00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة التوبة من آية 19 ـ 28 من ( 558 ـ آخر الجزء الخامس )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الخامس)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[558]

الآيات

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَآجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَجَـهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَووُنَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ(19) الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَـهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنَد اللهِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ(20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة مِّنْهُ وَرِضْوَن وَجَنَّـت لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ(21) خَـلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22)

سبب النّزول

هناك روايات مختلفة في سبب نزول الآيات ـ محل البحث ـ منقولة في كتب أهل السنة والشيعة، ونورد هنا ما يبدو أكثر صحة.

يروي «أبو القاسم الحسكاني» عالم أهل السنة المعروف، عن بريدة، أن «شيبة» و«العباس» كان يفتخر كلُّ منهما على صاحبه، وبينما هما يتفاخران إذ مرّ عليهما علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال: فيم تتفاخران؟

فقال العباس: حُبيت بما لم يُحبَ به أحد وهو سقاية الحاج.

[559]

فقال شيبة: إني أعمر المسجد الحرام، وأنا سادن الكعبة.

فقال علي(عليه السلام): على أنّي مستحي منكما، فلي مع صغر سني ما ليس عندكما.

فقالا: وما ذاك؟!

فقال: جاهدت بسيفي حتى آمنتما بالله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فخرج العباس مغضباً إِلى النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) شاكياً عليّاً فقال: ألا ترى ما يقول؟

فقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أدعو لي عليّاً فلمّا جاءه علي قال(صلى الله عليه وآله وسلم): لِمَ كلّمت عمّك العباس بمثل هذا الكلام؟ فقال(عليه السلام): إذا كنت أغضبته، فلما بينّتُ من الحق، فمن شاء فليرضَ بالقول الحق ومن شاء فليغضب.

فنزل جبرئيل(عليه السلام) وقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول: اتل هذه الآيات: (اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله)(1).

وقد وردت هذه الرواية بالمضمون ذاته مع اختلاف يسير في التعابير في كتب كثيرة لأهل السنة، كتفسير الطبري والثعلبي، وأسباب النّزول للواحدي وتفسير الخازن البغدادي، ومعالم التنزيل للعلاّمة البغوي، والمناقب لابن المغازلي، وجامع الأصول لابن الأثير، وتفسير الفخر الرازي، وكتب أُخرى.(2)

وعلى كل حال، فالحديث آنف الذكر من الأحاديث المعروفة والمشهورة، التي يقرّ بها حتى المتعصبون، وسنتكلم عنه مرّة أُخرى بعد تفسير الآيات.

التّفسير

مقياس الفخر والفضل:

مع أنّ للآيات ـ محل البحث ـ شأناً في نزولها، إلاّ أنّها في الوقت ذاته

_____________________________

1 ـ تفسير مجمع البيان، ذيل الآيات محل البحث.

2 ـ لمزيد الإِيضاح يراجع كتاب إحقاق الحق، ج 3، ص 122 ـ 127.

[560]

تستكمل البحث الذي تناولته الآيات المتقدمة، ونظير ذلك كثير في القرآن.

فالآية الأُولى من هذه الآيات تقول: (أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم والآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين).

«السقاية» لها معنى مصدريٌ وهو إيصال الماء للآخرين، وكما تعني المكيال، كما جاء في الآية 70 من سورة يوسف (فلمّا جهّزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه) وتعني الإِناء الكبير أو الحوض الذي يُصب فيه الماء.

وكان في المسجد الحرام بين بئر زمزم والكعبة محل يوضع فيه الماء يدعى بـ «سقاية العباس» وكان معروفاً آنئذ، ويبدو أنّ هناك إناءً كبيراً فيه ماء يستقى منه الحاج يومئذ.

ويحدثنا التأريخ أنّ منصب «سقاية الحاج» قبل الإِسلام كان من أهل المناصب، وكان يضاهي منصب سدانة الكعبة، وكانت حاجة الحاج الماسة في أيّام الحج إِلى الماء في تلك الأرض القاحلة اليابسة المرمضة(1) التي يقل فيها الماء، وجوّها حار أغلب أيّام السنة، وكانت هذه الحاجه الماسة تولي موضوع «سقاية الحاج» أهميّة خاصّة، ومن كان مشرفاً على السقاية كان يتمتع بمنزلة اجتماعية نادرة، لأنّه كان يقدم للحاج خدمة حياتية.

وكذلك «عمارة المسجد الحرام» أو سدانته ورعايته، كان لها أهميته الخاصّة، لأنّ المسجد الحرام حتى في زمن الجاهلية كان يعدّ مركزاً دينياً، فكان المتصدي لعمارة المسجد أو سدانته محترماً.

ومع كل ذلك فإنّ القرآن يصّرح بأنّ الإِيمان بالله وباليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أفضل من جميع تلك الأعمال وأشرف.

_____________________________

1 ـ «المرمضة» مشتقة من «الإِرماض» أي شديدة الحر، والأرض الرمضاء كذلك: شدية الحر.

[561]

أمّا الآية التالية فتوضح ما أجملته الآية السابقة وتؤكّده بالقول: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأُولئك هم الفائزون).

وأمّا الآية الثّالثة ـ من الآيات محل البحث ـ فتقول: إنّ الله أنعم على المؤمنين والمهاجرن والمجاهدين في سبيله ثلاثَ مواهب هي:

1 ـ (يبشّرهم ربّهم برحمة منه).

2 ـ (ورضوان).

23 ـ (وجنات فيها لهم نعيم مقيم).

وتعقب الآية الأخيرة لمزيد التوكيد بالقول (خالدين فيها أبداً إنّ الله عند أجر عظيم).

* * *

ملاحظتان

1 ـ تحريف التاريخ

كما قرأنا آنفاً في شأن نزول الآيات محل البحث، وطبقاً لرواية وردت في كثير من كتب الآيات أهل السنة الشهيرة، أنّها نزلت في علي(عليه السلام) وبيان فضائله، على أنّ مفهوم الآيات عام واسع «وقد قلنا مراراً بأن أسباب النّزول لا تحدّد مفاهيم الآي».

إلاّ أنّ بعض مفسّري أهل السنة لم يرغب في أن تثبت للإِمام علي(عليه السلام)فضائل بارزة مع اعتقادهم بأنّه رابع خلفاء المسلمين! وكأنّهم خافوا إن أذعنوا لما يجدونه عند علي(عليه السلام) من الفضائل أن يقف الشيعة أمامهم متسائلين: لم قدّمتم على علي غيره؟

فلذلك أغمضوا النظر عن كثير من مناقبه وفضائله، وسعوا جاهدين لأن

[562]

يقدحوا في سند الرواية التي تذكر فضل علي(عليه السلام) على غيره أو في دلالتها.

ويا للأسف ما زال هذا التعصب المقيت ممتداً إِلى عصرنا الحاضر، حتى أنّ بعض علمائهم المثقفين لم يسلموا من هذا الداء الوبيل والتعصب دون دليل!

ولا أنسى المحاورة التي جرت بيني وبين بعض علماء أهل اسنة، إذ أظهر كلاماً عجيباً عند ذكرنا لمثل هذه الأحاديث، فقال: في عقيدتي أنّ الشيعة يستطيعون أن يثبتوا جميع معتقدات مذهبهم «أصولها وفروعها» من مصادرنا وكتبنا، لأنّ في كتبنا أحاديث كافية لصالح آراء الشيعة وصحة مذهبهم.

إلاّ أنّه من أجل أن يريح نفسه من جميع هذه الكتب، قال: أعتقد أن أسلافنا كانوا حسني الظن، وقد أوردوا كل ما سمعوه في كتبهم، فليس لنا أن نأخذ كل ما أوردوه ببساطة!! «طبعاً كان حديثه يشمل الكتب الصحاح والمسانيد المعتبرة وما هو عندهم في المرتبة الأُولى».

