00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من ص ( 1 ـ 88 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : الميزان في تفسير القرآن ( الجزء الثالث)   ||   تأليف : السيد الطباطبائي   ||   « تحميل »

    الميزان في تفسير القرآن

السيد الطباطبائي  ـ ج 3

[ 3 ]

تمتاز هذه الطبعة عن غيرها بالتحقيق والتصحيح الكامل وإضافات وتغييرات هامة من قبل المؤلف قدس سره

[ 4 ]

الميزان في تفسير القران كتاب علمي فني، فلسفي، أدبي تاريخي، روائي، اجتماعي، حديث يفسر القرآن بالقرآن تأليف العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره المجلد الثالث منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

" سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية "

 بسم الله الرحمن الرحيم آلم (1) - ألله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) - نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان (3) - إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4). إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء (5). هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6).

بيان

غرض السورة دعوة المؤمنين إلى توحيد الكلمة في الدين والصبر والثبات في حماية حماه بتنبيههم بما هم عليه من دقة الموقف لمواجهتهم أعداءا كاليهود والنصارى والمشركين وقد جمعوا جمعهم وعزموا عزمهم على إطفاء نور الله تعالى بأيديهم وبأفواههم. ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة فإن آياتها - وهى مئتا آية ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها متناسبة آياتها مرتبطة أغراضها. ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد استقر له الامر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره فإن فيها ذكر غزوة أحد وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران وذكرا من أمر اليهود وحثا على

[ 6 ]

المشركين ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور الذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنه اليهود والنصارى ويحاجونهم ويجاوبونهم ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الامن فقد كان الاسلام في هذه الايام قد انتشر صيته فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ومشركى العرب ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم والله سبحانه يذكر المؤمنين في هذه السورة من حقائق دينه الذى هداهم به ما يطيب به نفوسهم ويزول به رين الشبهات والوساوس الشيطانية وتسويلات أهل الكتاب عن قلوبهم ويبين لهم أن الله سبحانه لم يغفل عن تدبير ملكه ولم يعجزه خلقه وإنما اختار دينه وهدى جمعا من عباده إليه على طريقه العادة الجارية والسنة الدائمة وهى سنة العلل والاسباب فالمؤمن والكافر جاريان على سنة الاسباب فيوم للكافر ويوم للمؤمن فالدار دار الامتحان واليوم يوم العمل والجزاء غدا قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحى القيوم قد مر الكلام فيه في تفسير آية الكرسي وتحصل من هناك أن المراد به بيان قيامه تعالى أتم القيام على أمر الايجاد و التدبير فنظام الموجودات بأعيانها وآثارها تحت قيمومة الله لا مجرد قيمومة التأثير كالقيمومة في الاسباب الطبيعية الفاقدة للشعور بل قيمومة حياه تستلزم العلم والقدرة فالعلم الالهى نافذ فيها لا يخفى عليه شئ منها والقدرة مهيمنه عليها لا يقع منها إلا ما شاء وقوعه وأذن فيه ولذلك عقبه بقوله بعد آيتين إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشاء. ولما كانت هذه الآيات الست في أول السورة على طريق براعه الاستهلال مشتملة على إجمال ما تحتويه السورة من التفصيل وقد مر ذكر غرض السورة كانت هذه الآية بمنزلة تصدير الكلام بالبيان الكلى الذى يستنتج به الغرض كما أن الآيتين الاخيرتين أعنى قوله إن الله لا يخفى عليه الخ بمنزلة التعليل بعد البيان وعلي هذا فالكلام التى يتم به أمر براعة الاستهلال هما الآيتان المتوسطتان أعنى قوله نزل عليك الكتاب إلى قوله عزيز ذو انتقام وعلي هذا فيعود المعنى إلى أنه يجب على المؤمنين أن يتذكروا أن الله الذى آمنوا به واحد في الوهيته قائم على الخلق والتدبير قيام حياة لا

[ 7 ]

يغلب في ملكه ولا يكون إلا ما شاء وأذن فيه. فإنهم إذا تذكروا ذلك علموا أنه هو المنزل للكتاب الهادى إلى الحق والفرقان المميز بين الحق والباطل وأنه إنما جرى في ذلك على ما أجرى عليه عالم الاسباب وظرف الاختيار فمن آمن فله أجره ومن كفر فإن الله سيجزيه لانه عزيز ذو انتقام، وذلك أنه الله الذى لا إله غيره حتى يحكم في هذه الجهات ولا يخفى عليه أمرهم، ولا يخرج عن إرادته ومشيئته فعالهم وكفرهم قوله تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه قد مر أن التنزيل يدل على التدريج كما أن الانزال يدل على الدفعة. وربما ينقض ذلك بقوله: " لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة " الفرقان - 32 وبقوله تعالى: " أن ينزل علينا مائدة " المائدة - 112 وقوله تعالى " لو لا نزل عليه آية " الانعام - 37 وقوله تعالى: " قل إن الله قادر على أن ينزل آية " الانعام - 37 ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الاولى أن يقال إن معنى نزل عليك الكتاب أنزله إنزالا بعد إنزال دفعا للنقض. والجواب: أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من اجزاء الشئ وبين جزئه الآخر بل الاشياء المركبة التى توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الاجزاء وبذلك يصير الشئ أمرا واحدا غير منقسم والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى انزل من السماء مائا " الرعد - 17 وهو الغيث ونسبة من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى وهو الذى ينزل الغيث: الشورى - 28 ومن هنا يظهر أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة فإن المراد بقوله لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة الآية أن ينزل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتد به كما كان عليه الامر في نزول القرآن في الشؤون والحوادث والاوقات المختلفة وبذلك يظهر الجواب عن بقية الآيات المذكورة وأما ما ذكره البعض المزبور فهو على أنه استحسان غير جائز في اللغة البتة

[ 8 ]

لا يدفع شيئا من النقض بالآيات المذكورة بل هي بحالها وهو ظاهر قد جرى كلامه تعالى ان يعبر عن إفاضة الكتاب على النبي ص بالتنزيل والنزول والنزول يستلزم مقاما أو مكانا عاليا رفيعا يخرج منه الشئ نوعا من الخروج ويقصد مقاما أو مكانا آخر أسفل فيستقر فيه وقد وصف نفسه تعالت ذاته بالعلو ورفعة الدرجات وقد وصف كتابه أنه من عنده قال تعالى إنه على حكيم الشورى - 51 وقال تعالى ولما جائهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم: البقرة - 89 فصح بذلك استعمال لفظ النزول في مورد استقرار الوحى في قلب رسول الله ص وقد ذكروا أن الحق هو الخبر من حيث إن بحذائه خارجا ثابتا كما ان الصدق هو الخبر من حيث إنه مطابق للخارج وعلى هذا فإطلاق الحق على الاعيان الخارجية والامور الواقعية كما يطلق على الله سبحانه أنه حق وعلى الحقائق الخارجية أنها حقه إنما هو من جهة أن كلا منها حق من جهة الخبر عنها وكيف كان فالمراد بالحق في الآية الامر الثابت الذى لا يقبل البطلان والظاهر أن الباء في قوله بالحق للمصاحبة والمعنى نزل عليك الكتاب تنزيلا يصاحب الحق ولا يفارقه فيوجب مصاحبة الحق ان لا يطرء عليه ولا يخالطه باطل فهو في أمن من جهة ظهور الباطل عليه ففى قوله نزل عليك الكتاب بالحق استعارة بالكناية وقد قيل في معنى الباء وجوه اخر لا يخلو عن سقم. والتصديق من الصدق يقال صدقت مقالا كذا أي قررته على الصدق واعترفت بكونه صدقا وصدقت فلانا أي اعترفت بصدقه فيما يخبر به. والمراد مما بين يديه التوراة والانجيل كما قال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى إلى ان قال وآتيناه الانجيل فيه هدى إلى ان قال وأنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب الآية: المائدة - 48 والكلام لا يخلو عن دلالة على أن ما بأيدى اليهود والنصارى من التوراة والانجيل لا يخلو عن بعض ما أنزله الله على موسى وعيسى عليهما السلام وإن كانا لا يخلوان عن السقط والتحريف فان الدائر بينهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو التوراة الموجودة اليوم والاناجيل الاربعة المشهورة فالقرآن يصدق التوراة والانجيل الموجودين لكن في الجملة لا بالجملة لمكان الآيات

[ 9 ]

الناطقة بالتحريف والسقط فيهما قال تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل إلى ان قال وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به إلى ان قال ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به الآية: المائدة - 14. قوله تعالى وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس التوراة كلمة عبرانية بمعنى الشريعة والانجيل لفظ يونانى وقيل فارسي الاصل معناه البشارة وسيجئ استيفاء البحث عن الكتابين في قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور الآيات: المائدة - 44. ومما أصر عليه القرآن تسميه كتاب عيسى عليه السلام بالانجيل بصيغة الافراد والقول بأنه نازل من عند الله سبحانه مع أن الاناجيل كثيرة والمعروفة منها أعنى الاناجيل الاربعة كانت موجوده قبل نزول القرآن وفي عهده وهى التى ينسب تأليفها إلى لوقا ومرقس ومتى ويوحنا ولا يخلو ما ذكرناه من إفراد الاسم والتوصيف بالنزول عن دلالة على التحريف والاسقاط وكيف كان لا يخلو ذكر التوراة والانجيل في هذه الآية وفي أول السورة من التعريض لليهود والنصارى على ما سيذكره من أمرهم وقصص تولد عيسى ونبوته ورفعه. قوله تعالى وأنزل الفرقان الفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل على ما في الصحاح واللفظ بمادته يدل على الاعم من ذلك وهو كل ما يفرق به بين شئ وشئ. قال تعالى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " الانفال - 41 وقال تعالى يجعل لكم فرقانا " الانفال - 29 وإذا كان الفرق المطلوب عند الله فيما يرجع إلى معنى الهداية هو الفرق بين الحق والباطل في العقائد والمعارف وبين وظيفة العبد وما ليس بوظيفة له بالنسبة إلى الاعمال الصادرة عنه في الحياة الدنيا انطبق معناه على مطلق المعارف الاصلية والفرعية التى أنزلها الله تعالى على أنبيائه بالوحى أعم من الكتاب وغيره. قال تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان " الانبياء - 48 وقال تعالى " واذ آتينا موسى الكتاب والفرقان " البقرة - 53 وقال تعالى تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا " الفرقان - 1. وقد عبر تعالى عن هذا المعنى بالميزان في قوله " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات

[ 10 ]

وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " الحديد - 25 وهو في وزان قوله " كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " البقره - 213 فالميزان كالفرقان هو الدين الذى يحكم بين الناس بالعدل مع ما ينضم إليه من المعارف ووظائف العبودية والله أعلم وقيل المراد بالفرقان القرآن وقيل الدلالة الفاصلة بين الحق والباطل وقيل الحجة القاطعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على من حاجه في أمر عيسى وقيل النصر وقيل العقل والوجه ما قدمناه. قوله تعالى إن الذين كفروا بآيات الله إلى قوله ذو انتقام الانتقام ما قيل مجازاة المسئ على إساءته وليس من لازم المعنى أن يكون للتشفي فإن ذلك من لوازم الانتقامات التى بيننا حيث إن إساءة المسئ يوجب منقصة وضررا في جانبنا فنتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التى توجب تشفى قلوبنا وأما هو تعالى فأعز ساحة من أن ينتفع أو يتضرر بشئ من أعمال عباده لكنه وعد - وله الوعد الحق - أن سيقضى بين عباده بالحق إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا قال تعالى والله يقضى بالحق " المؤمن - 20 وقال تعالى ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى " النجم - 31 كيف وهو عزيز على الاطلاق منيع الجانب من أن ينتهك محارمه وقد قيل إن الاصل في معنى العزة الامتناع. وقوله تعالى إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد من حيث إطلاق العذاب وعدم تقييده بالآخرة أو يوم القيمة ربما تضمن الوعيد بالعذاب في الدنيا كما في الآخرة وهذا من الحقائق القرآنية التى ربما قصر الباحثون في استيفاء البحث عنه وليس ذلك إلا لكوننا لا نعد شيئا عذابا إلا إذا اشتمل على شئ من الآلام الجسمانية أو نقص أو فساد في النعم المادية كذهاب الاموال وموت الاعزة ونقاهة الابدان مع أن الذى يعطيه القرآن بتعليمه أمر وراء ذلك

كلام في معنى العذاب في القرآن

القرآن يعد معيشة الناسي لربه ضنكا وإن اتسعت في أعيننا كل الاتساع

[ 11 ]

قال تعالى من أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا " طه - 124 ويعد الاموال والاولاد عذابا وإن كنا نعدها نعمه هنيئة قال تعالى " ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ان يعذبهم بها في الدنيا وتزهق انفسهم وهم كافرون " التوبة - 85. وحقيقة الامر كما مر إجمال بيانه في تفسير قوله تعالى " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنه " البقرة - 35 أن سرور الانسان وغمه وفرحه وحزنه ورغبته ورهبته وتعذبه وتنعمه كل ذلك يدور مدار ما يراه سعادة أو شقاوة هذا أولا وأن النعمة والعذاب وما يقاربهما من الامور تختلف باختلاف ما تنسب إليه فللروح سعادة وشقاوة وللجسم سعادة وشقاوة وكذا للحيوان منهما شئ وللانسان منهما شئ وهكذا وهذا ثانيا والانسان المادى الدنيوي الذى لم يتخلق بأخلاق الله تعالى ولم يتأدب بأدبه يرى السعادة المادية هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهى السعادة المعنوية فيتولع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة وهو وإن كان يريد من قبل نفس هذا الذى ناله لكنه ما كان يريد إلا الخالص من التنعم واللذه على ما صورته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذة محفوفا بالالوف من الالم فما دام لم ينل ما يريده كان امنية وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الاسباب التى ركن إليها ولم يتعلق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كل فائتة فكان أيضا حسرة فلا يزال فيما وجده متألما به معرضا عنه طالبا لما هو خير منه لعله يشفى غليل صدره وفيما لم يجده متقلبا بين الآلام والحسرات فهذا حاله فيما وجده وذاك حاله فيما فقده. وأما القرآن فإنه يرى أن الانسان أمر مؤلف من روح خالد وبدن مادى متحول متغير وهو على هذا الحال حتى يرجع إلى ربه فيتم له الخلود من غير زوال فما كان فيه سعادة الروح محضا كالعلم ونحو ذلك فهو من سعادته وما كان فيه سعادة جسمه وروحه معا كالمال والبنين إذا لم تكن شاغلة عن ذكر الله وموجبة للاخلاد إلى الارض فهو أيضا من سعادته ونعمت السعادة وكذا ما كان فيه شقاء الجسم ونقص لما يتعلق بالبدن وسعادة الروح الخالد كالقتل في سبيل الله وذهاب المال واليسار لله تعالى فهو أيضا من سعادته بمنزلة التحمل لمر الدواء ساعة لحيازة الصحة دهرا. وأما ما فيه سعادة الجسم وشقاء الروح فهو شقاء للانسان وعذاب له والقرآن

[ 12 ]

يسمى سعادة الجسم فقط متاعا قليلا لا ينبغي أن يعبأ به قال تعالى لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد " آل عمران - 196، 197. وكذا ما فيه شقاء الجسم والروح معا يعده القرآن عذابا كما يعدونه عذابا لكن وجه النظر مختلف فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح وعذاب عندهم لما فيه من شقاء الجسم وذلك كأنواع العذاب النازلة على الامم السالفة قال تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الاوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد " الفجر - 6، 14. والسعادة والشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور والادراك فإنا لا نعد الامر اللذيذ الذى نلناه ولم نحس به سعادة لانفسنا كما لا نعد الامر المؤلم غير المشعور به شقاء ومن هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذى يسلك في السعادة والشقاوة غير مسلك المادة والانسان المولع بالمادة لا بد من أن يستتبع نوع تربية يرى بها الانسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن سعادة والشقاوة الحقيقية شقاوة وهو كذلك فإنه يلقن على أهله: أن لا يتعلق قلوبهم بغير الله ويروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شئ فلا يستقل شئ إلا به ولا يقصد شئ إلا له. وهذا الانسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة: بين ما كان فيه سعادة روحه وجسمه وما كان فيه سعادة روحه محضا وأما ما دون ذلك فإنه يراه عذابا ونكالا وأما الانسان المتعلق بهوى النفس ومادة الدنيا فإنه وإن كان ربما يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه وخيرا ولذة فإنه سوف يطلع على خبطه في مشيه وانقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه قال تعالى: " فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون " المعارج - 42 وقال تعالى: " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد " ق - 22، وقال تعالى: " فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم " النجم - 30، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا وهو منغص بما يربو عليه من الغم والهم. ومن هنا يظهر: أن الادراك والفكر الموجود في أهل الله وخاصه لقرآن

[ 13 ]

غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعا من نوع واحد هو الانسان وبين الفريقين وسائط من أهل الايمان ممن لم يستكمل التعليم والتربية الالهيين. فهذا ما يتحصل من كلامه تعالى في معنى العذاب وكلامه تعالى مع ذلك لا يستنكف عن تسمية الشقاء الجسماني عذابا لكن نهايته أنه عذاب في مرحلة الجسم دون الروح قال تعالى حكاية عن أيوب عليه السلام: " أنى مسني الشيطان بنصب وعذاب " ص - 41 وقال تعالى: " وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم " الاعراف - 141 فسمى ما يصنعون بهم بلاء وامتحانا من الله وعذابا في نفسه لا منه سبحانه. قوله تعالى: إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء إلخ قد علل تعالى عذاب الذين كفروا بآياته بأنه عزيز ذو انتقام لكن لما كان هذا التعليل لا يخلو عن حاجة إلى ضميمة تنضم إليه ليتم المطلوب فإن العزيز ذا الانتقام يمكن أن يخفي عليه كفر بعض من كفر بنعمته فلا يبادر بالعذاب والانتقام فعقب لذلك الكلام بقوله: إن الله لا يخفى عليه فبين أنه عزيز لا يخفى عليه شئ ظاهر على الحواس ولا غائب عنها ومن الممكن أن يكون المراد مما في الارض وما في السماء الاعمال الظاهره القائمة بالجوارح والخفية الكامنة في القلوب على حد ما نبهنا عليه في قوله تعالى لله ما في السموات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية " البقرة - 284. قوله تعالى: هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشاء التصوير إلقاء الصورة على الشئ و الصورة تعم ما له ظل كالتمثال وما لا ظل له والارحام جمع رحم وهو مستقر الجنين من الاناث. وهذه الآية في معنى الترقي بالنسبة إلى ما سبقها من الآيتين فإن محصل الآيتين: أن الله تعالى يعذب الذين كفروا بآياته لانه العزيز المنتقم العالم بالسر والعلانية فلا يغلب في أمره بل هو الغالب ومحصل هذه الآية أن الامر أعظم من ذلك ومن يكفر بآياته ويخالف عن أمره أذل وأوضع من أن يكفر باستقلال من نفسه واعتماد على قدرته من غير أن يأذن الله في ذلك فيغلب هو على أمره تعالى ويبطل النظام الاحسن الذى نظم الله سبحانه عليه الخلقة فتظهر إرادته على إرادة ربه بل الله سبحانه هو أذن

[ 14 ]

له في ذلك بمعنى أنه نظم الامور نوع نظم يؤدي إلى وجود الاختيار في الانسان وهو الوصف الذى يمكنه به ركوب صراط الايمان والطاعة أو التزام طريق الكفر والمعصية ليتم بذلك أمر الفتنة والامتحان فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وما يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فما من كفر ولا إيمان ولا غيرهما إلا عن تقدير وهو نظم الاشياء على نحو يتيسر لكل شئ ما يتوجه إليه من مقاصده التى سوف يستوفيها بعمله بتصويره بصورته الخاصة التي تمهد له السلوك إلى ما يسلك إليه فالله سبحانه هو الغالب على أمره القاهر في إرادته المهيمن على خلقه يظن الانسان أنه يفعل ما يشاء ويتصرف فيما يريد ويقطع بذلك النظم المتصل الذى نظمه الله في الكون فيسبق التقدير وهذا بعينه من القدر. وهذا هو المراد بقوله يصوركم في الارحام كيف يشاء أي ينظم أجزاء وجودكم في بدء الامر على نحو يؤدي إلى ما يشاءه في ختمه مشية اذن لا مشية حتم. وإنما خص الكلام بالتقدير الجاري في الانسان ولم يذكر التقدير العام الجاري في العالم كله لينطبق على المورد ولما مر أن في الآيات تعريضا للنصارى في قولهم في المسيح عليه السلام والآيات منتهية إلى ما هو الحق من أمره فإن النصارى لا ينكرون كينونته عليه السلام في الرحم وأنه لم يكون نفسه. والتعميم بعد التخصيص في الخطاب أعنى قوله: يصوركم بعد قوله نزل عليك للدلاله على أن ايمان المؤمنين أيضا ككفر الكافرين غير خارج عن حكم القدر فتطيب نفوسهم بالرحمة والموهبة الالهية في حق أنفسهم ويتسلوا بما سمعوه من أمر القدر ومن أمر الانتقام فيما يعظم عليهم من كفر الكافرين. قوله تعالى: لا إله إلا هو العزيز الحكيم فيه عود إلى ما بدء به الكلام في الآيات من التوحيد وهو بمنزلة تلخيص الدليل للتأكيد. فإن هذه الامور المذكورة أعني: هداية الخلق بعد ايجادهم وإنزال الكتاب والفرقان وإتقان التدبير بتعذيب الكافرين امور لا بد أن تستند إلى إله يدبرها واذ لا إله إلا الله تعالى شأنه فهو الذى يهدي الناس وهو الذى ينزل الكتاب والفرقان

[ 15 ]

وهو يعذب الكافرين بآياته وإنما يفعل ما يفعل من الهداية والانزال والانتقام والتقدير بعزته وحكمته

(بحث روائي)

 في المجمع عن الكلبي ومحمد بن إسحق والربيع بن أنس: نزلت أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم أربعه عشر رجلا من أشرافهم، وفي الاربعة عشر ثلاثة نفر يؤل إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذى لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الايهم وأبو حارثة بن علقمة اسقفهم وحبرهم وامامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم ودرس كتبهم وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ودخلوا مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية في جمال رجال بلحرث بن كعب يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رأينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم، فأقبلوا يضربون بالناقوس وقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت الصحابة: يا رسول الله هذا في مسجدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعوهم فصلوا إلى المشرق، فكلم السيد والعاقب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسلما - قالا قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الاسلام دعائكما لله ولداو عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير - قالا إن لم يكن ولدا لله فمن أبوه ؟ وخاصموه جميعا في عيسى فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حى لا يموت وأن عيسى يأتيه الفناء - قالوا بلى قال ألستم تعلمون ان ربنا قيم على كل شئ ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا لا قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء ؟ قالوا: بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء - وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث قالوا بلى قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته امه كما تحمل المراه ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها - ثم غذي كما

[ 16 ]

يغذي الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. أقول: وروى هذا المعنى السيوطي في الدر المنثور عن أبي إسحق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن ابن إسحق عن محمد بن سهل بن أبي أمامة أما القصة فسيجئ نقلها وأما نزول أول السورة في ذلك فكأنه اجتهاد منهم وقد تقدم: أن ظاهر سياقها نزولها دفعة. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: إن الله إذا أراد أن يخلق النطفة التي هي مما أخذ عليه الميثاق من صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري فتفتح بابها، فتصل النطفة إلى الرحم، فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين يخلقان في الارحام ما يشاء الله يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فينفخان فيها روح الحياة والبقاء، ويشقان له السمع والبصر والجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله تعالى، ثم يوحي الله إلى الملكين: اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمري واشترطا لى البداء فيما تكتبان. فيقولان: يا رب ما نكتب ؟ فيوحي الله عز وجل إليهما: أن ارفعا رؤسكما إلى رأس امه، فيرفعان رؤسهما فإذا اللوح يقرع جبهه امه، فينظران فيه، فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه سعيدا أو شقيا وجميع شأنه، فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان ثم يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه ثم يقيمانه قائما في بطن أمه، قال: فربما عتا فانقلب ولا يكون ذلك إلا في كل عات أو مارد وإذا بلغ أوان خروج الولد تاما أو غير تام أوحى الله إلى الرحم: أن افتحي بابك حتى يخرج خلقي إلى أرضي وينفذ فيه أمري فقد بلغ أوان خروجه، قال: فتفتح الرحم باب الولد فينقلب فتصير رجلاه فوق رأسه ورأسه في أسفل البطن ليسهل الله على المرأة وعلى الولد الخروج، فبعث الله عز وجل إليه ملكا يقال له: زاجر فيزجره زجرة

[ 17 ]

فيفزع منها الولد فإذا احتبس زجره الملك زجرة اخرى فيفزع منها، فيسقط الولد إلى الارض باكيا فزعا من الزجرة. أقول: قوله: إذا أراد أن يخلق النطفة، أي يجعلها بشرا تاما سويا وتقييدها بقوله: التي هي مما اخذ عليها الميثاق إشارة إلى ما سيجئ بيانه ان الانسان الذي في هذه النشأة الدنيوية وأحواله مسبوقة الوجود بنشأة اخرى سابقة عليه تجري هذه على صراط تلك وهي المسماة في لسان الاخبار بعالم الذر والميثاق فما اخذ عليه الميثاق لا بد من أن يخلق في هذه النشأة الدنيوية وما يخلق في هذه النشأة هو مما اخذ عليه الميثاق من غير أن يقبل التغيير والتبديل فذلك من القضاء المحتوم. ولذلك ردد الكلام بينه وبين قوله: أو ما يبدو له فيه أي يبدو له البداء في تمام خلقه، فلا يتم ويعود سقطا فالقسم المقابل له لا بداء فيه كما ذكرنا. وقوله ويجعلها في الرحم، عطف على قوله: يخلق النطفة. قوله عليه السلام: يقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة يمكن أن يكون قوله من فم المرأة من كلام الراوي كما يؤيده وضع الظاهر موضع المضمر وعلى ظاهر الحال من كونه من كلام الامام عليه السلام هو من الشواهد على كون دخولهما واقتحامهما في بطن المرأة من غير سنخ دخول الجسم في الجسم، إذ لا طريق إلى الرحم من غير الفرج إلا العروق ومنها العرق الذي يدر منه دم الحيض فينصب في الرحم وليس هذا المنفذ بأسهل للدخول من جدران الرحم، فللدخول من الفم سبب غير سهولة الطريق وهو ظاهر. قوله عليه السلام: وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء كأنها الروح النباتية التي هي المبدء للتغذي والتنمي. قوله عليه السلام: فينفخان فيها روح الحيوة والبقاء ظاهره رجوع الضمير إلى الروح القديمة فروح الحيوة والبقاء منفوخة في الروح النباتية ولو فرض رجوعه إلى المضغة مثلا كانت منفوخة في المضغة الحية بالروح النباتية فتصير المضغة النباتية منفوخة فيها وعلى أي حال يفيد الكلام أن نفخ الروح الانساني إنما هو نوع ترق للروح النباتية بالاشتداد (على ما قتضيه القول بالحركة الجوهرية.

[ 18 ]

وبذلك يظهر معنى انتقال الروح القديمة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فالروح متحد الوجود مع البدن بوجه وهو النطفة وما يمدها من دم الحيض وهي المتحدة مع بدنى الابوين وهما مع النطفة وهلم جرا فما يجري على الانسان متعين في الجملة في وجود آبائه وامهاته مشهود في صور أشخاصهم وهو بوجه كالفهرس المأخوذ من الكتاب الموضوع قبله. وبه يظهر معنى قوله عليه السلام: فيوحي الله عز وجل إليهما أي إلى الملكين أن ارفعا رؤسكما إلى رأس امه وذلك أن الذي لابيه من شرح قضائه وقدره قد انقطع عنه بانفصال النطفة فما بقي متصلا به إلا امه وهو قوله عليه السلام: فإذا اللوح يقرع جبهة امه والجبهة مجتمع حواس الانسان وطليعة وجهه فينتظران فيه فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه سعيدا أو شقيا وجميع شأنه فيملي أحدهما على صاحبه فنسبتهما شبيهة بنسبة الفاعل والقابل فيكتبان جميع ما في اللوح. قوله عليه السلام: ويشترطان البداء فيما يكتبان وذلك لعدم اشتمال صورته على تمام علل حوادثه المستقبلة فإن الصورة وإن كانت مبدئا لجميع ما يجرى على الانسان من أحواله والحوادث المختصة به لكن ليست بالمبدء كله بل للامور والحوادث الخارجة عنه دخالة في ذلك ولذلك كان الذي يتراءى منها من الحوادث غير حتمي الوقوع فكانت مظنة للبداء. وأعلم: أن نسبة تفاصيل الولادة إلى تحريك الله سبحانه الرجل ووحيه إلى الرحم وإرسال الملكين الخلاقين والملك الزاجر إلى غير ذلك لا ينافي استناد هذه الحوادث ومنها الولادة إلى أسبابها الطبيعية فإن هذين القبيلين من الاسباب أعنى الاسباب المعنوية والاسباب المادية واقعان أحدهما في طول الآخر لا في عرضه حتى يبطل أحدهما الآخر أو يتدافعا فيبطلا معا، أو يعود الامر إلى تركب العلة التامة من مجموع السببين بل كل منهما علة تامة لكن في مرتبته. فمن أقامه الله سبحانه لهداية الناس إلى سعادتهم المعنوية وسلوكهم إلى مرضاته وهم الانبياء عليهم السلام - والطريق طريق الباطن - فإنما وظيفته أن يكلم الناس بلسان يسلك بهم مسلك الباطن ويذكرهم مقام ربهم في جميع بياناته وهو توسيط الملائكة واستناد الحوادث إلى أعمالهم ونسبة السعادة إلى تأييدهم ونسبة الشقاء

[ 19 ]

بخصوصياته إلى الشياطين وتسويلهم ونسبة الجميع إلى الله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه وحضرة ربوبيته ليستنتج من ذلك صور الهداية والضلال والربح والخسران وبالجملة جميع شؤون الحيوة الآخرة وهم مع ذلك لم يهملوا أمر الاسباب الطبيعية ولم يضيعوا حقها فإنها أحد ركني حيوة الانسان والاساس الذي تستند إليه الحيوة الدنيا، ولا بد للانسان أن يعرف جملة أمرها كما لا بد له أن يعرف جملة الامر في الاسباب المعنوية حتى يتم له معرفة نفسه فيعرف ربه.

* * *

هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الالباب - 7. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب - 8. ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله تبلا يخلف الميعاد - 9.

(البيان)

 قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب، عبر تعالى بالانزال دون التنزيل لان المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه، وهو أنه مشتمل على آيات محكمة واخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبين بها، فالكتاب مأخوذ بهذا النظر أمرا واحدا من غير نظر إلى تعدد وتكثر، فناسب استعمال الانزال دون التنزيل. قوله تعالى: منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات، مادة حكم

[ 20 ]

تفيد معنى كون الشئ بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه، ومنه الاحكام والتحكيم، والحكم بمعنى القضاء، والحكمة بمعنى المعرفة التامة والعلم الجازم النافع والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس ففى الجميع شئ من معنى المنع والاتقان، وربما قيل: إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح. والمراد ههنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود التشابه فيها كالمتشابهات فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الايات في قوله: " كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " هود - 1، لكن اشتمال الآية على ذكر التفصيل بعد الاحكام دليل على أن المراد بالاحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحدا لم يطرأ عليه التجزي والتبعض بعد بتكثر الآيات فهو إتقانه قبل وجود التبعض فهذا الاحكام وصف لتمام الكتاب بخلاف وصف الاحكام والاتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر من جهة امتناعها عن التشابه في المراد. وبعبارة اخرى لما كان قوله: منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات مشتملا على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي المحكم والمتشابه علمنا به أن المراد بالاحكام غير الاحكام الذي وصف به جميع الكتاب في قوله كتاب احكمت آياته الآية وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: " كتابا متشابها مثاني " الزمر - 23. وقد وصف المحكمات بأنها ام الكتاب والام بحسب أصل معناه ما يرجع إليه الشئ وليس إلا أن الآيات المتشابهة ترجع إليها فالبعض من الكتاب وهي المتشابهات ترجع إلى بعض آخر وهي المحكمات، ومن هنا يظهر: أن الاضافة في قوله: ام الكتاب ليست لاميه كقولنا ام الاطفال بل هي بمعنى من كقولنا نساء القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك فالكتاب يشتمل على آيات هي ام آيات اخر وفي إفراد كلمة الام من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في أنفسها بل هي متفقة مؤتلفة. وقد قوبلت المحكمات في الآية بقوله: وأخر متشابهات والتشابه توافق أشياء مختلفة واتحادها في بعض الاوصاف والكيفيات وقد وصف الله سبحانه جميع القرآن

[ 21 ]

بهذا الوصف حيث قال: " كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم الآية الزمر - 23 والمراد به لا محالة كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم وإتقان الاسلوب وبيان الحقائق والحكم والهداية إلى صريح الحق كما تدل عليه القيود المأخوذة في الآية فهذا التشابه وصف لجميع الكتاب وأما التشابه المذكور في هذه الآية أعني قوله وأخر متشابهات، فمقابلته لقوله منه آيات محكمات هن ام الكتاب وذكر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل كل ذلك يدل على أن المراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي معناها وتبينها بيانا فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة والآية المحكمة محكمة بنفسها كما أن قوله " الرحمن على العرش استوى " طه - 5، يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: " ليس كمثله شئ " الشورى - 11، استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والاحاطة على الخلق دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسم المستحيل على الله سبحانه وكذا قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " القيامة - 23 إذا ارجع إلى مثل قوله: " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " الانعام - 103، علم به أن المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسي، وكذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبين أن المراد بها حكم محدود بحد الحكم الناسخ وهكذا. فهذا ما يتحصل من معنى المحكم والمتشابه ويتلقاه الفهم الساذج من مجموع قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فإن الآية محكمة بلا شك ولو فرض جميع القرآن غيرها متشابها. ولو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة وفسد التقسيم الذي يدل عليه قوله منه آيات إلخ وبطل العلاج الذي يدل عليه قوله هن ام الكتاب ولم يصدق قوله " كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا " حم السجدة - 4 ولم يتم الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82 إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن نور وهدى وتبيان وبيان ومبين وذكر ونحو ذلك.

