00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الزمر 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء التاسع )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد التاسع

39 - سورة الزمر

وتسمى ايضا (سورة الغرف) وهي مكية - في قول مجاهد وقتادة والحسن - ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.

عدد آياتها خمس وسبعون آية - في الكوفي - وثلاث وسبعون - شامي - وسبعون حجازي وبصري.

الآية: 1 - 35

بسم الله الرحمن الرحيم

(تنزل الكتاب من الله العزيز الحكيم(1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبدالله مخلصا له الدين(2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار(3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لا صطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار(4) خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار(5))

[4]

خمس آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفي (يختلفون) رأس آية، ولم يعده الباقون.

قوله (تنزل الكتاب) رفع بالابتداء، وخبره (من الله). ويجوز ان يكون رفعا على انه خبر الابتداء. والابتداء محذوف، وتقديره: هذا تنزل، والمراد بالكتاب القرآن - في قول قتادة - وسمي كتابا لانه مما يكتب.

و (العزيز) هو القادر الذي لا يقهر ولا يمنع، و (الحكيم) هو العليم بما تدعو اليه الحكمة وما تصرف عنه. وعلى هذا يكون من صفات ذاته تعالى. وقد يكون بمعنى أن افعاله كلها حكمة ليس فيها وجه من وجوه القبيح. فيكون من صفات الافعال، وعلى الاول يكون تعالى موصوفا في مالم يزل بأنه حكيم، وعلى الثاني لا يوصف إلا بعد الفعل.

وقيل (العزيز) في انتقامه من اعدائه (الحكيم) في ما يفعله بهم من انواع العقاب. والذي اقتضى ذكر (العزيز الحكيم) في إنزال الكتاب انه تعالى يحفظ هذا الكتاب حتى يصل إليك على وجهه من غير تغيير ولا تبديل لموضع جهته ولا لشئ منه، وفي قوله (العزيز الحكيم) تحذير عن مخالفته.

ثم اخبر تعالى عن نفسه انه أنزل الكتاب الذي هو القرآن (اليك) يا محمد (بالحق) أي بالدين الصحيح. ثم امره فقال (فاعبدالله مخلصا له الدين) ومعناه توجه عبادتك اليه تعالى وحده مخلصا من شرك الاوثان والاصنام.

[5]

وقوله (مخلصا له الدين) نصب (مخلصا) على الحال. ونصب (الدين) بأنه مفعول ل‍ (مخلصا).

وقال الفراء: يجوز أن يرفع (الدين)، ولم يجزه الزجاج، قال: لانه يصير ما بعده تكريرا.

ثم قال تعالى (ألا لله الدين الخالص) والاخلاص لله أن يقصد العبد بطاعته وعمله وجه الله، لا يقصد الرياء والسمعة، ولا وجها من وجوه الدنيا، والخالص - في اللغة - مالا يشوبه شئ غيره، ومنه خلاصة السمن لانه تخلصه. وقال الحسن: معناه الاسلام.

وقال غيره: معناه ان له التوحيد في طاعة العباد التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون لغيره، لاستحالة أن يملك هذا الامر سواه.

وقوله (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) معناه الحكاية عما يقول الكافرون الذين يعبدون الاصنام فانهم يقولون: ليس نعبد هذه الاصنام إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى - في قول ابن زيد - وقال السدي: الزلفى المنزلة. و (الاولياء) جمع ولي، وهو من يقوم بأمر غيره في نصرته، وحذف (يقولون لدلالة الكلام عليه، وهو أفصح، واوجز.

ثم اخبر تعالى فقال (إن الله يحكم بينهم يوم القيامة في ما هم فيه يختلفون) من إخلاص العبادة لله والاشراك به.

ثم قال (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) معناه إن الله تعالى لا يهديه إلى طريق الجنة او لا يحكم بهدايته إلى الحق، (من هو كاذب) على الله في أنه أمره باتخاذ الاصنام، كافر بما أنعم الله عليه، جاحد لاخلاص العبادة، ولم يرد الهداية إلى الايمان، لانه قال (واما ثمود فهديناهم)(1).