فقلت له: ليس هذا هو الأُسلوب في التحقيق، حيث يعتقد إنسان ما بمذهب معين، لأنّ آباءه كانوا عليه وورثه عن سلفه، فما وجده من حديث ينسجم ومذهبه قال: إنّه صحيح، وما لم ينسجم حكم عليه بعدم الصحة، لأنّ السلف الصالح كان حسن الظن، حتى لو كان الحديث معتبراً.

فما أحسن أن نختار أُسلوباً آخر للتحقيق بدل ذلك، وهو أن نتجرّد من عقيدتنا الموروثة ثمّ ننتخب الأحاديث الصحيحة دون تعصب.

ونسأل الآن: لماذا سكتوا عن الأحاديث الشهيرة التي تذكر فضل علي وعلو مقامه، بل نسوها وربّما طعنوا فيها، فكأن مثل هذه الأحاديث لا وجود لها أصلا؟

ومع الإِلتفات إِلى ما ذكرناه آنفاً، ننقل كلاماً لصاحب تفسير «المنار» المعروف، إذ أهمل شأن نزول الآيات محل البحث المذكور آنفاً، ونقل رواية لا تنطبق ومحتوى الآيات أصلا، وينبغي أن نعدّها حديثاً مخالفاً للقرآن، فقال عنها: إنّها معتبرة!

[563]

وهي ما نُقَل عن النعمان بن بشير إذ يقول: كنت جالساً في عدة من أصحاب النّبي إلى جوار منبره، فقال بعضهم: لا أرى عملاً بعد الإِسلام أفضل من سقاية الحاج وإروائهم، وقال الآخر: إن عمارة المسجد الحرام أفضل من كل عمل، فقال الثالث، في سبيل الله أفضل ممّا قلتما.

فنهاهم عمر عن الكلام وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ـ وكان ذلك اليوم يوم الجمعة ـ ولكنّي سأسأل رسول الله بعد الفراغ من الصلاة ـ صلاة الجمعة ـ في ما اختلفتم فيه.

وبعد أن أتمّ صلاته جاء إِلى رسول الله فسأله عن ذلك، فنزلت الآيات محل البحث(1).

إلاّ أنّ هذه الرّواية لا تنسجم والآيات محل البحث من عدّة جهات، ونحن نعرف أن كلّ رواية مخالفة للقرآن ينبغي أن تطرح جانباً ويُعرضَ عنها; لأنّه:

أوّلا: لم يكن في الآيات محل البحث قياس ما بين الجهاد وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، بل القياس ما بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من جهة، والإِيمان بالله واليوم الآخر والجهاد من جهة أُخرى، وهذا يدل على أن من كان يقوم بمثل السقاية والعمارة في زمان الجاهلية كان يقيس عمله بالإِيمان والجهاد. فالقرآن يصرّح بأنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام لا يستويان ـ كل منهما ـ مع الإِيمان بالله والجهاد في سبيله وليس القياس بين الجهاد وعمران المسجد وسقايه الحاج (لاحظ بدقة).

ثانياً: إنّ جملة (والله لا يهدي القوم الظالمين) تدل على أن أعمال الطائفة الأُولى كانت معروفة بالظلم، وإنما يفهم ذلك فيما لو كانت هذه الأعمال صادرة في حال الشرك، لإنّ القرآن يقول (إن الشرك لظلم عظيم)(2).

_____________________________

1 ـ تفسير المنار، ج 10، ص 215.

2 ـ سورة لقمان: الآية 13.

[564]

ولو كان القياس بين الإِيمان وسقاية الحاج المقرونة بالإِيمان والجهاد، لكانت جملة (والله لا يهدي القوم الظالمين) لغواً ـ والعياذ بالله ـ لأنّها حينئذ لا مفهوم لها هنا.

ثالثاً: إنّ الآية الثّانية ـ محل البحث ـ التي تقول (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة) مفهومها أن أُولئك أفضل وأعظم درجة ممن لم يؤمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا في سبيل الله، وهذا المعنى لا ينسجم وكلام النعمان ـ آنف الذكر ـ لأنّ المتكلمين وفقاً لحديثه كلهم مؤمنون ولعلهم أسهموا في الهجرة والجهاد.

رابعاً: كان الكلام في الآيات المتقدمة عن إقدام المشركين على عمارة المساجد وعدم جواز ذلك: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) والآيات محل البحث تعقب على الموضوع ذاته، ويدل هذا الأمر على أن موضوع الآيات هو عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج حال الشرك، وهذا لا ينسجم ورواية النعمان.

والشيء الوحيد الذي يمكن أن يُستدلَ عليه هو التعبير بـ(أعظم درجة)حيث يدل على أن الطرفين المقيسين كل منهما حسن بنفسه، وإن كان أحدهما أعظم من الآخر.

إلاّ أنّ الجواب على ذلك واضح، لأنّ أفعل التفضيل غالباً تستعمل في الموازنة بين أمرين، أحدهما واجد للفضيلة والآخر غير واجد، كأن يقال مثلا: الوصول متأخراً خير من عدم الوصول، فمفهوم هذا الكلام لا يعني أن عدم الوصول شيء حسن، لكن الوصول بتأخير أحسن.

أو أننا نقرأ في القرآن (والصلح خير) أي من الحرب [سورة النساء الآية 28[ فهذا لا يعني أنّ الحرب شيء حسن.

أو نقرأ مثلاً (ولعبد مؤمن خير من مشرك) ]سورة البقرة الآية 221[ ترى

[565]

هل المشرك حسن وفيه خير؟!

أو نقرأ في سورة التوبة ذاتها (الآية 108) (لمسجد أسس على التقوى من يوم أحق أن تقوم فيه) أي أحق من مسجد ضرار الذي بناه المنافقون للعبادة، مع أننا نعرف أن العبادة في مسجد ضرار ليست بحق أبداً، فنظير هذه التعابير في القرآن واللغة العربية، بل في سائر اللغات كثير.

من مجموع ما ذكرناه نستنتج أن رواية النعمان بن بشير لأنّها مخالفة لمحتوى القرآن ينبغي أن تطرح وتنبذ جانباً، وأن نأخذ بما يسنجم وظاهر الآي، وهو ما قدمناه بين يدي تفسير هذه الآيات، على أنّه سبب لنزولها، وأنّه لفضيلة كبرى لإِمام الإسلام العظيم علي(عليه السلام).

نسأل الله أن يثبت أقدامنا على متابعة الحق وأهله من الأئمّة الصالحين، وأن يجنبنا التعصب، ويفتح أبصارنا وأسماعنا وأفكارنا لقبول الحق.

2 ـ ما هو مقام الرضوان

يستفاد من الآيات ـ محل البحث ـ أنّ مقام الرضوان الذي هو من أعظم المواهب التي يهبها الله المؤمنين والمجاهدين في سبيله، هو شيءٌ غير الجنات والنعيم المقيم وغير رحمته الواسعة.

وسنتناول بيان هذا الموضوع ذيل الآية (72) من هذه السورة، في تفسير جملة (ورضوان من الله أكبر) إن شاء الله.

* * *

[566]

الآيتان

يَـأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَنَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الاِْيمَـنِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأَوْلَـئِكَ هُمُ الظَـلِمُونَ(23) قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَـسِقِينَ(24)

التّفسير

كلّ شيء فَداءٌ للهدف:

إنّ آخر وسوسة أو ذريعة يمكن أن يتذرع بها جماعة من المسلمين للامتناع عن جهاد المشركين (وفعلا فقد تذرع بعضهم وفقاً لما ورد في قسم من التفاسير) بأن من بين المشركين وعبدة الأوثان أقارب لهم، فقد يُسلم الأب ويبقى ولده في الشرك على حاله، وقد يقع العكس إذ يخطو الابن نحو توحيد الله ويبقى أبوه مشركاً، وهذه الحالة ربّما كانت موجودة بين الأخ وأحيه، والزوج وزوجه، والفرد

[567]

وعشيرته أو قبيلته، وهكذا.

