00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من المقدمة الى نهاية تفسير سورة الحمد ( ص 1 ـ 63 ) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل (الجزء الأول)   ||   تأليف : سماحة آية الله العظمى الشيخ مكارم الشيرازي

الأَمْثَلُ في تفسير كتابِ اللهِ المُنزَل

طبعة جديدة منقّحة مع إضافات

تَأليف

العلاّمة الفقيه المفسّر آية الله العظمى

الشَيخ نَاصِر مَكارم الشِيرازي

المجَلّد الأوّل

 

 

(3) 

الأمثل من جديد

لكلّ عصر خصائصه و ضروراته و متطلباته، و هى تنطلق من الأوضاع الإجتماعيّه والفكريّة السائدة في ذلك العصر، ولكلّ عصر مشاكله و ملابساته النّاتجة من تغيير المجتمعات والثّقافات، و هو تغيير لا ينفك عن مسيرة المجتمع التّاريخيّة الفكرية الفاعلة، هو ذلك الّذي فهم الضّرورات والمتطلبات، وادرك المشاكل والملابسات.

هذا ما قاله البحاثة الفريد الفقيه والمفسر المعاصر الأمثل، العلاّمة آية الله العظمى مكارم الشّيرازي في دوافع تأليف تفسيره الأمثل.

ويقول: واجهنا دوماً أسئلة وردت الينا من مختلف الفئات ـ وخاصة الشباب المتعطّش الى نبع القرآن ـ عن التّفسير الأفضل.

هذه الأسئلة تنطوي ضمنياً على بحث عن تفسير يبيّن عظمة القرآن عن تحقيق و لا عن تقليد و يُجيب على ما في الساحة من احتياجات و تطلّعات و آلام وآمال ... تفسير يجدي كل الفئات، و يخلو من المصطلحات العلميّة المعقّدة. و هذا التّفسير دوّن على أساس هذين الهدفين.

ولتنفيذ هذا الهدف العظيم، صمّم قسم التّرجمة والنّشر لمدرسة الامام أميرالمؤمنين(عليه السلام)بعرض جديد لكامل التّفسير الأمثل، فأعاد النظر وإمعان فيه بدقّة، مع تصحيح الأخطاء المطبعيّة والإنشائيّه و الإملائيّة، و اضافة كثير من الاحاديث الّتي كانت محذوفة في الطبعة الاُولى.

ونثمّن جهود وإشراف سماحة حجة الإسلام والمسلمين المحقّق الشّيخ مهدي الأنصاري، وكذلك نشكر الإخوة حجة الإسلام السيّد أحمد القبانچي والأخ الفاضل الشّيخ هاشم الصّالحي بمساهمتهما في هذا المهم وداما مشكورين.

نأمل أن يكون مقبولاً لدى الباري عزّ إسمه وجميع الباحثين في حقائق القرآن الكريم.

قسم التّرجمة والنّشر لمدرسة الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)

(5)

بِسْمِ الله الرّحْمنِ الرَحيمِ

المقدّمة

ما هو التّفسير؟

التّفسير في اللغة الإِبانة وإماطة اللّثام.

ولكن هل يحتاج القرآن إلى إبانة وإماطة لثام ... وهو «النّور» و «الكلام المبين»؟!

كلاّ، ليس على وجه القرآن لثام أو نقاب ... بل إنّنا بالتّفسير ينبغي أن نكشف اللثام عن روحنا، ونزيح الستار المسدول على بصيرتنا، فنستجلي بذلك مفاهيم القرآن ونعيش أجواءه.

من جهة اُخرى، ليس للقرآن بُعدٌ واحدٌ ... نعم، له بُعدٌ عام ميسّر للجميع، ينير الطريق، ويهدي البشريّة إلى سواء السبيل.

وله أيضاً أبعادٌ اُخرى للعلماء والمتفكّرين، لأُولئك الطامحين إلى مزيد من الإِرتواء ... وهؤلاء يجدون في القرآن ما يروي ظمأهم إلى الحقيقة، ويغرفون من بحره قدر آنيتهم ... وتتسع الآنية باتّساع دائرة السعي والجهد والإِخلاص.

هذه الأبعاد أطلقت عليها الأحاديث اسم «البطون» ... بطون القرآن ... وهي لا تتجلّى للجميع، أو بعبارة أدقّ لا تقوى كلُّ العيون على رؤيتها.

والتّفسير يمنح العيون قوة، ويقشع عن البصائر الحجب والأستار، ويمنحنا اللياقة لرؤية تلك الأبعاد بدرجة واُخرى.

(6)

وللقرآن أبعاد اُخرى تنجلي بمرور الزمان وتعاقب التجارب البشرية ونموّ الكفاءات الفكريّة، وهذا ما أشار إليه ابن عباس إذ قال: «القرآن يفسّره الزمان».

أضف إلى ذلك أنّ «القرآن يفسّر بعضه بعضاً»، وهذا لا يتنافى مع كونه نوراً وكلاماً مبيناً، لأنّه كلٌّ لا يتجزأ، وجميع لا تفرّد، يشكّل بمجموعه النور والكلام المبين.

متى بدأ تفسير القرآن؟

تفسير القرآن بالمعنى الحقيقي بدأ منذ عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل من بدء نزول الوحي إلاّ أنّه كـ «علم مدوّن» بدأ من زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)كما تجمع على ذلك أقوال المورّخين والمفسّرين، ورجال هذا العلم يصلون بسلسلة أسانيدهم إليه، ولا عجب في ذلك، فهو باب مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

إنّ مئات التفاسير كتبت لحدّ الآن، وبلغات مختلفة، وبأساليب ومناهج متنوعة، منها الأدبي، والفلسفي، والأخلاقي، والروائي، والتأريخي، والعلمي، وكلّ واحد من المفسّرين تناول القرآن من زواية تخصّصه.

وفي هذا «بستان» مثمر ومزدهر ...، شُغف أحدهم بمناظره الشاعريّة الخلاّبة.

وآخر عكف على ما فيه من أشكاليات طبيعيّة ترتبط بتكوين النبات وهندسة الأزهار وعمل الجذور.

وثالث ألفت نظره الى المواد الغذائية المستفادة منه.

ورابع اتّجه إلى دارسة الخواصّ العلاجيّة في نباتاته.

وخامس اهتمّ بكشف أسرار الخلقة في عجائب ثماره اليانعة وأوراده الملوّنة.

وسادس راح يفكّر من أيّ أزهاره يستطيع استخراج أفضل العطور.

(7)

وسابع كالنحلة لا تفكّر إلاّ بامتصاص رحيق الورد لتهيئة العسل.

وهكذا روّاد طريق التّفسير القرآني، عكس كلٌّ منهم بما يملكه من مرآة خاصّة، مظهراً من مظاهر جمال القرآن وأسراره.

واضح أنّ كلّ هذه التفاسير في الوقت الذي تعتبر فيه تفسيراً للقرآن، إلاّ أنها ليست تفسيراً للقرآن، لأنّ كلّ واحد منها يميط اللثام عن بُعد من أبعاد القرآن لا عن كلّ الأبعاد، وحتى لوجمعناها لتجلّى من خلالها بعض أبعاد القرآن لا جميع أبعاده.

ذلك لأنّ القرآن كلامُ الله وفيض من علمه اللامتناهي، وكلامه مظهرٌ لعلمه، وعلمه مظهرٌ لذاته، وكلّها لا متناهية.

من هنا، لا ينبغي أن نتوقع استطاعة البشر إدراك جميع أبعاد القرآن، فالكوز لا يسع البحر.

طبعاً، ممّا لا شكّ فيه أنّنا نستطيع أن نغرف من هذا البحر الكبير ... الكبير جداً ... بقدر سعة آنية فكرنا، ومن هنا كان على العلماء فرض أن لا يتوانوا في كلّ عصر وزمان عن كشف مزيد من حقائق القرآن الكريم، وأن يبذلوا جهودهم المخلصة في هذا المجال ما استطاعوا، عليهم أن يستفيدوا ممّا خلّفه الأسلاف رضوان الله عليهم في هذا المجال، ولكن لا يجوز لهم أن يكتفوا به، فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال عن كتاب الله العزيز: «لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه».

خطر التّفسير بالرأي:

أخطر طريقة في تفسير القرآن هي أن يأتي المفسّر إلى كتاب الله العزيز معلّماً لا تلميذاً.

أي يأتي إليه ليفرض أفكاره على القرآن، وليعرض رؤاه وتصوراته المتولّدة من إفرازات البيئة والتخصّص العلمي، والاتّجاه المذهبيّ الخاص،

(8)

 

والذّوق الشّخصي، باسم القرآن، وبشكل تفسير للقرآن، مثل هذا الشخص لا يتّخذ القرآن هادياً وإماماً، بل يتّخذه وسيلة لإثبات نظرياته وتبرير ذوقه وأفكاره.

هذا اللون من تفسير القرآن ـ أو قُل تفسير الأفكار الشخصية بالقرآن ـ راج بين جماعة، وليس وراءه إلاّ الإِنحراف ... الإنحراف عن طريق الله ... والإِنزلاق في متاهات الضّلال.

إنّه ليس بتفسير، وإنّما هو قسر وفرض وتحميل ... ليس باستفتاء، وإنّما إفتاء ... ليس بهداية، وإنّما هو الضلال ... إنّه مسخ وتفسير بالرأي، ونحن في منهجنا التّفسيري سوف لا ننحو ـ بإذن الله ـ هذا النحو، بل نتّجه بكلّ قلوبنا وأفكارنا نحو القرآن لنتتلمذ عليه، لا غير.

* * *

متطلّبات العصر:

لكلّ عصر خصائصه وضروراته ومتطلّباته، وهي تنطلق من الأوضاع الإِجتماعية والمتغيّرات الفكرية والمستجدّات الثقافية الطارئة على مفاصل الحياة في ذلك العصر.

ولكلّ عصر مشاكله وملابساته الناتجة عن تغيير المجتمعات والثقافات، وهو تغيير لا ينفك عن مسيرة المجتمع التأريخية.

المفكّر الفاعل في الحياة الإِجتماعية هو ذلك الذي فهم الضرورات والمتطلّبات، وأدرك المشاكل والملابسات ... وبعبارة اُخرى هو الذي استوعب مسائل عصره.

أمّا أُولئك الّذين لا يدركون هذه المسائل إطلاقاً، أو لا يتفاعلون معها بسبب عدم انتمائهم إلى عصرهم، أي بسبب فقدانهم عنصر «المعاصرة»، فهم الهامشيّون

                                           (9)

الذين لا يقدرون على التأثير ولا على المعالجة، بل يقفون دوماً متأسّفين ومتحسّرين وشاكين ومنتقدين، ويزداد تشاؤمهم ويأسهم باستمرار حتى يقعوا في طامّة «الإِنزواء الإِجتماعي».

ذلك لأنّهم ما استطاعوا أو ما أرادوا أن يستوعبوا احتياجات عصرهم ومشاكله.

هؤلاء يعيشون في ظلام مطبق، وبسبب عدم تفهّمهم لأسباب الحوادث وعللها ونتائجها، يفقدون أنفسهم أمام هجوم هذه الحوادث ويرتبكون ويخافون ويظلّون دون خطّة للمواجهة والدفاع، وبما أنّ مسيرتهم في الظلام فسوف تزلّ قدمهم في كلّ خطوة، وما أجمل ما قاله الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللّوابس».

رسالة العلماء في كلّ عصر أن يدركوا بوعي كامل هذه المسائل ... هذه الإِحتياجات، وهذا الفراغ الروحي والفكري والإِجتماعي، وأن يسعوا لمعالجتها بشكل صحيح كي لا يفسحوا المجال للاُطروحات المنحرفة أن تخترق الساحة وتملأ الفراغ وتقدّم الحلول الكاذبة.

من المسائل التي تلمّسناها بوضوح عطش الجيل الراهن لدرك المفاهيم الإِسلاميّة والمسائل الدينيّة ـ وخلافاً لما يردّده اليائسون والمتشائمون ـ إنّ هذا الجيل لا يتوق إلى الفهم فحسب، بل يتلهف إلى التطبيق العملي لهذه المفاهيم والمسائل، ولمس المعطيات الدّينيّة من خلال العمل بها.

من الواضح أنّ أمام هذا الجيل التوّاق مسائل غامضة ونقاط إبهام ومواضع استفهام كثيرة، والخطوة الاُولى لتلبية هذه الحاجات إعادة كتابة التراث العلمي والفكري الإِسلامي بلغة العصر، وتقديم كلّ هذه المفاهيم السامية عن طريق هذه اللغة إلى روح الجيل وعقله.

والخطوة الاُخرى استنباط الإِحتياجات والمتطلّبات الخاصة بهذا الزمان

(10)

من مبادئ الإِسلام العامّة.

وهذا التّفسير دُوِّن على أساس هذين الهدفين.

* * *

الأمثل بين التفاسير:

واجهنا دوماً أسئلة وردت إلينا من مختلف الفئات وخاصّة الشباب المتعطّش إلى نبع القرآن عن التّفسير الأفضل.

