00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاحزاب 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الثامن )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

 

33 - سورة الاحزاب

مدنية في قول مجاهد والحسن وهي ثلاث وسبعون آية بلا خلاف.

الآية: 1 - 35

بسم الله الرحمن الرحيم

(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما(1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا(2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا(3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياء‌كم أبناء‌كم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل(4) أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فان لم تعلموا آباء‌هم فاخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما(5))

خمس آيات.

[312]

قرأ ابن كثير وابوعمرو، ونافع وأبوجعفر * (اللاء) * بهمزة ليس بعدها ياء، إلا أن ابا عمرو لين الهمزة. وقرأ ابن عامر واهل الكوفة بهمزة بعدها ياء، وقرأ * (تظهرون) * بفتح التاء مشددة الظاء بغير ألف - ابن كثير ونافع وابوعمرو - وقرأ عاصم إلا الكسائي عنه * (تظاهرون) * بضم التاء خفيفة الظاء والف بعدها. وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء والالف وفتح التاء.

فمن قرأ * (تظاهرون) * بتشديد الظاء اراد تتظاهرون، فأدغم احدى التاء‌ين في الظاء.

ومن قرأ بغير الف مشددا اراد تتظهرون، وادغم احدى التاء‌ين في الظاء، وعاصم جعل الفعل بين اثنين. فقال * (تظاهرون) * بضم التاء وتخفيف الظاء مع الالف.

وقرأ ابوعمرو * (بما يعملون خبيرا) * و * (بما يعملون بصيرا) * بالياء فيهما. الباقون بالتاء. وجه قراء‌ة أبي عمرو قوله " ولا تطع الكافرين والمنافقين " بأن الله يعلم ما يفعلونه، فيجازيهم بحسبه، ووجه التاء الخطاب لهم.

هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله والمراد به جميع الامة كما قال " يا أيها النبي إذا طلقتم "(1) فخصه بالخطاب، وأراد به جميع المكلفين، يأمرهم الله بتقواه، وتجنب معاصيه، وفعل طاعاته، فنهاهم عن طاعة الكافرين الذين يجحدون نعم الله ويتخذون معه إلها سواه، ومثل ذلك نهاه عن طاعة المنافقين ومتابعتهم لما يريدونه. وسبب نزول الآية أن أبا سفيان وجماعة من الكفار قدموا على النبي صلى الله عليه واله

___________________________________

(1) سورة 65 الطلاق آية 1

[313]

المدينة، ودعوه إلى اشياء عرضوها عليه، فأراد المسلمون قتلهم. فأنزل الله سبحانه " يا أيها النبي اتق الله " في نقض العهد، وقتل هؤلاء الكفار " ولا نطع الكافرين " في ما يدعونك اليه ولا " المنافقين " في قتلهم ونقض العهد. والمنافق هو الذي يظهر الايمان ويبطن الكفر، والكافر هو الذي يظهر الكفر ويبطنه.

ثم قال " إن الله كان عليما حكيما " في ما يوحيه اليك من أمرهم ويامرك بالطاعة وترك المعصية في متابعتهم في ما يريدونه ولما نهاهم عن متابعة الكفار والمنافقين قال " واتبع ما يوحى اليك من ربك " امره ان يتبع الذي يوحي الله اليه من أمره ونهيه، فعلى موجب هذه الآية لا يجوز لاحد أن يطيع الكفار والمنافقين، وإن دعوهم إلى الحق، ولكن يفعل الحق، لانه حق لا لاجل دعائهم اليه " إن الله كان بما تعملون خبيرا " تهديدا لهم، لان المراد أنه لا يخفى عليه شئ من أعمالكم فيجازيكم بحسبها إن كان سوء‌ا عاقبكم، وإن كان طاعة أثابكم عليها.

ومن قرأ - بالياء - أراد الاخبار عن الكفار والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه واله. ومن قرأ - بالتاء - خاطب الجميع.

ثم أمر النبي صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين فقال " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " أمرهم ان يتوكلوا على الله ويفوضوا أمورهم اليه، فان الله تعالى كاف في ما يوكل اليه. و (الوكيل) القائم بالتدبير لغيره بدعاء من له ذلك اليه، فالحكمة تدعو إلى أن الله تعالى الفائم بتدبير عباده، فهو وكيل عليهم من أوكد الوجوه.

ثم قال تعالى " ما جعل الله لرجل من قبلين في جوفه " قال ابن عباس: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فاكذبهم الله. وقال مجاهد وقتادة، وهو

[314]

في رواية عن ابن عباس: أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وهو أبومعمر جميل بن اسد، فنزلت هذه الآية فيه.

وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذه الآية.

وقال الزهري: هو مثل في ان هذا ممتنع كامتناع أن يكون ابن غيرك ابنك.

وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: ما جعل الله لرجل من قبلين في جوفه يحب بهذا قوما ويحب بهذا اعداء‌هم.

ولا يمكن أن يكون لانسان واحد قلبان في جوفه، لانه كان يمكن أن يوصل إنسانان فيجعلان إنسانا واحدا، وقد يمكن أن يوصلا بما لا يخرجهما عن أن يكونا انسانين، وليس ذلك إلا من جهة القلب الواحد أن القلبين، لانه إذا جعل لهما قلبان يريد أحدهما بقلبه مالا يريده الآخر ويشتهي مالا يشتهي الآخر، ويعلم مالا يعلم الآخر فهما حيان لا محالة، وليسا حيا واحدا.

وقال الرماني: لا يجوز أن توجد الارادة والمعرفة في جزئين من القلب او أجزاء وانما يصح أن توجد في جزء واحد، قال: لان ما يوجد في جزئين بمنزلة ما يوجد في قلبين، وقد بطل أن يكون لانسان واحد قلبان.

وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يوجد معنيان مختلفان في جزئين من القلب، لانهما وإن وجدا في جزئين فالحالان الصادران عنهما يرجعان إلى الجملة وهي جملة واحدة وليسا يوجبان الصفة للمحل الواحد فيتنافى، فعلى هذا لا يجوز أن يوجد في جزئين من القلب معنيان ضدان، لاستحالة اجتماع معناهما في الحي الواحد، ويجوز أن يوجد معنيان مختلفان او مثلان في جزئين من القلب ويوجبان الصفتين للحي الواحد، وعلى هذا القياس ليس يمتنع ان يوجد قلبان في جوف واحد إذا كان ما يوجد فيهما يرجع إلى حي واحد، وانما المتنافي أن يرجع ما يوجد منهما إلى حيين، وذلك محال.

[315]

وقوله " وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم " أي ليس نساؤكم وأزواجكم إذا قلتم لهن أنتن علي كظهر أمي يصرن أمهاتكم على الحقيقة لان أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم وأرضعنكم.

وقال قتادة: إذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر، وعليه الكفارة. وعندنا إن الظهار لا يقع إلا ان تكون المرأة طاهرا، ولم يقربها في ذلك الطهر بجماع، ويحضر شاهدان رجلان مسلمان، ثم يقول لها أنت علي كظهر أمي، ويقصد التحريم. فاذا قال ذلك حرم عليها وحرمت عليه أن يطأها حتى يكفر. وإن اختل شئ من شرائطه، فلا يقع ظهار أصلا.

وقوله " وما جعل أدعياء‌كم أبناء‌كم " قال قتادة ومجاهد وابن زيد: نزلت في زيد بن حارثة، فانه كان يدعى ابن رسول الله، والادعياء جمع دعي، وهو الذي تبناه الانسان. وبين الله تعالى أن ذلك ليس بابن على الحقيقة، ولذلك قال في آية أخرى " ما كان محمد أبا احد من رجالكم "(1) وقوله " ذلكم قولكم بأفوهكم " يعني أن قولكم في الدعي أنه ابن الرجل قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله.

ثم قال " والله يقول الحق " في ما يبينه " وهو يهدي السبيل " يعني طريق الحق الذي يفضي بكم إلى الثواب. ثم أمر المكلفين بأن يدعوا الادعياء " لآبائهم " الذين ولدوهم وينسبونهم اليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم " اقسط " أي، فان ذلك اعدل عند الله، واقسط بمعنى أعدل " فان لم تعلموا آباء‌هم " ولا تعرفوهم باعيانهم فهم * (اخوانكم في الدين) * أي في الملة فادعوهم بذلك * (ومواليكم) * أي بنو عمكم او لكم ولاء‌هم إذا كنتم اعتقمتموهم من رق.

___________________________________

(1) سورة 33 الاحزاب آية 40

[316]

ثم قال " وليس عليكم جناح " اي حرج " في ما اخطأتم به " فنسبتموه إلى من انتمي اليه وإن الله لا يؤاخذكم به " ولكن ما تعمدت قلوبكم " فقصدتموه من ذلك واردتموه هو الذي تؤاخذون به، وموضع (ما) جر، تقديره ولكن في ما تعمدت قلوبكم " وكان الله غفورا رحيما " يغفر لكم ما لم تتعمدوا من ذلك، ويستره عليكم ويرحمكم بترك مؤاخذتكم به.

قوله تعالى: (ألنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا(6) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا(7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما(8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاء‌تكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا(9) إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا(10))

خمس آيات.

[317]

قرأ بن كثير والكسائي وحفص عن عاصم " الظنونا " بألف في الوقف دون الوصل. وقرأ نافع وابوجعفر وابوبكر عن عاصم وابن عامر - بالالف - فيهما وقرأ ابوعمرو ويعقوب وحمزة - بغير الف - فيهما وفي المصحف بألف. من أثبت الالف أثبته لاجل الفواصل التي يطلب بها تشاكل المقاطع، ولان الالف ثابتة في المصاحف، فاتبعوا المصحف، ومن حذف قال: لان هذا الالف يكون بدلا من التنوين في حال الوقف، فاذا دخلت الالف واللام اسقطت التنوين، فقط ايضا ما هو بدل منه، ولان مثل ذلك إنما يجوز في القوافي وذلك لا يليق بالقرآن، قال الشاعر:

اقلي اللوم عاذل والعتابا * [ وقولي ان اصبت لقد اصابا(1)

اخبر الله تعالى ان " لنبي " صلى الله عليه واله " اولى بالمؤمنين من انفسهم " بمعنى احق بتدبيرهم، وبأن يختاروا ما دعاهم اليه. واحق بأن يحكم فيهم بما لا يحكم به الواحد في نفسه لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله، وهو اولى في ذلك واحق من نفس الانسان، لانها ربما دعته إلى اتباع الهوى، ولان النبي صلى الله عليه واله لا يدعو إلا إلى طاعة الله، وطاعة الله اولى ان تختار على طاعة غيره. وواحد الانفس نفس، وهي خاصة الحيوان الحساسة المدركة التي هي انفس ما فيه. ويحتمل ان يكون اشتقاقه من التنفس، وهو التروح، لان من شأنها التنفس به، ويحتمل ان يكون مأخوذا من النفاسة، لانها اجل ما فيه واكرمه.

ثم قال " وأزواجه امهاتكم " والمعنى أنهن كالامهات في الحرمة، وتحريم العقد عليهن.

ثم قال " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " أولوا الارحام هم أولوا الانساب. لما ذكر الله أن ازواج النبي أمهاتهم

___________________________________

(1) قائله جرير ديوانه 58 وسيبويه 2 / 28، 299

[318]

في الحكم من جهة عظم الحرمة، قال " وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " أي الا ما بين الله في كتابه مما لا يجوز لازواج النبي صلى الله عليه واله أن يدعين أمهات المؤمنين.

وقال قتادة: كان الناس يتوارثون بالهجرة فلا يرث الاعرابي المسلم المهاجر حتى نزلت الآية. وقيل: إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. ثم نسخ ذلك، فبين الله تعالي أن " أولى الارحام بعضهم اولي ببعض " أي من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الابعد، وظاهر ذلك يمنع أن يرث مع البنت والام احد من الاخوة والاخوات، لان البنت والام اقرب من الاخوة والاخوات، وكذلك يمنع أن يرث مع الاخت أحد من العمومة والعمات وأولادهم، لانها اقرب، والخبر المروي في هذا الباب أن (ما أبقت الفرائض فلاولي عصبة ذكر) خبر واحد مطعون على سنده، لا يترك لاجله ظاهر القرآن الذي بين فيه ان أولي الارحام الاقرب منهم اولى من الابعد " في كتاب الله من المؤمنين " الموآخين والمهاجرين.