فإذا كان القرار أن يجاهد الجميع المشركين فلابدّ أن يغمضوا أعينهم عن أرحامهم وأقاربهم وعشيرتهم الخ. هذا كلّه من جهة.

ثمّ ومن جهة أُخرى كانت رؤوس الأموال والقدرة التجارية بيد المشركين تقريباً، ولهذا يسبب تردد المشركين إِلى مكّة ازدهار التجارة.

ومن جهة ثالثة كان للمسلمين في مكّة بيوت عامرّة نسبياً، فإذا قاتلوا المشركين فمن المحتمل أن يهدمها المشركون، أو تفقد قيمتها إذا عطل المشركون مراسم الحاج ومناسكه بمكّة.

فالآيتان ـ محل البحث ـ ناظرتان إِلى مثل هؤلاء الأشخاص، وتردّان عليهم ببيان صريح، فتقول الآية الأُولى منهما: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ان استحبوا الكفر على الإِيمان).

ثمّ تعقب ـ على وجه التأكيد ـ مضيفةً: (ومن يتولهم منكم فأُولئك هم الظالمون).

وأي ظلم أسوأ من أن يظلم الإِنسان نفسه بتعلقه بأعداء الحق والمشركين، ويظلم مجتمعه، ويظلم نبيّه أيضاً؟!

أمّا الآية التالية فهي تتناول هذا الموضوع بنحو من التفصيل والتأكيد والتهديد والتقريع، فتخاطب النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليعنف أُولئك الذين لا يرغبون في جهاد المشركين لما ذكرناه آنفاً، فتقول (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره).

ولما كان ترجيح مثل هذه الأُمور على رضا الله والجهاد في سبيله، يعدّ نوعاً من العصيان والفسق البيّن، وإن من تشبث قلبه بالدنيا وزخرفها وزبرجها غير جدير بهداية الله، فإنّ الآية تعقب في الختام قائلةً (والله لا يهدي القوم الفاسقين).

[568]

وقد جاء في تفسير علي بن إبراهيم القمي في شأن الآيتين مايلي: «لما أذّن أمير المؤمنين أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك، جزعت قريش جزعاً شديداً، وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاعت علينا وخربت دورنا، فأنزل الله في ذلك قل (يا محمّد) الخ ....

والآيتان ـ محل البحث ـ ترسمان خطوط الإِيمان الأصيل وتميزانها عن الإِيمان المبطن بالشرك والنفاق.

كما أنّهما تضعان حداً فاصلا بين المؤمنين الواقعيين وبين ضعاف الإِيمان، وتقول إحداهما بصراحة: إن كانت هذه الأُمور الثمانية «في الحياة المادية» التي يتعلق أربعة منها بالأرحام والأقارب (آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم).

ويتعلق قسم منها بالمجتمع و«العشيرة».

والقسم السّادس يرتبط بالمال.

والسابع بالتجارة والإِكتساب.

وأمّا الثامن ـ وهو الأخير ـ فيتعلق بالمساكن ذات الأناقة «ومساكن ترضونها».

فإذا كانت هذه الأُمور الثمانية ـ المذكورة آنفاً ـ أغلى وأعزّ وأحب عند الإِنسان من الله ورسوله، والجهاد في سبيله وامتثال أوامره، حتى أن الإِنسان لا يكون مستعداً بالتضحية بتلك الأُمور الثمانية من أجل الله والرّسول والجهاد، فيتّضح أن إيمانه الواقعي لم يكمل بعدُ!

فحقيقة الإِيمان وروحه وجوهره، كل ذلك يتجلّى بالتضحية بمثل هذه الأُمور من دون تردد.

أضف إِلى ذلك، فإن من لم يكن مستعداً للتضيحة بمثل تلك الأُمور، فقد ظلم نفسه ومجتمعه في الواقع، كما أنّه سيقع في ما كان يخاف من الوقوع فيه لأنّ الأُمّة التي تتلكأ في اللحظات الحساسة من تأريخها المصيري، وفي المآزق الحاسمة،

[569]

فلا يضحي أبناؤها بمثل ذلك، فستواجه الهزيمة عاجلا أو آجلا، وسيتعرض كلّ ما تعلقت القلوب به فلم تجاهد من أجله الى خطر الضياع والتلف بيد الأعداء.

* * *

ملاحظات

1 ـ ما قرأناه في الآيتين ـ محل البحث ـ ليس مفهومه قطع علائق المحبة بالأرحام، وإهمال رؤوس الأموال الإِقتصادية، والإِنسياق إِلى تجاوز العواطف الإِنسانية وإلغائها، بل المراد من ذلك أنّه ينبغي أن لا ننحرف عند مفترق الطرق إِلى الأموال والأزواج والأولاد والدور والمقام الدنيوي، بحيث لا نطبّق في تلك الحالة حكم الله، أو لا نرغب في الجهاد، ويحول عشقنا المادي دون تحقيق الهدف المقدس.

لهذا يلزم على الإِنسان إذا لم يكن على مفترق الطرق أن يرعى الجانبين «العلاقة بالله والعلاقة بالرحم».

فنحن نقرأ في الآية (15) من سورة لقمان، قوله تعالى في شأن الأبوين المشركين (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً).

2 ـ إنّ أحد تفاسير جملة (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) ما أشرنا إليه آنفاً، وهو التهديد من قبل الله لأُولئك الذين يقدّمون منافعهم المادية ويفضلونها على رضا الله، ولما كان هذا التهديد مجملا كان أثره أشدَّ وحشة وإشفاقاً، وهذا التعبير يشبه قول من يكلم صاحبه الذي دونه وتحت أمره، فيقول له: إذا لم تفعل ما أمرتك، فسأقوم بما ينبغي أيضاً.

وهناك إحتمال آخر لتفسير الجملة ـ محل البحث ـ وهو أنّ الله سبحانه يقول: إذا لم تكونوا مستعدين للتضيحة، فإنّ الله يفتح لنبيّه عن طريق آخر. وكيف شاء، إذ

[570]

ليس ذلك بعسير عليه. ونظير هذا المعنى ما جاء في الآية (54) من سورة المائدة، إذ نقرأ فيها (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه).

الماضي والحاضر مرهونان بهذا الأمر:

3 ـ قد يتصور بعضهم بأنّ ما جاء في الآيتين يخص صدر الإِسلام والتاريخ الماضي، إلاّ أنّ ذلك خطأ كبير، فالآيتان تستوعبان حاضر المسلمين ومستقبلهم أيضاً.

فإذا قُدّر للمسلمين أن لا يضحوا بأموالهم وأنفسهم وأولادهم ودورهم  الخ ... في سبيل الله، ولا يكون لهم إيمان متين، ويفضلون الأمور المادية على ر ضا الله، وتبقى قلوبهم متعلقة بالمال والأولاد وزبارج الدنيا، فيكون مستقبلهم مظلماً، لا مستقبلهم فحسب، بل حتى يومهم هذا، ففي مثل هذا الحال سيحدق بهم الخطر وسيفقدون موروثهم الحضاري، وتكون مصادر حياتهم بأيدي الاجانب ويفقدون معنى الحياة، لأن الحياة هي حياة الإِيمان والجهاد في ظل الإِيمان.

