00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الروم 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الثامن )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

30 - سورة الروم

وهي مكية في قول مجاهد وقتادة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

وقال الحسن: كلها مكية إلا قوله * (فسبحانه الله) * إلى قوله * (وحين تظهرون) * وهي ستون آية كوفي وبصري ومدني الاول وشامي. وتسع وخمسون في المدني الاخير والمكي.

بسم الله الرحمن الرحيم

(الم(1) غلبت الروم(2) في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون(3) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون(4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم(5))

خمس آيات كوفي وبصري وشامي، وأربع في ما عداه، عد الكوفيون * (ألم) * وعدوا * (غلبت الروم) * وعد البصري والشامي * (غلبت الروم) *

[228]

وعدوا * (في بضع سنين) * وعد المدني * (غلبت الروم) * وعد * (اسماعيل والمكى غلبت الروم، في بضع سنين) *.

قرأ ابن عمر، وابوسعيد الخدري * (غلبت الروم) * بفتح الغين، فقيل لابن عمر: على أي شئ غلبوا قال على ريف الشام، وهذا غلط، فان عند جميع المفسرين القزاء‌ة بالضم. والسبب في ذلك معروف، وهو ان الروم لما غلبهم فارس فرح مشركوا قريش بذلك من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب، وساء ذلك المسلمين، فأخبر الله تعالى ان الروم وإن غلبهم فارس، فان الروم ستغلب في ما بعد فارس * (في بضع سنين) * أي في ما بين ثلاث سنين إلى عشر، فكان كما اخبر، وكان ذلك معجزة ظاهرة باهرة للنبي صلى الله عليه واله وروي أن جماعة من الصحابة راهنوا أبي بن خلف وقيل: أبا سفيان. إن لم يصح الخبر ووافقوهم على اربع سنين، فلما اخبروا النبي صلى الله عليه واله قال: (زيدوهم في الخطر واستزيدوا في الاجل) ففعلوا، فغلبت الروم لفارس قبل المدة.

اخبر الله تعالى ان الروم غلبت عليها فارس في أدني الارض من أرض الشام إلى ارض فارس، وانهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبون في ما بعد في بضع سنين. وروي عن النبي صلى الله عليه واله ان البضع - ههنا - ما بين الثلاث إلى العشر. وروي ان سبب ذلك ان الروم لما غلبتها فارس فرح المشركون بذلك وقالوا: أهل فارس لا كتاب لهم غلبوا اهل الروم، وهم اهل كتاب، فنحن لا كتاب لنا نغلب محمدا الذي معه كتاب، فانزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي والمؤمنين. وإن الروم وإن غلبها فارس، فانها ستغلب فارس في ما بعد في بضع سنين.

قال ابوسعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي صلى الله عليه واله

[229]

والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم الحديبية.

وقال الفراء: قوله " من بعد غلبهم " تقديره غلبتهم، فخذف الهاء للاضافة.

كما قال " وإقام الصلاة "(1).

قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدران، مثل الحلب والحلبة، والغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر، غلب يغلب فهو غالب وذلك مغلوب، وتغلب تغلبا إذا تعرض للغلبة، غالبه معالبة.

و (الادنى) الاقرب، ونقيض الادنى الاقصى، ونقيض الاقرب الابعد، والمراد أدنى الارض إلى جهة عدوهم. والبضع القطعة من العدد ما بين الثلاث إلى العشر، اشتقاقه من بضعته إذا قطعته تبضيعا، ومنه البضاعة القطعة من المال في التجارة، ومنه البضعة القطعة من البدن، والمبضع، لانه يقطع به العرق. والمباضعة الجماع.

وقال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الاعداد.

ثم اخبر تعالى بأن " لله الامر من قبل ومن بعد " تقديره من بعد غلبهم ومن قبل غلبهم، فقطع عن الاضافة وبني لانه على الغاية وتفسيرها انه ظرف قطع عن الاضافة التي هي غاية، فصار كبعض الاسم، فاستحق البناء وبني على الحركة، لان له اصلا في التمكن يستعمل. وبني على الضمة لانها حركة لا تكون له في حال الاعراب. فهي ادل على البناء.

ثم قال " ويومئذ يفرح المؤمنون " أي يوم يغلب الروم لفارس يسر المؤمنون تفاؤلا بأن يغلبوا هم المشركين. ثم بين بماذا يفرحون، فقال " بنصر الله ينصر من يشاء من عباده وهو العزيز " في انتقامه من اعدائه " الرحيم " إلى من أناب اليه من خلقه.

___________________________________

(1) سورة 24 النور آية 37

[230]

قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون(6) يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون(7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون(8) أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروها أكثر مما عمروها وجاء‌تهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(9) ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن(10))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الحجاز والبصرة والبرجمي، والسموني، والكسائي عن ابي بكر " عاقبة الذين " بالرفع. الباقون بالنصب.

من نصب جعلها خبر (كان) وقدمها على الاسم، واسمها يحتمل ان يكون السوء وتقديره: ثم كان السوء عاقبة الذين. ويحتمل ان يكون ما بعد (أن) في قوله " ان كذبوا ". ومن رفع [ عاقبة ] جعلها اسم (كان) والخبر السوء. ويحتمل ان يكون الخبر

[231]

(ان كذبوا) وتقديره ثم كان عاقبة المسئ التكذيب بآيات الله، أي لم يظفر في شركه وكفره إلا بالتكذيب، ويكون السوء على هذا نصبا على المصدر في قوله " وعد الله " نصب على المصدر، وتقديره: إن ما ذكره الله تعالى من ان الروم ستغلب فارس في ما بعد، وعد وعدا لله لا يخلف وعده، وتقديره وعدا لله وعده كما قال الشاعر:

يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم * إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول(1)

أي ويقولون: قيلهم، والاخلاف فعل خلاف ما تقدم الوعد به، وسبيل الوعد بالخير والوعيد بالشر واحد في انه إذا وقع فيه خلاف ما تضمنه كان خلفا، ثم قال " ولكن اكثر الناس لا يعلمون " صحة ما اخبرناك به لجهلهم بالله وتفريطهم في النظر المؤدي إلى معرفة الله، ولا يناقض قوله " لا يعلمون " لقوله " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " لان ذلك ورد مورد المبالغة لهم بالذم لتضييعهم على ما يلزمهم من أمر الله، كأنهم لا يعلمون شيئا. ثم بين حالهم في ما عقلوا عنه، وما عملوه.

ومعنى " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " أي عمران الدنيا متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يبنون ومن أين يعيشون وهم جهال بأمر الآخرة، وله مضيعون - ذكره ابن عباس - أي عمروا الدنيا واخربوا الآخرة. والظاهر هو الذي يصح ان يدرك من غير كشف عنه. فالله تعالى ظاهر بالادلة. باطن عن حواس خلقه. والامور كلها ظاهرة له، لانه يعلمها من غير كشف عنها ولا دلالة تؤديه اليها.

وكلما يعلم بأوائل العقول ظاهر وكلما يعلم بدليل العقل باطن، لان دليل العقل يجري مجرى الكشف عن صحة المعنى - في صفته - والغفلة ذهاب المعنى عن النفس كحال النائم، ونقيضه اليقظة.

___________________________________

(1) مر هذا البيت في 1 / 300 و 5 / 388

[232]

وهي حضور المعنى للنفس كحال المنتبه. ونقيضه السهو.

ثم قال تعالى منبها لخلقه على وجه الدلالة على توحيده " اولم يتفكروا في انفسهم " فيعلموا ان الله لم يخلق " السموات والارض وما بينهما إلا بالحق " بمعنى الاستدلال بهما على توحيده " واجل مسمى " للاشياء التي للعباد فيها مصلحة بالاعتبار به اذا تصوروا ذلك في الاخبار عنه انه مع كثرته وعظمه محصل بتسمية تنبئ عنه، لا يتأخر ولا يتقدم، بالاوصاف التي ذكرها الله تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شئ منه.

ثم قال " وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون " أي بلقاء ثواب الله وعقابه كافرون. يجحدون صحة ذلك ولا يعترفون به.