وقوله " إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " استثناء منقطع، ومعناه لكن إن فعلتم إلى أوليائكم معروفا من المؤمنين وحلفائكم ما يعرف حسنه وصوابه فهو حسن، ولا يكون على وجه نهى الله تعالى عنه، ولا أذن فيه.

وقال مجاهد معروفا من الوصية لهم بشئ، والعقل عنهم والنصرة لهم، ولا يجوز أن يكونوا القرابة المشركين على ما قال بعضهم، لقوله " لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء "(1) وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار. وعندنا ان ذلك جائز للوالدين والولد.

وقوله " كان ذلك في الكتاب مسطورا " يعني أن ما ذكره الله كان مكتوبا

___________________________________

(1) سورة 60 الممتحنة آية 1

[319]

في الكتاب المحفوظ اثبته الله وأطلع عليه ملائكته لما لهم في ذلك من اللطف فلا يجوز خلاف ذلك، وقيل: مسطورا في القرآن. و (من) يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون دخلت ل‍ (أولى) أي بعضكم اولى ببعض من المؤمنين والثاني - أن يكون التقدير، وأولوا الارحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث.

وقوله " وإذ اخذنا من النبيين " تقديره واذكر يا محمد حين اخذ الله من النبيين ميثاقهم، قال ابن عباس: الميثاق العهد والميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا.

وقوله " ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا " يعني ما عهد الله تعالى إلى الانبياء المذكورين وأمرهم به من اخلاص العبادة له، وخلع الانداد من دونه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه، ونهاهم عن معاصيه، والاخلال بواجباته. وقال البلخي: معناه ما أمرهم الله به من أداء الرسالة والقيام بها.

وقوله " ليسأل الصادقين عن صدقهم " قال مجاهد: معناه فعل ذلك ليسأل الانبياء المرسلين ما الذي أجاب به اممكم، ويجوز ان يحمل على عمومه في كل صادق، ويكون فيه تهديد للكاذب، فان الصادق إذا سئل عن صدقه على اي وجه قال فيجازي بحسبه، فكيف يكون صورة الكاذب.

ثم قال " واعد للكافرين عذابا اليما " أي اعد لهم عذابا مؤلما، وهو عذاب النار - نعوذ بالله منها. ثم خاطب المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاء‌تكم جنود " أي في حال ما جاء‌تكم جنود يعني يوم الاحزاب، وهو يوم الخندق حيث اجتمعت العرب على قتال النبي صلى الله عليه واله قريش وغطفان وبنو قريظة

[320]

وتضافروا على ذلك " فارسلنا عليهم " اي فارسل الله تعالى عليهم نصرة لنبيه ونعمة على المؤمنين " ريحا " استقبلتهم ورمت في اعينهم الحصباء واكفئت قدورهم واطفئت نيرانهم، وقلعت بيوتهم واطنابهم وارسل الله عليهم " جنودا " من الملائكة نصرة للمؤمنين، روى ذلك يزيد بن رومان " لم تروها " اي لم تروا الملائكة أنتم بأعينكم، لانها اجسام شفافة لا يصح إدراكها " وكان الله بما تعملون بصيرا " من قرء بالياء اراد ان الله عالم بما يعمله الكفار. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين.

ثم قال واذكر " إذ جاؤكم " يعني جنود المشركين * (من فوقكم) * وهم عيينة بن حصين بن بدر في اهل نجد * (ومن اسفل منكم) * وهم ابوسفيان في قريش وواجهتهم قريظة، وهو قول مجاهد: * (وإذ زاغت الابصار) * أي اذكر إذ عدلت الابصار عن مقرها.

قال قتادة معناه: شخصت من الخوف * (وبلغت القلوب الحناجر) * أي نأت عن أماكنها من الخوف.

وقيل: قال المسلمون: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شئ نقوله.

قال: نعم قولوا * (اللهم استر عورتنا وأمن روعتنا) * فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصبا، فهزمهم الله بها، والحناجر جمع حنجرة، وهي الحلق، قيل: لان الرئة عند الخوف تصعد حتى تلحق بالحلق * (وتظنون بالله الظنونا) * قال الحسن: كانت الظنون مختلفة، فظن المنافقون انه يستأصل، وظن المؤمنون انه سينصر.

وقيل: كانت الريح شديدة البرد تمنع المشركين من الحرب وكانت الملائكة تفقد بعضهم عن بعض.

[321]

قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا(11) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا(12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستاذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا(13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا(14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا(15))

خمس آيات.

قرأ حفص عن عاصم * (لا مقام) * بضم الميم اى لا إقامة لكم. الباقون - بفتح الميم يعني لا موضع لكم تقومون فيه.

وقرأ ابن كثير ونافع وابوجعفر وابن عامر * (لاتوها) * قصرا بمعنى لجاؤها. الباقون بالمد، يعني لاعطوها.

وقالوا: هو أليق بقوله " ثم سئلوا الفتنة " لان العطاء يطابق سؤال السائل.

لما وصف الله تعالى شدة الامر يوم الخندق، وخوف الناس وأن القلوب بلغت الحناجر من الرعب.

قال * (هنالك ابتلي المؤمنون) * أي اختبروا ليظهر بذلك حسن نياتهم وصبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد اعدائه و (هنا) للقريب

[322]

من المكان و (هنالك) للبعيد منه، و (هناك) للمتوسط بين القريب والبعيد وسبيله سبيل (ذا. وذاك وذلك). والابتلاء إظهار ما في النفس من خير او شر، ومثله الاختبار والامتحان والبلاء النعمة، لاظهار الخير على صاحبه، والبلاء النقمة لاظهار الشر عليه.

وقوله * (وزلزلوا زلزالا شديدا) * معناه وحركوا بهذا الامتحان تحريكا عظيما، فالزلزال الاضطراب العظيم ومنه قوله " إذا زلزلت الارض زلزالها " والزلزلة اضطراب الارض. وقيل: انه مضاعف زل، وزلزله غيره. والشدة قوة تدرك بالحاسة، لان القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة، وانما تعلم بالدلالة، فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي، ولا يوصف بأنه شديد.

ثم قال واذكر يا محمد * (إذ يقول المنافقون) * الذين باطنهم الكفر وظاهرهم الايمان * (والذين في قلوبهم مرض) * أي شك من الايمان بالله ورسوله * (ما وعدنا الله ورسوله) * اي لم يعدنا الله ورسوله من الظفر والظهور على الدين * (إلا غرورا) * وقيل: ان النبي صلى الله عليه واله بشرهم بأنه يفتح عليهم مدائن كسرى وبلاد قيصر وغير ذلك من الفتوح، فقالوا: يعدنا بهذا، والواحد منا لا يقدر على ان يخرج ليقضي حاجة * (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * غرانا به، فالغرور ايهام المحبوب بالمكر، يقال: غره يغره غرورا، فهو غار، والغرور الشيطان قال الحارث بن حلزة:

لم يغروكم غرورا ولكن * يرفع الآل جمعهم والضحاء

وقال يزيد بن رومان: الذي قال هذا القول معتب بن قشيرة وقال العتابي: ليس عاقل يقول: إن الله وعد غرورا، لكنهم لما كذبوا رسوله وشكوا في خبره، فكانهم كذبوا الله، وإذا نسبوا الرسول بأنه غرهم، فقد نسبوا الله إلى ذلك في المعنى، وإن لم يصرحوا به.

[323]

ثم قال واذكر يا محمد * (اذ قالت طائفة منهم) * يعني من المنافقين * (يا اهل يثرب) * أي يا اهل المدينة، قيل: ان يثرب اسم ارض المدينة.

وقال ابوعبيدة: إن المدينة الرسول في ناحية من يثرب.

وقيل: يثرب هي المدينة نفسها * (لا مقام لكم) * أي ليس لكم مكان تقومون فيه للقتال.

ومن ضم أراد: لا إقامة لكم - ذكره الاخفش - وقال يزيد بن رومان: القائل لذلك أوس بن قبطي.

ومن وافقه على رأيه * (فارجعوا) * اي امرهم بالرجوع إلى منازلهم.

وحكى ان جماعة منهم جاؤا إلى النبي صلى الله عليه واله فاستأذنوه للرجوع.

وقالوا * (إن بيوتنا عورة) * أي هي مكشوفة نخشى عليها السرق - ذكره ابن عباس ومجاهد - فكذبهم الله تعالى في قوله * (وما هي بعورة...) * وليس يريدون بهذا القول إلا الفرار، والهرب من القتال. ثم قال * (ولو دخلت عليهم من اقطارها) * اي من نواحيها يعني المدينة او البيوت، فهو جمع قطر، وهو الناحية * (ثم سئلوا الفتنة) * يعني الكفر والضلال وقيل: انهم لو دعوا إلى القتال على وجه الحمية والعصبية لجاؤا إليها - على قراء‌ة من قصر - ومن مد اراد لاعطوا ما سئلوا إعطاء‌ه من ذلك * (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) * قال الفراء: وما تلبثوا بالمدينة إلا قليلا حتى يهلكوا.

وقال قتادة: معناه وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا قليلا.

ثم قال * (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) * يعني عندما بايعوا النبي صلى الله عليه واله وحلفوا له انهم ينصرونه ويدفعون عنه، كما يدفعون عن نفوسهم، وانهم * (لا يولون الادبار) * اي لا يفرون من الزحف * (وكان عهد الله مسئولا) * يعني العهد الذي عاهدوا الله عليه، وحلفوا له به يسألهم عن الوفاء به يوم القيامة.

[324]

قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا(16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوء‌ا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا(17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا ياتون الباس إلا قليلا(18) أشحة عليكم فاذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فاذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا(19) يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يات الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا(20))

خمس آيات.

لما اخبر الله تعالى عن المنافقين الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه واله في الرجوع واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها، وكذبهم الله في ذلك، وبين أنهم يريدون

[325]

الهرب، قال لنبيه صلى الله عليه واله * (قل) * لهم * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم) * يعني الهرب إن هربتم * (من الموت أو القتل) * فانه لابد من واحد منهما، وإن هربتم وبقيتم بعده فلا تبقون * (ولا تتمتعون إلا قليلا) * من الزمان. ثم لابد من الموت. والفرار الذهاب عن الشئ خوفا منه، ومثله الهرب، فر يفر فرارا وأفتر إذا باعد بين شفتيه كتباعد الفار، وانما فرق الله بين الموت والقتل لان القتل غير الموت، فالقتل نقض بينة الحي، والموت ضد الحياة عند من أثبته معنى، والقتل يقدر عليه غير الله، وانما رفع بعد (اذن) لوقوع (اذن) بين الواو والفعل، فصارت بمنزلة ما لم يقع بعده الفعل، كقولك أنا آتيك اذن لانه مما يجوز فيه الالغاء بأنه يصح الاستدراك، كالاستدراك بالظن، وقد اعملت بعد (ان) في قوله:

لا تتركني فيهم شطيرا * إني اذن أهلك او اطيرا(1)

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله قل لهم يا محمد من الذي يمنعكم من الله ان اراد أن يفعل بكم سوء‌ا يعني عذابا أو اراد بكم رحمة، فان احدا لا يقدر على منعه مما يريد الله فعله به (ولا يجدون) هؤلاء * (لهم من دون الله وليا) * ينصرهم * (ولا نصيرا) * يدفع عنهم، ثم قال تعالى * (قد يعلم الله المعوقين منكم) * يعني الذين يعوقون غيرهم عن القتال ويثبطونهم عنه، فالتعويق التثبيط والشغل للقعود عن أمر من الامور، فكأن هؤلاء يدعون اخوانهم من المنافقين إلى القعود عن الجباد ويشغلونهم لينصرفوا عنه * (والقائلين لاخوانهم هلموا الينا) * أي يعلم القائلين لهم تعالوا * (ولا يأتون البأس) * يعني الحرب * (إلا قليلا) * أي ان يكلفوا الحضور إلى القتال فلا يحضرون إلا قدر ما يوهمون أنهم معكم، ولا يقاتلون

___________________________________

(1) قائله نهشل بن حرى، اللسان (شطر)

[326]

معكم، فهو تعالى عالم بأحوال هؤلاء، لا يخفى عليه شئ منها.

