00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة المؤمن 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء التاسع )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

40 - سورة المؤمن

مكية - في قول مجاهد وقتادة - ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

وقال الحسن هي مكية إلا آية واحدة وهي قوله (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) يعني بذلك صلاة الفجر والمغرب وقد ثبت أن فرض الصلاة كان بالمدينة.

وهي خمس وثمانون آية في الكوفي وأربع في المدنيين واثنتان في البصري.

الآية: 1 - 40

بسم الله الرحمن الرحيم

(حم(1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم(2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير(3) ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد(4) كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب(5))

خمس آيات في الكوفى وأربع في ما عداه عد الكوفيون (حم) آية ولم يعدها الباقون.

[53]

قرأ اهل الكوفة إلا حفصا وابن ذكوان (حاميم) بامالة الالف. الباقون بالفتح من غير امالة وهما لغتان فصيحتان. وقال قوم (حم) موضعه نصب، وتقديره اتل (حم) اقرأ (حم) وقال آخرون: موضعه جر بالقسم.

ومن جزم قال: لانها حروف التهجي وهي لا يدخلها الاعراب، وقد فتح الميم عيسى ابن عمر، وجعله اسم السورة، فنصبه ولم ينون، لانه على وزن (هابيل) ويجوز ان يكون فتح لالتقاء الساكنين. والقراء على تسكين الميم وهو الاجود لما بيناه.

وقد بينا اختلاف المفسرين واهل العربية في مبادئ السور بحروف التهجي ومعناها، وأن اقوى ما قيل في ذلك انها اسماء للسور، وذكرناها في الاقوال، فلا نطول باعادته.

وقال قتادة والحسن: (حم) اسم السورة.

وقال شريح بن أوفى العبسي:

يذكرني (حم) والرمح شاهر *** فهلا تلا (حم) قبل لتقدم

وقال الكميت:

وجدنا لكم في آل حم آية *** تأولها مناتقي ومعرب

وقوله (تنزل الكتاب) أي هو تنزيل (من الله) أنزله على نبيه (العزيز) معناه القادر الذي لا يغالب ولا يقهر المنيع بقدرته على غيره ولا يقدر عليه غيره. وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى واصل الصفة المنع من قولهم: عز كذا وكذا أي امتنع، وفلان عزيز أي منيع بسلطانه او عشيرته أو قومه " والعليم " الكثير العلوم والعالم الذي له معلوم.

وقوله (غافر الذنب) جر بأنه صفة بعد صفة، ومعناه من شأنه غفران الذنب في ما مضى وفي ما يستقبل، فلذلك كان من صفة المعرفة (وقابل التواب)

[54]

قال الفراء: إنما جعلها نعتا للمعرفة وهي نكرة، لان المعنى ذي الغفران، وذي قبول التوبة كقوله " ذي الطول " وهو معرفة وإن جعلته بدلا كانت النكرة والمعرفة سواء، ومعنى " قابل التوب " إنه يقبل توبة من تاب اليه من المعاصي بأن يثيب عليها ويسقط عقاب معاصي ما تقدمها تفضلا منه، ولذلك كان صفة مدح، ولو كان سقوط العقاب عندها واجبا لما كان فيه مدح و (التوب) يحتمل وجهين: احدهما - ان يكون جمع توبة كدوم ودومة وعوم وعومة. والثاني - ان يكون مصدر (تاب يتوب توبا).

وقوله " شديد العقاب " معناه شديد عقابه وذكر ذلك عقيب قوله " غافر الذنب " لانه أراد لئلا يعول المكلف على العفو بل يخاف عقابه أيضا لانه كما انه يغفر لكونه غافرا فقد يعاقب لكونه شديد العقاب. وفرق بين شدة العقاب وتضاعف الالام بان الخصلة الواحدة من الالم يكون اعظم من خصال كثيرة من ألم آخر كالالم في أجزا كثيرة من قرض برغوث.

وقوله " ذي الطول " قال ابن عباس وقتادة: معناه ذي النعم.

وقال ابن زيد: معناه ذي القدرة.

وقال الحسن: ذي التفضل على المؤمنين.

وقيل (الطول) الانعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي فيه افضال على صاحبه. ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا.

ويقال: لفلان على فلان طول أي فضل.

وقوله " لا إلا إلا هو " نفي منه تعالى أن يكون معبود على الحقيقة يستحق العبادة غيره تعالى.

ثم قال " اليه المصير " ومعناه تؤل الامور إلى حيث لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره تعالى، وهو يوم القيامة، لان دار الدنيا قد ملك الله كثيرا من خلقه الامر والنهي والضر والنفع.

[55]

ثم قال " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " معناه لا يخاصم في دفع حجج الله وإنكارها وجحدها إلا الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بآياته وأدلته.

ثم قال لنبيه " فلا يغررك " يا محمد " تقلبهم في البلاد " أي تصرفهم لقولهم: لفلان مال يتقلب فيه أي يتصرف فيه.

والمعنى لا يغررك سلامتهم وإمهالهم، فان عاقبتهم تصير إلي ولا يفوتونني. وفي ذلك غاية التهديد.

ثم بين ذلك بأن قال " كذبت قبلهم " أي قبل هؤلاء الكفار " قوم نوح " بان جحدوا نبوته " والاحزاب من بعدهم " أيضا كذبوا رسلهم " وهمت كل أمة برسولهم " وإنما قال برسولهم لانه اراد الرجال.

وفي قراء‌ة عبدالله " برسولها ليأخدوه " قال قتادة هموا به ليقتلوه " وجادلوا بالباطل " أي وخاصموا في دفع الحق بباطل من القول. وفي ذلك دليل على ان الجدال إذا كان بحق كان جائزا " ليد حضوا به الحق " أي ليبطلوا الحق الذي بينه الله واظهره ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته.

وقال تعالى " حجتهم داحضة عند ربهم "(1) أي زائلة. ثم قال " فاخذتهم " أي فأهلكتهم ودمرت عليهم " فكيف كان عقاب " فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك؟ !

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 16

[56]

قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار(6) ألذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم(7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم(8) وقهم السيآت ومن تق السيآت يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم(9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون(10))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ نافع وابن عامر " حقت كلمات " على الجمع. الباقون على التوحيد. من وجد فلان الكلمة تقع على القليل والكثير مفردة. ومن جمع فلان ذلك قد يجمع إذا اختلف اجناسها، كما قال " وصدقت بكلمات ربها "(1) يعني شرائعه لان كتبه قد ذكرت. والمعنى وحقت كلمات ربك، كقولهم: الحق لازم.

ووجه التشبيه في قوله " وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا " أن الكفار يعاقبون في الآخرة بالنار، كما عوقبوا في الدنيا بعذاب الاستئصال إلا انهم في الآخرة على ملازمة النار والحصول فيها، وقد حقت الكلمة عليهم في الامرين جميعا، فحقت الكلمة على هؤلاء كما حقت الكلمة على اولئك، وموضع " إنهم اصحاب النار " يحتمل أن يكون نصبا على تقدير بأنهم أو لانهم. ويحتمل أن يكون رفعا على البدل من (كلمة).

وقال الحسن: حقت كلمة ربك على مشركي العرب كما حقت على من قبلهم.

___________________________________

(1) سورة 66 التحريم آية 12

[57]

ثم اخبر تعالى عن حال الملائكة وعظم منزلتهم بخلاف ما عليه الكفار من البشر، فقال " الذين يحملون العرش " عبادة لله تعالى وامتثالا لامره " ومن حوله " يعني الملائكة الذين حول العرش يطوفون به ويلجئون اليه " يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهونه عما لا يليق به ويحمدونه على نعمه " ويؤمنون به " أي ويصدقون به ويعترفون بوحدانيته " ويستغفرون للذين آمنوا " أي يسألون الله المغفرة للذين آمنوا - من البشر - أي صدقوا بوحدانيته واعترفوا بالالهية.

ويقولون: ايضا مع ذلك " ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما " ونصبهما على التميز ومعناه وسعت رحمتك أي نعمتك ومعلومك كل شئ.

فنقل الفعل إلى الموصوف على وجه المبالغة، كما قالوا: طبت به نفسا، وجعل العلم في موضع المعلوم، كما قال " ولا يحيطون بشئ من علمه "(1) أي بشئ من معلومه على التفصيل، وتقديره: وسعت رحمتك وعلمك كل شئ، ويقولون أيضا ربنا " فاغفر للذين تابوا " من معاصيك ورجعوا إلى طاعتك " واتبعوا سبيلك " الذي دعوت خلقك اليه من التوحيد وإخلاص العبادة " وقهم عذاب الجحيم " أمنع منهم عذاب جهنم لا يصل اليهم، وحذف يقولون قبل قوله " ربنا " لانه مفهوم من الكلام. واستغفارهم للذين تابوا يدل على ان اسقاط العقاب غير واجب لانه لو كان واجبا لما كان يحتاج إلى مسألتهم بل الله تعالى كان يفعله لا محالة.

ثم حكى تمام ما يدعوا به حملة العرش والملائكة للمؤمنين، فانهم يقولون ايضا " ربنا وأدخلهم " مع قبول توبتك منهم ووقاية النار (جناب عدن التي

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 256

[58]

وعدتهم) أي الجنة التي وعدت المؤمنين بها وهي جنة عدن أي إقامة وخلود ودوام (ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) كل ذلك في موضع نصب. ويحتمل أن يكون عطفا على الهاء والميم في (وأدخلهم) وتقديره وادخل من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الجنة ايضا. ويحتمل ان يكون عطفا على الهاء والميم في (وعدتهم) وتقديره أدخلهم جنات عدن التي وعدت المؤمنين ووعدت من صلح من آبائهم (إنك انت العزيز) في انتقامك من اعدائك (الحكيم) في ما تفعل بهم وبأولئك، وفي جميع أفعالك.

وقولهم (وقهم السيئات) معناه وقهم عذاب السيئات ويجوز أن يكون العذاب هو السيئات وسماه سيئات، كما قال (وجزاء سيئة سيئة)(1) للاتساع وقوله (ومن تق السيئات) أي تصرف عنه شر عاقبة سيئاته من صغير اقترفه او كبير تاب منه فتفضلت عليه (يومئذ) يعني يوم القيامة (فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) أي صرف العذاب عنهم هو الفلاح العظيم، والفوز الظاهر.

ثم اخبر تعالى (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم انفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون) قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: مقتوا أنفسهم حين عاينوا العقاب، فقيل لهم: مقت الله إياكم اكبر من ذلك.

وقال الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله اكبر من مقتكم انفسكم.

