00989338131045
 
 
 
 
 
 

 من آية ( 61 ـ 72 )  

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير كنز الدقائق ( الجزء الأول )   ||   تأليف : الميرزا محمد المشهدي

[258]

الآية: 61 - 72

[ وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباء_و بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بايت الله ويقتلون النبين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(61) ]

وإنما قيده وإن كان العثي لا يكون إلا فسادا، لانه يجوز أن يكون فعل ظاهره الفساد وباطنه المصلحة كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة، فبين أن فعلهم هو الفساد ظاهرا وباطنا، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حسا، وجعل بعضهم الحال مؤكدة.

فإن قيل: كيف يجتمع ذلك الماء والكثير في ذلك الحجر الصغير؟ اجيب بأن ذلك من آيات الله الباهرة والاعاجيب الظاهرة الدالة على أنها من فعل الله، فإنه لما أمكن أن يكون من الاحجار ما يحلق الشعر، وينفر الخل، و يجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق في حجر - أو أحدث في كل حجر - قوة تجذب الماء من تحت الارض، أو تجذب الهواء من الجوانب وتصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك. ولي هناك فائدة يجب أن ينبه عليها.

فأقول: الممتنع إما ممتنع بأي اعتبار اخذ، أو باعتبار طبيعته وحقيقته مع قطع النظر عن غيره، أو باعتبار العادات والرسوم: فالاول كشريك الباري، والثاني

[259]

ككون الكبير في الصغير، والثالث ككون الحنطة، خلا والممتنع بالقياس إليه تعالى هو الاول، دون الثانيين، فتأمل فإنه يحتاج إلى لطف وتأمل.

وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد: يريد به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى.

وبوحدته أنه لا يتبدل كقولهم: طعام مائدة الامير واحد، يريدون أنه لا تتغير ألوانه، ولذلك أجموا(1)، أو ضرب واحد لانهما معا طعام أهل التلذذ، وهم كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم(2) واشتهوا ما ألفوه.

وقيل: إنه كان ينزل عليهم المن وحده، فملوه، فقالوا ذلك فأنزل عليهم السلوى من بعد ذلك.

فادع لنا ربك: صلة، لاجلنا بدعائك إياه.

يخرج لنا: يظهر لنا، وجزمه بأنه جواب الامر المذكور.

مما تنبت الارض: من إسناد الفعل إلى القابل، و (من) للتبعيض، والعائد إلى الموصول محذوف.

من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها: بيان وقع موقع الحال، وقيل: بدل بإعادة الجار.

والبقل: ما أنبتته الارض من الخضر، والمراد به أطائبه التي تؤكل. والفوم: الحنطة.

ويقال: للخبز، ومنه فوموا لنا، أي أخبزوا.

وقيل: الثوم، ويدل عليه قراء_ة ابن مسعود (وثومها)(3)، وقرئ قثائها بالضم، وهو لغة فيه.

واختلف في أن سؤالهم هذا هل كان معصية؟ فقيل: لا، لان الاول كان مباحا فسألوا مباحا آخر.

___________________________________

(1) أجم الطعام: كرهه ومله من المداومة عليه. لسان العرب: ج 12، ص 7، في لغة (أجم).

(2) العكر بالكسر: الاصل. لسان العرب: ج 4، ص 599، في لغة (عكر) .

(3) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 122. (*)

[260]

وقيل: بل كان معصية، لانهم لم يرضوا بما اختاره الله لهم، ولذلك ذمهم على ذلك، وهو أوجه.

قال: أي الله، أو موسى.

أتستبدلون الذى هو أدنى: أقرب منزلة، وأصل الدنو: القرب في المكان، فاستعير للخسة، كالبعد في الشرف والرفعة. فقيل: بعيد المحل، بعيد الهمة.

وقرئ أدناء من الدناء_ة، وحكى الازهري عن أبي زيد: الدني بغير همزة: الخسيس(1).

بالذى هو خير: يريد به المن والسلوى، فإنه خير في اللذة والنفع، وعدم الحاجة إلى السعي.

اهبطوا: وقرئ بالضم، أي انحدروا من التيه، يقال: هبط الوادي: إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج عنه.

مصرا: أراد به مصرا من الامصار، وهو البلد العظيم، وأصله القطع، لانقطاعه بالعمارة عما سواه، وقيل: أصله الحد بين شيئين.

قال الشاعر:

وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به *** بين النهار وبين الليل قد فصلا(2)

او العلم وصرفه لسكون وسطه، أو على تأويل البلد، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود(3).