ثم قال تعالى (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) على ما يقول هؤلاء: من أن

___________________________________

(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 7

[6]

الملائكة بنات الله، أو على ما يقوله النصارى: من ان عيسى ابن الله، أو ما يقوله اليهود: من أن عزيزا ابن الله، (لاصطفى) أي لا ختار مما يخلق ما يشاء. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال (سبحانه هو الله الواحد القهار) الذي لا نظير له، القهار لجميع خلقه. ومن هذه صفته كيف يجوز أن يتخذ الاولاد؟ !.

ثم بين عن قدرته فقال (خلق السموات والارض بالحق) أي لغرض حكمي دون العبث وما لا فائدة فيه. (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه، ومنه كور العمامة. وقال قتادة: معناه يغشي.

(وسخر الشمس والقمر) بأن أجراهما على وتيرة واحدة وتقدير واحد، وكل ذلك يجرى (لاجل مسمى) يعني إلى مدة قدرها الله لهما ان يجريا اليها. وقيل: إلى قيام الساعة. ثم قال (ألا هو العزيز الغفار) يعني الله الذي لا يقهر ولا يغالب، الغفار لمعاصي عباده إذا تابوا واقلعوا عن ذنوبهم. وفائدة الآية أن من قدر على خلق السموات والارض وتسخير الشمس والقمر. وإدخال الليل في النهار ينبغي ان ينزه عن اتخاذ الولد، واضافة شريك اليه لان جميع ذلك لا يليق به، لانه من صفات المحتاجين.

[7]

قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون(6) إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور(7))

آيتان بلا خلاف.

قرأ السوسي، وابن فرج، وهبة عن الاخفش والترمذي إلا ابن فرج، ومدين من طريق عبدالله بن سلام، والبرجمي وخلف - بضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ. الباقون - بضم الهاء من غير اشباع - وهذا خطاب من الله تعالى لجميع خلقه من البشر، يقول لهم على وجه تعداد نعمه عليهم وامتنانه لديهم (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) يعني آدم لان جميع البشر من نسل آدم.

وقوله (ثم جعل منها زوجها) قيل: أنه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم. وقال قوم: خلقها من فضل طينته.

وفى قوله (ثم جعل منها زوجها) و (ثم) تقتضي التراخي والمهملة، وخلق الوالدين قبل الولد، وذلك يقتضي أن الله تعالى خلق الخلق من آدم ثم بعد ذلك خلق حواء، وذلك بخلاف المعلوم، لان خلق حواء كان قبل خلق ولد آدم، فيه ثلاثة اقوال: احدها - ان الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر. ثم خلق بعد ذلك حواء من ضلع من اضلاع آدم - على ما روي في الاخبار - وهذا ضعيف لما بيناه في غير موضع(1) في ما مضى.

___________________________________

(1) انظر بالمجلد الخامس ص 34 - 35

[8]

والثاني - ان ذلك وإن كان مؤخرا في اللفظ فهو مقدم في المعنى، ويجري مجرى قول القائل: قد رأيت ما كان منك اليوم ثم ما كان منك أمس، وإن كان ما كان امس قبل ما يكون اليوم.

والثالث - انه معطوف على معنى واحدة كأنه قال من نفس واحدة بمعنى اوجدها.

وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله (زوجها) غير حواء، بل يريد المزدوج من نسل آدم من الذكور والاناث، فكأنه قال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) وهي آدم عليه السلام ثم جعل المزدوج من نسل هذه النفس، وهذا لا محالة متأخر عن خلق النفس الواحدة التى هي آدم.

وقيل ايضا: إن سبب دخول (ثم) أن الاعتداد بهذه النعمة، والذكر لها على الامتنان، انما كان بعد ذكر خلقنا من نفس واحدة، فكأنه قال: هو الذي ذكر لكم واعتد عليكم بأنه خلقكم من نفس واحدة، ثم عطف على هذا الاعتداد والامتنان ذكر نعمة اخرى، وهي ان زوج هذه النفس المخلوقة مخلوقة منها.

فزمان الخلق المزوج وإن كان متقدما، فزمان ذكره والاعتداد به متزاوج، وزمان الذكر للنعم والاعتداد بها غير الترتيب في زمان الايجاد والتكوين، كما يقول احدنا لغيره: لي عليك من النعم كذا اليوم، ثم كذا امس، وإن كان المعطوف متقدما على المعطوف عليه إذا كان زمان الامتنان بذلك على خلاف ترتيب زمان ايصال النعم.