هذه الأسئلة تنطوي ضمنياً على بحث عن تفسير يبيّن عظمة القرآن عن تحقيق لا تقليد، ويجيب على ما في الساحة من إحتياجات وتطلّعات وآلام وآمال ... تفسير نافع لكلّ الفئات، ويخلو من المصطلحات العلميّة المعقّدة.

في الواقع نحن نفتقر إلى مثل هذا التّفسير، فالأسلاف والمعاصرون رضوان الله عليهم كتبوا في حقل التّفسير كثيراً، لكنّ بعضها كتب قبل عدّة قرون و بأُسلوب خاصّ لا يستفيد منه إلاّ العلماء والأدباء، وبعضها مدوّن بمستوى علمي لا يدركه سوى الخواصّ، وبعضها تناول جانباً معيّناً من القرآن، وكأنّها باقة ورد اقتطفت من بستان مزدان، فهي قبس من هذا البستان، وليست البستان ... وهكذا.

من هنا لم نجد أمام هذه الأسئلة المتدفّقة علينا جواباً مقنعاً يرضي هذه الأرواح المتعطّشة التّواقة. فآلينا على أنفسنا أن نجيب على هذا السؤال عمليّاً، فالكلام لا يرضي السائلين.

لكنّنا وجدنا أنفسنا في خِضَمّ الأشغال المتزايدة من جهة، وأمام القرآن ... البحر الذي لا ساحل له ... من جهة اُخرى، فأنّى لنا أن نخوض عبابه دون عدّة ووقت واستعداد فكري، لذلك وقفنا على ضفاف هذا البحر الموّاج ننظر إليه بحسرة.

(11)

وفجأة هدانا الله إلى الطريق الحلّ، وانقدحت في الذهن فكرة العمل الجماعي، فكان أن اجتمع معنا على الطريق عشرة من الفضلاء المخلصين الواعين كانوا حقّاً مصداق «عشرة كاملة» فبذلت المساعي الدائبة ليلا ونهاراً لتثمر خلال مدّة أقصر ممّا توقّعناها هذا الذي يراه القارئ الكريم.

* * *

ولكي لا تبقى نقطة غموض أمام القارئ الكريم نشرح باختصار منهج عملنا في هذا التّفسير.

قُسّمت الآيات الكريمة أوّلا في الفروع المختلفة بين الاخوة وبتوجيه موحّد، ودرسوا المصادر المختلفة في التّفسير لكبار المفسّرين من علماء الشيعة وأهل السنّة، مثل:

1 ـ مجمع البيان للشيخ الطبرسي. 2 ـ أنوار التنزيل للقاضي البيضاوي. 3 ـ الدرّ المنثور لجلال الدين السيوطي. 4 ـ البرهان للمحدّث البحراني. 5 ـ الميزان للعلاّمة الطباطبائي. 6 ـ المنار، تقرير دروس للشيخ محمّد عبده. 7 ـ في ضلال القرآن للأُستاذ سيد قطب. 8 ـ المراغي لأحمد مصطفى المراغي. 9 ـ مفاتيح الغيب للفخر الرازي. 10 ـ روح الجنان لأبي الفتوح الرازي. 11 ـ أسباب النّزول للواحدي. 12 ـ تفسير القرطبي لمحمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي. 13 ـ روح المعاني للعلاّمة شهاب الدين الآلوسي. 14 ـ نورالثقلين لعبد علي بن جمعة الحويزي. 15 ـ الصافي للملاّ محسن الفيض الكاشاني. 16 ـ التبيان للشيخ الطوسي. وتفاسير اُخرى ... .

ثمّ جمعنا من المفاهيم مايتناسب مع متطلّبات عصرنا وإحتياجاته، وفي الجلسات العامّة التي عقدناها يوميّاً أضفنا إلى كلّ ذلك المستجدات الضرورية من المعارف القرآنية، وبعد دراسات ومشاورات حول المباحث المختلفة، ومراجعة المصادر المتنوعة، أمليتُ تلك البحوث ودوّنها الاخوان بسرعة، ثمّ

(12)

راجعنا الكتابات ودقّقنا فيها بصبر وسعة صدر، وأعددناها للطبع، وبعد الطبع أيضاً ـ وقبل مرحلة النشر ـ أُعيد النظر فيها مرة اُخرى.

وكانت نتيجة هذه الجهود ما يراه القارئ العزيز، ونرجو أن يكون بإذن الله نافعاً مفيداً للجميع.

* * *

خصائص هذا التّفسير:

لكي يرد القرّاء الأعزّاء إلى هذا التّفسير برؤية أوضح، وليجدوا فيه ما يريدونه بشكل أيسر، نذكر باختصار خصائص هذا التّفسير ومزاياه:

1 ـ لمّا كان القرآن «كتاب حياة» فإنّا لم نركّز ـ في التّفسير ـ على المسائل الأدبية والعرفانيّة، بل بدلا من ذلك عالجنا المسائل الحيوية ـ الماديّة والمعنويّة ـ وخاصّة المسائل الإِجتماعيّة، وسعينا إلى إشباعها بحثاً وتحليلا، وخاصّة ما يرتبط من قريب بحياة الفرد والمجتمع.

2 ـ في ذيل كلّ آية تناولنا تحت عنوان «بحوث» المسائل المطروحة في الآية بشكل مستقل، كالربا، والرّق، وحقوق المرأة، وفلسفة الحج، وأسرار تحريم القمار، والخمر، ولحم الخنزير، ومسائل الجهاد الإِسلامي، وأمثالها من الموضوعات، كي يستغني القارئ عن مراجعة الكتب الاُخرى في هذه المجالات.

3 ـ عزفنا عن تناول البحوث ذات الفائدة القليلة، وأعطينا الأهميّة لمعاني الكلمات وأسباب النّزول ممّا له تأثير في الفهم الدقيق لمعنى الآية.

4 ـ عرضنا التساؤلات والشبهات والإعتراضات المطروحة حول أُصول الإِسلام وفروعه بمناسبة كلّ آية، وذكرنا الجواب عليها باختصار، مثل شبهة الآكل والمأكول، والمعراج، وتعدّد الزوجات، وسبب الاختلاف بين إرث المرأة والرجل، ودية المرأة والرجل، والحروف المقطّعة في القرآن، ونسخ الأحكام، والغزوات الإِسلاميّة، والإِختبارات الإِلهيّة، وعشرات المسائل الاُخرى، كي لا

(13)

تبقى أيّة علامة استفهام عند مطالعة تفسير الآيات.

5 ـ أعرضنا عن استعمال المصطلحات العلمية المعقّدة التي تجعل الكتاب خاصّاً بفئة خاصّة من القرّاء، ولدى الضرورة تناولنا ذلك في هامش الكتاب من أجل استفادة المتخصّصين.

نسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا لما فيه رضاه، ويوفّق كلّ العالمين لخدمة كتابه العظيم.

* * *

الصّحوة الإِسلامية المعاصرة وزيادة الحاجة إلى تفسير القرآن:

تشهد أُمتنا الإِسلاميّة خلال هذه الأعوام صحوة إسلاميّة عامّة، تتمثل في رفض كلّ المستوردات الفكريّة، والعودة إلى الإِسلام، لإقامة حياتها على أساس أحكام الرسالة الخاتمة.

هذه الصّحوة تعود إلى فشل كلّ الأُطروحات الوضعية الكافرة في تحقيق ما لوّحت به من تقدّميّة وتحرّر وسعادة كما تعود أيضاً إلى العواطف الإِسلاميّة المتوغّلة في أعماق أبناء الاُمّة.

ويتحمّل العلماء الواعون في هذه المرحلة الحسّاسة مسؤوليّات كبرى تفرض عليهم أن يعمّقوا هذا التحرك الواعي بين صفوف الاُمّة ويُجذّروه ويؤصّلوه، كي تكون المسيرة على بصيرة في حركتها وعلى يقظة في اتّخاذ قراراتها، وعلى ثقة من أنّها تسلك الطريق نحو أهدافها الإِسلاميّة الكبرى دون زيغ أو انحراف أو التقاط.

وكتاب الله هدىً ونور، وفيه الإِطار العامّ للمسيرة، وفيه الزاد اللازم لمواصلة الطريق المستقيم نحو ربّ العالمين.

وأخيراً نشكر جهود العلماء والفضلاء الذين شاركونا في تأليف هذا التفسير الجليل:

1 ـ الشيخ محمّد رضا الآشتياني.

2 ـ الشيخ محمّد جعفر الإمامي.

3 ـ الشيخ داود الإلهامي.

(14)

 ـ الشيخ أسد الله الإيماني

5 ـ الشيخ عبدالرسول الحسني.

6 ـ السيد حسن الشجاعي.

7 ـ السيد نور الله الطباطبائي.

8 ـ الشيخ محمود عبداللهي.

9 ـ الشيخ محسن القرائتي.

10 ـ الشيخ محمّد محمّدي الإشتهاردي

وكذلك نشكر الإخوة الافاضل الاستاذ محمد على آذرشب، الشّيخ محمدرضا آل صادق، الاستاذ خالد توفيق عيسى، السيّد محمّد الهاشمي، الاستاذ قصي هاشم فاخر، الاستاذ أسد مولولي، الشيخ مهدي الأنصاري والسيّد أحمد القبانچي والشّيخ هاشم الصالحي بمساهمتهم في تنقيح وإخراج هذا السفر الجليل وداموا مشكورين.

نسأل الله سبحانه أن نكون بهذا التّفسير قد ساهمنا في إعلان كلمة القرآن بشأن واقعنا، وبشأن مستقبلنا، وبشأن ما يجب أن نفعله للخروج من الواقع المؤلم الذي تعيش فيه أُمتنا.

ونسأله سبحانه أنّ يوفّق كلّ العالمين على إعلاء راية القرآن في العالم ويسدّد خطاهم وينصرهم على أعدائهم.

نسأله جلّ وعلا أن يوفّق العلماء والمفكّرين الواعين الملتزمين إلى قيادة هذا التحرك الإِسلامي المتصاعد في كلّ أرجاء العالم الإِسلامي، قيادة أصيلة قائمة على هدى القرآن والسنة.

ونتضرّع إليه أن يوفّقنا لإِكمال بقيّة أجزاء هذا التّفسير وأن يتقبّل من كلّ العاملين عليه في أي سبيل إنّه تعالى سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

ناصر مكارم الشيرازي

قم ـ الحوزة العلمية 1404 هـ.

(15)

سُورَةُ الـحَمْـد

مَكّيّة

وعَدَدُ آياتِها سَبعُ آيات

(17)

بِسْمِ الله الرّحْمنِ الْرَحيمِ

سورة الحمد

خصائصها:

لهذه السّورة مكانة متميّزة بين سائر سور القرآن الكريم، وتتميز بالخصائص التالية:

1 ـ سياق السّورة ـ تختلف سورة الحمد عن سائر سور القرآن في لحنها وسياقها، فسياق السور الاُخرى يعبّر عن كلام الله، وسياق هذه السّورة يعبّر عن كلام عباد الله. وبعبارة اُخرى: شاء الله في هذه السّورة أن يعلّم عباده طريقة خطابهم له ومناجاتهم إيّاه.

تبدأ هذه السّورة بحمد الله والثناء عليه، وتستمر في إقرار الإِيمان بالمبدأ والمعاد «بالله ويوم القيامة» وتنتهي بالتضرع والطلب.

الإِنسان الواعي المتيقّظ يحسّ وهو يقرأ هذه السّورة بأنّه يعرج على أجنحة الملائكة، ويسمو في عالم الروح والمعنوية، ويدنو باستمرار من ربّ العالمين.

هذه السّورة تعبّر عن إتجاه الإِسلام في رفض الوسطاء بين الله والإِنسان ... هؤلاء الوسطاء الذين افتعلتهم المذاهب الزائفة المنحرفة، وتُعلّم البشر أن يرتبطوا بالله مباشرة دونما واسطة، فهذه السّورة عبارة عن تبلور هذا الارتباط المباشر والوثيق بين الله والإِنسان ... بين الخالق والمخلوق. فالانسان لا يرى في مضامين آيات السّورة سوى الله ... يخاطبه ... يناجيه ... يتضرّع إليه ... دونما واسطة حتى وإن كانت الواسطة نبيّاً مرسلا أو ملكاً مقرّباً. ومن العجيب أن يحتلّ

(18)

هذا الإِرتباط المستقيم بين الخالق والمخلوق مكان الصدارة في كتاب الله العزيز!.

* * *

2 ـ سورة الحمد أساس القرآن ـ فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري: «ألا أُعَلّمُكَ أَفْضَلَ سُورَة أَنْزَلَهَا اللهُ في كِتَابِهِ؟» قَالَ جَابرُ: بَلى بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِيهَا. فَعَلَّمَهُ الْحَمْدَ أُمَّ الْكِتَابِ، وَقَالَ: هِي شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاء، إِلاّ السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ»(1).

وروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ في التَّوْرَاةِ، وَلاَ في الإنجيل ولا في الزّبُورِ وَلا في الْقُرْآنِ مِثْلَهَا، وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ»(2).