[ 22 ]

على أن كل من يرعى نظره في آيات القرآن من أوله إلى آخره لا يشك في أن ليس بينها آية لها مدلول وهي لا تنطق بمعناها وتضل في مرادها بل ما من آية إلا وفيها دلالة على المدلول: إما مدلول واحد لا يرتاب فيه العارف بالكلام أو مداليل يلتبس بعضها ببعض وهذه المعاني الملتبسة لا تخلو عن حق المراد بالضرورة وإلا بطلت الدلالة كما عرفت وهذا المعنى الواحد الذى هو حق المراد لا محالة لا يكون أجنبيا عن الاصول المسلمة في القرآن كوجود الصانع وتوحيده وبعثة الانبياء وتشريع الاحكام والمعاد ونحو ذلك بل هو موافق لها وهي تستلزمه وتنتجه وتعين المراد الحق من بين المداليل المتعددة المحتملة فالقرآن بعضه يبين بعضا وبعضه أصل يرجع إليه البعض الآخر. ثم إن هذا الناظر إذا عثر بعد هذه النظرة على قوله تعالى منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات لم يشك في أن المراد بالمحكمات هي الآيات المتضمنة للاصول المسلمة من القرآن وبالمتشابهات الآيات التي تتعين وتتضح معانيها بتلك الاصول. فان قلت: رجوع الفروع إلى الاصول مما لا ريب فيه فيما كان هناك اصول متعرقة وفروع متفرقة سواء فيه المعارف القرآنية وغيرها لكن ذلك لا يستوجب حصول التشابه فما وجه ذلك ؟ قلت وجهه أحد أمرين فإن المعارف التي يلقيها القرآن على قسمين: فمنها معارف عالية خارجة عن حكم الحس والمادة والافهام العادية لا تلبث دون أن تتردد فيها بين الحكم الجسماني الحسي وبين غيره كقوله تعالى: " إن ربك لبالمرصاد " الفجر - 14 وقوله تعالى: " وجاء ربك " الفجر - 22. فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الاحكام معان هي من اوصاف الاجسام وخواصها وتزول بالرجوع إلى الاصول التي تشتمل على نفي حكم المادة والجسم عن المورد وهذا مما يطرد في جميع المعارف والابحاث غير المادية والغائبة عن الحواس ولا يختص بالقرآن الكريم بل يوجد في غيره من الكتب السماوية بما تشتمل عليه من المعارف العاليه من غير تحريف ويوجد أيضا في المباحث الالهية من الفلسفة وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر في قوله تعالى: " انزل من السماء ماءا ؟ ؟ فسالت أودية بقدرها الآية " الرعد - 17 وقوله: " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم " الزخرف - 4

[ 23 ]

ومنها ما يتعلق بالنواميس الاجتماعية والاحكام الفرعية واشتمال هذا القسم من المعارف على الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى تغير المصالح المقتضية للتشريعات ونحوها من جهة ونزول القرآن نجوما من جهة اخرى يوجب ظهور التشابه في آياتها ويرتفع التشابه بإرجاع المتشابه إلى المحكم والمنسوخ إلى الناسخ. قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الزيغ هو الميل عن الاستقامة ويلزمه اضطراب القلب وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا فإن الآية تصف حال الناس بالنسبذ إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع المتشابه ابتغاءا ؟ ؟ للفتنه والتأويل ومنهم من هو راسخ العلم مستقر القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه ويسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد الهداية. ومن هنا يظهر أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملا لا إيمانا وان هذا الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير ارجاعه إلى المحكم إذ على هذا التقدير يصير الاتباع اتباعا للمحكم ولا ذم فيه. والمراد بابتغاء الفتنه طلب إضلال الناس فإن الفتنة تقارب الاضلال في المعنى يقول تعالى يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله سبحانه وأمرا آخر هو أعظم من ذلك وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك دين الله من أصله. والتأويل من الاول وهو الرجوع فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه. وقد ذكر الله سبحانه لفظ التأويل في موارد من كلامه فقال سبحانه " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ويقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق " الاعراف - 53 أي بالحق فيما أخبروا به وأنبأوا أن الله هو موليهم الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وان النبوة حق وأن الدين حق وأن الله يبعث من في القبور وبالجملة

[ 24 ]

كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها. ومن هنا ما قيل: إن التأويل في الآية هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق كالامور المشهودة يوم القيامة التي هي مطابقات (اسم مفعول) أخبار الانبياء والرسل والكتب. ويرده: ان التأويل على هذا يختص بالايات المخبرة عن الصفات وبعض الافعال وعن ما سيقع يوم القيامة وأما الايات المتضمنة لتشريع الاحكام فإنها لاشتمالها على الانشاء لا مطابق لها في الخارج عنها وكذا ما دل منها على ما يحكم به صريح العقل كعدة من أحكام الاخلاق فإن تأويلها معها وكذا ما دل على قصص الانبياء والامم الماضية فإن تأويلها على هذا المعنى يتقدمها من غير أن يتأخر إلى يوم القيامة مع ان ظاهر الآية يضيف التأويل إلى الكتاب كله لا إلى قسم خاص من آياته. ومثلها قوله تعالى: " وما كان هذا القرآن أن يفتري إلى أن قال أم يقولون افتريه إلى ان قال: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبه الظالمين " يونس - 39، والايات كما ترى تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب. ولذلك ذكر بعضهم أن التأويل هو الامر العيني الخارجي الذي يعتمد عليه الكلام وهو في مورد الاخبار المخبر به الواقع في الخارج إما سابقا كقصص الانبياء والامم الماضية وإما لاحقا كما في الايات المخبرة عن صفات الله وأسمائه ومواعيده وكل ما سيظهر يوم القيامة وفي مورد الانشاء كآيات الاحكام المصالح المتحققة في الخارج كما في قوله تعالى: " وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا " أسرى - 35 فإن تأويل إيفاء الكيل وإقامه الوزن هو المصلحة المترتبة عليهما في المجتمع وهو استقامه أمر الاجتماع الانساني. وفيه اولا: أن ظاهر هذه الآية: أن التأويل أمر خارجي وأثر عيني مترتب على فعلهم الخارجي الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن لا الامر التشريعي الذي يتضمنه قوله. وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا الآية، فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومآل لامر خارجي آخر فتوصيف آيات الكتاب بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها

[ 25 ]

عن معان خارجية (كما في الاخبار) أو تعلقها بأفعال أو امور خارجية (كما في الانشاء) لها تأويل فالوصف وصف بحال متعلق الشئ لا بحال نفس الشئ. وثانيا: أن التأويل وإن كان هو المرجع الذي يرجع ويؤل إليه الشئ لكنه رجوع خاص لا كل رجوع فإن المرئوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويل له والعدد يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له فلا محالة هو مرجع بنحو خاص لا مطلقا. يدل على ذلك قوله تعالى في قصة موسى والخضر عليهما السلام: " سانبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " الكهف - 78، وقوله تعالى: " ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " الكهف - 82، والذي نبأه لموسى صور وعناوين لما فعله عليه السلام في موارد ثلث كان موسى عليه السلام قد غفل عن تلك الصور والعناوين وتلقى بدلها صورا وعناوين اخرى أوجبت اعتراضه بها عليه فالموارد الثلث: هي قوله تعالى: " حتى إذا ركبا في السفينة خرقها " الكهف - 71 وقوله تعالى: " حتى إذا لقيا غلاما فقتله " الكهف - 74 وقوله تعالى: " حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه " الكهف - 77. والذي تلقاه موسى عليه السلام من صور هذه القضايا وعناوينها قوله: " أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا " الكهف - 71 وقوله: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " الكهف - 74 وقوله لو شئت لتخذت عليه أجرا " الكهف - 77. والذي نبأ به الخضر من التأويل قوله: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك " الكهف - 82 ثم أجاب عن جميع ما اعترض عليه موسى عليه السلام جملة بقوله: " وما فعلته عن أمري " الكهف - 82 فالذي اريد من التأويل في هذه الآيات كما ترى هو رجوع الشئ إلى صورته وعنوانه نظير رجوع الضرب إلى التأديب ورجوع الفصد إلى العلاج لا نظير رجوع قولنا: جاء زيد إلى مجئ زيد في الخارج.

[ 26 ]

ويقرب من ذلك ما ورد من لفظ التأويل في عدة مواضع من قصه يوسف عليه السلام كقوله تعالى: " إذ قال يوسف لابيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين: يوسف - 4 وقوله تعالى " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا " يوسف - 100 فرجوع ما رآه من الرؤيا إلى سجود أبويه وإخوته له وإن كان رجوعا لكنه من قبيل رجوع المثال إلى الممثل وكذا قوله تعالى " وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الاحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد امة أنا انبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون " يوسف - 48. وكذا قوله تعالى: " ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى ان قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان " يوسف - 41. وكذا قوله تعالى: " ويعلمك من تأويل الاحاديث " يوسف - 61 وقوله تعالى: " ولنعلمه من تأويل الاحاديث " يوسف - 21 وقوله تعالى: " وعلمتني من تأويل الاحاديث " يوسف - 101 فقد استعمل التأويل في جميع هذه الموارد من قصة يوسف عليه السلام فيما يرجع إليه الرويا من الحوادث وهو الذي كان يراه النائم فيما يناسبه من الصورة والمثال فنسبة التأويل إلى ذي التأويل نسبة المعنى إلى صورته التي يظهر بها والحقيقة المتمثلة إلى مثالها الذي تتمثل به كما كان الامر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصة موسى والخضر عليهما السلام وكذا في قوله تعالى: وأوفوا الكيل إذا كلتم إلى قوله: وأحسن تأويلا. الآية اسرى - 35. والتدبر في آيات القيامة يعطي أن المراد هو ذلك أيضا في لفظة التأويل في قوله تعالى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله الآية وقوله تعالى: " هل ينظرون

[ 27 ]

إلا تأويله يوم يأتي تأويله الآية " فإن أمثال قوله تعالى: " لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد " ق - 22 تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ به الانبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه وسيجئ مزيد بيان له فرجوع أخبار الكتاب والنبوة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من قبيل رجوع الاخبار عن الامور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل. فقد تبين بما مر أولا أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة. وثانيا أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل فللآية المحكمة تأويل كما أن للمتشابهة تأويلا. وثالثا أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للالفاظ بل هو من الامور الخارجية العينية واتصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلق وأما إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلا على كونه هو المراد من قوله تعالى وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب. قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله وابتغاء تأويله وقد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة ومن الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله ما تشابه منه. وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه سبحانه وأما قوله والراسخون في العلم فظاهر الكلام أن الواو للاستيناف بمعنى كونه طرفا للترديد الذي يدل عليه قوله في صدر الآية فأما الذين في قلوبهم زيغ والمعنى أن الناس في الاخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شئ منه: آمنا به كل من عند ربنا وإنما اختلفا لاختلافهم من جهه زيغ القلب ورسوخ العلم.

[ 28 ]

على أنه لو كان الواو للعطف وكان المراد بالعطف تشريك الراسخين في العلم بالتأويل كان منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أفضلهم وكيف يتصور أن ينزل القرآن على قلبه وهو لا يدرى ما اريد به ومن دأب القرآن إذا ذكر الامة أو وصف أمر جماعة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرده بالذكر أولا ويميزه بالشخص تشريفا له وتعظيما لامره ثم يذكرهم جميعا كقوله تعالى: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون " البقره - 285 وقوله تعالى: " ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " التوبه - 26 وقوله تعالى: " لكن الرسول والذين آمنوا معه " التوبه - 88 وقوله تعالى: " وهذا النبي والذين آمنوا " آل عمران - 68 وقوله تعالى لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " التحريم - 8 إلى غير ذلك فلو كان المراد بقوله: والراسخون في العلم إنهم عالمون بالتأويل - ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم قطعا كان حق الكلام كما عرفت أن يقال: وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله والراسخون في العلم هذا وإن أمكن أن يقال إن قوله في صدر الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب " إلخ " يدل على كون النبي عالما بالكتاب فلا حاجة إلى ذكره ثانيا. فالظاهر أن العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه كما في قوله تعالى: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " الجن - 27، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى الراسخين في العلم بعينهم إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من شئون الراسخين في العلم وهو الوقوف عند الشبهة والايمان والتسليم في مقابل الزائغين قلبا وبين أن تدل آيات اخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته على ما سيجئ بيانه. قوله تعالى والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا الرسوخ هو أشد الثبات ووقوع الراسخين في العلم في مقابلة الذين في قلوبهم زيغ ثم توصيفهم بأنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يدل على تمام تعريفهم وهو أن لهم علما بالله وبآياته لا يدخله ريب وشك فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ثابت لا يتزلزل وهم يؤمنون به ويتبعونه أي يعلمون به وإذا وردت عليهم آية متشابهة لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ بل آمنوا بها وتوقفوا عن اتباعها عملا

[ 29 ]

وفي قولهم: آمنا به كل من عند ربنا ذكر الدليل والنتيجة معا فإن كون المحكم والمتشابه جميعا من عند الله تعالى يوجب الايمان بالكل: محكمه ومتشابهه ووضوح المراد في المحكم يوجب اتباعه عملا والتوقف في المتشابه من غير رده لانه من عند الله ولا يجوز اتباع ما ينافي المحكم من معانيه المتشابهة لسطوع البيان في المحكم فيجب أن يتبع من معانيه المحتملة ما يوافق معنى المحكم وهذا بعينه إرجاع المتشابه إلى المحكم فقوله: كل من عند ربنا بمنزلة الدليل على الامرين جميعا أعني: الايمان والعمل في المحكم والايمان فقط في المتشابه والرجوع في العمل إلى المحكم. قوله تعالى: وما يذكر إلا اولوا الالباب التذكر هو الانتقال إلى دليل الشئ لاستنتاجه ولما كان قولهم كل من عند ربنا كما مر استدلالا منهم وانتقالا لما يدل على فعلهم سماه الله تعالى تذكرا ومدحهم به. والالباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب وقد مدحهم الله تعالى مدحا جميلا في موارد من كلامه وعرفهم بأنهم أهل الايمان بالله والانابه إليه واتباع أحسن القول ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائما فأعقب ذلك أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف الحقة بالدليل وأهل الحكمة والمعرفة قال تعالى: " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هديهم الله واولئك هم اولوا الالباب " الزمر - 18 وقال تعالى: " أن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " آل عمران - 191 وهذا الذكر الدائم وما يتبعه من التذلل والخضوع هو الانابة الموجبة لتذكرهم بآيات الله وانتقالهم إلى المعارف الحقة كما قال تعالى: " وما يتذكر إلا من ينيب " الغافر - 13 وقد قال " وما يذكر إلا اولوا الالباب " البقره - 269، آل عمران - 7. قوله تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهذا من آثار رسوخهم في العلم فإنهم لما علموا بمقام ربهم وعقلوا عن الله سبحانه أيقنوا أن الملك لله وحده وأنهم لا يملكون لانفسهم شيئا فمن الجائز أن يزيغ قلوبهم بعد رسوخ العلم فالتجأوا إلى ربهم وسألوه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم وأن يهب لهم من لدنه رحمه تبقى لهم هذه النعمة ويعينهم على السير في

[ 30 ]

صراط الهداية والسلوك في مراتب القرب. وأما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلان عدم إزاغه القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم وينتزع عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم ولا أشقياء بالازاغة بل في حال الجهل والاستضعاف وهم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم ومع ذلك لا تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى أنواع من الرحمة لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله سبحانه وهم مستشعرون بحاجتهم هذه والدليل عليه قولهم بعد ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه. فقولهم: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا استعاذه من نزول الزيغ إلى قلوبهم وإزاحته العلم الراسخ الذى فيها وقولهم: وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم وتنكير الرحمة وتوصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة وأنها كيف ينبغي أن تكون غير أنهم يعلمون أنه لولا رحمة من ربهم ولولا كونها من لدنه لم يتم لهم أمر. وفي الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضا واستيهاب الرحمة من لدنه محضا دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضا من غير توجه إلى أمر الاسباب. قوله تعالى ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة وذلك لعلمهم بان إقامة نظام الخلقة ودعوة الدين وكدح الانسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة الذي لا يغني فيه ولا ينصر أحد إلا بالرحمة كما قال تعالى: " ان يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله " الدخان - 42 ولذلك سألوا رحمة من ربهم وفوضوا تعيينها وتشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم. وقد وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال والدعاء وعللوا هذا التوصيف أيضا بقولهم: إن الله لا يخلف الميعاد لان شأنهم الرسوخ في العلم ولا يرسخ العلم بشئ ولا يستقر تصديق إلا مع العلم بعلته المنتجة وعلة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه به فذكروه.