ثم قال * (اشحة عليكم) * بالغنيمة والنفقة في سبيل الله - في قول قتادة: ومجاهد - ونصبه على تقدير يأتونه أشحة وإن شئت على الذم.

وقال ابن اسحاق * (اشحة عليكم) * بالضغن الذي في أنفسهم، فهو نصب على الحال - في قول الزجاج - وفي قول غيره على المصدر، وتقديره يشحون عليكم اشحة * (فاذا جاء الخوف) * يعني الفزع * (رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) * يعني من شدة ما يخافون يلحقهم مثل ما يلحق من شارف الموت وأحواله، ويغشى عليه * (فاذا ذهب الخوف) * والفزع * (سلقوكم بالسنة حداد) * أي خصموكم طلبا للغنيمة أشد مخاصمة.

وقال الحسن: سلقوكم حاوروكم يقال: خطيب مصقع ومسلق أي بليغ في الخطابة فصيح فيها * (أشحة على الخير) * يعني الغنيمة.

ثم قال * (أولئك) * يعني من تقدم وصفه * (لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم) * يعني نفع أعمالهم على وجوه لا يستحق عليها الثواب لانهم لا يقصدون بها وجه الله. ثم قال * (وكان ذلك) * يعني احباط اعمالهم. وقيل: وكان نفاقهم * (على الله يسيرا) * قليلا. ثم وصف هؤلاء المنافقين الذين تقدم ذكرهم بالجبن، فقال * (يحسبون الاحزاب) * الذين انهزموا ورجعوا من شدة فزعهم انهم * (لم يذهبوا) * بعد.

وقيل: لفرط جهلهم يعتقدون انهم لم يذهبوا بعد * (وإن يأت الاحزاب يودوا لو انهم بادون في الاعراب) * أي وإن جاؤا الاحزاب تمنوا أن يكونوا في البوادي مع الاعراب * (يسألون عن انبائكم) * أي أخباركم ولا يكونون معكم فيتربصون بكم الدوائر ويتوقعون الهلاك.

ثم قال لنبيه * (ولو كانوا) * يعني هؤلاء المنافقون معكم " وفيكم ما قاتلوا إلا قليلا " أي قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم، لا لينصروكم ويجاهدوا معكم. وقال

[327]

عاصم الجحدري: يساء‌لون عن انبائكم بتشديد السين بمعنى يتساء‌لون، فيسأل بعضهم بعضا، وهو شاذ لا يقرأ به. وقرأ طلحة بن مصرف " يودوا لو انهم بدى في الاعراب " جمع باد، مثل غاز وغزى، وهي أيضا شاذة لا يقرء بها. و (هلم) بمعنى أقبل واهل الحجاز يقولون للواحد والاثنين والجمع والانثى (هلم) بلفظ واحد، وانما هي (لم) ضمت اليها (ها) التي للتنبيه، ثم حذفت الالف من (ها) إذ صارا شيئا واحدا، كقولهم (ويلمه) واصله (ويل أمه) فلما جعلوهما شيئا واحدا حذفوا، وغيروا. وأما بنوا تميم فيصرفونه تصريف الفعل، فيقولون: هلم يا رجل وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمي يا امرأة وهلميا يا امرأتان، وهلممن يا نساء، إلا انهم يفتحون آخر الواحد البتة، فيقولون: هلم يا رجل وهلم يا مرأة.

[328]

قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا(21) ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما(22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا(23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما(24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا(25))

خمس آيات.

قرأ عاصم " أسوة " - بضم الهمزة - الباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر اكثر.

ومثله (كسوة، وكسوة، ورشوة ورشوة) هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين، يقول لهم: ان لكم معاشر المكلفين " في رسول الله اسوة حسنة " أي اقتداء حسن، في جميع ما يقوله ويفعله متى فعلتم مثله كان ذلك حسنا، والمراد بذلك الحث على الجهاد والصبر عليه في حروبه، والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب، فان النبي صلى الله عليه واله شج رأسه وكسرت رباعيته في يوم احد وقتل عمه حمزة. فالتأسي به في الصبر على جميع ذلك من الاسوة الحسنة. وذلك يدل على ان الاقتداء بجميع افعال النبي صلى الله عليه واله حسن جائز إلا ما قام الدليل على خلافه، ولا يدل على وجوب الاقتداء به في افعاله. وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. فالاسوة حال لصاحبها يقتدي بها غيره في ما يقول به، فالاسوة تكون في إنسان وهي اسوة لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعله حسن " لمن كان يرجو الله " فالرجاء توقع الخير، فرجاء الله توقع الخير من قبله ومثل الرجاء الطمع والامل، ومتى طمع الانسان في الخير من قبل الله، فيكون راجيا له.

وقوله " وذكر الله كثيرا " معناه يذكره تعالى بجميع صفاته، ويدعوه بها فيستحق بذلك الثواب من جهته. ثم قال وقد عاد تعالى إلى ذكر المؤمنين وانهم حين عاينوا الاحزاب التي اجتمعت على قتال النبي صلى الله عليه واله وتظافروا عليه، وهم ابوسفيان ومن معه من

[329]

المشركين " قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله " من الجهاد في سبيله " وصدق الله ورسوله " في ما اخبرا به، لان النبي صلى الله عليه واله كان اخبرهم انه يتظاهر عليكم الاحزاب، ويقاتلونكم فلما رآهم المؤمنون تبينوا صدق قوله وكان ذلك معجزا له " وما زادهم " مشاهدة عدوهم " إلا إيمانا " وتصديقا بالله ورسوله " وتسليما " لامره. ثم بين ان " من المؤمنين رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه " من مجاهدة عدوه، وألا يولوا الادبار. وقيل: ذلك يوم تأخروا عن بدر، ثم عاهدوا ألا يفارقوا النبي صلى الله عليه وآله في غزواته.

وقوله " فمنهم من قضى نحبه " أي منهم من صبر حتى قتل في سبيل الله، وخرج إلى ثواب ربه " ومنهم من ينتظر " ذلك " وما بدلوا تبديلا " أي لم يبدلوا الايمان بالنفاق ولا العهد بالحنث. وروي أن الآية نزلت في حمزة بن عبدالمطلب، وجعفر بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب عليه السلام فالذي قضى نحبه حمزة، وجعفر والذي ينتظر علي عليه السلام ثم بين تعالى انه يجزي الصادقين على صدقهم في تنزيله فوعهدهم بالثواب الدائم والنعيم المقيم.

وقوله * (ويعذب المنافقين إن شاء) * لا يدل على أن ما يجب غفرانه من الكبائر عند التوبة يجوز تعليقه بالمشيئة، لان على مذهبنا إنما جاز ذلك، لانه لا يجب اسقاط العقاب بالتوبة عقلا، وإنما جاز ذلك وعلمناه بالسمع وإن الله يتفضل بذلك.

وقوله " او يتوب عليهم " معناه إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم. إذا تابوا، وإن شاء لم يقبل ذلك. وذلك اخبار عن مقتضى العقل. وأما مع ورود السمع وهو قوله " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات "(1) فنقطع على انه تعالى يغفر مع حصول التوبة.

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 25

[330]

وقوله " إن الله كان غفورا رحيما " يؤكد ذلك لانه انما يكون فيه مدح إذا غفر ماله المؤاخذة به، ويرحم من يستحق العقاب. وأما من يجب غفران ذنبه ويجب رحمته، فلا مدح في ذلك.

وقال قوم: معناه " ويعذب المنافقين إن شاء " بعذاب عاجل في الدنيا أو يتوبوا، قالوا: وإنما علق بالشرط في قوله " إن شاء او يتوب عليهم " لانه علم أن من المنافقين من يتوب، فقيد الكلام ليصح - المعنى - ذكره الجبائي - وقيل: إن الذي وعد الله المؤمنين في الاحزاب هو أنه وعدهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم في نحو قوله " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "(1) مع فرض الجهاد.

وقيل: إن الذي وعدهم الله به في قوله " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب "(2) - ذكره قتادة - و (النحب) النذر أي قضى نذره الذي كان نذره في ما عاهد الله عليه.

وقال مجاهد: قضى نحبه أي عهده. وقيل: ان المؤمنين كانوا نذروا إذا لقوا حزبا مع رسول الله أن يثبتوا ولا ينهزموا، وقال الحسن: قضى نحبه أي مات على ما عاهد عليه، والنحب الموت كقول ذي الرمة: قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر(3) أي منيته.

وهو بر اسم رجل والنحب الخطر العظيم قال جرير:

بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب(4)

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 34 وسورة 61 الصف آية 9.

(2) سورة 2 البقرة آية 214.

(3) مجاز القرآن 2 / 136 الشاهد.(718).

(4) ديوانه 54 ومجاز القرآن 2 / 135

[331]

أي على خطر والنحب المد في السير يوما وليلة، قال الفرزدق.

وإذ نحبت كلب على الناس أنهم * أحق نتاج الماجد المتكرم(1)

ثم اخبر تعالى أنه رد المشركين من الاحزاب عن قتال النبي صلى الله عليه واله بغيظهم الذي جاؤا به وخيبهم لم ينالوا خيرا أملوه من الظفر بالنبي صلى الله عليه واله وبالمؤمنين " وكفى الله المؤمنين القتال " عند رجوعهم، وقيل وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة.

وقيل: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي عليه السلام وهي قراء‌ة ابن مسعود، وكذلك هو في مصحفه، في قتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم.

" وكان الله قويا عزيزا " أي قادرا لا يغالب، وعزيزا لا يقهر، لانه قوي في سعة مقدوره، عزيز في انتقامه.

___________________________________

(1) ديوانه 2 / 759 وتفسير القرطبي 14 / 158 ومجاز القرآن 2 / 136

[332]

قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا(26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا(27) يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا(28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فان الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما(29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا(30))

خمس آيات.

قرأ ابن كثير، وابن عامر " نضعف " بالنون وتشديد العين " العذاب " نصبا، أسند الفعل إلى الله تعالى. وقرأ ابوعمرو " يضعف " بالياء وتشديد العين بلا ألف على ما لم يسم فاعله. الباقون (يضاعف) بالياء والالف.

والذي عليه أكثر المفسرين إن المعني بقوله " وانزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب " هم بنو قريظة من اليهود، وكانوا نقضوا العهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله وعاونوا أبا سفيان، فلما هزم الاحزاب امر النبي صلى الله عليه واله مناديه بأن ينادي لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة، لان جبرائيل عليه السلام نزل عليه وقال إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، ففيهم من لحق ذلك بعد وصلى العصر في الوقت، وفيهم من صلاها قبل ذلك. وكل صوبه رسول الله.

ثم حكم سعد ابن معاذ فيهم رضوا بحكمه، فحكم سعد أن تقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء ونقسم الاموال وتكون الارض للمهاجرين دون الانصار، فقيل له في ذلك فقال لكم دار، وليس للمهاجرين دار، فقال رسول الله صلى الله عليه واله حكم فيهم بحكم الله تعالى، وفي بعض الاخبار لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، وهو جمع رقيع اسم من اسماء سماء الدنيا.

وقال الحسن: الآية نزلت في بني النضير والاول أصح وأليق بسياق الآيات، لان بني الضير لم يكن لهم في قتال الاحزاب شئ، وكانوا قد انجلوا قبل ذلك.

[333]

والمظاهرة المعاونة، وهي زيادة القوة بأن يكون المعاون ظهرا لصاحبه في الدفع عنه، والظهر المعين. وفي قراء‌ة ابن مسعود آزروهم، ومعناه عاونوهم. والصياصي الحصون التي يمتنع بها واحدها صيصية. ويقال جذ الله صيصية فلان أي حصنه الذي يمتنع به. والصيصية قرن البقرة وشوكة الديك أيضا، وهي شوكة الحائك أيضا، قال الشاعر:

[ ما راعني إلا الرماح تنوشه ] * كوقع الصياصي في النسيج الممدد(1)

وقوله " وقذف في قلوبهم الرعب " أي ألقى في قلوبهم يعني اليهود والمشركين خوفا من النبي صلى الله عليه واله " فريقا تقتلون " منهم يعني الرجال " وتأسرون فريقا " يعني النساء والذراري ثم قال " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم " يعني ديار بني قريظة وأرضهم وأموالهم.