سبب أهمية هذه السّورة يتضح من محتواها، فهي في الحقيقة عرض لكل محتويات القرآن، جانب منها يختصّ بالتوحيد وصفات الله، وجانب آخر بالمعاد ويوم القيامة، وقسم منها يتحدّث عن الهداية والضلال باعتبارهما علامة التمييز بين المؤمن والكافر وفيها أيضاً إشارات إلى حاكمية الله المطلقة، وإلى مقام ربوبيّته، ونعمه اللامتناهية العامة والخاصة «الرحمانية والرحيمية»، وإلى مسألة العبادة والعبودية واختصاصهما بذات الله دون سواه.

إنّها تتضمّن في الواقع توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد العبادة.

وبعبارة اُخرى: تتضمّن هذه السّورة مراحل الإِيمان الثلاث: الاعتقاد بالقلب، والإِقرار باللسان، والعمل بالأركان. ومن المعلوم أنّ لفظ «الأُمّ» يعني هنا الأساس والجذر.

ولعل ابن عباس ينطلق من هذا الفهم إذ يقول:

___________________________

1 و 2 ـ مجمع البيان، ونور الثقلين، مقدمة سورة الحمد.

(19)

«إن لكل شيء أساساً ... وأساس القرآن الفاتحة».

ومن هذا المنطلق أيضاً قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي عنه: «أَيُّمَا مُسْلِم قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أُعْطِيَ مِنَ الاَْجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلْثيِ الْقُرْآنِ، وَأُعْطِيَ مِنَ الاَْجْرِ كَأَنَّمَا تَصَدَّقَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِن وَمُؤْمِنَة»(1).

تعبير «ثلثي القرآن»، ربّما كان إشارة إلى أنّ القرآن ينطوي على ثلاثة أقسام: الدّعوة إلى الله، والإِخبار بيوم الحساب، والفرائض والأحكام. وسورة الحمد تتضمن القسمين الأوَّلَين. وتعبير «أُمّ القرآن» إشارة إلى القرآن يتلخّص من وجهة نظر اُخرى في (الإِيمان والعمل) وقد جمعا في سورة الحمد.

* * *

3 ـ سورة الحمد شرف النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ القرآن الكريم يتحدّث عن سورة الحمد باعتبارها هبة إلهية لرسوله الكريم، ويقرنها بكل القرآن إذ يقول:

(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)(2).

فالقرآن بعظمته يقف هنا إلى جنب سورة الحمد، ولأهمية هذه السّورة أيضاً أنّها نزلت مرّتين.

نفس هذا المضمون رواه أمير المؤمنين علي(عليه السلام) عن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنَّ اللهَ تعالى قَالَ لِي يا محمّد وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، فأفرَدَ الإِمْتنَانَ عَلَيَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَجَعَلَهَا بِإزَاءِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَإِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أشْرَفُ مَا فِي كُنُوزِ الْعَرْشِ...»(3).

* * *

___________________________

1 ـ مجمع البيان، بداية سورة الحمد.

2 ـ سيأتي تفسير «سبعاً من المثاني» في ذيل الآية المذكورة. انظر: المجلد الثامن من هذا التّفسير، ذيل الآية 87 من سورة «الحجر».

3 ـ تفسير البرهان، ج 1، ص 26، نقلا عن تفسير البيان.

                                            (20)

4 ـ التّأكيد على تلاوة هذه السّورة ـ ممّا تقدم نفهم سبب تأكيد السّنة بمصادرها الشيعية والسنّية على تلاوة هذه السّورة ـ فتلاوتها تبعث الروح والإِيمان والصفاء في النفوس، وتقرّب العبد من الله، وتقوّي إرادته، وتزيد اندفاعه نحو تقديم المزيد من العطاء في سبيل الله، وتبعده عن ارتكاب الذنوب والإِنحرافات. ولذلك كانت أُمّ الكتاب صاعقة على رأس إبليس كما ورد عن الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

«رَنَّ إِبْلِيسُ أَرْبَعَ رَنّات، أَوَّلُهُنَّ يَوْمَ لُعِنَ، وَحِينَ أُهْبِطَ إِلَى الاِْرْضِ، وَحِينَ بُعِثَ محمّد صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَآلِهِ عَلى حِين فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ، وَحيِنَ نَزَلَتْ أُمُّ الْكِتَابِ»(1).

* * *

محتوى السّورة:

كلّ واحدة من الآيات السبع في هذه السّورة تشير إلى حقيقة هامّة:

(بِسْمِ اللهِ ...) بداية لكلّ عمل، وتعلّمنا الاستمداد من الباري تعالى لدى البدء بأي عمل.

(اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) درس في عودة كلّ نعمة ورعاية إلى الله تعالى، وإلفات إلى حقيقة إنطلاق كلّ هذه المواهب من ذات الله تعالى.

(اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) تبيّن هذه الحقيقة، وهي: إنّ خلق الله ورعايته وحاكميته تقوم على أساس الرّحمة والرّحمانية، وهذا المبدأ يشكّل المحور الأساس لنظام رعاية العالم.

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) استحضار للمعاد ويوم الجزاء، ولحاكمية الله على تلك

_____________________________

1 ـ نور الثقلين، ج 1، ص 4.

                                           (21)

المحكمة الكبرى.

(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعيِنُ) تبيّن التوحيد في العبادة، والتوحيد في الاستعانة بالأسباب.

(إِهْدِنَا الْصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) توضّح حاجة العباد ورغبتهم الشديدة للهداية، وتؤكّد حقيقة أن كل ألوان الهداية إنما تصدر منه تعالى.

وآخر آية من هذه السّورة ترسم معالم (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وتميّز بين صراط الذين أنعم الله عليهم، وصراط الذين ضلّوا والذين استحقّوا غضب الله عليهم.

ويمكن تقسيم هذه السّورة، من منظار آخر إلى قسمين: قسم يختصّ بحمد الله والثناء عليه، وقسم يتضمّن حاجات العبد.

وإلى هذا التقسيم يشير الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

«قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَّمْتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي، فِنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سأَلَ.

إِذَا قَالَ الْعَبْدُ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: بَدَأ عَبدِي باسْمِي وَحَقَّ عَلَيَّ أنْ اُتَمِّمَ لَهُ اُمُورَهُ وَاُبارِكَ لَهُ فِي أحوَالِهِ.

فَإذا قَالَ: (الحَمدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) قَالَ اللّهُ جَلَّ جلالُهُ: حَمَدَنِي عَبدِي وَعَلِمَ أَنَّ النِعَمَ الَّتِي لَهُ مِنْ عِنْدِي، وَأَنَّ اْلبَلايَا الَّتِي دَفَعْتُ عَنْهُ فبِتَطَوُّلِي، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أُضِيفُ لَهُ إِلى نِعَمِ الدُّنْيَا نِعَمَ الآخِرَةِ، وَاَدْفَعُ عَنْهُ بَلاَيَا الآخِرَةِ كَمَا دَفَعْتُ عَنْهُ بَلاَيَا الدُّنْيَا.

وَإِذَا قَالَ: (اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: شَهِدَ لِي عَبْدِي أَنِّي اَلرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، أُشْهِدُكُمْ لأُوَفِّرَنَّ مِنْ رَحْمَتِي حَظَّهُ وَلأُجْزِلَنَّ مِنْ عَطَائِي نَصِيبَهُ.

فَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدّين) قَالَ الله تَعالى: أُشهِدُكُمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِأَنِّي أَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ لأُسَهِّلَنَّ يَوْمَ الْحِسابِ حِسَابَهُ، وَلأَتَقَبَّلَنَّ حَسَنَاتِهِ، وَلأَتَجَاوَزَنَّ عَنْ سَيِّئاتِهِ.

فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي، إِيَّايَ يَعْبُدُ أُشْهِدُكُمْ لأُثِيبَنَّهُ

(22)

عَلَى عِبَادَتِهِ ثَوَاباً يَغْبِطُهُ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ في عِبَادَتِهِ لي.

فَإِذَا قَالَ: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ اللهُ تَعالى: بِيَ اسْتَعَانَ عَبْدِي، وَإلَيَّ إِلْتَجَأَ، أُشْهِدُكُمْ لأُعِينَنَّهُ عَلى أُمْرِهِ، ولأُغيثَنَّهُ فِي شَدَائِدِهِ وَلآخُذَنَّ بِيَدِهِ يَوْمَ نَوَائِبِهِ.

فَإِذَا قَالَ: (إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُستَقِيم) إلى آخر السّورة قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَقَد اسْتَجَبْتُ لِعَبْدِي وَأَعْطَيتُهُ مَا أَمَّلَ وَآمَنْتُهُ مِمَّا مِنْهُ وَجِلَ»(1).

لماذا سمّيت فاتحة الكتاب؟

«فَاتِحَةُ الْكِتَاب» اسم اتخذته هذه السّورة في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يبدو من الأخبار والأحاديث المنقولة عن النّبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذه المسألة تفتح نافذة على مسألة مهمّة من المسائل الإِسلامية، وتلقي الضوء على قضية جمع القرآن، وتوضّح أنّ القرآن جُمع بالشكل الذي عليه الآن في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، خلافاً لما قيل بشأن جمع القرآن في عصر الخلفاء، فسورة الحمد ليست أول سورة في ترتيب النّزول حتى تسمّى بهذا الاسم ولا يوجد دليل آخرلذلك، وتسميتها بفاتحة الكتاب يرشدنا إلى أنّ القرآن قد جمع في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الترتيب الذي هو عليه الآن.

وثمّة أدلّة اُخرى تؤيّد حقيقة جمع القرآن بالترتيب الذي بأيدينا اليوم في عصر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبأمره.

روى عليّ بن إبراهيم، عن الإِمام الصادق(عليه السلام)، أنّ رَسُولَ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ لِعَلّي(عليه السلام):

«يَا عَلِيُّ، إنَّ الْقُرْآنَ خَلْف فِرَاشِي فِي الصُّحُفِ وَالْحَرِيرِ وَالْقَرَاطِيَس، فَخُذُوهُ وَأجْمِعُوهُ

___________________________

1 ـ عيون أخبار الرضا، نقلا عن الميزان، ج 1، ص 37.

(23)

وَلاَ تُضَيِّعُوهُ كَمَا ضَيَّعَتِ الْيَهُودُ التَّوْرَاةَ، وانْطَلَقَ عَلِيٌّ(عليه السلام) فَجَمَعَهُ فِي ثَوْب أَصْفَرَ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ»(1).

ويروي (الخوارزمي) في المناقب عن (علي بن رباح) أنّ علي بن أبي طالب وأُبيّ بن كعب جمعا القرآن في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وروى (الحاكم) في (المستدرك) عن (زيد بن ثابت) قال: «كُنّا نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ».

ويقول العالم الجليل السيد المرتضى(رحمه الله): «إنَّ الْقُرْآنَ كَانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) مَجْمُوعاً مُؤَلَّفاً عَلى مَا هُوَ عَلَيْهِ الآن»(2).

ويروي الطبراني وابن عساكر عن الشعبي أنّ القرآن جمعه ستة من الأنصار في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(3).

ويروي قتادة أنّه سأل أنس عن جمع القرآن في عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ هُمْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْب، وَمَعَاذٌ، وَزيْدُ بْنُ ثَابِت، وَأبُو زَيْد(4) و هناك روايات اُخرى يطول ذكرها.

 على أيّ حال، اتّخاذ سورة الحمد اسم (فاتحة الكتاب) دليل واضح على إثبات هذه المسألة، إضافة إلى الأدلة الاُخرى المستفيضة في مصادر الشيعة والسنّة.

سؤال:

وهنا يثارُ سؤال حول المشهور بين بعض العلماء بشأن جمع القرآن بعد عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي الجواب نقول: ما روي بشأن جمع القرآن على يد الامام عليّ(عليه السلام) بعد

___________________________

1 ـ تاريخ القرآن، أبو عبد الله الزنجاني، ص 44.

2 ـ مجمع البيان، ج 1، ص 15.

3 ـ منتخب كنز العمال، ج 2، ص 52.

4 ـ صحيح البخاري، ج 6، ص 102.

(24)

عصر الرّسول، لم يكن القرآن وحده، بل مجموعة تتضمّن القرآن وتفسيره وأسباب نزول الآيات، وما شابه ذلك ممّا يحتاجه الفرد لفهم كلام الله العزيز.

وأمّا ما فعله عثمان في هذا الصدد، فتدلّ القرائن أنّه أقدم على كتابة قرآن واحد عليه علامات التلاوة والإِعجام، منعاً للإِختلاف في القراءات، إذ لم يكن التنقيط معمولا به حتى ذلك الوقت.

وما نراه من إصرار لدى جماعة على عدم جمع القرآن في عصر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى نسبة هذا الأمر للخليفة عثمان أو للخليفة الأول أو الثاني، فإنّما يعود إلى ظروف وملابسات وعصبيات تأريخية لسنا بصددها الآن.

