00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 89 ـ 188 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الثالث)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي   ||   « تحميل »

 

 

( بيان )

 قد تقدم أن المسلمين عند نزول السورة كانوا مبتلين في داخل جماعتهم بالمنافقين وآخرين سماعين لهم ولما يلقيه إليهم أعداء الاسلام من النزعات والوساوس لتقليب

[ 89 ]

الامور عليهم وإفساد دعوتهم ومبتلين في خارج جمعهم بثوران الدنيا عليهم وانتهاض المشركين واليهود والنصارى لابطال دعوتهم وإخماد نارهم وإطفاء نورهم بأى وسيلة أمكنت من لسان أو يد وأن غرض السورة دعوتهم إلى توحيد الكلمة وإلى الصبر والثبات ليصلح بذلك أمرهم وينقطع ما نشأ من الفساد في داخل جوهم وما يطرأ ويهجم عليهم منه من خارجه. وقد كانت الآيات السابقة أعني قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله تعالى إن الله لا يخلف الميعاد تعريضا للمنافقين والزائغين قلبا ودعوة للمسلمين إلى التثبت فيما فهموه من معارف الدين والتسليم والايمان فيما اشتبه لهم ولم يفتهموه من كنهه وحقيقته بالتنبيه على أن شر ما يفسد أمر الدين ويجر المسلمين إلى الفتنة واختلال نظام السعادة هو اتباع المتشابهات وابتغاء التأويل فيتحول بذلك الهداية الدينية إلى الغي والضلال ويتبدل به الاجتماع افتراقا والشمل شتاتا. ثم وقع التعرض في هذه الآيات لحال الكفار والمشركين وأنهم سيغلبون وليسوا بمعجزين لله سبحانه ولا ناجحين في عتوهم بالتنبيه على أن الذي أوجب ضلالهم والالتباس عليهم هو ما زين لهم من مشتهيات الدنيا فزعموا بما رزقوا من مالها وولدها أن ذلك مغن لهم من الله سبحانه شيئا وقد أخطأوا في زعمهم فالله سبحانه هو الغالب في أمره ولو كان المال والاولاد وما أشبهها مغنية من الله شيئا لاغنت آل فرعون ومن قبلهم من الامم الظالمة اولي الشوكة والقدرة لكنها لم تغن عنهم شيئا وأخذهم الله بذنوبهم فكذلك هؤلاء سيغلبون ويؤخذون فمن الواجب على المؤمنين أن يتقوا الله في هذه المشتهيات حتى ينالوا بذلك سعادة الدنيا وثواب الآخرة ورضوان ربهم سبحانه. فالآيات كما تعطيه مضامينها متعرضة لحال الكفار كما أن الآيات التالية لهذه الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب من اليهود والنصارى على ما سيأتي. قوله تعالى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أغنى عنه ماله من فلان أي أعطاه الغنى ورفع حاجته فلا حاجة به إليه والانسان في بادي تكونه وشعوره يرى نفسه محتاجة إلى الخارج منه وهذا أول علمه الفطري إلى احتياجه إلى الصانع المدبر ثم إنه لما توسط في الاسباب وأحس بحوائجه بدء بإحساس الحاجة إلى كماله البدني النباتي وهو الغذاء والولد ثم عرفت له نفسه سائر الكمالات

[ 90 ]

الحيوانية وهي التي يزينها له الخيال من زخارف الدنيا من زينة الملبس والمسكن والمنكح وغير ذلك وعندئذ يتبدل طلب الغذاء إلى طلب المال الذي يظنه مفتاحا لحل جميع مشكلات الحيوة لان العادة الغالبة تجري على ذلك فيظن أن سعادة حيوته في المال والولد بعد ما كان يظن أن ضامن سعادته هو الغذاء والولد ثم انكباب نفسه على مشتهياته وقصر همه على الاسباب يوجب أن يقف قلبه عند الاسباب ويعطي لها الاستقلال وحينئذ ينسى ربه ويتشبث بذيل المال والولد وفي هذا الجهل هلاكه فإنه يستر به آيات ربه ويكفر بها وقد التبس عليه الامر فإن ربه هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا يستغني عنه شئ بحال ولا يغني عنه شي بحال. وبهذا البيان يظهر وجه تقديم الاموال على الاولاد في الآية فإن الركون إلى المال وقد عرفت أن الاصل فيه الغذاء أقدم عند الانسان من الركون إلى الاولاد وأعرف منه وإن كان حب الولد ربما غلب عند الانسان على حب المال. وفي الآية إيجاز شبيه دفع الدخل والتقدير إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا وزعموا أن أموالهم وأولادهم تغنيهم من الله وقد أخطأوا فلا غنى من الله سبحانه في وقت ولا في شئ على ما تدل عليه الآية التالية. قوله تعالى واولئك هم وقود النار الوقود بفتح الواو ما توقد به النار وتشتعل والآية جارية مجرى قوله تعالى: " فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة " البقرة - 24 وقوله تعالى " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الانبياء - 98 وقد مر بعض الكلام في معنى ذلك في سورة البقرة. والاتيان بالجملة الاسمية والابتداء باسم الاشارة وكونه دالا على البعد وتوسيط ضمير الفصل وإضافه الوقود إلى النار دون أن يقال وقود كل ذلك يؤكد ظهور الكلام في الحصر ولازمه كون المكذبين من الكفار هم الاصل في عذاب النار وإيقاد جهنم وإن غيرهم إنما يحترقون بنارهم ويتأيد بذلك ما سيأتي بيانه في قوله تعالى " ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض الآية " الانفال - 37. قوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم إلى آخر الآية الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر قال تعالى " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " إبراهيم - 33

[ 91 ]

ومنه تسمية العادة دأبا لانه سير مستمر وهذا المعنى هو المراد في الآية. وقوله كدأب متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة لن تغني عنهم ويفسر الدأب قوله كذبوا بآياتنا وهو في موضع الحال وتقدير الكلام كما مرت إليه الاشارة إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا واستمروا عليها دائبين فزعموا أن في أموالهم وأولادهم غنى لهم من الله كدأب آل فرعون ومن قبلهم وقد كذبوا بآياتنا. وقوله فأخذهم الله بذنوبهم ظاهر الباء أنها تفيد السببية يقال أخذته بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين وقياسه حال هؤلاء الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون والذين من قبلهم في دأبهم أن يكون الباء للآلة فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم ويعذبون بها فكذلك آل فرعون ومن قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم وكان العذاب الذي حل بساحتهم هو عين الذنوب التي اذنبوها وكان مكرهم هو الحائق بهم وظلمهم عائدا إليهم قال تعالى " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " الفاطر - 43 وقال تعالى وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " البقرة - 57. ومن هنا يتبين معنى كونه شديد العقاب فإن عقابه تعالى لا يقصد الانسان ولا يتوجه إليه من جهة دون جهة وفي محل دون محل وعلى شرط دون شرط كما أن عقاب غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الانسان مثله مثلا إنما يتوجه إليه من بعض الجهات دون بعض كفوق وتحت وفي بعض الاماكن دون بعض فيدفع بالفرار والتوقي والالتجاء مثلا وهذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الانسان بعمله وذنبه وهو مع الانسان في باطنه وظاهره من غير أن ينفك عنه ويجعل الانسان وقودا لنار أحاط به سرداقها ولا ينفعه فرار ولا قرار ولا يوجد منه مناص ولا خلاص فهو شديد العقاب. وفي قوله تعالى كذبوا بآياتنا فأخذهم الله التفات من الغيبة إلى الحضور أولا ثم من الحضور إلى الغيبة ثانيا أما قوله كذبوا بآياتنا ففيه تنشيط لذهن السامع وتقريب للخبر إلى الصدق فإنه بمنزلة أن يقول القائل إن فلانا بذي فحاش سيئ المحاضرة وقد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته فجملة وقد ابتليت به

[ 92 ]

تصحيح للخبر وإثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية ونحو من الشهادة. فالمعنى والله أعلم أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر وتكذيب الآيات ولا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين وقد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم. وأما قوله فأخذهم الله فهو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الاصل في الكلام وهو اسلوب الغيبة وفيه مع ذلك اإجاع الحكم إلى مقام الالوهية القائمة بجميع شئون العالم والمهيمنة على كل ما دق وجل ولذلك كرر لفظ الجلالة ثانيا في قوله والله شديد العقاب ولم يقل وهو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم وتكذيبهم هذا منازعة ومحاربة مع من له جلال الالوهية ويهون عليه أخذ المذنب بذنبه وهو شديد العقاب لانه الله جل اسمه. قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى آخر الآية الحشر هو اخراج الجماعة عن مقرهم بالازعاج ولا يستعمل في الواحد قال تعالى " وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا " الكهف - 47 والمهاد هو الفراش وظاهر السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما انه ظاهر الآية السابقة إن الذين كفروا لن تغني عنهم " الخ " دون اليهود وهذا هو الانسب لاتصال الآيتين حيث تذكر هذه الآية الغلبظة عليهم وحشرهم إلى جهنم وقد أشارت الآية السابقة إلى تقويم و تعززهم بالاموال والاولاد. قوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين التقتا ظاهر السياق أن يكون الخطاب للذين كفروا والكلام من تتمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستغلبون وتحشرون " الخ " ومن الممكن أن يكون خطابا للمؤمنين بدعوتهم إلى الاعتبار والتفكر بما من الله عليهم يوم بدر حيث أيدهم بنصره تأييدا عجيبا بالتصرف في إبصار العيون وعلي هذا يكون الكلام مشتملا على نوع من الالتفات بتوسعة خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله " قل للذين " بتوجيهه إليه وإلى من معه من المؤمنين لكن السياق كما عرفت للاول انسب. والآية بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين ونصره تعالى للفئة المقاتلة في سبيل الله وان لم تتعرض بتشخيص القصة وتسمية الوقعة غير أنها قابلة الانطباق على وقعه بدر والسورة نازلة بعدها بل وبعد احد.

[ 93 ]

على أن الآية ظاهرة في أن هذه القصة كانت معهودة عند المخاطبين بهذه الخصوصية وهم على ذكر منها حيث يقول قد كان لكم آية الخ ولم يقص تعالى قصة يذكر فيها التصرف في أبصار المقاتلين غير قصة بدر والذي ذكره في قصة بدر في سورة الانفال من قوله تعالى وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور الانفال - 44 وإن كان هو التقليل دون التكثير لكن لا يبعد أن يكون قد قلل فيها المؤمنين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ولا يتولوا عن المقارعة ثم كثرهم في أعينهم بعد التلاقي والاختلاط لينهزموا بذلك. وكيف كان فالمعتمد ما كان في ذكرهم من التكثير في العيون فعلى تقدير أن يكون الخطاب في الآية متوجها إلى المشركين لا تنطبق الآية على غير وقعة بدر على أن قرائة ترونهم بالتاء أيضا تؤيد ما ذكرناه. فمحصل معنى الآية أنكم أيها المشركون لو كنتم من اولى الابصار والبصائر لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن الله يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين في سبيل الله سبحانه وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة الكافرة ولا يقاسون بهم قوة كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس لهم إلا ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان وكان جيش المشركين قريبا من ألف مقاتل لهم من العدة والقوة والخيل والجمال والهيئة ما لا يقدر بقدر فنصر الله المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائه وكثرهم في أعينهم فكانوا يرونهم مثليهم رأى العين وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به من أموال وأولاد ولم يغنم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئا. وقد ذكر الله سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات الله وأخذهم بذنوبهم في سورة الانفال عند ذكر القصة مرتين ما ذكره هيهنا بعينه. وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات السابقة الغلبة بالقتل والابادة ففى آياته تهديد بالقتال. قوله تعالى فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة لم يقل وأخرى في سبيل

[ 94 ]

الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لان الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الايمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى والظاهر من السياق أن الضميرين في قوله يرونهم مثليهم راجعان إلى قوله فئة تقاتل أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلى المؤمنين فهم يرونهم ستمائة وستة وعشرين ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وأما احتمال اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى يرون المؤمنين مثلى عدد الكافرين فبعيد عن اللفظ وهو ظاهر. وربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة ويكون المعنى يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم (يرون الالف ألفين) ولازمه تقليلهم المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عددا مع كونهم ثلثا لهم في النسبة وذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم: الانفال - 44 فإن الآية تنافي الآية. وأجيب بإن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم عليهذا أن يقال يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك وأما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد المؤقف والمقام ولا دليل على ذلك لامكان أن يقلل الله سبحانه كلا من الطائفتين في عين صاحبتها في بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم وتزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة وحمي الوطيس رأي الكافرون المؤمنين مثلى عددهم فانهزموا بذلك وولوا الادبار وهذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة " لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان الرحمن - 39 مع قوله وقفوهم إنهم مسئولون " الصافات - 24 وليس إلا أن الموقف غير الموقف. وفي شأن الضميرين أعني في قوله يرونهم مثليهم احتمالات أخر ذكروها غير أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ ولذلك تركنا ذكرها والله العالم. قوله تعالى والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار التأييد من الايد وهو القو ة والمراد بالابصار قيل هو العيون الظاهرية لكون الآية مشتملة على التصرف في رؤية العيون وقيل هو البصائر لان العبرة إنما تكون

[ 95 ]

بالبصيرة القلبية دون البصر الظاهري والامر هين فإن الله سبحانه في كلامه يعد من لا يعتبر بالعبر والمثلات أعمى ويذكر أن العين يجب أن تبصر وتميز الحق من الباطل وفي ذلك دعوى أن الحق الذي يدعو إليه ظاهر متجسد محسوس يجب أن يبصره البصر الظاهر وأن البصيرة والبصر في مورد المعارف الالهية واحد (بنوع من الاستعارة) لنهاية ظهورها ووضوحها والآيات في ذلك كثيرة جدا ومن أحسنها دلالة على ما ذكرنا قوله تعالى " فإنها لاتعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " الحج - 46 أي أن الابصار إنما هي في القلوب دون الرؤوس وقوله تعالى ولهم أعين لا يبصرون بها " الاعراف - 179 والآية في مقام التعجيب وقوله تعالى " وجعل على بصره غشاوة " الجاثية - 23 إلى غير ذلك من الآيات فالمراد بالابصار فيما نحن فيه هو العيون الظاهرية بدعوى أنها هي التي تعتبر وتفهم فهو من الاستعارة بالكناية والنكتة فيه ظهور المعنى كأنه بالغ حد الحس ويزيد في لطفه أن المورد يتضمن التصرف في رؤية العين الظاهرة. وظاهر قوله إن في ذلك " إلخ " أنه تتمة لكلامه تعالى الذي يخاطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس تتمة لقول النبي المدلول عليه بقوله قل للذين كفروا إلخ والدليل عليه الكاف في قوله ذلك فإنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيهذا العدول إلى الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إيماء إلى قلة فهمهم وعمى قلوبهم أن يعتبروا بأمثال هذه العبر. قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء إلخ الآية وما يتلوها بمنزلة البيان وشرح حقيقة الحال لما تقدم من قوله تعالى آنفا إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا إلخ إذ يظهر منه أنهم يعتقدون الاستغناء بالاموال والاولاد من الله سبحانه فالآية تبين أن سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات وانقطعوا إليها عن ما يهمهم من أمر الآخرة وقد اشتبه عليهم الامر فإن ذلك متاع الحيوة الدنيا ليس لها الا انها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب مع أنهم غير مبدعين في هذا الحب والاشتهاء ولا مبتكرون بل مسخرون بالتسخير الالهي بتغريز أصل هذا الحب فيهم ليتم لهم الحيوة الارضية فلو لا ذلك لم يستقم أمر النوع الانساني في حيوته وبقائه بحسب ما قدره الله سبحانه من أمرهم حيث قال ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين " البقرة - 36.

[ 96 ]

وإنما قدر لهم ذلك ليتخذوها وسيلة إلى الدار الآخرة ويأخذوا من متاع هذه ما يتمتعون به في تلك لا لينظروا إلى ما في الدنيا من زخرفها وزينتها بعين الاستقلال وينسوا بها ما ورائها ويأخذوا الطريق مكان المقصد في عين أنهم سائرون إلى ربهم قال تعالى " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " الكهف - 8. إلا أن هؤلاء المغفلين أخذوا هذه الوسائل الظاهرة الالهية التي هي مقدمات وذرائع إلى رضوان الله سبحانه امورا مستقلة في نفسها محبوبة لذاتها وزعموا أنها تغني عنهم من الله شيئا فصارت نقمة عليهم بعد ما كانت نعمة ووبالا بعد ما كانت مثوبة مقربة قال تعالى " إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس إلى أن قال ويوم يحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركائكم فزيلنا بينهم إلى أن قال وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " يونس - 30 تشير الآيات إلى أن أمر الحيوة وزينتها بيده تعالى لا ولي لها دونه لكن الانسان باغتراره بظاهرها يظن أن أمرها إليه وأنه قادر على تدبيرها وتنظيمها فيتخذ لنفسه فيها شركاء - كالاصنام وما بمعناها من المال والولد وغيرهما إن الله سيوقفه على زلته فيذهب هذه الزينة ويزيل الروابط التي بينه وبين شركائه وعند ذلك يضل عن الانسان ما افتراه على الله من شريك في التأثير ويظهر له معنى ما علمه في الدنيا وحقيقته ورد إلى الله موليه الحق. وهذا التزين أعني ظهور الدنيا للانسان بزينة الاستقلال وجمال الغاية والمقصد لا يستند إلى الله سبحانه فإن الرب العليم الحكيم أمنع ساحة من أن يدبر خلقه بتدبير لا يبلغ به غايته الصالحة وقد قال تعالى " إن الله بالغ أمره " الطلاق - 3 وقال تعالى " والله غالب على أمره " يوسف - 21 بل إن استند فإنما يستند إلى الشيطان قال تعالى " وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " الانعام - 43 وقال تعالى " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " الانفال - 48. نعم لله سبحانه الاذن في ذلك ليتم أمر الفتنة وتستقيم التربية كما قال تعالى

[ 97 ]

" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون " العنكبوت - 4 وعلي هذا الاذن يمكن أن يحمل قوله تعالى: " كذلك زينا لكل امة عملهم ": الانعام - 108 وإن أمكن أيضا أن يحمل على ما مر من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله تعالى " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " الكهف - 7. وبالجملة التزيين تزيينان تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة وابتغاء مرضاته في مواقف الحياة المتنوعة بالاعمال المختلفة المتعلقة بالمال والجاه والاولاد والنفوس وهو سلوك إلهي حسن نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مر من قوله إنا جعلنا ما على الارض زينة لها الآيات وكقوله تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " الاعراف - 32. وتزيين لجلب القلوب وإيقافها على الزينة وإلهائها عن ذكر الله وهو تصرف شيطاني مذموم نسبه الله سبحانه إلى الشيطان وحذر عباده عنه كما مر من قوله تعالى " وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون الآية وقوله تعالى فيما يحكيه من قول الشيطان " قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينم أجمعين " الحجر - 39 وقوله تعالى " زين لهم سوء أعمالهم " التوبة - 37 إلى غير ذلك من الآيات. وهذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث أن الشيطان وكل سبب من أسباب الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل ويتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما أراده وشاءه وينتظم بذلك أمر الصنع والايجاد ويفوز الفائزون بحسن إرادتهم واختيارهم ويمتاز المجرمون. وبما مر من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: زين للناس حب الشهوات إلخ ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور وإن كان له نسبة إليه تعالى سواء كان تزيينا صالحا لان يدعو إلى عبادته تعالى وهو المنسوب إليه بالاستقامة أو تزيينا ملهيا عن ذكره تعالى وهو المنسوب إليه بالاذن لكن لاشتمال الآية على ما

[ 98 ]

لا ينسب إليه مستقيما كما يجئ بيانه كان الاليق بأدب القرآن أن ينسب إلى غيره تعالى كالشيطان أو النفس. ومن هنا يظهر صحه ما ذكره بعض المفسرين أن فاعل زين هو الشيطان لان حب الشهوات أمر مذموم وكذا حب كثرة المال مذموم وقد خص تعالى بنفسه ما ذكره في آخر الآية وفي ما يتلوها. ويظهر به فساد ما ذكره بعضهم أن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشي فيها ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي تزين للانسان عملا قبيحا. قال: ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الاعمال قال تعالى " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " وقال " وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " وأما الحقائق وطبائع الاشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له قال عز وجل " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " وقال " كذلك زينا لكل امة عملهم " فالكلام في الامم كلام في طبائع الاجتماع انتهى. وجه الفساد أنه وإن أصاب في قوله إن الحقائق وطبائع الاشياء لا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطا في قوله إن الكلام في طبيعة البشر وما ينشا منها بحسب الطبع وذلك أن السورة كما علمت في مقام بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق والتدبير والايمان والكفر والاطاعة والعصيان خلق الخلق وهداهم إلى سعادتهم وأن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بأياته من الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب وبالجملة الذين أطاعوا الشيطان واتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل الجميع راجع إلى قدره وتدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الاسباب لتقوم بذلك سنه الامتحان فهو الخالق للطبائع وقواها وميولها وأفعالها لتسلك بها إلى جوار ربها جوار القرب والكرامة وهو الذي أذن لابليس ولم يمنعه من الوسوسة والنزعة ولم يمنع الانسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء وإنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلى بذلك نفوس المؤمنين ويطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من العسرة والشدة والابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين وجهالة

[ 99 ]

الذين في قلوبهم مرض بإفساد الامور وتقليبها عليهم والتقصير في طاعة الله ورسوله ومن الخارج بالدعوة الشاقة الدينية ووثوب الكفار من العرب عليهم من جانب وأهل الكتاب واليهود منهم خاصه من جانب آخر وتهديد الكفار كالروم والعجم بالقوة والعدة من جانب آخر وهؤلاء الكافرون ومن يحذو حذوهم اشتبه عليهم الامر في الركون إلى الدنيا وزخارفها حيث أخذوها غاية وهي مقدمة والغاية أمامها. فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الامم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم وتكوينهم وجميع ما يتعقب ذلك في مسير حيوتهم من الخصائل وأعمال السعادة والشقاوة والطاعة والمعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في قدرته ولا يغلب في أمره لا في الدنيا ولا في الآخرة أما في الدنيا فإنما هو إذن وامتحان وأما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وكذلك الآيات أعني قوله إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار وإن كذبوا آيات ربهم وبدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه وجنته فركنوا واعتمدوا عليها واستغنوا بها عن ربهم ونسوا مقامه ليسوا بمعجزين ولا غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم ويؤيد عباده المؤمنين عليهم وسيحشرهم إلى جهنم وبئس المهاد وهم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلا متاعا في الحياة الدنيا وعند الله حسن المآب فالآيات أيضا تبحث عن طبيعة الكفار لكن بنحو وسيع يشمل الصالح والطالح من أعمالهم. على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهدا بها على أن الحقائق لا تسند إلا إلى الله وإنما يسند إلى الشيطان الاعمال أعنى قوله تعالى " كذلك زينا لكل أمة عملهم " يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه وهو قوله تعالى " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون " الانعام - 108 وهو ظاهر. وكذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن التزيين على قسمين محمود ومذموم والاعمال نوعان حسنة وسيئة وإنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن والباقي للشيطان

[ 100 ]

وهو وإن كان حقا من وجه ولكنه إنما يصح في النسبة المستقيمة التي يعبر عنه بالفعل ونحوه فالله سبحانه لا يفعل إلا الجميل ولا يأمر بالسوء والفحشاء وأما النسبة غير المستقيمة وبالواسطة التي يعبر عنه بالاذن ونحوه فلا مانع عنها ولولا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شئ وخلقه لكل شئ وملكه لكل شئ وانتفاء الشريك عنه على الاطلاق والقرآن مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى " يضل من يشاء " الرعد - 27 وقوله " أزاغ الله قلوبهم " الصف - 5 وقوله " الله يستهزء بهم ويمدهم في طغيانهم " البقرة - 15 وقوله " أمرنا مترفيها ففسقوا " الاسراء - 16 إلى غير ذلك من الآيات، ولم ينشأ خطأهم هذا إلا من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الاشياء وآثارها وأفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الامور الموجودة أمرا مستقل الوجود منقطع الذات عما يحتف به من مجموعة الاشياء وقبيل المصنوعات وما يتقدم عليها وما يتأخر عنها. ولزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الاسباب والعلل على ما فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة ولا مرتبطة فكانت كل حادثة حدثت عن أسبابها وكل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكا لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب ولا في حدوثه حظ فأجرام تدور وبحر تسري وفلك تجري وأرض تقل ونبات ينبت وحيوان يدب وإنسان يعيش ويكدح لا التيام روحي معنوي يجمعها ولا وحدة جسمية من المادة وقوتها توحدها. ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال والتلاشي بين عناوين الاعمال وصور الافعال من خير وشر وسعادة وشقاء وهدى وضلال وطاعة ومعصية وإحسان وإساءه وعدل وظلم وغير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود ولا متشابكة التحقق. وقد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات وأنواع المخلوقات مرتبط الاجزاء متلائم الابعاض يتبدل جزء منه إلى جزء ويتحول بعضه إلى بعض فيوما إنسان ويوما نبات ويوما جماد ويوما جمع ويوما فرق وحيوة البعض بعينها ممات الآخر وكون الجديد منه فساد للقديم بعينه. وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها وما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم

[ 101 ]

الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة منها جميع الحلقات وهو السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرات هذا العالم يوجب تغير الحال في الجميع وإن عزب عن علمنا وإدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم عدم الوجود فهذا مما بينت في الابحاث العلمية منذ القديم وأوضحته الابحاث الطبيعية والرياضية اليوم أتم ايضاح ولقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن الانباء قبل أن نأخذ في هذه الابحاث من فلسفيها وطبيعيها ورياضيها بالنقل عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث وذلك بما يذكر من اتصال التدبير في الآيات السماوية والارضية وارتباط ما بينها ونفع بعضها في بعض واشتراك الجميع في إقامة غرض الخلقة ونفوذ القدر في جميعها والسلوك إلى المعاد وأن إلى ربك المنتهى. وكذلك أوصاف الافعال وعناوين الاعمال مرتبطة الاطراف كارتباط الامور المتقابلة المتعاندة فلولا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده من أمر الصنع والايجاد أن تكون شئ ما يحتاج إلى فساد آخر وسبق أمر يتوقف على لحوق آخر. ولو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الاعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الانساني الطبيعي ولا في الاجتماع الالهي الذي هو الدين الحق فإن الاطاعة مثلا حسنة لان المعصية سيئة والحسنة موجبة للثواب لان السيئة موجبة للعقاب والثواب لذيذ للعامل لان العقاب مولم له واللذة سعادة مرغوب فيها لان الالم شقاوة مهروب عنها والسعادة هي التي يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها والشقاوة هي التي يتوجه عنها ولولا هذه الحركة الوجودية لبطل الوجود. فالاطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية فالعقاب فالالم فالشقاء وإنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله ويحيى بموته وكيف يمكن أن تقع دعوة إلى شئ من غير تحذير عما يخالفه ؟ وكيف يمكن أن يكون خلافه ممكنا دون أن يكون واقعا بما يدعو إليه من الاغراض والميول ؟ فقد تبين من ما ذكرناه أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على الفساد كما يشتمل على الصلاح وعلى المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدره الله في نظام صنعه وخلقه غير أن الكون والفساد في غير الاعمال وأوصافها ينسبان إلى الله سبحانه لان الخلق

[ 102 ]

والامر له لا شريك له وقبيل السعادة من الاعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة وقبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان وتسليط الهوى على الانسان وتأمير الظالمين على الناس ونحو ذلك ينسب إليه تعالى بالاضلال والاخزاء والخذلان ونحوها نسبة غير مستقيمة وهي التي يعبر عنها بالاذن فيقال إنه تعالى اذن للشيطان أن ينزع بالوسوسة والتسويل ولم يمنع الانسان أن يتبع الهوى ولم يضرب بين الظالم وما يريده من الظلم بحجاب لان السعادة والشقاوة مبنيتان على الاختيار فمن سعد فباختياره ومن شقي فباختياره ولو لا ذلك لم تتم الحجة ولم تجر سنة الاختيار والامتحان. ولم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلا استيحاشهم من وخيم نتائجها بزعمهم فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط الاشياء وضرورة تأثير الاسباب واعترفوا بذلك لزمهم الايجاب في جانب الصانع تعالى وسلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته. وأما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الاعمال وأسندوها إلى إرادته وقدره تعالى لزمهم القول بالايجاب والاجبار في جانب المصنوع وهو الانسان وببطلان الاختيار يبطل الثواب والعقاب والتكليف والتشريع. مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول: والله غالب على أمره " يوسف - 21 ويقول " إلا له الخلق والامر " الاعراف - 54 ويقول: " لله ما في السموات والارض " يونس - 55 على أنها وما يماثلها آيات تعطي البرهان في ذلك وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " البقرة - 26. ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات فنقول الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى وهو الشيطان أو النفس أما أولا فلان المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والاولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه والاليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى. وأما ثانيا فلانه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد به الميل

[ 103 ]

الغريزي الذي للانسان إلى هذه الامور فكان الانسب في التعبير أن يقال زين للانسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى " لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين " التين - 5 وقوله تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر الآية " الاسرى - 70 وأما لفظ الناس فالاعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شئ من إلغاء الميز أو حقاره الشخص ودناءة الفكر نحو قوله فأبى أكثر الناس إلا كفورا " الاسرى - 89 وقوله يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى " الحجرات - 13 وغير ذلك. وأما ثالثا فلان الامور التي عدها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا تناسب التزيين الفطري إذ كان الانسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق الزوجية ولفظ البنين بالاولاد ولفظ القناطير المقنطرة بالاموال فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء وكذا هو مغروز في الانسان بالنسبة إلى مطلق الاولاد ومطلق الاموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الاولاد ومطلق الاموال وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى الافراد وأعرفها ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له. واما رابعا فلان كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أأنبئكم بخير من ذلكم فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والازواج والرضوان ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة فإن في ذلك مناقضة ظاهرة وإبطالا للامرين معا كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الاكل. فان قلت الآية أعنى قوله زين للناس حب الشهوات الخ بحسب الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة " الاعراف - 32 ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا هو الله سبحانه

[ 104 ]

قلت بين الآيتين فرق من حيث المقام فإن المقام فيما نحن فيه مقام ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله وحثهم على الاعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للانسان وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد وعدت هذه الزينة رزقا طيبا. وان قلت إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات ومن المعلوم أن تزيين الحب للانسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيؤل معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله زين. قلت لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره فإن الزينة هي الامر المطلوب الجالب الذى ينضم إلى غيره ليجلب الانسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه كما أن المرأة تتزين بضم امور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها فالمقصود هو بالحقيقة تلك الامور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة وبالجملة فيؤل معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " مريم - 59 ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام في العد الواقع في قوله من النساء والبنين والقناطير على أن لفظ الشهوات ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف والولوع وإن كان بمعنى المشتهيات. قوله تعالى من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة " إلخ " النساء جمع لا واحد له من لفظه والبنين جمع ابن وهو ذكور الاولاد بواسطة أو بلا واسطة والقناطير جمع قنطار وهو ملا مسك ذهبا أو هو المسك المملوء والمقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار وهو جامد وهذا من دأبهم يعتبرون في الجوامد شيئا من النسب يكسب بها معنى مصدريا ثم يشتقون منه المشتقات كالباقل والتامر والعطار لبائع البقل والتمر والعطر وفائدة توصيف الشئ بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له والتلميح إلى أنه واجد لمعنى لفظه غير فاقده كما يقال دنانير مدنرة ودواوين

[ 105 ]

مدونة ويقال حجاب محجوب وستر مستور والخيل هو الافراس والمسومة مأخوذة من سامت الابل سوما بمعنى ذهبت لترعى فهي سائمة أو من سمت الابل في المرعى وأسمتها وسومتها بمعنى أعلمتها فالخيل المسومة إما المرسلة للرعي أو المعلمة والانعام جمع نعم بفتحتين وهو الابل والبقر والغنم والبهائم أعم منه ويطلق على غير الوحش والطير والحشرات والحرث هو الزرع وفيه معنى الكسب وهو تربية النبات أو النبات المربى للانتفاع به في المعاش. وبناء التعداد في الآية ليس على تكثر حب الشهوات بحسب تكثر المشتهيات أعني متعلقات الشهوة بمعنى أن الانسان بحسب طبعه يميل إلى الازواج والاولاد والمال حتى يتكلف في توجيه التعبيرات الواقعة في الآية كالتعبير عن الانسان بالناس والتعبير عن الاولاد بخصوص البنين والتعبير عن المال بالقناطير المقنطرة " إلخ " بما تكلف به جمع من المفسرين. بل على كون الناس أصنافا في الشغف والولوع بمشتهيات الدنيا فمن شهواني لا هم له إلا التعشق بالنساء وغرامهن والتقرب اليهن والانس بصحبتهن ويستصحب ذلك أذنابا من وجوه الفساد ومعاصي الله سبحانه كاتخاذ المعازف والاغاني وشرب المسكرات وامور أخر غيرهما وهذا مما يختص بالرجال عادة ولا يوجد في النساء إلا في غاية الشذوذ ومن محب للبنين والتكاثر والتقوى بهم كما يوجد غالبا في أهل البدو ويختص أيضا بالبنين دون البنات ومن مغرم بالمال أكبر همه أن يقنطر القناطير ويملا المخازن من وجوه النقد وظهور هذا الجنون أيضا في جمع المال إنما هو في وجوه النقد من الذهب والفضة أو ما يتقوم بهما دون أمثال الاثاث إلا أن يراد لاجلهما بوجه ويوجد غالبا في الحاضر دون البادي أو أن المختار عنده اتخاذ الخيل المسومة كالمغرمين بالفروسة وأمثالهم أو اتخاذ الماشية من الانعام أو يستحب الحرث وربما يجتمع البعض من هذه الثلاثة الاخيرة مع البعض وربما تفترق. وهذه أقسام الشهوات التي ينسل الناس إليها صنفا صنفا بالتعلق بواحد منها وجعله أصلا في اقتناء مزايا الحيوة وجعل غيره فرعا مقصودا بالقصد الثاني وقلما يوجد (أو لا يوجد أصلا) في الناس من ساوى بين جميعها وقصد الجميع قصدا أولا معتدلا. وأما مثل الجاه والمقام والصدارة ونحوها فهي جميعا امور وهمية بالحقيقة إنما

[ 106 ]

تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذا شهويا على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات. ومن هنا يتأيد ما تقدمت الاشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل والانغمار في حبها وهو المنسوب إلى الشيطان دون أصل الحب المودع في الفطرة وهو المنسوب إلى الله سبحانه. قوله تعالى ذلك متاع الحياة الدنيا أي هذه الشهوات امور يتمتع بها لاقامة هذه الحيوة التي هي أقرب الحيوتين منكم وهما الحيوة الدنيا والحيوة الاخرى والحيوة الدنيا وكذا المتاع الذي يتمتع به لها أمر فان داثر ليس لها عاقبة باقية صالحة وصلاح العقبى وحسن المآب إنما هو عند الله سبحانه وهو قوله تعالى والله عنده حسن المآب. قوله تعالى قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات إلى آخر الآية الآية مسوقة لبيان قوله والله عنده حسن المآب وقد وضع فيها محل هذه الشهوات الفانية الباطلة امور هي خير للانسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من غير بطلان وهي امور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الانسان من خواصها وآثارها غير أنها خالية عن القبح والفساد غير صارفة للانسان عن ما هو خير منها وهي الجنة ومطهرات الازواج ورضوان الله تعالى. وقد اختصت الازواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع أعظم اللذائذ الجسمية عند الانسان ولذلك أيضا قدم ذكر النساء في قوله من النساء والبنين والقناطير المقنطرة الخ. وأما الرضوان بكسر الراء وضمها فهو الرضا وهو أن يلائم الامر الواقع نفس صاحبه من غير أن يمتنع منه ويدافعه ويقابله السخط. وقد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه وهو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة كالاوصاف والاحوال وغير ذلك إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة ولذلك ربما قوبل بينه وبين رضا العبد فرضاه عن عبده لطاعته ورضى العبد عنه

[ 107 ]

لجزائه الحسن أو لحكمه كقوله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه: البينة - 8 وقوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية: الفجر - 28 وقوله تعالى والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات الآية: البرائة - 100. وذكر الرضوان هيهنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحيوة الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الانسان أو يستلزم أمرا هو كذلك ولذلك عنى بذكره في مقابل الجنات والازواج في هذه الآية وكذا في مقابل الفضل والمغفرة والرحمة في قوله فضلا من ربهم ورضوانا: المائدة - 2 وقوله ومغفرة من الله ورضوان: الحديد - 29 وقوله برحمة منه ورضوان: البرائة - 21 ولعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه وفي قوله تعالى رضى الله عنهم الآية وقوله راضية مرضية الآية حيث علق رضاه بأنفسهم والرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيؤل إلى معنى قوله لهم ما يشائون فيها: ق - 35 ففي رضوان الله عن الانسان المشية المطلقة للانسان. ومن هنا يظهر أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة أن الانسان يحسب أنه لو اقتناها وخاصة القناطير المقنطرة من بينها افادته إطلاق المشية وأعطته سعة القدرة فله ما يشاء وعنده ما يريد وقد اشتبه عليه الامر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شئ. قوله تعالى والله بصير بالعباد لما تحصل من هذه الآية والتي قبلها أن الله أعد للانسان في كلتا الدارين الدنيا والآخرة نعما يتنعم بها ومآرب اخرى مما تلتذ به نفسه كالازواج وما يؤكل ويشرب والملك ونحوها وهي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا مشترك بين الكافر والمؤمن مبذول لهما معا وما في الآخرة مختص بالمؤمن لا يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك وبلفظ آخر سؤال وجه المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله والله بصير بالعباد ومعناه أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر ليس مبنيا على العبث والجزاف

[ 108 ]

تعالى عن ذلك بل إن في الفريقين أمرا هو المستدعي لهذا الفرق والله بصير بهم يرى ما فيهم من الفرق وهو التقوى في المؤمن دون الكافر وقد وصف هذا التقوى وعرفه بما يلحق بهذه الآية من قوله الذين يقولون ربنا إلى آخر الآيتين وملخصه أنهم يظهرون فاقتهم إلى ربهم وعدم استغنائهم عنه ويصدقون ذلك بالعمل الصالح ولكن الكافر يستغني عن ربه بشهوات الدنيا وينسى آخرته وعاقبة أمره. ومن ألطف ما يستفاد من الآيتين أعني قوله تعالى ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلك إلى آخر الآية وما في معناهما من الآيات كقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون: الاعراف - 32 الجواب عن إشكال استوجهه كثير من الباحثين على ظواهر الآيات الواصفة لنعم الجنة أما الاشكال فهو أن المتأمل في أطوار وجود هذه الموجودات المشهودة في هذا العالم لا يشك في أن الافعال الصادرة منها وأعمالها التي يعملها إنما هي متفرعة على القوى والادوات التي جهز بها كل واحد منها ليدفع بها عن وجوده ويحفظ بها بقائه كما يحققه البحث عن الغايات الوجودية وأن الوجود لا يستند إلى اتفاق أو جزاف أو عبث. فهو ذا الانسان مجهز في جميع بدنه بجهاز دقيق في غاية الدقة يتمشى به أمر تغذيه وإنما يتغذى لتهيئة بدل ما يتحلل من أجزائه وإنما يفعل ذلك ليمد وجوده للبقاء وأيضا هو مجهز بجهاز التناسل على ما فيه من الادوات والقوى الفعالة والمترتبة ليحفظ بقاء نوعه والامر في وجود النبات والحيوان نظير الامر في تجهيز الانسان. ثم إن الخلقة احتالت في تسخيرها وخاصة في تسخير ذوات الشعور منها وهي الحيوان والانسان بإبداع لذائذ في أفعالها وإيداعها في القوى لتتسابق إلى الافعال لاجل هذه اللذائذ وهى لا تشعر أن الخلقة تريد منها غايتها وهي بقاء الوجود وتغرها بتطميعها باللذة التي تزينها لها فيحصل بذلك ما يريده الخلقة ويلتذ الفاعل بهذه الزينة التي تغرها ويلعب بها فلو لا ما في الغذاء والنكاح مثلا من اللذة لما قصدهما الانسان مثلا لمجرد كونهما مقدمة للبقاء وبطل بذلك غرض الخلقة لكن الله سبحانه أودع

[ 109 ]

فيه لذة الغذاء ولذة النكاح لا يستريح الانسان في طريق النيل إليهما دون أن يتحمل كل تعب وعناء ويقاسي كل مصيبة وبلاء وهو في اقتناء هذه الشهوات مختال فخور بما ليس فيه إلا الغرور وأما الصنع والخلقة فينال بغيته و يبلغ امنيته فإنه ما كان يريد بهذا التدبير إلا بقاء وجود الفرد وقد حصل بالتغذي وإلابقاء وجود النوع وقد حصل بالنكاح والسفاد ولم يبق للانسان مثلا فيما كان يريده إلا الخيال. وإذا كان هذه اللذائذ الدنيوية مقصودة في الخلقة لاجل غرض محدود معجل فلا معنى لتحققها في ما لا تحقق هناك لذلك الغرض فلذة الاكل والشرب وجميع اللذائذ الراجعة إلى التغذي مقصودة في الطبيعة لاجل حفظ البدن عن آفة التحلل وفساد التركيب وهو الموت ولذة النكاح وجميع اللذائذ المرتبطة به وهي امور جمة إنما تقصدها الخلقة لاجل حفظ النوع من الفناء والاضمحلال فلو فرض للانسان وجود لا يلحقه موت ولا فناء وحيوة مأمونة من كل شر ومكروه فأي فائدة تترتب على وجود القوى البدنية التي تعمل لاجل تحصيل بقاء الشخص أو النوع وأي ثمرة يثمرها تجهيزات البدن وأعضائه كالكلي والمثانة والطحال والكبد وغيرها وجميعها إنما أوجدت لاعمال تنفع في البقاء المعجل المحدود دون البقاء المخلد المؤبد. وأما الجواب فهو أن الله سبحانه إنما خلق ما خلق من لذائذ الدنيا والنعم التي تتعلق بها هذه اللذائذ زينة في الارض ليقصدها الانسان فينجذب إلى الحيوة ويتعلق بها كما قال إنا جعلنا ما على الارض زينة لها: الكهف - 7 وقال المال والبنون زينة الحيوة الدنيا: الكهف - 46 وقال تبتغون عرض الحيوة الدنيا: النساء - 94 وقال وهو أجمع للغرض ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى: طه - 131 وقال أيضا وما اوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون: القصص - 60 إلى غير ذلك من الآيات وجميعها تبين أن هذه النعم الموجودة في الدنيا واللذائذ المتعلقة بها امور مقصودة لاجل الحيوة وأمتعة يتمتع بها لاجل الحيوة هذه الحيوة المحدودة التي لا تتعدى أياما قلائل فلو لا الحيوة لما كانت هي مقصودة ولا مخلوقة وهذا هو حق الامر. لكن يجب أن يعلم أن وجود الانسان الباقي ليس إلا هذا الوجود الذي يمكث

[ 110 ]

هيهنا برهة من الزمان بتحوله من طور إلى طور وليس ذلك إلا روحا كائنا من بدن وعلى بدن هو مجموع هذه الاجزاء المأخوذة من هذه العناصر والقوى الفعالة فيها ولو فرض ارتفاع هذه الامور التي نعدها مقدمات مقصودة للبقاء لم يبق وجود ولا بقاء أعني أن فرض عدمها هو فرض عدم الانسان رأسا لا فرض عدم استمرار وجود الانسان فافهم ذلك. فالانسان في الحقيقة هو الذي ينشعب أفرادا ويأكل ويشرب وينكح ويتصرف في كل شئ بالاخذ والاعطاء ويحس ويتخيل ويعقل ويسر ويفرح ويبتهج وهكذا كل ذلك ملائم لذاته الذي هو كالمجموع منها وبعضها مقدمة لبعضها وهو السائر الدائر في مثل مسافة دورية. فإذا نقله الله من دار الفناء إلى دار البقاء وكتب عليه الخلود والدوام إما بثواب دائم أو بعقاب دائم لم يكن ذلك بابطال وجوده وإيجاد وجود باق بل بإثبات وجوده بعد ما كان متغيرا في معرض الزوال فهو لا محالة إما متنعم بنعم من سنخ نعم الدنيا لكنها باقية أو نقم ومصائب من سنخ نقم الدنيا ومصائبها وكل ذلك منكوح أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مسكون أو قرين أو سرور أو نحو ذلك. فالانسان هو الانسان وما يحتاج إليه ويستكمل به هو الذي كان يحتاج إليه ويستكمل به من مطالبه ومقاصده وإنما الفرق هو اختلاف الدارين بالبقاء وما يلحق به. هذا هو الذي يظهر من كلامه سبحانه حيث يبين حقيقة البنية الانسانية فيقول " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " المؤمنون - 16 انظر إلى موضع قوله ولقد خلقنا والخلق هو الجمع والتركيب وإلى موضع قوله ثم أنشأناه الدال على تبديل نحو الخلق والايجاد وإلى موضع قوله ثم إنكم يوم القيامة والمخاطب به هو الذي أنشئ خلقا آخر. ويقول أيضا " قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون " الاعراف - 25 فيفيد أن حيوة الانسان حيوة أرضية مؤلفة من نعمها ومن نقمها وتقدم بعض الكلام

[ 111 ]

في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى " كان الناس أمة واحدة الآية " البقرة - 213. وقد قال تعالى في هذه النعم الارضية " ذلك متاع الحيوة الدنيا " ثم قال وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع " الرعد - 26، فجعل نفس الحيوة الدنيا متاعا في الآخرة يتمتع به وهذا من أبدع البيان وباب ينفتح به للمتدبر الف باب وفيه تصديق قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون. وبالجملة الحيوة الدنيا هي الوجود الدنيوي بما كسب من حسنة أو سيئة وهو الذي يتمتع به في الآخرة من حيث سعادته وشقائه أي ما يراه فوزا وفلاحا لنفسه وما يراه خيبة وخسرانا فيعطي سعادته بإعطاء لذائذه أو يحرم من نيلها وهما نعيم الجنة وعذاب النار. وبعبارة اخرى واضحة للانسان مثلا سعادة بحسب الطبيعة وشقاء بحسبها في بقائه شخصا ونوعا وهما منوطتان بفعله الطبيعي من الاكل والشرب والنكاح وقد زينت له بلذائذ مقدمية وهذا بحسب الطبيعة ثم إذا أخذ الانسان في الاستكمال وأخذ في الفعالية بالشعور والارادة صار نوعا كماله هو الذي يختاره شعوره وإرادته فما لا يشعر به ولا يشائه ليس كمالا لهذا الموجود الشاعر المريد وإن كان كمالا طبيعيا وكذا العكس كما نرى أنا لا نلتذ بما لا نشعر به وإن كان من سعادة الطبيعة كصحة البدن والمال والولد ونلتذ بما نشعر به من اللذائذ وإن لم يطابق الخارج كالمريض المعتقد للصحه ونظائر ذلك فهذه اللذائذ المقدمية تصير كمالا حقيقيا لهذا الانسان وان كانت كمالات مقدمية للطبيعة فإذا أبقى الله سبحانه هذا الانسان بقائا مخلدا كانت سعادته هي التي يشائها من اللذائذ وشقائها هو الذي لا يشائه سواء كانت بحسب الطبيعة مقدمة أو لم يكن إذ من البديهي أن خير الشخص أو القوة الشاعرة المريدة هو فيما يعلم به ويشائه وشره فيما يعلم به ولا يريده. فقد تحصل أن سعادة الانسان أن ينال في الآخرة ما كان يريده من لذائذ الحيوة في الدنيا من الاكل والشرب والنكاح وما فوق ذلك وهو الجنة وشقائه أن لا ينال ذلك وهو النار قال تعالى " لهم فيها ما يشائون " النحل - 31. قوله تعالى الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار وصف

[ 112 ]

للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة للذين اتقوا فوصفهم أنهم يقولون ربنا وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية واسترحام منه تعالى فيما يسألونه بقولهم إننا آمنا والجملة ليست في مقام الامتنان عليه تعالى فان المن منه تعالى بالايمان كما قال تعالى " بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان " الحجرات - 17 بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم قال تعالى " وآمنوا به يغفر لكم " الاحقاف - 31 ولذلك فرعوا عليه قولهم فاغفر لنا ذنوبنا بفاء التفريع وفي تأكيد قولهم بان دلالة على صدقهم وثباتهم في إيمانهم. والمغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به وعبده من غير استحقاق من العبد يثبت له حقا على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار أو ينعمه بالجنة فإن الايمان والاطاعة أيضا من نعمه ولا يملك غيره تعالى منه شيئا الا ما جعله على نفسه من حق ومن الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر لهم ويقيهم عذاب النار ان آمنوا به قال تعالى " وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم " الاحقاف - 31. وربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة والجنة كقوله تعالى " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن " الصف - 12 فإن في الآيتين الاخيرتين تفصيل لما اجمل في الآية الاولى من قوله هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وهذا معنى دقيق سنشرحه في مورد يناسبه ان وفقنا له. قوله تعالى الصابرين والصادقين إلى آخر الآية وصفهم بخمس خصال لا يشذ منها تقوى من متق فالصبر لسبقه على بقية الخصال وإطلاقه يشمل أقسام الصبر وهى ثلاث صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر عند المصيبة. والصدق وإن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الانسان من قول وفعل لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر والقنوت وغيرهما وليس بمراد فالمراد به (والله أعلم) الصدق في القول فحسب. والقنوت هو الخضوع لله سبحانه ويشمل العبادات وأقسام النسك والانفاق هو

[ 113 ]