ثم قال منبها لهم دفعة أخرى " اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم " من الامم " كانوا اشد منهم قوة وآثاروا الارض " أي حرثوها لعمارتها - في قول مجاهد والسدي - و " عمروها اكثر مما عمروها " هؤلاء يعني أهل مكة " وجاء‌تهم رسلهم بالبينات " يعني أتتهم الرسل بالدلالات من عند الله. وفي الكلام حذف، لان تقديره، فكذبوا بتلك الرسل، وجحدوا الآيات فأهلكهم الله بأنواع العذاب.

ثم قال " فما كان الله ليظلمهم " بأن يهلكهم من غير استحقاق ابتداء، وفي ذلك بطلان قول المجبرة: ان الله يبتدئ خلقه بالهلاك.

ثم قال " ولكن كانوا " هم " انفسهم يظلمون " بأن جحدوا نعم الله واشركوا في العبادة معه غيره، وكذبوا رسله وعصوه بأنواع العصيان، حتى استحقوا العقاب عاجلا وآجلا.

[233]

ثم قال " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء " اخبار منه تعالى بأن عاقبة الذين أساؤا إلى نفوسهم بالكفر بالله تعالى، وتكذيب رسله وارتكاب معاصيه " السوء " وهي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، وهي عذاب النار - في قول ابن عباس وقتادة وغيرهما - " أن كذبوا " ومعناه لان كذبوا " بآيات الله " أي جحدوا أدلنه ولم يؤمنوا بها " وكانوا بها " بتلك الادلة " يستهزؤن " أي يسخرون منها ويتهزؤن بها.

وقيل: معنى الآية أنهم حفروا الانهار وغرسوا الاشجار وشيدوا البنيان وصاروا إلى الهلاك على أسوء حال بالعصيان ولم يفكروا في الموت، وانهم يخرجون من الدنيا ويصيرون إلى الحساب والجزاء.

[234]

قوله تعالى: (ألله يبدؤ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون(11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون(12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاؤا وكانوا بشركائهم كافرين(13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون(14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون(15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فاولئك في العذاب محضرون(16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون(17) وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون(18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون(19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون(20))

عشر آيات بلا خلاف.

قرأ ابوعمرو، وروح ويحيى والعليمي " ثم اليه يرجعون " بالياء على وجه الخبر. الباقون - بالتاء - على الخطاب.

يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده يبدؤهم إبتداء فيوجدهم بعد أن كانوا معدومين على وجه الاختراع ثم يعيدهم أي يميتهم ويفنيهم بعد وجودهم، ثم يعيدهم ثانيا كما بدأهم أولا، ثم يرجعون اليه يوم القيامة ليجازيهم على أفعالهم، على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. واستدل قوم بهذه الآية على صحة الرجعة بأن قالوا " الله يبدؤ الخلق " معناه ابتداء خلقهم " ثم يعيده " إذا أماته في زمان الرجعة " ثم اليه ترجعون " يوم القيامة، وهذا ليس بمعتمد، لان لقائل أن يقول: قوله " ثم يعيده " يجوز أن يكون المراد به احياء‌هم في القبر للمسألة التي لا خلاف فيها " ثم اليه ترجعون " يوم القيامة، فلا يمكن الاعتماد عليه.

و (البدء) أول الفعل وهو على وجهين: احدهما - انه اول الفعل وهو جزء منه مقدم على غيره. والثاني - انه موجود قبل غيره من غير طريق الفعلية، يقال: بدأ يبدؤ بدء‌ا وابتدء يبتدئ ابتداء. والابتداء نقيض الانتهاء، والبدؤ نقيض العود. والخلق - ههنا - بمعنى المخلوق.

[235]

ومثله قوله " هذا خلق الله " وتقول هذا الخلق من الناس، وقد يكون الخلق مصدرا من خلق الله العباد، والخلق كالاحداث والمخلوق كالمحدث.

والاعادة فعل الشئ ثانية. وقولهم: اعاد الكلام فهو على تقدير ذلك، كأنه قد اتى به ثانية إذا اتى بمثله، وإن كان الكلام لا يبقى ولا يصح اعادته. وقد يكون الاعادة فعل ما به يكون الشئ إلى ما كان من غير ايجاد عينه كاعادة الكتاب إلى مكانه. ومثل الاعادة الرجعة والنشأة الثانية.

وقوله " ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون " قيل: معناه ييئسون، وقيل: يتحيرون، وقيل: تنقطع حججهم، فالابلاس التحير عند لزوم الحجة، فالمجرم يبلس يوم القيامة، لانه تظهر جلائل آيات الآخرة التي تقع عندها على الضرورة فيتحير أعظم الحيرة، قال العجاج:

يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا(1)

وقوله " ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء " أي لم يكن في أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله من يشفع لهم. وقيل: شركاؤهم لانهم كانوا يجعلون لها نصيبا في أموالهم. وقيل: شركاؤهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة " وكانوا بشركائهم كافرين " أي يجحدون شركاء‌هم ذلك اليوم، لانه يحصل لهم المعرفة بالله ضرورة. وأصل الشرك إضافة الملك إلى اثنين فصاعدا على طريق القسمة التي تمنع من اضافته إلى الواحد، فالانسان على هذا يكون شريكا لانسان آخر في الشئ إذا ملكاه جميعا، والله تعالى مالك له، ملكه هذا الانسان او لم يملكه.

___________________________________

(1) قد مر في 1 / 153 و 2 / 309 و 3 / 578 و 4 / 504

[236]

وقوله " ويوم تقوم الساعة " يعني القيامة " يومئذ يتفرقون " قيل: يتميز المؤمنون من الكافرين.

وقيل: معناه لا يلوي واحد منهم على حاجة غيره، ولا يلتفت اليه، وفي ذلك نهاية الحث على الاستعداد والتأهب لذلك المقام.

ثم قال " فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات " يعني صدقوا بتوحيد الله وصدق رسله، وعملوا الصالحات، وتركوا القبائح " فهم في روضة يحبرون " أى يسرون سرورا تبين أثره عليهم، ومنه الحبرة وهي المسرة، ومنه الحبر العالم، والتحبير التحسين الذى يسر به. وانما خص ذكر الروضة - ههنا - لانه لم يكن عند العرب شئ أحسن منظرا ولا اطيب ريحا من الرياض، كما قال الشاعر:

ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل

يضاحك الشمس منها كوكب شرق * مؤزر بعميم النبت مكتهل

يوما بأطيب منها نشر رائحة * ولا بأحسن منها إذ دنا الاصل(1)

والحبرة هي السرور والغبطة، قال العجاج:

فالحمد لله الذى أعطى الحبر * موالي الحق إن المولى شكر(2)

ثم بين تعالى أن الكفار في ضد ما فيه اهل الجنة، فقال " وأما الذين كفروا " بنعم الله وجحدوا آياته ثم انكروا لقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة " فهم في العذاب محضرون " أى محضرون فيها، ولفظة الاحضار لا تستعمل إلا

___________________________________

(1) قائله الاعشى ديوانه (دار بيروت) 145.

(2) اللسان (حبر)

[237]

فيما يكرهه الانسان، ومنه حضور الوفاة، ويقال: احضر فلان مجلس السلطان إذا جئ به بما لا يؤثره، والاحضار إيجاد ما به يكون الشئ حاضرا إما بايجاد عينه كاحضار المعنى في النفس او بايجاد غيره، كايجاد ما به يكون الانسان حاضرا. ثم قال تعالى " سبحان الله " أى تنزيها لله تعالى مما لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات نقص او ينافي عظمه، وما اختص به من الصفات.

وقوله " حين تمسون وحين تصحبون " فالامساء الدخول في المساء، والمساء مجئ الظلام بالليل، والاصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، وهو مجئ ضوء النهار. ثم قال " وله الحمد في السموات " يعني الثناء والمدح في السموات " والارض وعشيا " أى وفي العشي " وحين تظهرون " أى حين تدخلون في الظهيرة وهي نصف النهار. وإنما خص تعالى العشي والاظهار في الذكر بالحمد وإن كان الحمد واجبا في جميع الاوقات، لانها أحوال تذكر باحسان الله، وذلك أن انقضاء احسان اول إلى احسان يقتضي الحمد عند تمام الاحسان والاخذ في الآخر، كما قال تعالى " وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين "(1).