وقال البلخي: لما تركوا الايمان وصاروا إلى الكفر فقد مقتوا انفسهم أعظم المقت، كما يقول احدنا لصاحبه: إذا كنت لا تبالي بنفسك فلما أبالي بك؟ ! وليس يريد انه لا يبالي بنفسه لكنه يفعل فعل من هو كذلك.

وقال قوم: لمقت الله اكبر من مقت بعضكم لبعض. والمقت اشد العداوة والبغض

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 40

[59]

ثم بين أن مقت الله إياهم حين دعاهم إلى الايمان على لسان رسله فكفروا به وبرسلهم فمقتهم الله عند ذلك، وتقدير (ينادون لمقت الله) ينادون إن مقت الله إياكم، ونابت اللام مناب (إن) كما تقولون ناديت إن زيدا لقائم وناديت لزيد قائم.

وقال البصريون هذه لام الابتداء، كما يقول القائل: لزيد أفضل من عمرو أي يقال لهم والنداء قول.

قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل(11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير(12) هو الذى يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب(13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون(14) رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق(15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار(16) أليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب(17))

سبع آيات عند الكل إلا ان الشامي قد خالفهم في التفصيل، وهي عندهم سبع عدوا (يوم التلاق) ولم يعده الشامي، وعد الشامي (يومهم بارزون) ولم

[60]

يعده الباقون.

حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم انهم يقولون بعد حصولهم في النار والعذاب يا (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال السدي الاماتة الاولى في الدنيا والثانية في البرزخ إذا أحيي للمسألة قبل البعث يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي والبلخي.

وقال قتادة: الاماتة الاولى حال كونهم نطفا فاحياهم الله، ثم يميتهم، ثم يحيهم يوم القيامة.

وفي الناس من استدل بهذه الآية على صحة الرجعة، بأن قال: الاماتة الاولى في دار الدنيا والاحياء الاول حين إحيائهم للرجعة، والاماتة الثانية بعدها.

والاحياء الثاني يوم القيامة، فكأنهم اعتمدوا قول السدي، ان حال كونهم نطفا لا يقال له إماتة، لان هذا القول يفيد اماتة عن حياة والاحياء يفيد عن إماتة منافية للحياة وإن سموا في حال كونهم نطفا مواتا.

وهذا ليس بقوي لانه لو سلم ذلك لكان لابد من أربع احياآت وثلاث إماتات أول إحياء حين أحياهم بعد كونهم نطفا، لان ذلك يسمى احياء بلا شك.

ثم اماتة بعد ذلك في حال الدنيا.

ثم أحياء في القبر ثم إماتة بعده ثم إحياء في الرجعة ثم إماتة بعدها.

ثم إحياء يوم القيامة لكن يمكن أن يقال: إن إخبار الله عن الاحياء مرتين والاماتة مرتين لا يمنع من احياء آخر وإماتة أخرى، وليس في الآية انه احياهم مرتين وأماتهم مرتين بلا زيادة، فالآية محتملة لما قالوه ومحتملة لما قاله السدي، وليس للقطع على احدهما سبيل.

قال ابن عباس وعبدالله والضحاك: هو كقوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم اليه ترجعون)(1).

وقوله (فاعترفنا بذنوبنا) إخبار منه تعالى أن الكفار يعترفون بذنوبهم

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 28

[61]

التي اقترفوها في الدنيا لا يمكنهم جحدها، وإنما تمنوا الخروج مما هم فيه من العذاب، فقالوا (فهل إلى خروج من سبيل) والمعنى فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. ولو علم الله تعالى انهم يفلحون لردهم إلى حال التكليف، لانه لا يمنع احسانا بفعل ما ليس باحسان. ولا يؤتى احد من عقابه إلا من قبل نفسه، وكذلك قال في موضع آخر (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)(1) تنبيها أنهم لو صدقوا في ذلك لاجابهم إلى ما تمنوه، وإنما يقولون هذا القول على سبيل التمني بكل ما يجدون اليه سبيلا في التلطف للخروج عن تلك الحال، وإنه لا يمكن احدا أن يتجلد على عذاب الله، كما يمكن ان يتجلد على عذاب الدنيا.

ووجه إتصال قوله (فاعترفنا بذنوبنا) بما قبله هو الاقرار بالذنب بعد الاقرار بصفة الرب، كأنه قيل: فاعترفنا بانك ربنا الذي أمتنا وأحييتنا وطال امهالك لنا فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك.

وفي الكلام حذف وتقديره: فاجيبوا ليس من سبيل لكم إلى الخروج (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم) أي إذا دعي الله وحده دون آلهتكم جحدتم ذلك (وإن يشرك به تؤمنوا) أي إن يشرك به معبودا آخر من الاصنام والاوثان تصدقوا.

ثم قال (فالحكم الله) في ذلك والفاصل بين الحق والباطل (العلي الكبير) فالعلي القادر على كل شئ يجب ان يكون قادرا عليه، ويصح ذلك منه وصفة القادرين تتفاضل، فالعلي القادر الذي ليس فوقه من هو أقدر منه ولا من هو مساو له في مقدوره، وجاز وصفه تعالى بالعلي، لان الصفة بذلك قد تقلب من علو المكان إلى علو الشأن يقال: استعلى عليه بالقوة، واستعلى عليه بالحجة وليس كذلك الرفعة فلذلك لا يسمى بأنه رفيع، والكبير العظيم في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره.

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 28

[62]

وقال الجبائي: معناه السيد الجليل.

ثم قال تعالى (هو الذي يريكم آياته) يعني حججه ودلائله (وينزل من السماء رزقا) من الغيث والمطر الذي ينبت ما هو رزق الخلق (وما يتذكر إلا من ينيب) أي ليس يتفكر في حقيقة ذلك إلا من يرجع اليه.

وقال السدي: معناه إلا من يقبل إلى طاعة الله.

ثم امر الله تعالى المكلفين، فقال (فادعوا الله مخلصين له الدين) أي وجهوا عبادتكم اليه تعالى وحده (ولو كره) ذلك (الكافرون) فلا تبالوا بهم. ثم رجع إلى وصف نفسه فقال (رفيع الدرجات) وقيل معناه رفيع طبقات الثواب التي يعطيها الانبياء والمؤمنين في الجنة (ورفيع) نكرة أجراها على الاستئناف أو على تفسير المسألة الاولى، وتقديره، وهو رفيع (ذو العرش) بانه مالكه وخالقه ومعناه عظيم الثواب لهم والمجازاة على طاعتهم (يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) قيل: الروح القرآن وكل كتاب أنزله الله على نبي من انبيائه وقيل: معنى الروح - ههنا - الوحي، لانه يحيا به القلب بالخروج من الجهالة إلى المعرفة ومنه قوله (وكذلك اوحينا اليك روحا من أمرنا)(1) ذكره قتادة والضحاك وابن زيد.

وقيل: الروح - ههنا - النبوة، وتقديره لينذر من يلقي عليه الروح يوم التلاق: من يختاره لنبوته ويصطفيه لرسالته.

وقوله (لينذر يوم التلاق) أي ليخوف يوم يلتقي فيه اهل السماء واهل الارض - في قول قتادة والسدي وابن زيد - وقيل يوم يلقى فيه المرؤ عمله، وهو يوم القيامة حذر منه، وقيل يوم يلتقي فيه الاولون والآخرون. والضمير في قوله (لينذر كناية) عن النبي صلى الله عليه واله. ويحتمل ان يكون فيه ضمير الله، والاول أجود، لانه قد قرئ

___________________________________

(1) سورة 42 الشورة آية 52

[63]

بالتاء، وهو حسن. ومن أثبت الياء فلانها الاصل، ومن حذف اجتزأ بالكسرة الدالة عليها.

وقوله (يوم هم بارزون) أي يظهرون من قبورهم ويهرعون إلى ارض المحشر وهو يوم التلاق ويوم الجمع ويوم الحشر. ونصب (يوم) على الظرف.

وقوله لا يخفى على الله منهم شئ) إنما خصهم بأنه لا يخفى عليه منهم شئ وإن كان لا يخفى عليه لا منهم ولا (من) غيرهم شئ لاحد أمرين: احدهما - أن تكون (من) لتبيين الصفة لا للتخصيص والتبعيض. والآخر - ان يكون بمعنى يجازيهم من لا يخفى عليه شئ منهم، فذكر بالتخصيص لتخصيص الجزاء بمن يستحقه دون مالا يستحقه ولا يصحل له من المعلوم. وقيل: لا يخفى على الله منهم شئ فلذلك صح أنه انذرهم جميعا.

وقوله (لمن الملك اليوم) قيل في معناه قولان: احدهما - انه تعالى يقرر عباده، فيقول لمن الملك؟ فيقر المؤمنون والكافرون بأنه لله الواحد القهار. والثاني - انه القائل لذلك وهو المجيب لنفسه، ويكون في الاخبار بذلك مصلحة للعباد في دار التكليف. والاول أقوى لانه عقيب قوله (يوم هم بارزون) وإنما قال (لمن الملك اليوم) مع أنه يملك الانبياء والمؤمنين في الآخرة الملك العظيم لاحد وجهين: احدهما - لانه على تخصيص يوم القيامة قبل تمليك اهل الجنة ما يملكهم. والثاني - لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى، لانه يملك جميع الامور من غير تمليك مملك، فهو أحق باطلاق الصفة.

وقوله (اليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم) اخبار منه تعالى أن يوم القيامة تجزى كل نفس على قدر

[64]

عملها لا يؤاخذ أحد بجرم غيره، لا يظلم ذلك اليوم أحد ولا يبخس حقه (إن الله سريع الحساب) لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره، فحساب جميعهم على حد واحد.

قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع(18) يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور(19) والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير(20))

ثلاث آيات في الكوفي وأربع في ما سواه عدوا (كاظمين) رأس آية ولم يعده الكوفيون.

قرأ نافع وهشام عن ابن عامر (والذين تدعون) بالتاء. الباقون بالياء.

من قرأ بالتاء فعلى الخطاب، وتقديره: قل لهم يا محمد.

ومن قرأ بالياء جعل الاخبار عن الغائب.

امر الله تعالى نبيه محمدا أن يخوف المكلفين عقاب يوم الآزفة، يخبرهم بما فيه من الثواب والعقاب. والازقة الدانية من قولهم: ازف الامر إذا دنا. وازف الوقت اذا دنا يأزف أزفا، ومنه (ازفة الآزفة)(1) أي دنت القيامة. والمعنى دنوا للمجازاة، وهو يوم القيامة.

وقوله (اذ القلوب لدى الحناجر) أي في الوقت الذي تنتزع فيه القلوب من أمكنتها، وهي الصدور، فكظمت به الحناجر، فلم تستطيع ان تلفظها

___________________________________

(1) سورة 53 النجم آية 57

[65]

ولم تعد إلى أماكنها وقيل: الكاظم الساكت على امتلائه غيظا او غما.