[ 31 ]

ونظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم وهب لنا من لدنك رحمة بقولهم: إنك أنت الوهاب فكونه تعالى وهابا يعلل به سؤالهم الرحمة وإتيانهم بلفظة أنت وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم من لدنك الدال على الاختصاص وكذا يجري مثل الوجه في قولهم ربنا لا تزغ قلوبنا حيث عقبوه بما يجري مجرى العله بالنسبة إليه وهو قولهم بعد إذ هديتنا وقد مر آنفا أن قولهم آمنا به من حيث تعقيبه بقولهم كل من عند ربنا من هذا القبيل أيضا. فهؤلاء رجال آمنوا بربهم وثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه وكمل عقولهم فلا يقولون الا عن علم ولا يفعلون الا عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في العلم وكنى عنهم باولي الالباب وأنت إذا تدبرت ما عرف الله به اولى الالباب وجدته منطبقا على ما ذكره من شانهم في هذه الآيات قال تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الالباب: الزمر - 18 فوصفهم بالايمان واتباع أحسن القول والانابة إلى الله سبحانه وقد وصف بهذه الاوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات. وأما الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله ان الله لا يخلف الميعاد فلان هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم وغيرهم فكان الاولى تبديل قولهم ربنا إلى لفظة الجلالة لان حكم الالوهية عام شامل لكل شئ.

كلام تفصيلي في المحكم والمتشابه والتأويل

هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم والمتشابه والتأويل فيما مر هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه ويستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام سيجئ في البحث الروائي. لكن القوم اختلفوا في المقام وقد شاع الخلاف واشتد الانحراف بينهم وينسحب ذيل النزاع والمشاجرة إلى الصدر الاول من مفسري الصحابة والتابعين وقلما يوجد في ما نقل الينا من لامهم ما يقرب مما مر من البيان فضلا عن أن ينطبق

[ 32 ]

عليه تمام الانطباق. والسبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم والمتشابه وبين البحث عن معنى التأويل فأوجب ذلك اختلالا عجيبا في عقد المسألة وكيفية البحث والنتيجة المأخوذة منه ونحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه الابحاث وما قيل فيها وما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر في ضمن فصول:

1 - المحكم والمتشابه

 الاحكام والتشابه من الالفاظ المبينة المفاهيم في اللغة وقد وصف بهما الكتاب كما في قوله تعالى " كتاب أحكمت آياته " هود - 1 وقوله تعالى " كتابا متشابها مثاني " الزمر - 23 ولم يتصف بهما الا جملة الكتاب من جهة إتقانه في نظمه وبيانه ومن جهة تشابه نظمه وبيانه في البلوغ إلى غاية الاتقان والاحكام. لكن قوله تعالى هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات الآية لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات والمتشابهات علمنا أن المراد بالاحكام والتشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام الكتاب وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات وفيه أقوال ربما تجاوزت العشرة أحدها أن المحكمات هو قوله تعالى في سورة الانعام " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا إلى آخر الآيات الثلاث " الانعام - 152 و المتشابهات هي التى تشابهت على اليهود وهى الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل ألم وألر وحم وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الامة وعمرها فاشتبه عليهم الامر نسب إلى ابن عباس من الصحابة. وفيه أنه قول من غير دليل ولو سلم فلا دليل على انحصارهما فيهما على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه. لكن الحق أن النسبة في غير محلها والذي نقل عن ابن عباس انه قال إن

[ 33 ]

الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث ففي الدر المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الله بن قيس سمعت ابن عباس يقول في قوله منه آيات محكمات قال - الثلاث آيات من آخر سورة الانعام محكمات - قل تعالوا والآيتان بعدها. ويؤيد ذلك ما رواه عنه أيضا في قوله ": آيات محكمات قال من هاهنا - قل تعالوا إلى آخر ثلاث آيات ومن هاهنا - وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه إلى آخر ثلاث آيات فالروايتان تشهدان أنه إنما ذكر هذه الآيات مثالا لسائر المحكمات لا أنه قصرها فيها. وثانيها عكس الاول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور والمتشابهات غيرها نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في قوله تعالى ": هن ام الكتاب أنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن - ألم ذلك الكتاب منها استخرجت البقره وألم الله لا إله إلا هو الحى القيوم - منها استخرجت آل عمران وعن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله ": هن ام الكتاب قال - أصل الكتاب لانهن مكتوبات في جميع الكتب انتهى ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها الفاظ الحروف بعناية أن الكتاب الذى نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التى تتالف منها الكلمات والجمل كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور. وفيه مضافا إلى أنه مبنى على ما لا دليل عليه أصلا أعنى تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه وقد ذم الله سبحانه اتباع المتشابه وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى " واتبعوا النور الذى انزل معه " الاعراف - 157 وغيره من الآيات. وثالثها أن المتشابه هو ما يسمى مجملا والمحكم هو المبين. وفيه أن ما بين من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين. بيان ذلك: أن اجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات

[ 34 ]

معناه ببعض فلا ينفصل الجهة المرادة عن غيرها ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الافأاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم دون نفس المحكم وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ولم يكن اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب رابعها أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لانها يؤمن بها ولا يعمل بها والمحكمات هي الآيات الناسخة لانها يؤمن بها ويعمل بها ونسب إلى ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن. وفيه أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات والافعال على أن لازم هذا القول وجود الواسطة بين المحكم والمتشابه. وفيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم والمتشابه أعم مما ينطبق على الناسخ والمنسوخ وأنه إنما ذكرهما من باب المثال ففي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به انتهى. خامسها أن المحكمات ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة والمتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر. وفيه أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحا لائحا أو محتاجا إلى التأمل والتدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهى وعدم كونه كذلك كان لازمه كون آيات الاحكام والفرائض ونحوها من المتشابه لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح وحينئذ يكون اتباعها مذموما مع انها واجبه الاتباع وإن

[ 35 ]

كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب و عدم كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة وكيف لا وهو كتاب متشابه مثاني ونور ومبين ولازمه كون الجميع محكما وارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب وهو خلف الفرض وخلاف النص. سادسها أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ونحوه. وفيه أن الاحكام والتشابه وصفان لآية الكتاب من حيث أنها آية أي دالة على معرفة من المعارف الالهية والذي تدل عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم للسبيل ولا ممتنع الفهم إما بنفسه أو بضميمة غيره وكيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهدة اللفظ مع أنه وصف كتابه بأنه هدى وأنه نور وأنه مبين وأنه في معرض فهم الكافرين فضلا عن المؤمنين حيث قال تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون " حم السجدة - 4 وقال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82 فما تعرضت له آية من آيات الكتاب ليس بممتنع الفهم ولا الوقوف عليه مستحيل وما لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت قيام الساعة وسائر ما في الغيب المكنون لم يتعرض لبيانه آية من الآيات بلفظها حتى تسمى متشابها. على أن في هذا القول خلطا بين معنى المتشابه وتأويل الآية كما مر. سابعها أن المحكمات آيات الاحكام والمتشابهات غيرها مما يصرف بعضها بعضا نسب هذا القول إلى مجاهد وغيره. وفيه أن المراد بالصرف الذي ذكره إن كان مطلق ما يعين على تشخيص المراد باللفظ حتى يشمل مثل التخصيص بالمخصص والتقييد بالمقيد وسائر القرائن المقامية كانت آيات الاحكام أيضا كغيرها متشابهات وإن كان خصوص ما لا إبهام في دلالته على المراد ولا كثرة في محتملاته حتى يتعين المراد به بنفسه ويتعين المراد بغيره بواسطته كان لازم كون ما سوى آيات الاحكام متشابهة أن لا يحصل العلم بشئ

[ 36 ]

من معارف القرآن غير الاحكام لان المفروض عدم وجود آية محكمة فيها ترجع إليها المتشابهات منها ويتبين بذلك معانيها ثامنها أن المحكم من الآيات ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها كثيرة ونسب إلى الشافعي وكأن المراد به أن المحكم ما لا ظهور له إلا في معنى واحد كالنص والظاهر القوى في ظهوره والمتشابه خلافه. وفيه أنه لا يزيد على تبديل اللفظ باللفظ شيئا فقد بدل لفظ المحكم بما ليس له إلا معنى واحد والمتشابه بما يحتمل معاني كثيرة على أنه أخذ التأويل بمعنى التفسير أي المعنى المراد باللفظ وقد عرفت أنه خطأ ولو كان التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه بالله أو بالله وبالراسخين في العلم وجه فإن القرآن يفسر بعضه بعضا والمؤمن والكافر والراسخون في العلم وأهل الزيغ في ذلك سواء. تاسعها أن المحكم ما احكم وفصل فيه خبر الانبياء مع اممهم والمتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم بالتكرير في سور متعددة ولازم هذا القوم اختصاص التقسيم بآيات القصص. وفيه أنه لا دليل على هذا التخصيص أصلا على أن الذى ذكره تعالى من خواص المحكم والمتشابه وهو ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل في اتباع المتشابه دون المحكم لا ينطبق عليه فإن هذه الخاصة توجد في غير آيات القصص كما توجد فيها وتوجد في القصة الواحدة كقصة جعل الخلافة في الارض كما توجد في القصص المتكررة. عاشرها أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان والمحكم خلافه وهذا الوجه منسوب إلى الامام أحمد. وفيه أن آيات الاحكام محتاجة إلى بيان النبي على الله عليه وآله وسلم مع أنها من المحكمات قطعا لما تقدم بيانه مرارا وكذا الآيات المنسوخة من المتشابه كما تقدم مع عدم احتياجها إلى بيان لكونها نظائر لسائر آيات الاحكام. الحادي عشر أن المحكم ما يؤمن به ويعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به ونسب إلى ابن تيمية ولعل المراد به أن الاخبار متشابهات والانشاءات

[ 37 ]

محكمات كما استظهره بعضهم وإلا لم يكن قولا برأسه لصحة انطباقه على عدة من الاقوال المتقدمة. وفيه أن لازمه كون غير آيات الاحكام متشابهات ولازمه أن لا يمكن حصول العلم بشئ من المعارف الالهية في غير الاحكام إذ لا يتحقق فيها عمل مع عدم وجود محكم فيها يرجع إليه ما تشابه منها ومن جهة اخرى الآيات المنسوخة إنشائات وليست بمحكمات قطعا. والظاهر أن مراده من الايمان والعمل بالمحكم والايمان من غير عمل بالمتشابه ما يدل عليه لفظ الآية فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا إلا أن الامرين أعنى الايمان والعمل معا في المحكم والايمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين لكل من آمن بالكتاب كان عليه أن يشخص المحكم والمتشابه قبلا حتى يؤدي وظيفته وعلي هذا فلا يكفي معرفة المحكم والمتشابه بهما في تشخيص مصداقهما وهو ظاهر. الثاني عشر أن المتشابهات هي آيات الصفات خاصة أعم من صفات الله سبحانه كالعليم والقدير والحكيم والخبير وصفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى بن مريم عليهما السلام: " وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " النساء - 171 وما يشبه ذلك نسب إلى ابن تيمية. وفيه أنه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات لا دليل على انحصارها فيها. والذى يظهر من بعض كلامه المنقول على طوله: أنه يأخذ المحكم والمتشابه بمعناهما اللغوي وهو ما احكمت دلالته وما تشابهت احتمالاته والمعنيان نسبيان فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامة وعلمها آخرون بالبحث وهم العلماء وهذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنها بحيث تشتبه مراداتها لغالب الناس لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء الحس فيحسبون ما أثبته الله تعالى لنفسه من العلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب واليد والعين وغير ذلك امورا جسمانية أو معاني ليست بالحق وتقوم بذلك الفتن وتظهر البدع وتنشأ المذاهب فهذا معنى المحكم

[ 38 ]

والمتشابه وكلاهما مما يمكن أن يحصل به العلم والذى لا يمكن نيله والعلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى حقيقة المعاني التى تدل عليها أمثال آيات الصفات فهب أنا علمنا معنى قوله إن الله على كل شئ قدير وإن الله بكل شئ عليم ونحو ذلك لكنا لا ندرى حقيقة علمه وقدرته وسائر صفاته وكيفية أفعاله الخاصة به فهذا هو تأويل المتشابهات الذى لا يعلمها إلا الله تعالى انتهى ملخصا وسيأتي ما يتعلق بكلامه من البحث عند ما نتكلم في التأويل إنشاء الله. الثالث عشر أن المحكم ما للعقل إليه سبيل والمتشابه بخلافه. وفيه أنه قول من غير دليل والآيات القرآنية وإن انقسمت إلى ما للعقل إليه سبيل وما ليس للعقل إليه سبيل لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم والمتشابه فبهذه الآية استيفاء هذا التقسيم وشئ مما ذكر فيها من نعوت المحكم والمتشابه لا ينطبق عليه انطباقا صحيحا على أنه منقوض بآيات الاحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها. الرابع عشر أن المحكم ما اريد به ظاهره والمتشابه ما اريد به خلاف ظاهره وهذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث وعليه يبتني اصطلاحهم في التأويل أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام وكأنه ايضا مراد من قال إن المحكم ما تأويله تنزيله والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل. وفيه أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه فإن المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله وليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم بأن له تأويلا بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها ومتشابهها كما مر بيانه على أنه ليس في القرآن آية اريد فيها ما يخالف ظاهرها وما يوهم ذلك من الآيات إنما اريد بها معان يعطيها لها آيات اخر محكمة والقرآن يفسر بعضه بعضا ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن متصلة أو منفصلة للفظ ليس بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض ويرتفع كل اختلاف وتناف مترائي بالتدبر فيه قال تعالى " أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82

[ 39 ]

الخامس عشر ما عن الاصم أن المحكم ما اجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه وكأن المراد بالاجماع والاختلاف كون مدلول الآية بحيث يختلف فيه الانظار أو لا يختلف. وفيه أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها وينافيه التقسيم الذي في الاية إذ ما من آيه من آي الكتاب إلا وفيه اختلاف ما إما لفظا أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلا بقوله تعالى كتابا متشابها " الزمر - 23 غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتني على كون ما استدل به آية محكمة وهو يناقض قوله وذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له. السادس عشر أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره سواء كان الاشكال من جهه اللفظ أو من جهة المعنى ذكره الراغب. قال في مفردات القرآن والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى فقال الفقهاء المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب محكم على الاطلاق ومتشابه على الاطلاق ومحكم من وجه متشابه من وجه. فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب متشابه من جهة اللفظ فقط ومتشابه من جهة المعنى فقط ومتشابه من جهتهما والمتشابه من جهة اللفظ ضربان أحدهما يرجع إلى الالفاظ المفردة وذلك إما من جهة غرابته نحو الاب ويزفون وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وضرب لبسط الكلام نحو ليس كمثله شئ لانه لو قيل ليس مثله شئ كان أظهر للسامع وضرب لنظم الكلام نحو " أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " تقديره الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وقوله ولو لا رجال مؤمنون إلى قوله لو تزيلوا. والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك

[ 40 ]

الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما لم نحسه والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب الاول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو اقتلوا المشركين والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتقوا الله حق تقاته والرابع من جهة المكان أو الامور التى نزلت فيها نحو وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وقوله انما النسئ زيادة في الكفر فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية والخامس من جهة الشروط التى بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلوة والنكاح. وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه ألم وقول قتادة المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ وقول الاصم المحكم ما اجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج دابة الارض وكيفية الدابة ونحو ذلك وضرب للانسان سبيل إلى معرفته كالالفاظ الغريبة والاحكام الغلقة وضرب متردد بين الامرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو الضرب المشار إليه بقوله عليه السلام في علي رضي الله عنه: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقوله لابن عباس مثل ذلك انتهى كلامه وهو أعم الاقوال ف‍ معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الاقوال المتقدمة. وفيه أولا أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ وإغلاق التركيب والعموم والخصوص ونحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية فإن الآية جعلت المحكمات مرجعا يرجع إليه المتشابهات ومن المعلوم أن غرابة اللفظ وأمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات بل لها مرجع آخر ترجع إليه وتتضح به. وأيضا الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة ومن المعلوم أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه والمطلق من غير رجوع إلى مقيده

[ 41 ]

وأخذ اللفظ الغريب مع الاعراض عما يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجبا لاثارة الفتنة لعدم مساعدة اللسان عليه. وثانيا أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس وما لا يمكن فهمه لاحد وما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل بالمتشابه وقد عرفت خلافه. هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردهما وقد عرفت ما فيها وعرفت أيضا أن الذى يظهر من الآية على ظهورها وسطوع نورها خلاف ذلك كله وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث يعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ونحو ذلك بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية اخرى محكمة لا ريب فيه تبين حال المتشابهة. ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلا مع كون ما يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الافهام العامية تسرع الاذهان الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الافهام الضعيفة الادراك والتعقل. وأنت إذا تتبعت البدع والاهواء والمذاهب الفاسدة التى انحرف فيها الفرق الاسلاميه عن الحق القويم بعد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان في المعارف أو في الاحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم واخرى للجبر واخرى للتفويض واخرى لعثرة الانبياء واخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات واخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات إلى غير ذلك كل ذلك للاخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه. وطائفة ذكرت أن الاحكام الدينية إنما شرعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق وتيسر واخرى قالت إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل.

