00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة التوبة من آية 1 ـ 18 من ( ص 515 ـ 557 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الخامس)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

[515]

 

سُـورَةُ التّـوبـة

وهي مَدنيّة

وعددُ آياتِهَا مَائة وتسع وعشرون آية فحَسب

 

[517]

 

سورة التّوبة

ينبغي الإِلتفات إِلى الأُمور التالية قبل الشروع في تفسير السورة

1 ـ أسماء هذه السّورة....

ذكر المفسّرون لهذه السّورة أسماءً عديدة تبلغ العشرة، غير أنّ المشهور منها هو ما يلي: سورة البراءة، وسورة التوبة، والسورة الفاضحة. ولكلّ من التسميات سبب جلي.

فالبراءة، لأنّها تُبتدأ بإعلان براءة الله من المشركين، والذين ينقضون عهدهم.

والتوبة، لما ورد من مزيد الكلام عن التوبة في هذه السورة.

والفاضحة، لما فيها من الآيات التي تكشف النقاب عن أعمال المنافقين لتعريتهم وخزيهم وفضيحتهم.

2 ـ متى نزلت هذه السورة

هذه السورة هي آخر سورة نزلت على النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أو من أواخر السور النازلة عليه في المدينة، وهي كما قلنا ذات 129 آية فحسب.

والمعروف أن بداية نزول هذه السورة كانت في السنة التاسعة للهجرة، ويدلّ تتبع آياتها على أنّ قسماً منها نزل قبل معركة تبوك، وقسماً منها نزل عند الإِستعداد للمعركة أو «الغزوة»، وقسماً منها نزل بعد الرجوع من المعركة والفراغ منها.

[518]

ومن بداية السورة حتى الآية (28) نزل قُبيل موسم الحج، كما سنبيّن ذلك بعون الله، والآيات الأُولى ـ هذه ـ والتي تتعلق بمن بقي من المشركين بلّغها أميرالمؤمنين(عليه السلام) في موسم الحج.

3 ـ محتوى السّورة

لمّا كان نزول هذه السورة إبّان انتشار الإِسلام في الجزيزة العربية، وتحطيم آخر مقاومة للمشركين فقد كان لما حوته من مفاهيم أهمية بالغة ومواضيع حساسة. إذ يتعلق قسم منها بالبقية الباقية من عبدة الأوثان والمشركين، وقطع العلاقات معهم، وإلغاء المعاهدات والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين، لنقضهم لها مراراً، ليتم تطهير المحيط الإِسلامي من رجس الوثنية الي الأبد.

وحيث إن بعض الأعداء عند انتشار رقعة الإسلام وتحطيم قوى الشرك غيّر مظهره بغية النفوذ بين المسلمين، ولتوجيه ضربة قاضية للإِسلام من قبل المنافقين فإنّ قسماً مهماً من آيات هذه السورة تتحدّت عن المنافقين وعاقبهم، وتحذر المسلمين منهم.

وبعض آيات هذه السورة تتحّدث عن الجهاد في سبيل الله وأهميته، لأنّ الغفلة عن هذا الأمر الحياتي في ذلك الظرف الحساس تبعث على ضعف المسلمين وتقهقرهم أو انكسارهم.

كما أنّ قسماً منه يكمل البحوث السابقة التي تناولت انحراف أهل الكتاب «اليهود والنصارى» عن حقيقة التوحيد، وتتكلم عن انصراف علمائهم عن واجبهم في التبليغ وقيادة المجتمع.

وفي بعض آيات هذه السورة حثّ للمسلمين على الإِتحاد ورص الصفوف ـ تعقيباً على ما جاء آنفاً في الحث على الجهاد ـ وتوبيخ للمتخاذلين المتحرّفين أو الضعاف الذين يتذرعون بذرائع واهية للتخلص من هذا الواجب، ثمّ إنّ فيها ثناءً

[519]

على المهاجرين السابقين إِلى الهجرة، والصفوة من المؤمنين الصادقين.

وحيث سبّب انتشار الإِسلام واتساع رقعة مجتمعه آنئذ ظهور حاجات مختلفة ينبغي توفيرها، فقد عرضت بقية الآيات من هذه السورة موضوع الزكاة وتحريم تراكم الثروات واكتنازها، ووجوب طلب العلم أو التعلّم وتعليم الجهلة، وتناولت بحوثاً متنوعة أُخرى كقصة هجرة النّبي، والأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال، وأخذ الجزية من الأقليات الدينية غير الإِسلامية كاليهود والنصارى، وما إِلى ذلك.

4 ـ لِمَ لَمْ تبدأ هذه السورة بالبسملة؟

يُجيب استهلال السورة على السؤال آنف الذكر فقد بُدئت بالبراءة ـ من قبل الله ـ من المشركين، وإعلان الحرب عليهم، واتباع أسلوب شديد لمواجهتهم، وبيان غضب الله عليهم، وكل ذلك لا يتناسب والبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)الدالة على الصفاء والصدق والسلام والحب; والكاشفة عن صفة الرحمة واللطف الإِلهي.

وقد ورد هذا التعليل عن علي(عليه السلام)(1).

ويعتقد بعض المفسّرين أن سورة براءة ـ في الحقيقة ـ تتمة لسورة لأنفال، لأنّ الأنفال تتحدث عن العهود، وبراءة تتحدث عن نقض تلك العهود، فلم تذكر البسملة بين هاتين السورتين لإِرتباط بعضهما ببعض. وقد ورد عن الإِمام الصادق هذا المعنى أيضاً(2).

ولا مانع أن يكون السبب في عدم ذكر البسملة مجموع الأمرين آنفي الذكر ـ

_____________________________

1 ـ جاء في مجمع البيان عن الشيخ الطبرسي عن علي(عليه السلام) أنّه قال «لم تنزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة «براءة» لأنّ بسم الله للأمان والرحمة ونزلت براءة لرفع الأمان والسيف فيه!».

2 ـ قال الطبري نقلا عن الإِمام الصادق(عليه السلام) «الأنفال وبراءة واحدة!».

[520]

معاً ـ فالأوّل ناظر إِلى الرواية الأُولى «رواية الإِمام علي» والثّاني يشير إِلى رواية الإِمام الصادق(عليه السلام).

5 ـ فضيلة هذه السورة وآثارها

أولَتْ الرّوايات الإِسلامية أهميّة خاصّة لتلاوة سورتي براءة والأنفال، وممّا جاء في شأنهما عن الإِمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال «من قرأ براءة والأنفال في كل شهر لم يدخله نفاق أبداً، وكان من شيعة أميرالمؤمنين(عليه السلام) حقّاً».

وقد قلنا مراراً: إنّ ما ورد من أهمية قصوى في الرّوايات الإِسلامية في قراءة مختلف السور لا يعني ظهور آثار تلك القراءة من دون تفكّر وتطبيق لمضامينها، فنقول مثلا: من قرأ سورتي براءة والأنفال دون إدراك لمعانيهما فسيُدرَأ عنه النفاق، ويكون من شيعة أميرالمؤمنين(عليه السلام)، بل المراد في الحقيقة أن يكون مضمون السورة مؤثّراً في بناء شخصية الفرد والمجتمع، ولا يتحقق ذلك إلاّ بإدراك مغزى السو رة واستيعاب معناها، والإِستعداد والتهيؤ لتطبيقها.

وحيث أن السورتين قد أوضحتا الخطوط العريضة العامّة في حياة المؤمنين الصادقين ومن في قبالهم من المنافقين، وأنارتا الطريق للعاملين لا للمدّعين فحسب، فستكون ثمرة تلاوتهما والإِعتبار بمضمونيهما هو ما ذكرته الرواية وبهذا تكون التلاوة مؤثرة بنّاءَة.

وأمّا من ينظر إِلى القرآن وآياته الشريفة بشكل آخر، فهو أبعد ما يكون عن روح هذا الكتاب التربوي الذي جاء لبناء الإِنسانية وهدايتها.

وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان الأهمية القصوى لما نوهنا عنه من لطائف، أنّه قال «نزلت عليّ براءة والتوحيد في سبعين ألف صف من صفوف الملائكة، وكان كل صف منهم يوصيني بأهمية هاتين السورتين».

[521]

6 ـ حقيقة تأريخية يسعى بعضهم إِلى طمس معالمها

من المتفق عليه بين جميع المؤرخين والمفسّرين تقريباً أنّه لما نزلت الآيات الأُولى من سورة براءة، وأُلْغَيَت العهود التي كانت بين المشركين والمسلمين، أمر النّبي أبابكر أن يبلغ هذه الآيات في موسم الحج، ثمّ أخذها منه وأعطاها علياً(عليه السلام)ليقوم بتبليغها، فقرأها علي على الناس في موسم الحج. وبالرغم من اختلاف الرّوايات في جزئيات هذه القصة وجوانبها المتفرقة، إلاّ أن ذكر النقاط التالية يمكن أن يجلو لنا حقيقة ناصعة:

1 ـ يروي أحمد بن حنبل ـ إمام أهل السنة المعروف ـ في مسنده عن ابن عباس، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل فلاناً «المقصود بفلان هو أبو بكر كما سيتّضح ذلك بعدئذ» وأعطاه سورة التوبة ليبلغها الناس في موسم الحج، ثمّ أرسل عليّاً خلفه وأخذها منه وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) «لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه»(1).