ونصب (كاظمين) على الحال - في قول الزجاج - وتقديره قلوب الظالمين لدى الحناجر (كاظمين) أي في حال كظمهم، والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم.

وقيل: انما خصت الحناجر بذلك لان الفزع ينتفخ منه سحره أي رئته فيرتفع القلب من مكانه لشدة انتفاخه حتى يبلغ الحنجرة.

والكاظم للشئ الممسك على ما فيه، ومنه قوله (والكاظمين الغيظ)(1) ومنه قولهم: كظم قربته اذا شد رأسها، لان ذلك الشد يمسكها على ما فيها، فهؤلاء قد اطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم لشدة الخوف.

وقوله (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) نفي من الله أن يكون للظالمين شفيع يطاع، ويحتمل ان يكون المراد بالظالمين الكفار، فهؤلاء لا يلحقهم شفاعة شافع اصلا، وان حملنا على عموم كل ظالم من كافر وغيره جاز أن يكون انما اراد نفي شفيع يطاع، وليس في ذلك نفي شفيع يجاب، ويكون المعنى ان الذين يشفعون يوم القيامة من الانبياء والملائكة والمؤمنين إنما يشفعون على وجه المسألة اليه والاستكانة اليه لا أنه يجب على الله ان يطيعهم فيه. وقد يطاع الشافع بأن يكون الشافع فوق المشفوع اليه.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه واله لبريرة (انما أنا شافع) لكونه فوقها في الرتبة ولم يمنع من إطلاق اسم الشفاعة على سؤاله، وليس لاحد أن يقول الكلام تام عند قوله (ولا شفيع) ويكون قوله (يطاع) ابتداء بكلام آخر لان هذا خلاف لجميع القراء لانهم لا يختلفون ان الوقف عند قوله (يطاع) وهو رأى آية وهو يسقط سؤال وأيضا فلو وقفت عند قوله (ولا شفيع) لما كان لقوله " يطاع "

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 134

[66]

تعلق به ولا معنى، لان الفعل لايلي فعلا، فان قدر يطاع الذي يعلم كان ذلك شرطا ليس هو في الظاهر، فحمل الآية على مالا يحتاج إلى زيادة أولى.

وقوله تعالى (يعلم خائنة الاعين) أي يعلم ما تختان به الاعين من النظر إلى غير ما يجوز النظر اليه على وجه السرقة " وما تخفي الصدور " أي تضمره لا يخفى عليه شئ من جميعه.

وقيل: النظرة الاولى مباحة والثانية محرمة.

فقوله " خائنة الاعين " في النظرة الثانية " وما تخفي الصدور " في النظرة الاولى فان كانت الاولى تعمدا كان فيها الاثم ايضا، وإن لم تكن تعمدا، فهى مغفورة ثم قال " والله يقضي بالحق " أي يفصل بين الخلائق بمر الحق فيوصل كل واحد إلى حقه " والذين يدعون من دونه " من الاصنام لا يقضون بشئ من الحق. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب للكفار.

ثم اخبر تعالى " ان الله هو السميع " أي من يجب ان يسمع المسموعات اذا وجدت المسموعات " البصير " أي يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت المبصرات، وحقيقتهما يرجع إلى كونه حيا لا آفة به.

وقال قوم: معناه العالم بالمسموعات العالم بالمبصرات.

[67]

قوله تعالى: (أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانواهم أشد منهم قوة وآثارا في الارض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق(21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب(22) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين(23) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب(24) فلما جاء‌هم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساء‌هم وما كيد الكافرين إلا في ضلال(25))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن عباس " اشد منكم " بالكاف. الباقون بالهاء.

قال ابوعلي: من قرأ بالهاء فلان ما قبله " او لم يسيروا " على ان لفظه لفظ الغيبة، فحمله على ذلك فقرأ " اشد منهم " ومن قرأ بالكاف انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله " إياك نعبد " بعد قوله " الحمدلله " وحسن - هنا - لانه خطاب لاهل مكة.

يقول الله تعالى منبها لهؤلاء الكفار على النظر في ما نزل بالماضين جزاء على كفرهم فيتعظوا بذلك وينتهوا عن مثل حالهم، فقال " او لم يسيروا في الارض " والسير والمسير واحد، وهو الجواز في المواضع، يقال: سار يسير سيرا وسايره مسايرة وسيرة تسييرا، ومنه قوله " السيارة "(1) والثياب المسيرة: التى فيها خطوط وقوله " فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم " أي يتكفروا في عواقب الكفار من قوم عاد وقوم لوط، فيرون بلادهم هالكه وآثارهم دارسة ومنازلهم خالية بما حل بهم من عذاب الله ونكاله جزاء على جحودهم نعم الله واتخاذهم معه إلها غيره، وكان الامم الماضية أشد قوة من هؤلاء.

والقوة هي القدرة، ومنه قوله " القوي العزيز "(2) وقد يعبر بالقوة عن الصلابة، فيقال:

___________________________________

(1) سورة 12 يوسف آية 10.

(2) سورة 11 هود آية 66 وسورة 42 الشورى آية 19

[68]

خشبة قويه وحبل قوي أي صلب، وأصله من قوى الحبل، وهو شدة الفتل ثم نقل إلى معنى القدرة، كما نقل (كبر) عن كبر الجثة إلى كبر الشأن، والاثر حدث يظهر به أمر، ومنه الآثار التي هي الاحاديث عمن تقدم بما تقدم بها من احوالهم وطرائقهم في أمر الدنيا والدين.

وقوله " فاخذهم الله بذنوبهم " ومعناه فأهلكهم الله جزاء على معاصيهم " وما كان لهم من الله من واق " في دفع العذاب عنهم ومنعهم من نزوله بهم - وهو قول قتادة -. ثم بين تعالى انه إنما فعل بهم ذلك لانهم " جاء‌تهم رسلهم بالبينات " يعني بالمعجزات الظاهرات والدلالات الواضحات فكذبوهم وجحدوا رسالتهم فاستحقوا العذاب " فاخذهم الله بذنوبهم " أي اهلكهم الله جزاء على معاصيهم " انه قوي شديد العقاب " أي قادر شديد عقابه. ثم ذكر قصة موسى عليه السلام فقال " ولقد ارسلنا موسى بآياتنا " أي بعثناه بحججنا وادلتنا " وسلطان مبين " أي حجة ظاهرة نحو قلب العصى حية وفلق البحر وغير ذلك " إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب " يعني موسى.

ثم قال تعالى " فلما جاء‌هم " يعني موسى عليه السلام " بالحق من عندنا قالوا " يعني فرعون وهامان وقارون " اقتلوا ابناء الذين آمنوا " بموسى ومن معه " واستحيوا نساء‌هم " أي استبقوهم، قال قتادة: كان هذا الامر بقتل الابناء والاستحياء للنساء امرا من فرعون بعد الامر الاول. وقيل استحياء نسائهم للمهنة. وقيل: معناه استحيوا نساء‌هم وقتلوا الابناء ليصدوهم بذلك عن اتباعه ويقطعوا عنه من يعلونه، وإنما ذكر قصة موسى ليصبر محمد صلى الله عليه واله على قومه كما صبر موسى قبله.

ثم اخبر تعالى ان ما فعله من قتل الرجال واستحياء النساء لم ينفعه وان كيده، وكيد الكافرين لا يكون الا في ضلال عن الحق واسم (كان) الاولى قوله

[69]

" عاقبة " وخبرها (كيف) وانما قدم لان الاستفهام له صدر الكلام، واسم (كان) الثانية الضمير الذي دل عليه الواو، وخبره (من قبلهم)، واسم (كان) الثالثة الضمير، و (هم) فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين " واشد " خبر (كان) الثالثة.

فان قيل: الفصل لا يكون الا بين معرفتين (واشد) نكرة كيف صار (هم) فصلا؟ قيل: ان (افعل) الذى معه (من) بمنزلة المضاف إلى المعرفة.

قال الله تعالى " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عندالله هو خيرا " كان خيرا خير في الاصل فحذفت الهمزة تخفيفا.

قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد(26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب(27) وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاء‌كم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب(28) ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاء‌نا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد(29) وقال الذي آمن ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب(30))

خمس آيات بلا خلاف.

[70]

قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب " اوان " بالف قبل الواو. الباقون " وأن " بغير الف.

وقرأ نافع ويعقوب وابوجعفر وابوعمرو وحفص عن عاصم " يظهر " بضم الياء " الفساد " نصبا. الباقون " يظهر " بفتح الياء " الفساد " رفعا.

من نصب (الفساد) أشركه مع التبديل، وتقديره إني أخاف ان يبدل دينكم واخاف ان يظهر الفساد، ومن رفع لم يشركه، وقال تقديره إني اخاف ان يبدل دينكم، فاذا بدل ظهر في الارض الفساد.

وكلتا القراء‌تين حسنة فأما (او) فقد تستعمل بمعنى الواو، كما قلناه في " وأرسلناه إلى مئة الف او يزيدون "(1) أي ويزيدون أو بل يزيدون. ولا تكون الواو بمعنى (او) في قول أبي عبيدة.

وقال ابن خالويه إذا كانت (او) اباحة كانت الواو بمعناها، لان قولك: جالس الحسن او ابن سيرين بمنزلة الاباحة، وكذلك قوله " ولا تطع منهم آثما او كفورا "(2) لان معناه ولا كفورا.

وقال ابوعلي: من قرأ (وأن) فالمعنى إني أخاف هذا الضرب منه كما تقول كل خبزا او تمرا أي هذا الضرب.

ومن قرأ (وأن) المعنى إني اخاف هذين الامرين وعلى الاول يجوز ان يكون الامران يخافا، ويجوز أن يكون احدهما، وعلى الثاني هما معا يخافان، ومن ضم الياء في قوله " ويظهر " فلانه اشبه بما قبله، لان قبله يبدل فأسند الفعل إلى موسي وهم كانوا في ذكره، ومن فتح الياء اراد انه إذا بدل الدين ظهر الفساد بالتبديل او اراد يظهر الفساد بمكانه.

وقال قوم: اراد ب‍ (او) الشك لان فرعون قال إني

___________________________________

(1) سورة 37 الصافات آية 147.

(2) سورة 76 الدهر (الانسان) آية 24

[71]

أخاف ان يبدل موسى عليكم دينكم، فان لم يفعله فيوقع الفساد بينكم، ولم يكن قاطعا على احدهما به.

وروي رواية شاذة عن أبي عمرو: انه قرأ " وقال رجل " باسكان الجيم.

