00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة البروج 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء العاشر)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

85 - سورة البروج

مكية في قول ابن عباس والضحاك، وهي اثنتان وعشرون آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم

(والسماء ذات البروج(1) واليوم الموعود(2) وشاهد ومشهود(3) قتل اصحاب الاخدود(4) النار ذات الوقود(5) إذ هم عليها قعود(6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود(7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد(8) ألذي له ملك السموات والارض والله على كل شئ شهيد(9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق(10))

عشر ايات.

قوله: (السماء ذات البروج) قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال تقديره برب السماء. وقد بينا ما في ذلك في غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ههنا - منازل الشمس والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة)(1) أى في منازل عالية.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 77

[316]

وقيل: السماء اثنى عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلا.

ثم يستتر ليلتين، ومسير الشمس في كل برج منها شهر.

وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس والقمر.

وقوله (واليوم الموعود) قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي صلى الله عليه واله انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -. قوله (وشاهد ومشهود) قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي صلى الله عليه واله والمشهود يوم القيامة - في قول الحسن بن علي عليه السلام وتلا قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)(1) وقال (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود)(2)، وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة.

وقال قتادة: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.

وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الامر حق في الجزاء على الاعمال.

وقيل الجواب قوله (قتل اصحاب الاخدود) وقال الاخفش: يجوز أن يكون على التقديم والتأخير، وتقديره (قتل اصحاب الاخدود.. والسماء ذات البروج) وقوله (قتل أصحاب الاخدود) معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم في الدنيا قبل الاخرة.

وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق بالنار.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 40.

(2) سورة 11 هود آية 104

[317]

وذكر الله هؤلاء. المؤمنين بحسن بصيرتهم في الصبر على دينهم حتى أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي صلى الله عليه واله أن الشجرة دعاها النبي صلى الله عليه واله فجعلت تخد الارض خدا، حتى اتته. ومنه الخد المجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار فيه طرائق كالشقوق.

وقوله (النار ذات الوقود) فجر النار على البدل من الاخدود، وهو بدل الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين: أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد. والثاني - انه أراد بذلك وقودا مخصوصا، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود بأبدان الناس، كما قال (وقودها الناس والحجارة)(1)

وقوله (إذ هم عليها قعود) أي حين هم قعود عليها أي بالقرب منها، وقال الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعودا على النار خرج لسان منها فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام (أنهم كانوا من المجوس) وقال الضحاك: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعودا عند النار. والقعود جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضا مصدر قعد يقعد قعودا.

وقوله (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) أي حضور على مشاهدتهم لهم، فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو المدرك بحاسة.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 24 وسورة 66 التحريم آية 6

[318]

وقوله (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) معناه انه لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يقهر (الحميد) في جميع أفعاله، فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة. ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر:

ما نقموا من بني أمية * إلا أنهم يحلمون إن غضبوا(1)

والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لان ما سبقوا اليه من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم.

وقوله (الذي له ملك السموات والارض) صفة (العزى الحميد) والمعنى ان هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله (الذى له ملك السموات والارض) ومعناه له التصرف في السموات والارض ولا اعتراض لاحد عليه.

ثم قال (والله على كل شئ شهيد) أي عالم بجميعه لا يخفى عليه شئ من ذلك.

وقوله (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) قال ابن عباس وقتادة والضحاك: حرقوهم بالنار (ثم لم يتوبوا) إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله (فلهم عذاب جهنم) يعني في الاخرة (ولهم عذاب الحريق) في الدنيا - في قول الربيع -

قال الفراء: لما خددوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم، فاحرقتهم فرق الاخاديد ونجا المؤمنون.

___________________________________

(1) مر في 3 / 559، 570 و 5 / 304

[319]

وقال قوم (إن الذين فتنوا المؤمنين) جواب القسم في أول السورة، وهذا غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين.

قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الانهار ذلك الفوز الكبير(11) إن بطش ربك لشديد(12) إنه هو يبدئ ويعيد(13) وهو الغفور الودود(14) ذو العرش المجيد(15) فعال لما يريد(16) هل أتيك حديث الجنود(17) فرعون وثمود(18) بل الذين كفروا في تكذيب(19) والله من ورائهم محيط(20) بل هو قرآن مجيد(21) في لوح محفوظ(22))

اثنتا عشرة آية.

قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف (المجيد) بالخفض جعلوه نعتا للعرش. الباقون بالرفع على أنه نعت لله تعالى، وقرأ نافع (محفوظ) بالرفع. الباقون بالخفض نعتا للوح. ومن رفع جعله نعتا القرآن.

اخبر الله تعالى عن صفة المؤمنين، فقال (إن الذين آمنوا) أي صدقوا بتوحيد الله واخلاص عبادته (وعملوا الصالحات) من الاعمال، واجتنبوا القبائح (لهم جنات تجري من تحتها الانهار) أى لهم بساتين تجري من تحت أشجارها

[320]

الانهار (ذلك الفوز الكبير) فالفوز النجاة بالنفع الخالص، وأصله النجاة، وقيل للمهلكة مفازة تفاؤلا كأنه قيل: منجاة، وفاز فلان بكذا أى خلص له نفعه، يفوز فوزا. ولا يقال إلا في تعظيم النفع الذى صار له، وإنما ذكر الكبير - ههنا - لان النعيم لهؤلاء العاملين كبير بالاضافة إلى نعيم من لا عمل له ممن يدخل الجنة، لما فيه من الاجلال والاكرام والمدح والاعظام.