فعلينا أن نغرس مدلول هاتين الآيتين في قلوب اطفال المسلمين وشبابهم ونجعله شعاراً لنا، ونحيي في نفوس المسلمين روح التضحية والجهاد، ليحافظوا على ثقافتهم وموروثهم المعرفي.

* * *

[571]

الآيات

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَْرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثمّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(25) ثمّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودَاً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَـفِرِينَ(26) ثمّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(27)

التّفسير

الكثرة وحدَها لا تجدي نفعاً:

في الآيات المتقدمة رأينا أنّ الله سبحانه يدعوا المسلمين إِلى التضحية والجهاد على جميع الصُعد في سبيل الله وقلع جذور الشرك وعبادة الأوثان، ويهدد بشدّة من يتقاعس منهم عن الجهاد والتضحية بسبب التعلق بالأزواج والأولاد والأرحام والعشيرة والمال والثروة.

أمّا الآيات محل البحث فتشير إِلى مسألة مهمّة، وهي أنّ على كل قائد أن ينّبه أتباعه في اللحظات الحساسة بأنّه إذا كان فيهم بعض الأشخاص من ضعاف

[572]

الايمان والذين يحجبهم التعلّق بالمال والولد والأزواج وما إلى ذلك عن الجهاد في سبيل اللّه، فلا ينبغي أن يقلق المؤمنون المخلصون من هذا الأمر، وعليهم أن يواصلوا طريقهم، لأنّ الله لم يتخلَّ عنهم يوم كانوا قلةً، كما هو الحال في معركة بدر، ولا يوم كانوا كثرةً ـ ملء العين (كما في معركة حنين) وقد أعجبتهم الكثرة فلم تغن عنهم شيئاً، لكن اللّه سبحانه أنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، فالله في الحالين ينصر المؤمنين ويرسل إليهم مدده ...

لهذا فإن الآية الأُولى من الآيات محل البحث تقول (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة).

والمواطن جمع الموطن، ومعناه المحل الذين يختاره الإِنسان للسكن الدائم، أو المؤّقت، إلاّ أن من معانيه أيضاً ساحة الحرب والمعركة، وذلك لأنّ المقاتلين يقيمون في مكان الحرب مدّة قصيرة أو طويلة أحياناً.

ثمّ تضيف الآية معقبةً (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم) وكان جيش المسلمين يوم حنين زهاء اثني عشر ألفاً، وقال بعض المؤرخين: كانوا عشرة آلاف أو ثمانية آلاف، غير أنّ الرّوايات المشهورة تؤيد ما ذكرناه آنفاً، إذ تقول: إنّهم كانوا اثني عشر ألفاً، وهذا الرقم لم يسبق له مثيل في الحروب الإِسلامية قبل ذلك الحين، حتى إغتّر بعض المسلمين وقالوا: «لن نغلب اليوم».

إلاّ أنّه ـ كما سنبيّن الموضوع في الحديث على غزوة حنين ـ قد فرّ كثير من المسلمين ذلك اليوم، لكونهم جديدي عهد بالإِسلام ولم يتوغل الإِيمان في قلوبهم فانكسر جيش المسلمين في البداية وكاد العدوّ أن يغلبهم لولا أن الله أنزل بلطفه مدده وجنوده فنجّاهم.

ويصور القرآن هذه الهزيمة بقوله (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ وليتم مدبرين).

[573]

وفي هذه اللحظات الحساسة حيث تفرق جيش الإِسلام هنا وهناك، ولم يبق مع النّبي إلاّ القلة، وكان النّبي مضطرباً ومتألّماً جدّاً لهذه الحالة نزل التأييد الإلهي: (ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها).

وكما قلنا في حديثنا عن غزوة بدر في ذيل الآيات الخاصّة بها، أن نزول هذه الجنود غير المرئية كانَ لشدّ أزر المسلمين وتقوية معنوياتهم، وإيجاد روح الثبات والإِستقامة في نفوسهم وقلوبهم، ولا يعني ذلك اشتراك الملائكة والقوى الغيبية في المعركة(1).

ويَذكُر القرآن النتيجة النهائية لمعركة حنين الحاسمة فيقول (وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين).

وكان هذا العذاب والجزاء أن قُتل بعض الكافرين، وأُسر بعضهم، وفرّ بعضهم إِلى مناطق بعيدة عن متناول الجيش الاسلامي.

ومع هذا الحال فإنّ الله يفتح أبواب توبته للأسرى والفارين من الكفّار الذين يرغبون في قبول مبدأ الحق «الإِسلام» لهذا فإنّ الآية الأخيرة من الآيات محل البحث تقول: (ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم).

وجملة «يتوب» التي وردت بصيغة الفعل المضارع، والتي تدل على الإِستمرار، مفهومها أن أبواب التوبة والرجوع نحو الله مفتوحة دائماً بوجه التائبين.

* * *

_____________________________

1 ـ لمزيد من الإِيضاح يراجع تفسير الآيات 9 ـ 12 من هذا الجزء نفسه.

ملاحظات

1 ـ غزوة حنين ذات العبرة

«حُنين» منطقة قريبة من الطائف، وبما أنّ الغزوة وقعت هناك فقد سميّت باسم المنطقة ذاتها، وقد عُبّر عنها في القرآن بـ «يوم حنين» ولها من الأسماء ـ غزوة أوطاس، وغزوة هوازن أيضاً.

أمّا تسميتها بأوطاس، فلأن «أوطاس» أرض قريبة من مكان الغزوة ـ وأمّا تسميتها بهوازن، فلأن إحدى القبائل التي شاركت في غزوة حنين تُدعى بهوازن.

أمّا كيف حدثت هذه العزوة، فبناءً على ما ذهب إليه ابن الأثير في الكامل، أن هوازن لمّا علمت بفتح مكّة، جمع القبيلة رئيسها مالك بن عوف وقال لمن حوله: من الممكن أن يغزونا محمّد بعد فتح مكّة، فقالوا: من الأحسن أن نبدأه قبل أن يغزونا.

فلما بلغ ذلك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المسلمين أن يتوجهوا إِلى أرض هوازن(1).

وبالرغم من عدم الإِختلاف بين المؤرخين في شأن هذه الغزوة والمسائل العامّة فيها، إلاّ أنّ في جُزئياتها روايات متعددة لا يكاد بعضها ينسجم مع الآخر، وما ننقله هنا فقد اقتضبناه عن مجمع البيان للعلامة الطبرسي، بناءً على روايته القائلة: إنّ رؤساء طائفة هوازن جاءوا إِلى مالك بن عوف واجتمعوا عنده في أُخريات شهر رمضان أو شوال في السنة الثامنة للهجرة، وكانوا قد جاءوا بأموالهم وأبنائهم وأزواجهم لئلا يفكر أحدهم بالفرار حال المعركة، وهكذا فقد وردوا منطقة أوطاس.

فعقد النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لواءَه، وسلمّه عليّاً(عليه السلام) وأمر حَمَلة الرايات الذين ساهموا في فتح مكّة أن يتوجهوا براياتهم ذاتها مع علي بن أبي طالب إِلى حُنين، واطّلع النّبي أن صفوانَ بن أمية لديه دروع كثيرة، فأرسلَ النّبي إليه أن أعرنا مئة درع، فقال

_____________________________

1 ـ راجع الكامل لابن الأثير، ج 2، ص 261، نقلنا القصة بشيء من الإِختصار.

[575]

صفوان: أتريدونها عاريةً أم غصباً؟ فقال النّبي: بل عارية نضمنها ونعيدها سالمه إليك، فأعطى صفوان النّبي مئة درع على أنّها عارية، وتحرك مع النّبي بنفسه إِلى حُنين.

وكان ألفا شخص قد أسلم في فتح مكّة، فأضيف عددهم إِلى العشرة آلاف الذين ساهموا في فتح مكّة، وصاروا حوالي اثني عشر ألفاً، وتحركوا نحو حنين.