وإذا رجعنا إلى استقصاء طبيعة الأشياء في مجال جمع القرآن، ألفينا أنّه من غير المعقول أن يترك النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه المهمّة الكبيرة، بينما نجده يهتمّ بدقائق الأُمور المرتبطة بالرسالة.

أليس القرآن دستور الإِسلام، وكتاب هداية البشرية، وأساس عقائد الإِسلام وأحكامه؟

أليس من الممكن أن يتعرّض القرآن ـ إن لم يجمع ـ في عصر الرّسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الضياع، وإلى الإِختلاف فيه بين المسلمين؟!

(حديث الثقلين) المروي في المصادر الشيعية والسنّية، حيث أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بوديعته: كتاب الله وعترته، يؤكّد أيضاً أن القرآن كان قد جمع في مجموعة واحدة في عصر الرّسول الأعظم.

أمّا اختلاف الرّوايات في عدد الصحابة الذين جمعوا القرآن خلال عصر النّبي فلا يشكّل عقبة في البحث، ومن الممكن أنّ تتّجه كلّ رواية إلى ذكر عدد منهم.

* * *

(25)

سورة الحمد

الآيات

الْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَـلَمِينَ (1) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (2) مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3) إِيّـاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4) اهْدِنَا الصِّرَ طَ الْمُستَقِيمَ(5) صِرَ طَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ(6)

التّفسير

1 ـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)

دأبت الأمم والشّعوب على أن تبدأ كل عمل هام ذي قيمة باسم كبير من رجالها. والحجر الأساس لكل مؤسسة هامّة يوضع باسم شخصية مرموقة في نظر أصحابها، أي أن أصحاب المؤسسة يبدأون العمل باسم تلك الشّخصية.

ولكن، أليس من الأفضل أن يبدأ العمل في اُطروحة اُريد لها البقاء والخلود باسم وجود خالد قائم لا يعتريه الفناء؟ فكلّ ما في الكون يتجه إلى الزّوال والفناء، إلا ما كان مرتبطاً بالذات الأبدية الخالدة ... ذات الله سبحانه.

إنّ خلود ذكر الأنبياء سببه إرتباطهم بالله وبالقيم الإنسانية الإِلهية الخالدة كالعدالة وطلب الحقيقة، وخلود اسم رجل في التّاريخ مثل (حاتم الطّائي)، يعود إلى إرتباطه بواحدة من تلك القيم هي (السّخاء).

(26)

صفة الخلود والأبدية يختص بها الله تعالى من بين سائر الموجودات، ومن هنا ينبغي أن يبدأ كلّ شيء باسمه وتحت ظلّه وبالاستمداد منه. ولذلك كانت البسملة أوّل آية في القرآن الكريم.

والبسملة لا ينبغي أن تنحصر في اللفظ والصورة، بل لابدّ أن تتعدّى ذلك إلى الإِرتباط الواقعي بمعناها، وهذا الإِرتباط يخلق الإِتجاه الصحيح ويصون من الإنحراف، ويؤدي حتماً إلى نتيجة مطلوبة مباركة. لذلك جاء في الحديث النّبوي الشريف: «كُلُّ أمْر ذِي بَال لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ اسْمُ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ»(1).

وأميرالمؤمنين(عليه السلام) بعد نقله لهذا الحديث الشريف قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ يَعْمَلَ عَمَلا فَيَقُولُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ يُبَارَكَ فيهِ»(2).

ويقول الإِمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام):

«... وَيَنْبَغي الإِتْيَانُ بِهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ أَمْر عَظِيم أَوْ صَغِير لِيُبَارَكَ فيهِ»(3).

بعبارة موجزة: بقاء العمل وخلوده يتوقف على ارتباطه بالله.

من هنا كانت الآية الاُولى التي أنزلها الله على نبيّه الكريم تحمل أمراً لصاحب الرسالة أن يبدأ مهمته الكبرى باسم الله: (إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...)(4).

ولذلك أيضاً فإنّ نوحاً(عليه السلام) ـ حين يركب السفينة في ذلك الطوفان العجيب، ويمخر عباب الأمواج الهادرة، ويواجه ألوان الأخطار على طريق تحقيق هدفه ـ يطلب من أتباعه أن يردّدوا البسملة في حركات السفينة وسكناتها. (وَقَالَ ارْكَبُوا فيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا ومُرْسَاهَا)(5). وانتهت هذه السفرة المليئة بالأخطار بسلام وبركة كما يذكر القرآن الكريم: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَم مِنَّا وَبَرَكَات

___________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج 16، باب 58. نقلا عن تفسير البيان، ج 1، ص 461.

2 ـ بحار الأنوار، مجلد 92، باب 29، ص 242.

3 ـ الميزان، ج 1، ص 21.

4 ـ العلق، 1.

5 ـ هود، 41.

(27)

عَلَيْكَ وَعَلى أُمم مِمَّنْ مَعَكَ)(1).

وسليمان(عليه السلام) يبدأ رسالته إلى ملكة سبأ بالبسملة: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيَْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ...)(2).

وانطلاقاً من هذا المبدأ تبدأ كلّ سور القرآن بالبسملة، كي يتحقّق هدفها الأصل المتمثل بهداية البشرية نحو السعادة، ويحالفها التوفيق من البداية إلى ختام المسيرة.

وتنفرد سورة التوبة بعدم بدئها بالبسملة، لأنّها تبدأ بإعلان الحرب على مشركي مكة وناكثي الأيمان، وإِعلان الحرب لا ينسجم مع وصف الله بالرحمن الرحيم.

* * *

تجدر الإِشارة إلى أنّ البسملة تقتصر على صيغة «بسم الله» ولا تقول فيها: باسم الخالق أو باسم الرزاق وما شابهها من الصيغ. والسبب يعود إلى أنّ كلمة (الله) ـ كما سيأتي ـ جامعة لكلّ أسماء الله وصفاته. أمّا الأسماء الاُخرى لله فتشير إلى قسم من كمالاته كالرحمة والخالقية.

اتضح ممّا سبق أيضاً أنّ قولنا: «بِاسْمِ اللهِ» في بداية كلّ عمل يعني «الاستعانة» بالله، ويعني أيضاً «البدء» باسم الله. وهذان المعنيان يعودان إلى أصل واحد، وإن عمد بعض المفسّرين إلى التفكيك بينهما وتقدير كل واحد منهما في الكلام. فالمعنيان متلازمان، أي: أبدأ باسم الله وأستعين بذاته المقدّسة.

وطبيعي أنّ البدء باسم الله الذي تفوق قدرته كل قدرة، يبعث فينا القوة، والعزم، والثقة، والإِندفاع، والصمود والأمل أمام الصعاب والمشاكل، والإِخلاص والنزاهة في الحركة.

___________________________

1 ـ هود، 48.

2 ـ النمل، 30.

(28)

وهذا رمز آخر للنجاح، حين تبدأ الأعمال باسم الله.

مهما أطلنا الحديث في تفسير هذه الآية فهو قليل، فالمعروف عن عليّ(عليه السلام)أنّه بدأ يفسّر لابن عباس آية البسملة في أول الليل، فأسفر الصبح وهو لم يتجاوز تفسير الباء منها، غير أنّنا ننهي البحث بحديث عنه(عليه السلام)، وستكون لنا بحوث اُخرى في هذا الصدد خلال بحوثنا القادمة.

دَخَلَ عَبْدُ الله بنُ يَحْيى عَلى أَمِير الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كُرْسِيٌّ فَأَمَرَهُ بالْجُلُوسِ عَلَيْهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَمَالَ بِهِ حَتّى سَقَطَ عَلى رَأْسِهِ فَأَوْضَحَ عَنْ عَظْمِ رَأْسِهِ وَسَالَ الدَّمُ، فَأَمَرَ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمَاء فَغَسَلَ عَنْهُ ذَلِكَ الدَّمَ ثُمَّ قَالَ: أُدْنُ مِنّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى مَوْضِحَتِهِ «... أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ حَدَّثَني عَن اللهِ جَلَّ وَعَزَّ: كُلُّ أَمْر ذِي بَال لَمْ يَذْكَر فِيهِ بِسْمِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ؟» فَقُلْتُ: بَلى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي لاَ أَتْرُكُهَا بَعْدَهَا، قَالَ: «إِذاً تحْظى بِذَلِكَ وَتسْعَدُ»(1).

وَقَالَ الصَّادِقُ(عليه السلام): «وَلَرُبَّمَا تَرَكَ فِي افْتِتَاحِ أَمْر بَعْضُ شِيعَتِنَا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَيَمْتَحِنُهُ اللهُ بِمَكْرُوه لِيُنَبِّهَهُ عَلى شُكْرِ اللهِ تَعَالى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَيَمْحُو فِيهِ عَنْهُ وَصمَةَ تَقْصِيرِهِ عِنْدِ تَرْكِهِ قَوْلَ بِسْمِ اللهِ»(2).

* * *

1 ـ هل البسملة جزء من السّورة؟

أجمع علماء الشيعة على أنّ البسملة جزء من سورة الحمد وكلّ سور القرآن، وكتابتها في مطالع السور أفضل شاهد على ذلك، لأنّنا نعلم أن النصّ القرآني مصون عن أيّة اضافة، وذكر البسملة معمول به منذ زمن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

___________________________

1 ـ بحار الأنوار، ج 92، الباب 29، ص 241 و 242.

2 ـ نفس المصدر، ص 240.

(29)

أمّا علماء السنّة فاختلفوا في ذلك، وصاحب المنار يجمع أقوالهم فيما يلي:

«أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنّها آية من كل سورة علماء السلف من أهل مكة ـ فقهاؤهم وقراؤهم ـ ومنهم: ابن كثير. وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، والإِمامية، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة عليّ وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير وعطاء والزهري وابن المبارك. وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة البراءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه. ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة ...».

ثم ينقل عن مالك والحنفية وآخرين، أنّهم ذهبوا إلى أنّ البسملة آية مستقلّة نزلت لبيان رؤوس السور والفصل بينها.

وعن حمزة من قرّاء الكوفة وأحمد «الفقيه السنّي المعروف» أنّها من الفاتحة دون غيرها من سور القرآن(1).

ومن مجموع ما ذكر يستفاد أنّ الأكثرية الساحقة من أهل السنة يرون أنّ البسملة جزء من السّورة كذلك.

ننقل هنا طائفة من الروايات المنقولة في هذا الصدد بطرق الشيعة والسنة، وبالقدر الذي يتناسب مع هذا البحث التّفسيري:

1 ـ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّار قَالَ: قُلْتُ لاَِبي عَبْدِ اللهِ(عليه السلام): إذا قُمْتُ لِلصَّلاَةِ أقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فِي فاتِحَةِ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قُلْتُ: فَإِذا قَرَأْتُ فَاتِحَةَ الْقُرْآنِ أَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ

___________________________

1 ـ تفسير المنار، ج 1، ص 39 ـ 40.

(30)

الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَعَ السُّورَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»(1).

2 ـ ما أخرجه الدارقطني بسند صحيح عن علي(عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّبْعِ الْمَثَانِي، فَقَالَ: اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَات فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية»(2).

3 ـ روى البيهقي بسنده عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: «إِسْتَرَقَ الشَّيطانُ مِنَ النَّاسِ أَعْظَمَ آيَة مِنَ الْقُرْآنِ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم: (إشارة إلى شيوع عدم قراءتها في مطالع السور)(3).

أضف إلى ذلك، أنّ سيرة المسلمين جرت دوماً على قراءة البسملة في مطالع السور لدى تلاوة القرآن، وثبت بالتواتر قراءة النّبي لها. وكيف يمكن أن تكون أجنبية عن القرآن والنّبي والمسلمون يواظبون على قراءتها لدى تلاوتهم القرآن؟!

وأمّا ما ذهب إليه بعضهم من احتمال أنّ البسملة آية مستقلّة وليست جزءً من سور القرآن، فهو احتمال واه ضعيف، لأن مفهوم البسملة يشعر ببداية العمل، ولا يفصح عن معنى منفصل مستقل.

وفي اعتقادنا أنّ الإِصرار على فصل البسملة عن السور تعصّب لا مبرر له، ولا ينهض عليه دليل، في حين أنّ مضمونها مسفر عن أنّها بداية لما بعدها من الأبحاث.

يبقى إيراد واحد، هو أنّ البسملة لا تحتسب في عدّ آيات سور القرآن (عدا بسملة سورة الحمد)، بل يبدأ العدّ من الآية التالية للبسملة.

والجواب على ذلك ما ذكره (الفخر الرازي) في تفسيره الكبير، إذ قال: لا

___________________________

1 ـ الكافي، ج 3، ص 312.

2 ـ الإِتقان، مجلد 1، ص 136. نقلا عن البيان، ص 441.

3 ـ البيهقي، ج 2، ص 50.

(31)

يمنع أن تكون البسملة لوحدها آية في سورة الحمد، وأن تكون جزءً من الآية الاُولى في سائر سور القرآن (أي أنّ مطلع سورة الكوثر مثلا: بسم الله الرحمن الرحيم إنّا أعطيناك الكوثر) يعتبر كلّه آية واحدة.