وقيل: إن المراد ب‍ (ثم) الواو، فانه قد يستعمل الواو بمعنى (ثم) و (ثم) بمعنى الواو، لان معنى الجمع الانضمام، وإن أراد بعضه على بعض. قال الله تعالى (فالينا مرجعهم ثم الله شهيد)(1) ومعناه والله شهيد.

وقوله (وانزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) قال الحسن: معناه وجعل لكم منها. وقال: أنزلها بعد ان خلقها في الجنة ويعني بها، الابل، والبقر،

___________________________________

(1) سورة 10 يونس آية 46

[9]

والضان، والمعز من كل صنف اثنين. وهما زوجان. وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك.

وقوله (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) قال قتادة ومجاهد والضحاك والسدي: معناه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي العظام لحما ثم ينشئ خلقا آخر. وقال ابن زيد: معناه الخلق في بطون الامهات بعد الخلق في ظهر آدم.

وقوله (في ظلمات ثلاث) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد: يعني ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وقيل: صلب الرجل وظلمة الرحم. ثم خاطب خلقه فقال (ذلكم الله ربكم) يعني الذي خلق ما ذكره هو الذي أنشاكم وهداكم ويملك التصرف فيكم (له الملك) على جميع المخلوقات (لا إله إلا هو) مستحق للعبادة (فأنى تصرفون) المعنى تؤفكون أي يكف تنقلبون عن ذلك إلى اتخاذ الآلهة سواه.

ثم قال تعالى مخاطبا لهم (إن تكفروا فان الله غني عنكم) ومعناه إن تجحدوا نعم الله فلا تشكروه، فان الله غني عن شكركم (ولا يرضى العباده الكفر) وفى ذلك دلالة على ان الكفر ليس من فعل الله، ولا بارادته، لانه لو كان مريدا له لكان راضيا به، لان الرضا هو الارادة اذا وقعت على وجهه.

ثم قال (وان تشكروا يرضه لكم) أي ان تشكروا نعمه وتعترفوا بها يرضه لكم ويريده منكم ويثيبكم عليه. واشباع الهاء أجود، لان الهاء أولها متحرك مثل

[10]

(شرا يره و.. خيرا يره)(1)، والهاء اذا نفتح ما قبلها في نحو الفعل لم يجز الا الاشباع كقولهم كهلهو والهاء (في يرضه) كناية عن المصدر الذي دل عليه (وان تشكروا) كقولهم: من كذب كان شرا له أي كان الكذب شرا له. وشكر الله لعبده هو اثابته على الشكر والطاعات، والشكر من العبد الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم.

ومن أسكن الهاء قال ابوالحسن: هي لغة كقول الشاعر: ونضواي مشتاقان له أرقان فعلى هذه اللغة يحمل دون أن يجري الوصل مجرى الوقف.

وقوله (ولا تزر وازرة وزر أخرى) معناه لا يؤاخذ بالذنب الا من يفعله ويرتكبه، ولا يؤاخذ به غيره، وذلك نهاية العدل. وفى ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة في ان الله تعالى يعذب اطفال الكفار بكفر آبائهم.

وقوله (ثم اليه مرجعكم) ومعناه إن مصيركم يوم القيامة إلى حيث لا يملك الامر والنهي سواه (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي يخبركم بما عملتموه ويواقفكم عليه ويجازيكم بحسب ذلك، انه عليم بذات الصدور لا يخفى عليه شئ لا سر ولا علانية.

___________________________________

(1) سورة 99 الزلزال آية 7 - 8

[11]

قوله تعالى: (وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار(8) أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الالباب(9) قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب(10))

ثلاث آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير ونافع وحمزة (أمن هو قانت) بتخفيف الميم. الباقون بتشديدها، من خفف أراد النداء وتقديره يامن هو قانت.

قال ابن خالويه: سمعت ابن الانباري يقول: ينادي العرب بسبعة الفاظ: زيد اقبل، وازيد اقبل ويا زيد اقبل، وهازيد أقبل، وأيا زيد اقبل، وأي زيد اقبل، وهيا زيد اقبل.