فقال مالك بن عوف ـ وكان رجلا جريئاً شهماً ـ لقبيلته: اكسروا أغماد سيوفكم، واختبئوا في كهوف الجبال والوديان وبين الأشجار، واكمنوا لجيش الإِسلام، فإذا جاءوكم الغداة «عتمةً» فاحملوا عليهم وأبيدوهم.

ثمّ أضاف مالك بن عوف قائلا: إن محمّداً لم يواجه حتى الآن رجال حرب شجعانَاً، ليذوق مرارة الهزيمة!!

فلما صلّى النّبي صلاة الغداة «الصبح» بأصحابه أمر أن ينزلوا إِلى حنين، ففوجئوا بهجوم هوازن عليهم من كل جانب وصوب، وأصبح المسلمون مرمى لسهامهم، ففرّت طائفة من المقاتلين جديدي الإِسلام (بمكّة) من مقدمة الجيش، فكان أن ذُهل المسلمون واضطروا وفرّ الكثير منهم.

فخلّى الله بين جيش المسلمين وجيش العدو، وترك الجيشين على حالهما، ولم يحمِ المسلمين لغرورهم ـ مؤقتاً ـ حتى ظهرت آثار الهزيمة فيهم.

إلاّ أنّ عليّاً حامل لواء النّبي بقي يقاتل في عدّة قليلة معه، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في (قلب) الجيش وحوله بنو هاشم، وفيهم عمه العباس، وكانوا لا يتجاوزون تسعة أشخاص عاشرهم أيمن ابن أم أيمن.

فمرّت مقدمة الجيش في فرارها من المعركة على النّبي فأمر النّبي عمّه العباس ـ وكان جهير الصوت ـ أن يصعد على تل قريب وينادي فوراً: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، إِلى أين تفرّون؟ هذا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

[576]

فلّما سمع المسلمون صوت العباس رجعوا وقالوا: لبيّك لبيّك، ولا سيما الأنصار إذ عادوا مسرعين وحملوا على العدوّ من كل جانب حملة شديدة، وتقدّموا بأذن الله ونصره، بحيث تفرقت هوازن شذر مذر مذعورة، والمسلمون ما زالوا يحملون عليها. فقتل حوالي مئة شخص من هوازن، وغنم المسلمون أموالهم كما أسروا عدّة منهم(1).

ونقرأ في نهاية هذه الحادثة التأريخية أن ممثلي هوازن جاءوا النّبي وأعلنوا إسلامهم، وأبدى لهم النّبي صفحه وحُبّه، كما أسلم مالك بن عوف رئيس القبيلة، فردّ النّبي عليه أموال قبيلته وأسراه، وصيره رئيس المسلمين في قبيلته أيضاً.

والحقيقة أنّ السبب المهم في هزيمة المسلمين باديء الأمر ـ بالإِضافة إِلى غرورهم لكثرتهم ـ هو وجود ألفي شخص ممن أسلم حديثاً وكان فيهم جماعة من المنافقين طبعاً، وآخرون كانوا قد جاءوا مع النّبي لأخذ الغنائم، وجماعة منهم كانوا بلا هدف، فأثر فرار هولاء في بقية الجيش.

أمّا السرّ في إنتصارهم النهائي فهو وقوف النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي(عليه السلام) وجماعة قليلة من الأصحاب، وتذكرهم عهودهم السابقة وإيمانهم بالله والركون إِلى لطفه الخاص ونصره.

2 ـ من هم الفارّين

ممّا لا شك فيه أنّ الأكثرية الساحقة فرّت باديء الأمر من ساحة المعركة، وما تبقى منهم كانوا عشرةً فحسب، وقيل أربعة عشر شخصاً، وأقصى ما أوصل عددُهم المؤرخون لم يتجاوزوا مئة شخص.

ولما كانت الرّوايات المشهورة تصّرح بأن من بين الفارين الخلفاء الثلاثة، فإنّ بعض المفسّرين سعى لأن يعدّ هذا الفرار أمراً طبيعياً.

_____________________________

1 ـ مجمع البيان، ج 5، ص 17 ـ 19.

[577]

يقول صاحب تفسير المنار ما ملَخصُه: لما رشق العدوّ المسلمين بسهامه، كان جماعة قد التحقوا بالمسلمين من مكّة، وفيهم المنافقون وضعاف الإِيمان والطامعون «للغنائم» ففرّ هؤلاء جميعاً وتقهقروا إِلى الخلف، فاضطرب باقي الجيش طبعاً، وحسب العادة ـ لا خوفاً ـ فقد فرّوا أيضاً، وهذا أمر طبيعي عند فرار طائفة فإنّه يتزلزل الباقي منهم فيفر أيضاً ـ ففرارهم لا يعني ترك النّبي وعدم نصرته أو تسليمه بيد عدوه، حتى يستحقوا غضب الله!!(1)

ونحن لا نعلّق على هذا الكلام، لكن نتركه للقراء ليحكموا فيه حكمهم.

كما ينبغي أن نذكر هذه المسألة وهي أنّ «صحيح البخاري» حين يتكلم عن الهزيمة وفرار المسلمين ينقل ما يلي:

فإذا عمر بن الخطاب في الناس، وقلت: (الراوي): ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثمّ تراجع الناس إِلى رسول الله(2).

غير أننا تجرّدنا من الأحكام المسبقة، وإلتفتنا إِلى القرآن الكريم، وجدناه لا يذم جماعةً بعينها، بل يذم جميع الفارين.

ولا ندري ما الفرق بين قوله تعالى (ثمّ وليتم مدبرين) حيث قرأنا هذه العبارة في الآيات محل البحث، وبين عبارة أُخرى وردت في الآية (16) من سورة الأنفال إذ تقول (ومن يولهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إِلى فئة فقد باء بغضب من الله)؟!

فبناءً على ذلك لو ضممنا الآيتين بعضهما إِلى بعض لعرفنا أنّ المسلمين إرتكبوا خطأً كبيراً يومئذ إلاّ القليل منهم، غاية ما في الأمر أنّهم تابوا بعدئذ ورجعوا.

3 ـ الإِيمان والسكينة

_____________________________

1 ـ راجع تفسير المنار، وأقرار التفصيل فيه، ج 1، الصفحات 262 و 263 و 265.

2 ـ المصدر السابق.

[578]

السكينة في الأصل مأخوذة من السكون، وتعني نوعاً من الهدوء أو الإِطمئنان الذي يبعد كل نوع من أنواع الشك والخوف والقلق والإِستيحاش عن الإِنسان، ويجعله راسخ القدم بوجه الحوادث الصعبة والملتوية. والسكينة لها علاقة قربى بالإِيمان، أي أنّ السكينة وليدة الإِيمان، فالمؤمنون حين يتذكرون قدرة الله التي لا غاية لها، ويتصورون لطفه ورحمته يملأ قلوبهم موج الأمل ويغمرهم الرجاء.

وما نراه من تفسير السكينة بالإِيمان في بعض الرّوايات(1)، أو بنسيم الجنّة متمثلا في صورة إنسان(2) كل ذلك ناظر إِلى هذا المعنى.

ونقرأ في القرآن في الآية (4) من سورة الفتح قوله تعالى: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم)

وعلى كل حال فهذه الحالة نفسية خارقة للعادة، وموهبة إلهية بحيث يستطيع الإِنسان أن يهضم الحوادث الصعبة، وأن يحس في نفسه عالماً من الدعة والإِطمئنان برغم كلّ ما يراه.

