يشأ الله فإنَّ كائناً مَن كان لا يستطيع القيام بأيِّ عمل، لذا ولأجل أن تُثبت أنَّ قوّتك قبس مِن قوّة الله الأزلية، وأنّها مرتبطة بقدرته، أضف عبارة (إِن شاء الله) إِلى كلامك.

ثانياً: لا يصح للإِنسان ـ من الوجهة المنطقية ـ أن يقطع في أخباره المستقبلية ومواقفه وتصميماته، لأنَّ قدرته محدودة مع احتمال ظهور الموانع المختلفة، لذلك الأفضل له ذكر جملة (إِن شاء الله) مع كل تصميم لفعل شيء.

بعض المفسّرين احتملوا أن يكون مُراد الآية هو أن تنفي استقلال الإِنسان في إِنجاز الأعمال، حيث يصبح مفهوم الآية: إِنّك لا تستطيع أن تقول: إِنّك ستقوم بالعمل الفلاني غداً إِلاَّ أن يشاء الله ذلك.

بالطبع فإنّ لازم هذا القول أن الكلام سيكون تاماً مع اضافة (ان شاء الله)

[229]

ولكن هذا اللزوم سيكون للجملة لا للمتن كما هو الحال في التّفسير الأوّل(1).

سبب النّزول الذي أوردناه في بداية الآيات يُؤيد التّفسير الأوّل، حيثُ أنَّ الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قد وعد بالإِجابة على أسئلة قريش حول أصحاب الكهف وغيرها بدون ذكر جملة (إِن شاء الله) لذلك تَأخَّر عنهُ الوحي فترة، لكي يكون ذلك تحذيراً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويكون عبرة لجميع الناس.

وبعد ذلك يقول القرآن: (واذكر ربّك إِذا نسيت) وهذه إِشارة إِلى أنَّ الإِنسان إِذا نسي قول (إِن شاء الله) وهو يتحدَّث عن أمر مستقبلي، فعليه أن يقولها فَور تذكره، حيث يُعوَّض بذلك عمّا مضى منه.

وبعد ذلك جاء قوله تعالى: (وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب مِن هذا رشداً).

* * *

بحوث

1 ـ قوله تعالى: (رجماً بالغيب)

كلمة (رجم) تعني في الأصل الحجارة أو رمي الحجارة، ثمّ أطلقت بعد ذلك على أي نوع مِن أنواع الرمي. وتستخدم في بعض الأحيان كناية عن (الإتهام) أو (الحكم استناداً إِلى الظن والحدس). وكلمة (بالغيب) تأكيداً لهذا المعنى، يعني  لا تحكم بدون الاستناد على مصدر أو علم.

2 ـ الواو في قوله: (وثامنهم كلبهم)

في الآيات أعلاه وردت جملة (رابعهم كلبهم) و (سادسهم كلبهم) بدون

____________________________

1 ـ يجب الإِنتباه إِلى أنَّهُ طبقاً للتفسير الأوّل فإنَّ هناك جملة مقدَّرة وهي (أن تقول) ويصبح المعنى بعد التقدير (إِلاّ أن تقول إن شاء الله) أمّا وفقاً للتفسير الثّاني فليس ثمّة حاجة لهذا التقدير.

[230]

(واو) في حين أنَّ جملة (وثامنهم كلبهم) بدأت بالواو. ولأنَّ جميع تعابير القرآن تنطوي على ملاحظات ومغاز، لذلك نرى أنَّ المفسّرين بحثوا كثيراً في معنى هذه الواو.

ولعل أفضل تفسير لها هو ما قيل مِن أنَّ هذه (الواو) تُشير إِلى آخر الكلام وآخر الحديث، كما هو شائع استخدامه في أُسلوب التعبير الحديث، إِذ توضع الواو لآخر شيء من مجموعة الأشياء التي تذكر مثلا نقول (جاء زيد، عمر، حسن، ومحمّد) فهذه الواو إِشارة إِلى آخر الكلام وتُبيِّن الموضوع والمصداق الأخير.