وقيل: أصله مصرائم، فصرفه للتصرف في العجمية بالتعريف.

فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة: جعلت الذلة والمسكنة محيطين بهم مشتملين عليهم، فهم فيهما كما يكون في القبه من ضربت عليه

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 122.

(2) القائل عدي بن زيد، كما في مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 122.

(3) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 123. (*)

[261]

أو التصقتا بهم حتى لزمتاهم ضربة لازب كما تضرب الطين على الحائط فيلزمه، مجازاة لهم على كفران النعمة، فاليهود أذلاء أهل مسكنة، إما على الحقيقة، أو لتصاغرهم وتفاقرهم مخافة أن تضاعف عليهم الجزية أو المراد بالذلة: الهوان بأخذ الجزية، وبالمسكنة: كونهم بزي الفقراء، فترى المثري منهم يتمسكن مخافة أن تضاعف عليهم الجزية، أو المراد بالذلة ما يشمل المعنيين، وبالمسكنة: فقر القلب، لانه لا يوجد يهودي غني النفس، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): الغنى غنى النفس(1).

وباء_و بغضب من الله: رجعوا به، من باء: إذا رجع، أو صاروا أحقاء بغضبه، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بان يقتل به، وأصل البوء المساواة.

ذلك: إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة، والبوء بالغضب كائن لهم.

بأنهم كانوا يكفرون بايت الله ويقتلون النبين بغير الحق: بسبب كفرهم بالمعجزات، او بالكتب المنزلة، وآية الرجم، والتي فيها نعت محمد (صلى الله عليه وآله) من الكتب.

وقتلهم الانبياء كزكريا ويحيى وغيرهما - عليهم السلام - بغير الحق عندهم، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، وإنما حملهم على ذلك إتباع الهوى، وهذا أشنع من أن يقتلوه بشئ يعتقدونه جرما حقا باعتقادهم الفاسد.

ذلك: أي الكفر بالآيات وقتل الانبياء، صدر عنهم.

بما عصوا وكانوا يعتدون: بسبب عصاينهم وتماديهم فيه، فإن التمادي في ضعاف الذنوب يؤدي إلى شدادها، كما أن المواظبة على صغار الطاعات يؤدي إلى تحري كبارها.

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 124، في تفسير الآية الشريفة (وإذ قلتم يا موسى) الآية. ومسند أحمد بن حنبل: ج 2، ص 243. وسنن ابن ماجه: ج 2، كتاب الزهد، باب 9، القناعة، ص 1386، ح 4137.

ولفظ الحديث (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس). (*)

[262]

قال صاحب الكشاف: كرر الاشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكاب المعاصي واعتدائهم حدود الله(1). وفيه نظر، لانه لو كان التكرير لذلك لكفى فيه أن يقول: وبما عصوا.

وقال: وعلى تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى الكفر والقتل، يجوز أن يكون الباء بمعنى مع، أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا(2)، والاحسن ما قررناه لرعاية اتساق الكلام، وإنما جوزت الاشارة بالمفرد إلى شيئين على تأويل ما ذكرنا وما تقدم للاختصار، ونظيره في الضمير قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع(3) البهق(4).

فإن قيل: كيف يجوز التخلية بين الكفار وقتل الانبياء؟ اجيب بأنه إنما جاز ذلك لينال أنبياء الله سبحانه من رفيع المنازل والدرجات ما لا ينالونه بغير القتل.

قال الشيخ الطبرسي: وليس ذلك بخذلان لهم، كما أن التخلية بين المؤمنين والاولياء والمطيعين وبين قاتليهم ليس بخذلان لهم، هذا كلامه(5).

والاجود التفصيل بأنه ليس بخذلان بمعنى إنزال العذاب وسوء عاقبة الدار، و غير ذلك مما ينبئ عن خذلان الآخرة وحرمان المثوبة.

___________________________________

(1) الكشاف: ج 1، ص 146.

(2) الكشاف: ج 1، ص 146.

(3) رجل مولع: أبرص، وأنشد أيضا (كأنها في الجلد توليع البهق) والمولع: كالملمع إلا أن التوليع استطالة البلق، قال رؤبة: فيها خطوط الخ قال أبوعبيدة، قلت لرؤبة: إن كانت الخطوط فقل: كأنها، و إن كان سواد وبياض فقل: كأنهما. فقال: كأن ذا ويلك توليع البلق، لسان العرب: ج 8، ص 411، في لغة (ولع).