الباقون بضمها وذلك لغة قال الشاعر:

رجلان من ضبة اخبرانا *** إنا راينا رجلا عريانا

اراد رجلين فأسكن وهو مثل قولهم: كرم فلان بمعنى كرم. حكى الله تعالى عن فرعون انه قال لقومه " ذروني " ومعناه أتركوني اقتل موسى، وذلك يدل على ان في خاصة فرعون كان قوم يمنعونه من قتل موسى، ومن معه ويخوفونه ان يدعو ربه فيهلك، فلذلك قال ذروني اقتله وليدع ربه، كما تقولون.

وقال قوم: ذلك حين قالوا لو هو ساحر فان قتلته قويت الشبهة بمكانه بل " ارجه واخاه وابعث في المدائن حاشرين "(1) " وليدع ربه " في دفع القتل عنه، فانه لا يخشى من دعائه شئ، وهذا عنف من فرعون وتمرد وجرأة على الله وإيهام لقومه بأن ما يدعو به موسى لا حقيقة له.

ثم قال فرعون " إني اخاف ان يبدل " يعني موسى " دينكم " وهو ما تعتقدونه من إلهيتي " او ان يظهر في الارض الفساد " بأن يتبعه قوم نحتاج ان نقاتله فيخرب في ما بين ذلك البلاد، ويظهر الفساد.

وقال قتادة: الفساد عند فرعون ان يعمل بطاعة الله.

فمن قرأ " اوان " فانه جعل المخوف احد الامرين وإن جعل (او) بمعنى الواو جعل الامرين مخوفين معا، ومن قرأ بالواو جعل المخوف الامرين معا: تبديل الدين وظهور الفساد. والتبديل رفع الشئ إلى غيره في ما يقع موقعه إلا انه بالعرف لا يستعمل إلا في رفع الجيد بالردي، والفساد انتقاض الامر بما ينافي العقل او الشرع او الطبع، ونقيضه الصلاح. والاظهار جعل الشئ بحيث يقع عليه الادراك.

___________________________________

(1) سورة 26 الشعراء آية 36

[72]

ثم حكى تعالى ما قال موسى عند ذلك فانه قال " إني عذبت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب " والعياذ هو الاعتصام بالشئ من عارض الشر، عذت بالله من شر الشيطان واعتصمت منه بمعنى واحد. ومن أظهر ولم يدغم.

قال: لان مخرج الذال غير مخرج التاء. ومن ادغم فلقرب مخرجهما، والمعنى اني اعتصمت بربي وربكم الذي خلقني وخلقكم من كل متكبر على الله متجبر عن الانقياد له لا يصدق بالثواب والعقاب فلا يخاف.

وقوله " وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه " اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله وقد جاء‌كم بالبينات " يعني الحجج الواضحة " من ربكم " قال السدي كان القائل ابن عم فرعون، فعلى هذا يكون قوله " ادخلوا آل فرعون اشد العذاب "(1) مخصصا، وقال غيره كان المؤمن إسرائيليا يكتم إيمانه عن آل فرعون، فعلى هذا يكون الوقف عند قوله (وقال رجل مؤمن) ويكون قوله (من آل فرعون) متعلقا بقوله (يكتم) أي يكتم إيمانه من آل فرعون. والاول اظهر في اقوال المفسرين.

وقال الحسن: كان المؤمن قبطيا.

وقوله (وإن يك كاذبا فعليه كذبه) معناه إن المؤمن قال لفرعون إن يك موسى كاذبا في ما يدعوكم اليه فوبال ذلك عليه وان يك صادقا في ما يدعيه يصيبكم بعض الذي يعدكم، قيل: انه كان يتوعدهم بأمور مختلفة، قال ذلك مظاهرة في الحجاج والمعنى انه يلقي بعضه. والمراد يصيبكم بعضه في الدنيا.

وقيل: هو من لطيف الكلام، كما قال الشاعر:

قد يدرك المتأني بعض حاجته *** وقد يكون مع المستعجل الزلل(2)

___________________________________

(1) آية 46 من هذه السورة.

(2) قائله عمر القطامي تفسير القرطبى 15 / 307

[73]

ثم قال (ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي لا يحكم بهداية من كان مسرفا على نفسه ومتجاوز الحد في معصية الله كذابا على الله. ويحتمل ان يكون المراد ان الله لا يهدي إلى طريق الثواب والجنة من هو مسرف كذاب ويجوز ان يكون ذلك حكاية عما قال المؤمن من آل فرعون.

ويجوز ان يكون ذلك ابتداء خبر من الله تعالى بذلك، ثم قال يعني مؤمن آل فرعون (ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله ان جاء‌نا) أي لكم الملك والسلطان على اهل الارض وذلك لا يمنع من بأس الله (قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد) في ما ادعوكم من الهيتي وتكذيب موسى.

ثم حكى ما قال المؤمن فقال (وقال الذي آمن يا قوم اني اخاف عليكم) عذابا (مثل) عذاب " يوم الاحزاب " قال قوم: القائل لذلك موسى نفسه، لان مؤمن آل فرعون كان يكتم ايمانه، وهذا ضعيف لان قوله هذا كقوله (اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله)(1) وكما اظهر هذا جاز ان يظهر ذلك.

___________________________________

(1) آية 28 من هذه السورة

[74]

قوله تعالى: (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد(31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد(32) يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فماله من هاد(33) ولقد جاء‌كم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاء‌كم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب(34) الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتيهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار(35))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابوعمرو، والاخفش والداجوني عن هشام وقتيبة (على كل قلب متكبر) منون. الباقون على الاضافة.

من نون جعله نعتا للقلب، لان القلب اذا تكبر تكبر صاحبه، كما قال (فظلت اعناقهم لها خاضعين)(1) لان الاعناق إذا خضعت خضع اربابها، وتكبر القلب قسوته وإذا قسا القلب كان معه ترك الطاعة.

ومن اضاف قال: لان في قراء‌ة ابن مسعود على (قلب كل متكبر جبار) قال الفراء: وسمعت احدهم يقول: ان فلانا مرجل شعره يوم كل جمعة يقوم.

والجبار: هو الذى يقتل على الغضب، ويقال: اجبره فهو جبار مثل ادرك فهو دراك.

قال الفراء: ولا ثالث لهما، قال ابن خلويه: وجدت لهما ثالثا اسأر فهو سئار.

لما حكى الله تعالى عن مؤمن آل فرعون انه حذر قومه بالعذاب مثل عذاب يوم الاحزاب، فسر ذلك فقال (مثل داب قوم نوح) يعني كعادته مع قوم نوح.

___________________________________

(1) سورة 26 الشعرء آية 4

[75]

والدأب العادة يقال: دأب يدأب دأبا فهو دائب في عمله إذا استمر فيه. والعادة تكرر الشئ مرة بعد مرة. وانما فعل بهم ذلك حين كفروا به، فاغرقهم الله وكقوم هود وهم عاد.

وكقوم صالح: وهم ثمود والذين من بعدهم من الانبياء واممهم الذين كذبوهم، فأهلكهم الله بأن استأصلهم جزاء على كفرهم.

ثم اخبر انه تعالى لا يريد ظلما للعباد، ولا يؤثره لهم. وذلك دال على فساد قول المجبرة الذين يقولون إن كل ظلم في العالم بارادة الله.

ثم حكى ايضا ما قال لهم المؤمن المقدم ذكره، فانه قال (ياقوم اني اخاف عليكم) عقاب " يوم التناد " وقيل: هو اليوم الذي ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور، لما يرى من سوء عقاب الكفر والمعصية.

وقيل: انه اليوم الذي ينادي أصحاب الجنة اصحاب النار " أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا "(1) وينادي اصحاب النار اصحاب الجنة " أن أفيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله "(2) في قول الحسن وقتادة وابن زيد، وقيل: " يوم التناد " هو اليوم الذي يدعى فيه " كل أناس بامامهم "(3) ومن أثبت الياء في (التنادي) فلانها الاصل، ومن حذفها فلا جتزائه بالكسرة الدالة عليها، ولانها آخر الآية، فهي فصل شبهت بالقوافي.

وقرئ " يوم التناد " بالتشديد من قولهم ند البعير إذا هرب (روي ذلك عن ابن عباس -.

وقوله " يوم تولون مدبرين " قال الحسن وقتادة: معناه منصرفين إلى النار وقال مجاهد: مارين غير معوجين ولا معجزين.

وقيل: يولون مدبرين والمقامع تردهم إلى ما يكرهونه من العقاب.

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 43.

(2) سورة 7 الاعراف آية 49.

(3) سورة 17 الاسرى آية 71

[76]

وقوله " مالكم من الله من عاصم " أي مانع من عذاب ينزل بكم، واصله المنع، وشبه بذلك من فعل به ذلك اللطف الذي يمتنع عنده، يقال عصمه فهو عاصم وذاك معصوم إذا فعل به ذلك اللطف. ومنه قوله (لا عاصم اليوم من امر الله إلا من رحم)(1) أي لا مانع.

ثم قال (ومن يضلل الله فما له من هاد) أي من يحكم الله بضلاله فليس له من يحكم بهدايته على الحقيقة. ويحتمل ان يكون المراد ومن يضله الله عن طريق الجنة فما له من يهديه اليها.

ثم قال تعالى حاكيا ما قال لهم موسى فانه قال لهم: (ولقد جاء‌كم يوسف من قبل) قيل: هو يوسف ابن يعقوب كان قبل موسى جاء‌هم (بالبينات) يعني الحجج الواضحات (فما زلتم في شك) من موته حتى إذا هلك ومات (قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا) آخر.

ثم قال (كذلك يضل الله) أي مثل ما حكم الله بضلال أولئك يحكم بضلال (كل مسرف) على نفسه بارتكاب معاصيه (مرتاب) أي شاك في أدلة الله، ثم بينهم فقال (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان اتاهم) أي يسعون بغير سلطان أي بغير حجة آتاهم الله، وموضع الذين نصب لانه بدل من (من) ويجوز ان يكون رفعا بتقدير (هم) ثم قال (كبر مقتا) أي كبر ذلك الجدال منهم مقتا (عندالله) أي عداوة من الله. ونصبه على التمييز (وعند الذين آمنوا) بالله مثل ذلك.

ثم قال (كذلك) أي مثل ما طبع على قلوب اولئك بان ختم عليها علامة لكفرهم يفعل مثله (ويطبع على كل قلب متكبر جبار) من نون (قلب) جعل (متكبر جبار) من صفة القلب ومن اضافه جعل (القلب) للمتكبر الجبار.