هذا الكلام منقول عن المفسّر المعروف (ابن عباّس)، وقد أيده بعض المفسّرين، واستفادوا مِن هذه (الواو) لتأييد القول في أنَّ عدد أصحاب الكهف الحقيقي هو سبعة، حيثُ أنَّ القرآن بعد ذكر الأقوال الباطلة، أبانَ في الأخير العدد الحقيقي لهم.

البعض الآخر مِن المفسّرين كالقرطبي والفخر الرازي ذكروا رأياً آخر في تفسير هذه (الواو) وخلاصته: «إنّ العدد سبعة عند العرب عدد كامل، ولذلك فإِنّهم يَعُدَّون حتى السبعة بدون واو. أمّا بمجرّد أن يتجاوزوا هذا العدد فإنّهم يأتون بالواو التي هي دليل على بداية الكلام والإِستئناف. لذلك تُعرف (الواو) هذه عند الأدباء العرب بأنّها (واو الثَمانية)».

وفي الآيات القرآنية غالباً ما يُواجهنا هذا الموضوع، فمثلا الآية (112) مِن سورة التوبة عندما تُعدِّد صفات المجاهدين في سبيل الله تذكر سبع صفات بدون واو وعندما تذكر الصفة الثامنة فإِنّها تذكرها مع الواو فتقول: (والنّاهون عن المنكر والحافظون لحدود الله).

وفي الآية (5) مِن سورة التحريم، تذكر الآية في وصف نساء النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سبع صفات ثمّ تذكر الثّامنة مع الواو حيث تقول: (ثيبات وأبكاراً).

[231]

وفي الآية (71) مَن سورة الزمر التي تتحدَّث عن أبواب جهنَّم تقول: (فُتحت أبوابها) إِلاَّ أنّها وبعد آيتين وعند الحديث عن أبواب الجنة تقول الآية: (وفتحت أبوابها). أليس ذلك بسبب أنَّ أبواب النار سبعة، وأبواب الجنّة ثمانية؟

طبعاً قد لا يكون هذا تعبيراً عن قانون كُلّي، ولكنَّهُ ـ في الأغلب ـ يُعبِّر عن ذلك. في كل الأحوال يظهر مِن ذلك أنَّ حرف (الواو) وهو مجرّد حرف، لهُ حسابٌ خاص في الإِستعمال ويُظهر حقيقة معينة.

3 ـ المسجد إلى جوار المقبرة

ظاهر تعبير القرآن أنَّ أصحاب الكهف ماتوا أخيراً ودفنوا، وكلمة «عليهم» تؤيِّد هذا القول. بعد ذلك قرَّر محبّوهم بناء مسجد بجوار مقبرتهم، وقد ذكر القرآن هذا الموضوع في الآيات أعلاه بلهجة تُنم عن الموافقة، وهذا الأمر يدل على أنَّ بناء المساجد لاحترام قبور عظماء الدين ليسَ أمراً محرماً ـ كما يظن ذلك الوهابيون ـ بل هو عمل حلال ومُحَبَّذ ومطلوب.

وعادة فإِنَّ بناء الأضرحة التي تُخلَّد الأشخاص الكبار أمرٌ شائع بين أُمم العالم وشعوبه، ويبيّن جانب الإِحترام لمثل هؤلاء الأشخاص، وتشجيع لمن يأتي بعدهم، والإِسلام لم ينه عن هذا العمل، بل أجازه وأقرّه.

إِنَّ وجود مثل هذه الأبنية سند تأريخي للتدليل على وجود هذه الشخصيات والرموز وعلى منهجها ومواقفها، ولهذا السبب فإِنَّ الأنبياء والشخصيات الذين هُجرت قبورهم فإنّ تأريخهم أمسى موضعاً للشك والإِستفهام.