2 ـ كما جاء في المسند ذاته عن أنس بن مالك، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل سورة براءة مع أبي بكر ليبلغها، فلمّا وصل أبو بكر إلى ذي الحليفة ـ ويدعى بمسجد الشجرة أيضاً ـ وهو وعلى بُعد مسافة فرسخ عن المدينة تقريباً، قال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع علي(عليه السلام)(2).

3 ـ وورد أيضاً في المسند نفسه ـ بإسناد آخر ـ عن أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)أنّه لما بعثه النّبي ومعه براءة قال: يا رسول الله لست خطيباً، فقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): لا محيص عن ذلك، فإمّا أن أذهب بها أو تذهب بها، فقال علي: إذا كان ولابدّ فأنا أذهب بها. فقال له النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنطلق بها فإنّ الله يثبت لسانك ويهدي قلبك»(3).

4 ـ وينقل النسائي ـ أحد كبار علماء السنة ـ في خصائصه، عن زيد بن سبيع،

_____________________________

1 ـ مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 331، ط مصر.!

2 ـ مسند أحمد بن حنبل، ج 3، ص 212.

3 ـ مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 150.

[522]

عن علي(عليه السلام)، أن النّبي أرسل أبا بكر بسورة براءة إِلى أهل مكّة، ثمّ بعث عليّاً خلفه ليأخذ الكتاب منه «يعني السورة» فلحقه في الطريق وأخذ الكتاب منه، فعاد أبو بكر حزيناً أسيفاً، وقال: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، إلاّ أنّي أمرت أن أبلغه أنا أو رجل من أهل بيتي»(1).

5 ـ وفي سند آخر أيضاً، عن عبدالله بن أرقم، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر بسورة براءة، فلمّا سار وبلغ بعض الطريق بعث النّبي علياً فلحقه وأخذ منه السورة، فذهب بها علي إِلى مكّة، فرجع أبو بكر إِلى النّبي متأثراً فقال النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤدي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي»(2).

6 ـ وأورد ابن كثير ـ المفسّر المعروف ـ عن أحمد بن حنبل، عن حَنَش، عن أميرالمؤمنين علي(عليه السلام)، أنّه عندما نزلت عشر آيات من سورة براءة على النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)دعا أبا بكر وأعطاه إيّاها ليبلغها أهل مكّة، ثمّ بعث خلفي وأمرني بالذهاب خلفه وأخذ الكتاب منه، فعاد أبو بكر إِلى النّبي وقال: أنزل فيّ شيء؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا، ولكنّ جبرئيل جاءني وقال: لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك»(3).

7 ـ ونقل ابن كثير هذا المضمون عينه عن زيد بن سبيع(4).

8 ـ كما أنّه روى هذا الحديث عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (محمّد الباقر(عليه السلام)) في تفسيره(5).

9 ـ وروى العلاّمة ابن الأثير وهو ـ الآخر ـ من علماء السُنة الكبار، في «جامع الأُصول» عن الترمذي عن أنس بن مالك، أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل سورة براءة مع أبي بكر ثمّ دعاه، وقال: «لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذه إلاّ رجل من أهلي»

_____________________________

1 ـ الخصائص ... للنسائي، ص 28.

2 ـ المصدر السّابق.

3 ـ تفسير ابن كثير، ج 2، ص 322.

4 ـ المصدر السابق.

5 ـ المصدر السابق.

[523]

فدعا علياً فأعطاه إيّاها(1).

10 ـ وروى محب الدين الطبري، في كتابه ذخائر العقبى، عن أبو سعيد أو أبي هريرة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر أن يتولى أمر الحج، فلمّا مضى وبلغ ضجنان سمع أبو بكر صوت بعير علي فعرفه، فجاء إِلى علي وقال: فيم جئت؟ فقال(عليه السلام): أرسل النّبي معي سورة براءة. فلمّا رجع أبو بكر إِلى النّبي وأظهر تأثره من تغيير «الرسالة» قال له النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يبلغ عنّي غيري أو رجل مني» يعني علياً(2).

وقد صرحت روايات أُخرى أنّ النّبي أعطى ناقته علياً ليركبها ويأتي بها أهل مكّة فيبلغهم، فلمّا وصل منتصف الطريق سمع أبوبكر صوت ناقة رسول الله فعرفها.

وهذا النص ـ مع ما ورد آنفاً ـ يدل على أنّ الناقة كانت ناقة النّبي وقد أعطاها عليّاً، لأهمية ما أُمر به.

وقد روى هذا الحديث كثير من كتب أهل السنة مسنداً تارةً، ومرسلا تارةً أُخرى، وهو من الأحاديث المتفق عليها، ولا يطعن فيه أبداً.

وطبقاً لبعض الرّوايات الواردة عن أهل السنة أنّ أبا بكر لما صُرف عن إبلاغ سورة براءة، جعل أميراً على الحاج بمكّة.

توضيح وتحقيق:

هذا الحديث يثبت ـ بجلاء ـ فضيلة للإِمام علي(عليه السلام)، إلاّ أنّنا ـ ويا للأسف ـ نجد مثل هذه الأحاديث لا ينظر إليها بعين الإِنصاف والحق، إذ يسعى بعضهم إِلى محوها ونسيانها كليّاً، أو إلى التقليل من أهميتها وقيمتها بأساليب شتى ملتوية:

_____________________________

1 ـ جامع الأصول، ج 9، ص 475.

2 ـ ذخائر العقبى، ص 69.

[524]

1 ـ فمثلا يتناول صاحب تفسير المنار تارةً ـ من الحديث آنف الذكر ـ المقطع الذي يتعلق بجعل أبي بكر أميراً على الحاج، ويختار الصمت والسكوت في بقية الحديث الذي يدور حول أخذ سورة من أبي بكر ليبلغها علي عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قال فيه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يبلغها إلاّ أنا أو رجل منّي» يعني عليّاً(عليه السلام).

مع أنّ سكوت قسم من الأحاديث عن هذا الموضوع لا يكون دليلا على أن نهمل جميع تلك الأحاديث الواردة في شأن علي(عليه السلام) ولا نأخذها بنظر الإِعتبار!!

فأُسلوب التحقيق يقتضي تسليط الضوء على الأحاديث الواردة في هذا الشأن كافة، حتى ولو كانت على خلاف ما يجنح إليه الكاتب وتميل نفسه، وأن لا يصدر عليها حكماً مسبقاً.

2 ـ ويقوم بعض المفسّرين تارةً بتضعيف سند الحديث، كما في بعض الأحاديث الواردة عن حنش والسمّاك «كما فعله المفسّر آنف الذكر».

مع أّن هذا الحديث ليس له طريق واحد أو طريقان، بل له طرق شتي في كتبهم المعتبرة.

3 ـ ومن العجيب الغريب أن يوجهوا مثل الحديث آنف الذكر توجيهاً مثيراً، فيقولون: إنّما أعطى النّبي سورة براءة عليّاً، لأنّ العرب اعتادت عند إلغاء المواثيق أو العهود أن يمضي الشخص بنفسه أو يرسل أحداً من أهله.

مع أنّه ورد التصريح عن النّبي:

أوّلا: من طرق متعددة، أنّ جبرئيل أمره بأن يبلغ علي سورة براءة أو هكذا أُمرت!...

ثانياً: إنّنا نقرأ في بعض الأحاديث الواردة عن طرقهم أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي(عليه السلام): ينبغي أن تبلغ سورة براءة، وإن لم تفعل فينبغي أن أبلغها أنا (مؤدي الحديث).

تُرى ألم يكن العباس عمّ النّبي أو أحد من أقارب النّبي موجوداً يومئذ بين

[525]

المسلمين ! حتى يقول النّبي لعلي: إن لم تذهب فينبغي أن أذهب، لأنّه لا يبلغها عني إلاّ أنا أو رجل منّي؟!

ثالثاً: لم يذكروا دليلا لأصل هذا الموضوع، وهو أنّه كان من عادة العرب (كذا وكذا) وأكبر الظن أنّهم وجّهوا الحديث آنف الذكر وفق ميولهم ونزعاتهم!...

رابعاً: جاء في بعض الرّوايات المعتبرة أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يذهب بها إلاّ رجل منّي وأنا منه» أو ما شابه ذلك.

وهذا التعبير يدل على أنّ النّبي كان يعدّ عليّاً كنفسه، ويعد نفسه كعلي أيضاً. وهذا المضمون تناولته آية المباهلة.

ونستنتج ممّا ذكرناه آنفاً أنّنا لو تركنا التعصب الأعمى والأحكام المسبقة جانباً، وَجدنا النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله هذا أبان أفضلية علي(عليه السلام) على جميع الصحابة (إنّه هذا إلاّ بلاغ).

* * *

[526]

الآيتان

بَرَآءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَـهَدتُّهم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ(1) فَسِيحُوا فِى الاَْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَـفِرِينَ(2)

التّفسير

إلغاء عهود المشركين:

كانت في المجتمع الإِسلامي ومحيطه طوائف شتى، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يتخذ منها موقفاً خاصّاً يتناسب وموقفها منه.

فطائفة منها مثلا لم يكن لها أيُّ عهد مع النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، والنّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك لم يكن له أيّ عهد معها.

وطوائف أُخرى عاهدت النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبية ـ وأمثالها ـ على ترك المخاصمة والمنازعة، وكانت عهود بعضهم ذات أجل مسمى، وبعض العهود لم تكن ذات أجل مُسمى.