وقيل: إن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لان قوله " حين تمسون " يقتضي المغرب والعشاء الآخرة " وحين تصبحون " يقتضي صلاة الفجر * (وعشيا) * يقتضي صلاة العصر * (وحين تظهرون) * يقتضي صلاة الظهر - ذكره ابن عباس، ومجاهد -.

ثم اخبر تعالى انه الذى * (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) *

___________________________________

(1) سورة 10 يونس آية 10

[238]

قال ابن عباس وابن مسعود: معناه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فانه يخرج الانسان وهو الحي من النطفة، وهي الميتة، ويخرج الميتة وهي النطفة من الانسان وهو حي.

وقال قتادة: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

وقوله * (ويحي الارض بعد موتها) * اي يحييها بالنبات بعد جدوبها، ولا يجوز أن يكون المراد إحياء الارض حقيقة، كمالا يكون الانسان أسدا حقيقة إذا قيل فلان اسد، لانه يراد بذلك التشبيه والاستعارة، فكذلك احياء الارض بعد موتها، كأنها تحيا بالنبات الذى فيها.

وقوله * (وكذلك تخرجون) * قرأ اهل الكوفة إلا عاصما والاعشى من طريق الطبرى - بفتح التاء - أضاف الفعل الذى هو الخروج اليهم. الباقون - بالضم - بمعنى يخرجهم الله، والمعنيان قريبان، لانهم إذا أخرجوا، فقد خرجوا، والمعنى مثل ما يخرج النبات من الارض كذلك يخرجكم الله بعد ان لم يكن كذلك، تخرجون إلى دار الدنيا بعد ان لم تكونوا، ويعيدكم يوم القيامة بعد ان كنتم قد اعدمكم الله أى لا يشق عليه ذلك. كمالا يشق عليه هذا.

ثم قال تعالى * (ومن آياته) * أي أدلته الواضحة * (ان خلقكم من تراب) * يعني انه خلق آدم الذى هو ابوكم وأصلكم - في قول قتادة وغيره - * (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) * من نسله وذريته، و * (تتفرقون) * في أطراف الارض فهلا دلكم ذلك على انه لا يقدر على ذلك غيره تعالى؟ وانه الذى يستحق العبادة دون غيره من جميع خلقه. وفي هذه الآيات - دلالة واضحة على صحة القياس العقلي، وحسن النظر بلا شك، بخلاف ما يقول قوم: ان النظر باطل. فأما دلالته على القياس الشرعي فبعيد لا يعول على مثله.

[239]

قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(21) ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين(22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون(23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الارض بعد موتا إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون(24) ومن آياته أن تقوم السماء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون(25))

خمس آيات بلا خلاف.

روى حفص عن عاصم " العالمين " بكسر اللام الاخيرة. الباقون بفتحها فمن كسرها اسند (الآيات) إلى العلماء، لانهم الذين ينظرون فيها، ويعتبرون بها، كما قال " هدى للمتقين "(1) ومن فتح اللام أسند (الآيات) إلى جميع

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة 2

[240]

المكلفين الذين يتمكنون من الاستدلال بها والاعتبار بها، سواء كانوا عالمين بها او جاهلين، لان الامكان حاصل لجميعهم وهو أعظم فائدة. يقول الله سبحانه مخاطبا لخلقه منبها لهم على توحيده وإخلاص العبادة له ب‍ " أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا اليها " والنفس هي الذات في الاصل ثم يستعمل على وجه التأكيد لقولهم: رأيت زيدا نفسه، ويعبر بها عن الروح وغير ذلك. وقد بيناه(1) وقال قتادة المعنى - ههنا - أنه خلقت حواء من ضلع آدم. وقال غيره: المعنى خلق لكم من شكل أنفسكم أزواجا، وقال الجبائي: المعنى خلق أزواجكم من نطفكم.

قال البلخي: وذلك يدل على قوله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا "(2) انه يريد بعض الخلق دون بعض.

والزوجة المرأة التي وقع عليها عقد النكاح.

والزوج الرجل الذي وقع عليه عقد النكاح.

وقد يقال: للمرأة زوج إذا لم يلبس للاشعار بأنهما نظيران في عقد النكاح عليهما قال الله تعالى " إسكن انت وزوجك الجنة "(3) وقوله * (لتسكنوا اليها) * يعني سكون إنس وطمأنينة، بأن الزوجة من النفس إذ هي من جنسها ومن شكلها فهو أقرب إلى الالفة والميل بالمودة منها لو كانت من غير شكلها.

وقوله * (وجعل بينكم مودة ورحمة) * أي جعل بينكم رقة التعطف إذ كل واحد من الزوجين يرق على الآخر رأفة العطف عليه، بما جعله الله في قلب كل واحد لصاحبه ليتم سروره.

___________________________________

(1) انظر 5 / 63 - 64.

(2) سورة 7 الاعراف آية 188.

(3) سورة 2 البقرة آية 35 وسورة 7 الاعراف آية 18

[241]

ثم قال * (إن في ذلك) * يعني في خلق الازواج مشاكلة للرجال * (لآيات) * أي لدلالات واضحات * (لقوم يتفكرون) * في ذلك ويعتبرون به، والفكر والاعتبار والنظر واحد، فالفكر في أن الازواج لاي شئ خلقت؟ ومن خلقها؟ ومن انعم بها؟ ومن جعلها على الاحوال التي يعظم السرور بها؟ وكيف لا يقدر احد من العباد على ذلك؟ وذلك من اعظم الدلالة على أن لها خالقا مخالفا لها ومنشئا حكيما يستحق العبادة، ولا يستحقها غيره.

ثم نبه على آية أخرى فقال * (ومن آياته) * الدالة على توحيده ووجوب اخلاص العبادة له " خلق السموات والارض " وما فيهما من عجائب خلقه من النجوم والشمس والقمر وجريانها على غاية الحكمة والنظام الذي يعجز كل أحد عنها وبما في الارض من أنواع الاشجار والنبات وأصناف الجمادات التي ينتفع بها وفنون النعم التي يكثر الانتفاع بها " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " فالالسنة جمع لسان، واختلافها ما بناها الله تعالى، وهيأتها مختلفة في الشكل والهيئة وتأتي الحروف بها " واختلاف السنتكم " أي اختلاف مخارجها التي لا يمكن الكلام إلا بكونها كذلك.

وقال قوم: المراد بالالسنة اختلاف اللغات، وهو جواب من يقول: إن اللغات أصلها من فعل الله دون المواضعة.

فأما من يقول: اللغات مواضعة فان تلك المواضعة من فعلهم دون فعل الله، غير أنه لما كانت الآلات التي تتأتى بها هذه الضروب لا يقدر على تهيئها كذلك غير الله جاز أن تضاف اللغات اليه تعالى على ضرب من المجاز " والوانكم " أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والشقرة والصفرة، وغير ذلك " ان في ذلك لآيات " أي إن في خلق جميع ذلك لدلالات واضحات لجميع خلقه الذين خلقهم، واكمل عقولهم

[242]

ومن كسر اللام اضاف الاعتبار بها إلى العلماء، لانهم المنتفعون بها دون غيرهم فكأنها خلقت لهم دون غيرهم، كما قال " هدى للمتقين "(1) وإن كانت لجميع المكلفين.

ثم قال " ومن آياته " الدالة على توحيده واخلاص العبادة له * (منامكم بالليل والنهار) * فالمنام والنوم واحد، لان في النوم راحة للاجساد من الكد الذي يلحقها، والتعب الذي يصيبها * (وابتغاؤكم) * أي طلبكم المعاش وما ينفعكم * (من فضله) * أي مما يتفضل الله به عليكم.

قال البلخي: ويجوز ان يكون المراد بالابتغاء المبتغا، فلذلك كان دلالة عليه دون فعل العباد، وانما يكون فعل الله دلالة عليه لما كان باقداره وإهدائه إلى مراشده وترغيبه فيه وتسهيله له * (إن في) * خلق الله تعالى * (ذلك لآيات) * واضحات على توحيده * (لقوم يسمعون) * ذلك ويقبلونه ويفكرون فيه، لان من لا يفكر فيه ولا ينتفع به كأنه لم يسمعه.

