00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة القلم 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء العاشر)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

68 - سورة القلم

مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتان وخمسون آية بلا خلاف

بسم الله الرحمن الرحيم

(ن والقلم وما يسطرون(1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون(2) وإن لك لأجرا غير ممنون(3) وإنك لعلى خلق عظيم(4) فستبصر ويبصرون(5) بأيّكم المفتون(6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين(7) فلا تطع المكذبين(8) ودّوا لو تدهن فيدهنون(9) ولا تطع كل حلاف مهين(10) هماز مشاء بنميم(11) مناع للخير معتد أثيم(12) عتلّ بعد ذلك زنيم(13) أن كان ذا مال وبنين(4) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين(15) سنسمه على الخرطوم(16))

ست عشرة آية.

قرأ الكسائي وابوبكر عن عاصم (ن والقلم) بالاخفاء. الباقون بالاظهار. والاظهار اقوى، لان النية بها الوقف إذ هي حرف هجاء. ويجوز ادغام النون الثانية في الواو المقارنة على قياس (من واقد) ولم يقرأ به احد.

[74]

وقرأ (آن كان ذا مال) بهمزة واحدة ممدودة يعقوب وابوجعفر وابن عامر - وبهمزتين - حمزة وابوبكر، الباقون بهمزة واحدة. واختلفوا في معنى (ن) في هذا الموضع.

فقال قوم: هو اسم من أسماء السورة مثل (حم، والم وص، وق) وما اشبه ذلك. وهو الذى قلنا إنه اقوى الاقوال.

وقال ابن عباس - في رواية عنه - إن النون الحوت الذى عليه الارضون. وفي رواية أخرى عنه إن النون الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: (نون) لوح من نور.

وقال قوم: تقديره ورب نون والقلم. والقلم آلة مبرية للكتابة. والمقلمة وعاء القلم، وجمعه أقلام، ومنه قلامة الظفر، لانه يؤخذ منه كالاخذ بالقط. وانجر القلم بالقسم.

وقوله (ومايسطرون) (ما) في موضع جر بالعطف على (والقلم) وكان القسم بالقلم ومايسطر بالقلم، ويجوز ان تكون (ما) مصدرية، وتقديره: ن والقلم وسطركم، فيكون القسم بالكتابة، وعلى الاول بالمكتوب والسطر الكتابة، وهو وضع الحروف على خط مستقيم: سطر يسطر سطرا إذا كتب، وأسطر إذا كتب. وجمع السطر سطور واسطار، قال رؤبة: اني وأسطار سطرن سطرا(1) والمسطرة آلة التسطير.

وقوله (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) هو المحلوف عليه، وهو جواب القسم، ومعناه لست يامحمد بمجنون بنعمة ربك، كما تقول ما انت بنعمة ربك بجاهل، وجاز تقديم معمولها بعد الباء، لانها زائدة مؤكدة في ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وتقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، وإنما قال (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) مع ان الجنة قد تكون نعمة، لان الجنة لاتكون

___________________________________

(1) مر في 4 / 110

[75]

نعمة من حيث هي جنة، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في الدين. والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح، وأصله الستر من قوله (جن عليه الليل)(1) إذا ستره.

وقيل إن قوله (ماانت بنعمة ربك بمجنون) جواب لقول المشركين حين قالوا (يا ايها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون)(2) فقال الله تعالى (ما انت بنعمة ربك بمجنون) وقوله (وإن لك) خطاب للنبي صلى الله عليه واله يقول له (وإن لك) يا محمد (لاجرا) أى ثوابا من الله على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها (غير ممنون) أى غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه منا إذا قطعه، ويقال: ضعفت منتي عن السفر، ورجل منين أى ضعيف، ويجوز ان يكون المراد به إنه غير مكدر بالمن الذى يقطع عن لزوم الشكر، من قولهم: المنة تكدر الصنيعة.

وقال الحسن: معناه لا يمن عليك بأجرك.

ثم وصف النبي صلى الله عليه واله فقال (وإنك) يا محمد (لعلى خلق عظيم) قال الحسن: على دين عظيم، وهو الاسلام. وقيل أدب القرآن.

وقال المؤرج: معناه على دين عظيم بلغة قريش.