(4) البهق بياض دون البرص، قال رؤبة: فيه خطوط إلى آخره.

البهق: بياض يعتري الجسد بخلاف لونه ليس من البرص، لسان العرب: ج 10، ص 29.

أقول: في مادة ولع: فيها خطوط، وهنا: فيه خطوط.

(5) مجمع البيان: ج 1 - 2 - ص 125. (*)

[263]

[ إن الذين ء_امنوا والذين هادوا والنصرى والصبئين من ء_امن بالله واليوم الاخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(62) وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ماء_اتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون(63) ]

والمروي عن الحسن أن من قتل من الانبياء قد قتل بغير قتال، وأن الله لم يأمر نبيا بالقتال فقتل فيه(1).

والمذكور في مجمع البيان: إن الصحيح أن النبى إن كان لم يؤد الشرع الذي أمر بتأديته، لم يجز أن يمكن الله سبحانه من قتله، لانه لو مكن من ذلك لادى إلى أن يكون المكلفون غير مزاحي العلة في التكليف وفيما لهم من الالطاف والمصالح، فأما إذا أدى الشرع فحينئذ يجوز أن يخلي الله بينه وبين قاتليه ولم يجب عليه المنع من قتله(2).

وعلى الملازمة التي ادعاها منع، بأنه يجوز أن يكون إزاحة العلل بإرسال النبي و إظهار المعجزة على يده، وقتله بسوء ضيعهم بعد ثبوت نبوته وإعجازه، ناشئ من تهاونهم في نصره وتوازرهم على دفعه، فهم مفوتون تبليغه بسوء فعلهم، فهم غير معذورين بعدم تبليغه.

إن الذين ء_امنوا: بألسنتهم، يريد به المتدينين بدين محمد (صلى الله عليه وآله)، المخلصين منهم والمنافقين.

وقال صاحب الكشاف: المنافقين(3).

___________________________________

(1 و 2) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 125.

(3) الكشاف: ج 1، ص 146. (*)

[264]

لانخراطهم في سلك الكفرة والاول أولى لعموم الفائدة.

والذين هادوا: أي تهودوا، يقال: هاد وتهود إذا دخل في اليهودية.

ويهود إما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل أو من هاد، إذا مال، لانهم مالوا عن الاسلام وعن دين موسى.

أو من هاد إذا تحرك، لانهم كانوا يتحركون عند قراء_ة التوراة، وإما معرب يهوذا، وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب (عليه السلام)، واليهود اسم جمع، واحده يهودي كالزنجي والزنج والرومي والروم.

والنصرى: قال سيبويه: جمع نصران كالندامى(1)، وقيل: جمع نصري مثل مهري ومهارى، والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري. سموا بذلك، لانهم نصروا المسيح، أو كانوا معه في قرية يقال: لها نصران أو ناصرة، وعلى تقدير أن يكون اسم القرية نصران يحتمل كون الياء للنسبة.

والصبئين: قيل: قوم بين النصارى والمجوس لا دين لهم.

وقيل: أصل دينهم دين نوح (عليه السلام).

وقيل: هم عبدة الملائكة.

وقيل: عبدة الكواكب، من صبأ إذا خرج. وقرأ نافع بالياء وحدها، إما لانه خفف الهمزة، أو لانه من صبا إذا مال، لانهم مالوا عن سائر الاديان إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل.

قال الشيخ الطبرسي: والفقهاء بأجمعهم يجيزون أخذ الجزية منهم، وعندنا لا يجوز ذلك لانهم ليسوا بأهل كتاب(2).

من_ء_امن بالله واليوم الاخر وعمل صلحا: من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملا بمقتضى شرعه، ومن تجدد منه الايمان و أخلصه.

فلهم أجرهم عند ربهم: الذي وعدهم على إيمانهم وعملهم.

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 126.

(2) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 126. (*)

[265]

ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون: حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب.

و " من " مبتدأ، خبره " فلهم أجرهم " والجملة خبر (إن) أو بدل من اسم (إن) وخبرها " فلهم أجرهم " والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط، وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن، من حيث أنها لا تدخل الشرطية(1).

ورد بقوله تعالى: " إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم "(2).

وإذ أخذنا ميثقكم: مفعال من الوثيقة، وهو ما يوثق به من يمين أو عهد أو غير ذلك، يريد به العهد باتباع موسى والعمل بالتوراة. ورفعنا فوقكم الطور: حتى قبلتم الميثاق. والطور في اللغة: الجبل.