ثم قال * (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) * والبرق نار تحدث في السحاب، بين تعالى أنه إنما يخلقه ليخافوا من عذابه بالنار على معصيته والكفر به، ويطمعوا في ان يتعقب ذلك مطر فينتفعون به * (وينزل من السماء ماء) * يعني غيثا ومطرا * (فيحيي به الارض بعد موتها) * أي بعد انقطاع الماء عنها وجدو بها.

وقيل: * (خوفا) * من المطر في السفر * (وطمعا) * فيه في الحضر.

وقيل: * (خوفا) * من الصاعقة * (وطمعا) * في الغيث * (إن في) * خلق الله * (ذلك لآيات) * أي دلالات واضحة * (لقوم يعقلون) * أي يفكرون فيه، لان من لا يفكر فيه ولا ينتفع به وإن كان عاقلا، فكأنه لا عقل له، وقيل:

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 2

[243]

في قوله * (ومن آياته يريكم البرق) * ثلاثة أقوال: احدهما - ان تقديره ومن آياته أن يريكم.

فحذف (أن) كما قال طرفة: ألا ايهذا اللائمي احضر الوغى * وأن اشهد اللذات هل انت مخلدي(1) الثاني - انه حذف (أنه) لدلالة (من) عليها، كما قال الشاعر:

وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت واخرى ابتغي العيش اكدح(2)

أي فتارة أموت.

وفي الآية حذف تقديره: ومن آياته آية يريكم البرق.

الثالث - ويريكم البرق من آياته على التقديم والتأخير من غير حذف.

ثم قال * (ومن آياته) * الدالة على ما ذكرناه * (أن تقوم السماء والارض بأمره) * بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تعلق بها، بل لان الله تعالى يسكنها حالا بعد حال لاعظم دلالة على أنه لا يقدر عليه سواه * (ثم إذا دعاكم دعوة من الارض) * أي أخرجكم من الارض ومن قبوركم بعد أن كنتم أمواتا يبعثكم ليوم الحساب فعبر عن ذلك بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة * (كن فيكون) * في سرعة تأتي ذلك، وأمتناع التعذر عليه، وإنما ذكر هذه المقدورات على اختلافها وعظم شأنها ليدل على انه القادر الذي لا يعجزه شئ.

وفي الآيات دلالة واضحة على فساد مذهب القائلين بان المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورة لم يكن للتنبيه على هذه الادلة وجه ولا فائدة فيه لان ما يعلم ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه.

___________________________________

(1) ديوانه (دار بيروت) 32 وقد مر في 1 / 327 من هذا الكتاب.

(2) قائله ابن مقبل، الكتاب لسيبويه وقد مر في 3 / 212 و 4 / 77 من هذا الكتاب.

[244]

قوله تعالى: (وله من في السموات والارض كل له قانتون(26) وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم(27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون(28) بل اتبع الذين ظلموا أهواء‌هم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ومالهم من ناصرين(29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(30))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى بعد أن ذكر ما يدل على توحيده، وإخلاص العبادة له أن * (له من في السموات والارض) * من العقلاء فانه يملكهم ويملك التصرف فيهم، وليس لاحد منعه منه والاعتراض عليه، وخص العقلاء بذلك لان ما عداهم في حكم التبع. ثم اخبر عن جميع من في السموات والارض بأنهم قانتون له.

[245]

قال مجاهد: معناه مطيعون وقال ابن عباس: معناه مصلون.

وقال عكرمة: مقرون له بالعبودية.

وقال الحسن: كل له قائم بالشهادة فالقانت الدائم على أمر واحد فالملائكة وغيرهم من المؤمنين دائمون على أمر واحد في الذلة لله في لزوم الطاعة لله تعالى، والكافرون وغيرهم من الفساق دائمون على أمر واحد في الذلة لله - عزوجل - إلا أن منهم من هو بخلقته وفعله، ومنهم من هو بخلقته.

ثم قال تعالى * (وهو الذي يبدؤ الخلق) * اي يخنرعهم ابتداء وينشئهم " ثم يعيده " إذا أعدمه * (وهو أهون عليه) * قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: اي هو ايسر، وكل هين.

وروي عن ابن عباس ايضا: ان معناه وهو هين عليه، ف‍ (افعل) بمعنى (فاعل) وقال بعضهم * (وهو اهون) * على الخلق، لان الانشاء أولا من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة على التدريج، وفي الاعادة يعادون دفعة واحدة، وحكي عن ابن عباس: انه قال المعنى وهو أهون عليه عندكم، لانكم أقررتم بأنه يبدؤ الخلق، فاعادة الشئ عند المخلوقين أهون من ابتدائه، قال الشاعر - في أهون بمعنى هين:

تمنى رجال أن أموت وان أمت * فتلك سبيل لست فيها باوحد(1)

أي بواحد.

وقال الراجز:

قبحتموا يا آل زيد نفرا * الام قوم أصغرا واكبرا

أي صغيرا وكبيرا، وقال معن بن أوس:

لعمرك ما ادري واني لاوجل * على أينا تعدو المنية أول(2)

أي لواجل. والله أكبر بمعنى تكبير. ويقال للسلطان: الاعظم بمعنى عظيم.

___________________________________

(1) قد مر في 7 / 161.

(2) قد مر في 5 / 91

[246]

وقوله * (وله المثل الاعلى في السموات والارض) * قال قتادة وهو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لانه دائم في السموات والارض، يقول الثاني فيه كما قال الاول.

وقيل: المعنى وله الصفة العليا، لانها دائرة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الاول.

وقيل: النشأة الثانية يا أهل الكفر ينبغى أن تكون أهون عليه.

ثم قال * (وله المثل الاعلى) * فذلك دليل على انه مثل ضربه الله. ذكره الفراء.

وقوله * (وهو العزيز الحكيم) * يعني في انتقامه من اعدائه، الحكيم في تدبيره لخلقه.

ثم قال * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ايمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) * المعنى إنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم وأملاككم، فكيف ترضون لربكم ان يكون له شركاء في العبادة ! !.

وقال قتادة: كما لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء‌كم في فراشكم وأزواجكم كذلك لا ترضوا في ربكم الذي خلقكم أن يعدل به أحد من خلقه فيشرك بينهما في العبادة.

وقوله * (تخافونهم كخيفتكم انفسكم) * قال ابومخلد: معناه تخافون عبيدكم أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون الشريك من نظرائكم.

وقيل: تخافون ان يرثوكم كما يرث بعضكم من بعض - ذكره ابن عباس - وقيل: معناه تخافونهم كخيفتكم أنفسكم في اتلاف المال بانفاقه.

ثم قال * (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) * أي كما ميزنا لكم هذه الادلة نفصل الادلة لقوم يعقلون، فيتدبرون ذلك ويفكرون فيها.

[247]

وقال سعيد ابن جبير: كان اهل الجاهلية إذا لبو قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هولك تملكه وما ملك. فأنزل الله الآية ردا. عليهم وإنكار لقولهم ثم قال تعالى * (بل اتبع الذين ظلموا أهواء‌هم بغير علم) * معناه إن هؤلاء الكفار لم يتفكروا في أدلة الله، ولا انتفعوا بها بل اتبعوا اهواء‌هم وشهواتهم بغير علم منهم بصحة ما اتبعوه.

ثم قال * (فمن يهدي من أضل الله) * وقيل: المعنى من يهدي إلى الثواب من أضله الله عنه.

وقيل: المعنى من يحكم بهداية من حكم الله بضلالته.

ثم قال * (وما لهم من ناصرين) * أي ليس لهم من ينصرهم ويدفع عذاب الله إذا حل بهم.

ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين * (فأقم وجهك للدين حنيفا) * أمرهم الله بأن يوجهوا عبادتهم إلى الله على الاستقامة دون الاشراك في العبادة.

ثم قال * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) * قال مجاهد: فطرة الله الاسلام.

وقيل: فطر الناس عليها ولها وبها بمعنى واحد، كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا بمعنى واحد.