قال ابوعلي: من اضاف لا يخلو ان يترك الكلام على ظاهره او يقدر فيه حذفا، فان تركه على ظاهره كان تقديره:

___________________________________

(1) سورة 11 هود آية 43

[77]

يطبع الله على كل قلب متكبر أي على جملة القلب من المتكبر، وليس ذلك المراد وإنما المراد يطبع على قلب كل متكبر، والمعنى انه يطبع على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر بمعنى انه يختم عليها.

قوله تعالى: (وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب(36) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب(37) وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد(38) ياقوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار(39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب(40))

خمس آيات بلا خلاف.

قرأ حفص وعاصم (فاطلع) نصبا على جواب (لعلي) الباقون رفعا عطفا على قوله تعالى (لعلي ابلغ الاسباب... فأطلع) وقيل: إن هامان اول من طبخ الآجر لبناء الصرح، وقرأ اهل الكوفة (وصد) بضم الصاد على مالم يسم فاعله. الباقون بفتحها، فمن ضم اراد صده الشيطان عن سبيل الحق وطابق قوله تعالى (زين لفرعون سوء عمله) ومن فتح الصاد اراد انه صد غيره عن سبيل الحق.

[78]

وقرأ ابن كثير وابوعمرو وابوبكر عن عاصم (يدخلون) بالضم كقوله (يرزقون). الباقون بفتح الياء، لانهم إذا ادخلوا، فقد دخلوا، حكى الله تعالى ان فرعون قال لهامان (ياهامان) وقيل: إنه كان وزيره (ابن لي صرحا) أي بناء ظاهرا عاليا لا يخفى على الناظر وان بعد، وهو من التصريح بالامر وهو اظهاره بأتم الاظهار (لعلي ابلغ الاسباب) ثم فسر تلك الاسباب فقال (اسباب السموات) وقال ابن عامر اراد به منزل السماء.

وقال قتادة: معناه ابواب طرق السموات.

وقال السدي طرق السموات.

وقيل: هي الامور التي يستمسك بها.

فهي أسباب لكونها على ما هي به ولا تضطرب ولا تسقط إلى الارض بثقلها، ولا تزول إلى خلاف جهتها.

وقوله " فاطلع إلى إله موسى " معناه فأشرف عليه لا راه. وقيل: إن فرعون كان مشبها فطلب رؤية الاله في السماء كما ترى الاشخاص إذا أشرف عليها. وقيل: يجوز ان يكون اراد، فاطلع إلى بعض الآيات التي يدعيها موسى الدالة على إله موسى، لانه كان يعلم أن الصرح لا يبلغ السماء، فكيف يرى من الصرح ما هو في السماء، ولو كان فيها على قول المجسمة، ويجوز ان يكون قال ذاك تمويها لما علم من جهل قومه.

وقوله " وإني لاظنه كاذبا " حكاية ما قال فرعون وإنه يظن أن ما يقوله موسى أن له إله خلق السماء والارض كاذب في قوله. وقال الحسن: إنما قال فرعون هذا على التمويه وتعمد الكذب، وهو يعلم ان له إلها.

وقوله " وكذلك زين لفرعون سوء عمله " أي مثل ما زين لهؤلاء الكفار أعمالهم كذلك زين لفرعون سوء عمله، وقال المزين له سوء عمله جهله بالله تعالى والشيطان الذي اغواه ودعاه اليه لانه الجهل بالقبح في العمل يدعو إلى انه حسن وصواب، فلما جهل فرعون ان له إلها يجب عليه عبادته وتوهم كذب ما دعاه اليه نبيه موسى،

[79]

سولت له نفسه ذلك من أمره. وقد بين الله تعالى ذلك في موضع آخر فقال " زين لهم الشيطان أعمالهم "(1).

وقوله " وصد عن السبيل " من ضم اراد انه صده غيره. ومن فتح اراد انه صد نفسه وغيره.

ثم قال تعالى " وماكيد فرعون إلا في تباب " يعني في هلاك. والتباب الهلاك بالانقطاع، ومنه قوله " تبت يدا أبي لهب "(2) أي خسرت بانقطاع الرجاء، ومنه تبا له.

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى " تباب " خسران.

ثم حكى تعالى ما قال مؤمن آل فرعون في قوله " وقال الذي آمن ياقوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " وهو الايمان بالله وتوحيده وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى عليه السلام وقال لهم ايضا على وجه الوعظ لهم والزجر عن المعاصي " ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع " يعني انتفاع قليل، ثم يزول بأجمعه ويبقى وزره وآثامه " وإن الآخرة هي دار القرار " أي دار مقام، وسميت دار قرار لاستقرار الجنة بأهلها واستقرار النار بأهلها. والقرار المكان الذي يستقر فيه.

ثم قال (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) ومعناه أي من عمل معصية فليس يجازى إلا مقدار ما يستحقه عليها من العقاب لا اكثر من ذلك (ومن عمل صالحا من ذكر او اننى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة) جزاء على إيمانهم (يرزقون فيها بغير حساب) أي زيادة على ما يستحقونه تفضلا منه تعالى، ولو كان على مقدار العمل فقط لكان بحسابه.

قال الحسن: هذا كلام مؤمن آل فرعون. ويحتمل أن يكون ذلك اخبارا منه تعالى عن نفسه.

___________________________________

(1) سورة 8 الانفال آية 49.

(2) سورة 111 اللهب آية 1

الآية: 41 - 85

قوله تعالى: (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار(41) تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار(42) لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار(43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد(44) فوقيه الله سيآت ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب(45) النار يعرضون عليها عدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب(46))

ست آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة إلا ابابكر (ادخلوا آل فرعون) بقطع الهمزة على انه يؤمر الملائكة بادخالهم النار. الباقون بوصلها بمعنى انهم يؤمرون بدخولها، وعلى الاول يكون (آل فرعون) نصبا على انه مفعول به (وأشد) المفعول الثاني. وعلى الثاني يكون نصبا على النداء.

حكى الله تعالى ان مؤمن آل فرعون قال لهم (مالي أدعوكم إلى النجاة) يعني إلى ما فيه خلاصكم: من توحيدالله وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى عليه السلام - وهو قول الحسن وابن زيد - و (تدعونني) انتم (إلى النار) لانهم إذا دعوا إلى عبادة غير الله التي يستحق بها النار، فكأنهم دعوا إلى النار، لان من

[81]

دعا إلى سبب الشئ فقد دعا اليه، ومن صرف عن سبب الشئ فقد صرف عنه، فمن صرف عن معصية الله فقد صرف عن النار، ومن دعا اليها فقد دعا إلى النار.

والدعاء طلب الطالب الفعل من غيره، فالمحق يدعو إلى عبادة الله وطاعته وكل ما أمر الله به او نهى عنه والمبطل يدعو إلى الشر والعصيان، فمنهم من يدري انه عصيان ومنهم من لا يدري ثم بين ذلك فقال (تدعونني لا كفر بالله) واجحد نعمه (واشرك به) في العبادة (ما ليس لي به علم) مع حصول العلم ببطلانه. لانه لا يصح ان يعلم شريك له ومالا يصح أن يعلم باطل، فدل على فساد اعتقادهم للشرك من هذه الجهة ثم قال (وأبا أدعوكم) معاشر الكفار (إلى) عبادة (العزيز) يعني القادر الذي لا يقهر، ولا يمنع لاستحالة ذلك عليه (الغفار) لمن عصاه إذا تاب اليه تفضلا منه على خلقه.

وقوله (لا جرم إن ما تدعونني اليه) قال الزجاج: هو رد الكلام كأنه قال لا محالة إن لهم النار.

وقال الخليل: لا جرم لا يكون إلا جوابا تقول: فعل فلان كذا فيقول المجيب: لا جرم إنه عوين والفعل منه جرم يجرم.

وقال المبرد معناه حق واستحق (ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة) والمعنى ليس له دعوة ينتفع بها في أمر الدنيا ولا في الآخرة فأطلق ليس له دعوة، لانه ابلغ وإن توهم جاهل ان له دعوة ينتفع بها، فانه لا يعتد بذلك لفساده وتناقضه.

وقال السدي وقتادة والضحاك: معناه ليس لهذه الاصنام استجابة دعاء احد في الدنيا ولا في الآخرة.

وقيل: معناه ليس لها دعوة تجاب بالآلهية في الدنيا، ولا في الآخرة (وإن مردنا إلى الله) أي وجب ان مردنا إلى الله، ووجب (أن المسرفين) بارتكاب المعاصي.

وقال مجاهد: يعني بقتل النفس من غير حلها.

وقال قتادة بالاشراك بالله (هم اصحاب النار) يعني الملازمون لها.

[82]

قال الحسن: هذا كله من قول مؤمن آل فرعون.

ثم قال لهم على وجه التخويف والوعظ (فستذكرون) صحة (ما اقول لكم) إذا حصلتم في العقاب يوم القيامة.

ثم اخبر عن نفسه فقال (وافوض أمري إلى الله) أي اسلمه اليه (إن الله بصير بالعباد) أي عالم بأحوالهم، وما يفعلونه من طاعة ومعصية. وقال السدي: معنى أفوض اسلم اليه.

ثم اخبر تعالى فقال (فوقاه الله سيئات ما مكروا) وقال قتادة: صرف الله عنه سوء مكرهم، وكان قبطيا من قوم فرعون فنجى مع موسى.

وقوله (وحاق بآل فرعون) أي حل بهم ووقع بهم (سوء العذاب) لان الله تعالى غرقهم مع فرعون، وبين انهم مع ذلك في (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) يعني صباحا ومساء، ورفع النار بدلا من قوله (سوء العذاب) (ويوم تقوم الساعة) يعني إذا كان يوم القيامة يقال للملائكة (ادخلوا آل فرعون اشد العذاب) فيمن قطع الهمزة. ومن وصلها اراد ان الله يأمرهم بذلك. والعرض إظهار الشئ ليراه الذي يظهر له.

ومنه قوله (وعرضوا على ربك)(1) أي اظهروا (صفا) كما يظهرون المرائي لهم.

ومنه قولهم: عرضت الكتاب على الامير، فهؤلاء يعرضون على النار لينالهم من ألمها والغم بالمصير اليها. والغدو المصير إلى الشئ بالغداة غدا يغدو غدوا.

وقولهم: تغدى أي اكل بالغداة، وغدا أي سابق إلى الامر بالغداة. و (قيام الساعة) وجودها، ودخولها على استقامة بما يقوم من صفتها، وقامت السوق إذا حضر أهلها على ما جرت به العادة و (اشد العذاب) اغلظه. وفى الآية دلالة على صحة عذاب القبر لانه تعالى اخبر انهم يعرضون على النار غدوا وعشيا.

وقال الحسن: آل فرعون اراد به من كان على دينه.