قال العجاج: دانى جناحيه من الطور فمر * تقضي البازي إذ البازي كسر(3) وقيل: إنه اسم جبل بعينه ناجى الله عليه موسى (عليه السلام).

روي أن موسى (عليه السلام) لما جاء_هم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة، كبرت عليهم، وأبوا قبولها فأمر جبرئيل (عليه السلام) بقطع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا(4). خذوا: على إرادة القول.

ما ء_اتينكم: من الكتاب. بقوة: بجد وعزيمة.

___________________________________

(1) تفسير البيضاوي: ج 1، ص 60.

(2) سورة الجمعة: الآية 8.

(3) استشهد به الفخر الرازي: ج 3، ص 107، وأبوحيان الاندلسي في تفسير البحر المحيط، وابن جرير الطبري في جامع البيان في تفسير القرآن: ج 1، ص 257، ومجمع البيان للطبرسي: ج 1 - 2، ص 127، كلهم في ذيل الآية الشريفة (ورفعنا فوقهم الطور).

(4) نقله في الكشاف: ج 1، ص 147، من غير إسناد إلى الرواية عند تفسيره للآية الشريفة. (*)

[266]

[ ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخسرين(64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خسئين(65) فجعلنها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين(66) ]

روى العياشى أنه سئل عن الصادق (عليه السلام) من قول الله تعالى: " خذوا ما آتيناكم بقوة " أبقوة في الابدان أم بقوة في القلوب؟ فقال: بهما جميعا(1).

واذكروا ما فيه: قيل: معناه ادرسوه ولا تنسوه، أو تفكروا فيه، فإنه ذكر بالقلب، أو اعملوا به.

والمروي عن أبي عبدالله (عليه السلام)، أن معناه اذكروا ما في تركه من العقوبة(2).

لعلكم تتقون: متعلق ب_(خذوا) أي لكي تتقوا، أو ب_(اذكروا) أي رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو ب_(قلنا) المقدر، أي قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.

ثم توليتم من بعد ذلك: أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه.

فلولا فضل الله عليكم: بالتوبة بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه.

ورحمته: بمحمد (صلى الله عليه وآله) يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه.

لكنتم من الخسرين: المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط والضلال في فترة من الرسل، أو بهما.

و (لو) في الاصل، لامتناع الشئ لامتناع غيره، فإذا ادخل على (لا) أفاد

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1، ص 45، ح 52.

(2) مجمع البيان: ج 1، ص 128، في ذيل الآية الشريفة (وإذ أخذنا ميثاقكم). (*)

[267]

[ وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين(67) ]

إثباتا، وهو امتناع الشئ لثبوت غيره، والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف، لدلالة الكلام عليه، وسد الجواب مسده، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف(1). ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت: لما اصطاد السموك فيه.

والسبت: مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع. امروا بأن يجردوه للعبادة، فاعتدى ناس منهم في زمن داود واشتغلوا بالصيد. فقلنا لهم كونوا قردة خسئين: مبعدين عن كل خير. والخساء هو الصغار والطرد. وقرئ (قردة) بفتح القاف وكسر الراء و (خاسئين) بغير همزة.

فجعلنها: أي المسخة والعقوبة، وعن الباقر (عليه السلام): فجعلنا الامة(2).

نكلا: عبرة تنكل المعتبر بها، أي تمنعه، ومنه النكل للقيد.

لما بين يديها وما خلفها: لما قبلها من الامم وما بعدها، إذ ذكرت حالهم في زبر الاولين واشتهرت قصتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما يحضرها من القرى وما تباعد عنها، أو لاهل القرية وما حواليها، أو لاجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها.

وموعظة للمتقين: من قومهم، أو لكل من سمعها.

___________________________________

(1) تفسير البيضاوي: ج 1، ص 61.

(2) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 130. (*)

[268]

وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة: سميت بقرة لبقرها الارض، والهاء ليست للتأنيث، وإنما هي لتدل على الوحدة كالبطة، والدجاجة والاوزة والحمامة.

وأول هذه القصة قوله تعالى: " وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها " وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساوئهم، وهو الاستهزاء بالامر والاستقصاء في السؤال، وترك المسارعة في الامتثال.