وقد نقضت بعض تلك الطوائف عهودها من جانب واحد، وبدون أي سبب يجيز النقض وذلك بمظاهرتها أعداء الإِسلام. أو حاولت اغتيال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

[527]

كما هو الحال في يهود بني النضير وبني قريظة، فواجههم النّبي بشدة وطردهم من المدينة، لكن بعض المعاهدات بقيت سارية المفعول، سواء كانت ذات أجل مسمى أو لم تكن.

الآية الأُولى من الآيتين محل البحث تعلن للمشركين كافةً (براءة من الله ورسوله إِلى الذين عاهدتم من المشركين).

ثمّ أمهلتهم مدّة أربعة أشهر ليفكروا فيها ويحدّدوا موقفهم من الإِسلام، فإمّا أن يتركوا عبادتهم للأصنام، أو يتهيأوا للمواجهة والقتال، فقالت: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر(1) واعملوا أنّكم غير معجزي الله وأنّ الله مخزي الكافرين).

* * *

ملاحظتان

1 ـ هل يصحّ إلغاء المعاهدة من جانب واحد؟!

نحن نعرف أنّ الإِسلام أولى أهمية قصوى للوفاء بالعهد والإِلتزام بالمواثيق حتى مع الكفار والمشركين، وهنا ينقدح سؤال وهو: كيف أمر القرآن بإلغاء العهود التي كانت بين المسلمين والمشركين من جانب واحد؟!

ويتّضح الجواب بملاحظة الأُمور التالية:

أوّلا: كما صرّح في الآيتين (7) و(8) من هذه السورة فإنّ إلغاء هذا العهد لم يكن دون أية مقدمة، بل هناك قرائن ودلائل ظهرت من جانب المشركين تدلّ على نقضهم عهدهم، وأنّهم كانوا على استعداد ـ في ما لو استطاعوا ـ أن يوجهوا ضربةً قاضية للمسلمين دون أدنى اعتناء بعهودهم التي عاهدوها، ومن المنطقي أنّه إذا رأى الإِنسان عدوّه يتربص به ويستعد لنقض عهده، ولديه قرائن على ذلك

_____________________________

1 ـ «سيحوا» فعل أمر مشتق من «السياحة» ومعناها الجولة الهادثة.

[528]

وعلائم واضحة أن ينهض لمواجهته قبل أن يستغفله ويعلن إلغاء عهده ويردّ عليه بما يستحق.

ثانياً: ما المانع من إلغاء العهود والمواثيق التي تُفرض في ظروف استثنائية على بعض الأُمم والشعوب ـ فيضطرون مكرهين على قبولهم والرضا بها ـ من جانب واحد إذا حصلوا على القدرة الكافية لإِلغائها.

وعبادة الأصنام ليست عقيدةً ولا فكراً، بل هي خرافة ووهم باطل خطر، فيجب القضاء عليها وإزالتها من المجتمع الإِنساني، فإذا كانت قوة عَبَدة الأصنام وقدرتهم بالغة في الجزيزة العربية، وكان النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مجبوراً على معاهدتهم ومصالحتهم، فإنّ ذلك لا يعني أنّه لا يحق له إلغاء ـ معاهدته إذا ما قويت شوكته ـ وأن يبقى على عهده الذي يخالف العقل والمنطق والدراية.

وهذا يشبه تماماً ظهور مصلح كبير ـ مثلا ـ بين عبدة البقر، فيقوم بعمل إعلامي كبير، وحين يواجه ضغوطاً شديدة يضطر إِلى عقد هدنة بينهم وعندما يجتمع له أتباع بقدر كاف ينتفض لإِزالة هذه الخرافة، والأفكار المنحطة، ويلغي معاهدته.

ولهذا نلحظ أنّ هذا الحكم مختص بالمشركين، أمّا أهل الكتاب وسائر الأقوام الذين كانوا في أطراف الجزيرة العربية من الذين كانَ بينهم وبين النّبي نوع من المواثيق والمعاهدات، فقد بقيت على حالها ولم يلغ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مواثيقهم وعهودهم حتى وفاته.

أضف إِلى ذلك أن إلغاء عهود المشركين لم يكن قد حدث بصورة مفاجئة، بل أمهلوا مدّة أربعة أشهر، وأُعلن هذا القرار في الملأ العام، وفي اجتماع الحاج يوم عيد الأضحى، وفي البيت الحرام، لتكون لهم الفرصة الكافية للتفكير، ولتحديد الموقف، لعلهم يرجعون عن تلك الخرافة التي كانت أساس تفرقتهم وتشتتهم وجهلهم، ويرتدعون عن خيانتهم. والله سبحانه لم يرض لهم أن يكونوا غافلين

[529]

عن هذا القرار، فلم يسلبهم فرصة التفّكر، فإنّ لم يُسلموا فقد كانت لهم الفرصة الكافية للإِستعداد للمواجهة القتالية والحرب، لئلا تكون المواجهة غير متكافئة الطرفين.

فلو لم يكن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليرعى الأُصول الإِنسانية والأخلاقية لما كان أمهلهم مدّة أربعة أشهر، والفرصة الكافية لأن توقظهم من نومتهم; أو يستعدوا لتهيئة القوّة القتالية المناسبة لمواجهة المسلمين ومحاربتهم إيّاهم بها.

أجل، لو لم يكن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك لما أمهلهم ولحاربهم من يوم إلغاء المعاهدة!

ومن هنا فإنّنا نجد الكثير من أُولئك المشركين ـ عبدة الأصنام ـ راجعوا أنفسهم وفكروا مليّاً في التعاليم الإِسلامية حتى ثابوا إِلى رشدهم واعتنقوا الإِسلام.

2 ـ متى بدأت الأشهر الأربعة؟

هناك بين المفسّرين كلام كثير في الجواب على هذا السؤال، إلاّ أنّ ظاهر الآي يدل على أن المدّة بدأت منذ إعلان البلاغ المهم على المشركين، أي من يوم عيد الأضحى، وهو العاشر من شهر ذي الحجة، وانتهت في العاشر من شهر ربيع الثاني من السنة التالية.

ويؤيد ذلك ما ورد من حديث مروي عن الإِمام الصّادق(عليه السلام) في هذا الشأن «راجع تفسير البرهان، ج 2، ص 103».

* * *

[530]

الآيتان

وَأَذنٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاْسِ يَوْمَ الْحَجِّ الاَْكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِىءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم(3) إِلاَّ الَّذِينَ عَـهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثمّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَـهرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(4)

التّفسير

العهود المحترمة:

نلحظ في هاتين الآيتين البيّنتين مزيد تأكيد على موضوع إلغاء المعاهدات التي كانت بين النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، حتى أنّ تاريخ الإِلغاء قد أُعلن في هذه الآية إذ نقول: (وأذان من الله ورسوله إِلى الناس يوم الحج الأكبر أنّ الله بريء من المشركين ورسولُه)(1).

_____________________________

1 ـ جملة وأذان إلخ. معطوفة على جملة: براءة من الله. وهناك إحتمالات أُخرى في تركيب الجملة «ونظمها»، غير أن ما ذكرناه أكثر ظهوراً كما يبدوا.

[531]

وفي الحقيقة، أنّ الله سبحانه يريد في هذا الإِعلان العام في مكّة المكرمة، وفي ذلك اليوم العظيم، أن يوصد كل ذريعة يتذرع بها المشركون والأعداء، ويقطع ألسنة المفسدين، لئلا يقولوا: إنّهم أستغفلوا في الحملة أو الهجوم عليهم، وإن ذلك ليس من الشّهامة والرجولة.

كما أنّ التّعبير بـ «إلى الناس» مكان أن يقال «إِلى المشركين» يَدل على وجوب إبلاغ هذا «الأذان» والإِعلام لجميع الناس الحاضرين في مكّة ذلك اليوم، ليكون غير المشركين شاهداً على هذا الأمر أيضاً.

ثمّ يتوجه الخطاب في الآية إِلى المشركين أنفسهم ترغيباً وترهيباً، لعلهم يهتدون، إذ تقول الآية: (فإن تبتم فهو خير لكم).

أي أنّ الإِستجابة لرسالة التوحيد فيها صلاحكم وفيها خير لكم ولمجتمعكم ودنياكم وآخرتكم، فلو تدبّرتم بجد وصدق لرأيتم أن قبول الدعوة هو البلسم الشافي لكلّ جراحاتكم وليس في الأمر منفعة لله أو لرسوله.

ثمّ إنّ الآية تُحذر المخالفين المعاندين المتعصبين فتقول: (وإن توليتم فاعلموا أنّكم غير معجزي الله). فلا يمكنكم الخروج من دائرة قدرته المطلقة بحال.

وأخيراً فإنّ الآية أنذرت المعاندين المتعصبين قائلة: (وبشّرِ الذين كفروا بعذاب أليم).

وكما أشرنا من قبل فإنّ إلغاء هذه العهود من جانب واحد ـ ورفض عهد المشركين ـ يختص بأُولئك الذين دلّت القرائن على استعدادهم لنقض عهدهم وبدت بوادره، لذلك فإنّ الآية استثنت قسماً منهم لوفائهم بالعهد، فقالت (إلاّ الذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئاً ولم يُظاهروا عليكم أحَداً فأتموا إليهم عهدهم إِلى مدتهم إنّ الله يحبّ المتقين).

* * *

[532]

ملاحظات

1 ـ الحجُّ الأكبرُ!