وقالت عائشة: كانت خلق النبي صلى الله عليه واله ما تضمنه العشر الاول من سورة (المؤمنون)، فالخلق المرور في الفعل على عادة، فالخلق الكريم الصبر على الحق وسعة البذل، وتدبير الامور على مقتضى العقل وفي ذلك الرفق والاناة والحلم والمداراة.

ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح. وقيل: وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على جواب القسم.

وقوله (فستبصر ويبصرون) معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون، يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى (بأيكم المفتون)

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 76.

(2) سورة 15 الحجر آية 6

[76]

وقيل في معناه قولان: احدهما - باي فرقكم المفتون بما يجري مجرى الجنون. والثاني - ان يكون معنى (بأيكم المفتون) كما يقال: ليس له معقول أي عقل وتقديره ستعلم ويعلمون بمن منكم الجنون، وقيل: معنى الباء (في) وكأنه قال في أيكم الجنون المفتون المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون، وذلك كما يبتلى بشدة الهوى المجنون.

فيقال: فتن فلان بفلانة، وعلى هذا المعنى قال ابن عباس: بايكم المجنون وقال قتادة: معناه أيكم اولى بالشيطان جعل الباء زائدة كما قال الراجز:

نحن بنو جعدة اصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج(1)

ومعناه ونرجوا الفرج.

وقال مجاهد: معناه أيكم المفتون كأنه قال في أيكم المفتون.

ثم قال (ان ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله) الذي هو سبيل الحق أى بمن عدل عنها وجار عن السلوك فيها (وهو اعلم بالمهتدين) أى بمن اهتدى اليها وعمل، بموجبها. ثم نهى النبي صلى الله عليه واله فقال له (فلا تطع المكذبين) بتوحيد الله والجاحدين لنبوتك ولاتوافق ما يريدونه.

وقوله (ودوا لوتدهن فيدهنون) قال ابن عباس: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، وهو قول الضحاك، وفى رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه ود هؤلاء الكفار لوتلين في دينك، فيلينون في دينهم، فشبه التليين في الدين بتليين الدهن. وقيل: معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الاوثان فيما لونك.

والادهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة. وهو مثل النفاق. ورفع (فيدهنون) بالعطف على قوله (لوتدهن) ولم يجعله جواب التمني.

ثم قال له صلى الله عليه واله (ولا تطع) يا محمد (كل حلاف) أى من يقسم كثيرا

___________________________________

(1) مر في 7 / 118، 358 و 8 / 81

[77]

بالكذب (مهين) يعني مكشار في الشر - في قول الحسن وقتادة - والمهين الوضيع باكثاره من القبيح، ومن عرف بأنه يحلف على الكذب، فهو مهين.

وقال البلخي: المهين الفاجر - في هذا الموضع -.

وقوله (هماز مشاء بنميم) أى وقاع في الناس بما لى له أن يعيبهم به. والاصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من حروف المعجم، وهي همزة تخرج من الصدر بشدة اعتماد، وقال ابن عباس: الهماز المغتاب.

وقوله (مشاء بنميم) فالنميم التضريب بين الناس بنقل الكلام يغلظ لقلوب بعضهم على بعض ومنه النمام المشموم، لانه يججد ريحه كالمخبر عن نفسه، والنميم والنميمة مصدران.

وهو نقل الاحاديث بالتضريب: نم ينم نميما ونميمة (مناع للخير) أى يمنع خيره ونفعه، فلا ينتفع أحد به (معتد) قال قتادة: معناه متجاوز للحد في المعاملة (أثيم) أي آثم فهو (فعيل) بمعنى (فاعل) وهوالذي فعل ما يأثم به (عتل بعد ذلك) فالعتل الجافي الغليظ.

ومنه قوله (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم)(1) أي اذهبوا به بعنف وغلظة يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا زعزعه بغلظ وجفاء.

وقال ذو الاصبع: والدهر يغدو معتلا جذعا(2) وقيل: العتل الفاحش اللئيم. وروي عن النبي صلى الله عليه واله ذلك.

و (الزنيم) الدعي وهو الملصق بالقوم، وليس منهم. وأصله الزنمة وهي الهينة التي تتحرك تحت حلق الجدى وقال حسان:

وانت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد(3)

___________________________________

(1) سورة 44 الدخان آية 47.

(2) مجاز القرآن 2 / 264.