وقصته على ما رواه العياشي مرفوعا إلى الرضا (عليه السلام) أن رجلا من بني اسرائيل قتل قرابة له، ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه، فقالوا لموسى (عليه السلام): إن سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبرنا من قتله؟ قال: اتوني ببقرة(1).

والمروي عن الصادق (عليه السلام): في سبب قتله، أنه قتله ليتزوج بنته وقد خطبها فلم ينعم له، وقد خطبها غيره من خيار بني إسرائيل فأنعم له، فحسده ابن عمه الذي لم ينعم له، فقعد له فقتله، ثم حمله إلى موسى.

إلى آخر الحديث(2).

والمذكور في الكشاف وغيره أنه كان فيهم شيخ موسر، فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا بدمه، فأمرهم أن يذبحوا بقرة و يضربوه ببعضها ليحيى فيخبرهم بقاتله(3).

قالوا أتتخذنا هزوا: مكان هزء، أو أهله، أو مهزوء بناء، أو الهزء نفسه، لفرط الاستهزاء، استبعادا لما قاله، أو استخفافا به.

وقرئ هزء بضمتين، وبسكون الزاي، بالهمزة في الصورتين وبضمتين والواو.

قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين: لان الهزء في مقام الارشاد جهل وسفه.

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1، ص 46، قطعة من حديث 57.

(2) تفسير علي بن إبراهيم القمي: ج 1، ص 49.

(3) الكشاف: ج 1، ص 148، في تفسيره لقوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه). (*)

[269]

[ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى قال إنه يقول إنها بقرة فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون(68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر النظرين(69) ]

والعياذ واللياذ: من واد واحد.

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى: لما رأوا ما امروا به على حال لم يوجد بها شئ من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته، فسألوا عنها ب_(ما) المطلوبة بها الحقيقة، وإلا فالمقصود بيان الحال والصفة.

قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر: لا مسنة ولا فتية، يقال: فرضت البقرة فروضا، من الفرض: وهو القطع، كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للاولوية (للاولية) ومنه البكرة والباكورة.

عوان: نصف.

قال الطرماح:

طوال مثل أعناق الهوادي *** نواعم بين أبكار وعون(1)

___________________________________

(1) وقبله:

ظعائن كنت أعهدهن قدما *** وهن لدى الاقامة غير جون

حصان مواضع النقب الاعالي *** غراث الوشح صامته البرين

الظعينة، المرأة في الهودج، وغرثى الوشاح، وصامة البرين: كناية عن غلظ ساقها، والبرين: الخلخال، ومثل موضع الثلل وهو أن يصب الثوب سواد ولا يذهب بغسله، وطوله كناية عن ذول العنق، والهوادي جمع الهادي وهو العنق، فإضافة الاعناق إليه إضافة الشئ إلى نفسه، والناعمة: الكريمة اللينة، وعون جمع عوان وهي المرأة بين الحديثة والمسنة، وصفهن بأنهن أبكر من الابكار وأصفر من العون، وذلك أحسن احوالهن (منه رحمه الله) كذا في هامش بعض النسخ.

وفي هامش الكشاف: ج 1، ص 149، ما ملخصه: الظعائن: النساء في الهوادج، والجون بالضم جمع جوناء أي سوداء، والحصان - بالفتح - المحصنة، والنقب جمع نقاب ككتب وكتاب، والعون أصله بضم الواو جمع عوان، وهي النصف بفتحتين أي الوسط من النساء والبهائم فسكن تخفيفا، يقول: تلك النساء ظعائن أي مسافرات غير لونهن السفر وكنت أعهدهن في قديم الزمان حين الاقامة غير سود، وهن محصنات الوجوه، والاعالي صفة للنقب أو المواضع وهذا لا يكون إلا في النساء كما ترى.

[270]

بين ذلك: أي ما ذكر من الفارض والبكر، ولذلك اضيف إليه البين، فإنه لا يضاف إلا إلى متعد.

وفي رواية العياشي مرفوعا إلى الرضا (عليه السلام): انهم لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لاجزأهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم(1). والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. فلا يلزمه تأخير البيان عن وقت الحاجة. قيل: ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص أو التقييد إبطال للتخيير الثابت بالنص.

وفيه نظر، لان كون التخيير فيه حكما شرعيا ممنوع، إذ الامر بالمطلق لا يدل إلا على ايجاب ماهيته من حيث هي، بلا شرط، لكن لما لم تتحقق الماهية من حيث هي إلا في ضمن فرد معين، جاء التخيير عقلا، من غير دلالة النص عليه.