جعلها الله للمسلمين مع ذلك ونقلها اليهم " وأرضا لم تطؤها " معناه وأورثكم أرضا لم تطؤها، قال الحسن: هي أرض فارس والروم. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر " وكان الله على كل قديرا " أي قادرا على توريثكم أرض هؤلاء وأموالهم ونصركم وغير ذلك.

إلى ههنا انتهت قصة الاحزاب. ثم انتقل إلى خطاب النبي صلى الله عليه واله فقال له " يا ايها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " قال الحسن لم يكن ذلك تخيير طلاق، انما هو تخيير بين الدنيا والآخرة. وكان لنزول الآية سبب معروف من بعض أزواج النبي صلى الله عليه واله فعاتبهن الله تعالى وخيرهن بين المقام مع النبي صلى الله عليه واله واختيار ما عند الله من الثواب ونعيم الابد

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 14 / 161 ومجاز القرآن 2 / 161 ويروى (فجئت اليه والرماح تنوشه)

[334]

ومن مفارقته بالطلاق وتعجيل المنافع يأخذونها، وبين ذلك بقوله " وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار والآخرة، فان الله اعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " وقيد ذلك بالمحسنات لعلمه أن فيهن من ربما ارتكبت ما يستحق به الخروج عن ولاية الله تعويلا على ما وعد الله تعالى به من النعيم، فزجرهن بالتهديد المذكور في الآية.

وروي أن سبب نزول هذه الآية أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئا فسألت أم سلمة سترا معلقا وسألت ميمونة حلة وسألت زينب بنت جحش بردا يمانيا وسألت أم حبيبة ثوبا سحوانيا وسألت حفصة ثوبا من ثياب مصر وسألت حويرية معجرا وسألت سودة قطيفة خيبرية، فلم يقدر على ذلك، لان الله تعالى كان خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة.

وقال: (اللهم أحيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني مسكينا في جملة المساكن) فحينئذ أمره الله تعالى بتخيير النساء، فاخترن الله ورسوله فعوضهن الله عن ذلك أن جعلهن أمهات المؤمنين.

وقيل: وأمر الله أن لا يطلقهن ولا يتزوج عليهن بقوله " لا يحل لك النساء من بعد "(1) ذكره ابن زيد. ثم خاطب نساء النبي صلى الله عليه واله فقال " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة يضاعف لها العذاب " من شدد أراد التكثير، ومن أثبت الالف أراد من المضاعفة، ومن قرأ بالنون أضاف الفعل إلى الله، لان الفاعل لذلك هو الله وإنما جاز ان يضعف عقابهن بالمعصية لعظم قدرهن، وأن معصيتهن تقع على وجه يستحق بها ضعف ما يستحق غيرهن، كما أن طاعاتهن يستحق بها ضعف

___________________________________

(1) آية 52 من هذه السورة

[335]

ما يستحق به غيرهن، من حيث كن قدرة في الاعمال وأسوة في ذلك. ثم اخبر تعالى أن تضعيف ذلك عليه يسير سهل. والضعف مثل الشئ الذي يضم اليه، ضاعفته ازددت عليه مثله، ومنه الضعف، وهو نقصان القوة بأن يذهب احد ضعفيها، فهو ذهاب ضعف القوة.

قال أبوعبيدة: يضاعف لها ضعفين أي يجعل لها العذاب ثلاثة أعذنة لان ضعف الشئ مثله، وضعفي الشئ مثلاه ومجاز يضاعف أن يجعل إلى الشئ شيئان حتى يكون ثلاثة، فأما من قرأ * (يضعف) * أراد أن يجعل الشئ شيئين، وذكر بعضهم أن ذلك غلط على أبي عمرو في تشديد يضعف، لان ذلك نقل عنه على حكاية الفرق بين يضاعف ويضعف بالتشديد، وليس بينهما فرق، لان المضاعفة والتضعيف شئ واحد وإنما قرأ ابوعمرو * (يضعف) * بضم الياء وتسكين الضاد وتخفيف العين وفتحها والفرق يقع بين هذه وبين يضاعف لانك تقول لمن اعطاك درهما فأعطيته مكانه درهمين: أضعفت لك العطية، فان اعطيته مكان درهم خمسة او ستة قلت ضاعفت له العطية وضعفت بالتشديد أيضا، فلما رأى ابوعمرو أن من احسن من أزواج النبي أعطي اجرين علم آن من اذنب منهن عوقب عقوبتين، فقرأ يضعف لها العذاب ضعفين. وكان الحسن لا يرى التخيير شيئا.

وقال: إنما خيرن بين الدنيا والآخرة لا في الطلاق، وكذلك عندنا ان الخيار ليس بشئ غير أن اصحابنا قالوا إنما كان ذلك لنبي الله خاصة، ولما خيرهن لو اخترن انفسهن لبن، فلما غيره فلا يجوز له ذلك.

وقال قتادة: خيرهن الله تعالى بين الدنيا والآخرة في شئ كن أردن من الدنيا.

وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة بن ابي أميه، وسودة بنت زمعة.

[336]

وكان تحته صفيه بنت حي ابن خطب وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الاسدية، وحويرية بنت الحارث من بني المصطلق، فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فرح بذلك رسول الله صلى الله عليه واله.

قوله تعالى: (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما(31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا(32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلوة وآتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا(34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما(35))

خمس آيات.

[337]

قرأ حمزة والكسائي " ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا " بالياء فيهما على اللفظ، لان لفظة (من مذكر. الباقون " ومن يقنت " - بالياء - حملا على اللفظ " وتعمل " بالتاء حملا على المعنى، لان المعنى من النساء، فكنى بلفظ التأنيث، ولانه قد ظهر علامة التانيث في قوله " منكن " فكأن الرد عليه أولى من رده على اللفظ.

وروي في الشواذ " ومن تقنت " بالتاء حملا على المعنى وذلك جائز في العربية غير انه ليس بمعروف، ولا يقرأ به. وقرأ عاصم ونافع " وقرن " بفتح القاف بمعنى أقرون " في بيوتكن " من قررت في المكان أقر قرارا إلا انه نقل حركة العين إلى القاف، فانفتحت وسقطت الراء الاولى لالتقاء الساكنين كقولهم: في ظللت ظلت. وفي أحسست احست، وقالوا في يحططن من الجبل يحطن.

وقال الزجاج: فيه لغتان (قررت في المكان واقررت).

الباقون بكسر القاف بمعنى كن أهل وقر، أي هدوء وسكينة من وقر فلان في منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن. ويجوز أن يكون المراد الاستقرار، على لغة حكاها الزجاج والكسائي. لما تهدد الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه واله بأن من يأت منهن بفاحشة ظاهرة من ارتكاب محظور، وما نهى الله تعالى عنه انه يضاعف لها العذاب ضعفين لوقوع أفعالهن على وجه يستحق به ذلك من حيث كن سواء اسوة يتأسى بهن غيرهن ورغبهن في هذه الآية بأن قال " ومن يقنت منكن " أي من داوم منكن على

[338]

الطاعة لله ورسوله " وتعمل " مع ذلك الافعال " صالحا نؤتها " اي يعطيها الله " أجرها مرتين " كما لو عصت عاقبها ضعفين.

والقنوت المداومة على العمل فمن داوم على العمل لله فهو مطيع.

ومنه القنوت في صلاة الوتر، وهو المداومة على الدعاء المعروف.

والعمل الصالح هو المستقيم الذي يحسن أن يحمد عليه ويستحق به الثواب.

والاجر الجزاء على العمل، وهو الثواب، آجره يآجره اجرا والاجر مرتين ليس يجب بالوعد بل إنما هو مستحق، لان أفعالهن تقع على وجه يستحق مثلي مالو استحق الغير، لانه في مقابلة العذاب ضعفين، ولا يجوز أن يضاعف ضعفين إلا مستحقا، وكذلك الثواب المقابل له.

وقوله " واعتدنا لها رزقا كريما " معنى اعتدنا اعددنا، وابدل من احدى الدالين تاء. والرزق الكريم هو الثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله. ثم قال " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء " انما قال كأحد، ولم يقل كواحدة لان احدا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة أي لا يشبهكن احد من النساء في جلالة القدر وعظم المنزلة ولمكانكن من رسول الله صلى الله عليه واله بشرط أن تتقين عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. وانما شرط ذلك بالاتقاء لئلا يعولن على ذلك، فيرتكبن المعاصي، ولولا الشرط كان يكون اغراء لهن بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى.

ثم قال لهن " فلا تخضعن بالقول " أي لا تلين كلامكن للرجال، بل يكون جزلا قويا لئلا يطمع من في قلبه مرض.

قال قتادة: ومعناه من في قلبه نفاق.

وقال عكرمة: من في قلبه شهوة للزنا.

ثم قال لهن " وقلن قولا معروفا " مستقيما جميلا بريئا من التهمة بعيدا من الريبة موافقا للدين والاسلام. ثم امرهن بالاستقرار في بيوتهن وألا يتبرجن

[339]

تبرج الجاهلية - على قراء‌ة من فتح القاف. ومن كسر أرادكن وقورات عليكن سكينة ووقار " ولا تبرجن " قال قتادة: التبرج التبختر والتكبر، وقال غيره: هو اظهار المحاسن للرجال.

وقوله " تبرج الجاهلية الاول " نصب تبرج على المصدر والمعنى مثل تبرج الجاهلية الاولى، وهو ما كان قبل الاسلام. وقيل ما كان بين آدم ونوح. وقيل ما كان بين موسى وعيسى، وقيل ما كان بين عيسى ومحمد. وقيل ما كان بفعله اهل الجاهلية، لانهم كانوا يجوزون لامرأة واحدة رجلا وخلا فللزوج النصف السفلاني وللخل الفوقاني من القبيل والمعانقة، فنهى الله تعالى عن ذلك ازواج النبي صلى الله عليه واله واشتقاق التبرج من البرج وهو السعة في العين وطعنة برجاء اي واسعة وفي اسنانه برج إذا تفرق ما بينها. واما الجاهلية الاخرى، فهو ما يعمل بعد الاسلام بعمل اولئك. ثم أمرهن باقامة الصلاة والدوام عليها بشروطها وايتاء الزكاة لمن وجبت عليه، وأمرهن بطاعة الله وطاعة رسوله، في ما يأمرانهن به.

ثم قال " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " روى ابو سعيد الخدري وانس بن مالك وعائشة وأم سلمة وواثلة بن الاسقع أن الآية نزلت في النبي صلى الله عليه واله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واهل البيت نصب على النداء او على المدح، فروي عن أم سلمة انها قالت إن النبي صلى الله عليه واله كان في بيتي فاستدعا عليا وفاطمة والحسن والحسين، وجللهم بعباء خيبرية، ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فأنزل الله تعالى قوله " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " فقالت أم مسلمة قلت: يا رسول الله هل انا من اهل بيتك؟ فقال: لا، ولكنك إلى خير.

[340]

واستدل أصحابنا بهذه الآية على ان في جملة اهل البيت معصوما لا يجوز عليه الغلط وان اجماعهم لا يكون إلا صوابا بأن قالوا ليس يخلو إرادة الله لاذهاب الرجس عن اهل البيت من ان يكون هو ما اراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، او يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفا اختاروا عنده الامتناع من القبائح.

والاول لا يجوز ان يكون مرادا، لان هذه الارادة حاصلة مع جميع المكلفين، فلا اختصاص لاهل البيت في ذلك ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية اهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم؟ ! على ان لفظة (إنما) تجري مجرى ليس، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم وحكيناه عن جماعة من اهل اللغة، كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك على ان إذهاب الرجس قد حصل فيهم. وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبث عصمتهم ثبت ما اردناه.