(3) ديوانه 160 اللسان (زنم)

[78]

و (بعد) هاهنا معناه (مع) وقال آخر

زنيم ليس يعرف من أبوه * بغي الام ذو حسب لئيم(1)

ويقال للتيس: زنيم له زنمتان، والزنيم الدعي - عن ابن عباس - وقيل: هوالذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها.

وقوله (أن كان ذا مال وبنين) من قرأ على الاستفهام، وهو حمزة وابو بكر عن عاصم أراد، ألان كان ذا مال وبنين؟ ! على وجه التوبيخ له (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) ويحتمل ان يكون المراد لان كان ذا مال وبنين يطاع. وقيل: كان له ألف دينار وعشرة بنين (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) أي أحاديث الاولين التي سطرت وكتبت لا أصل لها وواحد الاساطير أسطورة - في قول الزجاج.

وقرأ حمزة وابوبكر عن عاصم (أأن كان ذا مال وبنين) بهمزتين. وقرأ ابن عامر بهمزة ممدودة. الباقون بهمزة واحدة. وقد فسرناه.

فقال الله تعالى مهددا له ومتوعدا (سنسمه على الخرطوم) أي سنعلم على أنفه علامة يعرف بها الملائكة انه من أهل النار، فالسمة العلامة المفرقة بالرؤية بين الاشياء المختلطة، كسمة الخيل إذا أرسلت في المروج، وسمه يسمه توسما وسمة، فهو مرسوم. والخرطوم الانف، وهو الناتئ في الوجه الذي يقع به الشم. ومنه خرطوم الفيل، وخرطمه إذا قطع أنفه وجعله خراطيم.

وقال ابن عباس: معنى (سنسمه على الخرطوم) نحطمه بالسيف في القتال، كما فعل بهم يوم بدر.

وقال قتادة: معناه سنعلمه بشئ يبقى على الابد.

وقال بعضهم معناه: سنسود وجهه فعبر عن الوجه بالخرطوم، لانه فيه.

وقيل: نزلت هذه الايات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: نزلت

___________________________________

(1) تفسير الطبرى 29 / 14 والقرطبي 18 / 234

[79]

في الاخنس بن شريق الثقفي، كانت به زنمة يعرف بها - ذكره ابن عباس -

قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين(17) ولايستثنون(18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون(19) فأصبحت كالصريم(20) فتنادوا مصبحين(21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين(22) فانطلقوا وهم يتخافتون(23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين(24) وغدوا على حرد قادرين(25))

تسع آيات.

يقول الله تعالى (إنا بلوناهم) يعني هؤلاء الكفار أي اختبرناهم (كما بلونا أصحاب الجنة) يعني البستان (إذ أقسموا) أي حين اقسموا فيما بينهم (ليصر منها مصبحين) ووجه الكلام إنا بلونا أهل مكة بالجدب والقحط، كما بلونا اصحاب الجنة بهلاك الثمار التي كانت فيها حين دعا النبي صلى الله عليه واله عليهم، فقال (اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فالبلوى المحنة بشدة التعبد على ما يقتضيه الحال في صحة التكليف.

والصرم قطع ثمر النخل: صرم النخلة يصرمها صرما، فهو صارم، ومنه الصريمة القطيعة عن حال المودة. وهم عشرة أولاد كانوا لرجل من بني إسرائيل، وكان يأخذ من بستانه كفاية سنته ويتصدق بالباقى، فقال أولاده: ليس يكفينا، وحلفوا أنهم يصرمون بستانهم ليلا وابى عليهم ابوهم، فأقسموا أنهم ليصرمون ثمر نخل البستان إذا اصبحوا، ولم يستثنوا، ومعناه لم يقولوا إن شاء الله فقول القائل: لا فعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء ومعناه إن شاء الله منعي او تمكين ما نعي، فقال الله تعالى (فطاف عليها) يعني على

[80]

تلك الجنة (طائف من ربك) أي طرقها طارق من أمر الله، فالطائف الطارق ليلا، فاذا قيل أطاف به صلح في الليل والنهار، وانشد الفراء:

اطفت به نهارا غير ليلى * والهي ربها طلب الرخال(1)

الرخال أولاد الضان واحدها رخل وفى الانثى رخلة (وهم نائمون) أي في حال نومهم (فاصبحت) يعني الجنة (كالصريم) أي كالليل الاسود - في قول ابن عباس - وانشد ابوعمرو بن العلا:

ألا بكرت وعاذلنى تلوم * تجهلني وما انكشف الصريم(2)

وقال:

تطاول ليلك الجون البهيم * فيما ينجاب عن صبح صريم

إذا ما قلت اقشع او تناهى * جرت من كل ناحية غيوم(3)

وقال قوم: الصريم هو المصروم، وقال سعيد بن جبير: الصريم أرض معروفة باليمين لا نبات فيها تدعى صروان، وإنما قيل لليل صروم، لانه يقطع بظلمته عن التصرف في الامور.