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف 49

[83]

وكان السدي يقول: ارواحهم في اجواف طير سود يعرضون على النار غدوا وعشيا، ويجوز ان يحيهم الله بالغداة والعشي ويعرضهم على النار، ووجه الاحتجاج على رؤساء الضلال بالاتباع انهم كانوا يدعونهم إلى اتباعهم بما يدعون من صواب مذاهبهم. وهذا يلزمهم الرفع بها عنهم وأن يسعوا في تخفيف عذابهم، فاذا هي سبب عذابهم.

وقال الفراء وقوم من المفسرين - ذكره البلخي - في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره وحاق بآل فرعون سوء العذاب، ويوم تقوم الساعة يقال: لهم ادخلوا آل فرعون اشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويكون معنى غدوا وعشيا مع انهم فيها أبدا أنه تتجدد جلودهم بعد الاحتراق غدوا وعشيا.

وقال قوم: يجوز ان يكون المراد انهم بعرضها، كما يقال: فلان يعرضه شر شديد أي يقرب من ذلك.

وقال قوم: يجوز ان يكون المراد إن اعمالهم اعمال من يستحق النار، فكأنهم يغدون ويروحون اليها باعمالهم.

وقال قوم: المعنى يعرضون عليها وهم أحياء بالزجر والتحذير والوعد والوعيد، فاذا كان يوم القيامة - وماتوا على كفرهم - ادخلوا اشد العذاب.

قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار(47) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد(48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب(49) قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال(50))

أربع آيات بلا خلاف.

[84]

يقول الله تعالى لنبيه واذكر يا محمد (إذ) أي الوقت الذي (يتحاجون في النار) ويخاصم بعضهم بعضا يعني الرؤساء والاتباع (فيقول الضعفاء) وهم الاتباع (للذين استكبروا) وهم الرؤساء (انا كنا لكم) معاشر الرؤساء (تبعا) ويحتمل ان يكون ذلك جمع تابع كغايب وغيب وحايل وحول، ويجوز أن يكون مصدرا أي تبعناكم تبعا (فهل انتم مغنون عنا نصيبا من النار) لانه يلزم الرئيس الدفع عن اتباعه والمنقادين لامره، فيسألونهم هؤلاء أن يغنوا عنهم قسطا من النار أي طائفة منها، فيقول الرؤساء الذين استكبروا (إنا كل فيها) أي نحن وأنتم في النار، فكيف ندفع عنكم.

ورفع " كل فيها " على انه خبر (إنا) كقوله (إن الامر كله لله)(1) ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، وخبره (فيها) (ان الله حكم) بذلك (بين العباد) وانه يعاقب من اشرك به وعبد معه غيره ثم حكى ما يقوله (الذين) حصلوا (في النار) من الاتباع والمتبوعين (لخزنة جهنم) وهم الذين يتلون عذاب اهل النار " ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) ويقولون ذلك، لانه لاصبر لهم على شدة العذاب لا انهم يطمعون في التخفيف، لان معارفهم ضرورية يعلمون ان عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم.

ثم حكى ما يجيب به الخزنة لهم فانهم يقولون لهم " او لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات " يعني بالحجج والدلالات على صحة توحيده ووجوب إخلاص العبادة له؟ فيقولون في جوابهم " بلى " قد جاء‌تنا الرسل بالبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم وانكرنا

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 154

[85]

بيناتهم فيقول لهم الخزنة اذا " فادعوا " بمالا ينفعكم ويقولون ايضا " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " لانه في وقت لا ينفع.

قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد(51) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار(52) ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرآئيل الكتاب(53) هدى وذكرى لاولي الالباب(54) فأصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار(55))

اربع آيات في الشامي وفى عدد اسماعيل وخمس في ما عداهما عدوا " بني اسرائيل الكتاب " ولم يعده الاولان.

قرأ نافع واهل الكوفة (يوم لا ينفع الظالمين) بالياء، لان المعذرة ليس تأنيثها حقيقيا ولانهم ارادوا عذرهم. الباقون بالتاء لتأنيث المعذرة.

اخبرالله تعالى عن نفسه بأنه ينصر رسله الذين بعثهم بالحق إلى خلقه وينصر الذين آمنوا به وصدقوا رسله في دار الدنيا، وينصرهم ايضا يوم يقوم الاشهاد. والنصر المعونة على العدو، وهو على ضربين: نصر بالحجة ونصر بالغلبة في المحاربة بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة وتقتضيه الحكمة، هذا إذا كان في دار التكليف. فأما نصره إياهم يوم القيامة فهو اعلاء كلمتهم وظهور حقهم وعلو منزلتهم وإعزازهم بجزيل الثواب وإذلال عدوهم بعظيم العقاب. والاشهاد جمع شاهد مثل صاحب واصحاب

[86]

وهم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين وأهل الحق وعلى المبطلين والكافرين بما قامت به الحجة يوم القيامة وفى ذلك سرور المحق وفضيحة المبطل في ذلك المجمع العظيم والمحفل الكبير. وقال قتادة الاشهاد الملائكة والانبياء والمؤمنون وقال مجاهد: هم الملائكة.

ثم بين سبحانه وتعالى اليوم الذي يقوم فيه الاشهاد، فقال " يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم " فالمعذرة والاعتذار واحد. وإنما نفى ان تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار التكليف لان الآخرة دار الالجاء إلى العمل، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجئ اليه، لانه لا يعمله لداعي الحكمة إلى ما يمكنه أن يعمله ولا يعمله فيضمن الحمد على فعله.

وقيل: إنما لم يقبل معذرتهم، لانهم يعتذرون بالباطل - في قولهم والله ربنا ماكنا مشركين.

ثم بين تعالى إن لهم مع بطلان معذرتهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله والحكم عليهم بدوام العقاب ولهم سوء الدار وهو عذاب النار نعوذ بالله منها. والظالمين الذين لا تنفعهم المعذرة هم الذين ظلموا أنفسهم او غيرهم بارتكاب المعاصي التي يستحق بها دوام العقاب.

ثم اخبر تعالى على وجه القسم فقال " ولقد آتينا موسى الهدى " أي اعطيناه التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده وانزلنا عليه الكتاب وأورثناه بني إسرائيل يعني التوراة، وهدى يعني أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده و " ذكرى " أي ما يتذكر به أولوا الالباب، وإنما خص العقلاء بذلك، لانهم الذين يتمكنون من الانتفاع به دون من لا يعقل. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه واله فقال " فاصبر " يا محمد على أذى قومك وتحمل المشقة في تكذيبهم إياك " إن وعد الله حق " الذي وعدك به من الثواب والجنة لمن اطاعك والنار والعقاب لمن عصاك حق لا خلف له. واطلب ايضا المغفرة لذنبك.

[87]

ويجوز ان يكون الخطاب له والمراد به أمته " وسبح بحمد ربك " أي نزه الله تعالى واعترف بشكره بما أنعم الله عليك (بالعشي والابكار) أي صباحا ومساء.

وقيل (وسبح بحمد ربك) معناه صل بحمد ربك و (بالعشي) معناه من زوال الشمس إلى الليل.

و (الابكار) من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.

قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتيهم إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير(56) لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون(57) وما يستوي الاعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون(58) إن الساعة لآتية لا ريب فيما ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين(60))

خمس آيات. وست في المدني الاخير.

قرأ اهل الكوفه " تتذكرون " بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الاخبار عنهم. وقرأ ابوجعفر وابن كثير ورويس ويحيى والبرجمي وابن غالب " سيدخلون " بضم الياء. على مالم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء على اسناد الفعل اليهم.

[88]

يقول الله تعالى " ان الذين يجادلون " أي يخاصمون " في " رفع " آيات الله " وابطالها " بغير سلطان " أي بغير حجة " اتاهم " اعطاهم الله إياها يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " أي ليس في صدورهم إلا كبر.

قال مجاهد: معناه الاعظمة وجبرية ماهم ببالغي تلك العظمة، لان الله تعالى مذلهم.

وقيل: معناه إلا كبر بحسدك على النبوة التي اكرمك الله بها (ما هم ببالغيه) لان الله يرفع بها من يشاء.

وقيل، منعا إلا كبر ماهم ببالغي مقتضاه ولا نالوه لان الكبر إنما يعمله صاحبه لمقتضى ان يعظم حاله، وهؤلاء يصير حالهم إلى الاذلال والتحقير بكفرهم فلا يبلغون ما في صدورهم من مقتضي كبرهم.

وقيل: الآية نزلت في اليهود وان الكبر الذي ليس هم ببالغيه توقعهم امر الدجال، فاعلم الله تعالى ان هذه الفرقة التي تجادل ألا تبلغ خروج الدجال.

فلذلك قال تعالى " فاستعذ بالله " ثم امر نبيه بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء المخاصمين " انه هو السميع البصير " ومعناه انه يسمع ما يقول هؤلاء الذين يخاصمون في دفع آيات الله بصير بما يضمرونه وفي ذلك تهديد لهم في ما يقدمون عليه. وقيل: فيه وعدله بكفاية شرهم.

ثم قال تعالى " لخلق السموات والارض اكبر من خلق الناس " معناه إن خلق السموات والارض على ما هما عليه من العظم والثقل مع وقوفهما من غير عمد وجريان الفلك والكواكب من غير سبب اعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق الناس، وإن كان عظيما لما فيه من الحياة والحواس المهيأة لانواع مختلفة من الادراكات إلا ان امر السموات والارض خارج عن مقتضى الطبيعة، او ان يكون فاعلهما وخالقهما يجرى مجرى العباد في الجسمية، فهو اكبر شأنا من هذه الجهة " من لكن اكثر الناس لا يعلمون " لعدولهم عن الفكر فيه والاستدلال على

[89]

صحته وإدخال الشبهة على نفوسهم فيه، وذكر كبر خلق السموات والارض وما هو خارج عن الطبيعة حجة على المشركين في انكار النشأة الثانية مما هو خارج عن عادة الولادة.

ثم قال " وما يستوي الاعمى والبصير " أي لا يتساوى من عمي عن طريق الرشد والصواب فلم يهتد اليها، والبصير الذي أبصرها واهتدى اليها " والذين آمنوا وعملوا الصالحات. ولا المسيئ " أي ولا يتساورى ايضا الذين آمنوا بالله تعالى وعملوا الصالحات من الاعمال والذين اساؤا وظلموا نفوسهم بارتكاب المعاصي.

ثم قال " قليلا ما تتذكرون " أي ما أقل ما تتفكرون في ذلك.

والوقف على قوله " قليلا ".