وانشد:

هيا ظبية الوعشاء بين جلايد *** وبين النقاء أنت أم أم سالم

ويجري ذلك مجرى قول القائل: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم ويصلي ابشر.

وقال ابوعلي: النداء - هنا - لا وجه له.

والمعنى أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك؟ ! لانه موضع معادلة، وإنما يقع في مثل هذا الموضع الجمل التي تكون اخبار وليس كذلك النداء. ويدل على الحذف قوله (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) لان التسوية لا تكون إلا بين شيئين وفى جملتين من الخبر.

والمعنى أمن هو قانت كمن جعل الله أندادا ليضل عن سبيله، وقال أبوالحسن: القراء‌ة بالتخفيف ضعيفة، لان الاستفهام إنما يبني على ما بعده، ولا

[12]

يحمل على ما قبله، وهذا الكلام ليس قبله ما يبنى عليه إلا في المعنى ومن شدد احتمل أمرين: احدهما - ان يريد أهذا خير أم من هو قانت. والثاني - ان يكون جعل (أم) بمنزلة (بل) والف الاستفهام، وعلى هذا يكون الخبر محذوفا لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر:

فأقسم لو شئ أتانا رسوله *** سواك ولكن لم نجد لك مدفعا(1)

والمعنى له أتانا غيرك ما صدقناه، ولا أهتدينا فحذف.

وقال تعالى (افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) و " افمن يتقى بوجهه سوء العذاب " كل ذلك محذوف الجواب.

والقانت الداعي، والقانت الساكت، والقانت المصلي قائما وانشد:

قانتا لله يتلو كتبه *** وعلى عمد من الناس اعتزل

وقيل القانت الدائم على الطاعة لله (في قول ابن عباس والسدي -.

يقول الله عزوجل مخبرا عن حال الانسان وضعف يقينه وشدة تحوله من حال إلى حال إنه إذا مسه ضر من شدة فقر ومرض وقحط (دعا) عند ذلك (ربه منيبا اليه) أي راجعا اليه راغبا فيه (ثم إذا خوله نعمة منه) فانه إذا أعطاه نعمة عظيمة، فالتخويل العطية العظمية على جهة الهبة، وهي المنحة قال ابوالنجم:

اعطى فلم ينجل ولم يبخل *** كوم الذرى من خول المخول(2)

" نسي ما كان يدعو اليه من قبل) يعني ترك دعاء الله، كما كان يدعو في حال ضره، قال الفراء: ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (من) كما قال (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)(3).

___________________________________

(1) مر تخربحه في 5 - 529 و 6 - 253 و 7 - 341.

(2) مر في 4 - 224.

(3) سورة 4 النساء آية 3

[13]

" وجعل لله اندادا " أي وسمى له تعالى أمثالا في توجيه عبادته اليها من الاصنام والاوثان " ليضل عن سبيله " فمن ضم الياء أراد ليضل بذلك غيره عن سبيل الحق. ومن فتح الياء اراد ليضل هو عن ذلك، واللام لام العاقبة، لانهم لم يفعلوا ما فعلوه وغرضهم أن يضلوا عن سبيل الله، لكن عاقبتهم كان اليه. فقال الله تعالى لنبيه (قل) له يا محمد على سبيل التهديد (تمتع بكفرك قليلا) يعني مدة حياتك (إنك من اصحاب النار) في العاقبة، وهم الذين يلزمون عذاب جهنم.

ثم قال (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما) فآناء الليل ساعات الليل واحدها آن، وإني بالياء (ساجدا وقائما) أي في هاتين الحالتين (يحذر الاخرة) أي يخاف عذاب الاخرة (ويرجو رحمة ربه) كمن خالف ذلك، فانهما لا يتساويان ابدا، ثم قال (قل) لهم على وجه الانكار عليهم (هل يستوي الذين يعلمون) الحق ويعملون به (والذين لا يعلمون) ولا يعملون به، فانهما لا يتساويان أبدا (إنما يتذكر) في ذلك (اولوا الالباب) أي ذوو العقول وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير هذه الآية انه قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله (قل) لهم يا محمد (يا عبادي الذين آمنوا) بالله وصدقوا بوحدانيته وأقروا برسله (اتقوا ربكم) أي عقاب ربكم باجتناب معاصيه.

