00989338131045
 
 
 
 
 
 

  سورة الواقعة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء التاسع )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

56 - سورة الواقعة

هي مكية بلا خلاف وهي تسع وتسعون آية حجازي وشامي، وسبع وتسعون بصرى، وست وتسعون كوفي، وسبع وتسعون في المدنيين.

وروي عن مسروق أنه قال من أراد أن يعلم نبأ الاولين ونبأ الآخرين ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة، فليقرأ الواقعة.

بسم الله الرحمن الرحيم

(إذا وقعت الواقعة(1) ليس لواقعتها كاذبة(2) خافضة رافعة(3) إذا رجت الارض رجا(4) وبست الجبال بسا(5) فكانت هباء منبثا(6) وكنتم أزواجا ثلثة(7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة(8) وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة(9) والسابقون السابقون(10) أولئك المقربون(11) في جنات النعيم(12) ثلة من الاولين(13) وقليل من الاخرين(14) على سرر موضونة(15) متكئين عليها متقابلين(16))

ست عشرة آية كوفي، وسبع عشرة آية بصري وشامي، وثمان عشرة آية

[488]

حجازى، عد الكل (وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة) ولم يعده الكوفيون. وعد الحجازيون والكوفيون (موضونة) ولم يعده الباقون.

(إذا) متعلقة بمحذوف، وتقديره إذكروا (إذا وقعت الواقعة) قال المبرد: إذا وقعت معناه إذا تقع، وإنما وقع الماضي - ههنا - لان (إذا) للاستقبال ومعناه إذا ظهرت القيامة وحدثت.

والوقوع ظهور الشئ بالحدوث، وقع يقع وقوعا فهو واقع، والانثى واقعة (وإذا) تقع للجزاء (ليس لوقعتها كاذبة) معناه قال الفراء ليس لها مردودة ولا رد.

وقيل: ليس لوقعتها قضية كاذبة فيها، لاخبار الله تعالى بها ودلالة العقل عليها، وقال قوم: معناه ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها.

وقيل: الكاذبة - ههنا - مصدر مثل العاقبة والعافية.

وقال الضحاك: القيامة تقع بصيحة عند النفخة الثانية.

وقوله (خافضة رافعة) قيل: تخفيض قوما بالمعصية وترفع قوما بالطاعة، لانها إنما وقعت للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل العقاب، فهو مضاف إلى الواقعة على هذا المعنى.

وقال الحسن: تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة. والقراء: كلهم على رفع خافضة بتقدير هي خافضة رافعة. وقرأه الترمذى في اختياره بالنصب على الحال، وتقديره إذا وقعت الواقعة تقع خافضة رافعة على الحال.

وقوله (إذا رجت الارض رجا) معناه زلزلت الارض زلزالا - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - والزلزلة الحركة باضطراب وإهتزاز، ومنه قولهم: ارتج السهم عند خروجه عن القوس. وقيل: ترتج الارض بمعنى أنه ينهدم كل بناء على الارض.

وقوله (وبست الجبال بسا) معناه فتت فتا - في قول ابن عباس ومجاهد

[489]

وابي صالح والسدى - وهو كما يبس السويق أى يلت. والبسيس السويق او الدقيق يلت ويتخذ زادا.

وقال لص من غطفان:

لا تخبزا خبزا وبسا بسا *** ولا تطيلا مناخ حبسا(1)

وقال الزجاج: يجوز أن يكون معنى بست سيفت وأنشد: وانبس حيات الكيثب الاهيل(2) وقوله " فكانت هباء منبثا " فالهباء غبار كالشعاع في الرقة، وكثيرا ما يخرج مع شعا الشمس من الكوة النافذة، فسبحان الله القادر على أن يجعل الجبال بهذه الصفة. والانبثات افتراق الاجزاء الكثيرة في الجهات المختلفة، فكل أجزاء أنفرشت بالتفرق في الجهات فهي منبثة، وفى تفرق الجبال على هذه الصفة عبرة ومعجزة لا يقدر عليها إلا الله تعالى.

وقوله " وكنتم أزواجا ثلاثة " معناه كنتم أصنافا ثلاثة، كل صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ولذلك قيل على هذه المزاوجة: قد زاوج بين الكلامين أي شاكل بينهما.

وقوله " فاصحب الميمنة " يعني أصحاب اليمن والبركة والثواب من الله تعالى.

وقوله " ما أصحاب الميمنة " بصورة الاستفهام، والمراد تعظيم شأنهم في الخبر عن حالهم " واصحاب المشئمة " معناه الشؤم والنكد وعقاب الابد.

وقوله " ما أصحاب المشأمة " على تعظيم شأنهم في الشر وسوء الحال.

وقيل: أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وخبر (أصحاب الميمنة) ما أصحاب الميمنة، كأنه قيل: أي

___________________________________

(1، 2) الصحاح واللسان (بسس) والقرطبي 17 / 196

[490]

شئ هم؟ وفيه تعجيب عن حالهم. وقيل: أصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتبهم بشمالهم.

وقوله " والسابقون السابقون " معناه الذين سبقوا إلى اتباع الانبياء فصاروا أئمة الهدى.

وقيل: السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمته، والسابقون إلى الخير إنما كانوا أفضل لانهم يقتدى بهم في الخير ويسبقوا إلى أعلى المراتب قبل من يجيئ بعدهم فلهذا تميزوا من التابعين بما لا يلحقونهم به ولو اجتهدوا كل الاجتهاد والسابقون الثاني يصلح أن يكون خبرا عن الاول، كأنه قال: والسابقون الاولون في الخير، ويصلح أن يكون " أولئك المقربون " وقوله " أولئك المقربون " معناه الذين قربوا من جزيل ثواب الله وعظيم كرامته بالامر الاكثر الذي لا يبلغه من دونهم في الفضل.

والسابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله في أعلا المراتب وأقربها إلى مجالس كرامته بما يظهر لاهل المعرفة منزلة صاحبه في جلالته ويصل بذلك السرور إلى قلبه، وإنما قال " في جنات النعيم " مع أنه معلوم من صفة المقربين، لئلا يتوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى، وإنما هم مقربون من كرامة الله في الجنة لانها درجات ومنازل بعضها أرفع من بعض.

والفرق بين النعيم والنعمة أن النعمة تقتضي شكر المنعم من أنعم عليه نعمة وانعاما، والنعيم من نعم نعيما كقولك أنتفع انتفاعا.

وقوله " ثلة من الاولين " فالثلة الجماعة. وأصله القطعة من قولهم: ثل عرشه إذا قطع ملكه بهدم سريره. والثلة القطعة من الناس، وقال الزجاج: الثل القطع، والثلة كالفرقة والقطعة. وهو خبر ابتداء محذوف، وتقديره: هم ثلة من الاولين، وهم قليل من الاخرين.

وقوله " وقليل من الآخرين " إنما قال ذلك لان الذين سبقوا إلى إجابة النبي صلى الله عليه واله قليل من كثير ممن سبق إلى النبيين.