والمسألة ـ على أيّ حال ـ واضحة إلى درجة كبيرة حتى روي: أنَّ مُعَاوِيَةَ صَلّى بِالنّاسِ في فَتْرَةِ حُكُومَتِهِ فَلَمْ يَقْرَأْ اَلْبسْمَلَةَ، فَصَاحَ جَمْعٌ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالاَْنْصَارِ بَعْدَ الصَّلاَةِ: أَسَرَقْتَ أَمْ نسِيتَ؟(1).

* * *

2 ـ لفظ الجلالة جامع لصفاته تعالى:

كلمة (اسم) أول ما تطالعنا في البسملة من كلمات، وهو في رأي علماء اللغة من (السموّ) على وزن (العُلوّ)، ومعناه الإِرتفاع، ويفهم أن الشيء بعد التسمية يخرج من مرحلة الخفاء إلى مرحلة البروز والظهور والرقي، أو إنّه يرتفع بالتسمية عن مرحلة الإِهمال ويكتسب المعنى والعلو(2).

بعد كلمة الاسم نلتقي بكلمة (الله) وهي أشمل أسماء ربّ العالمين فكل اسم ورد لله في القرآن الكريم وسائر المصادر الإِسلامية يشير إلى جانب معين من صفات الله. والاسم الوحيد الجامع لكل الصفات والكمالات الإِلهية أو الجامع لكل صفات الجلال والجمال هو (الله).

ولذلك اعتبرت بقية الإسماء صفات لكلمة (الله) مثل: (الغفور) و(الرحيم) و(السميع) و(العليم) و(البصير) و(الرزاق) و(ذو القوة) و(المتين) و(الخالق)

___________________________

1 ـ البيهقي، ج 2، ص 49. والحاكم في المستدرك، ج 1، ص 233.

2 ـ ذهب بعضهم إلى أنّ (الاسم) من (السمة) على وزن (الهبة) من مادة (وسم) أي وضع علامة. لأن الاسم علامة المعنى. ولكن أكثر علماء اللغة رفضوا هذا الإِشتقاق، لأنه من الواضح أن الجذور الاصلية للكلمة تظهر عند الجمع والتصغير فالواو لا تظهر في الجمع والتصغير (كما تظهر في المثال الواوي عادة) فنقول في الجمع أسماء، في التصغير، سميّ، وسميّة فهو إذن ناقص واوي لا مثال واوي.

(32)

و(الباري) و(المصوّر).

كلمة (الله) هي وحدها الجامعة، ومن هنا اتّخذت هذه الكلمة صفات عديدة في آية كريمة واحدة، حيث يقول تعالى: (هُوَ اللّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الّقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيرُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(1)

أحد شواهد جامعية هذا الاسم أنّ الإِيمان والتوحيد لا يمكن إعلانه إلاّ بعبارة (لا إله اِلاّ الله)، وعبارة (لاَ إِلهَ إلاَّ القَادِر... أو إِلاَّ الخالِق ... أو إِلاَّ الرَّزَّاق) لا تفي بالغرض. ولهذا السبب يشار في الأديان الاُخرى إلى معبود المسلمين باسم (الله) فهذه التسمية الشاملة خاصة بالمسلمين.

* * *

3 ـ الرّحمة الإِلهية الخاصة والعامّة:

المشهور بين جماعة من المفسّرين أنّ صفة (الرحمن) تشير إلى الرحمة الإِلهية العامة، وهي تشمل الأولياء والأعداء، والمؤمنين والكافرين، والمحسنين والمسيئين، فرحمته تعمّ المخلوقات، وخوان فضله ممدود أمام جميع الموجودات، وكلّ العباد يتمتعون بموهبة الحياة، وينالون حظهم من مائدة نعمه اللامتناهية. وهذه هي رحمته العامة الشاملة لعالم الوجود كافة وما تسبّح فيه من كائنات.

وصفة (الرحيم) إشارة إلى رحمته الخاصة بعباده الصالحين المطيعين، قد استحقوها بإيمانهم وعملهم الصالح، وَحَرُمَ منها المنحرفون والمجرمون.

الأمر الذي يشير إلى هذا المعنى أنّ صفة (الرحمن) ذكرت بصورة مطلقة في القرآن الكريم ممّا يدل على عموميتها، لكنّ صفة (الرحيم) ذكرت أحياناً مقيّدة، لدلالتها الخاصة، كقوله تعالى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنينَ رَحِيماً)(2) وأحياناً اُخرى مطلقة

___________________________

1 ـ الحشر، 23.

2 ـ الأحزاب، 43.

(33)

كما في هذه السّورة.

وفي رواية عن الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) قَالَ: «وَالله إلهُ كُلِّ شَيْء الرَّحْمنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنينَ خَاصَّةً»(1).

من جهة اُخرى، كلمة (الرحمن) اعتبروها صيغة مبالغة، ولذلك كانت دليلا آخر على عمومية رحمته. واعتبروا (الرحيم) صفة مشبّهة تدلّ على الدوام والثبات، وهي خاصة بالمؤمنين.

وثمّة دليل آخر، هو إنّ (الرحمن) من الأسماء الخاصة بالله، ولا تستعمل لغيره، بينما (الرحيم) صفة تنسب لله ولعباده. فالقرآن وصف بها الرّسول الكريم، حيث قال: (عَزِيزٌ عليه مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(2).

وإلى هذا المعنى أشار الإِمام الصادق(عليه السلام)، فيما روي عنه: (اَلرَّحْمنُ إِسْمٌ خَاصٌّ بصِفَة عَامَّة، وَالرَّحيمُ عَامٌّ بِصِفَة خَاصَّة»(3).

ومع كل هذا، نجد كلمة (الرحيم) تستعمل أحياناً كوصف عام. وهذا يعني أن التمييز المذكور بين الكلمتين إنما هو في جذور كل منهما، ولا يخلو من استثناء.

في دعاء عرفة ـ المنقول عن الحسين بن علي(عليه السلام) ـ وردت عبارة: «يَا رَحْمنَ الدُّنْيِا وَالاْخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا».

نختتم هذا الموضوع بحديث عميق المعنى، عن رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ: «إِنَّ للهِ عَزَّ وَجَلّ مائَةَ رَحْمَة، وَإِنَّهُ أَنْزَلَ مِنْهَا واحِدَةً إِلَى الأَرْضِ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ خَلْقِهِ، بِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَيَتَرَاحَمُونَ، وَأَخَّرَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(4).

* * *

___________________________

1 ـ الكافي، وتوحيد الصدوق، ومعاني الأخبار (نقلا عن الميزان).

2 ـ التوبة، 128.

3 ـ مجمع البيان، ج 1، ص 21.

4 ـ نفس المصدر.

(34)

لِمَ لَمْ تَرِدْ بَقية صِفاتِ اللهِ في البَسْمَلَةِ؟

في البسملة ذكرت صفتان لله فقط هما: الرحمانية والرحيمية، فما هو السبب؟

الجواب يتضح لو عرفنا أنّ كل عمل ينبغي أن يبدأ بالاستمداد من صفة تعم آثارها جميع الكون وتشمل كلّ الموجودات، وتنقذ المستغيثين في اللحظات الحساسة.

هذه حقيقة يوضّحها القرآن إذ يقول: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيء)(1)، ويقول على لسان حملة العرش: (رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْء رَحْمَةً)(2).

ومن جانب آخر نرى الأنبياء وأتباعهم يتوسّلون برحمة الله في المواقف الشديدة الحاسمة. فقوم موسى تضرّعوا إلى الله أن ينقذهم من تجبّر فرعون وظلمه، وتوسّلوا إليه برحمته فقالوا: (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ)(3).

وبشأن هود وقومه، يقول القرآن: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحمَة منَّا)(4).

من الطبيعي أنّنا ـ حين نتضرّع إلى الله ـ نناديه بصفات تتناسب مع تلك الحاجة، فعيسى(عليه السلام) حين يطلب من الله مائدة من السماء، يقول: (اللّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِنَ السَّمَاءِ ... وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(5).

ونوح(عليه السلام) يدعو الله في حطّ رحاله: (رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)(6).

وزكريا نادى ربّه لدى طلب الولد الوارث قال: (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)(7).

___________________________

1 ـ الأعراف، 156.

2 ـ المؤمن، 7.

3 ـ يونس، 86.

4 ـ الأعراف، 72.

5 ـ المائدة، 114.

6 ـ المؤمنون، 29.

7 ـ الأنبياء، 89.

(35)

للبدء بأيّ عمل ينبغي ـ إذن ـ أن نتوسّل برحمة الله الواسعة، رحمته العامة ورحمتة الخاصة. وهل هناك أنسب من هذه الصفة لتحقّق النجاح في الأعمال، وللتغلب على المشاكل والصعاب؟!

والقوة التي تستطيع أن تجذب القلوب نحو الله وتربطها به هي صفة الرحمة، إذ لها طابعها العام مثل قانون الجاذبية، ينبغي الإِستفادة من صفة الرحمة هذه لتوثيق العرى بين المخلوقين والخالق.

المؤمنون الحقيقيون يطهّرون قلوبهم بذكر البسملة في بداية كلّ عمل من كل علقة وإرتباط، ويرتبطون بالله وحده ويستمدّون منه العون، ويتوسلون إليه برحمته التي وسعت كلّ شيء.

والبسملة أيضاً تعلّمنا أنّ أفعال الله تقوم أساساً على الرحمة، والعقاب له طابع استثنائي لا ينزل إلاّ في ظروف خاصة، كما نقرأ في الأدعية المروية عن آل بيت رسول الله: «يَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ»(1).

المجموعة البشرية السائرة على طريق الله ينبغي أن تقيم نظام حياتها على هذا الأساس أيضاً، وأن تقرن مواقفها بالرحمة والمحبة، وأن تترك العنف إلى المواضع الضرورية، «113» سورة من مجموع «114» سورة قرآنية تبدأ بالتأكيد على رحمة الله، وسورة التوبة وحدها تبدأ بإعلان الحرب والعنف بدل البسملة.

* * *

___________________________

1 ـ دعاء الجوشن الكبير، الفقرة، 20.

(36)

الآية

الْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَـلَمِينَ(1)

التّفسير

العالم مغمور في رحمته

بعد البسملة، أول واجبات العباد أن يستحضروا دوماً مبدأ عالم الوجود، ونِعَمه اللامتناهية، هذه النعم التي تحيطنا وتغمر وجودنا، وتهدينا إلى معرفة الله من جهة، وتدفعنا على طريق العبودية من جهة اُخرى.

وعند ما نقول أن النعم تشكّل دافعاً ومحرّكاً على طريق العبودية، لأنّ الإِنسان مفطور على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة، ومفطور على أن يشكر المنعم على أنعامه.

من هنا فان علماء الكلام (علماء العقائد) يتطرقون في بحوثهم الأولية لهذا العلم إلى «وجوب شكر المنعم» باعتباره أمراً فطرياً وعقلياً دافعاً إلى معرفة الله سبحانه.

وإنما قلنا إن النعم تهدينا إلى معرفة الله، لأن أفضل طريق وأشمل سبيل لمعرفته سبحانه، دراسة أسرار الخليقة، وخاصة ما يرتبط بوجود النعم في حياة الإنسان.

(37)

ممّا تقدم ابتدأت سورة الحمد بعبارة (اَلْحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ولفهم عمق هذه العبارة وعظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين «الحمد» و «المدح» و«الشكر» والنتائج المترتبة على ذلك:

1 ـ «الحمد» في اللغة: الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار، أي حينما يؤدي شخص عملا طيّباً عن وعي، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده ونثني عليه.

و«المدح» هو الثناء بشكل عام، سواء كان لأمر إختياري أو غير إختياري، كمدحنا جوهرة ثمينة جميلة. ومفهوم المدح عام، بينما مفهوم الحمد خاص.

أمّا مفهوم «الشكر» فأخصّ من الاثنين، ويقتصر على ما نبديه تجاه نعمة تغدق علينا من منعم عن إختيار(1).

ولو علمنا أنّ الألف واللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس، لعلمنا أنّ كل حمد وثناء يختص بالله سبحانه دون سواه.

ثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر، والمعلمين في تعليمهم، والكرماء في بذلهم وعطائهم، والأطباء في علاجهم للمرضى وتطبيبهم للمصابين، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدسة. وبعبارة اُخرى: حمد هؤلاء هو حمد لله، والثناء عليهم ثناء على الله تعالى.

وهكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها، والسحب بأمطارها، والأرض ببركاتها، كلّ ذلك منه سبحانه، ولذلك فكلّ الحمد له.

وبكلمة أُخرى: جملة (اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إشارة إلى توحيد الذات، والصفات، والأفعال (تأمّل بدقة).

___________________________

1 ـ «الشكر»، من وجهة نظر اُخرى أوسع إطاراً، لأنّ الشكر يؤدي بالقول أحياناً وبالعمل اُخرى. أمّا الحمد والمدح فبالقول غالباً.

(38)

2 ـ وصف (الله) بأنه (رَبّ الْعَالَميِن) هو من قبيل ذكر الدليل بعد ذكر الادعاء، وكأنّ سائلا يقول: لم كان حمد لله؟ فيأتي الجواب: لأنه (رب العالمين).