فافعلوا ما تؤمرون: أي ما تؤمرونه يعني ما تؤمرون به، فحذف الجار و أوصل الفعل ثم حذف العائد المنصوب، من قوله:

أمرتك الخير فافعل ما امرت به *** فقد تركتك ذا مال وذا نشب(2)

___________________________________

(1) تفسير العياشي: ج 1، ص 46، ح 57.

(2) هو من أبيات لعمرو بن معدي كرب الزبيدي المذحجي. وقيل: لشاعر آخر.

قوله: امرت متكلم معلوم من الامر ضد النهي وامرت مجهول منه، والواو للحال، وتركتك مخاطب من الترك، وذا بمعنى الصاحب، والنشب بالنون والشين المعجمة والموحدة كفرس المال الاصيل من الناطق والصامت، جامع الشواهد: ص 67، باب الالف بعده الميم، وفي التبيان: ج 2، ص 348. (*)

[271]

أو أمركم، بمعنى مأموركم.

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها: الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد: أصفر فاقع و وارس، كما يقال: أسود حالك وحانك.

وفي إسناده إلى اللون، وهو صفة صفراء لملابسته بها، فضل تأكيد، كأنه قيل: صفراء شديدة الصفرة صفرتها، فانتزع من الصفرة، صفرة، وأسند الفقوع إليها، فهو من قبيل جد جده، وجنونك مجنون.

وعن الحسن: سوداء شديدة السواد، وبه فسر قوله تعالى: " جمالات صفر "(1).

وقال الاعشى:

تلك خيلي منه وتلك ركابي *** هن صفر أولادها كالزبيب(2)

ولعله عبر بالصفرة عن السواد، لانها من مقدماته، أو لان سواد الابل تعلوه صفرة.

___________________________________

(1) سورة المرسلات: الآية 33.

(2) وقبله:

إن قيسا قيس الفعال أبا الاشعث *** أمست أصداؤ لشعوب

كل عام يمدني بحموم *** عند وضع للضأن أو بنجيب

للاعشى في أبي الاشعث بن قيس - والفعال - بالفتح: فعل الخير.

والاصداء: جمع صدى، وهو ذكر البوم، كانت العرب تزعم أن عظام رأس القتيل تصير بومة، وتصيح: أدركوني، حتى يؤخذ بثأره، و شعوب: اسم للمنية، يمكن أنه جمع شعب بمعنى طريق، أي أمست متفرقة في الطرق، وذلك كناية عن قتله، والجمع للتعظيم، أو اعتباري، والجموم جمع جم بتثليث أوله بمعنى الكثير، والنجيب: الكريم من الخيل والابل، والركاب: المطايا، هن أي الركاب، صفر: جمع أصفر أو صفراء، أولاد ما يغلب عليه السواد كالزبيب، والمراد بالصفرة، سواد ترهقه صفرة، لان هذا أعز ألوان الابل عندهم.

نقلا عن هامش الكشاف: ص 150، في تفسير قوله تعالى (صفراء فاقع).

وفي هامش بعض النسخ ما لفظه (قوله: هن صفر، هو من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب، و تلك مبتدأ وخيلي خبره، ومنه حال، والركاب الابل التي يركب عليهما، الواحدة راحلة، ولا واحد لها من لفظها.

وأولادها فاعل صفر، أي سود، ويمكن أن يكون هن صفر جملة، وأولادها كالزبيب جملة اخرى.

(منه رحمه الله). (*)

[272]

[ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشبه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون(70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون(71) وإذ قتلتم نفسا فادرء_تم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون(72) ]

وفيه أن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع، وأن الابل وإن وصفت به فلا توصف به البقر.

تسر النظرين: أي يوقعهم في السرور بالفتح، وهو لذة في القلب عند حصول نفع، أو توقعه، من السر بالضم، كأنه يحصل لهم من رؤيتها نفع أو توقعه.

وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: من لبس نعلا صفراء لم يزل مسرورا حتى يبليها، كما قال الله تعالى: " صفراء فاقع لونها تسر الناظرين "(1).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن من لبس نعلا صفراء قل همه، لقوله تعالى: " تسر الناظرين "(2).

قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى: كرر السؤال الاول لزيادة الاستكشاف، وقوله: إن البقر تشبه علينا: اعتذار عنه، أي إن البقر الموصوف بالتعوين وفقوع

___________________________________

(1) مجمع البيان: ج 1 - 2 ص 135.