بذل المال لمن يستحق البذل والاستغفار بالاسحار يستلزم قيام آخر الليل والاستغفار فيه والسنة تفسره بصلوة الليل والاستغفار في قنوت الوتر وقد ذكر الله أنه سبيل الانسان إلى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجد به " أن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " المزمل - 19 الدهر - 29. قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط أصل الشهادة هو المعاينة أعني تحمل العلم عن حضور وحس ثم استعمل في أدائها وإظهار الشاهد ما تحمله من العلم ثم صار كالمشترك بين التحمل والتأدية بعناية وحدة الغرض فإن التحمل يكون غالبا لحفظ الحق والواقع من أن يبطل بنزاع أو تغلب أو نسيان أو خفاء فكانت الشهادة تحفظا على الحق والواقع فبهذه العناية كان التحمل والتأدية كلاهما شهادة أي حفظا وإقامة للحق والقسط هو العدل. ولما كانت الآيات السابقة أعني قوله إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا إلى قوله والمستغفرين بالاسحار تبين أن الله سبحانه لا إله غيره ولا يغني عنه شئ وأن ما يحسبه الانسان مغنيا عنه ويركن إليه في حيوته ليس إلا زينة وإلا متاعا خلقه الله ليتمتع به في سبيل ما هو خير منه ولا ينال الا بتقوى الله تعالى وبعبارة أخرى هذه النعم التي يحن إليها الانسان مشتركة في الدنيا بين الكافر والمؤمن مختصة في الآخرة بالمؤمن أقام الشهادة في هذه الآية على أن هذا الذي بينته الآيات حق لا ينبغي أن يرتاب فيه. فشهد وهو الله عز اسمه على أنه لا إله إلا هو واذ ليس هناك إله غيره فليس هناك أحد يغني منه شيئا من مال أو ولد أو غير ذلك من زينة الحيوة أو أي سبب من الاسباب إذ لو أغني شئ من هذه منه شيئا لكان الها دونه أو معتمدا إلى إله دونه منتهيا إليه ولا إله غيره. شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله حاكم بالعدل في خلقه إذ دبر أمر العالم بخلق الاسباب والمسببات والقاء الروابط بينها وجعل الكل راجعا إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق عن طبق ووضع في مسير هذا المقصد نعما لينتفع

[ 114 ]

منها الانسان في عاجله لآجله وفي طريقه لمقصده لا ليركن إليه ويستقر عنده فالله يشهد بذلك وهو شاهد عدل. ومن لطيف الامر أن عدله يشهد على نفسه وعلى وحدته في الوهيته أي إن عدله ثابت بنفسه ومثبت لوحدانيته بيان ذلك أنا إنما نعتبر في الشاهد العدالة ليكون جاريا على مستوى طريق الحيوة ملازما لصراط الفطرة من غير أن يميل إلى إفراط أو تفريط فيضع الفعل في غير موضعه فتكون شهادته مأمونة عن الكذب والزور فملازمة الصدق والمجاراة مع صراط التكوين يوجب عدالة الانسان فنفس النظام الحاكم في العالم والجاري بين أجزائه الذي هو فعله سبحانه هو العدل محضا. ونحن في جميع الوقائع التي لا ترضى بها نفوسنا من الحوادث الكونية أو نجدها على خلاف ما نميل إليه ونطمع فيه ثم نعترض عليها ونناقش فيها إنما نذكر في الاعتراض عليه ما يظهر لنا من حكم عقولنا أو تميل إليه غرائزنا وجميع ذلك مأخوذة من نظام الكون ثم نبحث عنها فيظهر سبب الحادثة فتسقط الشبهة أو نعجز عن الحصول على السبب فلا يقع في أيدينا إلا الجهل بالسبب أي عدم العلم دون العلم بالعدم فنظام الكون وهو فعل الله سبحانه هو العدل فافهم ذلك. ولو كان هناك إله يغني منه في شئ من الامور لم يكن نظام التكوين عدلا مطلقا بل كان فعل كل إله عدلا بالنسبه إليه وفي دائرة قضائه وعمله. وبالجملة فالله سبحانه يشهد وهو شاهد عدل على أنه لا إله إلا هو يشهد لذلك بكلامه وهو قوله شهد الله أنه لا إله إلا هو على ما هو ظاهر الآية الشريفة فالآية في اشتمالها على شهادته تعالى للتوحيد نظيرة قوله تعالى " لكن الله يشهد بما أنزل اليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " النساء - 166. والملائكة يشهدون بأنه لا إله إلا هو فإن الله يخبر في آيات مكية نازلة قبل هذه الآيات بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ربهم ويعملون بأمره ويسبحونه وفي تسبيحهم شهادة أن لا إله غيره قال تعالى بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " الانبياء - 27 وقال تعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم " الشورى - 5

[ 115 ]

وأولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو يشاهدون من آياته الآفاقية والانفسية وقد ملات مشاعرهم ورسخت في عقولهم. وقد ظهر مما تقدم أولا أن المراد بالشهادة شهادة القول على ما هو ظاهر الآية الشريفة دون شهادة الفعل وإن كانت صحيحة حقة في نفسها فإن عالم الوجود يشهد على وحدانيته في الالوهية بالنظام الواحد المتصل الجاري فيه وبكل جزء من أجزائه التي هي أعيان الموجودات. وثانيا أن قوله تعالى قائما بالقسط حال من فاعل قوله شهد الله والعامل فيه شهد وبعبارة اخرى قيامه بالقسط ليس بمشهود له لا له تعالى ولا للملائكة واولي العلم بل الله سبحانه حال كونه قائما بالقسط يشهد أن لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم يشهدون بالوحدانية كما هو ظاهر الآية حيث فرقت بين قوله لا إله إلا هو وقوله قائما بالقسط بتوسيط قوله والملائكة واولوا العلم ولو كان القيام بالقسط من أجزاء الشهادة لكان حق الكلام أن يقال إنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة ومن ذلك يظهر ما فيما ذكره عدة من المفسرين في تفسير الآية من الجهتين جميعا كما لا يخفى على من راجع ما ذكروه في المقام. ومن أردء الاشكال ما ذكره بعضهم أن حمل الشهادة على الشهادة الكلامية كما مر يوجب الاستناد في أمر التوحيد إلى النقل دون العقل مع كونه حينئذ متوقفا على صحة الوحي فإن صدق هذه الشهادة يتوقف على كون القرآن وحيا حقا وهو متوقف عليه فيكون بيانا دوريا ومن هنا ذكر بعضهم أن المراد بالشهادة هنا معنى استعاري بدعوى أن دلالة جميع ما خلقه الله من خلق على ما فيها من وحدة الحاجة واتصال النظام على وحدة صانعها بمنزلة نطقه وإخباره تعالى بأنه واحد لا إله غيره وكذا عبادة ملائكته له وإطاعتهم لامره وكذا ما يشاهده اولوا العلم من أفراد الانسان من آيات وحدانيته بمنزلة شهادتهم على وحدانيته تعالى. والجواب أن فيه خلطا ومغالطة فإن النقل إنما لا يعتمد عليه فيما للعقل أو الحس إليه سبيل لكونه لا يفيد العلم فيما يجب فيه تحصيل العلم، أما لو غرض إفادته من العلم ما يفيد العقل مثلا أو أقوى منه كان في الاعتبار مثل العقل أو أقوى منه كما أن المتواتر من الخبر أقوى أثرا وأجلى صدقا من القضية التي أقيم عليها برهان مؤلف من

[ 116 ]

مقدمات عقلية نظرية وإن كانت يقينية وأنتجت اليقين. فإذا كان الشاهد المفروض يمتنع عليه الكذب والزور بصريح البرهان كانت شهادته تفيد ما يفيده البرهان من اليقين والله سبحانه (وهو الله الذي لا سبيل للنقص والباطل إليه) لا يتصور في حقه الكذب فشهادته على وحدانية نفسه شهادة حق كما أن إخباره عن شهادة الملائكة واولي العلم يثبت شهادتهم. على أن من أثبت له شركاء كالاصنام وأربابها فإنما يثبتها بعنوان أنها شفعاء عند الله ووسائط بينه وبين خلقه كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " الزمر - 3، وكذا من اتخذ له شريكا بالشرك الخفي من هوى أو رئيس مطاع أو مال أو ولد إنما يتخذه سببا من الله غير أنه مستقل بالتأثير بعد حصوله له وبالجملة ما اتخذ له من شريك فأنما يشاركه فيما يشاركه بتشريكه لا بنفسه، وإذا شهد الله على أنه لم يتخذ لنفسه شريكا أبطل ذلك دعوى من يدعي له شريكا، وجرى الكلام مجرى قوله: " قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الارض " يونس - 18، فإنه إبطال لدعوى وجود الشريك بأن الله لا يعلم به في السموات والارض ولا يخفى عليه شئ وبالحقيقة هو خبر مثل سائر الاخبار الصادرة عن مصدر الربوبية والعظمة كقوله " سبحانه وتعالى عما يشركون " يونس - 18 ونحو ذلك غير أنه لوحظ فيه انطباق معنى الشهادة عليه لكونه خبرا في مورد دعوى والمخبر به قائم بالقسط فكان شهادة فعبر بلفظ الشهادة تفننا في الكلام فيؤل المعنى إلى انه لو كان في الوجود أرباب من دون الله مؤثرون في الخلق والتدبير شركاء أو شفعاء في ذلك لعلمه الله وشهد به لكنه يخبر أنه ليس يعلم لنفسه شريكا فلا شريك له ولعلم واعترف به الملائكة الكرام الذين هم الوسائط المجرون للامر في الخلق والتدبير لكنهم يشهدون أن لا شريك له ولعلم به وشهد أثره اولوا العلم لكنهم يشهدون بما شاهدوا من الآيات أن لا شريك له. فالكلام نظير قولنا لو كان في المملكة الفلانية ملك مؤثر في شئون المملكة وإداره امورها غير الملك الذي نعرفه لعلم به الملك وعرفه لانه من المحال أن لا يحس بوجوده وهو يشاركه ولعلم به القوى المجريه والعمال المتوسطون بين العرش والرعية وكيف يمكن أن لا يشعروا بوجوده وهم يحملون أوامره ويجرون أحكامه بين ما في المجلد:

[ 117 ]

أيديهم من الاحكام والاوامر ؟ ولعلم به العقلاء من عامة أهل المملكة وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده ويعيشون في ملكه لكن الملك ينكر وجوده وعمال الدولة لا يعرفونه وعقلاء الرعية لا يشاهدون ما يدل على وجوده فليس قوله تعالى لا إله إلا هو العزيز الحكيم الجملة كالمعترضة الدخيلة في الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لو لا ذكره مع عدم كونه مقصودا في الكلام أصالة ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكرا يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى قالوا اتخذا الله ولدا سبحانه " يونس - 68 فقوله سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه قول لا يلائم حقه تعالى ونظيره بوجه قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم الآية " المائدة - 64. وبالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة واولي العلم بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني المتكلم وهو في الآية هو الله سبحانه وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي الشريك عنه فيقول لا إله إلا هو نظير ذلك قوله تعالى في قصة الافك ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم " النور - 16 فإن من حقه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتانا وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه تعالى أحق من يجب تنزيهه. فموضع قوله لا إله إلا هو العزيز الحكيم موضع الثناء عليه تعالى لاستيفاء حق تعظيمه ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم ولو كان في محل النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لانه المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الالوهية والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال تدبيره وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده. وقد تبين بما مر من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية وكذا وجه تتميمها بالاسمين العزيز الحكيم والله العالم.

[ 118 ]

( بحث روائي )

في المجمع: في قوله تعالى: قل للذين كفروا ستغلبون الآية روى محمد بن إسحاق عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال يا معشر اليهود - احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر - وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم - وقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم - فقالوا يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا - لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله هذه الآية. أقول ورواه في الدر المنثور عن ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس وروى ما يقرب منه القمي في تفسيره وقد عرفت مما تقدم أن سياق الآيات لا يلائم نزولها في حق اليهود كل الملائمة وأن الانسب بسياقها أن تكون نازلة بعد غزوة احد والله أعلم. وفي الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام: ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة - بلذة أكبر لهم من لذة النساء وهو قوله - زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين - الآية ثم قال وإن أهل الجنة ما يتلذذون بشئ من الجنة - أشهى عندهم من النكاح لا طعام ولا شراب. أقول وقد استفيد ذلك من الترتيب المجعول في الآية للشهوات ثم تقديم النساء على باقي المشتهيات ثم جعل هذه الشهوات متاع الدنيا وشهوات الجنة خيرا منها. ومراده عليه السلام من الحصر في كون النكاح أكبر لذائذ الناس إنما هو الحصر الاضافي أي أن النكاح أكبر لذة بالنسبة إلى هذه الشهوات المتعلقة بجسم الانسان وأما غيرها كالتذاذ الانسان بوجود نفسه أو التذاذ ولي من أولياء الله تعالى بقرب ربه ومشاهدة آياته الكبرى ولطائف رضوانه وإكرامه وغيرهما فذلك خارج عن مورد كلامه عليه السلام وقد قامت البراهين العلمية على أن أعظم اللذائذ التذاذ الشئ بنعمة وجوده واخرى على أن التذاذ الاشياء بوجود ربها أعظم من التذاذها بنفسها وهناك روايات كثيرة دالة على أن التذاذ العبد بلذة الحضور والقرب منه تعالى أكبر عنده من كل لذة

[ 119 ]

روي في الكافي عن الباقر عليه السلام كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إنه يسخي نفسي في سرعة الموت - والقتل فينا قول الله تعالى - أ ولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها وهو ذهاب العلماء وسيجئ عدة من هذه الروايات في المواضع المناسبة لها من هذا الكتاب. وفي المجمع: في قوله تعالى القناطير المقنطرة عن الباقر والصادق عليهما السلام القنطار ملؤ مسك ثور ذهبا وفي تفسير القمي قال عليه السلام: الخيل المسومة المرعية وفي الفقيه والخصال عن الصادق عليه السلام: من قال في وتره إذا أوتر - أستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة - وهو قائم فواظب على ذلك - حتى تمضي سنة كتبه الله عنده من المستغفرين بالاسحار ووجبت له المغفرة من الله تعالى. أقول وهذا المعنى مروي في روايات أخر عن أئمة أهل البيت وهو من سنن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروي ما يقرب منه في الدر المنثور أيضا عن ابن جرير عن جعفر بن محمد قال من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين - وقوله عليه السلام ووجبت له المغفرة من الله مستفاد من قوله تعالى حكاية عنهم - فاغفر لنا ذنوبنا فإن في الحكاية لدعائهم من غير رد إمضائا للاستجابة = إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) - فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (20)

[ 120 ]

إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) - أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) - ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) - ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) - فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25)).

( بيان )

 الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب وهم آخر الفرق الثلاث التي تقدم أنها عرضة للكلام في هذه السورة وأهمهم بحسب قصد الكلام أهل الكتاب من اليهود والنصارى ففيهم وفي أمرهم نزل معظم السورة واليهم يعود. قوله تعالى إن الدين عند الله الاسلام قد مر معنى الاسلام بحسب اللغة وكأن هذا المعنى هو المراد هيهنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغيا بينهم فيكون المعنى إن الدين عند الله سبحانه واحد لا اختلاف فيه لم يأمر عباده إلا به ولم يبين لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلا إياه ولم ينصب الآيات الدالة إلا له وهو الاسلام الذي هو التسليم للحق الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل وبعبارة اخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والاحكام وهو وإن اختلف كما وكيفا في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة إلا أمرا واحدا وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون

[ 121 ]

التضاد والتنافي والتفاضل بينها بالدرجات ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله. فهذا هو الدين الذي أراده الله من عباده وبينه لهم ولازمه أن يأخذ الانسان بما تبين له من معارفه حق التبين ويقف عند الشبهات وقوف التسليم من غير تصرف فيها من عند نفسه وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدين مع نزول الكتاب الالهي عليهم وبيانه تعالى لما هو عنده دين وهو الاسلام له فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الامر وكون الدين واحدا بل كانوا عالمين بذلك وانما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم بآيات الله المبينة لهم حق الامر وحقيقته لا بالله فإنهم يعترفون به ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحيوة عنه وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار. والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين اولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ومما تقدم يظهر أولا أن المراد بكون الدين عند الله وحضوره لديه سبحانه هو الحضور التشريعي بمعنى كونه شرعا واحدا لا يختلف إلا بالدرجات وبحسب استعدادات الامم المختلفة دون كونه واحدا بحسب التكوين بمعنى كونه واحدا مودعا في الفطرة الانسانية على وتيرة واحدة. وثانيا أن المراد بالآيات هو آيات الوحي والبيانات الالهية التي ألقاها إلى أنبيائه دون الآيات التكوينية الدالة على الوحدانية وما يزاملها من المعارف الالهية. والآية تشتمل على تهديد أهل الكتاب بما يستدل عليه بالبغي وهو الانتقام كما يشتمل قوله تعالى في الآيات السابقة قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم الآية على تهديد المشركين والكفار ولعل هذا هو السبب في أنه جمع أهل الكتاب والمشركين معا في الآية التالية في الخطاب بقوله قل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم إلخ وفيه إشعار بالتهديد أيضا. قوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن الضمير في حاجوك

[ 122 ]

راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن يقولوا أن اختلافنا ليس لبغى منا بعد البيان بل إنما هو شئ ساقنا إليه عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في تحصيل العلم بحقائق الدين من غير أن ندع التسليم لجانب الحق سبحانه وأن ما تراه وتدعو إليه يا محمد من هذا القبيل أو يقولوا ما يشابه ذلك والدليل على ذلك قوله فقل أسلمت وجهي لله وقوله وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأ سلمتم فإن الجملتين حجة سيقت لقطع خصامهم وحجاجهم لا إعراض عن المحاجة معهم. ومعناها مع حفظ ارتباطها بما قبلها أن الدين عند الله الاسلام لا يختلف فيه كتب الله ولا يرتاب فيه سليم العقل ويتفرع عليه أن لا حجة عليك في إسلامك وأنت مسلم فإن حاجوك في أمر الدين فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين ثم سلهم أأسلموا فإن أسلموا فقد اهتدوا وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك ولا حجة عليهم ولا مخاصمة بعد ذلك بينكم وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا ينبغي الخصام في أمر ضروري وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه وما عليك إلا البلاغ. وقد أشرك سبحانه في الآية بين أهل الكتاب والاميين بقوله وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم لكون الدين مشتركا بينهم وإن اختلفوا في التوحيد و التشريك. وقد علق الاسلام على الوجه وهو ما يستقبلك من الشئ أو الوجه بالمعنى الاخص لكون إسلام الوجه لاشتماله على معظم الحواس والمشاعر إسلاما لجميع البدن ليدل على معنى الاقبال والخضوع لامر الرب تعالى وعطف قوله ومن اتبعن حفظا لمقام التبعية وتشريفا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. قوله تعالى وقل للذين اوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم إلى آخر الآية المراد باللاميين المشركين سموا بذلك لتسمية من وضع في مقابلهم بأهل الكتاب وكذا كان أهل الكتاب يسمونهم كما حكاه تعالى من قوله ليس علينا في الاميين سبيل: آل عمران - 75 والامي هو الذي لا يكتب ولا يقرء. وفي قوله تعالى وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد دلالة اولا على النهي عن المراء والالحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر الضروري

[ 123 ]

لا تكون إلا مرائا ولجاجا في البحث وثانيا على أن الحكم في حق الناس والامر مطلقا إلى الله سبحانه وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى ليس لك من الامر شئ: آل عمران - 128 وقال تعالى لست عليهم بمسيطر: الغاشية - 23 وثالثا على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله والله بصير بالعباد بعد قوله فإنما عليك البلاغ لا يخلو من ذلك ويدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية وهو قوله تعالى قولوا آمنا بالله إلى أن قال ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم: البقرة - 137 تذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الاسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي ويطيب نفسه فالآية أعني قوله وإن تولوا فإنما عليك البلاغ كناية عن الامر بتخلية ما بينهم وبين ربهم وإرجاع أمرهم إليه وهو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم. ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعض المفسرين أن في الآية دليلا على حرية الاعتقاد في أمر الدين وأن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت مسوقه لغير ذلك. وفي قوله بصير بالعباد حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل بصير بهم أو بصير بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده ومربوبون له أسلموا أو تولوا. قوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله إلى آخر الآية الكلام في الآية وإن كان مسوقا سوق الاستيناف لكنه مع ذلك لا يخلو عن إشعار وبيان للتهديد الذي يشعر به آخر الآية السابقة فإن مضمونها منطبق على أهل الكتاب وخاصة اليهود. وقوله يكفرون ويقتلون في موضعين للاستمرار ويدلان على كون الكفر بآيات الله وهو الكفر بعد البيان بغيا وقتل الانبياء وهو قتل من غير حق وقتل الذين يدعون إلى القسط والعدل وينهون عن الظلم والبغي دأبا وعادة جارية فيما بينهم كما يشتمل عليه تاريخ اليهود فقد قتلوا جمعا كثيرا وجما غفيرا من أنبيائهم وعبادهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وكذا النصارى جروا مجريهم.

[ 124 ]

وقوله فبشرهم بعذاب أليم تصريح بشمول الغضب ونزول السخط وليس هو العذاب الاخروي فحسب بدليل قوله تعالى عقيب الآية اولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة إلخ فهم مبشرون بالعذاب الدنيوي والاخروي معا أما الاخروي فأليم عذاب النار وأما الدنيوي فهو ما لقوه من التقتيل والاجلاء وذهاب الاموال والانفس وما سخط الله عليهم بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة على ما تصرح به آيات الكتاب العزيز. وفي قوله تعالى اولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين دلالة اولا على حبط عمل من قتل رجلا من جهة أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر وثانيا على عدم شمول الشفاعة له يوم القيامة لقوله وما لهم من ناصرين. قوله تعالى أ لم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب إلى آخر الآية يومي إلى تسجيل البغي على أهل الكتاب حسب ما نسبه الله تعالى إليهم وأنهم يبغون باتخاذ الخلاف وإيجاد اختلاف الكلمة في الدين فإنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب كتاب الله بينهم لم يسلموا له وتولوا وأعرضوا عنه وليس ذلك إلا باغترارهم بقولهم لن تمسنا الخ وبما افتروه على الله في دينهم. والمراد بالذين اوتوا نصيبا من الكتاب أهل الكتاب وإنما لم يقل اوتوا الكتاب وقيل اوتوا نصيبا من الكتاب ليدل على أن الذي في أيديهم من الكتاب ليس إلا نصيبا منه دون جميعه لان تحريفهم له وتغييرهم وتصرفهم في كتاب الله أذهب كثيرا من أجزائه كما يومي إليه قوله في آخر الآية التالية وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وكيف كان فالمراد والله أعلم أنهم يتولون عن حكم كتاب الله اعتزازا بما قالوا واغترارا بما وضعوه من عند أنفسهم واستغنائا به عن الكتاب. قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار الخ معناه واضح واغترارهم بفريتهم التي افترتها أنفسهم مع أن الانسان لا ينخدع عن نفسه مع العلم بأنها خدعة باطلة إنما هو لكون المغرورين غير المفترين وعلى هذا فنسبة الافتراء الذي توسل إليها سابقوهم إلى هؤلاء المغرورين من اللاحقين لكونهم امه واحدة يرضى بعضهم بفعال بعض. وإما لان الاغترار بغرور النفس والغرور بالفرية الباطلة مع العلم بكونها فرية

[ 125 ]

باطلة وذكر المغرور أنه هو الذي افترى ما يغتر به من الفرية ليس من أهل الكتاب ومن اليهود خاصة ببعيد وقد حكى الله عنهم مثله بل ما هو أعجب من ذلك حيث قال تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلى بعضهم إلى بعض قالوا أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون: البقرة - 77. على أن الانسان يجري في أعماله وأفعاله على ما تحصل عنده من الاحوال أو الملكات النفسانية والصور التي زينتها ونمقتها له نفسه دون الذي حصل له العلم به كما أن المعتاد باستعمال المضرات كالبنج والدخان وأكل التراب ونحوها يستعملها وهو يعلم أنها مضرة وأن استعمال المضر مما لا ينبغي إلا أن الهيئة الحاصلة في نفسه ملذة له جاذبة إياه إلى الاستعمال لا تدع له مجالا للتفكر والاجتناب ونظائر ذلك كثيرة. فهم لاستحكام الكبر والبغي وحب الشهوات في أنفسهم يجرون على طبق ما تدعوهم إليه فريتهم فكانت فريتهم هي الغارة لهم في دينهم وهم مع ذلك كرروا ذكر ما افتروه على الله سبحانه ولم يزالوا يكررونه ويلقنونه أنفسهم حتى أذعنوا به أي اطمأنوا وركنوا إليه بالتلقين الذي يؤثر أثر العلم كما بينه علماء النفس فصارت الفرية الباطلة بالتكرار والتلقين تغرهم في دينهم وتمنعهم عن التسليم لله والخضوع للحق الذي أنزله في كتابه. قوله تعالى فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه إلى آخر الآية مدخول كيف مقدر يدل عليه الكلام مثل يصنعون ونحوه وفي الآية إيعاد لهؤلاء الذين تولوا إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم وهم معرضون غير أنه لما اريد بيان أنهم غير معجزين لله سبحانه اخذ في الكلام من حالهم يوم القيامة وهم مستسلمون يومئذ ما يضاهي حالهم في الدنيا عند الدعوة إلى حكم كتاب الله وهم غير مسلمين له مستكبرون عنه ولهذا اخذ بالمحاذاة بين الكلامين وعبر عن ما يجري عليهم يوم القيامة بمثل قوله إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه الخ دون أن يقال إذا أحييناهم أو بعثناهم أو ما يماثل ذلك. والمعنى والله أعلم أنهم يتولون ويعرضون إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم اغترارا بما افتروه في دينهم واستكبارا عن الحق فكيف يصنعون إذا جمعناهم

[ 126 ]

ليوم لا ريب فيه وهو يوم القضاء الفصل والحكم الحق ووفيت كل نفس ما كسبت والحكم حكم عدل وهم لا يظلمون وإذا كان كذلك كان الواجب عليهم أن لا يتولوا ويعرضوا مظهرين بذلك أنهم معجزون لله غالبون على أمره فإن القدرة كله لله وما هي إلا أيام مهلة وفتنة.