[491]

وقوله " على سرر موضونة " فالموضونة المنسوجة المداخلة كصفة الدرع المضاعفة قال الاعشى:

ومن نسج داود موضونة *** تساق إلى الحي عيرا فعيرا(1)

ومنه (وضين الناقة) وهي البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا وقيل: موضونة مشبكة بالذهب والجوهر، وقال ابن عباس ومجاهد: موضونة بالذهب وقال عكرمة: مشبكة بالدر، وقال ابن عباس - في رواية أخرى - موضونة معناه مظفورة، والوضين حبل منسوج من سيور.

وقوله " متكئين عليها متقابلين " معناه مستندين متحاذيين كل واحد بازاء الآخر، وذلك أعظم في باب السرور. والتقابل والتحاذي والتواجه واحد. والمعنى إن بعضهم ينظر إلى بعض وينظر إلى وجه بعض لا ينظر في قفاه، من حسن عشرته وتهذيب أخلاقه.

قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون(17) بأكواب وأباريق وكأن من معين(18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون(19) وفاكهة مما يتخيرون(20) ولحم طير مما يشتهون(21) وحور عين(22) كأمثال اللؤلؤ المكنون(23) جزاء بما كانوا يعملون(24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تاثيما(25) إلا قيلا سلاما سلاما(26))

عشر آيات كوفى ومدني الاخير، وتسع فيما عداه، عد المكي واسماعيل

___________________________________

(1) ديوانه 71 واللسان (وضمن) ومجاز القرآن 2 / 248

[492]

" وأباريق " ولم يعده الباقون. وعد المدني والكوفى " وحور عين " ولم يعده الباقون. قرأ ابوجعفر وأهل الكوفة إلا عاصما وخلفا " وحور عين " خفضا. الباقون بالرفع.

فمن رفع حمله على: ولهم حور عين. واختاروا الرفع لان الحور العين لا يطاف بهن، وإنما يطاف بالكأس، وعلى هذا يلزم أن يقرأ " وفاكهة " رفعا وكذلك " ولحم طير " بالرفع لانهما لا يطاف بهما، فما اعتذروا في ذلك فهو عذر من قرأ بالخفض.

ومن خفض عطف على الاول لتشاكل الكلام من غير اخلال بالمعنى إذ هو مفهوم. وقال الزجاج: ويكون تقديره ينعمون بكذا وحور عين. وقال ابوعلى تقديره وفي مجاورة حور عين أو معانقة حور عين، لان الكلام الاول يدل عليه وقال الشاعر:

اذا ما الغانيات برزن يوما *** وزججن الحواجب والعيونا(1)

والمعنى وكحلن العيون فرده على قوله (وزججن) ومثله: (متقلدا سيفا ورمحا)(2) اي وحاملا رمحا. وكان يجوز النصب على تقدير ويعطون حورا عينا كما قال الشاعر:

جئني بمثل بني بدر لقومهم *** او مثل اخوة منظور بن سيار(3)

لما كان معنى جئني هات عطف او مثل على المعنى وقال الحسن الحور البيض. وقال مجاهد يحار فيهن البصر.

___________________________________

(1) القرطبى 17 / 205.

(2) مر في 4 / 232.

(3) مر في 3 / 455 و 6 / 30

[493]

لما ذكرالله تعالى ان السابقين إلى الخيرات والطاعات هم المقربون إلى نعيم الجنة وثوابها، فانهم على سرر موضونة متقابلين، اخبر انه " يطوف عليهم ولدان " يعني صبيان " مخلدون " فالطوف الزور بالتنقل في المكان، ومنه الطائف الذي يطوف بالبلد على وجه الحرس.

والولدان جمع وليد. ومخلدون قال مجاهد معناه باقون لهم لا يموتون.

وقال الحسن: معناه انهم على حالة واحد لا يهرمون، يقال: رجل مخلد اي باق زمانا أسود اللحية لا يشيب وقال الفراء: معناه مقرطون والخلد القرط.

والاكواب جمع كوب وهي اباريق واسعة الرؤوس بلا خراطيم - في قول قتادة - قال الاعشى:

صليفية طيبا طعمها *** لها زبد بين كوب ودن(1)

والاباريق التي لها عرى وخراطيم واحدها إبريق و " كأس من معين " اي يطوفون عليهم ايضا بكأس من خمر معين ظاهر للعيون جار " لا يصدعون عنها " اي لا يلحقهم الصداع من شربها " ولا ينزفون " اي لا تنزف عقولهم بمعنى لا تذهب بالسكر - في قول مجاهد وقتادة والضحاك - ومن قرأ " ينزفون " بالكسر، وهو حمزة والكسائي وخلف، حمله على أنه لا تفنى خمرهم قال الابرد:

لعمري لئن أنزفتم او صحوتم *** لبئس الندامى كنتم آل أبجرا(2)

وقوله " وفاكهة مما يتخيرون " أي ويطاف عليهم بفاكهة مما يختارونه ومما يشتهونه، وينعمون بفاكهة مما يشتهونه.

وقوله " ولحم طير مما يشتهون " أي ويطاف عليهم او ينعمون بلحم طير مما يشتهون.

وقوله " وحور عين " من رفعه حمله على معنى ولهم فيها حور عين، لانهن لا يطاف بهن وإنما يطاف بالكأس. ومن جر فعلى معنى وينعمون بحور عين او يحصلون في معانقة حور عين. والحور جمع حوراء والحور نقاء البياض من كل شائب يجري مجرى الوسخ.

وقوله " كأمثال اللؤلؤ "

___________________________________

(1) مر في 9 / 216.

(2) مر في 8 / 496

[494]

أي مثل هؤلاء الحور في البياض والنقاء مثل اللؤلؤ " المكنون " يعني الدر المصون عما يلحق به من دنس كأنه مأخوذ من أن الدرة تبقى على حسنها اكثر مما يبقى غيرها لطبعها وصيانة الناس لها قال عمر بن أبي ربيعة:

وهي زهراء مثل لؤلؤ الغواص *** ميزت من جوهر مكنون

" جزاء " أي يفعل ذلك بهم جزاء ومكافأة على ما عملوه في دار الدنيا من الطاعات وأجتناب المعاصي ثم قال " لا يسمعون فيها لغوا " أي لا يسمع المثابون في الجنة لغوا يعنى مالا فائدة فيه من الكلام، لان كل ما يتكلمون به فيه فائدة (ولا تأثيما) ولا يجري فيها ما يؤثم فيه قائله من قبيح القول (إلا قيلا سلاما سلاما) يعني لكن يسمعون قول بعضهم لبعض على وجه التحية " سلاما سلاما " إنهم يتداعون بالسلام على حسن الآداب وكريم الاخلاق الذي يوجب التواد، لان طباعهم قد هذبت على أتم الكمال.