(2) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان في هامش تفسير جامع البيان في تفسير القرآن: ج 1، ص 311. (*)

[273]

الصفرة كثير فاشتبه علينا.

وقرئ (الباقر) وهو اسم لجماعة البقرة والاباقر والبواقر، ويتشابه بالياء والتاء، ويشابه بالياء والتاء، وتشديد الشين بادغام تاء التفاعل فيها، وتشابهت مخففا ومشددا، إما بزيادة الالف في باب التفعيل، أو بإلحاق التاء الساكنة بالمضارع إلحاقا له بالماضي، وتشبه بحذف إحدى التائين من مضارع تفعل، ويشبه بالتذكير، ومتشابه ومتشابهة ومشتبه ومتشبه ومشتبهة.

وإنا إن شاء الله لمهتدون: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل.

روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: وأيم الله لو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الابد(1).

واحتج به الاشاعرة على أن الحوادث بإرادة الله تعالى، وأن الامر قد ينفك عن الارادة، وإلا لم يكن للشرط بعد الامر معنى. والكرامية والمعتزلة على حدوث الارادة.

ويرد عليهم أن هذا إنما يمكن الاستدلال به إذا كان من كلامه تعالى، لا على سبيل الحكاية، وليس كذلك فإنه حكاية لما يقولونه. ويحتمل أن لا يكون حقا في نفس الامر، وإذا قام ذلك الاحتمال، لم يمكن الاستدلال، ولو سلم فيرد على الاشاعرة وجوه من النظر.

الاول: أن الآية يحتمل أن يكون المراد بها، أنه إن شاء الله هدايتنا لكنا من مهتدين على سبيل الجزم، ولو لم يشأ يحتمل الاهتداء وعدمه.

الثاني: أنه إنما يتم لو كان الارادة والمشيئة بمعنى واحد، وهو ممنوع، فلو دلت الآية على أن الحوادث بمشيئة الله فلم يدل على أنها بإرادته.

الثالث: أن قولهم دلت الآية على أن الامر قد ينفك عن الارادة ممنوع، والملازمة التي ادعوها في بيانه ممنوعة، لان معنى الشرط بعد الامر أنه تعالى لو شاء

___________________________________

(1) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن: ج 1، ص 275. (*)

[274]

هدايتهم، لهداهم، أي لو لم يشأ لم يهدهم، وذلك لا ينافي أنه شاء أمرهم فأمرهم.

والحاصل: أن الامر لا ينفك عن الارادة، بمعنى أنه لا يجوز أن يأمر ولا يريد، والآية لم تدل على الجواز بهذا المعنى - كما قررنا - بل التحقيق أن أمره كاشف عن إرادته، وأما أن مراده هل ينفك عن إرادته أم لا؟ فشئ آخر، سيحقق في موضعه.

وعلى المعتزلة والكرامية أنه يحتمل أن يكون التعليق باعتبار التعلق، أو كان المعنى لو كان شاء الله هدايتنا الآن لنهتدي. والحق أن الامر لا ينفك عن الارادة بالمعنى الذي حققته، وأن الارادة حادثة من صفات الفعل، وسنحقق ذلك في موضع آخر إن شاء الله.

قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقى الحرث: أي لم تذلل للكراب(1) وسقي الحرث، ولا ذلول، صفة البقرة، بمعنى غير ذلول، و (لا) الثانية زائدة لتأكيد الاولى، والفعلان صفتا ذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة ولا ساقية. وقرئ لا ذلول بالفتح أي هناك، أي حيث هي، كقولك: مررت برجل لا بخيل ولا جبان، أي هناك، أي حيث هو وتسقي من أسقى.

مسلمة: سلمها الله من العيوب، أو أهلها من العمل، أو خلص لونها، من سلم له كذا، إذا خلص له، أي لم يشب صفرتها شئ من الالوان.

لا شية فيها: لا لون فيها يخالف لون جلدها، فهي صفراء كلها حتى قرنها و ظلفها، وهي في الاصل مصدر، وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لون آخر. قالوا الن جئت بالحق: أي الحق البين الذي لا يشتبه علينا.

وقرئ الآن بالمد على الاستفهام، ولان بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام.

فذبحوها: فيه اختصار، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوته، فذبحوها.

___________________________________

(1) في هامش بعض النسخ ما هذا لفظه: في الصحاح: كربت الارض: قلبتها للحرث، ويقال في المثل: الكراب على البقر (منه رحمه الله). (*)

[275]

وما كادوا يفعلون: لتطويلهم في السؤال وكثرة مراجعاتهم.