وقال عكرمة هي في ازواج النبي خاصة. وهذا غلط، لانه لو كانت الآية فيهن خاصة لكنى عنهن بكناية المؤنث، كما فعل في جميع ما تقدم من الآيات نحو قوله " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن، واطعن الله واقمن الصلاة وآتين الزكاة " فذكر جميع ذلك بكناية المؤنث، فكان يجب أن يقول إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس اهل البيت ويطهركن، فلما كنا بكناية المذكر دل على ان النساء لا مدخل لهن فيها. وفي الناس من حمل الآية على النساء ومن ذكرناه من اهل البيت هربا مما قلناه.

[341]

وقال: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فكنى عنهم بكناية المذكر. وهذا يبطل بما بيناه من الرواية عن أم سلمة وما يقتضيه من كون من تناولته معصوما. والنساء خارجات عن ذلك.

وقد استوفينا الكلام في ذلك - في هذه الآيات - في كتاب الامامة من أراده وقف عليه هناك. ثم عاد تعالى إلى ذكر النساء فأمرهن بأن يذكرن الله تعالى بصفاته، وبالدعاء والتضرع اليه، وان يفكرون في آيات الله التي تتلى في بيوتهن من القرآن المنزل، ويعملن بها وبما فيها من الحكمة " ان الله كان لطيفا " في تدبير خلقه، وفي إيصال المنافع الدينية والدنيوية اليهم " خبيرا " اي عالما بما يكون منهم، وبما يصلحهم وبما يفسدهم، وأمرهم بأن يفعلوا ما فيه صلاحهم واجتناب ما فيه فسادهم.

ثم اخبر تعالى ب‍ " إن المسلمين والمسلمات " وهم الذين استسلموا لاوامر الله وانقادوا له، وأظهروا الشهادتين، وعملوا بموجبه " والمؤمنين والمؤمنات " فالاسلام والايمان واحد، عند اكثر المفسرين، وإنما كرر لاختلاف اللفظين.

وفي الناس من قال: المؤمن هو الذي فعل جميع الواجبات، وانتهى عن جميع المقبحات، والمسلم هو الملتزم لشرائط الاسلام المستسلم لها و " القانتين والقانتات " يعني الدائمين على الاعمال الصالحات " والصادقين " في اقوالهم " والصادقات " مثل ذات " والصابرين والصابرات " على طاعة الله وعلى ما يبتليهم لله من المصائب وما يأمرهم به من الجهاد في سبيله " والخاشعين " يعني المتواضعين غير المتكبرين " والخاشعات " مثل ذلك " والمتصدقين " يعني الذين يخرجون الصدقات والزكوات " والمتصدقات " مثل ذلك " والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم " من الزنا وإتكاب انواع الفجور والحافظات " فروجهن

[342]

وحذف من الثاني لدلالة الكلام عليه " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " الله كثيرا، وحذف مثل ما قلناه. ثم قال " اعد الله لهم " يعني من قدم ذكرهم ووصفهم " مغفرة واجرا عظيما " يعني ثوابا جزيلا. لا يوازيه شئ. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ان أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال يذكرون في القرآن ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية. فلذلك قال " ان المسلمين والمسلمات " وإن كن المسلمات داخلات في قوله " المسلمين " تغليبا للمذكر فذكرهن بلفظ يخصهن إزالة للشبهة.

الآية: 36 - 73

قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا(36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشيه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا(37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلو من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا(38) ألذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا(39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما(40))

خمس آيات.

[343]

قرأ اهل الكوفة " ان يكون لهم الخيرة " بالياء، لان التأنيث غير حقيقي. الباقون بالتاء لتأنيث الخيرة. والخيرة جمع خير وحكي خيرة بفتح الياء وسكونها وقرأ عاصم " وخاتم " بفتح التاء. الباقون بكسرها. وهو الاقوى، لانه مشتق من ختم، فهو خاتم.

وقال الحسن: خاتم وهو الذي ختم به الانبياء. وقيل: هما لغتان - فتح التاء وكسرها - وفيه لغة ثالثة (خاتام) وقرئ به في الشواذ. وحكي ايضا (ختام). وروي عن ابن عباس، وذهب اليه مجاهد، وقتادة أنه نزل قوله " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة.... " الآية، في زينب بنت جحش، لما خطبها رسول الله صلى الله عليه واله لزيد بن حارثة فامتنعت لنسبها من قريش وإن زيدا كان عبدا، فأنزل الله الآية فرضيت به.

وقال ابن زيد: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة ابن ابي معيط، وكانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه واله فزوجها زيد بن حارثة.

بين الله تعالى في هذه الآية انه لم يكن " لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا " بمعنى إلزاما وحكما " أن يكون لهم الخيرة " اي ليس لهم ان يتخيروا مع امر الله بشئ يترك به ما امر به إلى ما لم يأذن فيه. والخيرة إرادة اختيار الشئ على غيره. وفي ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة في القضاء والقدر، لانه لو كان الله تعالى قضى المعاصي لم يكن لاحد الخيرة، ولوجب

[344]

عليه الوفاء به. ومن خالف في ذلك كان عاصيا، وذلك خلاف الاجماع.

ثم قال " ومن يعص الله ورسوله " في ما قضيا به وامرا به وخالفهما " فقد ضل " عن الحق وخاب عنه " ضلالا مبينا " أي ظاهرا. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال واذكر يا محمد حين " تقول للذي انعم الله عليه " يعني بالهداية إلى الايمان " وانعمت عليه " بالعتق " أمسك عليك زوجك " اي احبسها، ولا تطلقها، لان زيدا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله مخاصما زوجته زينب بنت جحش على ان يطلقها، فوعظه النبي صلى الله عليه واله، وقال له: لا تطلقها وامسكها " واتق الله " في مفارقتها " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " فالذي اخفى في نفسه انه إن طلقها زيد تزوجها وخشي من إظهار هذا للناس، وكان الله تعالى امره بتزوجها إذا طلقها زيد، فقال الله تعالى له ان تركت إظهار هذا خشية الناس فترك اضماره خشية الله احق وأولى.

وقال الحسن: معناه وتخشى عيب الناس. وروي عن عائشة انها قالت لو كتم رسول الله صلى الله عليه واله شيئا من الوحي لكتم " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه " وقيل: إن زيدا لما جاء مخاصما زوجته، فرآها النبي صلى الله عليه واله استحسنها وتمنى ان يفارقها زيد حتى يتزوجها، فكتم. قال البلخي: وهذا جائز، لان هذا التمني هو ما طبع الله عليه البشر، فلا شئ على احد إذا تمنى شيئا استحسنه.

ثم قال تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) * فالوطر الارب والحاجة وقضاء الشهوة يقال: لي في هذا وطر، أي حاجة وشهوة، قال الشاعر:

ودعني قبل ان اودعه * لما قضى من شبابنا وطرا(1)

وقال آخر:

___________________________________

(1) مجاز القرآن 2 / 160

[345]

وكيف ثواي بالمدينة بعدما * قضى وطرا منها جميل بن معمر

وقوله * (زوجناكها) * يعني لما طلق زيد إمرأته زينب بنت جحش اذن الله تعالى لنبيه في تزويجها، واراد بذلك نسخ ما كان عليه اهل الجاهلية من تحريم زوجة الدعي على ما بيناه، وهو قوله * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * اي اثم في أزواج ادعيائهم أن يتزوجوهن * (إذا قضوا) * الادعياء * (منهن وطرا) * وفارقوهن، فبين الله تعالى ان الغرض بهذا ان لا يكون المتبنى به إذا طلق المرأة يجري مجرى تحريم إمراة الابن إذا طلقت او مات عنها الابن.

وقوله * (وكان امر الله مفعولا) * معناه وكان تزويج النبي صلى الله عليه واله زينب بنت جحش كائنا لا محالة. واستدل بقوله * (وكان أمر الله مفعولا) * على حدوث كلام الله، لان الله تعالى قص كلامه. وقد بين أنه مفعول، والمفعول والمحدث واحد.

ثم قال تعالى * (ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له) * أي لم يكن عليه إثم في ما قدره الله أن يتزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد، وإن كان دعيا له، وفي جمعه بين التسع.

وقال * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) * أي ما أمرنا به محمدا من هذه السنن والعادات مثل سنة من تقدم من الانبياء، وما أمرهم الله تعالى به. لانه تعالى أباح لكل نبي شيئا خصه به ورفع به شأنه من بين سائر الامم * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) * فالقدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان، قال الشاعر:

واعلم بان ذا الجلال قد قدر * في الصحف الاولى التي كان سطر(1)

___________________________________

(1) مر تخريجه في 6 / 492

[346]

وقوله * (الذين يبلغون رسالات الله) * ولا يكتمونها بل يؤدونها إلى من بعثوا اليهم * (ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) * أي لا يخافون سوى الله احدا وقوله * (وكفى بالله حسيبا) * أي كافيا ومجازيا.

ثم قال * (ما كان محمد أبا احد من رجالكم) * نزلت في زيد بن حارثة لانهم كانوا يسمونه: زيد بن محمد، فبين الله تعالى ان النبي ليس ب‍ (أب احد) منهم من الرجال وإنما هو ابوالقاسم والطيب والمطهر وإبراهيم، وكلهم درجوا في الصغر. ذكره قتادة. ثم قال * (ولكن) * كان * (رسول الله) * ونصب باضمار (كان) وتقديره ولكن كان رسول الله صلى الله عليه واله، وروى عبدالوارث عن ابي عمرو * (ولكن) * بالتشديد * (رسول الله) * نصب ب‍ (لكن) * (وخاتم النبيين) * أي آخرهم، لانه لا نبي بعده إلى يوم القيامة * (وكان الله بكل شئ عليما) * أي عالما لا يخفى عليه شئ مما يصلح العباد.

وقيل إنما ذكر * (وخاتم النبيين) * ههنا، لان المعنى أن من لا يصلح بهذا النبي الذي هو آخر الانبياء، فهو مأيوس من صلاحه من حيث انه ليس بعده نبي يصلح به الخلق. ومن استدل بهذه الآية، وهي قوله * (ما كان محمد أبا احد من رجالكم) * على انه لم يكن الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه، فقد أبعد، لان الحسن والحسين كانا طفلين، كما انه كان أبا إبراهيم وإنما بقي أن لا يكون أبا للرجال البالغين.

[347]

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا(41) وسبحوه بكرة وأصيلا(42) هو الذي يصلي عليكم وملئكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما(43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما(44) يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا(45) وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا(46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا(47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذيهم توكل على الله وكفى بالله وكيلا(48))

ثمان آيات.

هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بصدق أنبيائه، يأمرهم بأن يذكروا الله ذكرا كثيرا، والذكر الكثير أن نذكره بصفاته التي يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، وننزهه عما لا يليق به.

وروي في اخبارنا أن من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ثلاثين مرة، فقد ذكر الله كثيرا، وكل صفة لله تعالى فهى صفة تعظيم، وإذا ذكر بأنه شئ وجب أن يقال: إنه شئ لا كالاشياء، وكذلك احد ليس كمثله شئ وكذلك القديم هو الاول قبل كل شئ، والباقي بعد فناء كل شئ.

ولا يجوز أن يذكر بفعل ليس فيه تعظيم، لان جميع ما يفعله يستحق به الحمد والوصف بالجميل على جهة التعظيم، مثل الذكر بالغنى والكرم بما يوجب اتساع النعم، والذكر احضار معنى الصفة للنفس إما بايجاد المعنى في النفس ابتداء من غير طلب. والآخر بالطلب من جهة الفكر. والذكر قد يجامع العلم، وقد يجامع الشك. والعلم لا يجامع الشك في الشئ على وجه واحد. والذكر أيضا يضاد السهو، ولا يضاد الشك، كما يضاده العلم.

وقوله * (وسبحوه بكرة واصيلا) * أمر لهم بأن ينزهوا الله تعالى عن كل قبيح وجميع ما لا يليق به، بالغداة

[348]

والعشي: قال قتادة: يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، والاصيل العشي وجمعه أصائل، ويقال اصل وآصال، وهو اصل الليل أي اوله ومبدؤه، وقوله * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) * يترحم عليكم بايجاب الرحمه، ويصلي عليكم الملائكة بالدعاء والاستغفار، فالاول كالدعاء، والثاني دعاء.