وممّا يسترعي النظر أن القرآن ـ في الآيات محل البحث ـ لا يقول: ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعليكم، مع أنّ جميع الجمل في الآية تحتوي على ضمير الخطاب (كم)، بل تقول الآية (على رسوله وعلى المؤمنين) وهي إشارة إِلى أن المنافقين وأهل الدنيا والذين كانوا مع النّبي في المعركة لم ينالوا سهماً من السكينة والإِطمئنان، بل كانت السكينة من نصيب المؤمنين فحسب.

ونقرأ في بعض الرّوايات أن نسيم الجنّة هذا كان مع أنبياء الله ورسله(3)، فلذلك كانوا ـ في الحوادث الصعبة التي يفقد فيها كل إنسان توازنه

_____________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 2، ص 114.

2 ـ تفسير نور الثقلين، ج 2، ص201.

3 ـ تفسير البرهان، ج 2، ص 112.

[579]

 إزاءها ـ أصحاب عزم راسخ وسكينة وإطمئنان، وإرادة حديدية لا تقبل التزلزل.

وكان نزول السكينة على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في معركة حنين ـ كما ذكرنا آنفاً ـ لرفع الإِضطراب الناشيء من فرار أصحابه من المعركة، وإلاّ فهو كالجبل الشامخ الركين، وكذلك ابن عمّه علي(عليه السلام) وقلة من أصحابه (المسلمين).

4 ـ في الآيات محل البحث إشارة إِلى أنّ الله نصر المسلمين في مواطن كثيرة!

هناك كلام كثير بين المؤرخين حول عدد مغازي النّبي وحروبه، التي أسهم فيها(صلى الله عليه وآله وسلم) شخصيّاً، وقاتل الأعداء، أو حضرها دون أن يقاتل بنفسه، أو الحروب التي وقف فيها المسلمون بوجه أعدائهم ولم يكن الرّسول حاضراً في المعركة.

إلاّ أنّه يستفاد من بعض الرّوايات التي وصلتنا عن طرق أهل البيت(عليهم السلام) أنّها تبلغ الثمانين غزوةً.

وقد ورد في كتاب (الكافي) أن أحد خلفاء بني العباس كان قد نذر مالا كثيراً إن هو عوفي من مرضه «ويقال أنّه قد سُمَّ»، فلما عُوفي جمع الفقهاء الذين كانوا عنده، فسألهم عن المال الذي يجب أداؤه لإِيفاء نذره، فلم يعرفوا للمسألة جواباً. وأخيراً سأل الخليفة العباسي الإِمام التاسع محمّد بن علي الجواد(عليه السلام) فقال: «الكثير ثمانون».

فلمّا سألوه عن دليله في ذلك استشهد الإِمام بالآية (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) ثمّ قال: عددنا حروب النّبي التي إنتصر فيها المسلمون على أعدائهم فكانت ثمانين(1).

5 ـ إن ما ينبغي على المسلمين أن يعتبروا به ويلزمهم أن يأخذوا منه درساً بليغاً، هو أن ينظروا إِلى الحوادث التي هي على شاكلة حادثة حنين، فلا يغتروا

_____________________________

1 ـ تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 197.

[580]

بكثرة العَدَد أو العُدد، فالكثرة وحدها لا تغني شيئاً، بل المهم في الأمر وجود المؤمنين الراسخين في الإيمان، ذوي الإِرادة والتصميم، حتى لو كانوا قلةً.

كما أنّ طائفة قليلة استطاعت أن تغير هزيمة حنين إِلى إنتصار على العدو وكانت الكثيرة باديء الأمر سبب الهزيمة، لأنّها لم تنصهر بالإِيمان تماماً.

فالمهم أن يتوفر في مثل هذه الحوادث أناس مؤمنون ذوو استقامة وتضحية، لتكون قلوبهم مركزاً للسكينة الإِلهية، وليكونوا كالجبال الراسخة بوجه الأعاصير المدمرة.

* * *

[581]

الآية

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَيَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(28)

التّفسير

لايحقُّ للمشركين أنْ يَدخُلُوا المسجد الحَرَام:

قلنا: إن واحداً من الأُمور الأربعة التي بلّغها الإِمام علي(عليه السلام) في موسم الحج في السنة التاسعة للهجرة، هو أنّه لا يحق لأحد من المشركين دخول المسجد الحرام، أو الطواف حول البيت، فالآية محل البحث تشير إِلى هذا الموضوع وحكمته، فتقول أوّلا: (يا أيّها الذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).

وهل الآية هذه دليل على نجاسة المشرك بالمفهوم الفقهي، أو لا؟!

هناك كلام بين الفقهاء والمفسّرين، ومن أجل تحقيق معنى الآية يلزمنا التحقيق في كلمة «نجس» قبل كل شيء...

«النَجَس» على زنة «الهَوس» كلمة ذات معنى مصدري، وتأتي للتأكيد والمبالغة والوصف.

يقول الراغب في مفرداته: إنّ النجاسة والنجس يطلقان على كل قذارة، وهي

[582]

على نوعين: قذارة حسية، وقذارة باطنية.

ويقول الطبرسي في مجمع البيان: كل ما ينفر منه الإِنسان يقال عنه: إنّه نجس.

فلذلك فإنّ كلمة نجس تستعمل في موارد كثيرة ـ حتى في ما لا مفهوم للنجاسة الظاهرية فيه ـ فمثلا يسمّي العرب الأمراض الصعبة المزمنة أو التي لا علاج لها بـ «النجس» كما يطلق على الشخص الشّرير، أو الساقط خُلقياً، أو الشيخ الهرم، أنّه نَجس.

ومن هنا يتّضح أنّه مع ملاحظة ما جاء في الآية ـ محل البحث ـ لا يمكن الحكم بأنّ إطلاق كلمة نجس على المشركين تعني أن أجسامهم قذرة كقذارة البول والدم والخمر وما إِلى ذلك أو لعقيدتهم «الوثنية» فهي قذارة باطنية، ومن هنا لا يمكن الإِستدلال بهذه الآية على نجاسة الكفار، بل ينبغي البحث عن أدلة أُخرى.

ثمّ تعقب الآية على ذوي النظرة السطحية الذين كانوا يزعمون بأن المشركين إذا انقطعوا عن المسجد الحرام ذهبت تجارتهم وغدوا فقراء معوزين فتقول (وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).

كما فعل ذلك سبحانه على خير وجه، فباتساع رقعة الإِسلام في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ سيل الزائرين يتجه نحو بيت الله في مكّة، وما زال هذا الأمر مستمراً حتى عصرنا الحاضر حيث أصبحت مكّة في أحسن الظروف فهي بين سلسلة جبال صخرية لا ماء فيها ولا زرع، لكنّها مدينة عامرة، وقد صارت بإذن الله مركزاً مهماً للبيع والشراء التجارة.

ويضيف القرآن في نهاية الآية قائلا: (إن الله عليم حكيم) فكل ما يأمركم به الله فهو وفق حكمته، وهو عليم بما سيؤول إليه أمره من نتائج مستقبلية، وهو خبير بذلك.

* * *

[583]

الآية

قَـتِلُوا الَّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَد وَهُمْ صَـغِرُونَ(29)

التّفسير

مسؤوليتنا إزاء أهل الكتاب:

كان الكلام في الآيات السابقة عن وظيفة المسلمين إزاء المشركين، أمّا الآية ـ محل البحث (وما يليها من الآي) ـ فتبيّن تكليف المسلمين ووظيفتهم إزاء أهل الكتاب.

وفي هذه الآيات جعل الإِسلام لأهل الكتاب سلسلة من الأحكام تعدّ حدّاً وسطاً بين المسلمين والكفار، لأنّ أهل الكتاب من حيث اتّباعهم لدينهم السماوي لهم شبه بالمسلمين، إلاّ أنّهم من جهة أُخرى لهم شبه بالمشركين أيضاً.