ونصب (سلاما) على تقدير سلمك الله سلاما بدوام النعمة وحال الغبطة، وجاز ان يعمل فيه سلام، لانه يدل عليه، كما يدل على قوله " والله أنبتكم من الارض نباتا "(1) ويصلح أن يكون سلاما نعتا لقوله " قيلا " ويصلح أن ينتصب ب‍ (قيل) فالوجوه الثلاثة محتملة.

وقيل " إلا قيلا سلاما سلاما " أي قولا يؤدي إلى السلامة.

___________________________________

(1) سورة 71 نوح آية 17

[495]

قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين(27) في سدر مخضود(28) وطلح منضود(29) وظل ممدود(30) وماء مسكوب(31) وفاكهة كثيرة(32) لا مقطوعة ولا ممنوعة(33) وفرش مرفوعة(34) إنا أنشاناهن إنشاء(35) فجعلناهن أبكارا(36) عربا أترابا(37) لاصحاب اليمين(38) ثلة من الاولين(39) وثلة من الآخرين(40))

أربع عشرة آية كوفى وعدد اسماعيل وبصري، وخمس عشرة آية فيما عداه عد المدني والمكي والبصري " وأصحاب اليمين " ولم يعده الباقون. وعد المدنيان والمكي والكوفى والشامي " انشاء " ولم يعده الباقون.

قرأ اسماعيل وحمزة وخلف ويحيى " عربا " مخففة. الباقون مثقلة، وهما لغتان. وروي عن علي عليه السلام انه قرأ " وطلع منضود " بالعين.

والقراء على الحاء وقال علي عليه السلام: هو كقوله " ونخل طلعها هضيم "(1) وقال كالمتعجب: وما هو شأن الطلع؟ ! فقيل: له ألا تغيره؟ قال: القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول.

وقوله " وأصحاب اليمين " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أولها - الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.

الثاني - الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.

الثالث - اصحاب اليمين والبركة.

وقوله " ما اصحاب اليمين " معنا ومعنى " ما أصحاب الميمنة " سواء وقد فسرناه.

وقوله " في سدر مخضود " فالسدر شجر النبق، والمخضود هو الذي لا شوك فيه وخضد بكثرة جملته وذهاب شوكه - في قول ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد والضحاك - وأصل الخضد عطف العود اللين.

فمن ههنا قيل: لا شوك فيه، لان الغالب على الرطب اللين أنه لا شوك له.

وقوله " وطلح منضود " قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وابن زيد: الطلح شجر الموز.

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 148

[496]

وقال ابوعبيدة: الطلح كل شجر عظيم كثير الشوك، وقال الحارثي:

بشرها دليلها وقالا *** غدا ترين الطلح والجبالا(1)

وقال الزجاج: الطلح شجر أم غيلان.

وقد يكون على أحسن حال، والمنضود هو الذي نضد بعضه على بعض من الموز - ذكره ابن عباس - وهو من نضدت المتاع إذا عبيت بعضه على بعض.

قيل: فقنوا الموز منضود بعضه على بعض " وظل ممدود " معناه دائم لا تنسخه الشمس قال لبيد:

غلب البقاء وكنت غير مغلب *** دهر طويل دائم ممدود(2)

وروي في الخبر أن (في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة).

وقوله " وماء مسكوب " أي مصبوب على الخمر يشرب بالمزاج.

وقال قوم: يعني مصبوب يشرب على ما يرى من حسنه وصفائه، ولا يحتاجون إلى تعب في استقائه.

وقوله " وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة " أي وثمار مختلفة كثيرة غير قليلة. وقيل الوجه في تكرار ذكر الفاكهة البيان عن اختلاف صفاتها فذكرت اولا بأنها مما يتخيرون، وذكرت - ههنا - بأنها كثيرة وبأنها لا مقطوعة ولا ممنوعة. ومعناه لا مقطوعة كما تنقطع فواكه الدنيا في الشتاء في اوقات مخصوصة، ولا ممنوع بتعذر تناول او شوك يؤذي كما يكون ذلك في الدنيا.

وقوله " وفرش مرفوعة " أي عالية يقال: بناء مرفوع أي عال. وقيل: معناه ونساء مرتفعات القدر في عقولهن وحسنهن وكمالهن. وقال الحسن: فرش

___________________________________

(1) القرطبى 17 / 208 ومجاز القرآن 2 / 250.

(2) القرطبي 17 / 209 والطبري 27 / 94

[497]

مرفوعة بعضها فوق بعض، والفرش المهاد المهيأ للاضطجاع، فرش يفرش فرشا فهو فارش والشئ مفروش، ومنه قوله " الذي جعل لكم الارض فراشا "(1) لانها تصلح للاستقرار عليها.

وقوله " إنا انشأناهن انشاء " معناه إن اخترعنا أزواجهم اختراعا، وهذا يقوي قول من حمل الفرش على النساء.

وقيل: المعنى انا أنشأناهن من البنية " فجعلناهن أبكارا " والبكر التي لم يفتضها الرجل، ولم تفتض وهي على خلقتها الاولى من حال الانشاء.

واصله الاول، ومنه بكرة أول النهار. والابتكار عمل الشئ اولا.

والباكورة أول ما يأتي من الفاكهة.

والبكر من الابل الفتى في اول أمره وحداثة سنه.

وقال الضحاك: ابكارا عذارى.

وفى الخبر المرفوع (انهن كن عجائز رمضا في الدنيا).

وقوله " عربا أترابا " فالعرب العواشق لازواجهن المنجبات اليهم - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة - وقال لبيد:

وفى الحدوج عروب غير فاحشة *** ريا الروادف يعشى دونها البصر(2)

والعرب جمع عروب على وزن (رسول، ورسل) وهي اللعوب مع زوجها انسا به راغبة فيه، كأنس العربي بكلام العرب، فكأن لها فطنة العرب وإلفهم وعهدهم.

والاتراب جمع ترب وهو الوليدة التي تنشأ مع مثلها في حال الصبى، وهو مأخوذ من لعب الصبيان بالتراب أي هم كالصبيان الذين على سن واحد.

قال عمر ابن ابي ربيعة:

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 22.

(2) مجاز القرآن 2 / 251 والقرطبي 17 / 211

[498]

ابرزوها مثل المهاة تهادي *** بين عشر كواعب أتراب(1)

وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: الاتراب المستويات على سن واحد.

وقوله " لاصحاب اليمين " أي جميع ما تقدم ذكره لهم جزاء وثوابا على طاعاتهم.

وقوله " ثلة من الاولين وثلة من الآخرين " فالثلة القطعة من الجماعة، فكأنه قال جماعة من الاولين وجماعة من الآخرين. وإذا ذكر بالتنكير كان على معنى البعض من الجملة، كما تقول رجال من جملة الرجال. وفائدة الآية أنه ليس هذا لجميع الاولين والآخرين. وإنما هو لجماعة منهم.

وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال (إني لارجوان تكون أمتي شطر أهل الجنة) ثم تلا قوله " ثلة من الاولين وثلة من الآخرين " وقال الحسن: سابقوا من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قيل " وقليل من الآخرين " وفى التابعين وثلة من الآخرين.

قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال(41) في سموم وحميم(42) وظل من يحموم(43) لا بارد ولا كريم(44) إنهم كانوا قبل ذلك مترفين(45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم(46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاماء إنا لمبعوثون(47) أو آباؤنا الاولون(48) قل إن الاولين والآخرين(49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم(50))

عشر آيات كوفي عند جميعهم. وأحدى عشر آية في المدني الاول. عد

___________________________________

(1) مر في 8 / 573

[499]

الكل " وأصحاب الشمال " ولم يعده الكوفيون.

وعد الكل " في سموم وحميم " ولم يعده الكوفيون، وعد " المكنون " و " كانوا يقولون " ولم يعده الباقون.

وعد الكل إلا اسماعيل والشاميين " الاولين والآخرين " وعد اسماعيل والشاميون " لمجموعون " ولم يعده الباقون.

قيل في معنى قوله " وأصحاب الشمال " ثلاثة اقوال: أحدها - إنهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى جهنم.

الثاني - هم الذين يأخذون كتبهم بشمالهم.

الثالث - الذين يلزمهم حال الشؤم والنكد.

وكل هذا من أوصافهم.

وقوله " ما أصحاب الشمال " معناه معنى قوله " واصحاب المشأمة ما اصحاب المشئمة " وقد فسرناه.

وقوله " في سموم وحميم " فالسموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، ومسام البدن خروقه، ومنه أخذ السم، لانه يسري في المسام. والحميم الحار الشديد الحرارة من الماء، ومنه قوله " يصب من فوق رؤسهم الحميم "(1) وحم ذلك أي ادناه كأنه حرر أمره حتى دنا. وقيل: في سمون جهنم وحميمها.

وقوله " وظل من يحموم " فاليحموم الاسود الشديد السواد باحتراق النار، وهو (يفعول) من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار.

وأسود يحموم أي شديد السواد " وظل من يحموم " أي دخان شديد السواد - في قول ابن عباس وابي مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد - وقوله " لا بارد ولا كريم " معناه لا بارد كبرد ظلال الشمس، لانه دخان جهنم، ولا كريم، لان كل ما انتفى عنه الخير، فليس بكريم.

وقال قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر.

___________________________________

(1) سورة 22 الحج آية 19

[500]

وقوله " إنهم كانوا قبل ذلك مترفين " قال ابن عباس: معناه إنهم كانوا في الدنيا متنغمين.

وقوله " وكانوا يصرون على الحنث العظيم " قال قتادة ومجاهد كانوا يقيمون على الذنب العظيم، ولا يتوبون منه، ولا يقلعون عنه.

وقال الحسن والضحاك وابن زيد: كانوا يقيمون على الشرك العظيم.

وقيل: اصرارهم على الحنث هو ما بينه الله تعالى في قوله " واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت "(1) والاصرار الاقامة على الامر من جهة العزم على فعله، فالاصرار على الذنب نقيض التوبة منه، والحنث نقض العهد المؤكد بالحلف، فهؤلاء ينقضون العهود التي يلزمهم الوفاء بها، ويقمون على ذلك غير تائبين منه، ووصف الذنب بأنه عظيم أنه اكبر من غيره مما هو أصغر منه من الذنوب.

وقوله " وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الاولون "؟ ! حكاية من الله تعالى عما كان يقول هؤلاء الكفار من انكارهم البعث والنشور والثواب والعقاب وأنهم كانوا يقولون مستبعدين منكرين: أئذا متنا وخرجنا عن كوننا أحياء وصرنا ترابا وعظاما بالية أئنا لمبعوثون؟ ! ولم يجمع ابن عامر بين الاستفهامين إلا ههنا، أو يبعث واحد من آبائنا الذين تقدموا قبلنا ويحشرون ويردون إلى كونهم أحياء إن هذا لبعيد.

والواو في قوله (او آباؤنا) متحركة، لانها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (قل إن الاولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) أي قل لهم يا محمد إن تقدمكم من آبائكم او غير آبائكم، والآخرين الذين يتأخرون عن زمانكم يجمعهم الله ويبعثهم ويحشرهم إلى وقت يوم معلوم عندالله، وهو يوم القيامة

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 38

[501]

قوله تعالى: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون(51) لآكلون من شجر من زقوم(52) فمالئون منها البطون(53) فشاربون عليه من الحميم(54) فشاربون شرب الهيم(55) هذا نزلهم يوم الدين(56) نحن خلقناكم فلولا تصدقون(57) أفرأيتم ما تمنون(58) ء‌أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون(59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين(60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في مالا تعلمون(61))

احدى عشرة آية بلا خلاف

قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وسهل (شرب الهيم) بضم الشين. الباقون بالفتح، وهما لغتان.

وقرأ (نحن قدرنا) خفيفة ابن كثير. الباقون بالتشديد وهما لغتان.

يقال قدرت، وقدرت، وقد فرق بينهما فيما ذكره.

لما امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله أن يقول لمن انكر البعث والنشور قل لهم إنكم ومن تقدمكم وتأخر عنكم مبعوثون ومحشورون إلى يوم القيامة بين مالهم في ذلك اليوم فقال (ثم أنكم أيها الضالون المكذبون) يعني الذين ضللتم عن الدين وعن طريق الحق وحرمتم عن إتباع الصحيح المكذبون الذين كذبتم بتوحيد الله واخلاص العبادة له وجحدتم نبوة نبيه (لا كلون) يوم القيامة (من شجر من زقوم) فالزقوم ما يبتلع بتصعب، يقال: تزقم هذا الطعام تزقما إذا ابتلعه بتصعب.

وقيل: هو طعام خشن مركريه يعسر نزوله في الحلق.

وقوله (فما لئون منها البطون) أي تملئون بطونكم من أكل هذا الزقوم

[502]

والشجر يؤنث ويذكر، فلذلك قال (منها) وكذلك الثمر يذكر ويؤنث، فالتذكير على الجنس، والتأنيث على المبالغة. والبطون جمع بطن وهو خلاف الظهر، وهو داخل الوعاء وخارجه ظهر، وبطن الامر إذا غمض، ومنه الظهارة والبطانة، وبطن الانسان، وبطن الارض، وبطن الكتاب.

وقوله (فشاربون عليه من الحميم) معناه إنكم تشربون على هذا الزقوم الذي ملاتم بطونكم منه (من الحميم) وهو الماء الحار الشديد الحرارة (فشاربون شرب الهيم) أي تشربون مثل ما تشرب الهيم، فمن فتح الشين أراد المصدر ومن ضمه أراد الاسم، وقيل هما لغتان.