وفي موقع آخر يقول القرآن عن الباري سبحانه: (الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ ...)(1).

ويقول أيضاً: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا)(2).

3 ـ يستفاد من (الحمد) أن الله سبحانه واهب النعم عن إرادة وإختيار، خلافاً لأولئك القائلين إنّ اللّه تعالى مجبر على أن يفيض بالعطاء كالشمس!!

4 ـ جدير بالذكر أن الحمد ليس بداية كل عمل فحسب، بل هو نهاية كل عمل أيضاً كما يعلمنا القرآن.

يقول سبحانه عن أهل الجنة: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهِا سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(3).

5 ـ أما كلمة «ربّ» ففي الأصل بمعنى مالك وصاحب الشيء الذي يهتم بتربيته وأصلاحه. وكلمة «ربيبة» وهي بنت الزوجة، ومأخوذة من هذا المفهوم للكلمة. لأن الربيبة تعيش تحت رعاية زوج أُمّها.

والكلمة بلفظها المطلق تعني ربّ العالمين، وإذا أطلقت على غير الله لزم أن تضاف، كأن نقول: ربّ الدار، وربّ السفينة(4).

وذكر صاحب تفسير (مجمع البيان) معنىً آخر للرب، وهو السيد المطاع، ولكن لا يبعد أن يعود المعنيان إلى أصل واحد(5).

6 ـ كلمة «عالمين» جمع «عالم»، والعالم: مجموعة من الموجودات

___________________________

1 ـ السجدة، 7.

2 ـ هود، 6.

3 ـ يونس، 10.

4 ـ قاموس اللغة، ومفردات الراغب، وتفسير مجمع البيان، وتفسير البيان.

5 ـ لابدّ من الإِلتفات إلى أن (رب) من مادة (ربب)، لا من (ربو)، أي إنه مضاعف لا ناقص.

(39)

المختلفة ذات صفات مشتركة، أو ذات زمان ومكان مشتركين، كأن نقول: عالم الإِنسان، وعالم الحيوان، وعالم النبات. أو نقول عالم الشرق وعالم الغرب، وعالم اليوم، وعالم الأمس. فكلمة العالم وحدها تتضمن معنى الجمع، وحين تجمع بصيغة «عالمين»، فيقصد منها كل مجموعات هذا العالم.

ويلفت النظر هنا أن كلمة عالم جُمعت هنا جمعاً مذكراً سالماً، ونعرف أن جمع المذكر السالم يستعمل في العاقل عادة، ومن هنا ذهب بعض المفسرين إلى أن كلمة «عالمين» إشارة إلى المجموعات العاقلة في الكون كالبشر، والملائكة، والجن، ولكن قد يكون هذا الاستعمال للتغليب، أي لتغليب المجموعات العاقلة على غير العاقلة.

7 ـ يقول صاحب المنار: (ويؤثر عن جدنا الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) أن المراد بــ(العالمين) النّاس فقط)(1).

ثم يضيف: وقد وردت كلمة (العالمين) في القرآن الكريم أيضاً بهذا المعنى كقوله: (ليكون للعالمين نذيراً)(2).

ولكن، لو استعرضنا مواضع استعمال (عالمين) في القرآن، لرأينا أن هذه الكلمة وردت في كثير من الآيات بمعنى بني الإنسان، بينما وردت في مواضع اُخرى بمعنى أوسع يشمل البشر وسائر موجودات الكون الاُخرى، كقوله تعالى: (فَللهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(3) وكقوله سبحانه: (قال فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: رَبُّ الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)(4).

وعن الإِمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في تفسير (ربّ العالمين) قال: «رَبُّ الْعَالَمِينَ هُمُ الْجَمَاعَاتُ مِنْ كُلِّ مَخْلُوق مِنَ الْجَمَادَاتِ وَالْحَيْوَانَاتِ»(5).

___________________________

1 ـ المنار، ج 1، ص 51.

2 ـ الفرقان، 1.

3 ـ الجاثية، 36.

4 ـ الشعراء، 23 و 24.

5 ـ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 17.

(40)

كلمة عالمين يمكن فهمها في إطارها الكوني الأوسع، ويمكن فهمها في إطار عالم (الإِنسان) ـ كما ورد في رواية الإمام زين العابدين(عليه السلام)، لأن الكائن البشري أشرف المخلوقات، ولأن الإِنسان هو الهدف الأساس من هذه المجموعة الكبرى وليس بين الفهمين أي تناقض.

8 ـ جدير بالذكر أن هناك من قسّم العالم إلى: عالم صغير وعالم كبير، والمقصود من العالم الصغير هو الإِنسان، لأنه لوحده ينطوي على مجموعة من نفس القوى المتحكمة في هذا الكون الفسيح. والإنسان ـ في الواقع ـ عينيّة مصغرة لكل هذا العالم.

الذي دعانا إلى التوسّع في مفهوم كلمة (العالم) هو أن عبارة «ربّ العالمين» جاءت وكأنها دليل على عبارة (الحمد لله)، أي أننا نقول في سورة الفاتحة: إن الحمد مختص بالله تعالى لأنه صاحب كل كمال ونعمة وموهبة في العالم.

* * *

بحثان

1 ـ رفض الآلهة:

شهد التاريخ البشري ألوان الإنحرافات عن خط التوحيد، والصفة البارزة في هذه الإنحرافات هو الاعتقاد بوجود آلهة متعددة لهذا العالم. وفكرة التعدّد انطلقت من ضيق نظرة أصحابها الذين راحوا يعيّنون لكل جانب من جوانب الكون والحياة إلهاً، وكأنّ ربوبيّة العالمين لا يمكن إناطتها لمصدر واحد!! وراحت بعض الأمم تصنع الآلهة لأُمور جزئية كالحب والعقل والتجارة والحرب والصيد.

اليونانيّون مثلا كانوا يعبدون اثنتي عشرة أَلهةً وضعوها على قمة (أولمپ)

(41)

وكل واحدة منها تمثل جانباً من صفات البشر!!(1).

والكلدانيّون اعتقدوا بإله الماء وإله القمر وإله الشمس وإله الزهرة، وأطلقوا على كل واحد منها اسماً معيناً، واتخذوا فوق ذلك «مردوخ» إلهاً أكبر لهم.

والروم تعددت آلهتهم أيضاً، وراج سوق الشرك عندهم أكثر من أية أمّة اُخرى. فقد قسموا الآلهة إلى مجموعتين: آلهة الأسرة وآلهة الحكومة. ولم يكونوا يكنون ولاء لآلهة الحكومة، (لعدم إرتياحهم من حكومتهم!).

وقد ورد في التاريخ أن الروم اتخذوا لهم ثلاثين ألف إلهاً حتى قال أحد رجالهم مازحاً: إن عدد الهتنا من الكثرة إلى درجة أنها اكثر من المارّة في الأزقة والطرقات، وكلّ واحد منها مظهر من مظاهر الكون المشهودة، إله مثل إله الزراعة، وإله المطبخ، وإله مستودع الطعام، وإله البيت، وإله النار، وإله الفاكهة، وإله الحصاد، وإله شجرة العنب، وإله الغابة، وإله الحريق، وإله بوابة روما، وإله بيت النار(2).

وللخلاصة، أن البشرية كانت غارقة في وحل الخرافات كما أنها تعاني الآن أيضاً من ذلك الموروث السقيم.

وفي عصر نزول القرآن كان في الجزيزة العربية وفي كثير من مناطق العالم، آلهة تعبد من دون الله. كما كانت عبادة الأفراد رائجة، وإلى ذلك يشير القرآن في خطابه لليهود والنصارى إذ يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ)(3).

بعبارة موجزة، حين تنحرف البشرية عن خط التوحيد، وتتورط في شراك الخرافات وفخاخ الاوهام. فمضافاً الى أنها تساهم في تغريب العقل وانحطاط الفكر، تؤدي الى تشتت المجتمع وتعمل على تمزيقه.

___________________________

1 ـ أعلام قرآن، ص 202.

2 ـ تاريخ «آلبرماله»، ج 1، الفصل الرابع.

3 ـ التوبة، 31.

(42)

خط التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء يتميز بنبذ الآلهة المتعددة، وهداية البشرية نحو الإله الواحد الاحد، وإنطلاقاً من هذه الأهمية القصوى للقضاء على الآلهة المتعددة جاء التأكيد القرآني بعد آية البسملة بقوله: (اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

وبهذا يرسم القرآن الكريم خط البطلان على جميع الآلهة المزيفة وارباب النوع ويلقي بها في وادي العدم مكانها الاوّلي، ويغرس محلّها أزهار التوحيد والاتحاد.

هذا التأكيد يتلوه الإِنسان المسلم عشر مرات في صلواته اليومية ـ على الأقل ـ لتترسخ فكرة التوحيد، وفكرة رفض ربوبية كل الأرباب والآلهة، غير ربوبيّة الله ربّ العالمين.

2 ـ ربوبية الله طريق لمعرفة الله

كلمة (الرب)، وإن كانت تعني في الأصل المالك والصاحب، تتضمن معنى الصاحب المتعهّد بالتربية.

إمعان النظر في المسيرة التكاملية للموجودات الحيّة، وفي التغييرات والتحولات التي تجري في عالم الجماد، وفي الظروف التي تتوفّر لتربية الموجودات، وفي تفاصيل هذه الحركات والعمليات، هو أفضل طريق لمعرفة الله. والتنسيق اللاإرادي بين أعضاء جسدنا هو نموذج حيّ لذلك.

لو واجهنا في حياتنا ـ مثلا ـ حادثة هامّة تتطلب منّا أن ننهض أمامها بقوة وحزم، فإنّ أوامر منسّقة تصدر خلال لحظة قصيرة إلى جميع أجزاء جسدنا بشكل لا إرادي. وبسرعة خاطفة يشتد ضربان قلبنا وتنفسنا، وتتجهز كل قوانا، وتتدفق المواد الغذائية والأوكسجين ـ المحمولة عن طريق الدم ـ إلى جميع الخلايا، وتتأهب الأعصاب والعضلات للعمل والحركة السريعة، وترتفع قدرة

(43)

تحمّل الإنسان للمتاعب والآلام، ويغادر النوم العيون، ويزول التعب من الأعضاء، ويزول الإِحساس بالجوع.

من الذي أوجد هذا التنسيق العجيب في هذه اللحظة الحساسة، وبهذه السرعة، بين جميع أجزاء وجود الإنسان؟ هل هذه العناية والتربية ممكنة من غير الله العالم القادر؟!

آيات القرآن الكريم تكثر من عرض نماذج لهذه التربية الإِلهية، سنتعرض لها في مكانها إن شاء الله تعالى، وكل واحدة منها دليل واضح على معرفة الله.

* * *

(44)

الآية

الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ(2)

التّفسير

معنى (اَلرَّحْمن) و(الرَّحِيم) وإتساع مفهومهما والفرق بينهما، شرحناه في تفسير البسملة، ولا حاجة إلى التكرار. وما نضيفه هنا هو أن هاتين الصفتين تتكرران في البسملة والحمد، «والملتزمون» بذكر البسملة في السّورة بعد الحمد يكررون هاتين الصفتين في صلواتهم اليومية الواجبة ثلاثين مرّة. وبذلك يصفون الله برحمته ستين مرّة يومياً.

وهذا في الواقع درس لكل جماعة بشرية سائرة على طريق الله، وتواقة للتخلق بأخلاق الله. إنه درس يبعد البشرية عن تلك الحالات التي شهدها تاريخ الرق في ظل القياصرة والأكاسرة والفراعنة.

القرآن يركز على علاقة الرحمة والرأفة بين ربّ العباد والعباد، حيث يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً)(1).

هذه العلاقة نستحضرها مرات يومياً إذ نقول: (اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، لنربّي أنفسنا تربية صحيحة في علاقتنا بالله، وفي علاقتنا بأبناء جنسنا.

* * *

___________________________

1 ـ الزمر، 53.

(45)

الآية

مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3)

التّفسير

الرّكيزة الثّانية: الإِيمان بيوم القيامة

هذه الآية تلفت الأنظار إلى أصل هام آخر من أصول الإِسلام، هو يوم القيامة: (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ)، وبذلك يكتمل محور المبدأ والمعاد، الذي يعتبر أساس كل إصلاح أخلاقي واجتماعي في وجود الإِنسان.

تعبير (مَالِكِ) يوحي بسيطرة الله التامة وهيمنته المستحكمة على كل شيء وعلى كل فرد في ذلك اليوم، حيث تحضر البشرية في تلك المحكمة الكبرى للحساب، وتقف أمام مالكها الحقيقي للحساب، وترى كل ما فعلته وقالته، بل وحتى ما فكرت به، حاضراً، فلا يضيع أي شيء ـ مهما صغر ـ ولا يُنسى، والإِنسانُ ـ وحده ـ يحمل أعباء نتائج أعماله، بل نتائج كل سنّة استنّها في الأرض أو مشروع أقامه.