وقوله " ما تتذكرون " يجوز أن تكون (ما) صلة ويجوز أن تكون بمعنى المصدر وتقديره قليلا ما تذكركم. ومن قرأ بالتاء اراد قل لهم وخاطبهم به. ومن قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عنهم بذلك.

ثم اخبر " إن الساعة " يعني القيامة (آتية لا ريب فيها) أي جائية واقعة لا شك في مجيئها (ولكن اكثر الناس لا يؤمنون) أي لا يصدقون بذلك لجهلهم بالله وشكهم في اخباره.

ثم قال " وقال ربكم ادعوني استجب لكم " يعني استجب لكم إذا اقتضت المصلحة اجابتكم. ومن يدعوالله ويسأله فلا بد أن يشترط المصلحة إما لفظا او اضمارا، وإلا كان قبيحا، لانه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة ولا يشترط انتفاؤها كان قبيحا.

[90]

ثم قال تعالى مخبرا (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي من يتكبر، ويتعظم عن إخلاص العبادة لله تعالى (سيدخلون جهنم داخرين) من ضم الياء ذهب إلى انهم تدخلهم الملائكة كرها ومن فتح الياء قال: لانهم إذا دخلوا فقد دخلوا، فاضاف الفعل اليهم.

ومعنى (يستكبرون عن عبادتي) أي عن دعائي بالخضوع لي.

وقال السدي (داخرين) معناه صاغرين.

قوله تعالى: (ألله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون(61) ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأني تؤفكون(62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون(63) ألله الذي جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين(64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ألحمد لله رب العالمين(65))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه بأنه " الله الذي جعل لكم) معاشر الخلق (الليل) وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني (لتسكنوا فيه) أي

[91]

وغرضه منه سكونكم واستراحتكم فيه من كد النهار وتعبه (وجعل لكم النهار) أيضا وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس (مبصرا) تبصرون فيه مواضع حاجاتكم فجعله (مبصرا) لما كان يبصرون فيه المبصرون.

ثم اخبر تعالى (إن الله لذو فضل) أي لذو زيادة كثيرة من نعمه (على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون) نعمه أي لا يعترفون بها بل يجحدونها ويكفرون بها.

ثم قال مخاطبا لخلقه (ذلكم الله) يعني الذي قدم وصفه لكم هو الذي خلقكم (ربكم خالق كل شئ) من مقدوراته من السموات والارض وما بينهما مما لا يقدر عليه سواه (لا إله إلا هو) أي لا يستحق العبادة سواه تعالى (فأتى تؤفكون) أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع وضوح الدلالة على توحيده، ثم قال مثل ما انقلب وانصرف هؤلاء (كذلك يؤفك) أي يصرف (الذين كانوا بآيات الله يجحدون) ومعناه كما خدع هؤلاء بما كذب لهم كذب من كان قبلهم من الكفار (الذين كانوا بآيات الله يجحدون) أي بدلالات الله وبيناته، ولا يفكرون فيها.

ثم عاد إلى ذكر صفاته تعالى فقال (الله الذى جعل لكم الارض قرارا) أي هيأها لكم بحيث تستقرون عليها (والسماء بناء) أي وجعل السماء بناء مرتفعا فوقنا ولو جعلهما رتقا لما أمكن الخلق الانتفاع في ما بينهما.

ثم قال (وصوركم فأحسن صوركم) لان صور ابن آدم أحسن من صور الحيوان.

والصور جمع صورة مثل سورة وسور (ورزقكم من الطيبات) لانه ليس لشئ من الحيوان من الطيبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله لابن آدم، فان انواع الطيبات واللذات التي خلقها الله لهم لا تحصى لكثرتها من الثمار وفنون النبات واللحوم وغير ذلك.

ثم قال (ذلكم) يعني الذى تقدم وصفه هو الذى يحق له العبادة على الحقيقة وهو (الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) أي جل بأنه الثابت الدائم الذى لم يزل ولا يزال.

[92]

ثم قال (هو الحي) ومعناه الحي على الاطلاق هو الذى يستحق الوصف بأنه حي لا إلى اجل (لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين) قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إذا قال احدكم (لآإله إلا الله وحده) فليقل في آخرها (الحمدلله رب العالمين).

قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاء‌ني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين(66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون(67) هو الذى يحيي ويميت فاذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون(68) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون(69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون(70))

خمس آيات بلا خلاف.

هذا امر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله ان يقول الكفار قومه (إني نهيت) أى نهاني الله (ان اعبد) أى اوجه العبادة إلى (الذين تدعون من دون الله) التي تجعلونها آلهة (لما جاء‌ني البينات من ربي) أى حين أتاني الحجج والبراهين

[93]

من جهة الله دلتني على ذلك (وامرت) مع ذلك (أن اسلم لرب العالمين) أى استسلم لامر رب العالمين الذى خلقكم وأوجدكم ويملك تدبير الخلائق اجمعين.

ثم وصفه فقال (وهو الذى خلقكم) معاشر البشر (من تراب) ومعناه خلق أباكم آدم من تراب وانتم نسله واليه ترجعون واليه تنتمون (ثم من نطفة..) اى ثم انشأ من ذلك الاصل الذى خلقه من تراب النطفة ثم قلبها إلى علقة وهي القطعة من الدم لانها تعلق بما يمربه لظهور اثرها فيه وخلقكم منها (ثم يخرجكم طفلا) أى اطفالا واحدا واحدا، فلهذا ذكره بالتوحيد، كما قال " بالاخسرين اعمالا "(1) لان لكل واحد منهم اعمالا قد خسر بها " ثم لتبلغوا اشدكم " وهو حال استكمال القوة وهو جمع شدة واشد كنعمة وانعم.

واصل الشدة اللف الذى يصعب منه الانحلال، ثم " لتكونوا شيوخا " بعد ذلك " ومنكم من يتوفى من قبل " ان يصير شيخا ومن قبل ان يبلغ اشدة " ولتبلغوا اجلا مسمى " أى يبلغ كل واحد منكم ما سمى له من الاجل.

وقال الحسن: هو النسل الذى يقوم عليه القيامة والاجل المسمى القيامة (ولعلكم تعقلون) أى خلقكم لهذه الاغراض التي ذكرها ولكي تفكروا في ذلك فتعقلوا ما انعم الله عليكم من انواع النعم واراده منكم من اخلاص العبادة.

ثم قال (هو الذى يحيى ويميت) يعني من خلقكم على هذه الاوصاف التي ذكرها هو الذى يحييكم وهو الذي يميتكم فأولكم من تراب وآخركم إلى تراب تعودون (فاذا قضى امرا) اى اراد امرا من الامور (فانما يقول له كن فيكون) ومعناه انه يفعل ذلك من غير ان يتعذر عليه ولا يمتنع منه فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون، لا انه خاطب المعدوم بالتكوين، لان ذلك محال. والله لا يأمر بالمحال.

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف 104

[94]

ثم قال (الذين يجادلون في آيات الله) يعني المشركين الذين يخاصمون في دفع آيات الله وابطالها (أنى يصرفون) أى كيف ومن أين ينقلبون عن الطريق المستقيم إلى الضلال ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحتها والفكر فيها لما ذمهم الله. قال ابن زيد اراد بذلك المشركين.

ثم وصفهم فقال (الذين كذبوا بالكتاب يعني بالقرآن جحدوه وكذبوا بما ارسلنا به من الكتب في الشرائع رسلنا قبلك (فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم إذا حل بهم وبال ما جحدوه ونزل بهم عقاب ما ارتكبوه ويعرفون ان ما دعوتهم اليه حق وما ارتكبوه ضلال وفساد.

قوله تعالى: (إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون(71) في الحميم ثم في النار يسجرون(72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون(73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين(74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون(75))

خمس آيات كوفي وشامي وأربع في ما عداهما سوى البصري عد إسماعيل والكوفى والشامي " يسبحون " وعد المدني الاول والمكى " في الحميم " وعد الكوفي والشامي " تشركون " وهي ثلاث آيات بصري لانه عندهم آخر الاولى " يسبحون والثانية " الكافرون " والثالثة " تمرحون ".

[95]

قوله " إذا الاغلال " متعلق بقوله " فسوف يعلمون.. إذ الاغلال " أي يعلمون في حال ما تجعل الاغلال وهي جمع غل، وهو طرق يدخل في العنق للالم والذل. وأصله الدخول من قولهم: انغل في الشئ إذا دخل فيه. والغلول الخيانة التي تصير كالغل في عنق صاحبها، والاعناق جمع عنق وهو مركب الرأس بين البدن وبينه، وقوله " فاضربوا فوق الاعناق "(1) أي اصل الرأس وما والاه.

وقوله " والسلاسل " أي وتجعل السلاسل ايضا في اعناقهم. وقرأ ابن عباس " والسلاسل " بالنصب " يسحبون " بفتح الياء بمعنى يسحبون السلاسل. وحكي عنه الجر أيضا بتقدير، وهم في السلاسل يسبحون. والجر ضعيف عند النحويين، لان حرف الجر لا يجوز إضماره وأجاز بعضهم ذلك على ضعفه بأن يتوهم أن التقدير إذ الاغلال في الاعناق. والسلاسل جمع سلسلة وهي حلق منتظمة في جهة الطول مستمرة. ويقال: تسلسلت المعاني إذا استمرت شيئا قبل شئ كالسلسلة الممدوة، وقوله " يسحبون " أي يجرون على الارض.

وموضع " يسحبون " النصب على الحال، وتقديره إذ الاغلال والسلاسل في أعناقهم مسحوبين على النار والسحب جر الشئ على الارض، هذا أصله يقال: سحب عليه ما يلزمه من الاصل الفاسد، ويسحب الكافر على وجهه في النار سحبا " في الحميم " وهو الماء الذي يبلغ الغاية في الحرارة " ثم في النار يسجرون " فالسجر القاء الحطب في معظم النار كالتنور الذي يسجر بالوقود، فهؤلاء الكفار لجهنم كالسجار للتنور " ثم قيل لهم " على وجه التوبيخ لا يلام قلوبهم كايلام ابدانهم بالتعذيب " اينما كنتم تشركون من دون الله " فتوجهون العبادة اليه من الاصنام والاوثان فيخلصوكم وينصروكم من عذاب الله " قالوا " في الجواب " ضلوانا عنا " ثم يستدركون

___________________________________

(1) سورة 8 الانفال آية 12

[96]

فيقولون: بل لم نكن ندعو من قبل شيئا " ومعناه لم نكن ندعو من قبل شيئا يستحق العبادة وما ينتفع بعبادته، فلذلك أطلق القول فقال الله تعالى " كذلك يضل الله الكافرين " قال الحسن: معناه كذلك يضل اعمالهم بأن يبطلها.