وقيل: إنما فعل الله بهم ذلك لانهم منعوا الحقوق اللازمة من ثمار هذه الجنة.

والصرم قطع الثمر. والصريم المصروم جميع ثماره.

وقوله (فتنادوا مصبحين) اخبار عن حالهم أنهم لما اصبحوا نادى بعضهم بعضا يافلان يا فلان، والتنادي دعاء بعض الناس بعضا بطريقة يافلان وأصله من الندى بالقصر، لان النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يافلان، لان الصوت إنما يمتد للانسان بندى حلقه.

والنادي مجلس الرفد وهو الندي (ان اغدوا على حرثكم) أى نادى بعضهم بعضا بأن اغدوا، او قالوا: (اغدوا على حرثكم) والحرث الزرع الذي قد حرثت له الارض، حرث يحرث حرثا والحراث

___________________________________

(1، 2، 3) تفسير الطبري 19 / 17 واللسان (صرم)

[81]

الذى يحرث الارض، ومنه الحارث، ومنه الحرث، كناية عن الجماع.

ويقال: احترث لاهله إذا اكتسب بطلب الرزق، كما يطلب الحراث (إن كنتم صارمين) أى قاطعين لثماركم، فالصارم قاطع ثمر الشجر على الاستئصال.

واكثر ما يستعمل ذلك في النخل، ويجوز في الشجر، وأصله القطع. وقد تصرم النهار إذا مضى قطعة قطعة حتى انقضى. وقيل: معناه إن كنتم حاصدين زرعكم.

ثم قال (فانطلقوا) أى ذهبوا، وهم (يتخافتون) فالتخافت التقابل في اخفاء الحركة، وأصله الخفاة من خفت فلان يخفت إذا اخفى نفسه ومعناه - ههنا - يتسارون بينهم (ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) في - قول قتادة - وقوله (وغدوا على حرد) فالحرد القصد، حرد يحرد حردا فهو حارد.

قال الشاعر:

اقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة(1)

أى يقصد، وقال الحسن: معناه على جهة من الفاقة.

وقال مجاهد: معناه على جد من أمرهم، وهو قول قتادة وابن زيد: وقال سفيان: معناه على حنق، وذلك من قول الاشهب بن رميلة:

اسود شرى لاقت اسود خفية * فساقوا على حرد دماء الاساود(2)

أي على غضب.

وقيل: معناه على منع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها.

والاصل القصد.

وقوله (قادرين) معناه مقدرين انهم يصرمون ثمارهم، ويجوز ان يكون المراد وغدوا على حرد قادرين عند انفسهم على صرام جنتهم.

___________________________________

(1) مر في 6 / 217.

(2) اللسان (حرد)

[82]

قوله تعالى: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون(26) بل نحن محرومون(27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون(28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين(29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون(30) قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين(31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون(32) كذلك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون(33))

ثمان آيات.

يقول الله تعالى مخبرا إن أولئك الكفار بنعم الله لما نادى بعضهم بعضا وانطلقوا إلى صرم ثمارهم وتساروا ألا يدخل عليهم مسكين يطلب منهم (فلما رأوها) أي حين جاؤا وجدوا البستان كالليل الاسود قالوا أهلكه الله وطرقه طارق من أمر الله فاهلكه، فلما رأوا تلك الجنة على تلك الصورة (قالوا إنا لضالون) أي اعترفوا بأنهم قد عدلوا عن طريق الحق وجازوا عن سبيل الواجب وذهبوا عن طريق الرشاد. ثم استدركوا فقالوا (بل نحن محرومون) ما كان لنا في جنتنا، وتقديره إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمرها، والضلال الذهاب عن طريق الرشاد إلى طريق الهلاك بالفساد.

والحرمان منع الخير الذي كان ينال لولا ما حدث من سبب الانقطاع، يقال: حرمه يحرمه حرمانا فهو محروم في خلاف المرزوق.