[ 42 ]

وقد كانت الاحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الاسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله صلى الله عليه وآله وسلم تنقص وتسقط حكما فحكما يوما فيوما بيد الحكومات الاسلامية ولم يبطل حكم أو حد إلا واعتذر المبطلون أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم حتى آل الامر إلى ما يقال إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا باجرائها والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل تستدعى وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وأجرائها وإلى ما يقال إن التلبس بالاعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكره والارادة الصالحتين والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بامثال الوضوء والغسل والصلوه والصوم. إذا تأملت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبرت في قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الآية لم تشك في صحة ما ذكرناه وقضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت الاسلام والمسلمين لم تستقر قرارها إلا من طريق اتباع المتشابه وابتغاء تأويل القرآن. و هذا والله أعلم هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب وإصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والالحاد في آيات الله والقول فيها بغير علم واتباع خطوات الشيطان فإن من دأب القرآن أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم به بنيته كالتشديد الواقع في تولي الكفار ومودة ذوي القربى وقرار أزواج النبي ومعاملة الربا واتحاد الكلمة في الدين وغير ذلك. ولا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسد طريق ابتغاء الفتنة الذين منشأهما الركون إلى الدنيا والاخلاد إلى الارض واتباع الهوى إلا ذكر يوم الحساب كما قال تعالى ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " ص - 26 ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد.

[ 43 ]

ما معنى كون المحكمات ام الكتاب ؟

 ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة ام الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه تبتنى قواعد الدين واركانها فيؤمن بها ويعمل بها وليس الدين إلا مجموعا من الاعتقاد والعمل وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا. وأنت بالتأمل فيما تقدم من الاقوال تعلم أن هذا لازم بعض الاقوال المتقدمة وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية. وقال آخرون أن معنى امومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع فظاهر بعضهم أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الايمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة وهذا القول لا يغاير القول الاول كثير مغائرة وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات رافعة لتشابهها. والحق هو المعنى الثالث فإن معنى الامومة الذي تدل عليه قوله هن ام الكتاب الآية يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الاصل الذي فسرت به الام في القول الاول فإن في هذه اللفظة أعني لفظة الام عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات. على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل فإن التأويل كما مر يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه والقرآن يفسر بعضه بعضا فللمتشابه مفسر وليس الا المحكم مثال ذلك قوله تعالى " إلى ربها ناظرة " القيامة - 23 فإنه آية متشابهة وبإرجاعها إلى قوله تعالى " ليس كمثله شئ " الشورى - 11 وقوله تعالى " لا تدركه الابصار " الانعام - 103 يتبين: أن المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي وقد قال تعالى " ما كذب الفؤاد ما رأى

[ 44 ]

أفتمارونه على ما يرى إلى أن قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى " النجم - 18 فأثبت للقلب رؤية تخصه وليس هو الفكر فإن الفكر إنما يتعلق بالتصديق والمركب الذهني والرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني فيتبين بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية ولا بالعقلية الذهنية والامر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات.

 3 - ما معنى التأويل ؟

 فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام وإذ كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل عليهذا من قوله تعالى " وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية هو المعنى المراد بالآية المتشابهة فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابآ على هذا القول لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم. وقالت طائفة اخرى أن المراد بالتأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقه ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الارجاع أو المرجع. وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الاول هو الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول إن التأويل لا يعلمه إلا الله ومن كان يقول إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله. وذهب طائفة اخرى إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلا الله تعالى أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ فيرجع الامر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الافهام ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله سبحانه أو هو تعالى والراسخون في العلم. وقد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد وإلا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وهو غير جائز على ما بين في محله فهي لا محالة معان مترتبة في

[ 45 ]

الطول فقيل إنها لوازم معنى اللفظ إلا أنها لوازم مترتبة بحيث يكون للفظ معني مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا وقيل إنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما أنك إذا قلت اسقني فلا تطلب بذاك إلا السقي وهو بعينه طلب للارواء وطلب لرفع الحاجة الوجودية وطلب للكمال الوجودي وليس هناك أربعة أوامر ومطالب بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الامور التى بعضها في باطن بعض والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها. وهيهنا قول رابع وهو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ بل هو الامر العيني الذي يعتمد عليه الكلام فإن كان الكلام حكما إنشائيا كالامر والنهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله وتشريعه فتأويل قوله أقيموا الصلاة مثلا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر وإن كان الكلام خبريا فإن كان إخبارا عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الانبياء والامم الماضية فتأويلها نفس القضايا الواقعة في الماضي وإن كان إخبارا عن الحوادث والامور الحالية والمستقبلة فهو على قسمين فإما أن يكون المخبر به من الامور التي تناله الحواس أو تدركه العقول كان أيضا تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة كقوله تعالى وفيكم سماعون لهم " التوبة - 47 وقوله تعالى " غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " الروم - 4 وإن كان من الامور المستقبلة الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالامور المربوطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الاموات والجمع والسؤال والحساب وتطائر الكتب أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان وإدراك العقول كحقيقة صفاته وأفعاله تعالى فتأويلها أيضا نفس حقائقها الخارجية. والفرق بين هذا القسم أعنى الآيات المبينة لحال صفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة ونحوها وبين الاقسام الاخر أن الاقسام الاخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم فإنه لا يعلم حقيقة تأويله إلا الله تعالى نعم يمكن ان يناله الراسخون في العلم بتعليم الله تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم

[ 46 ]

وأما حقيقة الامر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه. فهذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل وهي أربعة. وهيهنا أقوال أخر ذكروها هي في الحقيقة من شعب القول الاول وإن تحاشى القائلون بها عن قبوله. فمن جملتها أن التفسير أعم من التأويل وأكثر استعماله في الالفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل وأكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الالهية ويستعمل التفسير فيها وفي غيرها. ومن جملتها أن التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا. ومن جملتها أن التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ والتأويل ترجيح أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها وهو قريب من سابقه. ومن جملتها أن التفسير بيان دليل المراد والتأويل بيان حقيقه المراد مثاله قوله تعالى إن ربك لبالمرصاد فتفسيره أن المرصاد مفعال من قولهم رصد يرصد إذا راقب وتأويله التحذير عن التهاون بامر الله والغفلة عنه. ومن جملتها أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ والتأويل بيان المعنى المشكل. ومن جملتها أن التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية. ومن جملتها أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر فهذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الاول الذي نقلناه يرد عليها ما يرد عليه وكيف كان فلا يصح الركون إلى شئ من هذه الاقوال الاربعة وما ينشعب منها. أما إجمالا فلانك قد عرفت: أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا، بل هو من قبيل الامور الخارجية، ولا كل أمر خارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخير تأويلا له، بل أمر خارجي

[ 47 ]

مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل (بفتحتين) والباطن إلى الظاهر. وأما تفصيلا فيرد على القول الاول: أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها أي المراد من مداليلها اللفظية عامة الافهام، وليس في القرآن آيات كذلك بل القرآن ناطق بانه أنما أنزل قرآنا ليناله الافهام، ولا مناص لصاحب هذا القول إلا أن يختار أن الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا ينال معانيها عامة الافهام، ويرد عليه: أنه لا دليل عليه، ومجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع وكون التفسير أيضا غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير كما أن الام مرجع لاولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرؤوس وليس بتأويل له. على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه وهو يوجد في غير فواتح السور فإن أكثر الفتن المحدثة في الاسلام إنما حدثت باتباع علل الاحكام وآيات الصفات وغيرها. وأما القول الثاني فيرد عليه: أن لازمه وجود آيات في القرآن اريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامة الافهام وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82 إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بان يقال إنه اريد بإحديهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلا الله سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية فان انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير الله أمر ممكن ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب واللغو يمكن أرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ظاهره فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الاحوال وتناقض الآراء والسهو والنسيان والخطاء والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية فالآية بلسان احتجاجها صريح في أن القرآن معرض لعامة الافهام ومسرح للبحث والتامل والتدبر وليس فيه آية اريد

[ 48 ]

بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي ولا أن فيه احجية وتعمية وأما القول الثالث فيرد عليه أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلا من حرم نعمة التدبر إلا أنها جميعا وخاصة لو قلنا أنها لوازم المعنى مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته وهذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل وما يعلم تأويله إلا الله فان المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا يختلف فيها الاذهان من حيث التقوى وطهارة النفس بل من حيث الحدة وعدمها وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الالهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر قوله وما يعلم تأويله إلا الله. وأما القول الرابع فيرد عليه أنه وأن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الاخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلا للكلام وفي حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة. توضيحه أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى وابتغاء تأويله " إلخ " إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله ولا يعلم تأويله إلا الله إلخ فإن كثيرا من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص بل الاحكام أيضا وآيات الاخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الراسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالاحكام من العبادات والمعاملات وسائر الامور المشرعة. وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله وما يعلم تأويله إلا الله إلخ وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه وهو يؤدي إلى الفتنة واضلال الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها

[ 49 ]

يوجد في تأويل غيرها من آيات الاحكام والقصص وغيرهما كأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من تشريع الاحكام إحياء الاجتماع الانساني بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح فلو فرض أن صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع وكأن يقول القائل وقد قيل إن المراد من كرامات الانبياء المنقولة في القرآن امور عادية وإنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة قلوب العامة لانجذاب نفوسهم وخضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقا للعادة قاهرا لقوانين الطبيعة ويوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الاسلام شئ كثير من هذه الاقاويل وجميعها من التأويل في القرآن ابتغاءا للفتنة بلا شك فلا وجه لقصر المتشابه على آيات الصفات وآيات القيامة. إذا عرفت ما مر علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة وأنه موجود لجميع الآيات القرآنية محكمها ومتشابهها وأنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالالفاظ بل هي من الامور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الالفاظ وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الالفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهى كالامثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى " والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ام الكتاب لدينا لعلى حكيم " الزخرف - 4 وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى. على أنك قد عرفت فيما مر من البيان أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي استعملها وهي ستة عشر موردا على ما عدت إلا في المعنى الذي ذكرناه.

 4 - هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه ؟

 هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين ومنشأه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية وأن الواو هل هو للعطف أو للاستيناف فذهب بعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في العلم يعلمون

[ 50 ]

تأويل المتشابه من القرآن وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستيناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه وقد استدلت الطائفة الاولى على مذهبها بوجوه كثيرة وببعض الروايات والطائفة الثانية بوجوه اخر وعدة من الروايات الواردة في أن تأويل المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه وتمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها والمعارضة مع حججها. والذي ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط والاشتباه من أول ما دارت بينهم ووقعت موردا للبحث والتنقير فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم وبعبارة اخرى المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبئ به ما عنونا به المسألة وقررنا عليه الخلاف وقول كل من الطرفين آنفا. ولذلك تركنا التعرض لنقل حجج الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب فإن الروايات المثبتة أعنى الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه ولا تأويل في القرآن بهذا المعنى كما روى من طرق أهل السنة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لابن عباس فقال - اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله ومن قوله: إن المحكمات هي الآيات الناسخة - والمتشابهات هي المنسوخة فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة وهو الذى أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية. وأما الروايات النافية أعنى الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روى أن ابن عباس كان يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله - ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أبى بن كعب وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به فهذه لا تصلح لاثبات شئ أما أولا فلان هذه القراءات لا حجية فيها وأما ثانيا فلان غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر. ومثل ما في الدر المنثور عن الطبراني عن ابي مالك الاشعري أنه سمع رسول

[ 51 ]

الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا أخاف على امتي إلا ثلاث خصال - أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا - وأن يفتح لهم الكتاب - فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله - وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به - كل من عند ربنا وما يذكر إلا اولوا الالباب - وأن يكثر علمهم فيضيعونه ولا يبالون به وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم ولا ينفع المستدل إلا الثاني. ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والايمان بالمتشابه وعدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه. ومثل ما في تفسير الآلوسي عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب والحديث مع كونه مرفوعا ومعارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مر. والذي ينبغي ؟ ؟ أن يقال أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك. أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه وتفرق الناس في الاخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والايمان بالمتشابه لرسوخ في علمه فإنما القصد الاول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الاخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الاول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الاشارة إليها فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى " وما يعلم تأويله إلا الله من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به. لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره

[ 52 ]

مثل العلم بالغيب قال تعالى " قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله " النمل - 65 وقال تعالى " إنما الغيب لله " يونس - 20 وقال تعالى " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " الانعام - 59 فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " الجن - 27. فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول ولذلك نظائر في القرآن. وأما الجهه الاولى - وهى أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى في الجملة فبيانه أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويل الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل فهو وإن لم يكن مدلولا للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية والحفظ نظير قولك " في الصيف ضيعت اللبن " لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرئة اللبن في الصيف لا ينطبق شئ منه على المورد وهو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله. كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الاحكام أو بيان معرفة من المعارف الالهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص القرآنية وإن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الامر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية إلا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشي منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والاشارة كما أن قول السيد لخادمه اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الانسانية لكمالها فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن وهو يقتضي الغذاء اللازم وهو يقتضي الري وهو يقتضي الامر بالسقي مثلا فتأويل قوله اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الانسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه ولو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شئ آخر يباين الاول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الامر بالسقي إلى حكم آخر وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الانسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه وتكرر المشاهدة ممن شاهده

[ 53 ]

من أهل منطقته فهذه العلة المؤتلفة الاجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكية مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتى به من الفعل أو الترك. فالامر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة ولذلك ترى أنه تعالى في قوله فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله الآية لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاءا للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له وليس إلا لان التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا غير مذموم وتبدل الامر الذي يدل عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتبعوه. فقد تبين أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شئ من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين. وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى " والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم " الزخرف - 4 فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمرا أعلى وأحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في ام الكتاب وام الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب " الرعد - 39. وبقوله " بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ " البروج - 22. ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى " كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " هود - 1 فالاحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الاولى قوله تعالى " وقرآنا فرقناه

[ 54 ]

لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " أسرى - 106 فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا واوحي نجوما. وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على الحال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وانزل على النبي نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقري منا قطعات ثم يعلمه ويقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه. وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآيه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا شئ من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى " فاعف عنهم واصفح " المائدة - 13 وقوله تعالى " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " التوبة - 123 وقوله تعالى " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " المجادلة - 1 وقوله تعالى " خذ من أموالهم صدقة " التوبة - 103 ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حيوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد بالقرآن في قوله: وقرآنا فرقناه غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة. وبالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه وليس من سنخ الالفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الافهام العادية والنفوس غير المطهرة. ثم إنه تعالى قال " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون " الواقعة - 79 ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير ومن التغير تصرف الاذهان

[ 55 ]

بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلا نيل الفهم والعلم ومن المعلوم أيضا أن الكتاب المكنون هذا هو ام الكتاب المدلول عليه بقوله يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب وهو المذكور في قوله وإنه في ام الكتاب لدينا لعلى حكيم. وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم وليس ينزلها إلا الله سبحانه فإنه تعالى لم يذكرها إلا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " الاحزاب - 33 وقوله تعالى ولكن يريد ليطهركم " المائدة - 6 وما في القرآن شئ من الطهارة المعنوية إلا منسوبة إلى الله أو بإذنه وليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب وليس القلب من الانسان إلا ما يدرك به ويريد به فطهارة القلب طهارة نفس الانسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين ويرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين الحق والباطل وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمائل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم وهذا هو الرسوخ في العلم فإن الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم هذا. ولكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى الله وهو تعالى سبب غير مغلوب لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم بالتأويل فإن الآية لا تثبت ذلك بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى يقولون آمنا به كل من عند ربنا الآية وقد وصف الله تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم ومدحهم بذلك وشكرهم على الايمان والعمل الصالح في قوله لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك الآية " النساء - 162 ولم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب. وكذلك إن الآية أعني قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون لم تثبت للمطهرين إلا مس الكتاب في الجملة وأما أنهم يعلمون كل التأويل ولا يجهلون شيئا منه ولا في وقت فهي ساكتة عن ذلك ولو ثبت لثبت بدليل منفصل

[ 56 ]

5 - ما هو السبب في اشتمال الكتاب على المتشابه ؟

 ومن الاعتراضات التي اوردت على القرآن الكريم الاعتراض باشتماله على المتشابهات وهو أنكم تدعون أن تكاليف الخلق إلى يوم القيامة فيه وأنه قول فصل يميز بين الحق والباطل ثم إنا نراه يتمسك به كل صاحب مذهب من المذاهب المختلفة بين المسلمين لاثبات مذهبه وليس ذلك إلا لوقوع التشابه في آياته أ فليس أنه لو جعله جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى الغرض المطلوب وأقطع لمادة الخلاف والزيغ. وأجيب عنه بوجوه من الجواب بعضها ظاهر السخافة كالجواب بأن وجود المتشابهات يوجب صعوبة تحصيل الحق ومشقة البحث وذلك موجب لمزيد الاجر والثواب وكالجواب بأنه لو لم يشتمل إلا على صريح القول في مذهب لنفر ذلك سائر أرباب المذاهب فلم ينظروا فيه لكنه لوجود التشابه فيه أطمعهم في النظر فيه وكان في ذلك رجاء أن يظفروا بالحق فيؤمنوا به وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب الاستعانة بدلالة العقل وفي ذلك خروج عن ظلمة التقليد ودخول في ضوء النظر والاجتهاد وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب البحث عن طرق التأويلات المختلفة وفي ذلك فائدة التضلع بالفنون المختلفة كعلم اللغة والصرف والنحو واصول الفقه. فهذه أجوبة سخيفة ظاهرة السخافة بأدنى نظر والذي يستحق الايراد والبحث من الاجوبة وجوه ثلثة الاول أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص القلوب في التصديق به فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد لما كان في الايمان شئ من معنى الخضوع لامر الله تعالى والتسليم لرسله. وفيه أن الخضوع هو نوع انفعال وتأثر من الضعيف في مقابل القوي والانسان إنما يخضع لما يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته وبهوره الادراك كقدرة الله غير المتناهية وعظمته غير المتناهية وسائر صفاته التي إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الاحاطة بها وأما الامور التي لا ينالها العقل لكنه يغتر ويغادر باعتقاد