ويتّضح مِن ذلك أيضاً أن ليس هُناك تضاد بين بناء المساجد والأصرخة وبين قضية التوحيد واختصاص العبادة بالله تعالى، بل هما موضوعان مُختلفان.

بالطبع هُناك بحوث كثيرة حول هذا الموضوع فليراجع إِلى مظانها.

[232]

4 ـ كل شيء يعتمد على مشيئته تعالى

إِنَّ ذكر جُملة (إِن شاء الله) عند اتّخاذ القرارات المرتبطة بالمستقبل ليسَ نوعاً مِن الأدب في محضر الخالق جلَّ وعلا وحسب، بل هُوَ بيان لحقيقة أنّنا  لا نملك شيئاً مِن عندنا، بل هُوَ مِن عنده تعالى، وكُلنا نعتمد ونستند إِليه لأنّه هو المستقل بالذات فقط، فلو تحركت كل السكاكين والشفرات في العالم لِتقطع عرقاً واحداً فإِنّها لا تستطيع مِن دون إِذنه تعالى.

إِنَّ هذه الحقيقة هي نفسها (توحيد الأفعال) ففي الوقت الذي يملك الإِنسان حريته وإِرادته، فإِنَّ تحقق أي شيء وأي عمل إِنّما يرتبط بمشيئة  الخالق جلَّوعلا.

إِنَّ تعبير (إِن شاء الله) يزيد مِن توجهنا نحو الله تبارك وتعالى، ويمنحنا القوّة والقدرة على الإِنجاز، وهو مَدْعاة إِلى تزكية وطهارة وصحة الأعمال أيضاً.

ونستفيد مِن بعض الرّوايات أنَّ الإِنسان إِذا ذكر كلاماً عن المستقبل بدون ذكر (إِن شاء الله) فإِنَّ الله سوف يَكِلُهُ إِلى نفسه ويُخرجه مِن مظلة حمايته(1).

وفي حديث عن الإِمام الصادق(عليه السلام) نقرأ أنَّهُ(عليه السلام) أمر يوماً بكتابة رسالة، وعندما جاؤوا بالرسالة إِليه وجدها خالية مِن كلمة (إِن شاء الله) فقال(عليه السلام): «كيف رَجوتم أن يتمّ هذا وليسَ فيه استثناء، انظروا كل موضع لا يكون فيه استثناء فاستثنوا فيه».

5 ـ الإِجابة على سؤال

قرأنا في الآيات ـ محل البحث ـ أنَّ الله يخاطب رسوله بقوله: (واذكر ربّك إِذا نسيت)(2) وهي إِشارة إِلى أنك عندما تنسى ذكر (إِن شاء الله) وتتذكر بعد ذلك

____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 3، ص 253 و 254.

2 ـ المصدر السّابق.

[233]

فعليك باستدراك الأمر بذكر (إِن شاء الله).

وفي الأحاديث العديدة الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) ـ في تفسير الآية ـ هُناك تأكيد على هذا الموضوع حتى بعد مرور سنة إِذا تذكرت فعليك أن تقول (إِن شاء الله) عِوضاً عمّا فاتك وعمّا نسيته(1).

والآن قد يُطرح هذا السؤال وهو: إِذا جازَ نسبة النسيان إِلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في حين أنَّ الناس يعتمدون على أقواله وأعماله، فكيف يستقيم ذلك مَع دليل عصمة الأنبياء والرُسل والأئمّة مِن الخطأ والنسيان؟

ولكن ينبغي الالتفات الى أنَّ الكثير مِن الآيات القرآنية يكون الحديث فيها مُوجهاً إِلى الرُسُل في حين أنَّ المعنيّ بها عامّة الناس، وهي كما يقول المثل العربي، «إِياك أعني واسمعي يا جارة».

بعض المفكرين الكبار ذكروا جواباً على هذا السؤال أوردناه في نهاية الحديث عن الآية (68) مِن سورة الأنعام.

* * *

____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 3، ص 254 فما بعد.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9073942

  • التاريخ : 26/09/2020 - 19:07

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net