ولهذا فإنّ الإِسلام لا يجيز قتلهم، مع أنّه يجيز قتل المشركين الذين يقفون بوجه المسلمين، لأنّ الخطة تقضي بقلع جذور الشرك والوثنية من لكرة الأرضية، غير أنّ الإِسلام يسمح بالعيش مع أهل الكتاب في صورة ما لو احترم أهل الكتاب

[584]

الإِسلام، ولم يتآمروا ضده، أو يكون لهم إعلام مضاد.

والعلامة الأُخرى لموافقتهم على الحياة المشتركة السلمية مع المسلمين هي أن يوافقوا على دفع الجزية للمسلمين، بأن يعطوا كل عام إِلى الحكومة الاسلامية مبلغاً قليلا من المال بحدود وشروط معينة سنتناولها في البحوث المقبلة إن شاء الله.

وفي غير هذه الحال فإنّ الإِسلام يصدر أمره بمقاتلتهم، ويوضح القرآن دليل شدة هذا الحكم في جمل ثلاث في الآية محل البحث:

إذ تقول الآيه أوّلا: (قاتلو الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر).

لكن كيف لا يؤمن أهل الكتاب ـ كاليهود والنصارى ـ بالله وباليوم الآخر، مع أننا نراهم في الظاهر يؤمنون بالله ويقرون بالمعاد أيضاً؟

والجواب: لأنّ إيمانهم مزيج بالخرافات والأوهام، أمّا في مسألة الإِيمان بالمبدأ وحقيقة التوحيد، فلأنّه:

أوّلا: يعتقد طائفة من اليهود ـ كما سنرى ذلك في الآيات المقبلة ـ أن عزيراً ابن الله، كما يتعقد المسيحيون عامّة بألوهية المسيح والتثليث [الله والابن وروح القدس[.

وثانياً: كما يُشار إليه في الآيات المقبلة، فانّ كلاّ من اليهود والنصارى مشركون في عبادتهم، ويعبدون أحبارهم ـ عمليّاً ـ ويطلبون منهم العفو والصفح عن الذنب، وهذا ممّا يختصّ به الله، مضافاً إِلى تحريف الأحكام الإلهية بصورة رسمية.

وأمّا إيمانهم بالمعاد فإيمان محرّف، لأنّ المعاد كما يستفاد من كلامهم منحصر بالمعاد الروحاني، فبناءً على ذلك فإنّ إيمانهم بالمبدأ مخدوش، وإيمانهم بالمعاد كذلك.

ثمّ تشير الآية إِلى الصفة الثّانية لأهل الكتاب، فتقول: (ولا يحرمّون ما حرم

[585]

الله ورسولُه).

ومن الممكن أن يكون المراد من كلمة «رسوله» نبيّهم موسى أو عيسى(عليهما السلام)، لأنّهم لم يكونوا أوفياء لأحكام دينهم، وكانوا يرتكبون كثيراً من المحرمات الموجودة في دين موسى أو عيسى، ولا يقتصرون على ذلك فحسب، بل كانوا يحكمون بحليتها أحياناً.

ويمكن أن يكون المراد من «رسوله» نبيَّ الإِسلام محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي إنّما أمر المسلمون بمقاتلة اليهود والنصاري وجهادهم إيّاهم، لأنّهم لم يذعنوا لما حرّمه الله على يد نبيّه، وارتكبوا جميع أنواع الذنوب.

وهذا الإِحتمال يبدو أقرب للنظر، والشاهد عليه الآية (33) من هذه السورة ذاتها، وسنقف على تفسيرها قريباً، إذ تقول: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ).

أضف إِلى ذلك حين ترد كلمة (رسوله) في القرآن مطلقةً فالمراد منها النّبي (محمّد)(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولو سلّمنا بأنّ المراد من (رسوله) هنا نبيّهم، فكان ينبغي أن تكون الكلمة (تثية) أو جمعاً، كما جاء في الآية (13) من سورة يونس (وجاءتهم رسلهم بالبيّنات) ونظير هذا التعبير في القرآن ملحوظ

ويمكن أن يقال: إنّ الآية في هذه الصورة ستكون من باب تحصيل الحاصل أو توضيح الواضح، لأن من البديهي أن غير المسلمين لا يحرمون ما حرمه الإِسلام.

لكن ينبغي الإِلتفات إِلى أنّ المراد من هذه الصفات هو بيان علة جواز جهاد المسلمين اليهود ومقاتلتهم إيّاهم. أي يجوز أن تجاهدوا اليهود والنصارى ـ لأنّهم لا يحرمون ما حرم الإِسلام إرتكبوا كثيراً من الآثام ـ إذا واجهوكم وخرجوا عن كونهم أقلية مسالمة.

[586]

وتذكر الآية الصفة الثّالثة التي كانوا يتصفون بها فتقول: (ولا يدينون دين الحق).

ويوجد إحتمالان في هذه الجملة أيضاً، إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد من دين الحق هو دين الإِسلام المشار إليه بعد بضع آيات.

وذكر هذه الجملة بعد عدم اعتقادهم بالمحرمات الإِسلامية، هو من قبيل ذكر العام بعد الخاص، أي أن الآية أشارت أوّلا إِلى إرتكابهم لمحرمات كثيرة، وهي محرّمات تلفت النظر كشرب الخمر والربا وأكل لحم الخنزير، وإرتكاب كثير من الكبائر التي كانت تتسع يوماً بعد يوم.

ثمّ تقول الآية: إن هؤلاء لا يدينون بدين الحق أساساً، أي أن أديانهم منحرفة عن مسيرها الأصيل، فنسوا كثيراً من الحقائق والتزموا بكثير من الخرافات مكانها، فعليهم أن يتقبلوا الإِسلام، وأن يعيدوا بناء أفكارهم من جديد على ضوء الإِسلام وهداه، أو يكونوا مسالمين ـ على الأقل ـ فيعيشوا مع المسلمين، وأن يقبلوا شروط الحياة السلمية مع المسلمين.

وبعد ذكر هذه الأوصاف الثلاثة، التي هي في الحقيقة المسوغ لجهاد المسلمين لأهل الكتاب، تقول الآية (من الذين أوتوا الكتاب).

وكلمة «من» في الآية بيانية لا تبعيضية، وبتعبير آخر: إنّ القرآن يريد أن يقول: إن أهل الكتاب السابقين ـ وللأسف ـ لا يدينون بدين الحق وانحرفوا عن المعتقدات الصحيحة، وهذا الحكم يشملهم جميعاً.

ثمّ تبيّن الآية الفرق بين أهل الكتاب والمشركين في مقاتلتهم، بالجملة التالية (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

«والجزية» مأخوذة من مادة الجزاء، ومعناها المال المأخوذة من غير المسلمين الذين يعيشون في ظلّ الحكومة الإِسلامية، وهذه التسمية لأنّها جزاء حفظ أموالهم وأرواحهم (هذا ما يستفاد من كلام الراغب في مفرداته فلا بأس

[587]

بمراجعتها).

«والصاغر» مأخوذ من «الصِغَر» على زنة «الكِبَر» وخلاف معناه، ومعناه الراضي بالذلة. والمراد من الآية أن الجزية ينبغي أن تُدفع في حال من الخضوع للإِسلام والقرآن.

وبتعبير آخر: هي علامه الحياة السلمية، وقبول كون الدافع للجزية من الأقلية المحفوظة والمحترمة بين الأكثرية الحاكمة.

وما ذهب إليه بعض المفسّرين من أنّ المراد من الجزية في الآية هو تحقير أهل الكتاب وإهانتهم والسُخر منهم، فلا يستفاد ذلك من المفهوم اللغوي لكلمة الآية، ولا ينسجم وروح تعاليم الإِسلام السمحة، ولا ينطبق مع سائر التعاليم أو الدستور الذي وصلنا في شأن معاملة الأقليات.