وقال قتادة: معنى قوله (إنا لضالون) أي اخطأنا الطريق ما هذه جنتنا، فقال بعضهم لبعض (بل نحن محرومون)

[83]

وقوله (قال اوسطهم) معناه قال أعدلهم قولا - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك - والاوسط الكائن بين الاكبر والاصغر. والمراد ههنا بين الاكبر والاصغر في الخروج عن القصد (ألم أقل لكم) على وجه التهجين لهم أما قلت لكم (لولا تسبحون) أى هلا تستثنون، والتسبيح التنزيه لله عما لا يجوز عليه من صفة، وهو التنزيه عن كل صفة ذم ونقص، فلذلك جاز أن يسمى الاستثناء بأن يشاء الله تسبيحا. وقيل معناه لولا تصلون.

ثم حكى انهم (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) ومعناه إنهم اعترفوا أن الله لم يظلمهم وانهم ظلموا انفسهم في عزمهم على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام من غير استثناء، فحرموا قطعها والانتفاع بها، ثم قال (فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضا ويذم بعضهم بعضا.

ثم (قالوا ياويلنا) والويل غلظ المكروه الشاق على النفس، والويس دونه. والويح وسط بينهما، وإنما نودي بالويل بيانا عن حال الشدة، كأنه يقول ياويل تعال فانه من أحيانك (إنا كنا طاغين) أي علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه، فالطغيان العلو في الظلم والداعي اليه طلب الارتفاع بغير استحقاق بالقهر والاعتصاب.

وقيل: الطاغي المتجاوز للحد في الفساد وقال عمر وبن عبيد: يجوز أن يكون ذلك منهم توبة وإيمانا، ويجوز أن يكون ذلك على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة.

ثم قالوا (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) أي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا لعل الله تعالى يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت (إنا إلى ربنا راغبون) أي ترغب اليه ونسأله ونتوب اليه مما فعلناه. فالتبديل تثبيت شئ مكان غيره مما ينافيه، بدله تبديلا فهو مبدل. ومثله التغير إلا أن التبديل لا يكون إلا في شيئين والتغير قد يكون للشئ الواحد. وقرئ بالتشديد والتخفيف، فالتخفيف من الابدال، والتشديد من التبديل ومعناهما واحد.

[84]

وقوله (كذلك العذاب) معناه مثل ما فعلنا بهؤلاء هذا العذاب عاجلا في دار الدنيا، ثم قال (ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) إن هناك عقابا وعذابا. وخير من كذا أي اعظم نفعا منه وأحسن في العقل، ومثله الاصلح والاولى والاجل، والاكبر هو الذي يصغر مقدار غير منه بالاضافة اليه. وقد يكون أكبر شأنا واكبر شخصا.

قوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم(34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين(35) مالكم كيف تحكمون(36) أم لكم كتاب فيه تدرسون(37) إن لكم فيه لما تخيرون(38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون(39) سلهم أيّهم بذلك زعيم(40))

سبع آيات.

لما اخبر الله تعالى ما حل بالكفار، وما هو معد لهم في الاخرة أخبر بما للمؤمنين من أهل الطاعات، فقال (ان للمتقين) يعني للذين أمنوا عقاب الله باتقاء معاصيه وفعل طاعاته (عند ربهم جنات النعيم) أي بساتين يتنعمون فيها ويتلذذون بها.

ثم قال على وجه الانكار على الكفار وانه لا يسوى بينهم وبين المؤمنين فقال (افنجعل المسلمين) الذين أسلموا لله وانقادوا لطاعته وامتثلوا ما أمرهم به (كالمجرمين) أى مثل من عصاه وخرج عن طاعته وارتكب ما نهاه عنه؟ ! فهذا لا يكون أبدا.

وقوله (مالكم كيف تحكمون) تهجين لهم وتوبيخ. ومعناه أعلى حال الصواب أم

[85]

على حال الخطاء؟ وعلى حال الرشاد أم الغي، فعلى أي حال تحكمون في الاحوال التي تدعون إلى الفعل أحال الباطل أم حال الحق؟

وقوله (أم لكم كتاب فيه تدرسون) معناه ألكم كتاب تدرسون فيه خلاف ما قد قامت عليكم الحجة به فأنتم متمسكون به ولا تلتفتون إلى خلافه؟ ! وليس الامر على ذلك فاذ قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه، وفي هذا عليكم أكبر الحجة وأوكد الموعظة، لان الكتاب الذي تقوم به الحجة حتى لا يجوز خلافه إلى أن تقوم الساعة هو الذي تشهد له المعجزة من غير اجازة نسخ له في حال ثانية، وهو القرآن الذي فيه معنى الاعجاز من غير نسح له فيما بعد في باقى الزمان.