وقيل: معناه يثني عليكم بطريقة الدعاء، كقوله عليك رحمتي ومغفرتي.

وقيل: معناه هو الذي يوجب عليكم الصلاة، وهي الدعاء بالخير، ويوجبه الملائكة بفعل الدعاء، وهذا مما يختلف فيه معنى صفة الله تعالى وصفة العباد، كتواب بمعنى كثير القبول للتوبة وتواب بمعنى كثير فعل التوبة.

وقال الاعشى:

عليك مثل الذي صليت فاعتصمي * يوما فان لجنب المرئ مضطجعا(1)

فمن رفع (مثل) فانما دعا لها مثل ما دعت له. ومن نصب أمرها بأن تزداد من الدعاء أي عليك بمثل ما قلت.

وقوله * (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) * معناه ليخرجكم من الجهل بالله إلى معرفته، فشبه الجهل بالظلمات، والمعرفة بالنور، وانما شبه العلم بالنور، لانه يقود إلى الجنة، فهو كالنور. والكفر يقود إلى النار - نعوذ بالله منها - وقال ابن زيد: معناه ليخرجكم من الضلالة إلى الهدى. ثم اخبر تعالى انه * (كان بالمؤمنين رحيما) * حين قبل توبتهم وخلصهم من العقاب إلى الثواب بما لطف لهم في فعله.

وقوله * (تحيتهم يوم يلقونه سلام " أي يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الافات والفوز بنعيم ثواب الله. ولقاء الله لقاء ثوابه لا رؤيته، لانه بمنزلة قوله

___________________________________

(1) ديوانه (دار بيروت) 106 وقد مر في 5 / 331 من هذا الكتاب

[349]

* (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه) *(1) وبمنزلة قول النبي صلى الله عليه وآله (من حلف على يمين كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ولا خلاف أن هؤلاء لا يرون الله.

وقوله * (وأعد لهم أجرا كريما) * أي ثوابا جزيلا. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال * (يا ايها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) * أي شاهدا على أمتك في ما يفعلونه من طاعة الله او معصيته او إيمان به او كفر، لتشهد لهم يوم القيامة او عليهم، فأجازيهم بحسبه، ومبشرا لهم بالجنة وثواب الابد إن أطاعوني واجتنبوا معصيتي.

* (ونذيرا) * أي مخوفا من النار وعقاب الابد بارتكاب المعاصي وترك الواجبات * (وداعيا) * اي وبعثناك داعيا لهم تدعوهم * (إلى الله باذنه) * والاقرار بوحدانيته وأمتثال ما امرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه * (وسراجا منيرا) * أي انت بمنزلة السراج الذي يهتدي به الخلق. والمنير هو الذي يصدر النور من جهته إما بفعله، وإما لانه سبب له، فالقمر منير، والسراج منير بهذا المعنى، والله منير السموات والارض.

وقال الزجاج * (وداعيا إلى الله باذنه وسراجا) * وبعثناك ذا سراج، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وأراد بالسراج القرآن الذي يحتاجون إلى العمل به.

ثم امر نبيه صلى الله عليه واله بأن * (يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) * أي زيادة على ما يستحقونه من الثواب كثيرا، ثم نهاه عن طاعة الكفار الجاحدين لله والمنكرين لنبوته فقال * (ولا تطع الكافرين) * الذين يتظاهرون بالكفر، ولا " المنافقين " الذين يظهرون الاسلام، ويبطنون الكفر، ولا تساعدهم على ما يردونه * (ودع أذاهم) * أي اعرض عن اذاهم.

فانا اكفيك أمرهم إذا توكلت علي، وعملت بطاعتي فان جميعهم في سلطاني بمنزلة ما هو في قبضة غيري.

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 78

[350]

ثم قال * (وتوكل على الله) أي اسند أمرك اليه واكتف به * (وكفى بالله وكيلا) * اي كافيا ومتكفلا ما يسنده اليه.

وقوله * (وشاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا، وسراجا) * كل ذلك نصب على الحال.

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا(49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما(50))

آيتان.

قرأ حمزة والكسائي * (تماسوهن) * بألف. الباقون بلا الف. وقد مضى تفسيره في البقرة(1).

___________________________________

(1) انظر 2 / 268 - 272

[351]

خاطب الله نبيه بأنه إذا نكح واحد من من المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه مؤمنة نكاحا صحيحا، ثم طلقها قبل ان يمسها بمعنى قبل ان يدخل بها بأنه لا عدة عليها منه، ويجوز لها أن تتزوج بغيره في الحال. وأمرهم أن يمتعوها ويسرحوها سراحا جميلا، إلى بيت أهلها. وهذه المتعة واجبة إن كان لم يسم لها مهرا وإن كان سمى لها مهر الزمه نصف المهر، ويستحب المتعة مع ذلك، وفيه خلاف.

وقال ابن عباس: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا نصف المهر، وإن لم يكن سمى لها صداقا متعها على قدر عسره او يسره وهو السراح الجميل. وهذا مثل قولنا سواء.

وحكي عن ابن عباس أن هذه الآية نسخت بايجاب المهر المذكور في البقرة(1) ومثله روي عن سعيد بن المسيب والصحيح الاول.

ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال * (يا ايها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن) * يعني مهورهن، لان النكاح لا ينفك من المهر واحللنا لك ما ملكت من الاماء أن تجمع منهن ما شئت * (مما افاء الله عليك) * من الغنائم والانفال * (وبنات عمك) * أي واحللنا لك بنات عمك * (وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك) * أن تعقد عليهن وتعطيهن مهورهن.

ثم قال * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * فالقراء كلهم على كسر (ان) على انه شرط، وقرأ الحسن بفتحها على انه بمعنى احللنا لك لان وهبت، والمعنى واحد، لانه بمنزلة قولك سرني إن ملكت وسرني أن ملكت أي سرني ما ملكت * (إن أراد النبي) * واحللنا لك المرأة إذا وهبت نفسها لك إن أردتها ورغبت فيها.

فروي عن ابن عباس انه لا تحل امرأة بغير مهر وإن وهبت نفسها إلا للنبي صلى الله عليه واله خاصة.

___________________________________

(1) انظر 2 / 272

[352]

وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي امرأة وهبت نفسها له، وفي رواية أخرى عن ابن عباس انه كانت عنده ميمونة بنت الحارث بلا مهر وكانت وهبت نفسها للنبي.

وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنها امرأة من بني اسد يقال لها أم شريك.

وقال الشعبي: هي امرأة من الانصار.

وقيل زينب بنت خزيمة من الانصار. وعندنا أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه واله خاصة.

وقال قوم: يصح غير انه يلزم المهر إذا دخل بها، وإنما جاز بلا مهر للنبي صلى الله عليه واله خاصة غير انه يبين حجة ما قلناه.

قوله * (إن اراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) * فبين أن هذا الضرب من النكاح خاص له دون غيره من المؤمنين.

وقوله * (قد علمنا ما فرضنا عليهم) * يعني على المؤمنين * (في أزواجهم) * قال قتادة: معناه أي لا نكاح الا بولي وشاهدين وصداق وألا يتجاوز الاربع.

وقال مجاهد: ما فرضنا عليهم ألا يتزوجوا اكثر من أربع.

وقال قوم * (ما فرضنا عليهم في أزواجهم) * من النفقة والقسمة وغير ذلك. وعندنا أن الشاهدين ليسا من شرط صحة انعقاد العقد، ولا الولي إذا كانت المرأة بالغة رشيدة، لانها ولية نفسها. والمعنى على مذهبنا إنا قد علمنا ما فرضنا على الازواج من مهرهن ونفقتهن وغير ذلك ومن الحقوق مع * (ما ملكت أيمانهم) * (ما) في موضع جر لانها عطف على (في) وتقديره: في أزواجهم وفي ما ملكت أيمانهم * (لكيلا يكون عليك حرج) * إذا تزوجت المرأة بغير مهر إذا وهبت لك نفسها وأردتها.

ثم قال * (وكان الله غفورا رحيما) * أي ساترا للذنب على المسيئين رحيما بهم ومنعما عليهم.

[353]

قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقرأ عينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما(51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا(52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فاذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما(53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما(54) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا(55))

خمس آيات.

[354]

قرأ ابن كثير وابوعمرو وابن عامر وابوبكر عن عاصم * (ترجئ) * مهموزة. الباقون بغير همز. من همز خففها ومن ترك الهمز لين، وهما لغتان يقال: أرجئت وأرجيت.

وقرأ ابوعمرو وحده * (لا تحل) * بالتاء. الباقون بالياء.

فمن قرأ بالتاء، فلان النساء مؤنثة. ومن قرأ بالياء حمله على اللفظ لان المعنى: لا يحل لك شئ من النساء. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يخيره في نسائه بين أن يرجئ منهن من شاء أي تؤخر وتبعد.

قال ابن عباس: خيره الله بين طلاقهن وإمساكهن.

وقال قوم: معناه تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك.

وقال مجاهد: معناه تعزل من شئت من نسائك فلا تأتيها وتأتي من شئت من نسائك فلا تقسم لها، فعلى هذا يكون القسم ساقطا عنه فكان ممن أرجى ميمونه وأم حبيبة وصفية وسودة، فكان يقسم لهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن يأوي عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان يقسم نفسه وماله بينهن بالسوية.

وقال زيد بن اسلم: نزلت في اللاتي وهبن انفسهن فقال الله له تزوج من شئت منهن واترك من شئت، وهو اختيار الطبري وهو أليق بما تقدم.

[355]

فالارجاء هو التأخير وهو من تبعيد وقت الشئ عن وقت غيره ومنه الارجاء في فساق أهل الصلاة، وهو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله * (وتؤوي منهن من تشاء) * فالايواء: ضم القادر غيره من الاحياء الذين من جنس ما يعقل إلى غيره أو ناحيته، تقول آويت الانسان آويه إيواء وأوى هو يأوي أويا إذا انضم إلى مأواه.

وقوله * (ومن ابتغيت) * يعني من طلبت * (ممن عزلت) * قال قتادة: كان نبي الله يقسم بين أزواجه فأحل الله تعالى له ترك ذلك. وقيل * (ومن ابتغيت) * اصابته ممن كنت عزلت عن ذلك من نسائك.

وقال الحسن * (ترجي من تشاء منهن) * تذكر المرأة للتزويج ثم ترجيها فلا تتزوجها * (فلا جناح عليك) * أي لا جناح عليك في ابتغاء من شئت وإرجاء من عزلت وإيواء من شئت * (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن) * أي اقرب إذا علمن أن الرخصة من قبل الله كان ذلك اقر لعينهن، وإنهن لا يطلقن وأشد لسرورهن وهو قول قتادة.

وقيل * (ذلك أدنى ان تقر أعينهن) * إذا طمعت في ردها إلى فراشها بعد عزلها * (ويرضين بما آتيتهن كلهن) * رفع (كلهن) على تأكيد الضمير وهو النون في (يرضين) لا يجوز غير ذلك، لان المعنى عليه. ثم قال * (والله يعلم ما في قلوبكم) * من الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض * (وكان الله عليما) * بذلك * (حليما) * عن ان يعاجل أحدا بالعقوبة.

وقوله * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن) * قال ابن عباس والحسن: بعد التسع اللاتي كن عنده واخترنه مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله.

وقال ابي بن كعب لا يحل لك من بعد أي حرم عليك ما عدا اللواتي ذكرن بالتحليل في " إنا احللنا لك.... " الآية. وهن ست أجناس النساء اللاتي هاجرن معك وإعطائهن مهورهن وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله

[356]

وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ومن وهبت نفسها له بجميع ما شاء من العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء.

وقال مجاهد: " لا يحل لك النساء " من أهل الكتاب ويحل لك المسلمات. وروى أن حكم هذه الآية نسخ، وأبيح له ما شاء من النساء أي أي جنس أراد، وكم أراد، فروي عن عائشة انها قالت: لم يخرج النبي صلى الله عليه واله من دار الدنيا حتى حلل الله له ما أراد من النساء، وهو مذهب اكثر الفقهاء.