اختلف المفسّرون في المراد من قوله تعالى: (يوم الحج الأكبر) والذي نستفيده من كثير من الرّوايات الواردة عن الفريقين، روايات أهل البيت(عليهم السلام)وأهل السنة، أنّه يوم العاشر من ذي الحجة «عيد الأضحى» وبتعبير آخر «يوم النحر».

وإنتهاء المدة باليوم العاشر من شهر ربيع الثّاني «للسنة العاشرة»، وفقاً لما جاء في المصادر الإِسلامية، دليل آخر على هذا الموضوع: أضف إِلى ذلك كله فإنّ يوم النحر في الواقع ينتهي فيه القسم الأساس من أعمال الحج، ومن هنا فيمكن أن يدعى ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر(1).

وأمّا سبب تسميته بالحج الأكبر، فلأنّه اجتمع في ذلك العام جميع الطوائف من المسلمين وعبدة الأوثان والمشركين، [كما اعتادوا عليه في موسم الحج[ إلاّ أنّ هذا الأمر لم يتحقق في السنين التالية «لمنع غير المسلمين من الحج».

وهناك تفسير آخر مضافاً إِلى التّفسير المذكور آنفاً وهو أن المراد منه مراسم الحج في قبال مراسم العمرة التي يعبر عنها بالحج الأصغر.

وهذا التّفسير جاء في بعض الرّوايات الإِسلامية، ولا يمنع أن تكون كلتا العلّتين مدعاةً لهذه التسمية(2).

2 ـ المواد الأربع التي أُعلنت ذلك اليوم

وإن كان القرآن الكريم أعلن براءة الله من المشركين بشكل مطلق، إلاّ أنّ

_____________________________

1 ـ جاء في تفسير نور الثقلين، عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «إنّما سمّي الأكبر لأنّها كانت سنة حج المسلمون والمشركون ولم يحج المشركون بعد تلك السنة. (ج2، ص184)

2 ـ وجاء في التّفسير المذكور آنفاً عن الإِمام الصّادق(عليه السلام) في جوابه لبعض أصحابه: الأكبر هويوم النحر والأصغر العمرة (ج 2، ص 186)

[533]

الذي يستفاد من الرّوايات أنّ عليّاً(عليه السلام) قد أُمر بإبلاغ أربع مواد إِلى الناس، وهي:

1 ـ إلغاء عهد المشركين.

2 ـ لا يحق للمشركين أن يحجّوا في المواسم المقبلة.

3 ـ منع العراة والحفاة من الطواف الذي كان شائعاً ومألوفاً حتى ذلك الوقت.

4 ـ منع المشركين من دخول البيت الحرام.

وقد جاء في تفسير مجمع البيان عن الإِمام الباقر(عليه السلام) أنّ الإِمام علياً خطب في موسم الحج ذلك العام فقال: «لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كان له مدة فهو إلى مدته، ومن لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر».

وفي بعض الرويات إشارة إِلى المادة الرّابعة، وهي عدم دخول المشركين وعبدة الأصنام البيت الحرام(1).

3 ـ من هم الذين كانت لهم عهود «إلى مدّة»

يظهر من أقوال المؤرخين وبعض المفسّرين أنّ الذين كانت لعهدهم مدة، هم جماعة من بني كنانه وبني ضمرة، فقد بقي من عهدهم في ترك المنازعة تسعة أشهر، وقد بقي النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على عهده وفيّاً، لأنّهم بقوا أوفياء لعهدهم ولم يظاهروا المشركين في مواجهة الإِسلام حيت إنتهت مدّتهم(2).

وقد عدّ بعضهم طائفة بني خزاعة من هؤلاء الذين كان لعهدهم مدّة.(3)

* * *

_____________________________

1 ـ جاء في بعض الرّوايات منع المشركين من دخول المسجد.

2 ـ تفسير مجمع البيان، ج 5، ذيل الآية محل البحث.

3 ـ تفسير المنار، ج 10، ذيل الآية محل البحث.

[534]

الآيتان

فَإِذَا انسَلَخَ الاَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(5) وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَـمَ اللهِ ثمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ(6)

التّفسير

الشدّة المقرونة بالرّفق:

نقرأ في الآيتين أعلاه بيان وظيفة المسلمين بعد إنتهاء مدّة إمهال المشركين «الأشهر الأربعة» وقد أصدر القرآن أوامره الصارمة في هذا الصدد فقال: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)(1).

ثمّ يقول: (وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد)(2).

_____________________________

1 ـ الفعل «انسلخ» مأخوذ من الإِنسلاخ ومعناه الخروج، وأصله من «سلخ الشاة» أي إخراج الشاة من جلدها عند الذبح.

2 ـ المرصد مأخوذ من الرّصد ويعني الطريق أو الكمين.

[535]

ويلاحظ في هذه الآية أربعة أوامر صارمة صادرة في شأن المشركين «إيصاد الطرق بوجههم، محاصرتهم، أسرهم، ثمّ قتلهم». وظاهر النص أنّ الأُمور الأربعة ليست على نحو التخيير، بل ينبغي ملاحظة الظروف والمحيط والزمان والمكان والأشخاص، والعمل بما يناسب هذه الأمور، فلو كان في الأسر والمحاصرة وإيصاد السبيل بوجه المشركين الكفاية فيها، وإلاّ فلا محيص عن قتالهم.

وهذه الشدّة متناغمة ومتوأئمّة مع منهج الإِسلام وخطته في إزالة الوثنية وقلعها من جذورها، وكما أشرنا إِلى ذلك سلفاً، فإنّ حرية الإِعتقاد «أي عدم إكراه أهل الأديان الأُخرى على قبول الإِسلام» تنحصر في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا تشمل عبدة الأوثان، لأنّ الوثنية ليست عقيدة صحيحة، ولا ديناً كي تُلحظ بعين الإِحترام، بل هي تخلّف وخرافة وإنحراف وجهل، ولابدّ من استئصال جذورها بأي ثمن كان وكيف ما كان.

وهذه الشدّة والقوّة والصرامة لا تعني سدّ الطريق، ـ طريق الرجوع نحو  التوبة ـ بوجههم، بل لهم أن يثوبوا إِلى رشدهم ويعودوا إِلى سبيل الحق، ولذلك فإنّ الآية عقبت بالقول: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلّوا سَبيلَهُم).

وفي هذه الحال، أي عند رجوعهم نحو الإِسلام، لن يكون هناك فرق بينهم وبين سائر المسلمين، وسيكونون سواءً وإياهم في الحقوق والأحكام.

(فإنّ الله غفور رحيم). يتوب على عباده المنيبين إليه.

وتستكمل الآية التالية هذا الموضوع بأمر آخر، كما يتّضح بجلاء أن هدف الإِسلام من هذا الأمر إنّما هو نشر التوحيد والحق والعدالة، وليس هو الإِستثمار أو الإِستعمار وإمتصاص المال، أو الإِستيلاء على أراضي الآخرين، إذ تقول الآية: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله).

أي عليك أن تعامل من يلجأ اليك من المشركين برفق ولطف، وامنحه المجال

[536]

للتفكير حتى يبيّن له محتوى دعوتك في كمال الإِرادة والحرية، فإذا أشرقت أنوار الهداية في قلوبهم فسيؤمنون بدعوتك.

ثمّ تضيف الآية قائلة: (ثمّ أبلغه مأمنه) وأوصله إِلى مكان آمن حتى لا يعترضه أحد في طريقه.

وأخيراً فإنّ الآية تبين علة هذا الحكم، فتقول: (ذلك بأنّهم قوم لا يعلمون).

فبناءً على ذلك لو فُتحت أبواب إكتساب المعرفة بوجوهم، فإنّه يؤمّل فيهم خروجهم من الوثنية التي هي وليدة الجهل ـ وإلتحاقهم بركب التوحيد الذي هو وليد العلم والمعرفة.

وقد ورد في كتب السنة والشيعة أنّ أحد المشركين (عبدة الأصنام) سأل عليّاً(عليه السلام) بعد إلغاء المعاهدة فقال: يابن أبي طالب، لو أراد أحد أن يواجه النّبي بعد هذه المدّة «الأشهر الأربعة» ويسأله أو يسمع كلام الله منه، أهو آمن؟!

فقال علي(عليه السلام): أجل، إنّ الله يقول: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجرهُ)(1).

وهكذا تتوازن وتتساوى كفتا الشدّة المستفادة من الآية الأُولى ـ محل البحث ـ واللين المستفاد من الآية التي تليها، فإنّ سبيل التربية قائم على الشدة المشفوعة باللين، ليكون منهما الدواء الناجع.

* * *

ملاحظات

1 ـ ما المراد من الأشهر الحرم؟

بالرّغم من أنّ المفسّرين قد بحثوا كثيراً في هذا الشأن، إلاّ أنّه ـ مع ملاحظة ما جاء في الآيات المتقدمة ـ يظهر أنّ المراد منها هي أربعة الأشهر التي كانت مدّة الإِمهال للمشركين، والتي بدأت من عاشر ذي الحجة للسنة التاسعة وإنتهت

_____________________________

1 ـ تفسير البرهان، ج 2، ص 106 وتفسير الفخر الرازي، ص 226.

[537]

بالعاشر من شهر ربيع الثّاني من السنة العاشرة الهجرية.

وهذا التّفسير يعتقد به أغلب المحققين، والأهم من ذلك أنّ كثيراً من الرّوايات صرّحت بهذا المضمون أيضاً(1).

2 ـ هل الصّلاة والزّكاة شرطُ في قبول الإِسلام؟

يستفاد من الآيتين محل البحث أنّه لابدّ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لقبول توبة المشركين، ولهذا فقد استدل بعض فقهاء أهل السنة على أن ترك الصلاة والزكاة دليل على الكفر.