وقيل: الفوز الحظ الواقع من الخير.

ثم قال متوعدا ومتهددا للكفار والعصاة (إن بطش ربك لشديد) يا محمد والبطش الاخذ بالعنف، بطش به يبطش بطشا ويبطش ايضا، فهو باطش، وإذا وصف بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه.

وقوله (إنه هو يبدئ ويعيد) قال ابن عباس: معناه إنه يبدأ العذاب ويعيده لاقتضاء ما قبله ذلك.

وقال الحسن والضحاك وابن زيد: يبدأ الخلق ويعيده لان الاظهر في وصفه تعالى بأنه المبدئ المعيد العموم في كل مخلوق (وهو الغفور) يعني الستار على خلقه معاصيهم (الودود) أى وادلهم ومحب لمنافع خلقه (ذوالعرش المجيد) ومعناه صاحب العرش، العظيم المجيد وقال ابن عباس: معناه الكريم.

وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما المجيد بالجر جعلوه نعتا للعرش. ومعناه ذو العرش الرفيع. الباقون بالرفع جعلوه نعتا للغفور أى هو الغفور الودود المجيد ذو العرش، قال المبرد: يجوز أن يكون نعتا لقوله (ان بطش ربك.... المجيد) فيكون قد فصل بينهما، وفيه بعد لانه قال (لشديد) وقال (أنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود ذو العرش) وفصل بهذا كله، يقال: مجدت الابل تمجد مجودا إذا رعيتها فرعت وشبعت. ولا فعل لك، او أمجدتها أمجدها إمجادا إذا اشبعتها من العلف وملات بطونها ولا فعل لها في ذلك، وفي المثل في كل شجر نار واستمجد المرح والغفار. ومعناه كثر ناره لانه ليس في الشجر أكثر نارا من الغفار.

وقوله تعالى (فعال لما يريد) معناه ما يشاؤه ويريده من أفعال نفسه يفعله

[321]

لا يمنعه من ذلك مانع ولا يعترض عليه معترض، ولا يجوز أن يكون المراد إنه فعال لكل ما يريد لان ذلك يقتضي انه فعال لكل ما يريد أن يفعله العباد، وذلك انه يستحيل أن يفعل ما يريد أن يفعله العباد، لان في ذلك ابطال الامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب، إذ لا يأمرهم أن يفعلوا ما قد فعله، ولا ينهاهم عنه، ولانه قد أراد من الكفار أن يؤمنوا، لانه قد أمرهم بالايمان وما فعل إيمانهم وقد قال الله تعالى (وما الله يريد ظلما للعالمين)(1) ولو فعل ظلمهم لكان قد أراد ظلمهم.

وقوله (هل اتاك حديث الجنود فرعون وثمود) معناه تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر، فانك تنتفع به، وهذا من الايجاز الحسن والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لما يذهب الوهم في أمرهم كل مذهب ويطلب الاعتبار كل مطلب.

وقوله (بل الذين كفروا في تكذيب) معناه بل هؤلاء الكفار الذين كفروا كذبوا بالبعث والنشور فاعرضوا عما يوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، واقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب من التأكيد، ولم يعلموا أن (الله من ورائهم محيط) يقدر أن ينزل بهم ما انزل بفرعون. وقيل المعنى (هل أتاك حديث الجنود) وما كان منهم إلى انبيائهم فاصبر كما صبر الرسل قبلك (بل الذين كفروا في تكذيب) ايثارا منهم لاهوائهم واتباعا لسنن آبائهم.

وقوله (والله من ورائهم محيط) أي هم مقدور عليهم كما يكون فيما احاط الله بهم، وهذا من بلاغة القرآن.

وقوله (بل هو قرآن مجيد) أي كريم فالمجيد الكريم العظيم الكريم بما يعطي من الخير، فلما كان القرآن يعطي المعاني الجليلة والدلائل النفيسة كان كريما مجيدا بما يعطي من ذلك، لان جميعه حكم.

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران 108

[322]

وقيل: الحكم على ثلاثة أوجه لارابع لها: معنى يعمل عليه فيما يخشى ويتقى، وموعظة تلين القلب للعمل بالحق، وحجة تؤدي إلى تمييز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا، وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود في القران.

وقوله (في لوح محفوظ) عن التغيير والتبديل والنقصان والزيادة.

وقال مجاهد: المحفوظ أم الكتاب، وقيل: انه اللوح المحفوظ الذي كتب الله جميع ما كان ويكون فيه - ذكره أنس بن مالك - أي كأنه بما ضمن الله من حفظه في لوح محفوظ ومن رفع (محفوظ) جعله صفة القرآن.

ومن قرأه بالخفض جعله صفة اللوح.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10112975

  • التاريخ : 30/07/2021 - 11:03

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net