وقوله (إن لكم فيه لما تخيرون) يحتمل امرين: احدهما - أن يكون تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم ما تخيرون إلا انه حذفت الباء وكسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، الثاني - ان يكون ذلك خرج مخرج التوبيخ، وتقديره وإن لكم لما تخيرون عند أنفسكم، والامر بخلاف ظنكم،، لانه لا يجوز ان يكون ذلك خبرا مطلقا.

وقوله (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون) كسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، والحكم خبر بمعنى يفصل الامر على جهة القهر والمنع وأصله المنع من قول الشاعر:

ابني حنيفة احكموا سفهاء‌كم * إني اخاف عليكم ان اغضبا(1)

أي امنعوهم.

ومنه الحكمة، لانها معرفة تمنع الفساد يصرفها عنه بما يذم به. والحكمة في الفعل المنعة من الفساد منه، ومنه حكمة الدابة لمنعها إياها من الفساد.

___________________________________

(1) مر تخريجه في 2 / 188

[86]

وقوله (سلهم ايهم بذلك زعيم) قال ابن عباس وقتادة: زعيم أي كفيل والزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر والمعنى سلهم أيهم زعيم ضامن يدعي علينا ان لهم علينا أيمانا بالغة؟ فلا يمكنهم ادعاء ذلك.

قوله تعالى: (أم لهم شركاء فلياتوا بشركائهم إن كانوا صادقين(41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون(42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون(43) فذرني (ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون(44) وأملي لهم إن كيدي متين(45))

خمس آيات.

قوله (أم لهم شركاء) توبيخ لهؤلاء الكفار وإنكار عليهم إتخاذ إله مع الله وتوجيه عبادتهم اليه، فقال (أم لهم شركاء) في العبادة مع الله (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) أي شركاؤهم الذين تفوم بهم الحجة، فلا سبيل لهم إلى ذلك فالحجة لازمة عليهم لان كل دعوى لم يكن صاحبهاأن يقيم البينة عليها فيلزمه أن يقيمها بغيره.

والشريك عبارة عمن يختص بمعنى هو له ولغيره من غير إنفراد به. وإنما قلنا من غير إنفراد به لنفرق بين ما هو له ولغيره وهوله ايضا كالغفران هو لهذا التائب ولتائب آخر، ولهذا التائب مطلقا، فليس فيه شريك، وكذلك هذا العبد هو ملك لله تعالى، ولهذا المولى، وهو لله على الاطلاق، فليس في هذا شركة وإنما قيل الشركاء في الدعوى، لانها مما لو انفرد بعضهم عن ان يدعيها لم يدعها الاخر، كأنهم تعاونوا عليها، فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى في الاية أم لهم

[87]

شركاء يدعون مثل ما يدعيه هؤلاء الكفار، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين أي شركاء هم الذين تقوم بهم الحجة، ولا سبيل لهم إلى ذلك فهو لازم عليهم.

وقوله (يوم يكشف عن ساق) قال الزجاج: هو متعلق بقوله (فليأتوا بشركائهم.. يوم يكشف عن ساق) وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك: معنا يوم يبدو عن الامر الشديد كالقطيع من هول يوم القيامة. والساق ساق الانسان وساق الشجرة لما يقوم عليه بدنها وكل نبت له ساق فهو شجر قال الشاعر:

للفتى عقل يعيش به * حيث يهدي ساقه قدمه(1)

فالمعنى يوم يشتد الامر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى ان يقوم على ساق، وقد كثر في كلام العرب حتي صار كالمثل فيقولون: قامت الحرب على ساق وكشفت عن ساق قال (زهير بن جذيمة).

فاذا شمرت لك عن ساقها * فويها ربيع ولاتسأم(2)

وقال جد ابي طرفة:

كشفت لهم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح(3)

وقال آخر:

قد شمرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا

والقوس فيها وتر غرد(4) وقوله (ويدعون إلى السجود) قيل: معناه إنه يقال لهم على وجه التوبيخ: اسجدوا (فلا يستطيعون) وقيل: معناه إن شدة الامر وصعوبة الحال تدعوهم إلى السجود، وإن كانوا لاينتفعون به.