وهو المروي عن أصحابنا في أخبارنا. " ولا ان تبدل بهن من أزواج " قال ابن زيد: معناه أن تعطي زوجتك لغيرك وتأخذ زوجته. لان أهل الجاهلية كانوا يتبادلون الزوجات.

وقيل: معناه تطلق واحدة وتتزوج أخرى بعدها " ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك " استثناء الاماء أي اللاتي تملكهن من جملة ما حرم عليه من النساء " وكان الله على كل شئ رقيبا " أي عالما حافظا، فالرقيب الحفيظ - في قول الحسن وقتادة - قال الشاعر: لواحد الرقباء للضرباء ايديهم نواهد(1) ثم خاطب المؤمنين فقال " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " نهاهم عن دخول دور النبي بغير اذن " إلى طعام غير ناظرين إناه " أي بلوغه، وكان يداريهم، وهو نصب على الحال، يقال في الطعام: أناى يأني إذا بلغ حال النضج، قال الشاعر [ الشيباني ].

تمخضت المنون له بيوم * اني ولكل حادثة تمام(2)

وقال الحطيئة:

___________________________________

(1) مجاز القرآن 2 / 140.

(2) تفسير القرطبي 14 / 226

[357]

وأخرت العشاء إلى سبيل * او الشعري فطال بي الاناء(1)

وقال البصريون: لا يجوز (غير ناظرين) بالجر على صفة (طعام) لان الصفة إذا جرت على غير من هي له لم يضمر الضمير، واجاز ذلك الفراء وانشد الاعشى: فقلت له هذه هاتها. الينا بأدماء مقتادها(2). والمعنى على يدي من اقتادها، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، أي انت.

وقال الزجاج: لو جر (غير) لقال: إلى طعام غير ناظرين إناه انتم، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى غير منتظرين بلوغ الطعام.

ثم قال " ولكن إذا دعيتم فادخلوا " والمعنى إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا " فاذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث " أي تفرقوا ولا تقيموا ولا تستأنسوا بطول الحديث، وإنما منعوا من الاستئناس من اجل طول الحديث لان الجلوس يقتضي ذلك، والاستئناس هو ضد الاستيحاش، والانس ضد الوحشة، وبين تعالى فقال " لان ذلك " الاستئناس بطول الجلوس " كان يؤذي النبي فيستحيي منكم " أي من الحاضرين، فيسكت على مضض ومشقة " والله لا يستحيي من الحق " ثم قال " وإذا سألتموهن متاعا " يعني إذا سألتم أزواج النبي شيئا تحتاجون اليه " فاسألوهن من وراء حجاب " وستر " ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن " من الميل إلى الفجور.

ثم قال " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " قال ابوعبيدة (كان) زائدة والمعنى ليس " لكم ان تؤذوا رسول الله " بطول الجلوس عنده، ومكالمة نسائه

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 14 / 226.

(2) ديوانه (دار بيروت) روايته:

فقلنا له هذه هاتها * بأدماء في حبل مقتادها

[358]

" ولا " يحل لكم ايضا " أن تنكحوا أزواجه من بعده ابدا " لانهن صرن بمنزلة أمهاتكم في التحريم.

وقال السدي: لما نزل الحجاب قال رجل من بني تيم أنحجب من بنات عمنا إن مات عرسنابهن، فنزل قوله " ولا أن تنكحوا ازواجه من بعده ابدا إن ذلكم " إن فعلتموه " كان عند الله عظيما ".

ثم قال لهم " إن تبدوا شيئا " أي إن اظهرتموه من مواقعة النساء " او تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما " لا يخفى عليه شئ من أعمالكم لا ظاهرة ولا باطنة.

ثم استثنى لازواج النبي صلى الله عليه واله من يجوز لها محادثتم ومكالمتهم، فقال " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن " ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام، لان قرباتهم واحدة، لانهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه، فهن محرم لهن " ولا نسائهن ولا ما ملكت ايمانهن " قال قوم: من النساء والرجال.

وقال آخرون من النساء خاصة. وهو الاصح.

وقال مجاهد: رفع الجناح - ههنا - في وضع الجلباب للمذكورين.

وقال قتادة: في ترك الاحتجاب، ثم أمرهن بأن يتقين الله ويتركن معاصيه فقال " واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا " أي عالما لا يخفى عليه شئ من ذلك.

وقال الشعبي وعكرمة: وإنما لم يذكر العم والخال، لئلا ينعتاهن لابنائهما.

وكان سبب نزول الآية لما نزل الحجاب، قوله " فاسألوهن من وراء حجاب " قال آباء النساء وابناؤهن: ونحن ايضا مثل ذلك، فانزل الله الآية وبين أن حكم هؤلاء بخلاف حكم الاجانب.

[359]

قوله تعالى: (إن الله وملئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما(56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا(57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا(58) يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما(59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا(60))

خمس آيات

يقول الله تعالى مخبرا انه يصلي وملائكته على النبي صلى الله عليه واله وصلاة الله تعالى هو ما فعله به من كراماته وتفضيله وإعلاء درجاته ورفع منازله وثنائه عليه وغير ذلك من انواع إكرامه. وصلاة الملائكة عليه مسألتهم الله تعالى أن يفعل به مثل ذلك، وزعم بعضهم أن " يصلون " فيه ضمير الملائكة دون اسم الله مع إقراره بأن الله سبحانه يصلي على النبي لكنه يذهب في ذلك إلى انه في افراده بالذكر تعظيما، ذكره الجبائي.

[360]

ثم امر تعالى المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه أن يصلوا ايضا عليه، وهو أن يقولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل إبراهيم - في قول ابن عباس. ثم أمر المؤمنين أيضا، ان يسلموا لامره تعالى وأمر رسوله تسليما، في جميع ما يأمرهم به. والتسليم هو الدعاء بالسلامة كقولهم سلمك الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكقولك: السلام عليك يا رسول الله.

ثم اخبر تعالى " ان الذين يؤذون الله ورسوله " وأذى الله يقال هو اذى أوليائه، وانما أضافه إلى نفسه تعظيما لاوليائه ومبالغة في عظم المعصية به " لعنهم الله " أي يستحقون اللعنة من الله، لان معنى " لعنهم الله " أي حل بهم وبال اللعن بالابعاد من رحمة الله. وقول القائل: لعن الله فلانا معناه الدعاء عليه بالابعاد من رحمته.

وقوله " في الدنيا والآخرة " أي هم مبعدون من رحمته تعال في الدنيا والآخرة، ومع ذلك " اعد لهم " في الآخرة " عذابا مهينا " اي مذلا لهم. والهوان الاحتقار، يقال: اهانه اهانة، وإنما وصف العذاب بأنه مهبن، لانه تعالى يهين الكافرين والفاسقين به، حتى يظهر الذلة فيه عند العقاب.

ثم قال " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " يعني يؤذونهم من غير استحقاق على شئ فعلوه يستوجبون به ذلك " فقد احتملوا بهتانا.... ". وكان سبب نزول الآية ان قوما من الزناة كانوا يمشون في الطرقات فاذا رأوا امرأة غمزوها.

وقال النقاش: نزلت في قوم كانوا يؤذون عليا عليه السلام وقيل: نزلت في من تكلم في عائشة في قصة الافك.

[361]

وقوله " فقد احتملوا بهتانا " اي كذبا " واثما مبينا " اي ظاهرا - ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله يقوله " يا ايها النبي " وامره بأن يقول لازواجه وبناته ونساء المؤمنين، ويأمرهم بأن يدنين عليهم من جلابيبهن، قالجلابيب جمع جلباب وهو خمار المرأة وهي المقنعة تغطي جبيتها ورأسها إذا خرجت لحاجة بخلاف خروج الاماء اللاتي يخرجن مكشفات الرؤس والجباه - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال الحسن: الجلابيب الملاحف تدينها المرأة على وجهها " ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " ثم قال " وكان الله غفورا رحيما " اي ستار الذنوب على عباده " رحيما " بهم.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " لئن لم ينته المنافقون " أي لئن لم يرجعوا " والذين في قلوبهم مرض " اي شك ونفاق.

وقيل: شهوة الزنا " والمرجفون في المدينة " فالارجاف اشاعة الباطل للاعتمام به. والمرجفون هم الذين كانوا يطرحون الاخبار الكاذبة بما يشغلون به قلوب المؤمنين " لنغرينك بهم " يا محمد، والاغراء الدعاء إلى تناول الشئ بالتحريض عليه اغراه يغريه إغراء وغري به يغرى مثل اولع به كأنه أخذ بلزومه.

وقيل: معناه لسنلطنك عليهم - في قول ابن عباس -.

وقوله " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " يعني ينفون عن المدينة ولا يجاورونك يا محمد فيها.

[362]

قوله تعالى: (ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا(61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا(62) يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا(63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا(64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا(65))

خمس آيات.

لما أخبر الله تعالى، وتوعد " المنافقين والذين في قلوبهم مرض " أي شك " والمرجفون في المدينة " بما يشغل قلوب المؤمنين وأنهم إن لم يتوبوا عن ذلك نفوا عنها، وصفهم بانهم " ملعونين " أي مبعدون " أينما ثقفوا " ونصب (ملعونين) على الحال من الضمير في قوله " يجاورونك " وقيل: انه نصب على الذم، والصفة ل‍ (قليلا)، كأنه قال: إلا أذلاء ملعونين، (وأينما) منصوب ب‍ (ثقفوا)، وانجزم به (ثقفوا) على طريق الجزاء. وإنما جاز ذلك، لان الجازم في الاصل (إن) المحذوفة. وصار (أينما) تقوم مقامها، وتغني عنها ولا يجوز ان يعمل فيه (اخذوا) لانه جواب الجزاء، ولا يعمل الجواب فيها قبل الشرط، لئلا يختلط احد الامرين بالآخر. وفي الآية دلالة على انهم انتهوا، وإلا كان يوقع الاغراء بهم ويجعلهم بالصفة التي ذكرها.

وقوله " سنة الله التي قد خلت من قبل " فالسنة الطريقة في تدبير الحكيم ومنه سنة رسول الله، وهي الطريقة التي أجراها بأمر الله تعالى، فأضيفت اليه

[363]

لانه فعلها بأمر الله. واصل السنة الطريقة. ومن عمل الشئ مرة أو مرتين لا يقال: إن ذلك سنة، لان السنة الطريقة الجارية، ولا تكون جارية بمالا يعتد به من العمل القليل، وسنة الله في المتمردين في الكفر - الذين لا يقلع احد منهم ولا من نسلهم - الاهلاك في العذاب في الدنيا والآخرة.

وقوله " ولن تجد لسنة الله تبديلا " معناه إن السنة التي اراد الله أن يسنها في عباده لا يتهيأ لاحد تغييرها، ولا قلبها عن وجهها لانه تعالى القادر الذي لا يتهيأ لاحد منعه مما اراد فعله.

ثم قال " يسألك الناس عن الساعة " يعني عن يوم القيامة " قل " لهم " انما علمها عند الله " لا يعلمها أحد غيره " وما يدريك " يا محمد " لعل الساعة تكون قريبا " مجيئها.

ثم قال تعالى مخبرا " إن الله لعن الكافرين " يعني أبعدهم من رحمته " وأعد لهم سعيرا " يعني النار التي تستعر وتلتهب " خالدين فيها أبدا " أي مؤبدين فيها لا يخرجون منها " ولا يجدون وليا " ينصرهم من دون الله " ولا نصيرا " يدفع عنهم. واستدل قوم بذلك على النار أنها مخلوقة الآن، لان مالا يكون مخلوقا لا يكون معدا. وهذا ضعيف، لانه يجوز أن يكون المراد إن الجنة والنار معدتان في الحكم كائنتان لا محالة، فلا يمكن الاعتماد على ذلك.

[364]

قوله تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا(66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيلا(67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا(68) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها(69))

آيات أربع.

قرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بألف بعد الدال. الباقون بغير الف على جمع التكسير، والاول على جمع الجمع، وقرأ عاصم وابن عامر - في رواية الداحوني عن هشام " لعنا كبيرا " بالباء. بالباقون بالثاء.