وما ينبغي التنويه به هنا هو أنّ الآية وإن ذكرت شرط «الجزية» من بين شروط الذمة فحسب، إلاّ أن التعبير بـ(هم صاغرون) إشارة إجمالية إِلى سائر شروط الذمّة، لأنّه يستفاد من هذه الجملة بأنّهم ـ مثلا ـ يعيشون في محيط إسلامي، فليس لهم أن يظاهروا أعداء الإِسلام، ولا يكون لهم إعلام مضاد للإِسلام، ولا يقفوا حجر عثرة في رقيه وتقدمه، وما إِلى ذلك، لأنّ هذه الأُمور تتنافى وروح الخضوع والتسليم للإِسلام والتعاون مع المسلمين.

ما هَي الجزية؟!

تُعدّ الجزية ضريبةً مالية «إسلامية» وهي تتعلق بالأفراد لا بالأموال ولا بالأراضي، أو بتعبير آخر: هي ضريبة مالية سنوية على الرؤوس.

ويعتقد بعضهم أنّها ليست من أصل عربي، بل هي فارسية قديمة وأصلها «كزيت» ومعناها الأموال التي تؤخذ للدعم العسكري، أو ما يصطلح عليه في عصرنا بـ «المجهود الحربي». لكن الكثير يعتقدون أن هذه الكلمة «الجزية» عربية

[588]

خالصة.

وكما ذكرنا آنفاً فهي مأخوذة من الجزاء، لأنّ الضريبة التي تدفع، إنّما هي جزاء الأمن الذي توفره الحكومة الإِسلامية للأقليات المذهبية.

والجزية، كانت قبل الإسلام، ويعتقد بعضهم أن أوّل من أخذ الجزية هو كسرى أنوشروان الملك الساساني، ولو لم نسلّم بأنّه الأوّل فلا أقل من أن أنوشروان كان يأخذ من أبناء وطنه الجزية، وكان يأخذ ممن لم يكن موظفاً في الدولة وعمره أكثر من عشرين عاماً وأقل من خميس عاماً، مبلغاً سنوياً يتراوح بين 12 و8 و6 و4 درهم، على أنّه ضريبة سنوية على كل فرد.

وذكروا أن فلسفة هذه الضرائب أو حكمتها هي الدفاع عن موجودية الوطن واستقلاله وأمنه، وهي وظيفة عامّة على جميع الناس، فبناءً على ذلك متى ما قام جماعة فعلا بالمحافظة على الوطن ولم يستطع الآخرون أن يجندوا أنفسهم للدفاع عن الوطن، لأنّهم يكتسبون ويتّجرون ـ مثلا ـ فإن على الجماعة الثّانية أن تقوم بمصارف المقاتلين فتدفع ضرائب سنوية للدولة.

وما لدينا من القرائن يؤيد فلسفة الجزية ... سواء قبل الإِسلام أو بعده.

فمسألة السنّ في من يعطي الجزية في عصر أنوشروان الذي ذكرناه آنفاً «وهي أنّ الجزية تقع على من عمره عشرون عاماً إِلى خميس عاماً» دليل واضح على هذا المطلب، لأنّ أصحاب هذه المرحلة، من العمر كانوا قادرين على حمل السلاح والمساهمة في الحفاظ على أمن البلاد، إلاّ أنّهم كانوا يدفعون الجزية لأعمالهم وكسبهم.

والشاهد الآخر على ذلك أنّه لا تجب الجزية «في الإِسلام» على المسلمين، لأنّ الجهاد واجب عليهم جميعاً، وعند الضرورة يجب على الجميع أن يتجهوا نحو ساحات القتال ليقفوا بوجه العدوّ، إلاّ أنّه لما كانت الأقليات المذهبية في حلٍّ من أمر الجهاد، فعليها أن تدفع المال مكان الجهاد، ليكون لهم نصيب في الحفاظ على

[589]

أمن الوطن الذي يتمتعون بالحياة فيه.

ثمّ إن سقوط الجزية عن الأطفال والشيوخ والمقعدين والنساء والعُمي، دليل آخر على هذا الموضوع.

ممّا ذكرناه يتّضح أن الجزية إعانة مالية فحسب، يقدمها أهل الكتاب إزاء ما يتحمله المسلمون من مسؤولية في الحفاظ عليهم وعلى أموالهم.

فبناء على ذلك فإنّ من يزعم أنّ الجزية نوع من أنواع حق التسخير، لم يلتفت إِلى روحها وحكمتها وفلسفتها، وهي أن أهل الكتاب متى دخلوا في أهل الذمة فإنّ الحكومة الإِسلامية يجب عليها أن ترعاهم وتحافظ عليهم وتمنعهم من كل أذى أو سوء. وهكذا فإنّ أهل الذمة عند دفعهم الجزية، بالإِضافة إِلى التمتع بالحياة مع المسلمين في راحه وأمان فليس عليهم أي تعهد من المسامهة في القتال مع المسلمين وفي جميع الأُمور الدفاعية ـ ويتّضح أن مسؤوليتهم إزاء الحكومة الإِسلامية أقل من المسلمين بمراتب.

أي أنّهم يتمتعون بجيمع المزايا في الحكومة الإِسلامية بدفعهم مبلغاً ضئيلا، ويكونون سواءً هم والمسلمون. في حين أنّهم لا يواجهون الأخطار ومشاكل الحرب.

ومن الإدلة التي تؤيد فلسفة هذا الموضوع، أنّه في المعاهدات التي كانت ـ في صدر الإِسلام بين المسلمين وأهل الكتاب في شأن الجزية، تصريح بأنّ على أهل الكتاب أن يدفعوا الجزية، وفي قبال ذلك على المسلمين أن يمنعوهم (أي يحفظوهم) وأن يدافعوا عنهم اذا داهمهم العدو الخارجي.

وهذه المعاهدات كثيرة، ونورد مثلا منها، وهي المعاهدة التي تمت بين خالد بن الوليد مع المسيحيين الذين كانوا يقطنون حول «الفرات»:

[590]

نص كتاب المعاهدة:

«هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، إني عاهدتكم على الجزية والمنعة، فلك الذّمة والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية وإلاّ فلا، كتب سنة اثنتى عشرة في صفر »(1).

والذي يسترعي النظر هو أننا نقرأ في هذه المعاهدة وأمثالها أنّه متى ما قصّر المسلمون في الحفاظ على أهل الذمة أو لم يمنعوهم، فالجزية تعاد إليهم أو لا تؤخذ منهم عندئذ أصلا.

وينبغي الإِلتفات إِلى أنّ الجزية ليس لها مقدار معين وميزانها بحسب استطاعة من تجب عليهم، غير أنّ المستفاد من التواريخ أنّها عبارة عن مبلغ ضئل قد لا يتجاوز الدينار(2) في السنة، وربّما قُيد في المعاهدة أن على دافعي الجزية أن يدفعوا بمقدار استطاعتهم جزيةً.

ومن جميع ما تقدم ذكره يتّضح أنّ جميع ما أثير من شبهات أو إشكالات في هذا الصدد، باطل لا إعتبار له، ويثبت أن هذا الحكم الإِسلامي حكم عادل ومنصف.

* * *

_____________________________

1 ـ نقلا عن تفسير المنار، ج 10، ص 294.

2 ـ من المناسب أن أشير إِلى أن المقصود بالدينار ليس هو الدينار المتعارف بينا كالدينار العراقي أو الدنيار الأردني أو الدينار الكويتي وهلّم جراً، بل هو الدينار الذهبي الذي يعادل مثقالا ونصف أو أدنى من ذلك بقليل.

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8895881

  • التاريخ : 5/08/2020 - 04:59

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net