إلاّ أنّ الحق هو أنّ المراد من هذين الحكمين الإِسلاميين هو متى ما شك في إسلام شخص ما، كما هي الحال في المشركين يومئذ، فعلامة إسلامه أن يؤدي هاتين الوظيفتين «الصلاة، والزكاة».

أو أنّ المراد هو أن يُقرّوا بالصلاة والزكاة على أنّهما أمران إلهيان ويلتزموا بهما، ويعترفوا بهما على أنّهما فرضان واجبان وإن قصّروا في أدائمها، لأن هناك أدلة وافرة تقضي بأنّ تارك الصلاة أو الزكاة ليس كافراً، بل يعدّ إسلامه ناقصاً.

وبالطبع إن كان ترك الزكاة له دلالة على تحدّي الحكومة الاسلامية والثورة عليها فهو سبب للكفر، إلاّ أن هذا بحث آخر لا علاقة له بموضوعنا هذا.

3 ـ الإِيمان وليد العلم

يستفاد من الآيات محل البحث أنّ الباعث على عدم الإِيمان هو الجهل، وأساس الإِيمان الأصيل هو العلم، لهذا فينبغي توفير الإِمكانات اللازمة لإِرشاد الناس وهدايتهم ليعرفوا طريق الحقّ، ولا يقبلوا الإِسلام بواسطة التقليد الاعميق.

* * *

_____________________________

1 ـ ورد في تفسير نور الثقلين، الجزء الثّاني منه ذيل الآية محل البحث حديث بهذا الشأن (فراجع إن شئت).

[538]

الآيات

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَـهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَـمُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ  لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًَّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفَوهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـسِقُونَ(8) اشْتَرَوْا بِأَيَـتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون(9) لاَيَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِن إِلاًَّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ(10)

التّفسير

المعتدون النّاقضون العَهدَ:

كما لاحظنا في الآيات السابقة الإِسلام ألغى جميع العهود التي كانت بينه وبين المشركين وعبدة الأوثان ـ إلاّ جماعة خاصّة ـ وأمهلهم مدّة أربعة أشهر ليقرروا موقفهم منه.

وفالآيات ـ محل البحث ـ بيان لعلة إلغاء العهود من قِبل الإِسلام، فتقول الآية الأُولى من هذه الآيات مستفهمة استفهاماً إنكارياً: (كيف يكون للمشركين عهد

[539]

عند الله وعند رسوله)؟!

أي أنّهم لا ينبغي لهم أن يتوقعوا أو ينتظروا الوفاء بالعهد من قِبَلِ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن جانب واحد، في وقت تصدر منهم المخالفات وعدم الوفاء بالعهد.

ثمّ استثنت الآية مباشرةً أُولئك الذين لم ينقضوا عهدهم، بل بقوا أوفياء له، فقالت: (إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إنّ الله يحبّ المتقين).

وفي الآية التالية يُثار هذا الموضوع بمزيد الصراحة والتأكيد، ويُستفهم عنه استفهاماً إنكارياً أيضاً، إذ تقول الآية: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًَّ ولا ذمّة).

وكلمة «الإلُّ» معناها القرابة، وقال بعضهم: إنّها تعني هنا العهد والميثاق.

فعلى المعنى الأوّل أي «القرابة» يكون المراد من ظاهر الآية أنّه بالرغم من أنّ قريشاً تربطها برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعض المسلمين علاقة قربى، إلاّ أنّها لا ترقب هذه القرابة أو الرحم ولا ترعى حُرمتها، فكيف إذن تتوقع من النّبي والمسلمين احترامَ علاقتهم بها.

وعلى المعنى الثّاني تكون كلمة «إلّ» مؤكَّدةً بكلمة (ذمّة) وتعني العهد والميثاق أيضاً، قال الراغب في المفردات: إن «الإل» كل حالة ظاهرة من عهد حلف وقرابة تئل (أي تلمع) فلا يمكن إنكاره(1).

وتضيف الآيه معقبة بأن هؤلاء يريدون أن يخدعوكم بألفاظهم المزوّقة فقالت: (يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم).

لأن قلوبهم مليئة بالحقد والقسوة وطلب الإِنتقام وعدم الإِعتناء بالعهد وعلاقة القربى، وإن أظهروا المحبّة بألسنتهم.

_____________________________

1 ـ المفردات، ص 20.

[540]

وفي نهاية الآية إشارة إِلى جذر هذا الموضوع وأساسه وهو فسقهم، فتقول: (وأكثرهم فاسقون).

وفي الآية التالية بيان لبعض علائم فسقهم وعصيانهم، إذ أعربت الآية عن ذلك على النحو التالي (اشتروا بآيات الله ثمناً قليلا فصدوا عن سبيله).

وقد جاء في بعض الرّوايات أن أبا سفيان أقام مأدبة ودعا إليها جماعةً من الناس، ليثير حفيظتهم وعداوتهم بوجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الطريق.

ويعتقد بعض المفسّرين أنّ الآية محل البحث تشير إِلى هذه القصة، إلاّ أن الظاهر أن الآية ذات مفهوم واسع يشمل هذه القصّة وما شاكلها حيث أغمضوا أعينهم وصدوا عن سبيل الله وآياته من أجل منافعهم المادية التي لا تدوم طويلا.

ثمّ تعقب الآية بالقول: (إنّهم ساء ما كانوا يعملون) فقد خسروا طريق السعادة وضيعوها، وحّرموا الهداية، وهُم في الوقت ذاته أوصدوا الطريق بوجه الآخرين، وأي عمل أسوأ من أن يحمل الإنسان وزره ووزر سواه!

أمّا في آخر آية من الآيات ـ محل البحث ـ فهي تأكيد آخر على ما ورد في الآيات المتقدمة، إذ تقول الآية: (لا يرقبون في مؤمن إلاًَّ ولا ذمة).

وهذه الخصلة فيهم لم يُبتل بها المؤمنون فحسب بل يعتدون على كل من تناله أيديهم (وأُولئك هم المعتدون).

وبالرغم من أنّ مضمون هذه الآية تأكيد لما سبق من الآيات المتقدمة، إلاّ أنّ هناك فرقاً بينهما، حيث كان الكلام في ما سبق على عدم رعاية المشركين حرمةً لخصوص النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه المتقّين حوله (كيف وان يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاًَّ ولا ذمّة) أمّا الآية محل البحث فالكلام فيها عن عدم رعايتهم حرمة لكل مؤمن (لا يرقبون في مؤمن إلاًَّ ولا ذمّة).

أي إن المشركين لا ينظرون اليكم (النّبي والخواص من الصحابة) نظرة تمتاز عن سواكم بل هذه النظرة ـ نظرة العداء والبغضاء ـ يَنظر بها المشركون إِلى كلّ

[541]

مؤمن، ولا يكترثون بكل شيء ولا يرعون حرمة ولا عهداً، فهم في الحقيقة أعداء الإِيمان والحقّ، وهم مصداق ما ذكره القرآن في شأن أقوام سابقين أيضاً حيث يقول: (وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد)(1).

* * *

ملاحظتان

1 ـ من هم المستثنون في هذه الآية؟

جرى الكلام بين المفسّرين في الطائفة المستثناة من الحكم: (إلاّ الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) فمن هؤلاء المستثنون في هذه الآية؟!

إلاّ أنّه بملاحظة الآيات السابقة، يظهر أن المراد من هذه الجملة هم أُولئك الذين بقوا على عهدهم ووفائهم، أي القبائل التي هي من بني ضمرة وبني كنَانة وبني خزيمة وأضرابهم.

وفي الحقيقة فإنّ هذه الجملة بمنزلة التأكيد للآيات السابقة، فإنّ على المسلمين أن يكونوا حذرين واعين، وأن يعرفوا هؤلاء الأوفياء بالعهد ويميزوهم عن سواهم الناكثين للعهد.

وما قوله تعالى: (عاهدتم عند المسجد الحرام) فلعل هذا التعبير يشير إِلى ما كان من معاهدة بين المسلمين والمشركين في السنة السادسة للهجرة، عند صلح الحديبية على بعد خمسة عشر ميلا عن مكّة، فقد التحق جماعة آخرون من مشركي العرب كالقبائل المشار إليها آنفاً بهذه المعاهدة حيث عاهدوا المسلمين عن ترك الخصام، إلاّ أن مشركي قريش نقضوا عهدهم، ثمّ أسلموا في السنة الثامنة عند فتح مكّة. أمّا الجماعة التي التحقت حينئذ من المشركين بمن عاهد المسلمين، فلم يسلموا ولم ينقضوا عهدهم.

_____________________________

1 ـ سورة البروج، الآية 8.

[542]

ولمّا كانت أرض مكّة تستوعب منطقة واسعة «حولي 48 ميلا» فقد عُدّت المنطقة كلها جزءاً من المسجد الحرام، كما نقرأ عن ذلك في الآية (196) من سورة البقرة، إذ تذكر موضوع حج التمتع وأحكامه فتقول: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).

والمعروف عند الفقهاء وفتاواهم أن أحكام حج التمتع إنما تجب على من تبعد داره «أو دار أهله» أكثر من 48 ميلا عن مكّة.

فبناءً على ذلك لا مانع أبداً من أن يطلق على الحديبية، التي تبعد 15 ميلا عن مكّة، تعبير: عند المسجد الحرام.