ونصب * (فطرة الله) * على المصدر، وقيل تقديره: اتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، لان الله تعالى خلق الخلق للايمان، ومنه قوله صلى الله عليه واله (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) ومعنى الفطر الشق ابتداء يقولون: أنا فطرت هذا الشئ اي أنا ابتدأته، والمعنى خلق الله الخلق للتوحيد والاسلام.

وقوله * (لا تبديل لخلق الله) * قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وابراهيم: لا تبديل لدين الله الذي أمركم به من توحيده وعدله وإخلاص العبادة له، وهو قول ابن عباس وعكرمة. وقيل: المراد نفي الخطأ.

[248]

ثم قال * (ذلك الدين القيم) * أي ما بيناه من التوحيد والعدل واخلاص العبادة لله هو الدين القيم أي المستقيم الذي يجب اتباعه * (ولكن اكثر الناس لا يعلمون) * صحة ذلك لعدولهم عن النظر فيه.

قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين(31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كان حزب بما لديهم فرحون(32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون(33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون(34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون(35))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ حمزة والكسائي وابن عامر * (فارقوا) * بألف وتخفيف الراء. الباقون بغير الف وتشديد الراء.

من قرأ بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمروا باتباعه. ومن شدد اراد: انهم اختلفوا في دينهم.

قوله * (منيبين اليه) * نصب على الحال وتقديره فاقم وجهك للدين يا محمد أنت والمؤمنون منيبين إلى الله، ولا يجوز أن يكون حالا * (من فطرة الله التي فطر الناس عليها) * لانه ما فطرهم منيبين، والانابة الانقطاع إلى الله تعالى

[249]

بالطاعة وأصله على هذا القطع. ومنه الناب، لانه قاطع، وأناب في الامر إذا نشب فيه، كما ينشب الناب المقاطع، ويجوز أن يكون من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة، فيكون على هذا الانابة التوبة التي يجددها مرة بعد مرة.

ثم قال * (واتقوه) * أي اجتنبوا معاصيه، واتقوا عقابه * (وأقيموا الصلاة) * التي أمركم الله تعالى بها أي دوموا عليها، وقوموا بادائها، فالصلاة وإن كانت في حكم المجمل، ولم يبين شروطها - في الآية - فقد أحال على بيان النبي صلى الله عليه واله هذا إذا اراد بالصلاة تعريف الجنس، وإن أراد العهد الذي استقر في الشرع، فهو على ما قد استقر في الشرع * (ولا تكونوا من المشركين) * نهي لهم عن أن يكونوا من جملة من أشرك بعبادة الله سواه.

ثم قال * (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * قال الفراء: يجوز ان يكون التقدير: ولا تكونوا من المشركين من جملة الدين فرقوا دينهم، ويجوز أن يكون من الذين فرقوا ابتداء، وتقديره الذين تفرقوا وكانوا شيعا * (كل حزب بما لديهم فرحون) * فالتفريق جعل أحد الشيئين مفارقا لصاحبه وضده الجمع، وهو جمع أحد الشيئين إلى صاحبه، فتفريق الدين جعل احدهما ليس مع الآخر في معنى ما يدعو اليه العقل، وهو منكر لمخالفته داعي العقل، والدين العمل الذي يستحق به الجزاء، ودين الاسلام العمل الذي عليه الثواب. ولو جمعوا دينهم في أمر الله ونهيه لكانوا مصيبين، ولكنهم فرقوا بأخراجه عن حد الامر والنهي من الله وكانوا بذلك مبطلين خارجين عن الحق الذي أمر الله به. ومن قرأ * (فارقوا) * بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمرهم الله باتباعه.

[250]

وقوله * (وكانوا شيعا) * أي فرقا، والشيع الفرق التي يجتمع كل فريق منها على مذهب، خلاف مذهب الفريق الآخر، وشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على الحق. وكذلك شيعة أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على الحق وقال قتادة: المعنى بقوله * (من الذين فرقوا دينهم) * اليهود والنصارى، وقال غيره: كل من خالف دين الحق الذي أمر الله به داخل فيه وهو أعم فائدة.

ثم اخبر تعالى ان * (كل حزب) * أي كل فريق * (بما لديهم فرحون) * من الاعتقاد الذي يعتقدونه يسرون به لاعتقادهم أنه الحق دون غيره.

وقوله " وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين اليه " قال الحسن: إذا أصابهم مرض او فقر دعوا الله تعالى راجعين اليه مخلصين في الدعاء له " ثم إذا أذاقهم منه رحمة " بأن يعافيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر نعمة منه تعالى عليهم " إذا فريق منهم بربهم يشركون " أي يعودون إلى عبادة غير الله بخلاف ما يقتضي العقل في مقابلة النعمة بالشكر. ثم بين أنهم يفعلون ذلك " ليكفروا بما آتيناهم " أى بما آتاهم الله من نعمه.

ثم قال تعالى مهددا لهم " فتمتعوا " أي انتفعوا بهذه النعم الدنيوية كيف شئتم " فسوف تعلمون " ما فيه من كفركم ومعصيتكم أي تصيرون في العاقبة إلى عذاب الله وأليم عقابه.

وقوله " أم انزلنا عليهم سلطانا " اي هل أنزلنا عليهم برهانا وحجة يتسلطون به على ما ذهبوا اليه، ويحتمل أن يكون المراد هل ارسلنا اليهم رسولا فاذا حمل على البرهان، فهو بمنزلة الناطق بالامر لاظهاره إياه.

وقوله " فهو يتكلم بما كانوا به يشركون " اي هل انزلنا عليهم سلطانا اي رسولا يتكلم بأنا ارسلناه بما يدعونه من الاشراك مع الله في العبادة، فانهم لا يقدرون على ذلك ولا يمكنهم ادعاء حجة عليه ولا برهان، والكلام وإن خرج مخرج الاستفهام فالمراد به التبكيت.

[251]

قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون(36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون(38) وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون(39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون(40))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ نافع وابوجعفر " لتربوا " بالتاء وسكون الواو، الباقون بالياء وفتح الواو، وقرأ ابن كثير " وما أتيتم من ربا " بالقصر. الباقون بالمد.

واتفقوا على المد في قوله " وما آتيتم من زكوة " وقرأ حمزة والكسائي وخلف " عما يشركون " بالياء. الباقون بالتاء.

قال ابوعلي: المعنى وما آتيتم من هدية

[252]

أهديتموها لتعوضوا اكثر منها، فلا يربو عند الله، لانكم قصدتم زيادة العوض دون وجه الله، وهو كقوله " ولا تمنن تستكثر "(1) فمن مد اراد أعطيتم من قوله " فآتاهم الله ثواب الدنيا "(2) ومن قصره فالمعنى يؤل إلى قول من مد إلا انه على لفظ (فعلتم) ومدهم لقوله " وما آتيتم من زكوة " فلقوله " وإيتاء الزكوة "(3) ولو قال أتيت الزكوة لجاز أن يعني به: فعلتها ولكن لفظ القرآن على الايتاء.

ومن ضم " لتربوا " فالمعنى لتصيروا ذوي زيادة في ما آتيتم من أموال الناس أي يستدعونها من أربى إذا صار ذا زيادة مثل أقطف واضرب. ومن فتح أسند الفعل إلى الربوا المدكور وقدر المضاف، فحذفه كما قيل: اجتذاب أموال الناس واجتلابه. ويجوز ذلك. وسمي هذا المدفوع على هذا الوجه ربا لما كان فيه من الاستزادة.

يقول الله تعالى مخبرا عن خلقه بأنه إذا أذاقهم رحمة من عنده بأن ينعم عليهم بضروب النعم ويصح أجسامهم ويدر أرزاقهم ويكثر. مواشيهم وغير ذلك من النعم، إنهم يفرحون بذلك ويسرون به ف‍ (اذا) شرط وجوابه " فرحوا بها " وإنما جاء الجزاء ب‍ (إذا) ولم يجئ ب‍ (حين)، لان (إذا) اشبه بالفاء من جهة البناء، والزم للفعل من جهة أنه لا يضاف إلى مفرد، فصار بمنزلة الفاء في ترتيب الفعل، وليس كذلك (حين). وشبه إدراك الرحمة بادراك الطعم، فسماه ذوقا.

" وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم " هو اخبار منه تعالى أنه إن أصابهم عذاب من الله تعالى جزاء على ما كسبته أيديهم " إذا هم يقنطون "

___________________________________

(1) سورة 74 المدثر آية 6.

(2) سورة 3 آل عمران آية 148.

(3) سورة 24 النور آية 37 وسورة 21 الانبياء آية 73

[253]

أي ييأسون من رحمة الله، والقنوط اليأس من الفرج، قال جهد الارقط: قد وجدوا الحجاج غير قانط(1) وإنما قال " بما قدمت أيديهم " ولم يقل بما قدموا على التغليب للاكثر الاظهر، لان اكثر العمل وأظهره لليدين، والعمل بالقلب وإن كان كثيرا فهو أخفى، وانما يغلب الاظهر. ويجوز أن يكون ما يصيبهم - من مصائب الدنيا والآلام بها - بعض العقاب، فلذلك قال " بما قدمت ايديهم " ويجوز ان يكون لما فعلوا المعاصي اقتضت المصلحة أن يفعل بهم ذلك، وإن لم يكن عذابا.

ثم قال تعالى منبها لهم على توحيده " اولم يروا " أي او لم يفكروا فيعلموا " ان الله يبسط الرزق " اي يوسعه " لمن يشاء ويقدر " اي ويضيق على من يشاء على حسب ما تقتضيه مصالحهم، وبسط الرزق الزيادة على مقدار القوت منه بما يظهر حاله، واصل البسط نشر الشئ بما يظهر به طوله وعرضه، وبسط الرزق مشبه به.

ثم قال " إن في ذلك " يعني في البسط للرزق لقوم وتضييقه لقوم آخرين " لآيات " اي لدلالات " لقوم يؤمنون " بالله، لانهم يعلمون ان ذلك من فضل الله الذي لا يعجزه شئ. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال " فآت ذا القربى حقه " اي اعط ذوي قرباك يا محمد حقوقهم التي جعلها الله لهم في الاخماس - وهو قول مجاهد - وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه واله اعطى فاطمة فدكا، وسلمه اليها - روى ذلك ابوسعيد الخدري وغيره - وهو المشهور عن ابي جعفر، وابي عبدالله عليهما السلام.

وقال السدى: الآية نزلت في قرابة النبي صلى الله عليه واله.

___________________________________

(1) مجاز القرآن 2 / 122

[254]

وقال قوم: المراد به قرابة كل انسان.

والاول اظهر، لانه خطاب للنبي صلى الله عليه واله " والمسكين وابن السبيل " تقديره واعط - ايضا - المسكين، وهو الفقير، وابن السبيل وهو المنقطع به حقوقهم التي جعلها الله لهم في الصدقات وغيرها، والخطاب وإن كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه واله فهو متوجه إلى جميع المكلفين.

ثم قال " ذلك خير " يعني اعطاء الحقوق المستحقة خير " للذين يريدون وجه الله " بالاعطاء دون الرياء والسمعة " واولئك هم المفلحون " الفائزون بثواب الله.

ثم قال " وما اتيتم من ربا ليربوا في اموال الناس " قال ابن عباس: هو اعطاء الرجل العطية ليعطى اكثر منها لانه لم يرد بها طاعة الله.

وقال ابن عباس: وابوجعفر الربوا رباء‌ان احدهما - حلال، والآخر حرام، فالاول هو ان يعطي الانسان غيره شيئا لا يطلب اكثر منه فهو مباح، ولا يربوا عند الله. والآخر - الربوا الحرام.

وقال ابن طاوس عن أبيه: إذا أهدى الرجل الهدية ليهدى له أفضل منها فليس فيه أجر ولا وزر، وكلما فعله الفاعل على أن حسن للشهوة فليس فيه حد ولا أجر، وشهوته وشهوة غيره في هذا سواء.

وقيل: المعني في الآية التزهيد في الربو، والترغيب في اعطاء الزكاة وقال الحسن: هو كقوله " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات "(1) ولا خير في العطية إذا لم يرد بها وجه الله.

وقال الجبائي: وما أتيتم من ربا لتربوا بذلك أموالكم " فلا يربو " لانه لا يملكه المرابي بل هو لصاحبه، ولا يربو " عند الله " لانه يستحق به العقاب، واعطاء المال قد يقع على وجوه كثيرة فمنه إعطاؤه على وجه الصدقة. ومنه اعطاؤه على وجه الهدية. ومنه الصلة. ومنه الودائع. ومن ذلك قضاء

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 276

[255]

الدين، ومنه البر ومنه الزكاة. ومنه القرض. ومنه النذر وغير ذلك.

ثم قال " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله " أي ما اخرجتموه على وجه الزكاة واعطيتموه أهله تريدون بذلك وجه الله دون الربو " فأولئك هم المضعفون " أي يضاعف لهم الحسنات كقوله " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها "(1) وقال الكلبي: تضاعف أمواله في الدنيا، فالمضعف ذو الاضعاف كما أن الميسر ذو اليسار.

ثم خاطب تعالى خلقه فقال " الله الذي خلقكم " بعد ان لم تكونوا موجودين " ثم رزقكم " من أنواع الملاذ وملككم التصرف فيها وأباحها لكم " ثم يميتكم " بعد ذلك إذا شاء ليصح ايصالكم إلى ما عوضكم له من الثواب " ثم يحييكم " ليجازيكم على أفعالكم على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب " هل من شركائكم " الذين عبدتموهم من دون الله " من يفعل من ذلكم من شئ " أو يقدر عليه فيجوز لذلك توجه العبادة اليه فانهم لا يقدرون على أن يقولوا: نعم يقدرون عليه وانما يعترفون بعجزها عن ذلك، فيعلموا عند ذلك انها لا تستحق العبادة فلذلك نزه نفسه عقيب ذلك عن أن يشرك معه في العبادة ويتخذ معه معبودا سواه فقال " سبحانه وتعالى عما يشركون " فمن قرأ بالياء وجه الخطاب إلى الغائب. ومن قرأ بالتاء وجهه إلى المخاطبين، وفي ذلك تنبيههم على وجوب ضرب الامثال لله تعالى دون غيره من المخلوقات.

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 160

[256]

قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون(41) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين(42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون(43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون(44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين(45))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير - في رواية ابن مجاهد - عن قنبل وروح " لنذيقهم " بالنون. الباقون بالياء.

فمن قرأ بالنون فعلى وجه اخبار الله عن نفسه أنه الذي يذيقهم.

ومن قرأ بالياء فالمعنى ليذيقهم الله بعض الذي عملوا.

يقول الله تعالى " ظهر الفساد في البر والبحر " قيل: فساد البر هو ما يحصل فيها من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون بخذلان الله عزوجل لاهل العقاب به، وفساد البحر اضطراب أمره حتى لا يكون متصرفا فيه، وكل ذلك ليرتدعوا عن معاصيه.

وقال قتادة: المعنى ظهر الفساد في أهل البر والبحر فأهل البر أهل البادية وأهل البحر أهل القرى الذين على الانهار العظيمة ويكون قوله " بما كسبت ايدي الناس " معناه يخلي الله بينهم وبين المعاصي جزاء على ما سبق منهم من المعاصي.

وقال مجاهد: البر ظهر الارض والبحر هو

[257]

البحر المعروف، لانه يؤخذ فيه كل سفينة غصبا.

وقيل: البر الارض القفر والبحر المجرى الواسع للماء عذبا كان أو ملحا، وسمي البر برا، لانه يبر بصلاح المقام فيه خلاف البحر، ومنه البر لانه يبر بصلاحه في الغذاء أتم الصلاح.

وقيل: الفساد المعاصي ودليله قوله تعال " والله لا يحب الفساد "(1) والتقدير. ظهر عقاب الفساد في البر والبحر، والظهور خروج الشئ إلى حيث يقع عليه الاحساس والعلم به بمنزلة الادراك له. وقد يظهر الشئ بخروجه عن وعاء أو وجوده عن عدم أو ظهوره بدليل.

وقيل: بالعدل ينبت الله الزرع ويدر الضرع، وبالظلم يكون القحط وضيق الرزق.