[ 57 ]

أنه يدركها فما معنى خضوعه لها ؟ كالآيات المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها وهو لا يعقل. الثاني أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث والتنقير لئلا يموت بإهماله بإلقاء الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر فإن العقل أعز القوى الانسانية التي يجب تربيتها بتربية الانسان. وفيه أن الله تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية والانفسية إجمالا في موارد من كلامه وتفصيلا في موارد اخرى كخلق السموات والارض والجبال والشجر والدواب والانسان واختلاف ألسنته وألوانه وندب إلى التعقل والتفكر والسير في الارض والنظر في أحوال الماضين وحرض على العقل والفكر ومدح العلم بأبلغ المدح وفي ذلك غنى عن البحث في امور ليس إلا مزالق للاقدام ومصارع للافهام. الثالث أن الانبياء بعثوا إلى الناس وفيهم العامة والخاصة والذكي والبليد والعالم والجاهل وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء فالحري في أمثال هذه المعاني أن تلقى بحيث يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة فيها بالتسليم وتفويض الامر إلى الله تعالى. وفيه أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي تبين المتشابهات بالرجوع إليها ولازم ذلك أن لا تتضمن المتشابهات أزيد مما يكشف عنها المحكمات وعند ذلك يبقى السؤال (وهو أنه ما فائدة وجود المتشابهات في الكتاب ولا حاجة إليها مع وجود المحكمات ؟) على حاله ومنشأ الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متبائنين معان يفهمها جميع المخاطبين من العامة والخاصة وهي مداليل المحكمات ومعان سنخها بحيث لا يتلقاها الا الخاصة من المعارف العالية والحكم الدقيقة فصار بذلك المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات وقد مر أن ذلك مخالف لمنطوق الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضا وغير ذلك. والذي ينبغي أن يقال أن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناش عن وجود

[ 58 ]

التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مر. ويتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني والتعليم الالهي والامور التي بنيت عليها معارفه والغرض الاقصى من ذلك وهى امور منها أن الله سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والاحكام والقوانين وسائر ما يتضمنه التعليم الالهي وأن هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر يقصر عن نيله الافهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول إلا نفوس طهرهم الله وأزال عنهم الرجس فإن لهم خاصة أن يمسوه وهذا غاية ما يريده تعالى من الانسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شئ ومفتاحه التطهير الالهي وقد قال تعالى " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم " المائدة - 7 فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الالهي. وهذا الكمال الانساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلا أفراد خاصة وإن كانت الدعوة متعلقة بالجميع متوجهة إلى الكل فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة وبعض التطهير في آخرين ويختلف ذلك باختلاف درجات الناس كما أن الاسلام يدعو إلى حق التقوى في العمل قال تعالى " اتقوا الله حق تقاته " آل عمران - 102 ولكن لا يحصل كماله إلا في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الامثل فالامثل كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم وهكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية والدعوة يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلا البعض ومن دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات. وبالحقيقه امثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه. ومنها أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الانسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الانسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدء والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيات معرفة حقيقية وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين

[ 59 ]

اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حيوته الاجتماعية ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه وخلوص قلبه إلى المبدء والمعاد وإشرافه على عالم المعنى والطهارة والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها. وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " الفاطر - 10 وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم الآية وإلى قوله تعالى: " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " المائدة - 105 وقوله تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات " المجادلة - 11 وما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الالهي في تشريع الدين وهداية الانسان إليه والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم. و يتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الاسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لاجلها والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة بالله وبآياته فأدنى الاخلال أو التحريف أو التغيير في الاحكام الاجتماعية من الاسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة. وهذه النتيجة على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا فإنك إذا تأملت جريان الامر في طروق الفساد في شئون الدين الاسلامي بين هذه الامة وأمعنت النظر فيه من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف وقد ذكرناك فيما مر أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها ولم يزل الامر على ذلك حتى اليوم. ومنها أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة وكيف لا ؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب ولا بين الاديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والاسلام ! وهذا المعنى هو الموجب لان يبين الكتاب للانسان حقائق المعارف أولا وارتباط ما شرعه له من الاحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا وبعبارة اخرى إن يفهمه:

[ 60 ]

أنه موجود مخلوق لله تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله أيما إلى جنة أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف. ثم يفهمه أن الاعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي وما تؤديه إلى شقوة النار ما هي ؟ أي يبين له الاحكام العبادية والقوانين الاجتماعية وهذه طائفة اخرى. ثم يبين له أن هذه الاحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الاولى وأن تشريعها وجعلها للانسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الانسان في الدنيا والآخرة وهذه طائفة ثالثة. وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة والطائفة الاولى بمنزلة النتيجة والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالاولى ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى إيرادها. ومنها أنه لما كانت عامه الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات كان ذلك موجبا لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافا شديدا ذا عرض عريض على مراتب مختلفة وهذا أمر لا ينكره أحد. ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده في خلال حيوته وعيشته فإن كان مأنوسا بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما يمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء وأن كان نائلا للمعاني الكلية فبما نال وعلى قدر ما نال وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معا بخلاف المأنوس بالحس. ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع الطوائف وتشمل عامة الطبقات وهو ظاهر

[ 61 ]

وهذا المعنى أعنى اختلاف الافهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن يساق البيانات مساق الامثال وهو أن يتخذ ما يعرفه الانسان ويعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلا ما بينهما من المناسبة وزنا. والآيات القرآنية المذكورة سابقا كقوله تعالى: " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم " الزخرف - 4 وما يشابهه من الآيات وإن بينت هذا الامر بطريق الاشارة والكناية لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بينه بما ضربه مثلا في أمر الحق والباطل فقال تعالى: أنزل من السماء ماءا فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال " الرعد - 17 فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار في أقواله ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه ويصاحب كلا منهما امور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربوهما لكنها ستزول وتبطل ويبقى الحق الذي ينفع الناس وإنما يزول ويزهق بحق آخر هو مثله وهذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقا مقصودا ويصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود لكنه سيزول بحق آخر يظهر الحق الاول على الباطل الذي كان يعلوه ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون والكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل. وبالجملة المتحصل من الآية الشريفة أن المعارف الحقة الالهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب من غير تقييد بكمية ولا كيفية ثم إنها كالسيل السائل في الاودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعه والضيق وهذه الاقدار امور ثابتة كل في محله كالحال في اصول المعارف والاحكام التشريعية ومصالح الاحكام التي ذكرنا فيما مر أنها روابط تربط الاحكام بالمعارف الحقة وهذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي وهي في مسيرها ربما صحبت ما هو

[ 62 ]

كالزبد يظهر ظهورا ثم يسرع في الزوال وذلك كالاحكام المنسوخة التي تنسخه النواسخ من الآيات فإن المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكن الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكما آخر هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها في وادى البيان اللفظي. وأما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها تتشكل بأشكال المرادات الكلامية بعد إطلاقها وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه إلا أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر ثم إنها بمرورها في الاذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل لان الاذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرف في المعاني الملقاة إليها وجل هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الاصلية ومصالح الاحكام وملاكاتها كما مر وأما الاحكام والقوانين فلا تصرف فيها مع قطع النظر عن ملاكاتها فإنها مألوفة ومن هنا يظهر أن المتشابهات إنما هي الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات والمعارف دون متن الاحكام والقوانين الدينية. ومنها أنه تحصل من البيان السابق أن البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقة الالهية لان البيان نزل في هذه الآيات إلى سطح الافهام العامة التي لا تدرك إلا الحسيات ولا تنال المعاني الكلية إلا في قالب الجسمانيات ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلية المجردة عن عوارض الاجسام والجسمانيات أحد محذورين فإن الافهام في تلقيها المعارف المرادة منها إن جمدت في مرتبة الحس والمحسوس انقلبت الامثال بالنسبة إليها حقائق ممثلة وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد وإن لم تجمد وانتقلت إلى المعاني المجردة بتجريد الامثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة. نظير ذلك أنا لو القي الينا المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السرى أو تمثل لنا بقول صخر:

أهم بأمر الحزم لا أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان.

[ 63 ]

فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة أو الامر الممثل له نجرد المثل عن الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسرى ونفهم من ذلك أن المراد أن حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه وبدا أثره وأما هو ما دام الانسان مشتغلا به محسا تعب فعله فلا يقدر قدره ويظهر ذلك تجريد ما تمثل به من الشعر وأما إذا لم نعهد الممثل وجمدنا على الشعر أو المثل خفي عنا الممثل وعاد المثل خبرا من الاخبار ولو لم نجمد وانتقلنا إجمالا إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذى يجب طرحه بالتجريد وما يجب حفظه للفهم وهو ظاهر. ولا مخلص عن هذين المحذورين إلا بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثال مختلفة وتقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضا ويوضح بعضها أمر بعض فيعلم بالتدافع الذي بينها أولا أن البيانات أمثال ولها في ما ورائها حقائق ممثلة وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحس والمحسوس وثانيا بعد العلم بأنها أمثال يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام وما يجب حفظه منها للحصول على المرام وإنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك وذاك نفى بعض ما في هذا. وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة والامثال والامثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الالسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم ولغة دون لغة وليس ذلك إلا لان الانسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة اخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب. فقد تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة وأن يرفع التشابه الواقع في آية بالاحكام الواقع في آية اخرى واندفع بذلك الاشكال باشتمال القرآن على المتشابهات لكونها مخلة لغرض الهداية والبيان. وقد ظهر من جميع ما تقدم من الابحاث على طولها امور: الاول: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين محكم ومتشابه وذلك من جهة اشتمال الآية وحدها على مدلول متشابه وعدم اشتمالها. الثاني أن لجميع القرآن محكمه ومتشابهه تأويلا وأن التأويل ليس من قبيل

[ 64 ]

المفاهيم اللفظية بل من الامور الخارجية نسبته إلى المعارف والمقاصد المبينة نسبة الممثل إلى المثال وأن جميع المعارف القرآنية أمثال مضروبة للتأويل الذي عند الله. الثالث أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون وهم راسخون في العلم. الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها وهذا المعنى غير ما ذكرناه في الامر الثاني من كون معارفه أمثالا وقد أوضحناه فيما مر. الخامس أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات كما أن من الواجب أن يشتمل على المحكمات. السادس أن المحكمات ام الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان. السابع: أن الاحكام والتشابه وصفان يقبلان الاضافة والاختلاف بالجهات بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمه من جهة متشابهة من جهة اخرى فتكون محكمة بالاضافة إلى آية ومتشابهة بالاضافة إلى اخرى ولا مصداق للمتشابه على الاطلاق في القرآن ولا مانع من وجود محكم على الاطلاق. الثامن أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضا. التاسع أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى مترتبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد أو مثل عموم المجاز ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد بل هي معان مطابقية يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الافهام. ولتوضيح ذلك نقول قال الله تبارك وتعالى: " اتقوا الله حق تقاته " آل عمران - 102 فأنبأ أن للتقوى الذي هو الانتهاء عما نهى الله عنه والايتمار بما أمر الله به مرتبة هي حق التقوى ويعلم بذلك أن هناك من التقوى ما هو دون هذه المرتبة الحقة فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب ودرجات بعضها فوق بعض. وقال أيضا: " أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأويه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون " آل عمران - 163 فبين أن العمل مطلقا سواء كان صالحا أو طالحا درجات ومراتب والدليل على أن المراد بها

[ 65 ]

درجات العمل قوله والله بصير بما يعملون ونظير الآية قوله تعالى ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون " الاحقاف - 19 وقوله تعالى: " ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون " الانعام - 132 والآيات في هذا المعنى كثيرة وفيها ما يدل على أن درجات الجنة ودركات النار بحسب مراتب الاعمال ودرجاتها. ومن المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه وقد استدل تعالى على كفر اليهود وعلى فساد ضمير المشركين وعلى نفاق المنافقين من المسلمين وعلى إيمان عدة من الانبياء والمؤمنين بأعمالهم وأفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم ويدل عليه. وبالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصله ويركزه في النفس كما قال تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " العنكبوت - 69 وقال تعالى: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " الحجر - 99 وقال أيضا: " ثم كان عاقبة الذين أسائوا السوآي أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون " الروم - 10 وقال: " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " البراءة - 77 والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات (وهي العلوم المخالفة للحق) ما يناسبه وقال تعالى وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " الفاطر - 10 فبين أن شأن الكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى ويقرب صاحبه منه وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسيم القلب فيه وفي غيره (وهو مطلق الشرك) فكلما كمل خلوصه من الشك والخطوات اشتد صعوده وارتفاعه. ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود

[ 66 ]

ووصف العمل بالرفع والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع وهما أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه ومرتفع من جهة انفصاله من السفل وابتعاده منه فالعمل يبعد الانسان ويفصله من الدنيا والاخلاد إلى الارض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطيب وخلصت المعرفة عن شوائب الاوهام وقذارات الشكوك ومن المعلوم أيضا كما مر أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الالهية على ما يناسب حالها والكلام في العمل الطالح ووضعه الانسان نظير الكلام في العمل الصالح ورفعه وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: " اهدنا الصراط المستقيم " الحمد - 6. فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل والعلم ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما يتلقيه أهل المرتبة والدرجة الاخرى التي فوق هذه أو تحتها فقد تبين أن للقرآن معاني مختلفة مترتبة. وقد ذكر الله سبحانه أصنافا من عباده وخص كل صنف بنوع من العلم والمعرفة لا يوجد في الصنف الآخر كالمخلصين وخص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم قال تعالى سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين " الصافات - 160 وخص بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم سيجئ بيانها أنشاء الله تعالى وكالموقنين وخص بهم مشاهدة ملكوت السموات والارض قال تعالى: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين: " الانعام - 75 وكالمنيبين وخص بهم التذكر قال تعالى " وما يتذكر إلا من ينيب " المؤمن - 13 وكالعالمين وخص بهم عقل أمثال القرآن قال تعالى وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " العنكبوت - 43 وكأنهم اولوا الالباب والمتدبرون لقوله تعالى " أ فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " محمد صلى الله عليه وآله وسلم - 24 ولقوله تعالى " أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82 فإن مؤدى الآيات

[ 67 ]

الثلاث يرجع إلى معنى واحد وهو العلم بمتشابه القرآن ورده إلى محكمه وكالمطهرين خصهم الله بعلم تأويل الكتاب قال تعالى " إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون " الواقعة - 79 وكالاولياء وهم أهل الوله والمحبة لله وخص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شئ إلا الله سبحانه ولذلك لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشئ قال تعالى " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " يونس - 62 وكالمقربين والمجتبين والصديقين والصالحين والمؤمنين ولكل منهم خواص من العلم والادراك يختصون بها سنبحث عنها في المحال المناسبة لها. ونظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها ولها خواص رديئة في باب العلم والمعرفة ولها أصحاب كالكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين وغيرهم ولهم انصباء من سوء الفهم وردائة الادراك لآيات الله ومعارفه الحقة طوينا ذكرها إيثارا للاختصار وسنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب إنشاء الله. العاشر أن للقرآن اتساعا من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها فالآيه منه لا يختص بمورد نزولها بل يجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكا كالامثال التي لا تختص بمواردها الاول بل تتعداها إلى ما يناسبها وهذا المعنى هو المسمى بجرى القرآن وقد مر بعض الكلام فيه في أوائل الكتاب.