( بحث روائي )

 في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم قال ": سألته عن قوله إن الدين عند الله الاسلام فقال الذي فيه الايمان وعن ابن شهر آشوب عن الباقر عله السلام: في قوله تعالى إن الدين عند الله الاسلام الآية قال التسليم لعلي بن أبيطالب بالولاية. أقول وهو من الجري ولعل ذلك هو المراد أيضا من الرواية السابقة. وعنه أيضا عن علي عليه السلام قال: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي - ولا ينسبها أحد بعدي الاسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين - واليقين هو التصديق والتصديق هو الاقرار - والاقرار هو الاداء والاداء هو العمل - المؤمن أخذ دينه عن ربه - إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله - وإن الكافر يعرف كفره بانكاره -. أيها الناس دينكم دينكم - فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره - إن السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل. أقول قوله عليه السلام لانسبن الاسلام نسبة المراد بالنسبة التعريف كما سميت سورة التوحيد في الاخبار بنسبة الرب والذي عرف به تعريف باللازم في غير الاول أعني قوله الاسلام هو التسليم فإنه تعريف لفظي عرف فيه اللفظ بلفظ آخر أوضح منه ويمكن أن يراد بالاسلام المعنى الاصطلاحي له وهو هذا الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى قوله تعالى إن الدين عند الله الاسلام وبالتسليم الخضوع والانقياد ذاتا وفعلا فيعود الجميع إلى التعريف باللازم. والمعنى ان هذا الدين المسمى بالاسلام يستتبع خضوع الانسان لله سبحانه

[ 127 ]

ذاتا وفعلا ووضعه نفسه وأعماله تحت أمره وإرادته وهو التسليم والتسليم لله يستتبع أو يلزم اليقين بالله و ارتفاع الريب فيه واليقين يستتبع التصديق وإظهار صدق الدين والتصديق يستتبع الاقرار وهو الاذعان بقراره وكونه ثابتا لا يتزلزل في مقره ولا يزول عن مكانه وإقراره يستتبع أدائه وأدائه يستتبع العمل. وقوله عليه السلام وإن الحسنة في غيره لا تقبل المراد بعدم القبول عدم الثواب بإزائه في الآخرة أو عدم الاثر الجميل المحمود عند الله في الدنيا بسعادة الحيوة وفي الآخرة بنعيم الجنة فلا ينافي ما ورد أن الكفار يوجرون في مقابل حسناتهم بشئ من حسنات الدنيا قال تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره: الزلزال - 7. وفي المجمع عن أبي عبيدة الجراح قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة - قال رجل قتل نبيا - أو رجلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر ثم قرء - الذين يقتلون النبيين بغير حق - ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس - ثم قال يا أبا عبيدة - قتلت بنوا إسرائيل ثلثة وأربعين نبيا في ساعة - فقام مأة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل - فامروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر - فقتلوا جميعا آخر النهار من ذلك اليوم - وهو الذي ذكره الله. اقول وروي هذا المعنى في الدر المنثور عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة. وفي الدر المنثور أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت المدراس على جماعه من يهود - فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو وحرث بن زيد - على أي دين أنت يا محمد قال - على ملة إبراهيم ودينه قالا - فإن ابراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم - فأبيا عليه فأنزل الله - ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم إلى قوله وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. أقول وروى بعضهم أن قوله تعالى ألم تر نزل في قصة الرجم وسيجئ ذكرها في ذيل الكلام على قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جائكم رسولنا يبين لكم

[ 128 ]

كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب الآية: المائدة - 15 والروايتان من الآحاد وليستا بتلك القوة = قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير (26). تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27):

( بيان )

 الآيتان لا تخلوان عن ارتباط ما بما تقدمهما من الكلام في شأن أهل الكتاب وخاصة اليهود لاشتماله على وعيدهم وتهديدهم بعذاب الدنيا والآخرة ومن العذاب ما سلب الله عنهم الملك وضرب عليهم الذل والمسكنة إلى يوم القيامة وأخذ أنفاسهم وذهب باستقلالهم في السؤدد. على أن غرض السورة كما مر بيان أن الله سبحانه هو القائم على خلق العالم وتدبيره فهو مالك الملك يملك من يشاء ويعز من يشاء وبالجملة هو المعطي للخير لمن يشاء وهو الآخذ النازع للملك والعزة ولكل خير عمن يشاء فمضمون الآيتين غير خارج عن غرض السورة. قوله تعالى قل اللهم مالك الملك أمر بالالتجاء إلى الله تعالى الذي بيده الخير على الاطلاق وله القدرة المطلقة ليتخلص من هذه الدعاوي الوهمية التي نشبت في قلوب المنافقين والمتمردين من الحق من المشركين وأهل الكتاب فضلوا وهلكوا بما قدروه لانفسهم من الملك والعزة والغنى من الله سبحانه ويعرض الملتجي نفسه على إفاضة مفيض الخير والرازق لمن يشاء بغير حساب. والملك بكسر الميم مما نعرفه فيما بيننا ونعهده من غير ارتياب في أصله فمن

[ 129 ]

الملك بكسر الميم ما هو حقيقي وهو كون شئ كالانسان مثلا بحيث يصح له أن يتصرف في شئ أي تصرف أمكن بحسب التكوين والوجود كما يمكن للانسان أن يتصرف في باصرته بإعمالها وإهمالها بأي نحو شاء وأراد وكذا في يده بالقبض والبسط والاخذ بها والترك ونحو ذلك ولا محالة بين المالك وملكه بهذا المعنى رابطة حقيقية غير قابلة التغير يوجب قيام المملوك بالمالك نحو قيام لا يستغنى عنه ولا يفارقه إلا بالبطلان كالبصر واليد إذا فارقا الانسان ومن هذا القبيل ملكه تعالى بكسر الميم للعالم ولجميع أجزائه وشئونه على الاطلاق فله أن يتصرف فيما شاء كيفما شاء. ومن الملك بكسر الميم ما هو وضعي اعتباري وهو كون الشئ كالانسان بحيث يصح له أن يتصرف في شئ كيف شاء بحسب الرابطة التي اعتبرها العقلاء من أهل الاجتماع لغرض نيل الغايات والاغراض الاجتماعية وإنما هو محاذاة منهم لما عرفوه في الوجود من الملك الحقيقي وآثاره فاعتبروا مثله في ظرف اجتماعهم بالوضع والدعوى لينالوا بذلك من هذه الاعيان والامتعة فوائد نظير ما يناله المالك الحقيقي من ملكه الحقيقي التكويني. ولكون الرابطة بين المالك والمملوك في هذا النوع من الملك بالوضع والاعتبار نرى ما نرى فيه من جواز التغير والتحول فمن الجائز أن ينتقل هذا النوع من الملك من إنسان إلى آخر بالبيع والهبة وسائر أسباب النقل. وأما الملك بالضم فهو وإن كان من سنخ الملك بالكسر إلا أنه ملك لما يملكه جماعة الناس فإن المليك مالك لما يملكه رعاياه له أن يتصرف فيما يملكونه من غير أن يعارض تصرفهم تصرفه ولا أن يزاحم مشيئتهم مشيئته فهو في الحقيقة ملك على ملك وهو ما نصطلح عليه بالملك الطولي كملك المولى للعبد وما في يده ولهذا كان للملك بالضم من الاقسام ما ذكرناه للملك بالكسر. والله سبحانه مالك كل شئ ملكا مطلقا أما أنه مالك لكل شئ على الاطلاق فلان له الربوبية المطلقة والقيمومة المطلقة على كل شئ فإنه خالق كل شئ وإله كل شئ قال تعالى ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو: المؤمن - 62

[ 130 ]

وقال تعالى له ما في السموات وما في الارض: البقرة - 255 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن كل ما يسمى شيئا فهو قائم الذات به مفتقر الذات إليه لا يستقل دونه فلا يمنعه فيما أراده منها وفيها شئ وهذا هو الملك بالكسر كما مر. وأما أنه مليك على الاطلاق فهو لازم إطلاق كونه مالكا للموجودات فإن الموجودات أنفسها يملك بعضها بعضا كالاسباب حيث تملك مسبباتها والاشياء تملك قواها الفعالة والقوى الفعالة تملك أفعالها كالانسان يملك أعضائه وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك وهي تملك أفعالها وإذ كان الله سبحانه يملك كل شئ فهو يملك كل من يملك منها شيئا ويملك ما يملكه و هذا هو الملك بالضم فهو مليك على الاطلاق قال تعالى له الملك وله الحمد: التغابن - 1 وقال تعالى عند مليك مقتدر: القمر - 55 إلى غير ذلك من الآيات هذا هو الحقيقي من الملك والملك. وأما الاعتباري منها فإنه تعالى مالك لانه هو المعطي لكل من يملك شيئا من المال ولو لم يملك لم يصح منه ذلك ولكان معطيا لما لا يملك لمن لا يملك قال تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم: النور - 33. وهو تعالى مليك يملك ما في أيدي الناس لانه شارع حاكم يتصرف بحكمه فيما يملكه الناس كما يتصرف الملوك فيما عند رعاياهم من المال قال تعالى قل أعوذ برب الناس ملك الناس: الناس - 2 وقال تعالى وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها: إبراهيم - 34 وقال تعالى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه: الحديد - 7 وقال تعالى وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والارض: الحديد - 10 وقال تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار: المؤمن - 16 فهو تعالى يملك ما في أيدينا قبلنا ويملكه معنا وسيراه بعدنا عز ملكه. ومن التأمل فيما تقدم يظهر أن قوله تعالى اللهم مالك الملك مسوق اولا لبيان ملكه تعالى بالكسر لكل ملك بالضم ومالكية الملك بالضم هو الملك على الملك بالضم فيهما فهو ملك الملوك الذي هو المعطي لكل ملك ملكه كما قال تعالى أن آتاه الله الملك: البقرة - 258 وقال تعالى وآتيناهم ملكا عظيما: النساء - 54.

[ 131 ]

وثانيا يدل بتقديم لفظ الجلالة على بيان السبب فهو تعالى مالك الملك لانه الله جلت كبريائه وهو ظاهر. وثالثا أن المراد بالملك في الآية الشريفة والله أعلم ما هو أعم من الحقيقي والاعتباري فإن ما ذكر من أمره تعالى في الآية الاولى أعني قوله تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء على ما سنوضحه من شؤون الملك الاعتباري وما ذكره في الآية الثانية من شؤون الملك الحقيقي فهو مالك الملك مطلقا. قوله تعالى تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء الملك باطلاقه شامل لكل ملك حقا أو باطلا عدلا أو جورا فان الملك كما تقدم بيانه في قوله أن آتاه الله الملك الآية: البقرة - 258 في نفسه موهبة من مواهب الله ونعمة يصلح لان يترتب عليه آثار حسنة في المجتمع الانساني وقد جبل الله النفوس على حبه والرغبة فيه والملك الذي تقلده غير أهله ليس بمذموم من حيث إنه ملك وإنما المذموم إما تقلد من لا يليق بتقلده كمن تقلده جورا وغصبا وإما سيرته الخبيثة مع قدرته على حسن السيرة ويرجع هذا الثاني أيضا بوجه إلى الاول. وبوجه آخر يكون الملك بالنسبة إلى من هو أهله نعمة من الله سبحانه إليه وبالنسبة إلى غير أهله نقمة وهو على كل حال منسوب إلى الله سبحانه وفتنة يمتحن به عباده. وقد تقدم أن التعليق على المشية في أفعاله تعالى كما في هذه الآية ليس معناه وقوع الفعل جزافا تعالى عن ذلك بل المراد عدم كونه تعالى مجبرا في فعله ملزما عليه فهو تعالى يفعل ما يفعل بمشيته المطلقة من غير أن يجبره أحد أو يكرهه وأن جرى فعله على المصلحة دائما. قوله تعالى وتعز من تشاء وتذل من تشاء العز كون الشئ بحيث يصعب مناله ولذا يقال للشئ النادر الوجود أنه عزيز الوجود أي صعب المنال ويقال عزيز القوم لمن يصعب قهره والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجد انه كل ما لهم من غير عكس ثم استعمل في كل

[ 132 ]

صعوبة كما يقال يعز على كذا قال تعالى عزيز عليه ما عنتم: التوبة - 128 أي صعب عليه واستعمل في كل غلبة كما يقال من عز بز أي من غلب سلب قال تعالى وعزني في الخطاب: ص - 23 أي غلبني والاصل في معناه ما مر. ويقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر محقق أو مفروض قال تعالى ضربت عليهم الذلة والمسكنة: البقرة - 61 وقال تعالى واخفض لهما جناح الذل الاسراء - 24 وقال تعالى أذلة على المؤمنين: المائدة - 54. والعزة من لوازم الملك على الاطلاق وكل من سواه إذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك وملكه وإن ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا وما عند غيره منها فانما هو بايتائه وإفضاله قال تعالى أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا - النساء - 139 وقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين: المنافقون - 8 وهذه هي العزة الحقيقية وأما غيرها فانما هي ذل في صورة عز قال تعالى بل الذين كفروا في عزة وشقاق: ص - 2 ولذا أردفه بقوله كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص: ص - 3. وللذل بالمقابلة ما يقابل العز من الحكم فكل شئ غيره تعالى ذليل في نفسه إلا من أعزه الله تعالى تعز من تشاء وتذل من تشاء. قوله تعالى بيدك الخير إنك على كل شئ قدير الاصل في معنى الخير هو الانتخاب وإنما نسمي الشئ خيرا لانا نقيسه إلى شئ آخر نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير ولا نختاره إلا لكونه متضمنا لما نريده ونقصده فما نريده هو الخير بالحقيقة وإن كنا أردناه أيضا لشئ آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة وغيره خير من جهته فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى خيرا لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره وهو المنتخب من بين الاشياء إذا أردنا واحدا منها وترددنا في اختياره من بينها. فالشئ كما عرفت إنما يسمى خيرا لكونه منتخبا إذا قيس إلى شئ آخر مؤثرا بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الغير ولذا قيل إنه صيغة التفضيل وأصله أخير وليس بأفعل التفضيل وإنما يقبل انطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق

[ 133 ]

بغيره كما يتعلق أفعل التفضيل يقال زيد أفضل من عمرو وزيد أفضلهما ويقال زيد خير من عمرو وزيد خيرهما. ولو كان خير صيغة التفضيل لجرى فيه ما يجري عليه ويقال أفضل وأفاضل وفضلي وفضليات ولا يجرى ذلك في خير بل يقال خير وخيرة وأخيار وخيرات كما يقال شيخ وشيخة وأشياخ وشيخات فهو صفة مشبهة. ومما يؤيده استعماله في موارد لا يستقيم فيه معنى أفعل التفضيل كقوله تعالى قل ما عند الله خير من اللهو: الجمعة - 11 فلا خير في اللهو حتى يستقيم معنى أفعل وقد اعتذروا عنه وعن أمثاله بأنه منسلخ فيها عن معنى التفضيل وهو كما ترى فالحق أن الخير إنما يفيد معنى الانتخاب واشتمال ما يقابله من المقيس عليه على شئ من الخير من الخصوصيات الغالبة في الموارد ويظهر مما تقدم أن الله سبحانه هو الخير على الاطلاق لانه الذي ينتهي إليه كل شئ ويرجع إليه كل شئ ويطلبه ويقصده كل شئ لكن القرآن الكريم لا يطلق عليه سبحانه الخير إطلاق الاسم كسائر أسمائه الحسنى جلت أسمائه وإنما يطلقه عليه إطلاق التوصيف كقوله تعالى والله خير وأبقى: طه - 73 وكقوله تعالى أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار: يوسف - 39. نعم وقع الاطلاق على نحو التسمية بالاضافة كقوله تعالى والله خير الرازقين: الجمعة - 11 وقوله وهو خير الحاكمين: الاعراف - 87 وقوله وهو خير الفاصلين: الانعام - 57 وقوله وهو خير الناصرين: آل عمران - 150 وقوله والله خير الماكرين: آل عمران - 54 وقوله وأنت خير الفاتحين: الاعراف - 89 وقوله وأنت خير الغافرين: الاعراف - 155 وقوله وأنت خير الوارثين: الانبياء - 89 وقوله وأنت خير المنزلين: المؤمنون - 29 وقوله وأنت خير الراحمين: المؤمنون - 109. ولعل الوجه في جميع ذلك اعتبار ما في مادة الخير من معنى الانتخاب فلم يطلق اطلاق الاسم عليه تعالى صونا لساحته تعالى أن يقاس إلى غيره بنحو الاطلاق وقد عنت الوجوه لجنابه وأما التسمية عند الاضافة والنسبة وكذا التوصيف في الموارد

[ 134 ]

المقتضية لذلك فلا محذور فيه. والجملة أعنى قوله تعالى بيدك الخير تدل على حصر الخير فيه تعالى لمكان اللام وتقديم الظرف الذي هو الخبر والمعنى أن أمر كل خير مطلوب إليك وأنت المعطي المفيض إياه. فالجملة في موضع التعليل لما تقدمت عليها من الجمل أعني قوله تؤتي الملك من تشاء إلخ من قبيل تعليل الخاص بما يعمه وغيره أعني أن الخير الذي يؤتيه تعالى أعم من الملك والعزة وهو ظاهر. وكما يصح تعليل إيتاء الملك والاعزاز بالخير الذي بيده تعالى كذلك يصح تعليل نزع الملك والاذلال فانهما وإن كانا شرين لكن ليس الشر إلا عدم الخير فنزع الملك ليس إلا عدم الاعزاز فانتهاء كل خير إليه تعالى هو الموجب لانتهاء كل حرمان من الخير بنحو إليه تعالى نعم الذي يجب انتفائه عنه تعالى هو الاتصاف بما لا يليق بساحة قدسه من نواقص أفعال العباد وقبائح المعاصي إلا بنحو الخذلان وعدم التوفيق كما مر البحث عن ذلك. وبالجملة هناك خير وشر تكوينيان كالملك والعزة ونزع الملك والذلة والخير التكويني أمر وجودي من إيتاء الله تعالى والشر التكويني إنما هو عدم إيتاء الخير ولا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه فإنه هو المالك للخير لا يملكه غيره فإذا أعطى غيره شيئا من الخير فله الامر وله الحمد وإن لم يعط أو منع فلا حق لغيره عليه حتى يلزمه عليه فيكون امتناعه من الاعطاء ظلما على أن إعطائه ومنعه كليهما مقارنان للمصالح العامة الدخيلة في صلاح النظام الدائر بين أجزاء العالم. وهناك خير وشر تشريعيان وهما أقسام الطاعات والمعاصي وهما الافعال الصادرة عن الانسان من حيث انتسابها إلى اختياره ولا تستند من هذه الجهة إلى غير الانسان قطعا وهذه النسبة هي الملاك لحسنها وقبحها ولو لا فرض اختيار في صدورها لم تتصف بحسن ولا قبح وهي من هذه الجهة لا تنتسب إليه تعالى إلا من حيث توفيقه تعالى وعدم توفيقه لمصالح تقتضي ذلك. فقد تبين إن الخير كله بيد الله وبذلك ينتظم أمر العالم في اشتماله على كل

[ 135 ]

وجدان وحرمان وخير وشر وقد ذكر بعض المفسرين أن في قوله بيدك الخير ايجازا بالحذف والتقدير بيدك الخير والشر كما قيل نظير ذلك في قوله تعالى وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر " النحل - 81 أي والبرد. وكأن السبب في ذلك الفرار عن الاعتزال لقول المعتزلة بعدم استناد الشرور إليه تعالى وهو من عجيب الاجتراء على كلامه تعالى والمعتزلة وان أخطاوا في نفي الانتساب نفيا مطلقا حتى بالواسطة لكنه لا يجوز هذا التقدير الغريب وقد تقدم البحث عن ذلك وبيان حقيقة الامر. قوله تعالى إنك على كل شئ قدير في مقام التعليل لكون الخير بيده تعالى فإن القدرة المطلقة على كل شئ توجب أن لا يقدر أحد على شئ إلا بإقداره تعالى اياه على ذلك ولو قدر أحد على شئ من غير أن تستند قدرته إلى إقداره تعالى كان مقدوره من هذه الجهة خارجا عن سعة قدرته تعالى فلم يكن قديرا على كل شئ وإذا كانت لقدرته هذه السعة كان كل خير مفروض مقدورا عليه له تعالى وكان أيضا كل خير أفاضه غيره منسوبا إليه مفاضا عن يديه فهو له أيضا فجنس الخير الذي لا يشذ منه شاذ بيده وهذا هو الحصر الذي يدل عليه قوله تعالى بيدك الخير. قوله تعالى تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل الولوج هو الدخول والظاهر كما ذكروه أن المراد من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ما هو المشاهد من اختلاف الليل والنهار في عرض السنة بحسب اختلاف عروض البقاع والامكنة على بسيط الارض واختلاف ميول الشمس فتأخذ الايام في الطول والليالي في القصر وهو ولوج النهار في الليل بعد انتهاء الليالى في الطول من أول الشتاء إلى أول الصيف ثم يأخذ الليالي في الطول والايام في القصر وهو ولوج الليل في النهار بعد انتهاء النهار في الطول من أول الصيف إلى أول الشتاء كل ذلك في البقاع الشمالية والامر في البقاع الجنوبية على عكس الشمالية منها فالطول في جانب قصر في الجانب الآخر فهو تعالى يولج الليل في النهار والنهار في الليل دائما أما الاستواء في خط الاستواء والقطبين فإنما هو بحسب الحس وأما في الحقيقة فحكم التغيير دائم وشامل.

[ 136 ]

قوله تعالى وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وذلك إخراج المؤمن من صلب الكافر وإخراج الكافر من صلب المؤمن فإنه تعالى سمى الايمان حيوة ونورا والكفر موتا وظلمة كما قال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها: الانعام - 122 ويمكن أن يراد الاعم من ذلك ومن خلق الاحياء كالنبات والحيوان من الارض العديمة الشعور وإعادة الاحياء إلى الارض بإماتتها فإن كلامه تعالى كالصريح في أنه يبدل الميت إلى الحي والحي إلى الميت قال تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون: المؤمنون - 15 إلى غيرها من الآيات. وأما ما ذهب إليه بعض علماء الطبيعة أن الحيوة التى تنتهي إلى جراثيمها تسلك فيها سلوكا من جرثومة حية إلى اخرى مثلها من غير أن تنتهي إلى المادة الفاقدة للشعور وذلك لانكاره الكون الحادث فيبطله الموت المحسوس الذي تثبته التجربة في جراثيم الحيوة فتبدل الحيوة إلى الموت يكشف عن الربط بينهما ولبقية الكلام مقام آخر. والآية أعني قوله تعالى تولج الليل في النهار إلخ تصف تصرفه تعالى في الملك الحقيقي التكويني كما أن الآية السابقة أعني قوله تؤتي الملك من تشاء إلخ تصف تصرفه في الملك الاعتباري الوضعي وتوابعه. وقد وضع في كل من الآيتين أربعة أنحاء من التصرف بنحو التقابل فوضع في الاولى إيتاء الملك ونزعه وبحذائهما في الثانية إيلاج الليل في النهار وعكسه ووضع الاعزاز والاذلال وبحذائهما إخراج الحي من الميت وعكسه وفي ذلك من عجيب اللطف ولطيف المناسبة ما لا يخفى فإن إيتاء الملك نوع تسليط لبعض أفراد الناس على الباقين بإعفاء قدر من حريتهم وإطلاقهم الغريزي وإذهابها كتسليط الليل على النهار بإذهاب الليل بعض ما كان يظهره النهار ونزع الملك بالعكس من ذلك وكذا إعطاء العزة نوع إحياء لمن كان خامد الذكر خفي الاثر لولاها نظير إخراج الحي من الميت والاذلال بالعكس من ذلك وفي العزة حيوة وفي الذلة ممات. وهنا وجه آخر وهو أن الله عد النهار في كلامه آية مبصرة والليل آية ممحوة قال تعالى فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة: الاسراء - 12 ومظهر

[ 137 ]

هذا الاثبات والامحاء في المجتمع الانساني ظهور الملك والسلطنة وزواله وعد الحيوة والموت مصدرين للآثار من العلم والقدرة كما قال تعالى أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون: النحل - 21 وخص العزة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين حيث قال ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين: المنافقون - 8 وهم الذين يذكرهم بالحيوة فصارت العزة والذلة مظهرين في المجتمع الانساني للحيوة والموت ولهذا قابل ما ذكره في الآية الاولى من إيتاء الملك ونزعه والاعزاز والاذلال بما في الآية الثانية من إيلاج الليل في النهار وعكسه وإخراج الحي من الميت وعكسه. ثم وقعت المقابلة بين ما ذكره في الآية الثانية وترزق من تشاء بغير حساب وما ذكره في الآية الاولى بيدك الخير كما سيجئ بيانه. قوله تعالى وترزق من تشاء بغير حساب المقابلة المذكورة آنفا تعطي أن يكون قوله وترزق إلخ بيانا لما سبقه من إيتاء الملك والعز والايلاج وغيره فالعطف عطف تفسير فيكون من قبيل بيان الخاص من الحكم بما هو أعم منه كما أن قوله بيدك الخير بالنسبة إلى ما سبقه من هذا القبيل والمعنى إنك متصرف في خلقك بهذه التصرفات لانك ترزق من تشاء بغير حساب.