وقوله " بما كسبت ايدي الناس " أي جزاء على ما فعله الناس. والكسب فعل الشئ لاجتلاب نفع إلى نفس الفاعل أو دفع ضرر عنه، فالقادر لنفسه يقدر على مثله في الحالتين لاجتلاب نفع إلى غيره أو دفع ضرر عنه، غير انه لا يوصف بهذه الصفة وإن قدر على مثله.

وقوله " ليذيقهم بعض الذي عملوا " معناه ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها من المعاصي " لعلهم يرجعون " أي ليرجعوا عنها في المستقبل، وتقديره فعل الله تعالى القحط والشدائد والجدب وقلة الثمار وهلاك النفوس عقوبة على معاصيهم ليذيقهم بذلك عقاب بعض ما عملوا من المعاصي ليرجعوا عنها في المستقبل، ليذيقهم عقابه غير انه اجري على بعض العمل لانهم بذواقهم جزاء‌ه كأنهم ذاقوه. وهذا من الحذف الحسن، لانه حذف المسبب وإقامة السبب الذي أدى اليه مقامه. ثم بين تعالى انه فعل بهم هذا ليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 205

[258]

ثم خاطب تعالى نبيه صلى الله عليه واله فقال له " قل " لهم يا محمد " سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين " أي فكروا فيمن تقدم من الامم التي اشركت بالله أكثرهم، والمؤمنون كانوا قليلين فيهم كيف أهلكهم الله ودمر عليهم.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " فأقم وجهك للدين القيم " ومعناه استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي لا يعدل عنه يمينا ولا شمالا، فانك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، وهو مثل قوله " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم "(1) مجانس فيه للبلاغة ومنه قوله " يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " ومنه " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات ".

" من قبل أن يأتي يوم لامر دله من الله يومئذ يصدعون " أي استقيموا على الطريق المستقيم قبل يوم القيامة الذي تتفرفون فيه فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير - ذكره قتادة - وقال الحسن: الدين القيم الطاعة لله. ثم قال " من كفر " بالله وجحد نعمه " فعليه كفره " أي فعليه جزاء كفره لا يعاقب أحد بذنب غيره، كما قال " ولا ترز وازرة وزر اخرى "(2) " ومن عمل صالحا " يعني الايمان بالله وأفعال الطاعات " فلانفسهم يمهدون " والتمهيد والتمكين والتوطيد نظائر أي ثواب ذلك واصل اليهم وتتمهد احوالهم الحسنة عند الله.

وقوله " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله " اخبار منه تعالى أنه الذي يجزي الذين يطيعون الله تعالى ويجتنبون معاصيه ثواب الجنة

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 128.

(2) سورة 6 الانعام آية 164 وسورة 17 الاسرى آية 15 وسورة 35 فاطر آية 18 وسورة 39 الزمر آية 7

[259]

من فضله على خلقه " إنه لا يحب الكافرين " أى لا يريد منافعهم ولا ثوابهم، وانما يريد عقابهم جزاء على كفرهم.

قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين(47) ألله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فاذا اصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون(48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين(49) فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شئ قدير(50))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابوجعفر وابن ذكوان " كسفا " بسكون السين. الباقون بتحريكها.

وقرأ اهل الكوفة وابن عامر " إلى آثار " على الجمع وآماله الكسائي إلا أيا الحارث. الباقون على التوحيد.

[260]

من سكن السين من كسف أراد جمع كسفة وهي القطعة الواحدة من السحاب، مثل سدرة وسدر. ويحتمل ان يكون الضمير في (خلاله) راجعا اليه. ويحتمل ان يكون راجعا إلى الخلال. ومن فتح السين أعاد الضمير إلى السحاب لا غير. ومن أفرد " اثر " فلانه مضاف إلى مفرد وجاز الجمع لان (رحمة الله) يجوز ان يراد بها الكثرة.

يقول الله تعالى إن من الادلة الدالة على توحيدي ووجوب اخلاص العبادة لي إرسال الرياح مبشرات بالغيث والمطر. وإرسال الرياح تحريكها واجراؤها في الجهات المختلفة تارة شمالا وتارة جنوبا وصبا، وأخرى دبورا على حسب ما يريده الله ويعلم فيه من المصلحة، وذلك لا يقدر عليه غيره تعالى، لان العباد وإن قدروا على جنس الحركة فلو اجتمع جميع الخلائق من الجن والانس على ان يردوا الريح إذا هبت شمالا إلى كونها جنوبا وإذا هبت جنوبا إلى كونها شمالا او صبا او دبورا لما قدروا عليه، فمن قدر على ذلك يعلم أنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ مستحق للعبادة خالصة له، وانما سماها مبشرات، لانها بمنزلة الناطقة إذا بشرت بأنه يجيئ مطر وغيث يحيى به الارض لما فيها من إظهار هذا المعنى ودلالتها على ذلك بجعل جاعل، لانه من طريق العادة التي أجراها الله تعالى.

وقوله " وليذيقكم من رحمته " معطوف على المعنى، وتقديره أن يرسل الرياح للبشارة والاذاقة من الرحمة " ولتجري الفلك " بها " بامره ولتبتغوا من فضله " أي تطلبوه، فارسال الرياح لهذه الامور، ومعنى " لعلكم تشكرون " لتشكرو الله على نعمه. وإنما اتى بلفظ (لعلكم) تلطف في الدعاء إلى الشكر كالتلطف في الدعاء إلى البر، في قوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا

[261]

حسنا "(1) ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله على وجه التسلية عن قومه في تكذيبهم إياه فقال " ولقد أرسلنا من قبلك " يا محمد " رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات " يعني بالمعجزات، وفي الكلام حذف، لان تقديره فكذبوهم وجحدوا بهم فاستحقوا العذاب " فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين " أي اوجبناه على نفوسنا أن ننصر المؤمنين من عبادنا.

ثم قال تعالى " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا " أي تنشئ سحابا فانشاء السحاب وإن كان من فعل الله لكن لما كان السحاب سببا منه جاز أن يسند اليها " فيبسطه في السماء " أي يبسط ذلك السحاب كيف شاء في السماء من كثافة ورقة وغير ذلك " ويجعله كسفا " أي قطعا - في قول قتادة - " فترى الودق " يعني المطر، قال الشاعر:

فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض ابقل ابقالها(2)

" يخرج من خلاله " يعني من خلال السحاب " فاذا اصاب به " يعني بذلك المطر " من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " أي يفرحون ويبشر بعضهم بعضا به " وإن كانوا من قبل ان ينزل عليهم " المطر " من قبله لمبلسين " اي قانطين يائسبن - في قول قتادة - وقوله " من قبله " في الموضعين فيه قولان: احدهما - انه للتوكيد.

والآخر من قبل الارسال، والاول من قبل الانزال.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين " فانظر " يا محمد " إلى آثار رحمة ربك كيف يحيي الارض بعد موتها " يحييها بالنبات بعد جدوبها

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 245 وسورة 57 الحديد آية 11.

(2) مر هذا البيت في 1 / 126 و 5 / 361 و 7 / 446

[262]

" إن ذلك لمجيي الموتى " أي مثل ذلك يحيي الله الموتى بعد ان كانوا جمادا " وهو على كل شئ قدير " أي قادر وفيه مبالغة.

قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون(51) فانك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين(52) وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون(53) ألله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير(54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون(55))

ست آيات مدني وخمس في ما عداه عد المدني " يقسم المجرمون " ولم يعده الباقون.

قرأ ابن كثير * (ولا تسمع) * بفتح التاء * (الصم) * رفعا الباقون - بضم التاء - * (الصم) * نصبا. وهذا مثل ضربه الله للكفار، والمعنى كما إنك يا محمد لا تسمع الميت لتعذر استماعه فكذلك لا تسمع الكفار.

والمعنى انه لا ينتفع بسماعه، لانه لا يعمل به، فاذا كان كذلك فالمعنيان متقاربان، لان المعنى إنك

[263]

لا تسمع الكافر ما في القرآن من حكمة وموعظة، كما لا تسمع الاصم المدبر عنك. وضم التاء ونصب الميم أحسن لتشاكل ما قبله من اسناد الفعل اليك أيها المخاطب وحكم المعطوف يجب ان يكون مشاكلا حكم المعطوف عليه.