___________________________________

(1) اللسان (سوق).

(2) مجاز القرآن 2 / 266.

(3) اللسان (سوق) والقرطبي 18 / 248.

(4) القرطبي 18 / 48

[88]

ثم قال (خاشعة ابصارهم) أي ذليلة ابصارهم لايرفعون نظرهم عن الارض ذلة ومهانة (ترهقهم ذلة معناه تغشاهم ذلة يقال: رهقه يرهقه رهقا، فهو رهق إذا غشيه، ورهقه الفارس إذا أدركه، وراهق الغلام إذا أدرك.

وقوله (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) يعني دعاهم الله تعالى إلى السجود والخضوع له في دار الدنيا وزمان التكليف، فلم يفعلوا، فلا ينفعهم السجود في ذلك الوقت.

وقوله (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) تهديد، ومعناه ذرني والمكذبين أي اوكل أمرهم إلي كما يقول القائل ادعني وإياه.

وقوله (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) معناه سآخذهم إلى العقاب حالا بعد حال.

وقوله (واملي لهم) أي واطيل آجالهم وأؤخرها (إن كيدي متين) أي قوي، فكانه قال سنستدرج أعمالهم إلى عقابهم وإن أطلناها لهم نستخرج ما عندهم قليلا قليلا. وأصله من الدرجة، لان الراقي ينزل منها مرقاة مرقاة فأشبه هذا. ووجه الحكمة في ذلك أنهم لو عرفوا الوقت الذي يؤخذون فيه لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت، وصاروا مغربين بالقبيح، والله تعالى لا يفعل ذلك.

[89]

قوله تعالى: (أم تسئلم أجرا فهم من مغرم مثقلون(46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون(47) فاصبر لحكم ربك ولاتكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم(48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم(49) فاجتبيه ربه فجعله من الصالحين(50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بابصارهم لمّا سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون(51) وما هو إلا ذكر للعالمين(52))

ست آيات.

قرأ نافع وحده (ليزلقونك) بفتح الياء من زلفت. الباقون بضمها من أزلقت، وهما لغتان: زلقت، وأزلفت.

قال الفراء: يقولون: زلقت شعره وأزلقته إذا حلقته. والمعنى ليرمون بك ويلقونك.

يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله على وجه التوبيخ للكفار (أم تسألهم) اي هل تسألهم (أجرا) يعني ثوابا وجزاء على دعائك إياهم إلى الله وتخويفك إياهم من المعاصي وأمرك إياهم بطاعة الله (فهم من مغرم) أي هم من لزوم ذلك (مثقلون) أي محملون، فالاجر القسط من الخير الذي يستحق بالعمل. والمغرم ما يلزم من الدين الذي يلج في اقتضائه. وأصله اللزوم بالالحاح، ومنه قوله (إن عذابها كان غراما)(1) أي لازما ملحا قال الشاعر:

يوم الجفار ويوم النسار * كانا عذابا وكانا غراما(2)

وقولهم دفع مغرم أي دفع الاقتضاء بالالحاح. والغرم مايلزم بالاقتضاء على وجه الالحاح فقط. والمثقل المحمل للثقل وهو ما فيه مشقة على النفس كالمشقة بالحمل الثقيل على الظهر، يقال: هو مثقل بالدين، ومثقل بالعيال ومثقل بما عليه من الحقوق اللازمة والامور الواجبة.

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 65.

(2) مر في 7 / 505 و 9 / 505

[90]

وقوله (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) معناه هل عندهم علم أختصوا به لا يعلمه غيرهم، فهم يكتبونه ويتوارثونه بصحة ما يدعونه فينبغي ان يبرزوه ثم قال للنبي صلى الله عليه واله (فاصبر لحكم ربك) الذي حكم عليك بالصبر وأمهلهم إلى وقت آجالهم (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني ولاتكن في استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا تخرج من بين ظهراني قومك قبل ان يأذن الله لك في ذلك كمافعل يونس (إذ نادى وهو مكظوم) قال ابن عباس ومجاهد: معناه مغموم، كأن الغم قد حبسه عن الانبساط في أمره، والمكظوم المحبوس عن التصرف في الامور، ومنه كظمت رأس القربة إذا شددت رأسها، وكظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو اليه.