وروى جعفر بن محمد أن النبي صلى الله عليه واله أمر بلالا ان ينادي بمنى إنها أيام اكل وشرب - بفتح الشين - و (الهيم) الابل التي لا تروى من الماء لداء يصيبها، واحدها (أهيم) والانثى (هيما) ومن العرب من يقول: هايم وهايمة، وتجمعه على هيم كغايط وغيط.

وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: معناه شرب الابل العطاشى التي لا تروى.

وقيل: هو داء الهيام.

وحكى الفراء: إن الهيم الرجل الذي لا يروى من الماء يشرب ما يحصل فيه.

وقوله (هذا نزلهم يوم الدين) فالنزل الامر الذي ينزل عليه صاحبه، ومنه النزل وهو الجاري للانسان من الخير، وأهل الضلال قد نزلوا على أنواع العذاب في النار، وكل ما فصله الله تعالى من ذلك ففيه أتم الزجر واعظم الردع. وقيل: معنى الآية هذا طعامهم وشرابهم يوم الجزاء.

وقوله (نحن خلقناكم) أي نحن انشأناكم وابتدأناكم في النشأة الاولى (فهلا تصدقون) أنكم تبعثون. ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ما ذكرناه فقال (أفرأيتم ما تمنون) ومعناه الذي يخرج منكم من المني عند الجماع، ويخلق منه الولد (أأنتم تخلقونه) وتنشئونه (أم نحن الخالقون) فهم لا يمكنهم ادعاء إضافة ذلك

[503]

إلى نفوسهم لعجزهم عن ذلك، فلا بد من الاعتراف بأن الله هو الخالق لذلك، واذا ثبت انه قادر على خلق الولد من النطفة وجب أن يكون قادرا على اعادته بعد موته لانه مثله، وليس بأبعد منه، يقال: أمنى يمني، ومنى يمني، بمعنى واحد، وكذلك أمذى، ومذى - في قول الفراء.

وقوله تعالى (نحن قدرنا بينكم الموت) فالتقدير ترتيب الامور على مقدار فالله تعالى أجرى الموت بين العباد على مقدار ما تقتضيه الحكمة، فانما أجراه الحكيم على ذلك المقدار.

وقوله (وما نحن بمسبوقين) أي لسنا بمسبوقين في تدبيرنا، لان الامور كلها في مقدور الله وسلطانه على ما يصح ويجوز فيما مكن منه أو اعجز عنه.

وقال مجاهد: تقدير الموت بالتعجيل لقوم والتأخير لغيرهم.

وقيل (نحن قدرنا بينكم الموت) بأن كتبناه على مقدار، لا زيادة فيه ولا نقصان.

ويقال: قدرت الشئ مخففا، وقدرته مثقلا بمعنى واحد.

وقوله (على ان نبدل امثالكم) فالتبديل جعل الشئ موضع غيره، فتبديل الحكمة بالحكمة صواب وتبديل الحكمة بخلافها خطأ وسفه، فعلى هذا ينشئ الله قوما بعد قوم، لان المصلحة تقتضي ذلك، والحكمة توجب إنشاء‌هم في وقت وإماتتهم في وقت آخر. وانشاؤهم بعد ذلك للحساب والثواب والعقاب.

وقيل: إن معنى (على أن نبدل) التبدل أي لنبدل أمثالكم، وبين (على) و (اللام) فرق، لانه يجوز أن يقال: عمله على قبحه، ولا يجوز عمله لقبحه.

وتعليم الاستدلال بالنشأة الاولى على النشأة الثانية فيه تعليم القياس.

وقوله (وننشئكم فيما لا تعلمون) معناه فيما لا تعلمون من الهيآت والصور المختلفة، لان المؤمن يخلق على أحسن صورة، والكافر على أقبح صورة. وقيل:

[504]

هذا على النشأة الثانية يكونها الله في وقت لا يعلمه العباد، ولا يعلمون كيفيته، كما علموا الانشاء الاول من جهة التناسل. وقيل: معناه لو أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم يعييننا ذلك، ولا سبقنا اليه سابق.

ويجوز أن يقال: أمثال متفقة، ولا يجوز أن يقال اجناس متفقة، لان المثل ينفصل بالصورة كما ينفصل رجل عن رجل بالصورة، وما انفصل بالصورة يجوز جمعه، لان الصورة قد منعت أن تجري على الكثير منه صفة التوحيد، فلا يجوز أن يقال هؤلاء الرجال كلهم رجال واحد ويجوز هذا الماء كله ماء واحد، وهذه المذاهب كلها مذهب واحد، ولا يجوز هؤلاء الامثال كلهم أمثال واحد، لانهم ينفصلون بالصورة. وجرى مجرى المختلفة في انه لايقع على صفة التوحيد.

قوله تعالى: (ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون(62) أفرأيتم ما تحرثون(63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون(64) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون(65) إنا لمغرمون(66) بل نحن محرومون(67) أفرأيتم الماء الذي تشربون(68) ء‌أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون(69) لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون(71))

تسع آيات بلا خلاف.

قرأ ابوبكر " أإنا لمغرمون " على الاستفهام. الباقون على الخبر.

يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين أنكروا النشأة الثانية، ومنبها لهم على قدرته عليها، فقال (ولقد علمتم النشأة الاولى فهلا تذكرون) وتفكرون وتعتبرون

[505]

بأن من قدر عليها قدر على النشأة الثانية. والنشأة المرة من الانشاء، كالضربة من الضرب، والانشاء إيجاد الشئ من غير سبب يولده، ومثله الاختراع والابتداع. ثم نبههم على طريق غيره فقال (أفرأيتم ما تحرثون) من الزرع (أأنتم تزرعونه) أي أأنتم تنبتونه وتجعلونه رزقا (أم نحن الزارعون) فان من قدر على إنبات الزرع من الحبة الحقيرة وجعلها حبوبا كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه.

وقوله (لو نشاء لجعلناه) يعني ذات الزرع (حطاما) أي هشيما لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء لفعلنا.

وقوله (فظلتم تفكهون) معناه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة - في رواية عنه - تعجبون.

وقال الحسن وقتادة - في رواية - فظلتم تندمون أي لو جعلناه حطاما لظلتم تندمون.

والمعنى إنكم كنتم تتروحون إلى التندم، كما تتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم، وأصله التفكه تناول ضروب الفاكهة للاكل، وقوله (إنا لمغرمون) المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض عنه. وأصله ذهاب المال بغير عوض، فمنه الغريم لذهاب ماله بالاحتباس على المدين من غير عوض منه في الاحتباس، والغارم الذي عليه الدين الذي يطالبه به الغريم. ومنه قوله (ان عذابها كان غراما)(1) أي ملحا دائما كالحاح الغريم.

وقال الحسن: هو من الغرم.

وقال قتادة معنى (لمغرمون) لمعذبون، قال الاعشى:

إن يعاقب يكن غراما وإن يعد ***؟ جزيلا فانه لا يبالي(2)

أي يكن عقابه عذابا ملحا كالحاح الغريم.