وأمّا قول بعضهم: إن الإِستثناء الوارد في الآية إنما هو في شأن مشركي قريش، الذين عدّ القرآن الكريم عهدهم الذي عقدوه في صلح الحديبية محترماً، فهذا القول يبدو بعيداً، بل هو غير صحيحى، لأنّه.

أوّلا: من المعلوم أنّ مشركي قريش نقضوا العهد، فنقضهم مقطوع به، ولا مراء فيه، فإن لم يكونوا قد نقضوا العهد، فمن الذين لم ينقضوا عهدهم إذاً؟!

ثانياً: إن صلح الحديبية إنّما كان في السنة السادسة للهجرة، بينما أسلم مشركو قريش في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكّة، فبناءً على ذلك فالآيات هذه النازلة في السنة التاسعة للهجرة، لا يمكن أن تكون ناظرةً إليهم.

2 ـ متى يجور الغاء المعاهدة؟

كما قلنا ذيل الآيات المتقدمة، فإنّ المراد من الآيات محل البحث لا يعني جواز الغاء العهد بمجرّد تصميم المشركين وعزمهم على نقض العهد عند بلوغهم القدرة، بل إنّهم أبدوا هذا الأسلوب وطريقة تفكيرهم عمليّاً مراراً، فمتى استطاعوا أن يوجهوا ضربتهم إِلى الإسلام دون الإِلتفات إِلى المعاهدة وجهوها. وهذا المقدار من عملهم كاف لإِلغاء عهدهم.

* * *

[543]

الآيات

فَإِنْ تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِى الدِّيِنِ وَنُفَصِّلُ الاَْيَـتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ(11) وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَـنَهُمْ مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَـتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَـنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ(12) أَلاَ تُقَـتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوا أَيْمَـنَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(13)قَـتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُّؤْمِنينَ(14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(15)

التّفسير

لِمَ تخشونَ مقاتلةَ العدوِّ؟!

إنّ أحدَ أساليب الفصَاحة والبلاغة أن يكرر المتحدّث المطلب المهم بتعابير مختلفة للتأكيد على أهمية، وليكون له أثر في النفوس. ولما كانت مسألة تطهير

[544]

المحيط الإِسلامي من الوثنية وعبادة الأصنام وإزالة آثارها، من المسائل ذات الأهميّة القصوى، فإنّ القرآن يكرر هذه المطالب بعبارات جديدة ـ في الآيات محل البحث ـ ويورد القرآن كذلك لطائف تخرج المطلب ـ عن صورة التكرار، ولو التكرار المجازي.

فتقول الآية الأُولى من هذا الآيات محل البحث: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين).

وتضيف معقبةً (ونفصّل الآيات لقوم يعلمون).

وكان التعبير في الآيات المتقدمة أنّهم إذا أدّوا وظيفتهم الإِسلامية، أي تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة (فخلوا سبيلهم) أمّا التعبير في هذه الآية (فإخوانكم في الدين) أي لا فارق بينهم وبين أحد من المسلمين من حيث الإِحترام والمحبّة، كما لا فارق بين الإِخوان.

وهذه التعابير تؤثر من الناحية النفسية في أفكار المشركين وعواطفهم لتقبل الإِسلام، إذ تقول في حقّهم تارةً (فخلوا سبيلهم) وتارة (فإخوانكم في الدين)الخ...

ولكن لو استمر المشركون في نقض العهود، فتقول الآية التالية: (وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم).

صحيح أنّهم عاهدوكم على عدم المخاصمة والمقاتلة، إلاّ أن هذه المعاهدة ـ بنقضها مراراً، وكونها قابلةً للنقض في المستقبل ـ لا إعتبار لها أصلا ولا قيمة لها.

وتعقّب الآية مضيفةً (لعلهم ينتهون).

وفي الآية الأُخرى خطاب للمسلمين لإِثارة هممهم، وإبعاد روح الضعف والخوف والترددَ عنهم في هذا الأمر الخطير، إذ تقول الآية: (ألا تقاتلون قوماً نكثوا إيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول).

فعلام تقلقون وأنتم لم تبدأوهم بالقتال وإلغاء العهد من قبلكم (وهم بدأوكم

[545]

أوّل مرّة)؟

وإذا كان بعضكم يتردد في مقاتلتهم خشية، منهم، فإنّ هذه الخشية لا محل لها (أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين).

وفي الآية التالية وعد بالنصر الحاسم للمسلمين، إذ تقول (قاتلوهم يعذبّهم الله بأيديكم).

وليس ذلك فحسب، بل، (ويخزِهم) (وينصركم عليهم).

وبهذا يشعر المؤمنون بالراحة والطمأنينة بعد أن كانوا يقاسون الألم والعذاب تحت وطأة هؤلاء المجرمين، ويزيل الله تعالى عن قلوبهم آلام المحنة بهذا النصر (ويُشفِ صدور قوم مؤمنين).

قال بعض المفسّرين: إنّ المراد من (قوم مؤمنين) هم جماعة المؤمنين من بني خزاعة، وقد استغفلهم عبدة الأوثان من بني بكر فهجموا عليهم غدراً.

وقال بعض المفسّرين: إنّ المراد من هذا التعبير هم جماعة من أهل اليمن استجابوا لدعوة الإِسلام، ولما وصلوا مكّة عُذّبوا وأوذوا من قبل عبدة الأصنام.

إلاّ أنّه لا يبعد أن تشمل هذه العبارة جميع أُولئك الذين تعرّضوا لأذى المشركين وعبدة الأصنام وتعذيبهم فكانت قلوبهم تغلي دماً منهم.

أمّا الآية التالية فتضيف: إنّ في إنتصار المؤمنين وهزيمة الكافرين سروراً للمؤمنين، وإنَّ الله يسدّدهم (ويذهب غيظ قلوبهم).

ويحتمل أن تكون هذه الجملة تأكيداً للجملة السابقة (ويشفِ صدور قوم مؤمنين) كما يحتمل أن تكون مستقلةً عنها. وأن تكون الجملة السابقة إشارة إِلى أنّ القلوب التي مرضت وتألمت سنين طوالا من أجل الإِسلام والنّبي الكريم، شُفيت بإنتصار الإِسلام.

وأمّا الجملة الثّانية (ويذهب غيظ قلوبهم) فهي إشارة أن أُولئك الذين فقدوا أعزّتهم وأحبّتهم بما لاقوه من تعذيب وحشي من قبل المشركين فأغاظوهم، سُيقّر

[546]

الله عيونهم بهلاك المشركين (ويذهب غيظ قلوبهم).

وتُختتم الآية بالقول: (ويتوب الله على من يشاءُ والله عليم حكيم).

كما تشير العبارة الأخيرة ضمناً إِلى امكانية أن يلج بعضهم باب التوبة، فينبغي على المسلمين أن يعرفوا أن الله يقبل توبتهم، فلا يعاملوهم بشدة وقسوة فلا يجوز ذلك. كما أن الجمل بنفسها تحمل البشرى بأنّ مثل هؤلاء سيميلون نحو الإِسلام ويشملهم توفيق الله، لما لديهم من التهيؤ الروحي والقابليّة.

وقد ذهب بعض المفسّرين أنّ الآيات الأخيرة ـ بصورة عامّة من قبيل الإخبار القراني بالمغيبات، وهي من دلائل صدق دعوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ ما أخبر عنه القرآن قد تحقق فعلا.

* * *

ملاحظات

1 ـ هناك كلام بين المفسّرين في الجماعة الذين عنتهم الآية (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) من هم؟!

قال بعضهم: إنّ الآية تشير إلى اليهود، وإلى بعض الأقوام الذين نازلوا المسلمين وقاتلوهم بعد حين كالفُرس والرُّوم.

وقال بعضهم: هي إشارة إلى كفّار قريش.

وقال بعضهم: بل هي إشارة إلى المرتدين بعد إسلامهم.

إلاّ أنّ ظاهر الآيات يدلّ ـ بوضوح ـ على أن موضوعها هو جماعة المشركين وعبدة الأصنام الذين عاهدوا المسلمين على عدم القتال والمخاصّة، إلاّ أنّهم نقضوا عهدهم.

وكان هؤلاء المشركون في أطراف مكّة أو سائر نقاط الحجاز.

كما أنّه لا يمكن القبول بأنّ الآية ناظرة إِلى قريش، لأنّ قريشاً

[547]

 ورئيسها ـ أباسفيان ـ أعلنوا إسلامهم ـ ظاهراً ـ في السنة الثامنة بعد فتح مكّة، والسورة محل البحث نزلت في السنة التاسعة للهجرة.

كما أنّ الإِحتمال بأنّ المراد من الآية هو الفرس أو الروم بعيد جدّاً عن مفهوم الآية، لأنّ الآية ـ أو الآيات محل البحث ـ تتكلم عن مواجهة فعلية، لا على مواجهات مستقبلية أضف إلى ذلك فإنّ الفرس أو الروم لم يهمّوا بإخراج الرّسول من وطنه.

كما أنّ الإِحتمال بأنّ المراد هم المرتدون بعد الإِسلام، بعيد غاية البعد، لإن التأريخ لم يتحدث عن مرتدين أقوياء واجهوا الرّسول ذلك الحين ليقاتلهم بمن معه من المسلمين.

ثمّ إنّ كلمة «أيمان» جمع «يمين» وكلمة «عهد» يشيران إِلى المعاهدة بين المشركين والرّسول على عدم المخاصمة، لا إلى قبول الإِسلام. فلاحظوا بدقة.