العامل في قوله " يوم تقلب " قوله " واعد لهم سعيرا... يوم تقلب وجوههم " فالتقليب تصريف الشئ في الجهات، ومثله التنقيل من جهة إلى جهة فهؤلاء تقلب وجوههم في النار، لانه ابلغ في ما يصل اليهم من العذاب.

وقوله " يقولون يا ليتنا اطعنا الله واطعنا الرسولا " حكاية ما يقول هؤلاء الكفار الذين تقلب وجوههم في النار، فانهم يقولون متمنين: يا ليتنا كنا اطعنا الله في ما امرنا به ونهانا عنه، ويا ليتنا أطعنا الرسول في ما دعانا اليه.

وحكى ايضا انهم يقولون يا " ربنا إنا اطعنا " في ما فعلنا " سادتنا وكبراء‌نا " والسادة جمع سيد، وهو الملك المعظم الذي يملك تدبير السواد الاعظم، ويقال للجمع الاكثر السواد الاعظم يراد به السواد المنافي لشدة البياض والضياء الاعظم " فأضلونا السبيلا " يعني هؤلاء الرؤساء اضلونا عن سبيل الحق.

وقيل الآية نزلت في الاثنى عشر الذين أطعموا الكفار يوم بدر من قريش. ثم حكى انهم يقولون " ربنا آتهم ضعفين من العذاب " لضلالهم في نفوسهم وإضلالهم إيانا.

[365]

وقيل معناه عذاب الدنيا والآخرة " والعنهم لعنا كثيرا " أي مرة بعد اخرى. ومن قرأ بالباء اراد اللعن الذي هو اكبر من لعن الفاسق، لان لعنة الكافر أعظم.

ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذء‌ا موسى " أي لا تؤذوا نبيكم مثل ما اوذي موسى يعني آذاه قومه بعيب اضافوه اليه لم يقم حجة بتعييبه.

وقيل: إن الآية نزلت في المنافقين عابوا النبي صلى الله عليه واله باصطفائه صفيه بنت حي، فنهاهم الله عن ذلك. واختلف المفسرون في العيب الذي اضافه قوم موسى اليه.

فقال قوم: انهم آذوا موسى بأن اشاعوا أن هارون قتله موسى فأحياه الله - عزوجل - حتى أخبرهم ان موسى لم يقتله وأن الله تعالى هو الذي اماته عند انقضاء أجله، وهو معنى قوله " فبرأه الله مما قالوا " وقيل: انهم قالوا: إنه ابرص.

وقيل: انهم اضافوه إلى انه ادر الخصيتين، فبرأه الله من ذلك، واجاز البلخي حديث الصخرة التي ترك موسى ثيابه عليها على ان يكون ذلك معجزا له.

وقال قوم: ذلك لا يجوز لان فيه اشتهار النبي وابداء سوأته على رؤس الاشهاد. وذلك ينفر عنه، فبرأه الله من ذلك.

وقوله " وكان عند الله وجيها " أي عظيم القدر، رفيع المنزلة إذا سأل الله تعالى شيئا أعطاه. وأثبت الالف في قوله " الرسولا.... والسبيلا " لاجل الفواصل في رؤس الآي تشبيها بالقوافي.

[366]

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا(70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما(71) إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا(72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما(73))

أربع آيات.

امر الله تعالى المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل واجباته وأن يقولوا " قولا سديدا " أي صوابا بريئا من الفساد خالصا من شائب الكذب والتمويه واللغو.

وقوله " يصلح لكم اعمالكم " جزم بأنه جواب للامر، وفيه معنى الجزاء. وتقديره: إن فعلتم ما امرتكم به يصلح لكم اعمالكم. وإصلاحه أعمال العباد أن يلطف لهم فيها حتى تستقيم على الطريقة السليمة من الفساد، وذلك مما لا يصح إلا في صفات الله تعالى، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ العالم الذي لا يخفى عليه شئ " ويغفر لكم ذنوبكم " قيل: إنما وعد الله بغفران الذنوب عند القول السديد، ولم يذكر التوبة، لان التوبة داخلة في الاقوال السديدة، كما يدخل فيه تجنب الكذب في كل الامور فيدخل فيه الدعاء إلى الحق وترك الكفر والهزل واجتناب الكلام القبيح.

[367]

ثم قال " ومن يطع الله ورسوله " في ما أمراه به ونهياه عنه ودعواه اليه " فقد فاز فوزا عظيما " أي افلح فلاحا عظيما، لانه يفوز بالجنة، والثواب الدائم.

وقيل: معناه فقد ظفر بالكرامة من الله والرضوان، وهو الفوز العظيم.

ثم اخبر تعالى بأنه عرض الامانة على السموات والارض، فالامانة هي العقد الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه، وقد عظم الله شأن الامانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها، وهو الذي امر به في اول سورة المائدة وعناه بقوله " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " وقيل في قوله " عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال " مع أن هذه الاشياء جمادات لا يصح تكليفها أقوال: احدها - ان المراد عرضنا على اهل السموات واهل الارض واهل الجبال وثانيها - ان المعني في ذلك تفخيم شأن الامانة وتعظيم حقها، وأن من عظم منزلتها انها لو عرضت على الجبال والسموات والارض مع عظمها، وكانت تعلم بأمرها لاشفقت منها، غير انه خرج مخرج الواقع لانه ابلغ من المقدر.

وقوله " فأبين ان يحملنها " أي منعن ان يحملن الامانة " واشفقن منها " أي خفن من حملها " وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " أي ظلوما لنفسه بارتكاب المعاصي، جهولا بموضع الامانة واستحقاق العقاب على ارتكاب المعاصي وقال ابن عباس: معنى الامانة الطاعة لله، وقيل لها أمانة لان العبد اؤتمن عليها بالتمكين منها ومن تركها.

وقال تعالى " ليبلوكم أيكم احسن عملا "(1) فرغب في الاحسن، وزهد في تركه.

وقيل: من الامانة ان المرأة اؤتمنت على فرجها والرجل على فرجه ان يحفظاهما من الفاحشة.

وقيل: الامانة ما خلق الله تعالى في هذه الاشياء من الدلائل على ربوبيته وظهور ذلك منها، كأنهم أظهروها

___________________________________

(1) سورة 11 هود آية 7

[368]

والانسان جحد ذلك وكفر به. وفائدة هذا العرض إظهار ما يجب من حفظها وعظم المعصية في تضييعها.

وقيل معنى " حملها الانسان " أي خانها، لان من خلق الامانة فقد حملها وكذلك كل من اثم فقد حمل الاثم، كما قال تعالى " وليحملن أثقالهم واثقالا مع اثقالهم "(1) وقال البلخي: يجوز ان يكون معنى العرض والاباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل انما أراد تعالى أن يخبر بعظم شأن الامانة وجلالة قدرها " وفظاعة خيانتها وترك ادائها، وانه لوجد السموات مع عظمها لا تحملها وإن الانسان حملها، وليس الانسان - ههنا - واحدا بعينه، ولا هو المطيع المؤمن، بل هو كل من خان الامانة ولم يرد الحق فيها، وحمل الانسان الامانة هو ضمانة القيام بها وإداء الحق فيها، لان ذلك طاعة منه لله، واتباع لامره والله لا يعتب على طاعته وما امر به ودعا اليه لكن معنى " حملها " انه؟؟؟؟؟؟؟ ثم خانها ولم يؤد الحق فيها، كأن ه حملها فذهب بها واحتمل وزرها، كما يقولون فلان أكل امانته أي خان فيها، والعرب تقول: سألت الربع، وخاطبت الدار فأجابني بكذا، وقالت كذا، وربما قالوا: فلم يجب، وامتنعت من الجواب.

وليس هناك سؤال ولا جواب، وإنما هو اخبار عن الحال التي تدل عليه، وعبر عنه بذكر السؤال والجواب، كما قال تعالى " ائتيا طوعا لو كرها " للسموات والارض " قالتا أتينا طائعين "(2) وهو تعالى لا يخاطب من لا يفهم ولا يعقل، وقال تعالى * (لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا) *(3) ونحن نعلم ان السموات لم تشعر بما كان من

___________________________________

(1) سورة 29 العنكبوت آية 13.

(2) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 12.

(3) سورة 19 مريم آية 91 - 92

[369]

الكفار وانه لا سبيل لها إلى الانفطار في ذات نفسها، ويقول القائل أتيت بكذب لا تحتمله الجبال الراسيات، قال الشاعر:

فقال لي البحر إذ جئته * كيف يجيز ضرير ضريرا

وقال جرير:

لما اتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع(1)

وقال آخر:

فاجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني

فقلت له أين الذين عهدتهم * بجنبيك في حضن وطيب زمان

فقال مضوا فاستودعوني بلادهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان

والتوباد جبل، وقال آخر:

امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني(2)

وقال بعض المحدثين:

يا قصر ويحك هل اوعيت من خبر * فقال هل خبر أنبأ من العبر

قد كان يسكنني قوم ذو خطر * بادوا على الدهر والايام والغير

وقد أتاني وقرب العهد يذكرني * منصور أمتكم في الشوك والشجر

حتى أناخ على بابي فقلت له * أما كفاك الذي نبئت من خبري

إن لا اكن قلته نطقا فقد كتبت * به الحوادث في صخري وفي حجري

خطا قديما جليلا غير ذي عوج * يقرأ بكل لسان ظاهر الاثر

___________________________________

(1) ديوانه 270 وقد مر في 1 / 312، 204 و 7 / 152، 209.

(2) مر في 1 / 431

[370]

فحلني ثم أفناه الزمان ولم يطق * دفاعا لما قد حم من قدر

وكلهم قائل لي أنت لي ولمن * خلفت من ولدي حظرا على البشر

فما تملى بنو الآباء بعدهم * ولا هم سكنوا إلا على غرر

وقد قال بعض الحكماء: سل الارض من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك؟ فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، والعرض على وجوه يقال: عرضت المال والعمل على فلان، فهذا بالقول والخطاب، وعرضت هذا الامر على فكري البارحة، وهذا أمر إن عرض على العقول لم تقبله، ومنه قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون عرضت الحوض على الناقة و (الاباء) على وجوه: فمنه الامتناع وإن لم يكن قصد لذلك، ومنه ألا يصلح لما يريده، تقول: أردت سل سيفي فأبى علي.

وتقول: هذه الارض تأبى الزرع والغرس أي لا تصلح لهما، فعلى هذا يكون معنى قوله " فأبين أن يحملنها " أي لا تصلح لحملها، وليس في طباعها حمل ذلك، لانه لا يصلح لحمل الامانة إلا من كان حيا عالما قادرا سميعا بصيرا. بل لا يلزم أن يكون سميعا بصيرا، وإنما يكفي ان يكون حيا عالما قادرا.

وقال قوم: معناه إنا عرضنا الامانة على أهل السموات وأهل الارض واهل الجبال، كما قال " فما بكت عليهم السماء والارض "(1) يعني اهل السماء واهل الارض، فأبوا حملها على أن يؤدوا حق الله فيها إشفاقا من التقصير في ذلك * (وحملها الانسان) * يعني الكافر جهلا بحق الله واستخفافا بعرضه * (إنه كان ظلوما) * لنفسه * (جهولا) * بما يلزمه القيام بحق الله، وإنما قال * (فأبين) * ولم يقل: فأبوا حملا على اللفظ، ولم يرده إلى معنى الآدميين، كما قال * (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) *(2) وقوله

___________________________________

(1) سورة 44 الدخان آية 29.

(2) سورة 12 يوسف آية 4

[371]

* (فظلت اعناقهم لها خاضعين) *(1) حملا على المعنى دون اللفظ، وكل ذلك واضح بحمد الله.

ثم قال * (ليعذب المنافقين والمنفقات والمشركين والمشركات) * يعني بتضييع الامانة، وقال الحسن وقتادة: كلاهما خانا الامانة * (ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات) * بحفظهما الامانة لانهما كليهما أديا الامانة * (وكان الله غفورا رحيما) * أي ستارا لعيوب خلقه رحيما بهم في اسقاط عقابهم إذا تابوا ورجعوا إلى الطاعة.

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 4

 




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 8824488

  • التاريخ : 11/07/2020 - 19:50

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net