( معنى الرزق في القرآن)

الرزق معروف والذي يتحصل من موارد استعماله أن فيه شوبا من معنى العطاء كرزق الملك الجندي ويقال لما قرره الملك لجنديه مما يؤتاه جملة رزقة وكان يختص بما يتغذى به لا غير كما قال تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف: البقرة - 233 فلم يعد الكسوة رزقا. ثم توسع في معناه فعد كل ما يصل الانسان من الغذاء رزقا كأنه عطية بحسب الحظ والجد وإن لم يعلم معطيه ثم عمم فسمى كل ما يصل إلى الشئ مما ينتفع به رزقا وإن لم يكن غذائا كسائر مزايا الحيوة من مال وجاه وعشيرة وأعضاد وجمال وعلم وغير ذلك قال تعالى ام تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين " المؤمنون - 72 وقال فيما يحكى عن شعيب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على

[ 138 ]

بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا: هود - 88 والمراد به النبوة والعلم إلى غير ذلك من الآيات. والمتحصل من قوله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " الذاريات - 58 والمقام مقام الحصر اولا أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى والله خير الرازقين: الجمعة - 11 حيث أثبت رازقين وعده تعالى خيرهم وقوله وارزقوهم فيها واكسوهم: النساء - 5 كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته ولغيره بإعطائه وإذنه فهو الرزاق لا غير. وثانيا أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم والله رازقه ويدل على ذلك مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها آيات كثيرة أخر كالآيات الدالة على أن الخلق والامر والحكم والملك بكسر الميم والمشية والتدبير والخير لله محضا عز سلطانه. وثالثا أن ما ينتفع به الانسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية لا ينسب إليه تعالى لانه تعالى نفي نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع قال تعالى قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون: الاعراف - 28 وقال تعالى إن الله يأمر بالعدل والاحسان إلى أن قال وينهي عن الفحشاء والمنكر: النحل - 90 وحاشاه سبحانه أن ينهي عن شئ ثم يأمر به أو ينهي عنه ثم يحصر رزقه فيه. ولا منافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع وكونه رزقا بحسب التكوين إذ لا تكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا وما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين وليس البيان الالهي بموقوف على الافهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية وفي القرآن شفاء لجميع القلوب لا يستضر به إلا الخاسرون قال تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " الاسراء - 82. على ان الآيات تنسب الملك الذي لامثال نمرود وفرعون والاموال والزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله آتاهم

[ 139 ]

ذلك امتحانا وإتماما للحجة وخذلانا واستدراجا ونحو ذلك وهذا كله نسب تشريعية وإذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح. ثم إنه تعالى ذكر أن كل شئ فهو مخلوق له منزل من عنده من خزائن رحمته كما قال وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " الحجر - 21 وذكر أيضا أن ما عنده فهو خير قال تعالى وما عند الله خير: القصص - 60 وانضمام الآيتين وما في معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شئ في العالم ويتلبس به مدى وجوده فهو من الله سبحانه وهو خير له ينتفع به ويتنعم بسببه كما يفيده أيضا قوله تعالى الذي أحسن كل شئ خلقه " الم السجدة - 7 مع قوله تعالى ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو: المؤمن - 64. وأما كون بعض ما ينال الاشياء من المواهب الالهية شرا يستضر به فإنما شريته وإضراره نسبي متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة مع كونه خيرا نافعا بالنسبة إلى آخرين وبالنسبة إلى علله وأسبابه في نظام الكون كما مر يشير إليه قوله تعالى وما أصابك من سيئة فمن نفسك " النساء - 79 وقد مر البحث عن هذا المعنى فيما مر. وبالجملة جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير وكله خير ينتفع به يكون رزقا بحسب انطباق المعنى إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشئ المرزوق وربما أشار إليه قوله تعالى ورزق ربك خير: طه - 131. ومن هنا يظهر أن الرزق والخير والخلق بحسب المصداق على ما يبينه القرآن امور متساوية فكل رزق خير ومخلوق وكل خلق رزق وخير وإنما الفرق أن الرزق يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه والغاذية رزق للواحد من الانسان لاحتياجه إليها والواحد من الانسان رزق لوالديه لانتفاعهما به وكذا وجود الانسان خير للانسان بفرضه عاريا عن هذه النعمة الالهية قال تعالى الذي أعطى كل شئ خلقه: طه - 50. والخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه فالغذاء خير للقوة الغاذية بفرضها محتاجة إليه طالبة له تنتخبه وتختاره إذا أصابته والقوه الغاذية خير للانسان ووجود الانسان خير له بفرضه محتاجا طالبا

[ 140 ]

وأما الخلق والايجاد فلا يحتاج من حيث تحقق معناه إلى شئ ثابت أو مفروض فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه وكذا القوة الغاذية مخلوقة والانسان مخلوق. ولما كان كل رزق لله وكل خير لله محضا فما يعطيه تعالى من عطية وما أفاضه من خير وما يرزقه من رزق فهو واقع من غير عوض وبلا شئ مأخوذ في مقابله إذ كل ما فرضنا من شئ فهو له تعالى حقا ولا استحقاق هناك إذ لا حق لاحد عليه تعالى إلا ما جعل هو على نفسه من الحق كما جعله في مورد الرزق قال تعالى وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها: هود - 6 وقال تعالى فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون: الذاريات - 23. فالرزق مع كونه حقا على الله لكونه حقا مجعولا من قبله عطية منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق. ومن هنا يظهر أن للانسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر التشريع فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه ثم يرزقه من وجه الحرام ثم ينهاه عن التصرف فيه ويعاقبه عليه. وتوضيحه ببيان آخر أن الرزق لما كان هو العطية الالهية بالخير كان هو الرحمة التي له على خلقه وكما أن الرحمة رحمتان رحمة عامة تشمل جميع الخلق من مؤمن وكافر ومتق وفاجر وإنسان وغير إنسان ورحمة خاصة وهي الرحمة الواقعة في طريق السعادة كالايمان والتقوى والجنة كذلك الرزق منه ما هو رزق عام وهو العطية الالهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده ومنه ما هو رزق خاص وهو الواقع في مجرى الحل. وكما أن الرحمة العامة والرزق العام مكتوبان مقدران قال تعالى وخلق كل شئ فقدره تقديرا: الفرقان - 2 كذلك الرحمة الخاصة والرزق الخاص مكتوبان مقدران وكما أن الهدى وهو رحمة خاصة مكتوب مقدر تقديرا تشريعيا لكل إنسان مؤمنا كان أو كافرا ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب قال تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما اريد منهم من رزق وما اريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين: الذاريات - 58 وقال تعالى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه: الاسراء - 23 فالعبادة وهى تستلزم الهدى وتتوقف عليه مقضية مقدرة

[ 141 ]

تشريعا كذلك الرزق الخاص هو الذى عن مجرى الحل مقضى مقدر قال تعالى قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افترائا على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين: الانعام - 140 وقال تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء: النحل - 71 والآيتان كما ترى ذواتا إطلاق قطعي يشمل الكافر والمؤمن ومن يرتزق بالحلال ومن يرتزق بالحرام. ومن الواجب أن يعلم أن الرزق كما مر من معناه هو الذي ينتفع به من العطية على قدر ما ينتفع فمن اوتي الكثير من المال وهو لا يأكل إلا القليل منه فإنما رزقه هو الذي أكله والزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة الايتاء دون الاكل فسعة الرزق وضيقه غير كثرة المال مثلا وقلته وللكلام في الرزق تتمة ستمر بك في قوله تعالى وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين: هود - 6. ولنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى وترزق من تشاء بغير حساب فنقول توصيف الرزق بكونه بغير حساب إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا فلا يقابل عطيته منهم شئ فلا حساب لرزقه تعالى. وأما كون نفى الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدر فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى إنا كل شئ خلقناه بقدر: القمر - 49 وقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا " الطلاق - 3 فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض لكنه مقدر على ما يريده تعالى. وقد تحصل من الآيتين اولا أن الملك بضم الميم كله لله كما أن الملك بكسر الميم كله لله. وثانيا أن الخير كله بيده ومنه تعالى. وثالثا أن الرزق عطية منه تعالى بلا عوض واستحقاق.

[ 142 ]

ورابعا أن الملك والعزة وكل خير اعتباري من خيرات الاجتماع كالمال والجاه والقوة وغير ذلك كل ذلك من الرزق المرزوق.

( بحث روائي )

 في الكافي عن عبد الاعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له قل اللهم مالك الملك - تؤتي الملك من تشاء - وتنزع الملك ممن تشاء أليس قد آتى الله بني أمية الملك قال - ليس حيث تذهب إن الله عز وجل آتانا الملك - وأخذته بني أمية بمنزلة الرجل يكون له الثوب - فيأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه: اقول وروى مثله العياشي عن داود بن فرقد عنه عليه السلام وإيتاء الملك على ما تقدم بيانه يكون على وجهين إيتاء تكويني وهو انبساط السلطنة على الناس ونفوذ القدرة فيهم سواء كان ذلك بالعدل أو بالظلم كما قال تعالى في نمرود أن آتاه الله الملك وأثره نفوذ الكلمة ومضى الامر والارادة وسنبحث عن معنى كونه تكوينيا وإيتاء تشريعي وهو القضاء بكونه ملكا مفترض الطاعة كما قال تعالى إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " البقرة - 247 وأثره افتراض الطاعة وثبوت الولاية ولا يكون إلا العدل وهو مقام محمود عند الله سبحانه والذي كان لبني أمية من الملك هو المعنى الاول وأثره وقد اشتبه الامر على راوي الحديث فأخذ ملكهم بالمعنى الاول وأخذ معه أثر المعنى الثاني وهو المقام الشرعي والحمد الديني فنبهه عليه السلام أن الملك بهذا المعنى ليس لبني أمية بل هو لهم ولهم أثره وبعبارة اخرى الملك الذي لبني أمية إنما يكون محمودا إذا كان في أيديهم عليهم وأما في أيدي بني أمية فليس إلا مذموما لانه مغصوب وعلى هذا فلا ينسب إلى إيتاء الله إلا بنحو المكر والاستدراج كما في ملك نمرود وفرعون. وقد اشتبه الامر على هؤلاء أنفسهم أعني بني أمية في هذه الآية ففي الارشاد في قصة إشخاص يزيد بن معاوية رؤوس شهداء الطف قال المفيد ولما وضعت الرؤوس وفيها رأس الحسين عليه السلام قال

يزيد نفلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما.

[ 143 ]

قال ثم أقبل على أهل مجلسه فقال إن هذا كان يفخر على ويقول أبي خير من أب يزيد وامي خير من امه وجدى خير من جده وأنا خير منه فهذا الذي قتله فأما قوله بأن أبي خير من أب يزيد فلقد حاج أبي أباه فقضى الله لابي على أبيه وأما قوله بأن امي خير من ام يزيد فلعمري لقد صدق إن فاطمة بنت رسول الله خير من امي وأما قوله جدي خير من جده فليس لاحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول بأنه خير من محمد وأما قوله بأنه خير مني فلعله لم يقرء هذه الآية قل اللهم مالك الملك الآية. وردت زينب بنت علي عليه وعليها السلام عليه قوله بمثل ما ذكره الصادق عليه السلام في الرواية السابقة على ما رواه السيد بن طاووس وغيره فقالت فيما خاطبته: أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى ان بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا مهلا مهلا أنسيت قول الله: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " الخطبة. وفي المجمع في قوله تعالى وتخرج الحي من الميت الآية قيل معناه وتخرج المؤمن من الكافر وتخرج الكافر من المؤمن قال وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. أقول وروى قريبا منه الصدوق عن العسكري عليه السلام. وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أو عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي قال المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وفيه أيضا بالطريق السابق عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضه بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا ابالي وقبض بالاخرى قبضة فجاء فيها كل ردئ فقال: هؤلاء أهل النار ولا ابالي

[ 144 ]

فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن - ويخرج المؤمن من الكافر فذلك قوله - تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي. أقول وروي هذا المعنى عن عدة من أصحاب التفسير عن سلمان أيضا مقطوعا والرواية من أخبار الذر والميثاق وسيجئ بيانها في موضع يليق بها إنشاء الله. وفي الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن ابن محبوب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: ألا إن الروح الامين نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب - ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوه بشئ من معصية الله فإن الله تعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما فمن اتقى الله وصبر اتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عز وجل وأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه. وفي النهج قال عليه السلام: الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك فلا تحمل هم سنتك يومك كفاك كل يوم ما فيه فإن تكن السنة من عمرك فإن الله تعالى جده سيؤتيك في كل غد جديد ما قسم لك - وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهم لما ليس لك ولن يسبقك إلى رزقك طالب ولن يغلبك عليه غالب ولن يبطئ عنك ما قد قدر لك. وفي قرب الاسناد ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرزق لينزل من السماء إلى الارض على عدد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لها ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله. أقول والروايات في هذه المعاني كثيرة وسيجئ استيفاء البحث عن أخبار الرزق في سورة هود إنشاء الله تعالى.

(بحث علمي)

 قد تقدم في بعض ما مر من الابحاث السابقة أن اعتبار أصل الملك (بالكسر) من الاعتبارات الضرورية التي لا غنى للبشر عنها في حال سواء كان منفردا أو مجتمعا

[ 145 ]

وأن أصله ينتهي إلى اعتبار الاختصاص فهذا حال الملك (بالكسر). وأما الملك (بالضم) وهو السلطنة على الافراد فهو أيضا من الاعتبارات الضرورية التي لا غنى للانسان عنها لكن الذي يحتاج إليه ابتدائا هو الاجتماع من حيث تألفه من أجزاء كثيرة مختلفة المقاصد متبائنة الارادات دون الفرد من حيث إنه فرد فإن الافراد المجتمعين لتبائن إراداتهم واختلاف مقاصدهم لا يلبثون دون أن يقع الاختلاف بينهم فيتغلب كل على الآخرين في أخذ ما بأيديهم والتعدي على حومة حدودهم وهضم حقوقهم فيقع الهرج والمرج ويصير الاجتماع الذي اتخذوه وسيلة إلى سعادة الحيوة ذريعة إلى الشقاء والهلاك ويعود الدواء دائا ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارية إلا بجعل قوة قاهرة على سائر القوى مسيطرة على جميع الافراد المجتمعين حتى تعيد القوى الطاغية المستعلية إلى حاق الوسط وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضا فتتحد جميع القوى من حيث المستوى ثم تضع كل واحدة منها في محلها الخاص وتعطي كل ذي حق حقه. ولما لم تكن الانسانية في حين من الاحيان خالية الذهن عن فكر الاستخدام كما مر بيانه سالفا لم يكن الاجتماعات في الاعصار السالفة خالية عن رجال متغلبين على الملك مستعلين على سائر الافراد المجتمعين ببسط الرقية والتملك على النفوس والاموال وكانت بعض فوائد الملك الذي ذكرناه وهو وجود من يمنع عن طغيان بعض الافراد على بعض يترتب على وجود هذا الصنف من المتغلبين المستعلين المتظاهرين باسم الملك في الجملة وإن كانوا هم أنفسهم وأعضادهم وجلاوزتهم قوى طاغية من غير حق مرضي وذلك لكونهم مضطرين إلى حفظ الافراد في حال الذلة والاضطهاد حتى لا يتقوى من يثب على حقوق بعض الافراد فيثب يوما عليهم أنفسهم كما أنهم أنفسهم وثبوا على ما في أيدي غيرهم. وبالجملة بقاء جل الافراد على حال التسالم خوفا من الملوك المسيطرين عليهم كان يصرف الناس عن الفكر في اعتبار الملك الاجتماعي وإنما يشتغلون بحمد سيرة هؤلاء المتغلبين أذا لم يبلغ تعديهم مبلغ جهدهم ويتظلمون ويشتكون إذا بلغ بهم الجهد وحمل عليهم من التعدي ما يفوق طاقتهم.

[ 146 ]

نعم ربما فقدوا بعض هؤلاء المتسمين بالملوك والرؤساء بهلاك أو قتل أو نحو ذلك وأحسوا بالفتنة والفساد وهددهم اختلال النظم ووقوع الهرج فبادروا إلى تقديم بعض اولي الطول والقوة منهم وألقوا إليه زمام الملك فصار ملكا يملك أزمة الامور ثم يعود الامر على ما كان عليه من التعدي والتحميل. ولم تزل الاجتماعات على هذه الحال برهة بعد برهة حتى تضجرت من سوء سير هؤلاء المتسمين بالملوك في مظالمهم باستبدادهم في الرأي وإطلاقهم فيما يشائون فوضعت قوانين تعين وظائف الحكومة الجارية بين الامم وأجبرت الملوك باتباعها وصار الملك ملكا مشروطا بعد ما كان مطلقا واتحد الناس على التحفظ على ذلك وكان الملك موروثا. ثم أحست اجتماعات ببغي ملوكهم وسوء سيرهم ولا سبيل إليهم بعد ركوب أريكة الملك و تثبيتهم كون الملك موهبة غير متغيرة موروثة فبدلوا الملك برئاسة الجمهور فانقلب الملك المؤبد المشروط إلى ملك مؤجل مشروط وربما وجد في الاقوام والامم المختلفة أنواع من الملك دعاهم إلى وضعه الفرار عن المظالم التي شاهدوها ممن بيده زمام أمرهم وربما حدث في مستقبل الايام ما لم ينتقل أفهامنا إليه إلى هذا الآن. لكن الذي يتحصل من جميع هذه المساعى التي بذلتها الاجتماعات في سبيل إصلاح هذا الامر أعني إلقاء زمام الامة إلى من يدبر أمرها ويجمع شتات إراداتها المتضادة وقواها المتنافية أن لا غنى للمجتمع الانساني عن هذا المقام وهو مقام الملك وإن تغيرت أسمائه وتبدلت شرائطه بحسب اختلاف الامم ومرور الايام فإن طروق الهرج والمرج واختلال امر الحياة الاجتماعية على جميع التقادير من لوازم عدم اجتماع أزمة الارادات والمقاصد في إرادة واحدة لانسان واحد أو مقام واحد. وهذا هو الذي تقدم في أول الكلام أن الملك من الاعتبارات الضرورية في الاجتماع الانساني. وهو مثل سائر الموضوعات الاعتبارية التي لم يزل الاجتماع بصدد تكميلها وإصلاحها ورفع نواقصها وآثارها المضادة لسعادة الانسانية. وللنبوة في هذا الاصلاح السهم الاوفى فإن من المسلم في علم الاجتماع أن انتشار

[ 147 ]

قول ما من الاقوال بين العامة وخاصة إذا كان مما يرتبط بالغريزة ويستحسنه القريحة ويطمأن إليه النفوس المتوقعة أقوى سبب لتوحيد الميول المتفرقة وجعل الجماعات المتشتتة يدا واحدا تقبض وتبسط بإرادة واحدة لا يقوم لها شئ. ومن الضروري أن النبوة منذ أقدم عهود ظهورها تدعو الناس إلى العدل وتمنعهم عن الظلم وتندبهم إلى عبادة الله والتسليم له وتنهاهم عن اتباع الفراعنة الطاغين والنماردة المستكبرين المتغلبين ولم تزل هذه الدعوة بين الامم منذ قرون متراكمة جيلا بعد جيل وامة بعد امة وإن اختلفت بحسب السعة والضيق باختلاف الامم والازمنة ومن المحال أن يلبث مثل هذا العامل القوى بين الاجتماعات الانسانية قرونا متمادية وهو منعزل عن الاثر خال عن الفعل. وقد حكى القرآن الكريم في ذلك شيئا كثيرا من الوحي المنزل على الانبياء عليهم السلام كما حكى عن نوح فيما يشكوه لربه رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم: نوح - 23 وكذا ما وقع بينه وبين عظماء قومه من الجدال على ما يحكيه القرآن قال تعالى قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون: الشعراء - 113 وقول هود عليه السلام لقومه أ تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم جبارين " الشعراء 130 وقول صالح عليه السلام لقومه فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون " الشعراء - 152. ولقد قام موسى عليه السلام للدفاع عن بني إسرائيل ومعارضة فرعون في سيرته الجائرة الظالمة وانتهض قبله إبراهيم عليه السلام لمعارضة نمرود ومن بعده عيسى بن مريم عليه السلام وسائر أنبياء بني إسرائيل في معارضة مترفي أعصارهم من الملوك والعظماء وتقبيح سيرهم الظالمة ودعوة الناس إلى رفض طاعة المفسدين واتباع الطاغين. وأما القرآن فاستنهاضه الناس على الامتناع عن طاعة الافساد والاباء عن الضيم وإنبائه عن عواقب الظلم والفساد والعدوان والطغيان مما لا يخفى قال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الاوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك

[ 148 ]

سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد: الفجر - 14 إلى غير ذلك من الآيات. وأما أن الملك بالضم من ضروريات المجتمع الانساني فيكفي في بيانه أتم بيان قوله تعالى بعد سرد قصة طالوت ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين: البقرة - 251 وقد مر بيان كيفية دلالة الآية بوجه عام. وفي القرآن آيات كثيرة تتعرض للملك والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك واخرى تعده نعمة وموهبة كقوله تعالى وآتيناهم ملكا عظيما: النساء - 54 وقوله تعالى وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين: المائدة - 20 وقوله تعالى والله يؤتي ملكه من يشاء: البقرة - 247 إلى غير ذلك من الآيات. غير أن القرآن إنما يعده كرامة إذا اجتمع مع التقوى لحصره الكرامة على التقوى من بين جميع ما ربما يتخيل فيه شئ من الكرامة من مزايا الحيوة قال تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم: الحجرات - 13 والتقوى حسابه على الله ليس لاحد أن يستعلي به على أحد فلا فخر لاحد على أحد بشئ لانه إن كان أمرا دنيويا فلا مزية لامر دنيوي ولا قدر إلا للدين وإن كان أمرا اخرويا فأمره إلى الله سبحانه وعلى الجملة لا يبقى للانسان المتلبس بهذه النعمة أعني الملك في نظر رجل مسلم إلا تحمل الجهد ومشقة التقلد والاعباء نعم له عند ربه عظيم الاجر ومزيد الثواب إن لازم صراط العدل والتقوى. وهذا هو روح السيرة الصالحة التي لازمها أولياء الدين وسنشبع إن شاء الله العزيز هذا المعنى في بحث مستقل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله والطاهرين من آله الثابتة بالآثار الصحيحة وأنهم لم ينالوا من ملكهم إلا أن يثوروا على الجبابرة في فسادهم في الارض ويعارضوهم في طغيانهم واستكبارهم. ولذلك لم يدع القرآن الناس إلى الاجتماع على تأسيس الملك وتشييد بنيان القيصرية والكسروية وإنما تلقى الملك شأنا من الشئون اللازمة المراعاة في المجتمع الانساني نظير التعليم أو إعداد القوة لارهاب الكفار. بل إنما دعا الناس إلى الاجتماع والاتحاد والاتفاق على الدين ونهاهم عن

[ 149 ]

التفرق والشقاق فيه وجعله هو الاصل فقال تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله: الانعام - 153 وقال تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون: آل عمران - 64 فالقرآن كما ترى لا يدعو الناس إلا إلى التسليم لله وحده ويعتبر من المجتمع المجتمع الدينى ويدحض ما دون ذلك من عبادة الانداد والخضوع لكل قصر مشيد ومنتدي رفيع وملك قيصري وكسروي والتفرق بافراز الحدود وتفريق الاوطان وغير ذلك

( بحث فلسفي )

 لا ريب أن الواجب تعالى هو الذي تنتهي إليه سلسلة العلية في العالم وأن الرابطة بينه وبين العالم جزءا وكلا هي رابطة العلية وقد تبين في أبحاث العلة والمعلول أن العلية إنما هي في الوجود بمعنى أن الوجود الحقيقي في المعلول هو المترشح من وجود علته وأما غيره كالماهية فهو بمعزل عن الترشح والصدور والافتقار إلى العلة وينعكس بعكس النقيض إلى أن ما لا وجود حقيقي له فليس بمعلول ولا منته إلى الواجب تعالى. ويشكل الامر في استناد الامور الاعتبارية المحضة إليه تعالى إذ لا وجود حقيقي لها أصلا وإنما وجودها وثبوتها ثبوت اعتباري لا يتعدى ظرف الاعتبار والوضع وحيطة الفرض وما يشتمل عليه الشريعة من الامر والنهى والاحكام والاوضاع كلها امور اعتبارية فيشكل نسبتها إليه تعالى وكذا أمثال الملك والعز والرزق وغير ذلك. والذي تحل به العقدة أنها وإن كانت عارية عن الوجود الحقيقي إلا أن لها آثارا هي الحافظة لاسمائها كما مر مرارا وهذه الآثار امور حقيقية مقصودة بالاعتبار ولها نسبة إليه تعالى فهذه النسبة هي المصححة لنسبتها فالملك الذي بيننا أهل الاجتماع وإن كان أمرا اعتباريا وضعيا لا نصيب لمعناه من الوجود الحقيقي وإنما هو

[ 150 ]