وقرأ عاصم وحمزة * (من ضعف) * بفتح الضاد في الثلاثة. الباقون بالضم فيهن، وهما لغتان.

يقول الله سبحانه * (ولئن أرسلنا ريحا) * مؤذنة بالهلاك * (فرأوه مصفرا) * فالهاء يجوز أن يكون كناية عن السحاب، وتقديره فرأوا السحاب مصفرا لانه إذا كان كذلك كان غير ممطر، ويحتمل أن يكون راجعا إلى الزرع، وتقديره، فرأوا الزرع مصفرا - والثاني قول الحسن - وجواب لئن في الشرط أغنى عنه جواب القسم، لان المعنى ليظلن كما أن (أرسلنا) بمعنى أن يرسل فجواب القسم قد ناب عن الامرين. وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط ولو تقدم الشرط لكان الجواب له، كقولك: ان أرسلنا ريحا ظلوا والله يكفرون.

و (الاصفرار) لون بين الحمرة والبياض، وهو من النبات الذي يصفر بالربح للجفاف ويحول عن حال الاخضرار، فيصير إلى الهلاك ويقنط صاحبه الجاهل بتدبير ربه في ما يأخذ به من الشدة بأمره تارة والرخاء أخرى ليصح التكليف بطريق الترغيب والترهيب، ومعنى (ظل يفعل) أي جعل يفعل في صدر النهار، وهو الوقت الذي فيه إلى ظل الشمس.

و (أضحى يفعل) نظير ظل يفعل إلا أنه كثر حتى صار بمنزلة (جعل يفعل).

ثم قال لنبيه " إنك " يا محمد " لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " شبه الكفار في ترك تدبرهم لما يدعوهم الله النبي صلى الله عليه واله تارة بالاموات وتارة بالصم، لانهم لا ينتفعون بدعاء داع، لانهم لا يسمعونه،

[264]

وكذلك من يسمع ولا يصغى ولا يفكر فيه، ولا يتدبره فكأنه لم يسمعه.

وقوله " إذا ولوا مدبرين " معناه إذا أعرضوا عن أدلتنا وعن الحق ذاهبين إلى الضلال غير طالبين لسبيل الرشاد. ولذلك لزمهم الذم وصفة النقص.

وقوله " وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم " معناه ليس في هؤلاء حيلة أن يقبلوا الهداية فصار العمي بالضلال صنفين احدهما - يطلب الهداية فهو يجدها عندك. والآخر لا يطلب الهداية، فليس فيه حيلة.

ثم قال * (إن) * يعني ليس * (تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا) * لانهم المنتفعون بدعائك واسماعك * (فهم مسلمون) * لك ما تدعوهم اليه.

ثم قال * (الله الذي خلقكم من ضعف) * وفيه لغتان - الضم، والفتح - مثل الفقر والفقر، والكره والكره، والجهد والجهد، والمعنى انه خلقهم ضعفاء لانهم كانوا نطفا، فحولهم إلى أن صاروا أحياء أطفالا لا قدرة لهم * (ثم جعل) * لهم * (من بعد ضعف) * أي من بعد هذا الضعف * (قوة) * إذا شبوا وترعرعوا وكملوا * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) * في حال الشيخوخة والشيب * (يخلق ما يشاء) * كيف يشاء * (وهو العليم) * بما فيه مصالح خلقه قادر على فعله فهو يفعل بحسب ما يعلمه من مصالحهم.

ثم اخبر تعالى عن حال الكفار أنهم * (يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون) * انهم * (ما لبثوا غير ساعة) * وقيل: في قسمهم بذلك مع أن معارفهم ضرورية قولان: احدهما - قال ابوبكر بن الاخشاد: ذلك يقع منهم قبل اكمال عقولهم. ويجوز قبل الالجاء ان يقع منهم قبيح.

[265]

والثاني - قال الجبائي: ان المراد أنه منذ ما انقطع عنا عذاب القبر * (كذلك كانوا يؤفكون) * أي يكذبون لانه اخبار عن غالب الظن بمالا يعلمون قال: ولا يجوز أن يقع منهم القبيح في الآخرة، لان معارفهم ضرورة.

وقيل: * (كذلك كانوا يؤفكون) * في دار الدنيا ويجحدون البعث والنشور مثل ما حلفوا أنهم لم يلبثوا إلا ساعة، قال الفراء: وتقديره كما كذبوا في الدنيا بالبعث كذلك يكذبون بقولهم ما لبثنا غير ساعة. ومن استدل بذلك على نفي عذاب القبر فقد أبطل، لان المراد أنهم ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر إلا ساعة.

قوله تعالى: وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون(56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون(57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون(58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون(59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون(60))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة " لا ينفع " بالياء، لان تأنيث المعذرة غير حقيقي. الباقون

[266]

بالتاء، لان اللفظ لفظ التأنيث.

يقول الله تعالى مخبرا عن الذين قد أعطاهم الله العلم وآتاهم إياه بما نصب لهم من الادلة الموجبة له، ونظروا فيها فحصل لهم العلم، فلذلك أضافه إلى نفسه لما كان هو الناصب للادلة الدالة على العلوم، والتصديق بالله ورسوله * (لقد لبثتم) * أي مكثتم * (في كتاب الله) * ومعناه إن لبثكم مذكور ثابت في كتاب الله بينه الله فيه، فصار من أجل ان بيانه في كتابه كأنه في الكتاب، كما تقول كلما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مبين فيه، وقيل * (في كتاب الله) * أي في كتابه الذي أخبرنا به، واللبث لا يكون إلا في المكان، كما لا يكون السكون إلا فيه، والبقاء قد يكون لا في مكان، ولذلك يوصف تعالى بالباقي، ولا يوصف ب‍ (لابث) و * (إلى يوم البعث) * يعني يوم يبعث الله فيه خلقه ويحشرهم.

واصل البعث جعل الشئ جاريا في أمر، ومنه انبعث الماء إذا جرى وانبعث من بين الاموات إذا خرج خروج الماء، ويوم البعث يوم اخراج الناس من قبورهم إلى أرض المحشر. ثم يقول المؤمنون للكفار " فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون " صحة ذلك وكنتم شاكين فيه.

وقال الحسن: لقد قدرنا اجالكم إلى يوم البعث ولكنكم لا تعلمون ان البعث حق. ثم اخبر تعالى ان ذلك اليوم لا تقبل معذرتهم، والمعذرة إظهار ما يسقط اللائمة، وانما لا تقبل معذرتهم لانهم ملجئون في تلك الحال، ولا يصح اعتذارهم .

وقوله " ولا هم يستعتبون " أي لا يقبل عتبهم، ولا يطلب منهم الاعتاب. والاستعتاب طلب صلاح المعاتب بالعتاب وذلك بذكر الحقوق التي تقتضي خلاف ما عمله العامل بما لا ينبغي أن يكون عليه مع الحق اللازم له وليس في قولهم

[267]

ما علمنا أنه يكون ولا أننا نبعث عذر، لانه قد نصب لهم الدلالة عليه ودعوا اليه.

ثم اخبر تعالى انه ضرب للناس المكلفين في القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه واله من كل مثل، يحثهم به على الحق واتباع الهدى. ثم قال لنبيه " ولئن جئتهم بآية " يا محمد أي معجزة باهرة " ليقولن الذين كفروا ان انتم إلا مبطلون " في دعواكم البعث والنشور، عنادا وجحدا للامور الظاهرة.

ثم قال مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء بأن حكم عليهم بانهم لا يؤمنون كذلك حكم في كل من لا يؤمن.

وقيل: الطبع علامة يجعلها الله في قلوب الكافرين يفصل بها الملائكة بينه وبين المؤمن.

ثم قال لنبيه " فاصبر " يا محمد على أذى هؤلاء الكفار ومقامهم على كفرهم " ان وعد الله حق " في ما وعدك به من النصر واعزاز دينك " ولا يستخفنك " أي ولا يستفزنك " الذين لا يوقنون " فالاستخفاف طلب الخفة.

 

 

 





 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (10)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 200

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9289191

  • التاريخ : 29/11/2020 - 00:59

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net