وقيل: معناه كذلك يضل الله الكافرين عن نيل الثواب.

وقيل: كذلك يضل الله الكافرين عما اتخذوه إلها بأن يصرفهم عن الطمع في نيل منفعته من جهتها. ثم يقول موبخا لهم " ذلكم " أي ما فعل بكم جزاء " بما كنتم تفرحون في الارض " والفرح والمرح والبطر والاشر نظائر " بغير الحق " أي كنتم تفرحون بالباطل والفرح بالحق لا يوبخ عليه " بما كنتم تمرحون " أي وجزاء بما كنتم تبطرون في معاصي الله. والمرح الاختيال في السرور والنشاط قال الشاعر:

ولا ينسني الحدثان عرضي *** ولا ارخي من الفرح الازارا(1)

قوله تعالى: (أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين(76) فاصبر إن وعد الله حق فاما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون(77) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن ياتي بآية إلا باذن الله فاذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون(78) ألله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون(79) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون(80))

خمس آيات بلا خلاف.

___________________________________

(1) مر في 8 / 107

[97]

لما حكى الله تعالى ما يقال للكفار من قوله " ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون " حكى ايضا انه يقال لهم " ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها " أي مؤبدين فيها لا انقطاع لكونكم فيها ولا نهاية لعقابكم.

وقيل: إنما جعل لجهنم ابواب كما جعل فيها الادراك تشبيها بما يتصور الانسان في الدنيا من المطابق والسجون والمطامير، فان ذلك أهول واعظم في الزجر.

وقيل: لجهنم ابواب، كما قال تعالى " لها سبعة ابواب "(1) وقوله " فبئس مثوى المتكبرين " أي بئس مقام الذين تكبروا عن عبادة الله وتجبروا عن الانقياد له، وإنما اطلق عليه اسم بئس مع كونه حسنا لان الطبع ينفر عنه كما ينفر العقل عن القبيح بالذم عليه، فحسن لهذه العلة اطلاق اسم بئس عليه.

ووصف الواحد منا بانه متكبر اسم ذم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " فاصبر " يا محمد على أذى قومكك وتكذيبهم إياك ومعناه اثبت على الحق، فسماه صبرا للمشقة التي تلحق فيه كما تلحق بتجرع المر، ولذلك لا يوصف اهل الجنة بالصبر. وإن وصفوا بالثبات على الحق. وكان في الوصف به في الدنيا فضل، ولكن يوصفون بالحلم، لانه مدح ليس فيه صفة نقص.

وقوله (إن وعد الله حق) معناه إن ما وعد الله به المؤمنين على الصبر من الثواب في

___________________________________

(1) سورة 15 الحجر آية 44

[98]

الجنة وتوعد الكفار من العقاب (حق) لاشك فيه بل هو كائن لا محالة ثم قال (فاما نرينك بعض الذي نعدهم او نتوفينك فالينا يرجعون) معناه إنا إن أريناك يا محمد بعض ما نعدهم من العقاب عاجلا وإهلاكهم في دار الدنيا، وإن لم نفعل ذلك بهم وقبضناك إلينا، فالينا يرجعون يوم القيامة، فنفعل بهم ما وعدناهم من العقاب وأليم العذاب.

وقال الحسن: تقديره إما نرينك بعض الذي نعدهم فنرينك ذلك في حياتك او نتوفينك، فيكون ذلك بعد موتك فأي ذلك كان (فالينا يرجعون).

ثم قال تعالى (ولقد ارسلنا) يا محمد (رسلا من قبلك منهم) أي من جملتهم (من قصصنا عليك) قصتهم (ومنهم من لم نقصص عليك) وروي عن علي عليه السلام انه قال (من بعث الله نبيا اسود لم يذكره الله) وقيل: بعث الله ثمانية آلآف نبي اربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من غيرهم. ولم يذكر إلا نفرا يسيرا.

ثم قال (وما كان لرسول أن يأتي بآية) أي بمعجزة ولا دلالة (إلا باذن الله) وامره (فاذا جاء امرالله) يعني قيام الساعة (قضي بالحق) أي فصل بين الخلائق (وخسر هنالك المبطلون) لانهم يخسرون الجنة ويحصلون في النار بدلا منها (وذلك هو الخسران المبين) ثم قال تعالى على وجه تعداد نعمه على الخلق (الله الذي جعل لكم الانعام) من الابل والبقر والغنم (لتركبوا منها ومنها تأكلون) اي خلقها لتنتفعوا بركوبها وتأكلوا منها، فانه جعلها للامرين.

وقال قوم: المراد بالانعام - ههنا - الابل خاصة، لانها التي تركب ويحمل عليها في اكثر العادات. واللام في قوله (لتركبوا) لام الغرض، فاذا كان الله تعالى خلق هذه الانعام واراد ان ينتفع خلقه بها، وكان تعالى لا يريد القبيح ولا المباح، فلابد ان يكون اراد انتفاعهم بها على وجه الطاعة والقربة اليه

[99]

(ولكم فيها مناع) أخرى من ألبانها واصوافها وأشعارها (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) ان تركبوا وتبلغوا المواضع التي تقصدونها لحوائجكم (وعليها) يعني على الانعام (وعلى الفلك) وهي السفن (تحملون) ايضا لانه تعالى هو الذي يسيرها في البحر بالريح إلى حيث تقصدون وتبلغون أغراضكم منها.

وقال ابوعبيدة معنى (وعلى الفلك) في الفلك كما قال (ولا صلبنكم في جذوع النخل)(1) واراد عليها، فحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض.

قوله تعالى: (ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون(81) أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الارض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون(82) فلما جاء‌تهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن(83) فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين(84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون(85))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين جحدوا آياته وانكروا أدلته الدالة على

___________________________________

(1) سورة 20 طه آية 71

[100]

توحيده وإخلاص العبادة له (ويريكم آياته) أي يعلمكم حججه ويعرفكم إياها، منها إهلاك الامم الماضية على ما اخبر عنهم ووجه الآية فيه انهم بعد النعمه العظيمة صاروا إلى النقم لانهم عصوا فاقتضى ذلك العصيان أولا النقمان ثانيا.

وكان فيه اوضح الدليل على تثبيت القديم تعالى الذي لولاه لم يصح فعل ولا تدبير. ومنها الآية في خلق الانعام التي قدم ذكرها، ووجه الآية فيه تسخيرها لمنافع العباد بالتصرف في الوجوه التي قد جعل كل شئ منها لما يصلح له وذلك يقتضي ان الجاعل لذلك قادر على تصريفه عالم بتدبيره، وانما يرى الآيات بالبيان عنها الذي يحضر للناس معناها ويخطرها ببالهم، وينبه عليها، فانه يحتاج اولا في الآية احضارها للنفس ثم الاستدلال عليها والتمييز بين الحق والباطل منها، فأول الفائدة إخطارها بالبال والتنبيه عليها. والثاني الاستدلال عليها إلى الحق.

ثم قال (فاي آيات الله تنكرون) توبيخا لهم على جحدها، وقد يكون الانكار للآية تارة بجحدها أصلا. وقد يكون تارة بجحد كونها دالة على صحة ما هي دالة عليه، والخلاف في الدلالة يكون من ثلاثة اوجه: اما في صحتها في نفسها، او في كونها دلالة، او فيهما. وإنما يجوز من الجهال دفع الآية بالشبهة مع قوة الآية وضعف الشبهة لامور: منها اتباع الهوى ودخول الشبهة التي تغطي الحجة حتى لا يكون لها في النفس منزلة. ومنها التقليد لمن ترك النظر في الامور. ومنها السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة فيمتنع ذلك من توليد النظر للعلم.

ثم نبههم فقال (افلم يسيروا في الارض) بأن يمروا في جنباتها (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم) عددا (واشد قوة) أي

[101]

واعظم آثارا في الارض بالابنية العظيمة التي نبوها والقصور المشيدة التي شيدوها.

وقال مجاهد: بمشيهم على أرجلهم على عظم خلقهم، فلما عصوا وكفروا بالله اهلكهم الله واستأصلهم " فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " معناه لم يغن عنهم ما كسبوه من الاموال والبنيان. وقيل ان (ما) بمعنى أي، وتقديره فأي شئ اغنى عنهم كسبهم؟ ! على وجه التهجين لفعلهم والتقريع لهم، فتكون (ما) الاولى نصبا وموضع الثانية رفعا.

ثم قال تعالى " فلما جاء‌تهم رسلهم بالبينات " يعني لما أتى هؤلاء الكفار رسلهم الذين دعوهم إلى توحيده وإخلاص العبادة له " فرحوا بما عندهم من العلم " وفى الكلام حذف، وتقديره لما جاء‌تهم رسلهم بالبينات فجحدوها وانكروا دلالتها وعد الله تعالى الرسل باهلاك اممهم ونجاة الرسل فرح الرسل بما عندهم من العلم بذلك.

وقيل: إن المعنى فرحوا بما عندهم من العلم يعني الكفار بما اعتقدوا انه علم إذ قالوا: نحن اعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، فكان ذلك جهلا واعتقدوا انه علم، فاطلق الاسم عليه بالعلم على اعتقادهم، كما قال " حجتهم داحضة "(1) وقال " ذق انك انت العزيز الكريم "(2) يعني عند نفسك وعند قومك، فالاول قال به الجبائي، والثاني قول الحسن ومجاهد.

وقيل: المعنى إن الكفار فرحوا بما عند الرسل فرح استهزاء وسخرية لا فرح سرور وغبطة وقوله " وحاق بهم " أي حل بهم " ما كانوا به يستهزؤن " أي جزاء ما كانوا به يسخرون برسلهم من الهلاك والعذاب.

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 16.

(2) سورة 44 الدخان آية 49

[102]

ثم اخبر تعالى عنهم انهم " فلما رأوا بأسنا " بأس الله ونزول عذابه " قالوا آمنا بالله وحده " وخلعنا الانذاد من دونه " وكفرنا بما كنابه مشركين " في عبادة الله من الاصنام والاوثان فقال الله سبحانه " فلم يك ينفعهم إيمانهم " عند رؤيتهم بأس الله وعذابه، لانهم يصيرون عند ذلك ملجئين وفعل الملجأ لا يستحق به الثواب.

ثم قال " سنة الله التي قد خلت في عباده " نصب " سنذة الله " على المصدر، والمعنى طريقة الله المستمرة من فعله بأعدائه والجاحدين لنعمه واتخاذ الولايج من دونه في ما مضى مع عباده الذين كفروا به " وخسر هنالك الكافرون " لنعمه لفوتهم الثواب والجنة واستحقاقهم العذاب والكون في النار.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11513047

  • التاريخ : 16/08/2022 - 17:01

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net