وإذا وجدنا في بعض الرّوايات الإِسلامية أنّ هذه الآية طُبّقَتْ على «النّاكثين» في «معركة الجمل» وأمثالها، فلا يعني ذلك أن الآيات نزلت في شأنهم فحسب، بل الهدف من ذلك أنّ روح الآية وحكمها يصدقان في شأن الناكثين ومن هم على شاكلتهم ممن سيأتون في المستقبل.

والسؤال الوحيد الذي يفرض نفسه ويطلب الإِجابة، هو: إذا كان المراد جماعة المشركين الذين نقضوا عهودهم، وقد جرى الكلام عليهم في الآيات المتقدمة، فعلام تعبّر الآية هنا عنهم بالقول: (وإن نكثوا أيمانهم) مع أنّهم قد نكثوها فعلا.

والجواب: إنّ المراد من هذه الجملة ـ المذكورة آنفاً ـ أنّهم لو واصلوا نقضهم أو نكثهم للأيمان، ولم يثوبوا إِلى رشدهم، فينبغي مقاتلتهم. ونظير ذلك ما جاء في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) ومفهومها أنّنا نطلب من الله أن يوفقنا لأنّ نسير على الصراط المستقيم وأن تستمّر هدايته إيانا.

[548]

والشاهد على هذا الكلام أنّ جملة (وإن نكثوا أيمانهم) جاءت في مقابل (فإن تابوا وأقاموا الصلاة) أي لا يخلو الأمر من أحد وجهين، فإمّا أن يتوبوا ويعرضوا عن الشرك ويتجهوا نحو الله، وإمّا أن يستمرا على طريقهم ونكث أيمانهم. ففي الصورة الأُولى هم إخوانكم في الدين، وفي الصورة الثّانية ينبغي مقاتلتهم.

2 ـ ممّا يسترعي الإِنتباه أنّ الآيات محل البحث لا تقول: قاتلوا الكفار، بل تقول: (فقاتلوا أئمّة الكفر) وهي إشارة إِلى أن (القاعدة الجماهيرية) وعامّة الناس تبع لزعمائهم ورؤسائهم، فينبغي أن يكون الهدف القضاء على رؤسائهم وأئمتهم، لأنّهم أساس الضلال والتضليل والظلم والفساد، فاستأصلوا شجرة الكفر من جذورها وأحرقوها. فمواجهة الكفار لا تجدي نفعاً مادام أئمتهم في الوجود، أضف إِلى ذلك فإنّ هذا التعبير يُعدّ ضرباً من ضروب النظرة البعيدة المدى وعلو الهمة وتشجيع المسلمين، إذ عدّ أئمّة الكفر في مقابل المسلمين، فليواجهوهم فذلك أجدر من مواجهة من دونهم من الكفّار.

والعجيب أنّ بعض المفسّرين يرى أنّ هذا التعبير يعني أبا سفيان وأمثاله من زعماء قريش، مع أنّ جماعة منهم قتلوا في معركة بدر، وأسلم الباقي منهم كأبي سفيان بعد فتح مكّة ـ بحسب الظاهر ـ وكانوا عند نزول الآية في صفوف المسلمين، فمقاتلتهم لا مفهوم لها.

واليوم ما يزال هذا الدستور القرآني المهم باقياً على قوته «ساري المفعول» فالكي نزيل الإِستعمار والفساد والظلم، لابدّ من مواجهة رؤوساء والأكابر وأئمّة المنحرفين، وإلاّ فلا جدوى من مواجهة من دونهم من الأفراد، فلا حظوا بدقة.

3 ـ إنّ التّعبير بـ (إخوانكم في الدين) الوارد في الآيات المتقدمة، من ألطف التعابير التي يمكن أن يُعبَّر بها في شأن المساواة بين أفراد المجتمع، وبيان أوثق العلائق العاطفية، لأنّ أجلى العلائق العاطفية وأقربها في الناس التي تمثل

[549]

المساواة الكاملة هي العلاقة ما بين الأخوين.

إلاّ أنّ من المؤسف أن الإِنقسامات الطبقية والنداءات القومية سحقت هذه الأخوة الإِسلامية التي كان الأعداء يغبطوننا عليها، ووقف الإِخوان في مواجهة إخوانهم متراصين بشكل لا يُصدق، وقد يقاتل كلُّ منهما الآخر قتالا لا يقاتل العدوّ عدوه بمثل هذا القتال، وهذا واحد من أسرار تأخرنا في عصرنا هذا.

4 ـ يستفاد ـ إجمالا ـ من جملة «أتخشونهم» أنّه كان بين المسلمين جماعة يخافون من الإِستجابة للأمر بالجهاد، إمّا لقوّة العدوّ وقدرته، أو لأنّهم كانوا يعدو نقض العهد ذنباً.

فالقرآن يخاطبهم بصراحة أن لا تخافوا من هؤلاء الضعاف، بل ينبغي أن تخافوا من عصيان أمر الله. ثمّ إن خشيتكم من نكث الإِيمان ونقض العهد ليست في محلها، فهم الذين نكثوا أيمانهم وهم بدأوكم أوّل مرّة!

5 ـ يبدو أنّ جملة (همّوا بإخراج الرسول) إشارة إِلى مسألة عزمهم على إخراج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة (عند هجرته إِلى المدينة) باديء الأمر، إلاّ أن نياتهم تغيرت وتبدلت إِلى الإقدام على قتله، إلاّ أنّ النّبي غادر مكّة في تلك الليلة بأمر الله.

وعلى كل حال، فإنّ ذكر هذا الموضوع ليس على سبيل أنّهم نقضوا عهدهم، بل هو بيان ذكرى مؤلمة من جنايات عبدة الأصنام، حيث اشتركت قريش والبقائل الأُخرى في هذا الأمر. أمّا نقض العهد من قبل عبدة الأصنام المشركين فكان واضحاً من طرق أُخرى.

6 ـ ممّا يثير الدهشة والتعجب أنّ بعض أتباع مذهب الجبر يستدل على مذهبه بالآية (فاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) مع أنّنا لو تجردنا عن التعصب لما وجدنا في الآية أدنى دليل على مرادهم، وهذا يشبه تماماً لو أردنا أن ننجز

[550]

 عملا ـ مثلا ـ فنمضي إِلى بعض أصدقائنا ونقول له: نأمل أن يصلح الله هذا الأمر على يدك، فإنّ مفهوم كلامنا هذا لا يعني بأنّك مجبور على أداء هذا الأمر، بل المراد أنّ الله منحك قدرةً ونية طاهرة، وبالإِفادة منهما استطعت أن تؤدي عملك باختيارك وبحرية تامّة.

* * *

[551]

الآية

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَـهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنيِنَ وَلِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(16)

التّفسير

في هذه الآية ترغيب للمسلمين في الجهاد عن طريق آخر، حيث تُحمِّلُ الآية المسلمين مسؤولية ذات عبء كبير، وهي أنّه لا ينبغي أن تتصوروا أن كلّ شيء سيكون تامّاً بادعائكم الإِيمان فحسب، بل يتجلى صدق النيّة وصدق القول والإِيمان الواقعي في قتالكم الأعداء قتالا خالصاً من أي نوع من أنواع النفاق.

فتقول الآية أوّلا: (أم حسبتم أن تُتركوا ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله المؤمنين وليجة)(1).

و«الوليجة» مشتقة من «الولوج» ومعناه الدخول، وتطلق الوليجة على من يُعتمد عليه في الأسرار ومعناها يُشبه معنى البطانة تقريباً.

_____________________________

1 ـ «أم» حرف عطف ويُعطف بها جملة إستفامية على جملة إستفهامية أُخرى، ولهذا فهي تعطي معنى الإِستفهام، غاية ما في الأمر أنّها تأتي بعد جملة إستفهامية دائماً، وفي الآية محل البحث عطفت على الجملة «ألا تقاتلون» التي بُدئت بها الآية (13).

[552]

وفي الحقيقة فإنّ الجملة المتقدمة تُنّبه المسلمين إِلى أنّ الأعمال لا تكمل بإظهار الإِيمان فحسب، ولا تتجلى شخصية الأشخاص بذلك، بل يعرف الناس باختبارهم عن طريقين:

الأوّل: الجهاد في سبيل الله لغرض محو آثار الشرك والوثنية.

الثاني: ترك أية علاقة أو أي تعاون مع المنافقين والأعداء.

فالأوّل لدفع العدو الخارجي، والثّاني يحصّن المجتمع من خطر العدو الداخلي.

وجملة (لمّا يعلم الله) التي قد يلاحظ نظيرها في بعض آيات القرآن الأُخر، تعني أن أمركم لم يتحقق بعدُ، وبتعبير آخر: إنّ نفي العلم هنا معناه نفي المعلوم، ويستعمل مثل هذا التعبير في مواطن التأكيد. وإلاّ فإنّ الله ـ طبقاً للأدلة العقلية وصحيح آيات القرآن الكثيرة ـ كان عالماً بكل شيء، وسيبقى عالماً بكل شيء.

وهذه الآية تشبه الآية الأُولى من سورة العنكبوت، إذ تقول: (ألم* أحسب النّاس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتتنون).

وكما ذكرنا آنفاً في تفسيرنا لسورة آل عمران أنّ إختبار الله لعباده ليس لكشف أمر مجهول عنده، بل هو لتربيتهم ولأجل إنّما الإِستعدادات وتجلّي الأسرار الداخلية في الناس.