معنى متوهم لنا جعلناه وسيلة إلى البلوغ إلى آثار خارجية لم يكن يمكننا البلوغ إليها لولا فرض هذا المعنى الموهوم وتقديره وهي قهر المتغلبين واولي السطوة والقوة من أفراد الاجتماع الواثبين على حقوق الضعفاء والخاملين ووضع كل من الافراد في مقامه الذي له وإعطاء كل ذي حق حقه وغير ذلك. لكن لما كان حقيقة معنى الملك واسمه باقيا ما دامت هذه الآثار الخارجية باقية مترتبة عليه فاستناد هذه الآثار الخارجية إلى عللها الخارجية هو عين استناد الملك إليه وكذلك القول في العزة الاعتبارية وآثارها الخارجية واستنادها إلى عللها الحقيقة وكذلك الامر في غيرها كالامر والنهي والحكم والوضع ونحو ذلك. ومن هنا يتبين أن لها جميعا استنادا إلى الواجب تعالى باستناد آثارها إليه على حسب ما يليق بساحة قدسه وعزه. لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقية ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) - قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الارض والله على كل شئ قدير (29) - يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31) - قل اطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32)

[ 151 ]

( بيان )

 الآيات غير خالية عن الارتباط بما تقدمها بناء على ما ذكرناه في الآيات السابقة أن المقام مقام التعرض لحال أهل الكتاب والمشركين والتعريض لهم فالمراد بالكافرين إن كان يعم أهل الكتاب فهذه الآيات تنهى عن توليهم والامتزاج الروحي بالمشركين وبهم جميعا وإن كان المراد بهم المشركين فحسب فالآيات متعرضة لهم ودعوة إلى تركهم والاتصال بحزب الله وحب الله وطاعة رسوله. قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين الاولياء جمع الولي من الولاية وهي في الاصل ملك تدبير أمر الشئ فولي الصغير أو المجنون أو المعتوه هو الذي يملك تدبير امورهم وامور أموالهم فالمال لهم وتدبير أمره لوليهم ثم استعمل وكثر استعماله في مورد الحب لكونه يستلزم غالبا تصرف كل من المتحابين فط امور الآخر لافضائه إلى التقرب والتأثر عن ارادة المحبوب وسائر شؤونه الروحية فلا يخلو الحب عن تصرف المحبوب في امور المحب في حيوته. فاتخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحي بهم بحيث يؤدي إلى مطاوعتهم والتأثر منهم في الاخلاق وسائر شؤون الحيوة وتصرفهم في ذلك ويدل على ذلك تقييد هذا النهي بقوله من دون المؤمنين فان فيه دلالة على ايثار حبهم على حب المؤمنين والقاء أزمة الحيوة إليهم دون المؤمنين وفيه الركون إليهم والاتصال بهم والانفصال عن المؤمنين. وقد تكرر ورود النهي في الآيات الكريمة عن تولي الكافرين واليهود والنصارى واتخاذهم أولياء لكن موارد النهي مشتملة على ما يفسر معنى التولي المنهي عنه ويعرف كيفية الولاية المنهي عنها كاشتمال هذه الاية على قوله من دون المؤمنين بعد قوله لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء واشتمال قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء الاية المائدة - 51 على قوله بعضهم أولياء بعض وتعقب قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الاية: الممتحنة - 1 بقوله لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين إلى آخر الآيات. وعلى هذا فأخذ هذه الاوصاف في قوله لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من

[ 152 ]

دون المؤمنين للدلاله على سبب الحكم وعلته وهو أن صفتي الكفر والايمان مع ما فيهما من البعد والبينونة ولا محالة يسري ذلك إلى من اتصف بهما فيفرق بينهما في المعارف والاخلاق وطريق السلوك إلى الله تعالى وسائر شؤون الحيوة لا يلائم حالهما مع الولاية فان الولاية يوجب الاتحاد والامتزاج وهاتان الصفتان توجبان التفرق والبينونة وإذا قويت الولاية كما إذا كان من دون المؤمنين أوجب ذلك فساد خواص الايمان وآثاره ثم فساد أصله ولذلك عقبه بقوله ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ ثم عقبه أيضا بقوله الا أن تتقوا منهم تقية فاستثنى التقية فان التقية إنما توجب صورة الولاية في الظاهر دون حقيقتها. ودون في قوله من دون المؤمنين كأنه ظرف يفيد معنى عند مع شوب من معنى السفالة والقصور والمعنى مبتدئا من مكان دون مكان المؤمنين فإنهم أعلى مكانا. والظاهر أن ذلك هو الاصل في معنى دون فكان في الاصل يفيد معنى الدنو مع خصوصية الانخفاض فقولهم دونك زيد أي هو في مكان يدنو من مكانك واخفض منه كالدرجة دون الدرجة ثم استعمل بمعنى غير كقوله إلهين من دون الله: المائدة - 116 وقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: النساء - 48 أي ما سوى ذلك أو ما هو أدون من ذلك وأهون كذا استعمل اسم فعل كقولهم دونك زيدا أي الزمه كل ذلك من جهة الانطباق على المورد دون الاشتراك اللفظي. قوله تعالى ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ أي ومن يتخذهم أولياء من دون المؤمنين وإنما بدل من لفظ عام للاشعار بنهاية نفرة المتكلم منه حتى أنه لا يتلفظ به الا بلفظ عام كالتكنية عن القبائح وهو شائع في اللسان ولذلك أيضا لم يقل ومن يفعل ذلك من المؤمنين كأن فيه صونا للمؤمنين من أن ينسب إليهم مثل هذا الفعل. ومن في قوله من الله للابتداء ويفيد في أمثال هذا المقام معنى التحزب أي ليس من حزب الله في شئ كما قال تعالى ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون: المائدة - 56 وكما فيما حكاه عن ابراهيم عليه السلام من قوله فمن تبعني فإنه مني: إبراهيم - 36 أي من حزبي وكيف كان فالمعنى والله أعلم ليس من حزب الله مستقرا في شئ من الاحوال والآثار.

[ 153 ]

قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقية الاتقاء في الاصل أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا للمسبب في مورد السبب ولعل التقية في المورد من هذا القبيل. والاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شئ لان الخوف والحب أمران قلبيان متبائنان ومتنافيان أثرا في القلب فكيف يمكن اتحادهما ؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع. وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية وهي قوله تعالى من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم: النحل - 106. وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة والاعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين ولا هم لشارعه إلا ظهور الحق وحياته وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحيوة الحق ما لا يترتب على تركها وإنكار ذلك مكابرة وتعسف وسنستوفي الكلام فيها في البحث الروائي التالي وفي الكلام على قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان: النحل - 106. قوله تعالى ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير التحذير تفعيل من الحذر وهو الاحتراز من أمر مخيف وقد حذر الله عباده من عذابه كما قال تعالى ان عذاب ربك كان محذورا: أسرى - 57 وحذر من المنافقين وفتنة الكفار فقال هم العدو فاحذرهم: المنافقين - 4 وقال واحذرهم ان يفتنوك: المائدة - 49 وحذرهم من نفسه كما في هذه الآية وما يأتي بعد آيتين وليس ذلك إلا للدلالة على أن الله سبحانه نفسه هو المخوف الواجب الاحتراز فيهذه المعصية أي ليس بين هذا المجرم وبينه تعالى شئ مخوف آخر حتى يتقى عنه بشئ أو يتحصن منه بحصن وإنما هو الله الذي لا عاصم منه ولا أن بينه وبين الله سبحانه أمر مرجو في دفع الشر عنه من ولي

[ 154 ]

ولا شفيع ففي الكلام أشد التهديد ويزيد في اشتداده تكراره مرتين في مقام واحد ويؤكده تذييله أولا بقوله وإلى الله المصير وثانيا بقوله و الله رؤوف بالعباد على ما سيجئ من بيانه ومن جهة اخرى يظهر من مطاوي هذه الآية وسائر الآيات الناهية عن اتخاذ غير المؤمنين أولياء أنه خروج عن زي العبودية ورفض لولاية الله سبحانه ودخول في حزب أعدائه لافساد أمر الدين وبالجملة هو طغيان وإفساد لنظام الدين الذي هو أشد وأضر بحال الدين من كفر الكافرين وشرك المشركين فإن العدو الظاهر عدواته المبائن طريقته مدفوع عن الحومة سهل الاتقاء والحذر وأما الصديق والحميم إذا استأنس مع الاعداء ودب فيه أخلاقهم وسننهم فلا يلبث فعاله إلا أن يذهب بالحومة وأهلها من حيث لا يشعرون وهو الهلاك الذي لا رجاء للحياة والبقاء معه. وبالجملة هو طغيان وأمر الطاغي في طغيانه إلى الله سبحانه نفسه قال تعالى أ لم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الاوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد: الفجر - 14 فالطغيان يسلك بالطاغي مسلكا يورده المرصاد الذي ليس به ألا الله جلت عظمته فيصب عليه سوط عذاب ولا مانع. ومن هنا يظهر إن التهديد بالتحذير من الله نفسه في قوله ويحذركم الله نفسه لكون المورد من مصاديق الطغيان على الله بإبطال دينه وإفساده. ويدل على ما ذكرناه قوله تعالى فاستقم كما امرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون " هود - 113 وهذه آية ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله أنها شيبته على ما في الرواية فإن الآيتين كما هو ظاهر للمتدبر ظاهرتان في أن الركون إلى الظالمين من الكافرين طغيان يستتبع مس النار استتباعا لا ناصر معه وهو الانتقام الالهي لا عاصم منه ولا دافع له كما تقدم بيانه. ومن هنا يظهر أيضا أن في قوله ويحذركم الله نفسه دلالة على أن التهديد إنما هو بعذاب مقضي قضائا حتما من حيث تعليق التحذير بالله نفسه الدال على عدم

[ 155 ]

حائل يحول في البين ولا عاصم من الله سبحانه وقد أوعد بالعذاب فينتج قطعية الوقوع كما يدل على مثله قوله في آيتي سورة هود فتمسكم النار وما لكم من ناصرين. وفي قوله وإلى الله المصير دلالة على أن لا مفر لكم منه ولا صارف له ففيه تأكيد التهديد السابق عليه. و الآيات أعني قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء الآية وما يتبعها من الآيات من ملاحم القرآن وسيجئ بيانه إنشاء الله في سورة المائدة. قوله تعالى قل إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يعلمه الله الآيه نظيرة قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله: البقرة - 284 غير أنه لما كان الانسب بحال العلم أن يتعلق بالمخفي بخلاف الحساب فإن الانسب له أن يتعلق بالبادي الظاهر قدم ذكر الاخفاء في هذه الآية على ذكر الابداء وجرى بالعكس منه في آية البقرة كما قيل. وقد أمر في الآية رسوله بإبلاغ هذه الحقيقة وهو علمه بما تخفيه أنفسهم أو تبديه من دون أن يباشره بنفسه كسابق الكلام وليس ذلك إلا ترفعا عن مخاطبة من يستشعر من حاله أنه سيخالف ما وصاه كما مر ما يشبه ذلك في قوله ومن يفعل ذلك. وفي قوله تعالى ويعلم ما في السموات والارض والله على كل شئ قدير مضاهاة لما مر من آية البقرة وقد مر الكلام فيه. قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضرا وما علمت من سوء الظاهر من اتصال السياق أنه من تتمة القول في الآية السابقة الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم والظرف متعلق بمقدر أي واذكر يوم تجد أو متعلق بقوله يعلمه الله ويعلم ولا ضير في تعليق علمه تعالى بما سنشاهده من أحوال يوم القيامة فإن هذا اليوم ظرف لعلمه تعالى بالنسبة إلى ظهور الامر لنا لا بالنسبة إلى تحققه منه تعالى وذلك كظهور ملكه وقدرته وقوته في اليوم قال تعالى يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار: المؤمن - 16 وقال لا عاصم اليوم من الله: هود - 43 وقال ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا: البقرة - 165

[ 156 ]

وقال والامر يومئذ لله: الانفطار - 19 إذ من المعلوم أن الله سبحانه له كل الملك والقدرة والقوة والامر دائما قبل القيامة وفيها وبعدها وإنما اختص يوم القيامة بظهور هذه الامور لنا معاشر الخلائق ظهورا لا ريب فيه. ومن ذلك يظهر أن تعلق الظرف بقوله يعلمه الله لا يفيد تأخر علمه تعالى بسرائر عباده من خير أو شر إلى يوم القيامة. على أن في قوله تعالى محضرا دون أن يقول حاضرا دلالة على ذلك فإن الاحضار إنما يتم فيما هو موجود غائب فالاعمال موجودة محفوظة عن البطلان يحضرها الله تعالى لخلقه يوم القيامة ولا حافظ لها إلا الله سبحانه قال تعالى وربك على كل شئ حفيظ: سبأ - 21 وقال وعندنا كتاب حفيظ: ق - 4 وقوله تجد من الوجدان خلاف الفقدان ومن في قوله من خير ومن سوء للبيان والتنكير للتعميم أي تجد كل ما عملت من الخير وإن قل وكذا من السوء وقوله وما عملت من سوء معطوف على قوله ما عملت من خير على ما هو ظاهر السياق والآية من الآيات الدالة على تجسم الاعمال وقد مر البحث عنها في سورة البقرة. قوله تعالى تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا الظاهر أنه خبر لمبتدأ محذوف وهو الضمير الراجع إلى النفس ولو للتمني وقد كثر دخوله في القرآن على أن المفتوحة المشددة فلا يعبأ بما قيل من عدم جوازه و تأويل ما ورد فيه ذلك من الموارد. والامد يفيد معنى الفاصلة الزمانية قال الراغب في مفردات القرآن الامد والابد يتقاربان لكن الابد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود ولا يتقيد لا يقال أبد كذا والامد مدة لها حد مجهول إذا اطلق وقد ينحصر نحو أن يقال أمد كذا كما يقال زمان كذا والفرق بين الزمان والامد أن الامد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدء والغاية ولذا قال بعضهم الامد والمدى يتقاربان انتهى. وفي قوله تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا دلالة على أن حضور سئ العمل يسوء النفس كما يشعر بالمقابلة بأن حضور خير العمل يسرها وإنما تود الفاصلة الزمانية بينها وبينه دون أن تود أنه لم يكن من أصله لما يشاهد من بقائه بحفظ الله فلا يسعها

[ 157 ]

إلا أن تحب بعده وعدم حضوره في أشق الاحوال وعند أعظم الاهوال كما يقول لقرين السوء نظير ذلك قال تعالى نقيض له شيطانا فهو له قرين إلى أن قال حتى إذ جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين: الزخرف - 38. قوله تعالى ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ذكر التحذير ثانيا يعطي من أهمية المطلب والبلوغ في التهديد ما لا يخفى ويمكن أن يكون هذا التحذير الثاني ناظرا إلى عواقب المعصية في الآخرة كما هو مورد نظر هذه الآية والتحذير الاول ناظرا إلى وبالها في الدنيا أو في الاعم من الدنيا والآخرة. وأما قوله والله رؤوف بالعباد فهو على كونه حاكيا عن رأفته وحنانه تعالى المتعلق بعباده كما يحكي عن ذلك الاتيان بوصف العبودية والرقية دليل آخر على تشديد التهديد إذ أمثال هذا التعبير في موارد التخويف والتحذير إنما يؤتى بها لتثبيت التخويف وايجاد الاذعان بأن المتكلم ناصح لا يريد الا الخير والصلاح تقول إياك أن تتعرض لي في أمر كذا فإني آليت أن لا اسامح مع من تعرض لي فيه انما اخبرك بهذا رأفة بك وشفقة. فيؤل المعنى والله أعلم إلى مثل أن يقال ان الله لرأفته بعباده ينهاهم قبلا أن يتعرضوا لمثل هذه المعصية التي وبال أمرها واقع لا محاله من غير أن يؤثر فيه شفاعة شافع ولا دفع دافع. قوله تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قد تقدم كلام في معنى الحب وأنه يتعلق بحقيقة معناه بالله سبحانه كما يتعلق بغيره في تفسير قوله تعالى " والذين آمنوا أشد حبا لله الآية: البقرة - 165. ونزيد عليه هيهنا أنه لا ريب أن الله سبحانه على ما ينادي به كلامه إنما يدعو عبده إلى الايمان به وعبادته بالاخلاص له والاجتناب عن الشرك كما قال تعالى " ألا لله الدين الخالص " الزمر - 3 وقال تعالى " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " البينة - 5 وقال تعالى " فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " المؤمن - 14 إلى غير ذلك من الآيات. ولا شك أن الاخلاص في الدين إنما يتم على الحقيقة إذا لم يتعلق قلب الانسان

[ 158 ]

الذي لا يريد شيئا ولا يقصد أمرا إلا عن حب نفسي وتعلق قلبي بغيره تعالى من معبود أو مطلوب كصنم أو ند أو غاية دنيوية بل ولا مطلوب اخروي كفوز بالجنة أو خلاص من النار وإنما يكون متعلق قلبه هو الله تعالى في معبوديته فالاخلاص لله في دينه إنما يكون بحبه تعالى. ثم الحب الذي هو بحسب الحقيقة الوسيلة الوحيدة لارتباط كل طالب بمطلوبه وكل مريد بمراده إنما يجذب المحب إلى محبوبه ليجده ويتم بالمحبوب ما للمحب من النقص ولا بشرى للمحب أعظم من أن يبشر أن محبوبه يحبه وعند ذلك يتلاقى حبان ويتعاكس دلالان. فالانسان إنما يحب الغذاء وينجذب ليجده ويتم به ما يجده في نفسه من النقص الذي آتيه الجوع وكذا يحب النكاح ليجد ما تطلبه منه نفسه الذي علامته الشبق وكذا يريد لقاء الصديق ليجده ويملك لنفسه الانس وله يضيق صدره وكذا العبد يحب مولاه والخادم ربما يتوله لمخدومه ليكون مولى له حق المولوية ومخدوما له حق المخدومية ولو تأملت موارد التعلق والحب أو قرأت قصص العشاق والمتولهين على اختلافهم لم تشك في صدق ما ذكرناه. فالعبد المخلص لله بالحب لا بغية له إلا أن يحبه الله سبحانه كما أنه يحب الله ويكون الله له كما يكون هو لله عز اسمه فهذا هو حقيقة الامر غير أن الله سبحانه لا يعد في كلامه كل حب له حبا (والحب في الحقيقة هو العلقة الرابطة التي تربط أحد الشيئين بالآخر) على ما يقضي به ناموس الحب الحاكم في الوجود فإن حب الشئ يقتضي حب جميع ما يتعلق به ويوجب الخضوع والتسليم لكل ما هو في جانبه والله سبحانه هو الله الواحد الاحد الذي يعتمد عليه كل شئ في جميع شئون وجوده ويبتغي إليه الوسيلة ويصير إليه كل ما دق وجل فمن الواجب أن يكون حبه والاخلاص له بالتدين له بدين التوحيد وطريق الاسلام على قدر ما يطيقه إدراك الانسان وشعوره وإن الدين عند الله الاسلام وهذا هو الدين الذي يندب إليه سفرائه ويدعو إليه أنبيائه ورسله وخاصة دين الاسلام الذي فيه من الاخلاص ما لا إخلاص فوقه وهو الدين الفطري الذي يختم به الشرائع وطرق النبوه كما يختم بصادعه الانبياء عليهم السلام وهذا الذى ذكرناه مما لا يرتاب فيه المتدبر في كلامه تعالى.

[ 159 ]

وقد عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبيله الذي سلكه بسبيل التوحيد وطريقة الاخلاص على ما أمره الله سبحانه حيث قال قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين: يوسف - 108 فذكر أن سبيله الدعوة إلى الله على بصيرة والاخلاص لله من غير شرك فسبيله دعوة وإخلاص واتباعه واقتفاء أثره إنما هو في ذلك فهو صفة من اتبعه. ثم ذكر الله سبحانه أن الشريعة التي شرعها له صلى الله عليه وآله وسلم هي الممثلة لهذا السبيل سبيل الدعوة والاخلاص فقال ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها: الجاثية - 18 وذكر أيضا أنه إسلام لله حيث قال فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن: آل عمران - 20 ثم نسبه إلى نفسه وبين أنه صراطه المستقيم فقال وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه: الانعام - 153 فتبين بذلك كله أن الاسلام وهو الشريعة المشرعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مجموع المعارف الاصلية والخلقية والعملية وسيرته في الحيوة هو سبيل الاخلاص عند الله سبحانه الذي يعتمد ويبتني على الحب فهو دين الاخلاص وهو دين الحب. ومن جميع ما تقدم على طوله يظهر معنى الآية التي نحن بصدد تفسيرها أعني قوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فالمراد والله أعلم إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي ممثله الاخلاص والاسلام وهو صراط الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب وعند ذلك تجدون ما تريدون وهذا هو الذى يبتغيه محب بحبه هذا هو الذى تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها. وأما بالنظر إلى وقوعها بعد الآيات الناهية عن اتخاذ الكفار أولياء وارتباطها بما قبلها فهذه الولاية لكونها تستدعى في تحققها تحقق الحب بين الانسان وبين من يتولى كما تقدم كانت الآية ناظرة إلى دعوتهم إلى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كانوا صادقين في دعويهم ولاية الله وأنهم من حزبه فان ولاية الله لا يتم باتباع الكافرين في أهوائهم ولا ولاية إلا باتباع وابتغاء ما عندهم من مطامع الدنيا من عز ومال بل تحتاج إلى اتباع نبيه في دينه كما قال تعالى ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين

[ 160 ]

لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين: الجاثية - 19 انظر إلى الانتقال من معنى الاتباع إلى معنى الولاية في الآية الثانية. فمن الواجب على من يدعي ولاية الله بحبه أن يتبع الرسول حتى ينتهى ذلك إلى ولاية الله له بحبه. وإنما ذكر حب الله دون ولايته لانه الاساس الذى تبتنى عليه الولاية وإنما اقتصر على ذكر حب الله تعالى فحسب لان ولاية النبي والمؤمنين تؤل بالحقيقة إلى ولاية الله. قوله تعالى ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم الرحمة الواسعة الالهية وما عنده من الفيوضات المعنوية والصورية غير المتناهية غير موقوفة على شخص أو صنف من أشخاص عباده وأصنافهم ولا استثناء هناك يحكم على إطلاق إفاضته ولا سبيل يلزمه على الامساك إلا حرمان من جهة عدم استعداد المستفيض المحروم أو مانع أبداه بسوء اختياره قال تعالى وما كان عطاء ربك محظورا: أسرى - 20. والذنوب هي المانعة من نيل ما عنده من كرامه القرب والزلفى وجميع الامور التى هي من توابعها كالجنة وما فيها وإزالة رينها عن قلب الانسان ومغفرتها وسترها عليه هي المفتاح الوحيد لانفتاح باب السعادة والدخول في دار الكرامة ولذلك عقب قوله يحببكم الله بقوله ويغفر لكم ذنوبكم فإن الحب كما تقدم يجذب المحب إلى المحبوب وكما كان حب العبد لربه يستدعى منه التقرب بالاخلاص له وقصر العبودية فيه كذلك حبه تعالى لعبده يستدعى قربه من العبد وكشفه حجب البعد وسبحات الغيبة ولا حجاب إلا الذنب فيستدعى ذلك مغفرة الذنوب وأما ما بعده من الكرامة والافاضة فالجود كاف فيه كما تقدم آنفا. والتأمل في قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون: المطففين - 15 مع قوله تعالى فيهذه الآية يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم كاف في تأييد ما ذكرناه. قوله تعالى قل أطيعوا الله والرسول الخ لما كانت الآية السابقة تدعو إلى

[ 161 ]

اتباع الرسول والاتباع وهو اقتفاء الاثر لا يتم إلا مع كون المتبع اسم مفعول سالك سبيل والسبيل الذى يسلكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو الصراط المستقيم الذى هو لله سبحانه وهو الشريعة التى شرعها لنبيه وافترض طاعته فيه كرر ثانيا في هذه الآية معنى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قالب الاطاعة إشعارا بأن سبيل الاخلاص الذى هو سبيل النبي هو بعينه مجموع أوامر ونواه ودعوة وإرشاد فيكون اتباع الرسول في سلوك سبيله هو إطاعة الله ورسوله في الشريعة المشرعة ولعل ذكره تعالى مع الرسول للاشعار بأن الامر واحد وذكر الرسول معه سبحانه لان الكلام في اتباعه. ومن هنا يظهر عدم استقامة ما ذكره بعضهم في الآية أن المعنى أطيعوا الله في كتابه والرسول في سنته وذلك أنه مناف لما يلوح من المقام من أن قوله قل أطيعوا الله والرسول إلخ كالمبين لقوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني على أن الآية مشعرة بكون إطاعة الله و إطاعة الرسول واحدة ولذا لم يكرر الامر ولو كان مورد الاطاعة مختلفا في الله ورسوله لكان الانسب أن يقال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول كما في قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم: النساء - 59 كما لا يخفى. واعلم أن الكلام فيهذه الآية من حيث إطلاقها ومن حيث انطباقها على المورد نظير الكلام في الآية السابقة. قوله تعالى فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين فيه دلالة على كفر المتولي عن هذا الامر كما يدل على ذلك سائر آيات النهى عن تولى الكفار وفيه أيضا إشعار بكون هذه الآية كالمبينة لسابقتها حيث ختمت بنفى الحب عن الكافرين بأمر الاطاعة وقد كانت الآية الاولى متضمنة لاثبات الحب للمؤمنين المنقادين لامر الاتباع فافهم ذلك. وقد تبين من الكلام في هذه الآيات الكريمة أمور أحدها الرخصة في التقيه في الجملة. وثانيها أن مؤاخذة تولى الكفار والتمرد عن النهى فيه لا يتخلف البتة

[ 162 ]

وهى من القضاء الحتم. وثالثها أن الشريعة الالهية ممثلة للاخلاص لله والاخلاص له ممثل لحب الله سبحانه وبعبارة أخرى الدين الذى هو مجموع المعارف الالهية والامور الخلقية والاحكام العملية على ما فيها من العرض العريض لا ينتهى بحسب التحليل إلا إلى الاخلاص فقط وهو وضع الانسان ذاته وصفات ذاته وهي الاخلاق وأعمال ذاته وأفعاله على أساس أنها لله الواحد القهار والاخلاص المذكور لا يحلل إلا إلى الحب هذا من جهة التحليل ومن جهة التركيب ينتهي الحب إلى الاخلاص والاخلاص إلى مجموع الشريعة كما أن الدين بنظر آخر ينحل إلى التسليم والتسليم إلى التوحيد. ورابعها أن تولى الكافرين كفر والمراد به الكفر في الفروع دون الاصول ككفر مانع الزكوة وتارك الصلوة ويمكن أن يكون كفر المتولي بعناية ما ينجر إليه أمر التولى على ما مر بيانه وسيأتى في سورة المائدة.