وقال الراجز:

يوم النسار ويوم الجفار *** كانا عذابا وكانا غراما(3)

أي ملحا كالحاح الغريم، وحذف يقولون إنا لمغرمون، لدلالة الحكاية.

___________________________________

(1) سورة 25 الفرقان آية 65.

(2، 3) مر في 7 / 505

[506]

وقال: معنى لغرمون محدودون عن الخط.

وقال قتادة محارفون.

وقال مجاهد - في رواية أخرى - إنا لمولع بنا. وفى رواية غيره عنه معناه إنا لملقون في الشر.

ومن قرأ (أإنا لمغرمون) على الاستفهام حمل على أنهم يقرعون ويقولون منكرين. أإنا لمغرمون؟ ! ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم مخبرون بذلك عن انفسهم. ثم يستدركون فيقولون لا (بل نحن محرومون) مبخوسون بحظوظنا محارفون بهلاك زرعنا.

ثم قال لهم منبها على دلالة اخرى فقال (افرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم انزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) والمعنى إنه تعالى امتن عليهم بما انعم عليهم من انزال الماء العذب (من المزن) يعني السحاب ليشربوه وينتفعوا به، فقال لهم (أأنتم انزلتموه من المزن أم نحن المنزلون) له عليكم نعمة منا عليكم ورحمة بكم.

ثم قال (لو نشاء جعلناه اجاجا) قال الفراء: الاجاج المر الشديد المرارة من الماء.

وقال قوم: الاجاج الذي اشتدت ملوحته (فلو لا تشكرون) أي فهلا تشكرون على هذه النعمة التي لا يقدر عليها غيرالله، وعلمتم بذلك ان من قدر على ذلك قدر على النشأة الاخرى فانها لا تتعذر عليه كمالا يتعذر عليه هذه النعم.

قوله تعالى: (أفرأيتم النار التي تورون(71) ء‌أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن(72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين(73) فسبح باسم ربك العظيم(74) فلا أقسم بمواقع النجوم(75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم(76) إنه لقرآن كريم(77) في كتاب مكنون(78) لا يمسه إلا المطهرون(79) تنزيل من رب العالمين(80))

عشر آيات بلا خلاف.

[507]

قرأ اهل الكوفة إلا عاصما (بموقع) على التوحيد. الباقون (بمواقع) على الجمع.

هذا تنبيه آخر من الله تعالى على قدرته على النشأة الثانية، وعلى وجه الدلالة على ذلك وعلى اختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره، لانه قال (افرأيتم) معاشر العقلاء (النار التي تورون) فالنار مأخوذ من النور، ومنه قول الحارث ابن حلزة:

فتنورت نارها من بعيد *** بخزازي هيهات منك الصلاء(1)

وجمع النور انوار، وجمع النار نيران، والنار على ضربين: نار محرقة، ونار غير محرقة. فالتي لا تحرق النار الكامنة بما هي مغمورة به كنار الشجر ونار الحجر ونار الكيد. والتي تحرق هي النار الظاهرة فيما هي مجاورة له مما من شأنه الاشتعال، وهي معروفة.

ومعنى " تورون " تظهرون النار، ولا يجوز الهمزة، لانه من اورى يورى إيراء إذا قدح، فمعنى تورون تقدحون. وورى الزند يوري، فهو وار إذا. أنقدحت منه النار، ووريت بك زنادي إذا اصابك أمري كما يضيئ القدح بالزناد ثم قال " أانتم أنشأتم شجرتها " يعني الشجرة التي تنقدح منها النار أي انتم انبتموها وابتد أتموها " أم نحن المنشئون " لها، فلا يمكن أحد ان يدعي ان الذي أنشأها غير الله تعالى والعرب تقدح بالزند والزندة، وهو خشب معروف يحك بعضه ببعض فيخرج منه النار - ذكره الزجاج وغيره - وفى المثل (كل شجرة فيها نار واستمجد المرخ والعفار) فان قيل: لم لا يكون نار الشجر بطبع الشجر لا من قادر عليه.

___________________________________

(1) اللسان (نور)

[508]

قيل: الطبع غيرمعقول، فلا يجوز أن يسند اليه الافعال، ولو جاز ذلك للزم في جميع افعال الله، وذلك باطل ولو كان معقولا لكان ذلك الطبع لابد ان يكون في الشجر والله تعالى الذي أنشأ الشجرة وما فيها، فقد رجع إلى قادر عليه وإن كان بواسطة، ولو جاز ان تكون النار من غير قادر عليها لجاز أن يكون من عاجز، لانه إذا امتنع الفعل ممن ليس بقادر عليه منا، لانه فعل، وكل فعل ممتنع ممن ليس بقادر عليه.

وقوله " نحن جعلناها " يعني تلك النار " تذكرة ومتاعا للمقوين " أي جعلنا النار تذكرة للنار الكبرى، وهي نار جهنم، فيكون ذلك زجرا عن المعاصي التي يستحق بها النار - في قول مجاهد وقتادة - ويجوز ان يكون المراد تذكرة يتذكر بها ويتفكر فيها ويعتبر بها، فيعلم انه تعالى قادر على النشأة الثانية، كما قدر على إخراج النار من الشجر الرطب.

وقوله " ومتاعا للمقوين " يعني ينتفع بها المسافرون الذين نزلوا الارض القي وهي القفر، قال الراجز: قي يناصيها بلاد قي(1) وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: للمقوين المسافرين، وقيل: هو من أقوت الدار إذا خلت من أهلها قال الشاعر:

اقوى واقفر من نعم وغيرها *** هوج الرياح بها في الترب موار(2)

وقد يكون المقوي الذي قويت خيله ونعمه في هذا الموضع.

ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين بأن " سبح بحمد ربك العظيم " أي نزه الله تعالى عما لا يليق به وأدعه باسمه العظيم.

___________________________________

(1) اللسان (قوا).

(2) تفسير الطبري 27 / 104

[509]

وقوله " فلا اقسم بمواقع النجوم " قال سعيد به جبير: (لا) صلة والتقدير أقسم.

وقال الفراء: هي نفي بمعنى ليس الامر كما تقولون.

ثم استؤنف " اقسم " وقيل (لا) تزاد قبل القسم، كقولك لا والله لا افعل، ولا والله ما كلمت زيدا وقال امرؤ القيس:

لا وأبيك ابنة العامري *** لا يدعي القوم اني أفر(1)

بمعنى وابيك و (لا) زائدة و " مواقع النجوم " قال ابن عباس ومجاهد أي القرآن، لانه أنزل نجوما.

وقال مجاهد - في رواية أخرى - وقتادة: يعني مساقط نجوم السماء ومطالعها.

وقال الحسن: معناه إنكدارها وهو إنتشارها يوم القيامة، ومن قرأ " بموقع " فلانه يقع على الكثير والقليل.

ومن قرأ على الجمع، فلا ختلاف أجناسه.