وتُختتم الآية بما يدلّ على الإِخطار والتأكيد (والله خبير بما تعملون).

فلا ينبغي أن يتصور أحدّ أنّ الله لا يعرف العلائق السرّية بين بعض الافراد وبين المنافقين، بل يعرف كل شيء جيداً وهو خبير بالأعمال كلها.

ويستفاد من سياق الآية أن بين المسلمين يومئذ من كان حديث العهد بالإِسلام ولم يكن على استعداد للجهاد، فيشمله هذا الكلام أمّا المجاهدون الصادقون فقد بيّنوا مواقفهم في سوح الجهاد مراراً.

* * *

[553]

الآيتان

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَـجِدَ اللهِ شَـهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أَوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـلَهُمْ وَفِى النَّارِهُمْ خَـلِدُونَ(17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـجِدَ اللهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَالْيُومِ الاَْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أَوْلَـئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ(18)

التّفسير

مَن يعمر مساجد الله؟

من جُملة المسائل التي يمكن أن تخالط اذهان البعض بعد إلغاء عهد المشركين وحكم الجهاد، هو: لِمَ نُبْعِد هذه الجماعة العظيمة من المشركين عن المسجد الحرام لأداء مناسك الحج، مع أنّ مساهمتهم في هذه المراسم عمارة للمسجد من جميع الوجوه «المادية والمعنوية» إذ يستفاد من إعاناتهم المهمّة لبناء المسجد الحرام، كما يكون لوجودهم أثر معنوي في زيادة الحاجّ والطائفين حول الكعبة المشرفة وبيت الله

فالآيتان ـ محل البحث ـ تردّان على مثل هذه الأفكار الواهية التي لا أساس

[554]

لها، وتصّرح الآية الأُولى منهما بالقول: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر).

وشهادتهم على كفرهم جلية من خلال أحاديثهم وأعمالهم، بل هي واضحة في طريقة عبادتهم ومراسم حجّهم.

ثمّ تشير الآية إِلى فلسفة هذا الحكم فتقول: (أُولئك حبطت أعمالهم).

ولذلك فهي لا تجديهم نفعاً: (وفي النّار هم خالدون).

فمع هذه الحال لا خير في مساعيهم لعمارة المسجد الحرام وبنائه وما إِلى ذلك، كما لا فائدة من كثرتهم واحتشادهم حول الكعبة.

فالله طاهر منزّه، وينبغي أن يكون بيته طاهراً منزّهاً كذلك، فلا يصح أن تمسه الأيدي الملوثة بالشرك.

أمّا الآية التّالية فتذكر شروط عمارة المسجد الحرام ـ إكمالا للحديث آنف الذكر ـ فتبيّن خمسة شروط مهمّة في هذا الصدد، فتقول; (إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر).

وهذا النص إشارة إِلى الشرطين الأوّل والثّاني، اللذين يمثلان الأساس العقائدي، فما لم يتوفر هذان الشرطان لا يصدر من الإِنسان أي عمل خالص نزيه، بل لو كان عمله في الظاهر سليماً فهو في الباطن ملّوث بأنواع الأغراض غير المشروعة.

ثمّ تشير الآية إِلى الشرطين الثّالث والرّابع فتقول: (وأقام الصلاة وآتى الزكاة).

أي أن الإِيمان بالله واليوم الآخر لا يكفي أن يكون مجرّد ادعاء فحسب، بل تؤيده الأعمال الكريمة، فعلاقة الإِنسان بالله ينبغي أن تكون قوية محكمة، وأن يؤدي صلاته باخلاص، كما ينبغي أن تكون علاقته بعباد الله وخلقه قوية، فيؤدي الزكاة إليهم.

[555]

وتشير الآية إِلى الشرط الخامس والأخير فتقول: (ولم يخشَ إلاّ الله).

فقلبه مليءٌ بعشق الله، ولا يحسُّ إلاّ بالمسؤولية في امتثال أمره ولايرى لأحد من عبيده أثراً في مصيره ومصير مجتمعه وتقدمه، هم أقل من أن يكون لهم أثر في عمارة محل للعبادة.

ثمّ تضيف الآية معقبة بالقول: (فعسى أُولئك أو يكونوا من المهتدين)فيبلغون أهدافهم ويسعون لعمارة المسجد.

* * *

ملاحظات

1 ـ ما المراد من العمارة

هل تعني عمارة المسجد بناءه وتأسيسه وترميمه، أو تعني الإِجتماع فيه والمساهمة في الحضور عنده؟!

إختار بعض المفسّرين أحد هذين المعنيين في تفسير «عمارة المسجد» في الآية ـ محل البحث ـ غير أنّ الآية ذات مفهوم واسع يشمل هذه الأُمور وما شاكلّها جميعاً. فليس للمشركين أن يحضروا في المساجد، وليس لهم أن يبنوا مسجداً ـ وما إِلى ذلك ـ بل على المسلمين أن يقوموا بكل ذلك.

ويستفاد من الآية ـ ضمناً ـ أنّه لا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا من  المشركين ـ بل جميع الفرق غير الإِسلامية ـ هدايا أو إعانات للمساجد وبنائها، لأنّ الآية الأُولى وإن كانت تتكلم على المشركين، لكنّ الآية الثّانية بدأت بكلمة «إنما» لتدل على أن عمارة مساجد الله خاصّة بالمسلمين.

ومن هنا يتّضح أيضاً أنّ متولي المساجد ومسؤوليها ينبغي أن يكونوا من أنزه الناس، ولا يُنتخب لهذه المهمّة من لا حريجة له في الدين طمعاً في ماله وثروته، أو مقامه الإِجتماعي كما هو الحال في كثير من البلاد، إذ تولّى مساجدها من ليس

[556]

لها أهلا.

بل يجب ابعاد جميع الأيدي الملوثة عن هذه الأماكن المقدسة.

ومنذ أن تدخل في اُمور المساجد والمراكز الإِسلامية أو أشرف عليها حكام الجور، أو الأثرياء المذنبون، فقدت تلك المساجد والمراكز الإِسلامية «حيثيتها» ومكانتها ومُسخت مناهجها البنّاءة، ولذا فنحن نرى كثيراً من هذه المساجد على شاكلة مسجد ضرار.

2 ـ العمل الخالص ينبع من الإِيمان فحسب

قد يتساءل بعضنا قائلا: ما يمنع أن نستعين بأموال غير المسلمين لبناء المساجد وعمارتها؟!

لكن من يسأل مثل هذا السؤال لم يلتفت إِلى أنّ الإِسلام يعد العمل الصالح ثمرة شجرة الإِيمان في كل مكان، فالعمل ثمرة نيّة الإِنسان وعقيدته دائماً وهو انعكاس لها ويتخذ شكلهما ولونهما دائماً، فالنيات غير الخالصة لا تنتج عملا خالصاً.

3 ـ الحماة الشجعان

تدل عبارة (ولم يخشَ إلاّ الله) على أنّ عمارة المسجد المحافظة عليها  لا تكون إلاّ في ظل الشهامة والشجاعة، فلا تكون هذه المراكز المقدسة مراكز لبناء شخصية الإِنسان وذات منهج تربوي عال إلاّ اذا كان بانوها وحماتها رجالا شجعاناً لا يخشون أحداً سوى الله، ولا يتأثرون بأي مقام، ولا يطبقون منهجاً غير المنهج الإِلهي.

4 ـ هل المراد من الآية هو المسجد الحرام فحسب؟!

يعتقد بعض المفسّرين أنّ الآية محل البحث تختص بالمسجد الحرام، مع أنّ

[557]

ألفاظ الآية عامّة، ولا دليل على هذا التخصيص، وإن كان المسجد الحرام الذي هو أعظم المساجد الإِسلامية في مقدمتها، ويوم نزول الآية كان المسجد الحرام هو محل إشارة الآية، إلاّ أنّ ذلك لايدلّ على تخصيص مفهوم الآية.

5 ـ أهمية بناء المساجد

وردت أحاديث كثيرة في أهمية بناء المساجد عن طرق أهل البيت وأهل السنة، تدّلُ على ما لهذا العمل من الشأن الكبير.

فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من بنى مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنّة»(1).

كما ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له مادام في ذلك المسجد ضوؤه»(2).

إلاّ أنّ ما هو أكثر أهميةً هذا اليوم هو عمارة المسجد المعنوية، وبتعبير آخر ينبغي أن نهتم بعمارة شخصية الذين يرتادون المسجد وأهله وحفظته اهتمامنا بعمارة المسجد ذاته.

فالمسجد ينبغي أن يكون مركزاً لكل تحرك إسلامي فاعل يؤدي إِلى إيقاظ الناس، وتطهير البيئة والمحيط، وحثّ المسلمين للدفاع عن ميراث الإِسلام.

وينبغي الإِلتفاوت إِلى أن المسجد جدير بأن يكون مركزاً للشباب المؤمن، لا محلا للعجزة والكسالى والمقعدين، فالمسجد مجال للنشاط الإِجتماعي الفعال، لا مجال العاطلين والبطّالين والمرضى.

* * *

_____________________________

1 ـ ورد هذا الحديث في كتاب وسائل الشيعة، الباب 8 من أبواب أحكام المساجد كما ورد عن ابن عباس في تفسير المنار، ج 1، ص 213.

2 ـ كتاب المحاسن، ص 57 حسب نقل كنزالعرفان، ج 1، ص 108.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8169202

  • التاريخ : 23/11/2019 - 04:44

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net