( بحث روائي )

 في الدر المنثور ": في قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء الآية - أخرج ابن إسحق وابن جرير - وابن أبى حاتم عن ابن عباس قال - كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الاشرف - وابن أبى الحقيق وقيس بن زيد - وقد بطنوا بنفر من الانصار ليفتنوهم عن دينهم - فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير - وسعد بن خثيمة لاولئك النفر - اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود - واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم - فأبى اولئك النفر فأنزل الله - لا يتخذ المؤمنون الكافرين إلى قوله - والله على كل شئ قدير. أقول الرواية لا تلائم ظاهر الآية لما تقدم أن الكافرين في القرآن غير معلوم الاطلاق على أهل الكتاب فأولى بالقصة أن تكون سببا لنزول الآيات الناهية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء دون هذه الآيات. وفي الصافى: في قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقية الآية عن كتاب الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث وأمرك أن تستعمل التقية في دينك فإن الله يقول

[ 163 ]

وإياك ثم إياك أن تتعرض للهلاك - وأن تترك التقية التى أمرتك بها فإنك شائط بدمك ودماء إخوانك معرض لزوال نعمك ونعمهم - مذلهم في أيدى أعداء دين الله - وقد أمرك الله بإعزازهم وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال كان رسول الله يقول: لا دين لمن لا تقية له ويقول قال الله إلا أن تتقوا منهم تقية وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم وقد أحل الله له. اقول والاخبار في مشروعية التقية من طرق أئمة أهل البيت كثيرة جدا ربما بلغت حد التواتر وقد عرفت دلالة الآية عليها دلالة غير قابلة للدفع. وفي معاني الاخبار عن سعيد بن يسار قال: قال لى أبو عبد الله هل الدين إلا الحب - إن الله عز وجل يقول - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله. اقول ورواه في الكافي عن الباقر عليه السلام وكذا القمى والعياشي في تفسيريهما عن الحذاء عنه على السلام: وكذا العياشي في تفسيره عن بريد عنه عليه السلام وعن ربعى عن الصادق عليه السلام والرواية تؤيد ما أوضحناه في البيان المتقدم. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام قال: ما أحب الله من عصاه ثم تمثل بقوله

-      تعصي الاله وأنت تظهر حبه * هذا لعمري في الفعال بديع.

-      لو كان حبك صادقا لاطعته * إن المحب لمن يحب مطيع

وفي الكافي ع ن الصادق عليه السلام في حديث قال: ومن سره أن يعلم أن الله يحبه - فليعمل بطاعة الله وليتبعنا - أ لم يسمع قول الله عز وجل لنبيه - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله - ويغفر لكم ذنوبكم الحديث. اقول وسيأتى بيان كون اتباعهم اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكلام على قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر منكم الآية: النساء - 59 وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

[ 164 ]

من رغب عن سنتى فليس منى ثم تلا هذه الآية - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله إلى آخر الآية وفيه أيضا أخرج ابن أبى حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء - وأدناه أن يحب على شئ من الجور - ويبغض على شئ من العدل - وهل الدين إلا الحب والبغض في الله قال الله تعالى - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وفيه أيضا أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن أبى رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا ألقين أحدكم متكئا على أريكته - يأتيه الامر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه - فيقول لا ندرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه = إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) - ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34))

( بيان )

 افتتاح لقصص عيسى بن مريم وما يلحق بها وذكر حق القول فيها والاحتجاج على أهل الكتاب فيها وبالآيتين يرتبط ما بعدهما بما قبلهما من الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب. قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا إلى آخر الآية الاصطفاء كما مر بيانه في قوله تعالى لقد اصطفيناه في الدنيا: البقرة - 130 أخذ صفوة الشئ وتخليصه مما يكدره فهو قريب من معنى الاختيار وينطبق من مقامات الولاية على مقام الاسلام وهو جرى العبد في مجرى التسليم المحض لامر ربه فيما يرتضيه له. لكن ذلك غير الاصطفاء على العالمين ولو كان المراد بالاصطفاء هنا ذاك الاصطفاء لكان الانسب أن يقال من العالمين وأفاد اختصاص الاسلام بهم واختل

[ 165 ]

معنى الكلام فالاصطفاء على العالمين نوع اختيار وتقديم لهم عليهم في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم. ومن الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين: آل عمران - 42 حيث فرق بين الاصطفائين فالاصطفاء غير الاصطفاء. وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحا فأما آدم فقد اصطفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الانساني جعله الله في الارض قال تعالى وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة: البقرة - 30 وأول من فتح به باب التوبة قال تعالى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى: طه - 122 وأول من شرع له الدين قال تعالى فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى الآيات: طه - 123 فهذه أمور لا يشاركه فيها غيره ويا لها من منقبة له عليه السلام. وأما نوح فهو أول الخمسة اولى العزم صاحب الكتاب والشريعه كما مر بيانه في تفسير قوله تعالى كان الناس أمه واحدة فبعث الله النبيين: البقرة - 213 وهو الاب الثاني لهذا النوع وقد سلم الله تعالى عليه في العالمين قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين: الصافات - 79. ثم ذكر سبحانه آل إبراهيم وآل عمران من هؤلاء المصطفين والآل خاصة الشئ قال الراغب في المفردات الآل قيل مقلوب عن الاهل ويصغر على أهيل إلا أنه خص بالاضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الازمنة والامكنة يقال آل فلان ولا يقال آل رجل وآل زمان كذا أو موضع كذا ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الاشرف الافضل يقال آل الله وآل السلطان والاهل يضاف إلى الكل يقال أهل الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا وبلد كذا وقيل هو في الاصل اسم الشخص ويصغر أويلا ويستعمل فيمن يختص بالانسان اختصاصا ذاتيا إما بقرابة قريبة أو بموالاة انتهى موضع الحاجة فالمراد بآل إبراهيم وآل عمران خاصتهما من أهلهما والملحقين بهما على ما عرفت. فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل

[ 166 ]

والانبياء من بنى إسرائيل وإسماعيل والطاهرون من ذريته وسيدهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والملحقون بهم في مقامات الولاية إلا أن ذكر آل عمران مع آل إبراهيم يدل على أنه لم يستعمل على تلك السعة فإن عمران هذا إما هو أبو مريم أو أبو موسى عليه السلام وعلى أي تقدير هو من ذرية إبراهيم وكذا آله وقد أخرجوا من آل إبراهيم فالمراد بآل إبراهيم بعض ذريته الطاهرين لا جميعهم. وقد قال الله تعالى فيما قال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما: النساء - 54 والآية في مقام الانكار على بنى إسرائيل وذمهم كما يتضح بالرجوع إلى سياقها وما يحتف بها من الآيات ومن ذلك يظهر أن المراد من آل ابراهيم فيها غير بنى إسرائيل أعنى غير إسحق ويعقوب وذرية يعقوب وهم أي ذرية عقوب بنو إسرائيل فلم يبق لآل ابراهيم إلا الطاهرون من ذريته من طريق إسماعيل وفيهم النبي وآله. على أنا سنبين إنشاء الله أن المراد بالناس في الآية هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه داخل في آل ابراهيم بدلالة الآية. على أنه يشعر به قوله تعالى في ذيل هذه الآيات إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا الآية: آل عمران - 68 وقوله تعالى وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وأرنا مناسكنا إلى أن قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم الآيات: البقرة - 129. فالمراد بآل إبراهيم الطاهرون من ذريته من طريق إسمعيل والآية ليست في مقام الحصر فلا تنافى بين عدم تعرضها لاصطفاء نفس إبراهيم واصطفاء موسى وسائر الانبياء الطاهرين من ذريته من طريق إسحق وبين ما تثبتها آيات كثيرة من مناقبهم وسمو شأنهم وعلو مقامهم وهى آيات متكثرة جدا لا حاجة إلى إيرادها فإن إثبات الشئ لا يستلزم نفى ما عداه. وكذا لا ينافى مثل ما ورد في بنى إسرائيل من قوله تعالى ولقد آتينا بنى

[ 167 ]

اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين: الجاثية - 16 كل ذلك ظاهر ولا أن تفضيلهم على العالمين ينافى تفضيل غيرهم على العالمين ولا تفضيل غيرهم عليهم فإن تفضيل قوم واحد أو أقوام مختلفين على غيرهم إنما يستلزم تقدمهم في فضيلة دنيوية أو اخروية على من دونهم من الناس ولو نافى تفضيلهم على الناس تفضيل غيرهم أو نافى تفضيل هؤلاء المذكورين في الآية أعنى آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين تفضيل غيرهم على العالمين لاستلزم ذلك التنافى بين هؤلاء المذكورين في الآية أنفسهم وهو ظاهر. ولا أن تفضيل هؤلاء على غيرهم ينافى وقوع التفاضل فيما بينهم أنفسهم فقد فضل الله النبيين على سائر العالمين وفضل بعضهم على بعض قال تعالى وكلا فضلنا على العالمين: الانعام - 86 وقال أيضا ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض: أسرى - 55. وأما آل عمران فالظاهر أن المراد بعمران أبو مريم كما يشعر به تعقيب هاتين الآيتين بالآيات التى تذكر قصة امرأة عمران ومريم ابنة عمران وقد تكرر ذكر عمران أبى مريم باسمه في القرآن الكريم ولم يرد ذكر عمران أبى موسى حتى في موضع واحد يتعين فيه كونه هو المراد بعينه وهذا يؤيد كون المراد بعمران في الآية أبا مريم عليها السلام وعلى هذا فالمراد بآل عمران هو مريم وعيسى عليهما السلام أو هما وزوجة عمران. وأما ما يذكر أن النصارى غير معترفين بكون اسم أبى مريم عمران فالقرآن غير تابع لهواهم. قوله تعالى ذرية بعضها من بعض الذرية - في الاصل صغار الاولاد على ما ذكروا ثم استعملت في مطلق الاولاد وهو المعنى المراد في الآية وهى منصوبة عطف بيان. وفي قوله بعضها من بعض دلالة على أن كل بعض فرض منها يبتدئ وينتهى من البعض الآخر واليه ولازمه كون المجموع متشابه الاجزاء لا يفترق البعض من البعض في أوصافه وحالاته وإذا كان الكلام في اصطفائهم أفاد ذلك أنهم ذرية لا يفترقون في صفات الفضيلة التى اصطفاهم الله لاجلها على العالمين إذ لا جزاف ولا لعب

[ 168 ]

في الافعال الالهية ومنها الاصطفاء الذى هو منشأ خيرات هامة في العالم. قوله تعالى والله سميع عليم أي سميع بأقوالهم الدالة على باطن ضمائرهم عليم بباطن ضمائرهم وما في قلوبهم فالجملة بمنزلة التعليل لاصطفائهم كما أن قوله ذرية بعضها من بعض بمنزلة التعليل لشمول موهبة الاصطفاء لهؤلاء الجماعة فالمحصل من الكلام ان الله اصطفى هؤلاء على العالمين وإنما سرى الاصطفاء إلى جميعهم لانهم ذرية متشابهة الافراد بعضهم يرجع إلى البعض في تسليم القلوب وثبات القول بالحق وإنما أنعم عليهم بالاصطفاء على العالمين لانه سميع عليم يسمع أقوالهم ويعلم ما في قلوبهم.

( بحث روائي )

 في العيون في حديث الرضا مع المأمون: فقال المأمون هل فضل الله العترة على سائر الناس - فقال أبو الحسن - إن الله أبان فضل العترة على سائر الناس في محكم كتابه - فقال المأمون أين ذلك في كتاب الله - فقال له الرضا عليه السلام في قوله - إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم - وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض الحديث. وفي تفسير العياشي عن أحمد بن محمد عن الرضا عن أبى جعفر عليهما السلام: من زعم أنه فرغ من الامر فقد كذب - لان المشية لله في خلقه - يريد ما يشاء ويفعل ما يريد قال الله - ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم - آخرها من أولها وأولها من آخرها - فإذا أخبرتم بشئ منها بعينه - أنه كائن وكان في غيره منه - فقد وقع الخبر على ما أخبرتم عنه. أقول وفيه دلالة على ما تقدم في البيان السابق من معنى قوله ذرية بعضها من بعض الآية. وفيه أيضا عن الباقر عليه السلام: أنه تلا هذه الآية فقال - نحن منهم ونحن بقية تلك العترة. أقول قوله عليه السلام ونحن بقية تلك العترة - العترة بحسب الاصل في معناها الاصل الذى يعتمد عليه الشئ ومنه العترة للاولاد والاقارب الادنين ممن مضى وبعبارة اخرى العمود المحفوظ في العشيرة ومنه يظهر أنه عليه السلام استفاد من قوله

[ 169 ]

تعالى ذرية بعضها من بعض أنها عترة محفوظة آخذة من آدم إلى نوح إلى آل إبراهيم وآل عمران ومن هنا يظهر النكتة في ذكر آدم ونوح مع آل إبراهيم وعمران فهى إشارة إلى اتصال السلسلة في الاصطفاء = إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى إنك أنت السميع العليم (35) - فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) - فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) - هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) - فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) - قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) - قال رب اجعل لى آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والابكار (41).

[ 170 ]

( بيان )

 قوله تعالى إذ قالت أمرأة عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى إنك أنت السميع العليم النذر إيجاب الانسان على نفسه ما ليس بواجب و التحرير هو الاطلاق عن وثاق ومنه تحرير العبد عن الرقية وتحرير الكتاب كأنه إطلاق للمعانى عن محفظة الذهن والفكر والتقبل هو القبول عن رغبة ورضى كتقبل الهدية وتقبل الدعاء ونحو ذلك. وفي قوله قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني دلالة على أنها إنما قالت هذا القول حينما كانت حاملا وأن حملها كان من عمران ولا يخلو الكلام من إشعار بأن زوجها عمران لم يكن حيا عندئذ وإلا لم يكن لها أن تستقل بتحرير ما في بطنها هذا الاستقلال كما يدل عليه أيضا ما سيأتي من قوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم الآية: آل عمران - 44 على ما سيجئ من البيان. ومن المعلوم أن تحرير الاب أو الام للولد ليس تحريرا عن الرقية وإنما هو تحرير عن قيد الولاية التى للوالدين على الولد من حيث تربيته واستعماله في مقاصدهما وافتراض طاعتهما فبالتحرير يخرج من تسلط أبويه عليه في استخدامه وإذا كان التحرير منذورا لله سبحانه يدخل في ولاية الله يعبده ويخدمه أي يخدم في البيع والكنائس والاماكن المختصة بعبادته تعالى في زمان كان فيه تحت ولاية الابوين لو لا التحرير وقد قيل إنهم كانوا يحررون الولد لله فكان الابوان لا يستعملانه في منافعهما ولا يصرفانه في حوائجهما بل كان يجعل في الكنيسة يكنسها ويخدمها لا يبرح حتى يبلغ الحلم ثم يخير بين الاقامة والرواح فإن أحب أن يقيم أقام وإن أحب الرواح ذهب لشأنه. وفي الكلام دلالة على أنها كانت تعتقد أن ما في بطنها ذكر لا اناث حيث إنها تناجى ربها عن جزم وقطع من غير اشتراط وتعليق حيث تقول نذرت لك ما في بطني محررا من غير أن تقول مثلا إن كان ذكرا ونحو ذلك. وليس تذكير قوله محررا من جهة كونه حالا عن ما الموصولة التى يستوى فيه المذكر والمؤنث إذ لو كانت نذرت تحرير ما في بطنها سواء كان ذكرا أو انثى لم

[ 171 ]

يكن وجه لما قالتها تحزنا وتحسرا لما وضعتها رب إنى وضعتها انثى ولا وجه ظاهر لقوله تعالى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى على ما سيجئ بيانه. وفي حكايته تعالى لما قالتها عن جزم دلالة على أن اعتقادها ذلك لم يكن عن جزاف أو اعتمادا على بعض القرائن الحدسية التى تسبق إلى أذهان النسوان بتجارب ونحوه فكل ذلك ظن والظن لا يغنى من الحق شيئا وكلامه تعالى لا يشتمل على باطل إلا مع إبطاله وقد قال تعالى الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد: الرعد - 8 وقال تعالى عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام: لقمان - 34 فجعل العلم بما في الارحام من الغيب المختص به تعالى وقال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى: الجن - 27 فجعل علم غيره بالغيب منتهيا إلى الوحى فحكايته عنها الجزم في القول فيما يختص علمه بالله سبحانه يدل على أن علمها بذكورة ما في بطنها كان ينتهى بوجه إلى الوحى ولذلك لما تبينت أن الولد انثى لم تيأس عن ولد ذكر فقالت ثانيا عن جزم وقطع وإنى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم الآية فأثبتت لها ذرية ولا سبيل إلى العلم به ظاهرا. ومفعول قولها فتقبل منى وإن كان محذوفا محتملا لان يكون هو. نذرها من حيث إنه عمل صالح أو يكون هو ولدها المحرر لكن قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن لا يخلو عن إشعار أو دلالة على كون مرادها هو قبول الولد المحرر. قوله تعالى فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها انثى في وضع الضمير المؤنث موضع ما في بطنها إيجاز لطيف والمعنى فلما وضعت ما في بطنها وتبينت أنه انثى قالت رب إنى وضعتها انثى وهو خبر اريد به التحسر والتحزن دون الاخبار وهو ظاهر. قوله تعالى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى جملتان معترضتان وهما جميعا مقولتان له تعالى لا لامرأة عمران ولا أن الثانية مقولة لها والاولى مقولة لله. أما الاولى فهى ظاهرة لكن لما كانت قولها رب إنى وضعتها انثى مسوقا لاظهار التحسر كان ظاهر قوله والله أعلم بما وضعت أنه مسوق لبيان أنا نعلم أنها

[ 172 ]

انثى لكنا أردنا بذلك إنجاز ما كانت تتمناه بأحسن وجه وأرضى طريق ولو كانت تعلم ما أردناه من جعل ما في بطنها انثى لم تتحسر ولم تحزن ذاك التحسر والتحزن والحال أن الذكر الذى كانت ترجوه لم يكن ممكنا أن يصير مثل هذا الانثى التى وهبناها لها ويترتب عليه ما يترتب على خلق هذه الانثى فإن غاية أمره أن يصير مثل عيسى نبيا مبرئا للاكمه والابرص ومحييا للموتى لكن هذه الانثى ستتم به كلمة الله وتلد ولدا بغير أب وتجعل هي وابنها آية للعالمين ويكلم الناس في المهد ويكون روحا وكلمة من الله مثله عند الله كمثل آدم إلى غير ذلك من الآيات الباهرات في خلق هذه الانثى الطاهرة المباركة وخلق ابنها عيسى عليهما السلام. ومن هنا يظهر أن قوله وليس الذكر كالانثى مقول له تعالى لا لامرأة عمران ولو كان مقولا لها لكان حق الكلام ان يقال وليس الانثى كالذكر لا بالعكس وهو ظاهر فإن من كان يرجو شيئا شريفا أو مقاما عاليا ثم رزق ما هو أخس منه واردأ إنما يقول عند التحسر ليس هذا الذى وجدته هو الذى كنت أطلبه وأبتغيه أو ليس ما رزقته كالذى كنت أرجوه ولا يقول ليس ما كنت أرجوه كهذا الذى رزقته البتة وظهر من ذلك أن اللام في الذكر والانثى معا أو في الانثى فقط للعهد. وقد أخذ أكثر المفسرين قوله وليس الذكر كالانثى تتمة قول امرأة عمران وتكلفوا في توجيه تقديم الذكر على الانثى بما لا يرجع إلى محصل من أراده فليرجع إلى كتبهم. قوله تعالى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم معنى مريم في لغتهم العابدة والخادمة على ما قيل ومنه يعلم وجه مبادرتها إلى تسمية المولودة عند الوضع ووجه ذكره تعالى لتسميتها بذلك فإنها لما أيست من كون الولد ذكرا محررا للعبادة وخدمة الكنيسة بادرت إلى هذه التسمية وأعدتها بالتسمية للعبادة والخدمة فقولها وإنى سميتها مريم بمنزلة أن تقول إنى جعلت ما وضعتها محررة لك والدليل على كون هذا القول منها في معنى النذر قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا الآية. ثم أعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم ليستقيم لها العبادة والخدمة ويطابق اسمها المسمى.

[ 173 ]

والكلام في قولها وذريتها من حيث أنه قول مطلق من شرط وقيد لا يصح التفوه به في حضرة التخاطب ممن لا علم له به مع أن مستقبل حال الانسان من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله سبحانه نظير الكلام في قولها رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا على ما تقدم بيانه فليس إلا أنها كانت تعلم أن سترزق من عمران ولدا ذكرا صالحا ثم لما حملت وتوفى عمران لم تشك أن ما في بطنها هو ذلك الولد الموعود ثم لما وضعتها وبان لها خطأ حدسها أيقنت أنها سترزق ذلك الولد من نسل هذه البنت المولودة فحولت نذرها من الابن إلى البنت وسمتها مريم العابدة الخادمة وأعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم هذا ما يعطيه التدبر في كلامه تعالى. قوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا القبول إذا قيد بالحسن كان بحسب المعنى هو التقبل الذى معناه القبول عن الرضا فالكلام في معنى قولنا فتقبلها ربها تقبلا فإنما حلل التقبل إلى القبول الحسن ليدل على أن حسن القبول مقصود في الكلام ولما في التصريح بحسن القبول من التشريف البارز. وحيث قوبل بهاتين الجملتين أعنى قوله فتقبلها إلى قوله حسنا الجملتان في قولها وإنى سميتها إلى قولها الرجيم كان مقتضى الانطباق أن يكون قوله فتقبلها ربها بقبول حسن قبولا لقولها وإنى سميتها مريم وقوله وأنبتها نباتا حسنا قبولا وإجابة لقولها وإنى اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فالمراد بتقبلها بقبول حسن ليس هو القبول بمعنى قبول تقرب امرأة عمران بالنذر وإعطاء الثواب الاخروي لعملها فإن القبول إنما نسب إلى مريم لا إلى النذر وهو ظاهر بل قبول البنت بما أنها مسماة بمريم ومحررة فيعود معناه إلى اصطفائها وقد مر أن معنى الاصطفاء هو التسليم التام لله سبحانه فافهم ذلك. والمراد بإنباتها نباتا حسنا أعطاء الرشد والزكاة لها ولذريتها وإفاضة الحيوة لها ولمن ينمو منها من الذرية حيوة لا يمسها نفث الشيطان ورجس تسويله ووسوسته وهو الطهارة. وهذان أعنى القبول الحسن الراجع إلى الاصطفاء والنبات الحسن الراجع إلى التطهير هما اللذان يشير اليهما قوله تعالى في ذيل هذه الآيات: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك الآية وسنوضحه بيانا إنشاء الله العزيز

[ 174 ]

فقد تبين أن اصطفاء مريم وتطهيرها إنما هما استجابة لدعوة امها كما أن اصطفائها على نساء العالمين في ولادة عيسى وكونها وابنها آية للعالمين تصديق لقوله تعالى وليس الذكر كالانثى. قوله تعالى وكفلها زكريا وانما كفلها بإصابة القرعة حيث اختصموا في تكفلها ثم تراضوا بينهم بالقرعة فأصابت القرعة زكريا كما يدل عليه قوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون الآية. قوله تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا الخ المحراب المكان المخصوص بالعبادة من المسجد والبيت قال الراغب ومحراب المسجد قيل سمى بذلك لانه موضع محاربة الشيطان والهوى وقيل سمى بذلك لكون حق انإسان فيه أن يكون حريبا أي سليبا من أشغال الدنيا ومن توزع الخاطر وقيل الاصل فيه أن محراب البيت صدر المجلس ثم اتخذت المساجد فسمى صدره به وقيل بل المحراب أصله في المسجد وهو اسم خص به صدر المجلس فسمى صدر البيت محرابا تشبيها بمحراب المسجد وكأن هذا أصح قال عز وجل يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل انتهى. وذكر بعضهم أن المحراب هنا هو ما يعبر عنه أهل الكتاب بالمذبح وهو مقصورة في مقدم المعبد لها باب يصعد إليه بسلم ذى درجات قليلة ويكون من فيه محجوبا عمن في المعبد. أقول واليه ينتهى اتخاذ المقصورة في الاسلام. وفي تنكير قوله رزقا إشعار بكونه رزقا غير معهود كما قيل إنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويؤيده أنه لو كان من الرزق المعهود وكان تنكيره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق بل كان عندها رزق ما دائما لم يقنع زكريا بقولها هو من عند الله إن الله يرزق الخ في جواب قوله يا مريم أنى لك هذا لامكان أن يكون يأتيها بعض الناس ممن كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيئ.