وقوله " وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " اخبار من الله تعالى بأن هذا القسم الذي ذكره بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمه لا نتفعتم بعلمه. والقسم جملة من الكلام يؤكد بها الخبر بما يجعله في قسم الصواب دون الخطأ على طريقة بالله إنه لكذا.

وقال ابوعلي الجبائي: القسم في كل ما ذكر في القرآن من المخلوقات إنما هو قسم بربه، وهذا ترك الظاهر من غير دليل، لانه قد يجوز ذلك على جهة التنبيه على ما في الاشياء من العبرة والمنفعة. وقد روي أنه لا ينبغي لاحد أن يقسم إلا بالله، ولله ان يقسم بما يشاء من خلقه، فعلى هذا كل من اقسم بغير الله او بشي من صفاته من جميع المخلوقات او الطلاق او العتاق لا يكون ذلك يمينا منعقدة، بل يكون كلاما لغوا. والعظيم هو الذي يقصر عن مقداره غيره فيما يكون منه، وهو على ضربين: احدهما - عظيم الشخص، والآخر - عظيم الشأن.

وقوله " إنه لقرآن كريم " معناه إن الذي تلوناه عليكم لقرآن تفرقون به

___________________________________

(1) ديوانه (السندوبى) 94

[510]

بين الحق والباطل " كريم " فالكريم هو الذي من شأنه أن يعطي الخير الكثير، فلما كان القرآن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالادلة التي تؤدي إلى الحق في الدين كان كريما على حقيقة معنى الكريم، لا على التشبيه بطريق المجاز، والكريم في صفات الله من الصفات النفسية التي يجوز فيها لم يزل كريما، لان حقيقته تقتضي ذلك من جهة ان الكريم الذي من شأنه ان يعطي الخير الكثير، فلما كان القادر على التكرم هو الذي لا يمنعه مانع من شأنه ان يعطي الخير الكثير صح أن يقال إنه لم يزل كريما.

وقوله " في كتاب مكنون " قيل: هو اللوح المحفوظ أثبت الله تعالى فيه القرآن والمكنون المصون.

وقوله " لا يمسه إلا المطهرون " قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لا يمس الكتاب الذي في السماء إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة - في قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر وابن زيد وأبي نهيد ومجاهد.

وقيل " لا يمسه إلا المطهرون " في حكم الله. وقد استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز للجنب والحائض والمحدث أن يمسوا القرآن، وهو المكتوب في الكتاب الذي فيه القرآن أو اللوح.

وقال قوم: إنه لا يجوز لهم ان يمسوا الكتاب الذي فيه، ولا أطراف او راقه، وحملوا الضمير على انه راجع إلى الكتاب وهو كل كتاب فيه القرآن.

وعندنا إن الضمير راجع إلى القرآن. وإن قلنا إن الكتاب هو اللوح المحفوظ، فلذلك وصفه بأنه مصون، ويبين ما قلناه قوله " تنزيل من رب العالمين " يعني هذا القرآن تنزيل من رب العالمين أنزله الله الذي خلق الخلائق ودبرهم على ما أراد.

[511]

قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون(81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون(82) فلولا إذا بلغت الحلقوم(83) وأنتم حينئذ تنظرون(84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون(85) فلولا إن كنتم غير مدينين(86) ترجعونها إن كنتم صادقين(87) فأما إن كان من المقربين(88) فروح وريحان وجنت نعيم(89) وأما إن كان من أصحاب اليمين(90) فسلام لك من أصحاب اليمين(91))

إثنا عشرة آية شامي، واحدى عشرة فيما عداه، عد الشاميون " وروح وريحان " ولم يعده الباقون.

قرأ يعقوب " فروح وريحان " بضم الراء. الباقون بفتحها، وهما لغتان.

وقال الزجاج: الروح بفتح الراء معناه الراحة وبالضم معناه حياة دائمة لا موت معها. يقول الله تعالى مخاطبا للمكلفين على وجه التقريع لهم والتوبيخ بصورة الاستفهام " أفبهذا الحديث " الذي حدثناكم به وأخبرناكم به من حوادث الامور " أنتم مدهنون " قال ابن عباس: معنى مدهنون مكذبون.

وقال مجاهد: معناه تريدون أن تمالؤهم فيه وتركنوا اليهم لانه جريان معهم في باطلهم.

وقيل: معناه منافقون في التصديق بهذا الحديث وسماه الله تعالى حديثا كما قال " الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها "(1) ومعناه معنى الحدوث شيئا بعد شئ ونقيض (حديث) قديم، والمدهن الذي يجري في الباطل على خلاف الظاهر، كالدهن في سهولة ذلك

___________________________________

(1) سورة 39 الزمر آية 23

[512]

عليه والاسراع فيه، أدهن يدهن إدهانا وداهنه مداهنة مثل نافقه منافقة، وكل مدهن بصواب الحديث مذموم.

وقوله " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " معناه وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم إنكم تكذبون ويجوز شكر رزقكم، وقال ابن عباس: معناه وتجعلون شكركم، وروي انه كان يقرأ كذلك.

وقيل: حظكم من القرآن - الذي رزقكم الله - التكذيب به - في قول الحسن - وقيل: إنهم كانوا إذا أمطرو او أخصبوا، قالوا مطرنا بنؤ كذا، فأنزل الله تعالى الآية تكذيبا لهم. وكذلك قرأ المفضل عن عاصم " تكذبون " بفتح التاء خفيفا.

وقوله " فلولا إذا بلغت الحلقوم " قال الحسن: معناه هلا إذا بلغت هذه النفس التي زعمتم أن الله لا يبعثها الحلقوم " وانتم حينئذ تنظرون " أي تنظرون ما ينزل بكم من امر الله قال الزجاج: قوله تعالى " وانتم حينئذ " خطاب لاهل الميت، وتقديره إذا بلغت الحلقوم وانتم معاشر اهله ترونه على تلك الصورة. ويحتمل ان يكون المراد وأنتم حينئذ تبصرون على ضرب من المجاز.

وقوله " ونحن اقرب اليه منكم " معناه إن الله تعالى يراه من غير مساقة بينه وبينه، فلا شئ اقرب اليه منه، واقرب من كل من يراه بمسافة بينه وبينه " ولكن لا تبصرون " معناه ولكن لا تعلمون ذلك لجهلكم بالله وبما يجوز عليه ومالا يجوز. ويحتمل أن يكون المراد ولكن لا تبصرون الله، لان الرؤية مستحيلة عليه. وقيل معناه: ولكن لا تبصرون الملائكة التي تتولى قبض روحه.

وقوله " فلولا ان كنتم غير مدينين " معناه هلا إن كنتم غير مجزيين بثواب الله او عقابه على ما تدعونه من إنكار البعث والنشور " ترجعونها " أي تردون هذه النفس إلى موضعها " إن كنتم صادقين " في قولكم وإدعائكم.