وروي أنهم كانوا يطلبون البقرة الموصوفة أربعين سنة، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها، إذ روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة، فأتى بها الغيضة(1) وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان برا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقرة وأسمنها، ووحيدة بتلك الصفات، فساوموها اليتيم وامه حتى اشتروها بملا مسكها ذهبا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير(2).

وفي رواية العياشي أنه قال الرضا (عليه السلام): قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بعض أصحابه: إن هذه البقرة ما شأنها؟ فقال: إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه، وإنه اشترى سلعة فجاء إلى أبيه فوجده نائما والاقليد تحت رأسه، فكره أن يوقظه، فترك ذلك، واستيقظ أبوه فأخبره، فقال له: أحسنت، خذ هذه البقرة فهي لك عوض ما فاتتك، قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انظروا إلى البر ما بلغ بأهله(3).

وروي أن ذلك الشاب من بني إسرائيل قد رأى محمدا وعليا في منامه و أحبهما، وقالا له: لانك تحبنا نجزيك ببعض جزائك في الدنيا، فإذا جاء_ك بنو إسرائيل يريدون شراء البقرة منك، فلا تبعها إلا برضى امك، فلما أرادوا شراء_ها كلما زادوا في ثمنها لم ترض امه حتى شرطوا على أن يملؤوا ثور بقرة عظيمة في ثمنها فرضيت(4).

___________________________________

(1) الغيضة الاجمة، وهي الشجر الملتف، وجمعه غياض. المصباح المنير: ص 629.

(2) الكشاف: ج 1، ص 152، في تفسيره لقوله تعالى: " إن الله يأمركم " الآية.

(3) تفسير العياشي: ج 1، ص 46، ح 57.

(4) البرهان: ج 1، ص 109، ح 1، نقلا بالمضمون واليك نص الحديث: " ولم يجدوها إلا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما، فقالا له: إنك كنت لنا محبا مفضلا و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا فاذا رامو شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر امك فإن الله عزوجل يلقنها ما يغنيك به وعقبك، ففرح الغلام فجاء_ه القوم يطلبون بقرة، فقالوا: بكم تبيع بقرتك؟ فقال: بدينارين والخيار لامي. قالوا: قد رضينا بدينار.

فسألها فقالت: بأربعة، فأخبرهم فقالوا: نعطيك دينارين فأخبر امه فقالت: ثمانية، فما زال يطلبون على النصف مما تقول امة فتضعف الثمن حتى بلغ ثمنها ملا مسك ثور أكبر ما يكون ملا دنانير، فأوجب لهم البيع إلى آخره. وفي تفسير الامام العسكري (عليه السلام): ص 111، عند تفسيره لقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا ".

[276]

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، والحديث بتمامه مذكور في شرح الآيات الباهرة منقولا عن التفسير المنسوب إلى الحسن العسكري (عليه السلام)، و قد ذكرته بتمامه في تفسيرنا الموسوم بالتبيان وعلى الله التكلان. وكاد من أفعال المقاربة، وضع لدنو الخبر حصولا، فإذا دخل عليه النفي، قيل: معناه الاثبات مطلقا، وقيل: ماضيا، والحق أنه كسائر الافعال.

ولا ينافي قوله تعالى: " وما كادوا يفعلون "، قوله: (فذبحوها) لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل.

وإذ قتلتم نفسا: خاطب الجمع لوجود القتل فيهم.

فادرء_تم فيها: إختصمتم في شأنها، إذ الخصمان يدفع بعضهم بعضا.

وأصل الدرء: الدفع، ومنه الحديث: ادرؤوا الحدود بالشبهات(1).

وقول رؤبة:

أدركتها قدام كل مدره *** بالدفع عني درء كل عنجة(2)

فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى: تدافعتم، بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه.

وقيل: الدرء: العوج، ومنه قول الشاعر:

فنكب عنهم درء الاعادي *** وداووا بالجنون من الجنون(3)

___________________________________

(1) لاحظ عوالى اللئالي: ج 1، ص 236، ح 147، وج 2، ص 349، ح 4. وج 3، ص 545، ح 1.

(2) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 137. والعنجة أن يمسك الراكب بزمام البعير ويجره إليه حتى يتأخر إلى خلف.

(3) مجمع البيان: ج 1 - 2، ص 137. (*)




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8904572

  • التاريخ : 8/08/2020 - 20:22

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net