[ 175 ]

على أن قوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه الخ يدل على أن زكريا تلقى وجود هذا الرزق عندها كرامة إلهية خارقة فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من لدنه ذرية طيبة فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على كونه كرامة من الله سبحانه لمريم الطاهرة ومما يشعر بذلك قوله تعالى قال يا مريم الخ على ما سيجئ من البيان. وقوله قال يا مريم أنى لك الخ فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله وجد عندها رزقا يدل على أنه عليه السلام إنما قال لها ذلك مرة واحدة فأجابت بما قنع به واستيقن أن ذلك كرامة لها وهنالك دعا وسأل ربه ذرية طيبة. قوله تعالى هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة الخ طيب الشئ ملائمته لصاحبه فيما يريده لاجله فالبلد الطيب ما يلائم حيوة أهله من حيث الماء والهواء والرزق ونحو ذلك قال تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه: الاعراف - 58 والعيشة الطيبة والحيوة الطيبة ما يلائم بعض أجزائها بعضا ويسكن إليها قلب صاحبها ومنه الطيب للعطر الزكي فالذرية الطيبة هو الولد الصالح لابيه مثلا الذى يلائم من حيث صفاته وأفعاله ما عند أبيه من الرجاء والامنية فقول زكريا عليه السلام رب هب لى من لدنك ذرية طيبة لما كان الباعث له عليه ما شاهد من أمر مريم وخصوص كرامتها على الله وامتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه دون أن يسأل الله أن يهب له مثلها خطرا وكرامة فكون ذريته طيبة أن يكون لها ما لمريم من الكرامة عند الله والشخصية في نفسها ولذلك استجيب في عين ما سأله من الله ووهب له يحيى وهو أشبه الانبياء بعيسى عليهما السلام وأجمع الناس لما عند عيسى وامه مريم الصديقة من صفات الكمال والكرامة ومن هنا ما سماه تعالى بيحيى وجعله مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين وهذه أقرب ما يمكن أن يشابه بها إنسان مريم وابنه عيسى عليهما السلام على ما سنبينه ان شاء الله تعالى. قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى إلى آخر الآية ضمائر الغيبة والخطاب لزكريا والبشرى والابشار والتبشير الاخبار بما يفرح الانسان بوجوده. وقوله أن الله يبشرك بيحيى دليل على أن تسميته بيحيى إنما هو من جانب

[ 176 ]

الله سبحانه كما تدل عليه نظائر هذه الآيات في سورة مريم قال تعالى يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا: مريم - 7. وتسميته بيحيى وكون التسمية من عند الله سبحانه في بدء ما بشر به زكريا قبل تولد يحيى وخلقه يؤيد ما ذكرناه آنفا أن الذى طلبه زكريا من ربه أن يرزقه ولدا يكون شأنه شأن مريم وقد كانت مريم هي وابنها عيسى عليهما السلام آية واحدة كما قال تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين: الانبياء - 91. فروعي في يحيى ما روعى فيهما من عند الله سبحانه وقد روعى في عيسى كمال ما روعى في مريم فالمرعى في يحيى هو الشبه التام والمحاذاة الكاملة مع عيسى عليهما السلام فيما يمكن ذلك ولعيسى في ذلك كله التقدم التام لان وجوده كان مقدرا قبل استجابة دعوة زكريا في حق يحيى ولذلك سبقه عيسى في كونه من اولى العزم صاحب شريعة وكتاب وغير ذلك لكنهما تشابها وتشابه أمرهما فيما يمكن. وإن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكر الله تعالى من قصتهما في سورة مريم فقال في يحيى يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا إلى أن قال يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا: مريم - 15 وقال في عيسى عليه السلام فأرسلنا إليها روحنا إلى أن قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا إلى أن قال قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا إلى أن قال فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا: مريم - 33 ويقرب منها من حيث الدلالة على تقارب أمرهما آيات هذه السورة التى نحن فيها عند التطبيق. و بالجملة فقد سماه الله سبحانه يحيى وسمى ابن مريم عيسى وهو بمعنى يعيش على ما قيل وجعله مصدقا بكلمة منه وهو عيسى كما قال تعالى بكلمة منه اسمه المسيح عيسى وآتاه الحكم وعلمه الكتاب صبيا كما فعل بعيسى وعده حنانا من لدنه وزكاة وبرا بوالديه غير جبار كما كان عيسى كذلك وسلم عليه في المواطن الثلاث

[ 177 ]

كعيسى وعده سيدا كما جعل عيسى وجيها عنده وجعله حصورا ونبيا ومن الصالحين مثل عيسى كل ذلك استجابة لمسألة زكريا ودعوته حيث سأل ذرية طيبة ووليا رضيا عند ما امتلا قلبه بما شاهد من أمر مريم وعجيب شأنها وكرامتها على الله كما مر بيانه. وفي قوله مصدقا بكلمة من الله دلالة على كونه من دعاة عيسى فالكلمة هو عيسى المسيح كما ذكره تعالى في ذيل هذه الآيات في بشارة الروح لمريم. والسيد هو الذى يتولى أمر سواد الناس وجماعتهم في أمر حيوتهم ومعاشهم أو في فضيلة من الفضائل المحمودة عندهم ثم غلب استعماله في شريف القوم لما أن التولى المذكور يستلزم شرفا بالحكم أو المال أو فضيلة اخرى. والحصور هو الذى لا يأتي النساء والمراد بذلك في الآية بقرينة السياق الممتنع عن ذلك للاعراض عن مشتهيات النفس زهدا. قوله تعالى قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر استفهام تعجيب واستعلام لحقيقة الحال لا استبعاد واستعظام مع تصريح البشارة بذلك وأن الله سبحانه سيرزقه ما سأله من الولد مع أنه ذكر هذين الوصفين اللذين جعلهما منشأ للتعجب والاستعلام في ضمن مسألته على ما في سورة مريم حيث قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإنى خفت الموالى من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لى من لدنك وليا: مريم - 5. لكن المقام يمثل معنى آخر فكأنه عليه السلام لما انقلب حالا من مشاهدة أمر مريم وتذكر انقطاع عقبه لم يشعر إلا وقد سأل ربه ما سأل وقد ذكر في دعائه ما له سهم وافر في تأثره وتحزنه وهو بلوغ الكبر وكون امرأته عاقرا فلما استجيبت دعوته وبشر بالولد كأنه صحا وأفاق مما كان عليه من الحال وأخذ يتعجب من ذلك وهو بالغ الكبر وامرأته عاقر فصار ما كان يثير على وجهه غبار اليأس وسيماء الحزن يغيره إلى نظرة التعجب المشوب بالسرور. على أن ذكر نواقص الامر بعد البشارة بقضاء أصل الحاجة واستعلام كيفية رفع واحد واحد منها إنما هو طلب تفهم خصوصيات الافاضة والانعام التذاذا بالنعمة الفائضة بعد

[ 178 ]

النعمة نظير ما وقع في بشرى إبراهيم بالذرية قال تعالى ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتمون على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: الحجر - 56 فذكر في جواب نهى الملائكة إياه عن القنوط أن استفهامه لم يكن عن قنوط كيف وهو غير ضال والقنوط ضلالة بل السيد إذا أقبل على عبده إقبالا يؤذن بالقرب والانس والكرامة أوجب ذلك انبساطا من العبد وابتهاجا يستدعي تلذذه من كل حديث وتمتعه في كل باب. وفي قوله وقد بلغني الكبر من مراعاة الادب ما لا يخفى فإنه كناية عن أنه لا يجد من نفسه شهوة النكاح لبلوغ الشيخوخة والهرم. وقد اجتمعت في امرأته الكبر والعقر معا فإن ذلك ظاهر قوله وكانت امرأتي عاقرا ولم يقل وامرأتي عاقر. قوله تعالى: قال كذلك الله يفعل ما يشاء فاعل قال وإن كان هو الله سبحانه سواء كان من غير وساطة الملائكة وحيا أو بواسطة الملائكة الذين كانوا ينادونه فالقول على اي حال قوله تعالى لكن الظاهر أنه منسوب إليه تعالى بواسطة الملك فالقائل هو الملك وقد نسب إليه تعالى لانه بأمره والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة مريم في القصة " قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " مريم - 9. ومنه يظهر اولا أنه سمع الصوت من حيث كان يسمعه أولا وثانيا أن قوله كذلك خبر لمبتدء محذوف والتقدير الامر كذلك أي الذي بشرت به من الموهبة هو كذلك كائن لا محالة وفيه إشارة إلى كونه من القضاء المحتوم الذي لا ريب في وقوعه نظير ما ذكره الروح في جواب مريم على ما حكاه الله تعالى " قال كذلك قال ربك هو علي هين - إلى أن قال -: وكان أمرا مقضيا " مريم - 21 وثالثا أن قوله الله يفعل ما يشاء كلام مفصول في مقام التعليل لمضمون قوله: كذلك اه. قوله تعالى قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا

[ 179 ]

رمزا إلى آخر الآية قال في المجمع الرمز الايماء بالشفتين وقد يستعمل في الايماء بالحاجب والعين واليد والاول أغلب انتهى والعشي الطرف المؤخر من النهار وكأنه مأخوذ من العشوة وهي الظلمة الطارئة في العين المانعة عن الابصار فأخذوا ذلك وصفا للوقت لرواحه إلى الظلمة والابكار صدر النهار والطرف المقدم منه والاصل في معناه الاستعجال. ووقوع هذه الآية في ولادة يحيى من وجوه المضاهاة بينه وبين عيسى فإنها تضاهي قول عيسى لمريم بعد تولده " فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا " مريم - 26. وسؤاله عليه السلام من ربه أن يجعل له آية والآية هي العلامة الدالة على الشئ هل هو ليستدل به على أن البشارة إنما هي من قبل ربه وبعبارة أخرى هو خطاب رحماني ملكي لا شيطاني ؟ أو لانه أراد أن يستدل بها على حمل امرأته ويعلم وقت الحمل خلاف بين المفسرين. والوجه الثاني لا يخلو عن بعد من سياق الآيات وجريان القصة لكن الذي أوجب تحاشي القوم عن الذهاب إلى أول الوجهين أعني كون سؤال الآية لتمييز أن الخطاب رحماني هو ما ذكروه أن الانبياء لعصمتهم لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووسوسة الشيطان ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الافهام. وهو كلام حق لكن يجب أن يعلم أن تعرفهم إنما هو بتعريف الله تعالى لهم لا من قبل أنفسهم واستقلال ذواتهم وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يتعرف زكريا من ربه أن يجعل له آية يعرف به ذلك ؟ وأي محذور في ذلك ؟ نعم لو لم يستجب دعائه ولم يجعل الله له آية كان الاشكال في محله. على أن خصوصية نفس الآية وهي عدم التكليم ثلاثة أيام تؤيد بل تدل على ذلك فإن الشيطان وإن أمكن أن يمس الانبياء في أجسامهم أو بتخريب أو إفساد في ما يرجونه من نتائج أعمالهم في رواج الدين واستقبال الناس أو تضعيف أعداء الدين كما يدل عليه قوله تعالى " وأذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان

[ 180 ]

بنصب وعذاب " ص - 41 وقوله تعالى " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته الآية " الحج - 52 وقوله تعالى " فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان " الكهف - 63. لكن هذه وأمثالها من مس الشيطان وتعرضه لا تنتج إلا إيذاء النبي وأما مسه الانبياء في نفوسهم فالانبياء معصومون من ذلك وقد مر في ما تقدم من المباحث إثبات عصمتهم عليهم السلام. والذي جعله الله تعالى آيه لزكريا على ما يدل عليه قوله: آيتك أن لا تكلم الناس ثلثه أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار هو أنه كان لا يقدر ثلثه أيام على تكليم أحد ويعتقل لسانه إلا بذكر الله وتسبيحه وهذه آية واقعة على نفس النبي ولسانه وتصرف خاص فيه لا يقدر عليه الشيطان لمكان العصمة فليس إلا رحمانيا وهذه الآية كما ترى متناسبة مع الوجه الاول دون الوجه الثاني. فان قلت لو كان الامر كذلك فما معنى قوله قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك يفعل الله ما يشاء الآية فإن ظاهره أنه خاطب ربه وسأله ما سأل ثم أجيب بما أجيب فما معنى هذه المخاطبة لو كان شاكا في أمر النداء ؟ ولو لم يكن شاكا عندئذ فما معنى سؤال التمييز ؟ قلت مراتب الركون والاعتقاد مختلفة فمن الممكن أن يكون قد اطمأنت نفسه على كون النداء رحمانيا من جانب الله ثم يسأل ربه من كيفية الولادة التي كانت تتعجب منه نفسه الشريفة كما مر فيجاب بنداء آخر ملكي تطمئن إليه نفسه ثم يسأل ربه آية توجب اليقين بأنه كان رحمانيا فيزيد بذلك وثوقا وطمأنينة. ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فنادته الملائكة فإن النداء إنما يكون من بعيد ولذلك كثر اطلاق النداء في مورد الجهر بالقول لكونه عندنا من لوازم البعد وليس بلازم بحسب أصل معنى الكلمة كما يشهد به قوله تعالى في ما حكى فيه دعاء زكريا " إذ نادى ربه ندائا خفيا " مريم - 3 فقد أطلق عليه النداء بعنايه تذلل زكريا وتواضعه قبال تعزز الله سبحانه وترفعه وتعاليه ثم وصف النداء بالخفاء فالكلام لا يخلو عن إشعار بكون زكريا لم ير الملك نفسه وإنما سمع صوتا يهتف به هاتف.

[ 181 ]

وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد من جعله تعالى عدم التكليم آية نهيه عن تكليم الناس ثلثة أيام والانقطاع فيها إلى ذكر الله وتسبيحه دون اعتقال لسانه قال الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الالهية ليطمئن قلبه ويبشر أهله فسأل عن الكيفية ولما أجيب بما اجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون اتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود فأمره بأن لا يكلم الناس ثلثه أيام بل ينقطع إلى الذكر والتسبيح مسائا صباحا مده ثلثه أيام فإذا احتاج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيمائا على هذا تكون بشارته لاهله بعد مضي الثلاث الليال انتهى. وأنت خبير بأنه ليس لما ذكره (من مسألته عبادة تكون شكرا للمنحة وانتهائها إلى حصول المقصود وكون انتهائها هو الآية وكون قوله أن لا تكلم مسوقا للنهي التشريعي وكذا إرادته بشارة أهله) في الآية عين ولا أثر.

(كلام في الخواطر الملكية والشيطانية وما يلحق بها من التكليم)

 قد مر كرارا أن الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث اشتمالها على الاغراض المقصودة منها وأن القول أو الكلام مثلا إنما يسمى به الصوت لافادته معنى مقصودا يصح السكوت عليه فما يفاد به ذلك كلام وقول سواء كان مفيده صوتا واحدا أو أصواتا متعددة مؤلفة أو غير صوت كالايماء والرمز والناس لا يتوقفون في تسمية الصوت المفيد فائدة تامة كلاما وإن لم يخرج عن شق فم وكذلك في تسمية الايماء قولا وكلاما وإن لم يشتمل على صوت. والقرآن أيضا يسمي المعاني الملقاة في القلوب من الشيطان كلاما له وقولا منه قال تعالى حكاية عن الشيطان " ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام " النساء - 119 وقال " كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر " الحشر - 16 وقال " يوسوس في صدور الناس " الناس - 5 وقال " يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول " الانعام - 112 وقال أيضا حكاية عن إبليس " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم " إبراهيم - 22 وقال " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا

[ 182 ]

والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " البقرة - 269 ومن الواضح أن هذه هي الخواطر الواردة على القلوب نسبت إلى الشيطان وسميت بالامر والقول والوسوسة والوحي والوعد وجميعها قول وكلام ولم تخرج عن شق فم ولا تحريك لسان. ومن هنا يعلم أن ما تشتمل عليه الآية الاخيرة من وعده تعالى بالمغفرة والفضل قبال وعد الشيطان هو الكلام الملكي في قبال الوسوسة من الشيطان وقد سماه تعالى الحكمة ومثلها قوله تعالى " ويجعل لكم نورا تمشون به " الحديد - 28 وقوله " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والارض " الفتح - 4 وقد مر بيانها في الكلام على السكينة في ذيل قوله تعالى " فيه سكينة من ربكم " البقرة - 248 وكذا قوله " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " الانعام - 125 وقد سمى الوسوسة رجزا فقال " رجز الشيطان " الانفال - 11 فمن جميع ذلك يظهر أن الشياطين والملائكة يكلمون الانسان بإلقاء المعاني في قلبه. وهنا قسم آخر من التكليم يختص به تعالى كما ذكره بقوله " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب الآية " الشورى - 51 فسماه تكليما وقسمه إلى الوحي وهو الذي لا حجاب فيه بينه وبين العبد المكلم وإلى التكليم من وراء حجاب هذه أقسام من الكلام لله سبحانه وللملائكة والشياطين. أما كلام الله سبحانه المسمى بالوحي فهو متميز متعين بذاته فإن الله سبحانه ألقى التقابل بينه وبين التكليم من وراء حجاب فهو تكليم حيث لا حجاب بين الانسان وبين ربه، ومن المحال أن يقع هناك لبس، وهو ظاهر وأما غيره فيحتاج إلى تسديد ينتهي إلى الوحي. وأما الكلام الملكي والشيطاني فالآيات المذكورة آنفا تكفي في التمييز بينها فإن الخاطر الملكي يصاحب انشراح الصدر، ويدعو إلى المغفرة والفضل وينتهي بالاخرة إلى ما يطابق دين الله المبين في كتابه وسنة نبيه، والخاطر الشيطاني يلازم

[ 183 ]

تضيق الصدر وشح النفس ويدعو إلى متابعة الهوى ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء وبالاخرة ينتهي إلى ما لا يطابق الكتاب والسنة ويخالف الفطرة. ثم إن الانبياء ومن يتلوهم ربما تيسر لهم مشاهدة الملك والشيطان ومعرفتهما كما حكى الله تعالى عن آدم وإبراهيم ولوط فأغنى ذلك عن استعمال المميز وأما مع عدم المشاهدة فلا بد من استعماله كسائر المؤمنين وينتهي بالاخرة إلى تمييز الوحي وهو ظاهر.

(بحث روائي)

 في تفسير القمي في قوله تعالى: إذ قالت امرأة عمران الآية عن الصادق عليه السلام قال إن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا سويا مباركا يبرئ الاكمه والابرص ويحيي الموتى بإذن الله وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل فحدث عمران امرأته حنة بذلك وهي ام مريم - فلما حملت كان حملها بها عند نفسها غلاما - فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها انثى - وليس الذكر كالانثى لا تكون البنت رسولا يقول الله والله أعلم بما وضعت فلما وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه فإذا قلنا في الرجل منا شيئا وكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك. أقول وروى قريبا منه في الكافي عنه عليه السلام وفي تفسير العياشي عن الباقر عليه السلام. وفي تفسير العياشي في الآية عن الصادق عليه السلام: أن المحرر يكون في الكنيسة لا يخرج منها فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها انثى وليس الذكر كالانثى إن الانثى تحيض فتخرج من المسجد، والمحرر لا يخرج من المسجد. وفيه عن أحدهما: نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم العباد وليس الذكر كالانثى في الخدمة قال فشبت وكانت تخدمهم وتناولهم حتى بلغت فأمر زكريا أن تتخذ لها حجابا دون العباد. أقول والروايات كما ترى تنطبق على ما قدمناه في البيان السابق إلا أن ظاهرها: أن قوله وليس الذكر كالانثى كلام لامرأة عمران لا له تعالى ويبقى عليه وجه

[ 184 ]

تقديم الذكر على الانثى في الجملة مع أن مقتضى القواعد العربية خلافه وكذا يبقى عليه وجه تسميتها بمريم وقد مر أنه في معنى التحرير إلا أن يفرق بين التحرير وجعلها خادمة فليتأمل. وفي الرواية الاولى دلالة على كون عمران نبيا يوحي إليه ويدل عليه ما في البحار عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليهما السلام عن عمران أكان نبيا ؟ فقال نعم كان نبيا مرسلا إلى قومه الحديث. وتدل الرواية أيضا على كون اسم امرأة عمران حنة وهو المشهور وفي بعض الروايات مرثار ولا يهمنا البحث عن ذلك. وفي تفسير القمي في ذيل الرواية السابقة فلما بلغت مريم صارت في المحراب وأرخت على نفسها سترا وكان لا يراها أحد وكان يدخل عليها زكريا المحراب فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فكان يقول أنى لك هذا فتقول هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال: ان زكريا لما دعا ربه أن يهب له ولدا فنادته الملائكة بما نادته به أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من الله فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثه أيام فلما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وذلك قول الله رب اجعل لي آية. اقول وروى قريبا منه القمي في تفسيره وقد عرفت فيما تقدم أن سياق الآيات لا يأبى عن ذلك. وبعض المفسرين شدد النكير على ما تضمنته هذه الروايات كالوحي إلى عمران ووجود الفاكهة في محراب مريم في غير وقتها وكون سؤال زكريا للآية للتمييز فقال إن هذه امور لا طريق إلى إثباتها فلا هو سبحانه ذكرها ولا رسوله قالها ولا هي مما يعرف بالرأي ولم يثبتها تاريخ يعتد به وليس هناك الا روايات إسرائيلية وغير إسرائيلية ولا موجب للتكلف في تحصيل معنى القرآن وحمله على أمثال هذه الوجوه البعيدة عن الافهام. وهو منه كلام من غير حجة والروايات وإن كانت آحادا غير خالية عن ضعف

[ 185 ]

الطريق لا يجب على الباحث الاخذ بها والاحتجاج بما فيها لكن التدبر في الآيات يقرب الذهن منها والذي نقل منها عن أئمة أهل البيت عليهم السلام لا يشتمل على أمر غير جائز عند العقل. نعم في بعض ما نقل عن قدماء المفسرين امور غير معقولة كما نقل عن قتادة وعكرمة ": أن الشيطان جاء إلى زكريا وشككه في كون البشارة من الله تعالى وقال - لو كانت من الله لاخفى لك في ندائه كما أخفيت له في ندائك إلى غير ذلك فهي معان لا مجوز لتسليمها كما ورد في انجيل لوقا - أن جبرئيل قال لزكريا - وها أنت تكون صامتا - ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لانك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته انجيل لوقا 1 - 20

( بحث روائي آخر )

 وفي الكافي عن الصادق عليه السلام: ما من قلب إلا وله اذنان - على إحديهما ملك مرشد وعلى الاخرى شيطان مفتن هذا يأمره وهذا يزجره - الشيطان يأمره بالمعاصى والملك يزجره عنها - وذلك قول الله عز وجل ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد عن اليمين وعن الشمال قعيد. أقول والروايات في هذا المعنى كثيرة سيأتي شطر منها وتطبيقه عليه السلام الآية على الملك والشيطان في هذه الرواية لا ينافي تطبيقه إياها على الملكين الكاتبين للحسنات والسيئات في رواية اخرى فإن الآية لا تدل على أزيد من وجود رقيب عتيد عند الانسان يرقبه في جميع ما يتكلم به وأنه متعدد عن يمين الانسان وشماله وأما أنه من الملائكة محضا أو ملك وشيطان فالآية غير صريحة في ذلك قابلة للانطباق على كل من المحتملين. وفيه أيضا عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرسول وعن النبي وعن المحدث - قال الرسول الذى يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربه يقول - يأمرك كذا وكذا والرسول يكون نبيا مع الرسالة والنبي لا يعاين الملك ينزل عليه الشئ النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه قلت فما علمه أن الذي في منامه حق قال - يبينه الله حتى يعلم أن ذلك حق - ولا يعاين الملك الحديث.

[ 186 ]

اقول قوله والرسول يكون نبيا إشارة إلى إمكان اجتماع الوصفين وقد تقدم الكلام في معنى الرسالة والنبوة في تفسير قوله تعالى كان الناس امة واحدة فبعث الله الآية: البقرة - 213. وقوله فيكون كالمغمى عليه تفسير معنى رؤيته في المنام وأن معناه الغيبة عن الحس دون المنام المعروف وقوله يبينه الله الخ إشارة إلى التمييز بين الالقاء الملكى والشيطانى بما بينه الله من الحق. وفي البصائر عن بريد عن الباقر والصادق عليهما السلام في حديث قال بريد: فما الرسول والنبى والمحدث - قال الرسول الذي يظهر الملك فيكلمه - والنبي يرى في المنام - وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد - والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة - قال قلت أصلحك الله كيف يعلم - أن الذي رأى في المنام هو الحق وأنه من الملك قال - يوفق لذلك حتى يعرفه - لقد ختم الله بكتابكم الكتب وبنبيكم الانبياء الحديث. اقول وهو في مساق الحديث السابق وبيانه عليه السلام واف بتمييز المحدث ما يسمعه من صوت الهاتف وفي قوله لقد ختم الله الخ إشارة إلى ذلك وسيأتي الكلام في المحدث في ذيل الآيات التالية وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين (42) - يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) - ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) - إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا

[ 187 ]

والآخرة ومن المقربين (45) - ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) - قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) - ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل (48) - ورسولا إلى بني أسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الاكمه والابرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) - ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) - إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) - فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52). ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53). ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) - إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلي مرجعكم

[ 188 ]

فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون (55) - فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56). وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) - ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58). إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) - الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60))




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8006133

  • التاريخ : 16/09/2019 - 09:09

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net