 ( بحث روائي )

في تفسير العياشي: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن المحكم والمتشابه قال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله اقول وفيه تلويح إلى أن المتشابه مما يمكن العلم به. وفيه أيضا عنه عليه السلام: أن القرآن محكم ومتشابه - فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين - وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به - وهو قول الله عز وجل - وأما الذين في قلوبهم زيغ - فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا والراسخون في العلم هم آل محمد

[ 68 ]

اقول وسيجئ كلام في معنى قوله عليه السلام: والراسخون في العلم هم آل محمد. وفيه أيضا عن مسعدة بن صدقة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الناسخ والمنسوخ - والمحكم والمتشابه قال: الناسخ الثابت المعمول به والمنسوخ ما قد كان يعمل به ثم جاء ما نسخه -، والمتشابه ما اشتبه على جاهله قال: وفي رواية: الناسخ الثابت والمنسوخ ما مضى والمحكم ما يعمل به والمتشابه ما يشبه بعضه بعضا وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث قال: فالمنسوخات من المتشابهات وفي العيون عن الرضا عليه السلام: من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم ثم قال إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها - ولا تتبعوا متشابهها فتضلوا. أقول: الاخبار كما ترى متقاربة في تفسير المتشابه وهي تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق أن التشابه يقبل الارتفاع وأنه إنما يرتفع بتفسير المحكم له وأما كون المنسوخات من المتشابهات فهو كذلك كما تقدم ووجه تشابهها ما يظهر منها من استمرار الحكم وبقائه ويفسره الناسخ ببيان أن استمراره مقطوع. وأما ما ذكره عليه السلام في خبر العيون أن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن ومحكما كمحكم القرآن فقد وردت في هذا المعنى عنهم عليهم السلام روايات مستفيضة والاعتبار يساعده فإن الاخبار لا تشتمل إلا على ما اشتمل عليه القرآن الشريف ولا تبين إلا ما تعرض له وقد عرفت فيما مر: أن التشابه من أوصاف المعنى الذي يدل عليه اللفظ وهو كونه بحيث يقبل الانطباق على المقصود وعلى غيره لا من أوصاف اللفظ من حيث دلالته على المعنى نظير الغرابة والاجمال ولا من أوصاف الاعم من اللفظ والمعنى. وبعبارة اخرى إنما عرض التشابه لما عرض عليه من الآيات لكون بياناتها جارية مجرى الامثال بالنسبة إلى المعارف الحقة الالهية وهذا المعنى بعينه موجود في الاخبار ففيها متشابه ومحكم كما في القرآن وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إنا معاشر الانبياء نكلم الناس على قدر عقولهم وفي تفسير العياشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام: أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام: هل تصف لنا ربنا نزداد له حبا ومعرفة ؟ فغضب وخطب

[ 69 ]

الناس فقال فيما قال - عليك يا عبد الله بما دلك عليه القرآن من صفته - وتقدمك فيه الرسول من معرفته - واستضئ من نور هدايته - فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها - فخذ ما اوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أمره فكل علمه إلى الله - ولا تقدر عظمة الله واعلم يا عبد الله - أن الراسخين في العلم - الذين اختارهم الله عن الاقتحام - في السدد المضروبة دون الغيوب فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب - فقالوا آمنا به كل من عند ربنا - وقد مدح الله اعترافهم بالعجز - عن تناول ما لم يحيطوا به علما - وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه - منهم رسوخا فاقتصر على ذلك - ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين. أقول قوله عليه السلام واعلم يا عبد الله أن الراسخين في العلم إلخ ظاهر في أنه على السلام أخذ الواو في قوله تعالى والراسخون في العلم يقولون للاستيناف دون العطف كما استظهرناه من الآية ومقتضى ذلك أن ظهور الآية لا يساعد على كون الراسخين في العلم عالمين بتأويله لا أنه يساعد على عدم إمكان علمهم به فلا ينافي وجود بيان آخر يدل عليه كما تقدم بيانه وهو ظاهر بعض الاخبار عن أئمه أهل البيت كما سيأتي وقوله عليه السلام: الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب خبر إن والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم وهذا دليل على تفسيره عليه السلام الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ولم يتعد إلى ما جهله والمراد بالغيوب المحجوبة بالسدد المعاني المرادة بالمتشابهات المخفية عن الافهام العامة ولذا أردفه بقوله ثانيا فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم. وفي الكافي عن الصادق على السلام: نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله. أقول والرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى والراسخون في العلم معطوفا على المستثنى في قوله وما يعلم تأويله إلا الله لكن هذا الظهور يرتفع بما مر من البيان وما تقدم من الرواية ولا يبعد كل البعد أن يكون المراد بالتويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل المساوق لتفسير المتشابه كان شائعا في الصدر الاول بين الناس.

[ 70 ]

وأما قوله عليه السلام نحن الراسخون في العلم وقد تقدم في رواية للعياشي عن الصادق على السلام قوله: والراسخون في العلم هم آل محمد وهذه الجملة مروية في روايات اخر أيضا فجميع ذلك من باب الجرى والانطباق كما يشهد بذلك ما تقدم ويأتى من الروايات. وفي الكافي أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر على السلام إلى أن قال يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين - انهم قالوا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها - إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله - لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها - ويجد حقيقتها في قلبه - ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا - وسره لعلانيته موافقا - لان الله عز اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل - إلا بظاهر منه وناطق عنه أقول قوله عليه السلام لم يخف الله من لم يعقل عن الله في معنى قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وقوله على السلام ومن لم يعقل عن الله " إلخ " أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لان الامر ما لم يعقل حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه ولم يزل القلب مضطربا في الاذعان به وإذا تم التعقل وعقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه وكان ما يقوله هو الذي يفعله وقوله ولا يكون أحد كذلك " الخ " بيان لعلامة الرسوخ في العلم. وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة ووائلة بن اسقف وأبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال - من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه - ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم. أقول ويمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق. وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: أن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه. أقول وهو منطبق على الآية فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله الذين في قلوبهم زيغ فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه.

[ 71 ]

وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ام سلمه: أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك - قلت يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب ؟ قال نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم - إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله - فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه الحديث. أقول وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر ونواس ابن شمعان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة والمشهور في هذا الباب ما في حديث نواس قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن وقد روى اللفظة (فيما اظن) الشريف الرضي في المجازات النبوية. وروي عن علي عليه السلام: أنه قيل له هل عندكم شئ من الوحي ؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرء النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه. أقول وهو من غرر الاحاديث وأقل ما يدل عليه أن ما نقل من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم. وفي الكافي عن الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله عليه السلام: يا أيها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع - وقد رأيتم الليل والنهار - والشمس والقمر يبليان كل جديد - ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود - فأعدوا الجهاز لبعد المجاز - قال فقام المقداد بن الاسود فقال - يا رسول الله وما دار الهدنة - فقال دار بلاغ وانقطاع - فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم - فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع - وماحل مصدق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة - ومن جعله خلفه ساقه إلى النار - وهو الدليل يدل على خير سبيل - وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل - وهو الفصل ليس بالهزل وله ظهر وبطن - فظاهره حكم وباطنه علم - ظاهره أنيق وباطنه عميق - له تخوم وعلى تخومه تخوم - لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه - فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة - ودليل على المعرفة لمن عرف الصفه - فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره - ينج من عطب ويخلص من نشب - فإن التفكر حيوة قلب البصير - كما يمشي المستنير في الظلمات - فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص.

[ 72 ]

أقول ورواه العياشي في تفسيره إلى قوله فليجل جال. وفي الكافي وتفسير العياشي أيضا عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القرآن هدى من الضلالة وتبيان من العمى - واستقالة من العثرة ونور من الظلمة - وضياء من الاحداث وعصمة من الهلكة ورشد من الغواية وبيان من الفتن - وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة وفيه كمال دينكم وما عدل أحد من القرآن إلا إلى النار. أقول والروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة من أهل بيته عليهم السلام. وفي تفسير العياشي عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن - وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع - يعني بقوله ظهر وبطن ؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله - منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد - يجري كما يجري الشمس والقمر - كلما جاء منه شئ وقع - قال الله وما يعلم تأويله - إلا الله والراسخون في العلم نحن نعلمه. أقول الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألفاظ مختلفة وإن كان المعنى واحدا كما في تفسير الصافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضا: إن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن. وقوله عليه السلام منه ما مضى ومنه ما ياتي ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل فقوله يجري كما يجري الشمس والقمر يجري فيهما معا فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه الاخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " التوبة - 120 على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الاعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية وهذا نوع من الانطباق وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الاول وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه وكانطباقها عليهم

[ 73 ]

في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية وهذا نوع آخر أدق من الجميع. ومن هنا يظهر أولا أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم وقد صور الباحثون عن مقامات الايمان والولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه. وثانيا أن الظهر والبطن أمران نسبيان فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية. وفي تفسير العياشي عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شئ من تفسير القرآن - فأجابني ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر - فقلت جعلت فداك - كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم - فقال يا جابر إن للقرآن بطنا وللبطن بطن - وظهرا وللظهر ظهر - يا جابر وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القران - إن الآية تكون أولها في شئ - وأوسطها في شئ وآخرها في شئ - وهو كلام متصل ينصرف على وجوه وفيه أيضا عنه عليه السلام في حديث قال: ولو أن الآية إذا نزلت في قوم - ثم مات اولئك القوم ماتت الآية لما بقى من القرآن شئ - ولكن القرآن يجري أوله على آخره - ما دامت السموات والارض - ولكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر. وفي المعاني عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن ظهر القرآن وبطنه فقال - ظهره الذين نزل فيهم القرآن - وبطنه الذين عملوا بأعمالهم - يجري فيهم ما نزل في اولئك وفي تفسير الصافي عن علي عليه السلام: ما من آية إلا ولها أربعة معان - ظاهر وباطن وحد ومطلع - فالظاهر التلاوة والباطن الفهم - والحد هو أحكام الحلال والحرام - والمطلع هو مراد الله من العبد بها. أقول المراد بالتلاوة ظاهر مدلول اللفظ بدليل أنه عليه السلام عده من المعاني فالمراد بالفهم في تفسيره الباطن ما هو في باطن الظاهر من المعنى والمراد بقوله هو أحكام الحلال والحرام ظاهر المعارف المتلقاة من القرآن في أوائل المراتب أو أواسطها في مقابل المطلع الذى هو المرتبة العليا والحد والمطلع نسبيان كما أن الظاهر والباطن

[ 74 ]

نسبيان كما عرفت فيما تقدم فكل مرتبة عليا هي مطلع بالنسبة إلى السفلى. والمطلع إما بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام اسم مكان من الاطلاع أو بفتح الميم واللام وسكون الطاء اسم مكان من الطلوع وهو مراد الله من العبد بها كما ذكره عليه السلام. وقد ورد هذه الامور الاربعة في النبوي المعروف هكذا: إن القرآن انزل على سبعة أحرف - لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع وفي رواية: ولكل حد ومطلع. ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم ولكل حد مطلع على ما في إحدى الروايتين أن لكل واحد من الظهر والبطن الذي هو حد مطلع يشرف عليه هذا هو الظاهر ويمكن أن يرجع إليه ما في الرواية الاخرى ولكل حد ومطلع بأن يكون المعنى ولكل منهما حد هو نفسه ومطلع وهو ما ينتهى إليه الحد فيشرف على التأويل لكن هذا لا يلائم ظاهرا ما في رواية علي عليه السلام ما من آية إلا ولها أربعة معان " إلخ " إلا أن يراد أن لها أربعة اعتبارات من المعنى وإن كان ربما انطبق بعضها على بعض. وعلي هذا فالمتحصل من معاني الامور الاربعة أن الظهر هو المعنى الظاهر البادئ من الآية والباطن هو الذي تحت الظاهر سواء كان واحدا أو كثيرا قريبا منه أو بعيدا بينهما واسطة والحد هو نفس المعنى سواء كان ظهرا أو بطنا والمطلع هو المعنى الذي طلع منه الحد وهو بطنه متصلا به فافهم. وفي الحديث المروي من طرق الفريقين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: انزل القرآن على سبعة أحرف. اقول والحديث وإن كان مرويا باختلاف ما في لفظه لكن معناها مروي مستفيضا والروايات متقاربة معنى روتها العامة والخاصة وقد اختلف في معنى الحديث اختلافا شديدا ربما انهي إلى أربعين قولا والذي يهون الخطب أن في نفس الاخبار تفسيرا لهذه السبعة الاحرف وعليه التعويل. ففي بعض الاخبار: نزل القرآن على سبعة أحرف - أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل وفي بعضها: زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال

[ 75 ]

وعن علي عليه السلام: أن الله أنزل القرآن على سبعة أقسام - كل منها كاف شاف وهي أمر وزجر وترغيب - وترهيب وجدل ومثل وقصص. فالمتعين حمل السبعة الاحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان وهي سبعة على وحدتها في الدعوة إلى الله وإلى صراطه المستقيم ويمكن ان يستفاد من هذه الرواية حصر اصول المعارف الالهية في الامثال فإن بقية السبعة لا تلائمها إلا بنوع من العناية على ما لا يخفى

( بحث آخر روائي )

 في الصافي عن النبي صلى الله هليه وآله وسلم: من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار أقول وهذا المعنى رواه الفريقان وفي معناه أحاديث اخر رووه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام. وفي منية المريد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار. أقول ورواه أبو داود في سننه. وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قال في القرآن بغير علم - جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ. أقول ورواه أبو داود و الترمذي والنسائي. وفيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أكثر ما أخاف على امتى من بعدي - رجل يناول القرآن يضعه على غير مواضعه وفي تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من فسر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر - وإن أخطأ فهو أبعد من السماء وفيه عن يعقوب بن يزيد عن ياسر عن الرضا عليه السلام قال: الرأي في كتاب الله كفر.

[ 76 ]

اقول وفي معناها روايات اخر مروية في العيون والخصال وتفسير العياشي وغيرها. قوله صلى الله عليه وآله وسلم من فسر القرآن برأيه الرأي هو الاعتقاد عن اجتهاد وربما اطلق على القول عن الهوى والاستحسان وكيف كان لما ورد قوله برأيه مع الاضافة إلى الضمير علم منه أن ليس المراد به النهي عن الاجتهاد المطلق في تفسير القرآن حتى يكون بالملازمة أمرا بالاتباع والاقتصار بما ورد من الروايات في تفسير الآيات عن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم على ما يراه أهل الحديث على أنه ينافي الآيات الكثيرة الدالة على كون القرآن عربيا مبينا والآمرة بالتدبر فيه وكذا ينافي الروايات الكثيرة الآمرة بالرجوع إلى القرآن وعرض الاخبار عليه. بل الاضافة في قوله برأيه تفيد معنى الاختصاص والانفراد والاستقلال بأن يستقل المفسر في تفسير القرآن بما عنده من الاسباب في فهم الكلام العربي فيقيس كلامه تعالى بكلام الناس فإن قطعة من الكلام من أي متكلم إذا ورد علينا لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي ونحكم بذلك أنه أراد كذا كما نجري عليه في الاقارير والشهادات وغيرهما كل ذلك لكون بياننا مبنيا على ما نعلمه من اللغة ونعهده من مصاديق الكلمات حقيقة ومجازا. والبيان القرآني غير جار هذا المجرى على ما تقدم بيانه في الابحاث السابقة بل هو كلام موصول بعضها ببعض في عين أنه مفصول ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي عليه السلام فلا يكفي ما يتحصل من آية واحدة بإعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبر فيها كما يظهر من قوله تعالى " أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء - 82 وقد مر بيانه في الكلام على الايجاز وغيره. فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف وبعبارة اخرى إنما نهى ع عليه السلام عن تفهم كلامه على نحو ما يتفهم به كلام غيره وإن كان هذا النحو من التفهم ربما صادف الواقع والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية الاخرى: من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ - فإن الحكم بالخطأ مع فرض الاصابة - ليس إلا

[ 77 ]

لكون الخطأ في الطريق وكذا قوله عليه السلام في حديث العياشي: إن أصاب لم يوجر. ويؤيده ما كان عليه الامر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القرآن لم يكن مؤلفا بعد ولم يكن منه إلا سور أو آيات متفرقة في أيدي الناس فكان في تفسير كل قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد. والمحصل أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع إليه وهذا الغير لا محالة إما هو الكتاب أو السنة وكونه هي السنة ينافي القرآن ونفس السنة الآمرة بالرجوع إليه وعرض الاخبار عليه فلا يبقى للرجوع إليه والاستعداد منه في تفسير القرآن إلا نفس القرآن. ومن هنا يظهر حال ما فسروا به حديث التفسير بالرأي فقد تشتتوا في معناه على أقوال احدها أن المراد به التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير وهي خمسة عشر علما على ما أنهاه السيوطي في الاتقان اللغة والنحو والتصريف و الاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والقراءة واصول الدين واصول الفقه وأسباب النزول وكذا القصص والناسخ والمنسوخ والفقه والاحاديث المبينة لتفسير المجملات والمبهمات وعلم الموهبة ويعني بالاخير ما أشار إليه الحديث النبوي: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. الثاني أن المراد به تفسير المتشابه الذى لا يعلمه إلا الله. الثالث التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلا والتفسير تبعا فيرد إليه بإي طريق أمكن وإن كان ضعيفا. الرابع التفسير بأن مراد الله تعالى كذا على القطع من غير دليل. الخامس التفسير بالاستحسان والهوى وهذه الوجوه الخمسة نقلها ابن النقيب على ما ذكره السيوطي في الاتقان وهنا وجوه اخر نتبعها بها. السادس أن المراد به هو القول في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب

[ 78 ]

الاوائل من الصحابة والتابعين ففيه تعرض لسخط الله تعالى السابع القول في القرآن بما يعلم أن الحق غيره نقلهما ابن الانباري. الثامن أن المراد به القول في القرآن بغير علم وتثبت سواء علم أن الحق خلافه أم لا. التاسع هو الاخذ بظاهر القرآن بناءا على أنه لا ظهور له بل يتبع في مورد الآية النص الوارد عن المعصوم وليس ذلك تفسيرا للآية بل اتباعا للنص ويكون التفسير على هذا من الشئون الموقوفة على المعصوم. العاشر أنه الاخذ بظاهر القرآن بنائا على أن له ظهورا لانفهمه بل المتبع في تفسير الآية هو النص عن المعصوم. فهذه وجوه عشرة وربما أمكن إرجاع بعضها إلى بعض وكيف كان فهي وجوه خالية عن الدليل على أن بعضها ظاهر البطلان أو يظهر بطلانه بما تقدم في المباحث السابقة فلا نطيل بالتكرار. وبالجملة فالمتحصل من الروايات والآيات التي تؤيدها كقوله تعالى أ فلا يتدبرون القرآن الآية وقوله تعالى " الذين جعلوا القرآن عضين " الحجر - 91 وقوله تعالى " إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة الآية " حم السجدة - 40 وقوله تعالى " يحرفون الكلام عن مواضعه " النساء - 46 وقوله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " أسرى - 36 إلى غير ذلك أن النهى في الروايات إنما هو متوجه إلى الطريق وهو أن يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين. وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الالفاظ وسرد الجمل وإعمال الصناعات اللفظية فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في كلام عربي وقد قال تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " إبراهيم - 4 وقال تعالى " وهذا لسان عربي مبين " النحل - 103 وقال تعالى " إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون " الزخرف - 3. وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام.