[513]

وحكى الطبري عن بعض النحويين ان الكلام خرج متوجها إلى قوم أنكروا البعث، وقالوا نحن نقدر على الامتناع من الموت، فقيل لهم: هلا رددتم النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم صادقين فيما تدعونه.

وقال الفراء: جواب (لولا) (ترجعونها) وهو جواب " فلولا إن كنتم غير مدينين " اجيبا بجواب واحد، قال ومثله " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب "(1) يعني إن الجواب والخبر في هذا على قياس واحد، وإنما جاز ان يجاب معنيان بجواب واحد، لان كل واحد منهما يوجب ذلك المعنى، والمعنى فلولا إذا بلغت الحلقوم على ادعائهم انه لا يصح ان يكون القادر على إخراجها قادرا على ردها يلزم ان يكون القادر على ردها غيره، وكذلك يلزم من قولهم إنه لا يصح ان يقدر على ردها للجزاء ان يكون القادر غيره منهم ومن أشبهاههم.

والرجع جعل الشئ على الصفة التي كان عليها قبل، وهو إنقلابه إلى الحال الاولى، ولو انقلب إلى غيرها لم يكن راجعا. ووجه إلزامهم على إنكار الجزاء ورجوع النفس إلى الدنيا ان إنكار ان يكون القادر على النشأة الاولى قادرا على النشأة الثانية كادعاء ان القادر على الثانية انما هو من لم يقدر على الاولى، لان إنكار الاول يقتضي ايجاب الثاني كانكار ان يكون زيد المتحرك حركت نفسه في اقتضاء ان غيره حركه.

ومعنى " غير مدينين " غير مجزبين.

وقيل: معناه غير مملوكين، والدين الجزاء.

ومنه قولهم: كما تدين تدان أي تجزي تجزى والدين العمل الذي يستحق به الجزاء من قوله " ان الدين عندالله الاسلام "(2) ومنه دين اليهود غير دين النصارى، وفلان يتدين أي يعمل ما يطلب به الجزاء من الله تعالى، والعبد مدين، لانه تحت جزاء

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 188.

(2) سورة 3 آل عمران آية 19

[514]

مولاه، وإنما يجوز الانقلاب من صفة إلى صفة على ان يكون على احدهما بجعل جاعل ومن استحق صفة النفس لا لمعنى ولا بالفاعل لا يجوز ان ينقلب عنها إلى غيرها.

وقوله " فاما ان كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم " اخبار من الله تعالى بما يستحقه المكلفون لمن كان منهم سابقا إلى الخيرات والى افعال الطاعات فله روح وريحان، وهو الهوى الذي يلذ النفس ويزيل عنها الهم.

وقيل: الروح الراحة والريحان: الرزق - في قول مجاهد وسعيد بن جبير - وقال الحسن وقتادة: هو الريحان المشموم، وكل نبات طيب الريح، فهو ريحان، وقيل الروح الفرح.

وقيل: الروح النسيم الذي تستريح اليه النفس. واصل ريحان روحان، لانه من الواو إلا انه خفف، وأهمل التثقيل للزيادة التي لحقته من الالف والنون - ذكره الزجاج - وقوله " وجنة نعيم " أي ولهذا المقرب مع الروح والريحان " جنة نعيم " أي بستان ينعم فيها ويلتذ بأنواع الثمار والفواكه فيها.

وقوله " واما ان كان من اصحاب اليمين " وقد فسرنا معناه " فسلام لك من اصحاب اليمين " دخلت كاف الخطاب كما يدخل في ناهيك به شرفا، وحسبك به كرما أي لا تطلب زيادة جلالة على جلالة، وكذلك سلام لك منهم أي لا تطلب زيادة على سلامهم جلالة وعظم منزلة.

وقال قتادة: معناه فسلام لك ايها الانسان الذي من اصحاب اليمين من عذاب الله وسلمت عليك ملائكة الله.

وقال الفراء: وسلام لك إنك من اصحاب اليمين فحذفت إنك.

وقيل معناه سلمت مما تكره لانك من اصحاب اليمين.

وقال الزجاج: معناه وسلام لك إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وذكر اصحاب اليمين في اول السورة بأنهم " في سدر مخضود " وذكرهم في أخرها بأنهم يبشرون بالسلامة من كل ما يكرهون.

وقيل: إنما كان التبرك باليمين، لان العمل يتيسر بها، واما الشمال فيتعسر العمل بها من

[515]

نحو الكتابة والتجارة والاعمال الدقيقة.

قوله تعالى: (وأما إن كان من المكذبين الضالين(92) فنزل من حميم(93) وتصلية جحيم(94) إن هذا او حق اليقين(95) فسبح باسم ربك العظيم(96))

خمس آيات بلا خلاف.

لما اخبرالله تعالى ما للسابقين من انواع الثواب والنعيم، وبين ما لاصحاب اليمين من الخيرات والثواب الجزيل، اخبر بما للكفار المكذبين بيوم الدين المنكرين للبعث والنشور والجزاء بالثواب والعقاب، فقال " واما إن كان " هذا الانسان المكلف (من المكذبين) بتوحيد الله الجاحدين لنبوة نبيه الدافعين للبعث والنشور (الضالين) عن طريق الهدى العادلين عنه (فنزل من حميم) أي نزلهم الذي أعدلهم من الطعام والشراب من ماء من حميم (وتصلية جحيم) أي احراق بنار جهنم، يقال صلاه الله تصلية إذا ألزمه الاحتراق بها، وتقديره فله نزل من حميم.

وقوله (إن هذا لهو حق اليقين) أي هذا الذي اخبرنك به هو الحق الذي لاشك فيه بل هو اليقين الذي لا شبهة فيه وحق اليقين إنما جاز اضافته إلى نفسه، لانها إضافة لفظية جعلت بدلا من الصفة، لان المعنى إن هذا لهو حق اليقين، كما قيل هذا نفس الحائط، بمعنى النفس الحايط، وجاز ذلك للايجاز مع مناسبة الاضافة للصفة.

واما قولهم (رجل سوء) فكقولك رجل سواء وفساد. وقيل معنى حق اليقين حق الامر اليقين.

وقوله (فسبح باسم ربك العظيم) أمر من الله تعالى لنبيه ان ينزه الله تعالى عما لا يليق به ويذكره باسمه العظيم.

[516]

وقيل: انه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه واله (ضعوها في ركوعكم) وقولوا (سبحان ربي العظيم) والعظيم في صفة الله معناه ان كل شئ سواه مقصر عن صفته بأنه قادر عالم غني إذ هو قادر لا يعجزه شئ ولا يساويه شئ في مقدوراته، وعالم لا يخفى عليه شي على كل وجوه التفصيل، وغني بنفسه عن كل شئ سواه لا يجوز عليه الحاجة بوجه من الوجوه ولا على حال من الاحوال.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (108)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 214

  • عدد الأبواب : 96

  • عدد الفصول : 2011

  • تصفحات المكتبة : 21735211

  • التاريخ : 23/07/2024 - 14:44

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net