مالكية الله في ذلك اليوم دون شك ليست ملكية اعتبارية، نظير ملكيتنا للأشيآء في هذا العالم. ملكيتنا هذه عقد يبرم بموجب تعامل ووثائق، وينفسخ بموجب تعامل آخر ووثائق اُخرى. لكن ملكية الله لعالم الكون ملكية حقيقية،

(46)

تتمثل في إرتباط الموجودات إرتباطاً خاصاً بالله. ولو انقطع هذا الإِرتباط لحظة لزالت الموجودات تماماً مثل زوال النور من المصابيح الكهربائية، حين ينقطع اتصالها بالمولّد الكهربائي.

بعبارة اُخرى: مالكية الله نتيجة خالقيته وربوبيته. فالذي خلق الموجودات ورعاها وربّاها، وأفاض عليها الوجود لحظة بلحظة، هو المالك الحقيقي للموجودات.

نستطيع أن نرى نموذجاً مصغراً للمالكية الحقيقية، في مالكيتنا لأعضاء بدننا، نحن نملك ما في جسدنا من عين وأذن وقلب وأعصاب، لا بالمعنى الإِعتباري للملكية، بل بنوع من المعنى الحقيقي القائم على أساس الإِرتباط والإِحاطة.

وقد يسأل سائل فيقول: لماذا وصفنا الله بأنه (مَالِكَ يَوْمِ الدّينِ) بينما هو مالك الكون كله؟

والجواب هو أن الله مالك لعالم الدنيا والآخرة، لكن مالكيته ليوم القيامة أبرز وأظهر، لأن الإِرتباطات المادية والملكيات الاعتبارية تتلاشى كلها في ذلك اليوم، وحتى الشفاعة لا تتم يومئذ إلا بأمر الله: (يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَالاَْمْرُ يَوْمَئِذ للهِ)(1).

بتعبير آخر: قد يسارع الإِنسان في هذه الدنيا لمساعدة إنسان آخر، ويدافع عنه بلسانه، ويحميه بأمواله، وينصره بقدرته وأفراده، وقد يشمله بحمايته من خلال مشاريع ومخططات مختلفة. لكن هذه الألوان من المساعدات غير موجودة في ذلك اليوم. من هنا حين يوجه هذا السؤال إلى البشر: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)يجيبون: (للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)(2).

___________________________

1 ـ الانفطار، 19.

2 ـ المؤمن، 16.

(47)

الإِيمان بيوم القيامة، وبتلك المحكمة الإِلهية الكبرى التي يخضع فيها كل شيء للاحصاء الدقيق، له الأثر الكبير في ضبط الإِنسان أمام الزلات، ووقايته من السقوط في المنحدرات، وأحد أسباب قدرة الصلاة على النهي عن الفحشاء والمنكر هو أنها تذكر الإِنسان بالمبدأ المطلّع على حركاته وسكناته وتذكّره أيضاً بمحكمة العدل الإِلهي الكبرى.

التركيز على مالكية الله ليوم القيامة يقارع من جهة اُخرى معتقدات المشركين ومنكري المعاد، لأن الإِيمان بالله عقيدة فطرية عامة، حتى لدى مشركي العصر الجاهلي، وهذا ما يوضحه القرآن إذ يقول: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)(1) بينما الإِيمان بالمعاد ليس كذلك، فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد، افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ)(2).

وروي عن علي بن الحسين السجاد(عليه السلام): «أَنَّه كَانَ إذا قَرَأَ (مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ)يُكَرِّرُهَا حَتَّى يَكَادَ أَنْ يَمُوتَ»(3).

أما تعبير (يَوْمِ الدِّينِ)، فحيثما ورد في القرآن يعني يوم القيامة، وتكرر ذلك في أكثر من عشرة مواضع من كتاب الله العزيز، وفي الآيات 17 و 18 و 19 من سورة الإِنفطار ورد هذا المعنى بصراحة.

وأما سبب تسمية هذا اليوم بيوم الدين، فلأن يوم القيامة يوم الجزاء، و (الدين) في اللغة (الجزاء)، والجزاء أبرز مظاهر القيامة، ففي ذلك اليوم تكشف السرائر ويحاسب النّاس عما فعلوه بدقة، ويرى كل فرد جزاء ما عمله صالحاً أم طالحاً.

___________________________

1 ـ لقمان، 25.

2 ـ سبأ، 7 و 8.

3 ـ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 19.

(48)

وفي حديث عن الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) يقول: «يَوْمُ الدّينِ هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ»(1) (والدين) إستناداً إلى هذه الرواية يعني (الحساب)، وقد يكون هذا التعبير من قبيل ذكر العلة وإرادة المعلول. لأن الحساب دوماً مقدمة للجزاء.

من المفسرين من يعتقد أن سبب تسمية (يَوْمِ الدّين) يعود إلى أن كل إنسان يوم القيامة يُجازى إزاء دينه ومعتقده. لكن المعنى الأول (اَلْحِسَابُ وَالْجَزاءُ) يبدو أقرب إلى الصحة.

* * *

___________________________

1 ـ مجمع البيان، ذيل الآية: مالك يوم الدين.

(49)

الآية

إِيّـاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(4)

التّفسير

الإِنسان بين يدي الله

في هذه الآية يتغيّر لحن السّورة، إذ يبدأ فيها دعاء العبد لربّه والتضرّع إليه. الآيات السابقة دارت حول حمد الله والثناء عليه، والإِقرار بالإِيمان والإِعتراف بيوم القيامة، وفي هذه الآية يستشعر الإِنسان ـ بعد رسوخ أساس العقيدة ومعرفة الله في نفسه حضوره بين يدي الله ... يخاطبه ويناجيه، يتحدث إليه أولا عن تعبّده، ثم يستمد العون منه وحده دون سواه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

بعبارة اُخرى: عندما تتعمق مفاهيم الآيات السابقة في وجود الإِنسان، وتتنور روحه بنور ربّ العالمين، ويدرك رحمة الله العامة والخاصة، ومالكيته ليوم الجزاء، يكتمل الإِنسان في جانبه العقائدي. وهذه العقيدة التوحيدية العميقة، ذات عطاء يتمثل أوّلا: في تربية الإِنسان العبد الخالص لله، المتحرر من العبودية للآلهة الخشبية والبشرية والشهوية، ويتجلّى ثانياً: في الإِستمداد من ذات الله تبارك وتعالى.

الآيات السابقة تحدثت في الحقيقة عن توحيد الذات والصفات، وهذه الآية

(50)

تتحدث عن توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.

توحيد العبادة: يعني الإِعتراف بأن الله سبحانه هو وحده اللائق بالعبادة والطاعة والخضوع، وبالتشريع دون سواه، كما يعني تجنب أي نوع من العبودية والتسليم، لغير ذاته المقدسة.

وتوحيد الأفعال: هو الإِيمان بأن الله هو المؤثر الحقيقي في العالم (لاَ مُؤَثِّرَ فَي الْوُجُودِ إلاَّ الله). وهذا لا يعني إنكار عالم الأسباب، وتجاهل المسببات، بل يعني الإِيمان بأن تأثير الأسباب، إنّما كان بأمر الله، فالله سبحانه هو الذي يمنح النار خاصية الاحراق، والشمس خاصية الإِنارة، والماء خاصية الإِحياء.

ثمرة هذا الاعتقاد أن الإِنسان يصبح معتمداً على (الله) دون سواه، ويرى أن الله هو القادر العظيم فقط، ويرى ما سواه شبحاً لا حول له ولا قوّة، وهو وحده سبحانه اللائق بالإِتكال والاعتماد عليه في كل الأمور.

هذا التفكير يحرر الإِنسان من الإِنشداد بأي موجود من الموجودات، ويربطه بالله وحده. وحتى لو تحرك هذا الإِنسان في دائرة استنطاق عالم الأسباب، فإنما يتحرك بأمر الله تعالى، ليرى فيها تجلّي قدرة الله، وهو «مُسَبِّبُ الأَسْبَابِ».

هذا المعتقد يسمو بروح الإِنسان ويوسّع آفاق فكره، ليرتبط بالأبدية واللانهاية، ويحرر الكائن البشري من الأطر الضيقة الهابطة.

* * *

1 ـ هو المستعان وحده

تقدم المفعول على الفاعل يفيد الحصر ـ كما يذكر أصحاب اللغة ـ، وتقدم «إِيّاك» على «نَعْبُدُ» يدلّ على الحصر، أي أننا نعبدك دون سواك، ونتيجة هذا

(51)

الحصر، هو توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.

نعم، نحن محتاجون إلى عونه حتى في العبودية والطاعة، ولذلك ينبغي أن نستعين به في ذلك أيضاً، كي لا تتسرب إلى أنفسنا أوهام العجب والرياء وأمثالها من الإِنحرافات التي تجهض عبوديتنا.

بعبارة اُخرى: حين نقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فان هذه الجملة يشم منها رائحة الاستقلالية، لذلك نتبعها مباشرة بعبارة (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، كي نجسّم حالة الأمر بين الأمرين (لاَ جَبْرَ وَلا تَفْويضَ)، في عباداتنا، ومن ثمّ في كل أعمالنا.

2 ـ استعمال صيغ الجمع في تعبير الآيات

كلمة «نَعْبُدُ» و«نَسْتَعِينُ» بصيغة الجمع تشير إلى أن العبادة ـ خاصة الصلاة ـ تقوم على أساس الجمع والجماعة. وعلى العبد أن يستشعر وجوده ضمن الجمع والجماعة، حتى حين يقف متضرّعاً بين يدي الله، فما بالك في المجالات الاُخرى!

وهذا الاتجاه في العبادة يعني رفض الإِسلام لكل ألوان الفردية والإِنعزال.

الصلاة خاصة ـ ابتداء من اذانها وإقامتها حتى تسليمها ـ تدل على أن هذه العبادة هي في الأصل ذات جانب إجتماعي، أي أنها ينبغي أن تؤدّى بشكل جماعة. صحيح أن الصلاة فرادى صحيحة في الإسلام، لكن العبادة الفردية ذات طابع فرعي ثانوي.

3 ـ الاستعانة به في كل الأمور

يواجه الإِنسان في مسيرته التكاملية قوى مضادة داخلية (في نفسه)، وخارجية (في مجتمعه)، ويحتاج في مقاومة هذه القوى المضادة إلى العون والمساعدة، ومن هنا يلزم على الإِنسان عندما ينهض صباحاً أن يكرر عبارة

(52)

 (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)ليعترف بعبوديته لله سبحانه، وليستمد العون منه في مسيرته الطويلة الشاقة. وعندما يجنّ عليه الليل لا يستسلم للرقاد إلاّ بعد تكرار هذه العبارة أيضاً. والإِنسان المستعين حقّاً، هو الذي تتضاءل أمام عينيه كلّ القوى المتجبّرة المتغطرسة. وكل الجواذب المادية الخادعة، وذلك ما لا يكون إلاّ حينما يرتفع الإِنسان إلى مستوى القول: (إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعْالَمِينَ)(1).

* * *

___________________________

1 ـ الأنعام، 162.

(53)

الآية

اهْدِنَا الصِّرَ طَ الْمُستَقِيمَ(5)

التّفسير

السير على الصراط المستقيم

بعد أن يقّر الإِنسان بالتسليم لربّ العالمين، ويرتفع إلى مستوى العبودية لله والإِستعانة به تعالى، يتقدّم هذا العبد بأول طلب من بارئه، وهو الهداية إلى الطريق المستقيم، طريق الطّهر والخير، طريق العدل والإِحسان، طريق الإِيمان والعمل الصالح، ليهبه الله نعمة الهداية كما وهبه جميع النعم الاُخرى.

الإِنسان في هذه المرحلة مؤمن طبعاً وعارف بربّه، لكنه معرّض دوماً بسبب العوامل المضادة إلى سلب هذه النعمة و الإِنحراف عن الصراط المستقيم. من هنا كان عليه لزاماً أن يكرر عشر مرات في اليوم على الأقل طلبه من الله أن يقيه العثرات والإِنحرافات.

أضف إلى ما تقدم أن الصراط المستقيم هو دين الله، وله مراتب ودرجات لايستوي في طيّها جميع النّاس، ومهما سما الإِنسان في مراتبه، فثمّة مراتب اُخرى أبعد وأرقى، والانسان المؤمن توّاق دوماً إلى السير الحثيث على هذا السلّم الإِرتقائي، وعليه أن يستمد العون من الله في ذلك.

(54)

ثمة سؤال يتبادر إلى الإذهان عن سبب طلبنا من الله الهداية إلى الصراط المستقيم، تُرى هل نحن ضالون كي نحتاج إلى هذه الهداية؟ وكيف يصدر مثل هذا الأمر عن المعصومين وهم نموذج الإنسان الكامل؟!

وفي الجواب نقول:

أوّلا: الإِنسان معرض في كل لحظة إلى خطر التعثر والإِنحراف عن مسير الهداية ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ ولهذا كان على الإِنسان تفويض أمره إلى الله، والاستمداد منه في تثبيت قدمه على الصراط المستقيم.