[ 79 ]

توضيح ذلك: أنا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي واعتدنا بالاجسام والجسمانيات فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال أمر من الامور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه لعلمنا بأنه لا يعني إلا ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلا بذلك وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم فربما خصص به العام أو عمم به الخاص أو تصرف في المفهوم بأي تصرف آخر وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية. مثال ذلك أنا إذا سمعنا عزيزا من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من المظروفات فان الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت وأن له فيها مقدارا وفرا من الذهب والفضة والورق والاثاث والزينه والسلاح فإن هذه الامور هي التى يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا وأما الارض والسماء والبر والبحر والكوكب والانسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم ولذلك نحكم بأن المراد من الشئ بعض من أفراده غير المحصورة وكذا من الخزائن قليل من كثير فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيرا من الاشياء لا يخزن وأن ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشئ والخزائن. ثم إذا سمعنا الله تعالى ينزل على رسوله قوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " الحجر - 21 فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها الساذج الاولي فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك البتة فهو تفسير بما نراه من غير علم. وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلا وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية: وما ننزله إلا بقدر معلوم ويقول أيضا: " وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد موتها " الجاثية - 5، حكمنا بأن المراد بالشئ الرزق من الخبز والماء وأن المراد بنزوله نزول المطر لانا لا نشعر بشئ ينزل من السماء غير المطر فاختزان كل شئ عند الله ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر

[ 80 ]

ونزوله لتهيئة المواد الغذائية وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم إذ لا مستند له إلا أنا لا نعلم شيئا ينزل من السماء غير المطر والذي بأيدينا هيهنا عدم العلم دون العلم بالعدم. وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم وأبقينا الكلام على إطلاقه التام وحكمنا أن قوله " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " يبين أمر الخلقة غير أنا لما كنا لا نشك في أن ما نجده من الاشياء المتجددة بالخلقة كالانسان والحيوان والنبات وغيرها لا تنزل من السماء وإنما تحدث حدوثا في الارض حكمنا بأن قوله: وإن من شئ إلا عندنا خزائنه، كناية عن مطاوعة الاشياء في وجودها لارادة الله تعالى وأن الارادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الاشياء المخلوقة وإنما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلق به مشيته تعالى وهذا أيضا كما ترى تفسير للآية بما نراه من غير علم إذا لا مستند لنا فيه سوى أنا نجد الاشياء غير نازلة من عند الله بالمعنى الذي نعهده من النزول ولا علم لنا بغيره. وإذا تأملت ما وصفه الله تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله والقيامة وما يتعلق بها وحكم أحكامه وملاكاتها وتأملت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقلية وجدت أن ذلك كله من قبيل التفسير بالرأي من غير علم وتحريف لكلمه عن مواضعها. وقد تقدم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه أن البيانات القرآنية بالنسبة إلى المعارف الالهية كالامثال أو هي أمثال بالنسبة إلى ممثلاتها وقد فرقت في الآيات المتفرقة وبينت ببيانات مختلفة ليتبين ببعض الآيات ما يمكن أن يختفي معناه في بعض ولذلك كان بعضها شاهدا على البعض والآية مفسره للآية ولولا ذلك لاختل أمر المعارف الالهية في حقائقها ولم يمكن التخلص في تفسير الآية من القول بغير علم على ما تقدم بيانه. ومن هنا يظهر أن التفسير بالرأي كما بيناه لا يخلو عن القول بغير علم كما يشير الحديث النبوي السابق: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. ومن هنا يظهر أيضا أن ذلك يؤدي إلى ظهور التنافي بين الآيات القرآنية من حيث إبطاله الترتيب المعنوي الموجود في مضامينها فيؤدي إلى وقوع الآية في غير

[ 81 ]

موقعها ووضع الكلمة في غير موضعها ويلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها كما يتأول المجبرة آيات الاختيار والمفوضة آيات القدر وغالب المذاهب في الاسلام لا يخلو عن التأول في الآيات القرآنية وهي الآيات التي لا يوافق ظاهرها مذهبهم فيتشبثون في ذلك بذيل التأويل استنادا إلى القرينة العقلية وهو قولهم إن الظاهر الفلاني قد ثبت خلافه عند العقل فيجب صرف الكلام عنه. وبالجملة يؤدي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها ودفع مقاصد بعضها ببعض ويبطل بذلك المراد ان جميعا إذ لا اختلاف في القرآن فظهور الاختلاف بين الآيات - بعضها مع بعض - ليس إلا لاختلال الامر واختلاط المراد فيهما معا. وهذا هو الذي ورد التعبير عنه في الروايات بضرب بعض القرآن ببعض كما في الروايات التالية: في الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر. وفي المعاني والمحاسن مسندا وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلا كفر. قال الصدوق سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث فقال: هو أن تجيب الرجل في تفسير آية بتفسير آية اخرى. أقول ما أجاب به لا يخلو عن إبهام فإن أراد به الخلط المذكور وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية وتأويل البعض بالتمسك بالبعض فحق وإن أراد به تفسير الآية بالآية والاستشهاد بالبعض للبعض فخطأ والروايتان التاليتان تدفعانه. وفي تفسير النعماني بإسناده إلى إسمعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول: أن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الانبياء فلا نبي بعده وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلالا وحرم

[ 82 ]

حراما فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النبي صلى الله عليه وآله علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان وعدلوا عنهم ثم قتلوهم، واتبعوا غيرهم ثم أخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الامر وطلب علومهم، قال الله سبحانه: " فنسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم " وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا. واعلموا رحمكم الله: أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني وأسباب التنزيل والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقديم والتأخير والمبين والعميق والظاهر والباطن والابتداء والانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنى منه والجار فيه والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه وأحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون والموصول من الالفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله. ومتى ما ادعى معرفة هذه الاقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير. وفي نهج البلاغة والاحتجاج قال عليه السلام: ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آرائهم جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، افأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه ؟ أم نهاهم عنه فعصوه ؟ أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه ؟ أم كانوا شركاء فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى ؟ أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه ؟ والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ وفيه تبيان كل شئ،

[ 83 ]

وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تحصى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به. أقول والرواية كما ترى ناصة على أن كل نظر ديني يجب أن ينتهي إلى القرآن، وقوله فيه تبيان نقل للآية بالمعنى. وفي الدر المنثور وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال: بهذا ضلت الامم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض قال: وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ولكن نزل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به. وفيه أيضا وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوما يتدارئون فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وانما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا - وما جهلتم فكلوه إلى عالمه. أقول والروايات كما ترى يعد ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلا لتصديق بعض القرآن بعضا وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها والاخلال بترتيب مقاصدها كأخذ المحكم متشابها والمتشابه محكما ونحو ذلك. فالتكلم في القرآن بالرأي والقول في القرآن بغير علم كما هو موضوع الروايات المنقولة سابقا وضرب القرآن بعضه ببعضه كما هو مضمون الروايات المنقولة آنفا يحوم الجميع حول معنى واحد وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره. فان قلت لا ريب أن القرآن إنما نزل ليعقله الناس ويفهموه كما قال تعالى " إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس " الزمر - 41 وقال تعالى " هذا بيان للناس " آل عمران - 138 إلى غير ذلك من الآيات ولا ريب أن مبينه هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى " وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " النحل - 44 وقد بينه للصحابة ثم أخذ عنهم التابعون فما نقلوه عنه صلى الله عليه وآله وسلم الينا فهو بيان نبوى لا يجوز

[ 84 ]

التجافي والاغماض عنه بنص القرآن وما تكلموا فيه من غير إسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو وإن لم يجر مجرى النبويات في حجيتها لكن القلب إليه أسكن فإن ما ذكروه في تفسير الآيات إما مسموع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو شئ هداهم إليه الذوق المكتسب من بيانه وتعليمه صلى الله عليه وآله وسلم وكذا ما ذكره تلامذتهم من التابعين ومن يتلوهم وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرقهم في العربية وسعيهم في تلقيها من مصدر الرسالة واجتهادهم البالغ في فقه الدين على ما يقصه التاريخ من مساعي رجال الدين في صدر الاسلام. ومن هنا يظهر أن العدول عن طريقتهم وسنتهم والخروج من جماعتهم وتفسير آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة والسكوت عما سكتوا عنه واجب. وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب الله تعالى فانه يبلغ زهاء الوف من الروايات وقد ذكر السيوطي أنه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن النبي وعن الصحابة والتابعين. قلت قد مر فيما تقدم أن الآيات التي تدعو الناس عامة من كافر أو مؤمن ممن شاهد عصر النزول أو غاب عنه إلى تعقل القرآن وتامله والتدبر فيه وخاصة قوله تعالى: " أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا النساء - 82 تدل دلالة واضحة على أن المعارف القرآنية يمكن أن ينالها الباحث بالتدبر والبحث ويرتفع به ما يترائى من الاختلاف بين الآيات والآية في مقام التحدي ولا معنى لارجاع فهم معاني الآيات والمقام هذا المقام إلى فهم الصحابة وتلامذتهم من التابعين حتى إلى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن ما بينه إما أن يكون معنى يوافق ظاهر الكلام فهو مما يؤدى إليه اللفظ ولو بعد التدبر والتأمل والبحث وإما أن يكون معنى لا يوافق الظاهر ولا أن الكلام يؤدي إليه فهو مما لا يلائم التحدي ولا تتم به الحجة وهو ظاهر. نعم تفاصيل الاحكام مما لا سبيل إلى تلقيه من غير بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " الحشر - 7 وما في معناه من الآيات وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلا.

[ 85 ]

ومن هنا يظهر أن شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام هو التعليم فحسب والتعليم إنما هو هداية المعلم الخبير ذهن المتعلم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم فإنما التعليم تسهيل للطريق وتقريب للمقصد لا ايجاد للطريق وخلق للمقصد والمعلم في تعليمه إنما يروم ترتيب المطالب العلمية ونضدها على نحو يستسهله ذهن المتعلم ويأنس به فلا يقع في جهد الترتيب وكد التنظيم فيتلف العمر وموهبة القوة أو يشرف على الغلط في المعرفة. وهذا هو الذي يدل عليه أمثال قوله تعالى: " وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم الآية " النحل - 44 وقوله تعالى " ويعلمهم الكتاب والحكمة " الجمعه - 2 فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما يعلم الناس ويبين لهم ما يدل عليه القرآن بنفسه ويبينه الله سبحانه بكلامه ويمكن للناس الحصول عليه بالاخرة لانه صلى الله عليه وآله وسلم يبين لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام الله تعالى فإن ذلك لا ينطبق البتة على مثل قوله تعالى " كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون " حم السجدة - 3 وقوله تعالى وهذا لسان عربي مبين " النحل - 103. على أن الاخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم المتضمنة لوصيته بالتمسك بالقرآن والاخذ به وعرض الروايات المنقولة عنه صلى الله عليه وآله وسلم على كتاب الله لا يستقيم معناها إلا مع كون جميع ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يمكن استفادته من الكتاب ولوتوقف ذلك على بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من الدور الباطل وهو ظاهر. على أن ما ورد به النقل من كلام الصحابة مع قطع النظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصحابة أنفسهم بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم على ما لا يخفى على المتتبع المتأمل في أخبارهم والقول بأن الواجب حينئذ أن يختاروا أحد الاقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية ويجتنب عن خرق إجماعهم والخروج عن جماعتهم مردود بأنهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ولم يستلزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به ولم يختصوا بحجية قولهم على غيرهم ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم. على أن هذا الطريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسري صدر الاسلام من

[ 86 ]

الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية يوجب توقف العلم في سيره وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الاوايل والكتب المؤلفة في التفسير في القرون الاولى من الاسلام ولم ينقل منهم في التفسير إلا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمق البحث وتدقيق النظر فأين ما يشير إليه قوله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " النحل - 89 من دقائق المعارف في القرآن ؟ وأما استبعاد أن يختفى عليهم معاني القرآن مع ما هم عليه من الفهم والجد والاجتهاد فيبطله نفس الخلاف الواقع بينهم في معاني كثير من الآيات والتناقض الواقع في الكلمات المنقولة عنهم إذ لا يتصور اختلاف ولا تناقض إلا مع فرض خفاء الحق واختلاط طريقه بغيره. فالحق أن الطريق إلى فهم القرآن الكريم غير مسدود وإن البيان الالهي والذكر الحكيم بنفسه هو الطريق الهادي إلى نفسه أي انه لا يحتاج في تبيين مقاصده إلى طريق فكيف يتصور أن يكون الكتاب الذي عرفه الله تعالى بأنه هدى وأنه نور وأنه تبيان لكل شئ مفتقرا إلى هاد غيره ومستنيرا بنور غيره ومبينا بأمر غيره ؟ فإن قلت: قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في آخر خطبة خطبها: إني تارك فيكم الثقلين - الثقل الاكبر والثقل الاصغر - فأما الاكبر فكتاب ربي - وأما الاصغر فعترتي أهل بيتي - فاحفظوني فيهما فلن تضلوا ما تمسكتم بهما رواه الفريقان بطرق متواترة عن جم غفير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه أنهى علماء الحديث عدتهم إلى خمس وثلاثين صحابيا وفي بعض الطرق لن يفترقا حتى يردا على الحوض والحديث دال على حجية قول أهل البيت عليهم السلام في القرآن ووجوب اتباع ما ورد عنهم في تفسيره والاقتصار على ذلك وإلا لزم التفرقة بينهم وبينه. قلت ما ذكرناه في معنى اتباع بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم آنفا جار هيهنا بعينه والحديث غير مسوق لابطال حجية ظاهر القرآن وقصر الحجية على ظاهر بيان أهل البيت عليهم السلام كيف وهو صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لن يفترقا فيجعل الحجية لهما معا فللقرآن الدلالة على معانيه والكشف عن المعارف الالهية ولاهل البيت الدلالة على الطريق وهداية الناس إلى أغراضه ومقاصده.

[ 87 ]

على أن نظير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة الناس إلى الاخذ بالقرآن والتدبر فيه وعرض ما نقل عنه عليه وارد عن أهل البيت عليهم السلام. على أن جما غفيرا من الروايات التفسيرية الواردة عنهم عليهم السلام مشتملة على الاستدلال بآية على آية والاستشهاد بمعنى على معنى ولا يستقيم ذلك إلا بكون المعنى مما يمكن أن يناله المخاطب ويستقل به ذهنه لوروده من طريقه المتعين له. على أن هيهنا روايات عنهم عليهم السلام تدل على ذلك بالمطابقة كما رواه في المحاسن بإسناده عن أبى لبيد البحراني عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: فمن زعم أن كتاب الله مبهم فقد هلك وأهلك. ويقرب منه ما فيه وفي الاحتجاج عنه عليه السلام قال: إذا حدثتكم بشئ - فاسألوني عنه من كتاب الله الحديث. وبما مر من البيان يجمع بين أمثال هذه الاحاديث الدالة على إمكان نيل المعارف القرآنية منه وعدم احتجابها من العقول وبين ما ظاهره خلافه كما في تفسير العياشي عن جابر قال قال أبو عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن للقرآن بطنا وللبطن ظهرا - ثم قال يا جابر وليس شئ أبعد من عقول الرجال منه - إن الآية لتنزل أولها في شئ وأوسطها في شئ وآخرها في شئ وهو كلام متصل ينصرف على وجوه وهذا المعنى وارد في عدة روايات وقد رويت الجملة أعني قوله وليس شئ أبعد " إلخ " في بعضها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد روي عن علي عليه السلام: أن القرآن حمال ذو وجوه الحديث فالذي ندب إليه تفسيره من طريقه والذي نهى عنه تفسيره من غير طريقه وقد تبين أن المتعين في التفسير الاستمداد بالقرآن على فهمه وتفسير الآية بالآية وذلك بالتدرب بالآثار المنقولة عن النبي وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم وتهيئة ذوق مكتسب منها ثم الورود والله الهادي = ان الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا = وأولئك هم وقود النار (10) - كدأب آل فرعون والذين من قبلهم

[ 88 ]

كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (11) - قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) - قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار (13) - زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المئاب (14) - قل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) - الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) - الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار (17) - شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18).

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (90)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (4)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (6)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 191

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8016349

  • التاريخ : 21/09/2019 - 07:39

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net