وقال قتادة: لا تكن مثله في العجلة والمغاضبة، حتى نادى يونس وهو ممنوع بقعطه عن شفاء غيظه، والذى نادى به (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فجعله الله من الصالحين، بما بين لعباده من صلاحه، ويجوز بما لطف له حتى صلح في كل ما امره الله به. وفي الكلام حذف، وتقديره: ولا تكن كصاحب الحوت في استعجاله الخروج من بين قومه انتظارا لنزول العذاب بهم، فلما رفع الله عنهم العذاب مضى على وجهه، فعاتبه على ذلك وحبسه في بطن الحوت، فلجأ إلى الله تعالى.

وقوله (إذ نادى) متعلق بتقدير: إذكر يا محمد حاله إذ نادى. ولا يجوز ان يكون متعلقا بقوله (ولاتكن كصاحب الحوت) حين نادى، لان الله لا ينهى نبيه أن يقول مثل ما قال يونس من الدعاء.

وقوله (لولا ان تداركه نعمة من ربه) معناه لولا أن الله رحم يونس ولحقته نعمة من جهته (لنبذ بالعراء) أي لطرح بالصحراء الواسعة (وهو مذموم) قالوا هي الارض العارية من النبات والابنية وكل حال ساترة.

[91]

وقال الفراء: الفضاء من الارض العاري، قال الشاعر وهو قيس بن جعدة:

ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي(1)

وقوله (وهو مذموم) قال ابن عباس: وهو مليم أي أتى بما يلام عليه، ولكن الله تعالى تداركه برحمة من عنده، فطرح بالعراء وهو غير مذموم.

وقوله (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) معناه اختار الله يونسا فجعله من جملة الصالحين المطيعين لله التاركين لمعاصيه.

وقوله (وإن يكاد الذين كفروا) قال النحويون: (إن) هذه المخففة عن الثقيلة، لانها لو كانت للشرط لجزم (يكد) وتقديره، وإن يكاد الذين كفروا أي قارب الذين كفروا (ليزلقونك بابصارهم) أي يرمون بك عند نظرهم غيظا عليك قال الشاعر:

يتلاحظون إذا التقوا في محفل * نظرا يزيل مواقع الاقدام(2)

ويكاد يصرعه بحدة نظره.

وقيل كان الرجل إذا أراد ان يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم نظره فيصرعه بذلك، والمفسرون كلهم على المراد بازلاقهم له بأبصارهم من الاصابة بالعين.

وقال الجبائي منكرا لذلك: إن هذا ليس بصحيح، لان هذا من نظر العداوة وذلك عندهم من نظر المحبة على أن إصابة العين ليس بصحيح.

قال الرماني: وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، فلا وجه للامتناع من ذلك، وعليه اجماع المفسرين، وهو المعروف بين العقلاء والمسلمين وغيرهم، فينبغي ان يكون مجوزا.

وروي أن اسماء بنت عيس قالت: يا رسول الله صلى الله عليه واله

___________________________________

(1) مر في 8 / 530.

(2) القرطبى 18 / 256 وهو مروي مع اختلاف

[92]

إن بني جعفر يصيبهم العين، فأسترقي لهم، قال: نعم، فلو كان شئ سابق القدر سبقة العين.

وقيل: إنهم كانوا يقولون مااظهر حججه، وما افصح كلامه، وما ابلغ خطابه، يريدون بذلك ان يعينوه به، قال البلخي: المعنى إنهم كانوا ينظرون اليه نظر عداوة وتوعد، ونظر من بهم به، كما يقول القائل: يكاد يصرعني بشدة نظره قال الشاعر:

يتعارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواضع الاقدام(1)

أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالبغضاء والعداوة، ونظر يزيل الاقدام عن مواضعها أي يكاد يزيل.

وقوله (لما سمعوا الذكر) يعني القرآن (ويقولون) مع ذلك (إنه لمجنون) قد غلب على عقله، قالوا ذلك فيه مع علمهم بوقارة عقله تكذبا عليه ومعاندة له، فقال الله تعالى ردا عليهم (وما هو) أي ليس هذا القرآن (إلا ذكر للعالمين) أي شرف إلى ان تقوم الساعة.

___________________________________

(1) مر في الصفحة التي قبلها. وقد روي في غير هذا الكتاب مع هذا الاختلاف في الكلمات.

[93]




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10112876

  • التاريخ : 30/07/2021 - 10:21

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net