ينبغي أن نتذكر دائماً أن نعمة الوجود وجميع المواهب الإِلهية، تصلنا من المبدأ العظيم تعالى لحظة بلحظة. وذكرنا من قبل أننا وجميع الموجودات (بلحاظ معين) مثل مصابيح كهربائية. النور المستمر في هذه المصابيح يعود إلى وصول الطاقة إليها من المولد الكهربائي باستمرار. فهذا المولّد ينتج كل لحظة طاقة جديدة ويرسلها عن طريق الأسلاك إلى المصابيح لتتحول إلى نور.

وجودنا يشبه نور هذه المصابيح. هذا الوجود، وإن بدا ممتداً مستمراً، هو في الحقيقة وجود متجدّد يصلنا باستمرار من مصدر الوجود الخالق الفيّاض.

هذا التجدّد المستمر في الوجود، يتطلب باستمرار هداية جديدة، فلو حدث خلل في الأسلاك المعنوية التي تربطنا بالله، كالظلم والاثم و ... فان إرتباطنا بمنبع الهداية سوف ينقطع، وتزيغ أقدامنا فوراً عن الصراط المستقيم.

نحن نتضرّع إلى الله في صلواتنا أن لا يعتري إرتباطنا به مثل هذا الخلل، وأن نبقى ثابتين على الصراط المستقيم.

ثانياً: الهداية هي السير على طريق التكامل، حيث يقطع فيه الإنسان تدريجياً مراحل النقصان ليصل إلى المراحل العليا. وطريق التكامل ـ كما هو معلوم ـ غير محدود، وهو مستمر الى اللانهاية.

ممّا تقدّم نفهم سبب تضرّع حتى الأنبياء والأئمة(عليهم السلام) لله تعالى أن يهديهم

(55)

 (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)، فالكمال المطلق لله تعالى، وجميع ما سواه يسيرون على طريق التكامل، فما الغرابة في أن يطلب المعصومون من ربّهم درجات أعلى؟!

نحن نصلّي على محمّد وآل محمّد، والصلاة تعني طلب رحمة إلهية جديدة لمحمّد وآل محمّد، ومقام أعلى لهم.

والرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(1).

والقرآن الكريم يقول: (وَيَزِيدُ اللّهُ الَّذِينَ اهتَدَوا هُدىً)(2).

ويقول: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هَدىً وَاتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)(3).

ولمزيد من التوضيح نذكر الحديثين التاليين:

1 ـ عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، قال في تفسير (إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): أي: «أَدِمْ لَنَا تَوْفِيقَكَ الَّذِي أَطَعْنَاكَ بِهِ فِي مَا مَضى مِنْ أيَّامِنَا، حَتَّى نُطِيعَكَ في مُسْتَقْبَلِ أَعْمَارِنَا»(4).

2 ـ وقال الإِمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «يَعْني أرْشِدْنَا لِلزُومِ الطَّريقِ الْمُؤَدّي إلى مَحَبَّتِكَ، وَالْمُبلِّغِ إِلى جَنَتِّكَ، وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبعَ أَهْواءَنَا فَنَعْطَبَ، أو أَنْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلَكَ»(5).

* * *

ما هو الصّراط المستقيم؟

هذا الصّراط كما يبدو من تفحص آيات الذكر الحكيم هو دين التوحيد

___________________________

1 ـ طه، 114.

2 ـ مريم، 76.

3 ـ محمّد، 17.

4 ـ معاني الاخبار، وتفسير الإمام الحسن العسكري، نقلا عن تفسير الصافي ذيل الآية المذكورة.

5 ـ معاني الاخبار، وتفسير الإِمام الحسن العسكري، نقلا عن تفسير الصافي.

(56)

والإِلتزام بأوامر الله. ولكنه ورد في القرآن بتعابير مختلفة.

فهو الدين القيم ونهج إبراهيم(عليه السلام) ونفي كل أشكال الشّرك كما جاء في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّني هَدَانِي رَبِّي إِلى صِرَاط مُسْتَقِيم دِيناً قَيِّماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(1)، فهذه الآية الشريفة عرّفت الصراط المستقيم من جنبة ايديولوجية.

وهو أيضاً رفض عبادة الشيطان والإِتجاه إلى عبادة الله وحده، كما في قوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَتَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)(2)، وفيها إشارة إلى الجنبة العملية للدين.

أمّا الطريق إلى الصراط المستقيم فيتمّ من خلال الإعتصام بالله: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بَاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِرَاط مُسْتَقِيم)(3).

يلزمنا أن نذكر أنّ الطريق المستقيم هو طريق واحد لا أكثر، لأنه لا يوجد بين نقطتين أكثر من خطّ مستقيم واحد، يشكل أقصر طريق بينهما. من هنا كان الصراط المستقيم في المفهوم القرآني، هو الدين الإِلهي في الجوانب العقائدية والعملية، ذلك لأن هذا الدين أقرب طريق للإِرتباط بالله تعالى. ومن هنا أيضاً فإن الدين الحقيقي واحد لا أكثر (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(4).

وسنرى فيما بعد ـ إن شاء الله ـ أن للإِسلام معنى واسعاً يشمل كل دين توحيدي في عصره، أي قبل أن ينسخ بدين جديد.

من هذا يتضح أن التفاسير المختلفة للصراط المستقيم، تعود كلها إلى معنى واحد.

فقد قالوا: إنه الإِسلام.

وقالوا: إنه القرآن.

___________________________

1 ـ الأنعام، 161.

2 ـ يس، 61 و 62.

3 ـ آل عمران، 101.

4 ـ آل عمران، 19.

(57)

وقالوا: إنه الأنبياء والأئمة.

وقالوا: إنه دين الله، الذي لا يقبل سواه.

وكل هذا المعاني تعود إلى نفس الدين الإِلهي في جوانبه الإِعتقادية والعملية.

والروايات الموجودة في المصادر الإِسلامية في هذا الحقل، تشير إلى جوانب متعددة من هذه الحقيقة الواحدة، وتعود جميعاً إلى أصل واحد منها:

عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الأَنْبِيَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ»(1).

وعن جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في تفسير الآية: (إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، قال: «الطَّرِيقُ هُوَ مَعْرِفَةُ الإِمَامِ»(2).

وعنه أيضاً: «واللهِ نَحْنُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ»(3).

وعنه ايضاً: «الصِّرَاطُ الْمُسْتَقيمُ أَميرُ الْمُؤْمِنينَ(عليه السلام)»(4).

ومن الواضح أن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّاً(عليه السلام)، وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، دعوا جميعاً إلى دين التوحيد الإِلهي، والإِلتزام به عقائدياً وعملياً.

واللافت للنظر، أنّ «الراغب» يقول في مفرداته في معنى الصراط: إنّه الطريق المستقيم، فكلمة الصراط تتضمّن معنى الاستقامة. ووصفه بالمستقيم كذلك تأكيد على هذه الصفة.

* * *

___________________________

1 و 2 و 3 و 4 ـ تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 20 و 21.

(58)

الآية

صِرَ طَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ(6)

التّفسير

خطّان منحرفان!

هذه الآية تفسير واضح للصراط المستقيم المذكور في الآية السابقة، إنّه صراط المشمولين بأنواع النعم (مثل نعمة الهداية، ونعمة التوفيق، ونعمة القيادة الصالحة، ونعمة العلم والعمل والجهاد والشهادة) لا المشمولين بالغضب الإِلهي بسبب سوء فعالهم وزيغ قلوبهم، ولا الضائعين التائهين عن جادة الحق والهدى: (صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّالِّينَ).

ولإننا لسنا على معرفة تامّة بمعالم طريق الهداية، فإن الله تعالى يأمرنا في هذه الكريمة أن نطلب منه هدايتنا إلى طريق الأنبياء والصالحين من عباده: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ)، ويحذّرنا كذلك بأن أمامنا طريقين منحرفين، وهما طريق (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، وطريق (الضّالّينَ)، وبذلك يتبين للإِنسان طريق الهداية بوضوح.

* * *

(59)

بحثان

1 ـ من هم (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )؟

الذين أنعم الله عليهم، تبيّنهم الآية الكريمة من سورة النساء إذ يقول: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً)(1).

والآية ـ كما هو واضح ـ تقسم الذين أنعم الله عليهم على أربع مجاميع: الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

لعل ذكر هذه المجاميع الأربع، إشارة إلى المراحل الأربع لبناء المجتمع الإِنساني السالم المتطوّر المؤمن.

المرحلة الاُولى: مرحلة نهوض الأنبياء بدعوتهم الإلهية.

المرحلة الثانية: مرحلة نشاط الصديقين، الذين تنسجم أقوالهم مع أفعالهم، لنشر الدعوة.

المرحلة الثالثة: مرحلة الكفاح بوجه العناصر المضادة الخبيثة في المجتمع. وفي هذه المرحلة يقدم الشهداء دمهم لارواء شجرة التوحيد.

المرحلة الرابعة: هي مرحلة ظهور «الصالحين» في مجتمع طاهرينعم بالقيم والمثل الانسانية باعتباره نتيجة للمساعي والجهود المبذولة.

نحن ـ إذن ـ في سورة الحمد نطلب من الله ـ صباحاً مساءاً ـ أن يجعلنا في خط هذه المجاميع الإربع: خط الإنبياء، وخط الصديقين، وخط الشهداء، وخط الصالحين. ومن الواضح أنّ علينا أن ننهض في كل مرحلة زمنيّة بمسؤوليتنا ونؤدي رسالتنا.

* * *

___________________________

1 ـ النساء، 69.

(60)

2 ـ من هم (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)، ومن هم (الضَّالِّينَ)؟

يتضح من الآية الكريمة أن (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) و (الضّالِّينَ) مجموعتان لا مجموعة واحدة، وأما الفرق بينهما ففيه ثلاثة أقوال:

1 ـ يستفاد من استعمال التعبيرين في القرآن أنّ «المغضوب عليهم» أسوأ وأحطّ من «الضّالّين»، أي إنّ الضّالين هم التائهون العاديّون، والمغضوب عليهم هم المنحرفون المعاندون، أو المنافقون، ولذلك استحقوا لعن الله وغضبه.

قال تعالى: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ)(1).

وقال سبحانه: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَوْءِ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ)(2).

(الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) إذن يسلكون ـ إضافة إلى كفرهم ـ طريق اللجاج والعناد ومعاداة الحق، ولا يألون جهداً في توجيه ألوان التنكيل والتعذيب لقادة الدعوة الإِلهية.

يقول سبحانه: (وَبَآءُوا بِغَضَبِ مِنَ اللهِ ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)(3).

2 ـ ذهب جمع من المفسرين إلى أن المقصود من (الضّالِّينَ) المنحرفون من النصارى، و (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)المنحرفون من اليهود.

هذا الفهم ينطلق من مواقف هذين الفريقين تجاه الدعوة الإِسلامية. فالقرآن يصرّح مراراً أنّ المنحرفين من اليهود كانوا يكنون عداءاً شديداً وحقداً دفيناً للإِسلام.

مع أن علماء اليهود كانوا من مبشّري ظهور الإِسلام، لكنهم تحوّلوا إلى أعداء ألدّاء للإِسلام لدى انتشار الدعوة لأسباب عديدة لا مجال لذكرها، منها

___________________________

1 ـ النحل، 106.

2 ـ الفتح، 6.

3 ـ آل عمران، 112.

(61)

تعرّض مصالحهم المادية للخطر. (تماماً مثل موقف الصهاينة اليوم من الإِسلام والمسلمين).

تعبير (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ينطبق تماماً على هؤلاء اليهود، لكن هذا لا يعني حصر مفهوم المغضوب عليهم بهذه المجموعة من اليهود، بل هو من قبيل تطبيق الكلي على الفرد.

أما منحرفو النصارى فلم يكن موقفهم تجاه الإِسلام يبلغ هذا التعنت، بل كانوا ضالين في معرفة الحق. والتعبير عنهم بالضالين هو أيضاً من قبيل تطبيق الكلي على الفرد.

الأحاديث الشريفة أيضاً فسّرت (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) باليهود، و(الضَّالِّينَ)بمنحرفي النصارى، والسبب في ذلك يعود إلى ما ذكرناه(1).

3 ـ من المحتمل أن (الضَّالِّينَ) إشارة إلى التائهين الذين لا يصرّون على تضليل الآخرين، بينما (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) هم الضالّون والمضلّون الذين يسعون إلى جرّ الآخرين نحو هاوية الإنحراف.

الشاهد على ذلك حديث القرآن عن المغضوب عليهم بوصفهم: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(2) إذ يقول: (وَالذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَديدٌ)(3).

ويبدوا أن التّفسير الأول أجمع من التّفسيرين التاليين، بل إن التّفسيرين التاليين يتحركان على مستوى التطبيق للتفسير الأول. ولا دليل لتحديد نطاق المفهوم الواسع للآية.

والحمد لله رب العالمين

(نهاية سورة الحمد)

* * *

___________________________

1 ـ راجع تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 23 و 24.

2 ـ هود، 19.

3 ـ الشورى، 16.

 

(63) 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8903204

  • التاريخ : 8/08/2020 - 05:22

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net