ثم قال (للذين احسنوا) يعني فعلوا الافعال الحسنة وأحسنوا إلى غيرهم جزاء لهم على ذلك (في هذه الدنيا حسنة) يعني ثناء حسن وذكر جميل ومدح وشكر، وقيل: صحة وسلامة وعافية، ذكره السدي (وارض الله واسعة) فتهاجروا فيها عن دار الشرك - في قول مجاهد - وقيل: أرض الله يعني أرض الجنة واسعة (إنما يوفى الصابرون أجرهم) وثوابهم على طاعتهم وصبرهم على شدائد الدنيا

[14]

(بغير حساب) أي لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وقيل: إن معناه إنهم يعطون من المنافع زيادة على ما يستحقونه على وجه التفضل، فكان ذلك بغير حساب أي بغير مجازاة بل تفضل من الله تعالى.

قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين(11) وأمرت لان أكون أول المسلمين(12) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم(13) قل الله أعبد مخلصا له ديني(14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا ذلك هو الخسران المبين(15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون(16))

ست آيات بلا خلاف.

ست آيات في الكوفى وخمس بصري واربع في ما عداه عد الكوفيون والبصريون (له الدين) وعد الكوفيون (له ديني) ولم يعد الباقون شيئا من ذلك.

هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم (إني أمرت أن ا عبدالله مخلصا له الدين) أي اخلص طاعتي له وأوجه عبادتي نحوه، دون الاصنام والاوثان. والآية وإن توجهت إلى النبي صلى الله عليه واله فالمراد بها جميع المكلفين (وامرت) أيضا (لان أكون اول المسلمين) أي المستسلمين

[15]

لما أمر الله به ونهى عنه، وإنما أمر بأن يكون اول المسلمين وإن كان قبله مسلمون كثيرون لان المراد به أول المسلمين من هذه الامة، ففي ذلك أنه دعاهم إلى ما رضيه الله له ورضيه لنفسه، وأن يقول لهم ايضا (إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم) يعني عذاب يوم القيامة.

ثم قال (قل) لهم (الله اعبد) أي ا عبدالله (مخلصا) بعبادتي (له) تعالى (ديني) وطاعتي (فاعبدوا) أنتم معاشر الكفار (ما شئتم من دونه) من الاصنام والاوثان على وجه التهديد بذلك ثم قال (قل) لهم (إن الخاسرين) في الحقيقة هم " الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " بأن فعلوا المعاصي، فخسروا بذلك أهاليهم الذين كانوا معدين لهم من الحور العين لو اطاعوه - في قول الحسن - وخسروا أنفسهم أي أهلكوها بالعذاب المهين الظاهر، لمن أدركه، ولا يخفى على احد الحال فيه.

ثم قال تعالى " ألا ذلك هو الخسران المبين " يعنى الظاهر الذي لا يخفى، ثم بين ذلك الخسران بأن قال " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " فالظلة السترة القائمة، وجمعها ظلل، ولذلك قيل من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل إذ النار أدراك فهم بين أطباقها - نعوذ بالله منها - فما هو تحت هؤلاء ظلل لمن دونهم ويجوز أن يكون المراد من تحتهم مثل تلك الظلل لان الظلة لا تسمى كذلك إلا إذا كانت عالية فوق من هي ظلة له ثم قال " ذلك يخوف الله به عباده " أي ما اخبركم به من الوعيد وما أعده للكفار يحذر الله به عباده من إرتكاب معاصيه، ثم ناداهم فقال " يا عباد فاتقون " أي اتقوا معاصي وافعلوا طاعاتي والتخويف الاعلام بموضع المخافة لتتقى ومثله التحذير والترهيب.

وقرأ رويس " ياعبادي " باثبات الياء - في الحالين - الباقون بحذفها، لان الكسرة تدل على الياء.

[16]

قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد(17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله واولئك هم أولوا الالباب(18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار(19) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الانهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد(20))

اربع آيات بلا خلاف، في جملتها، وقد اختلفوا في تفصيلها فعد العراقيون والشامي واسماعيل " فبشر عبادي " ولم يعدها المكي، ولا المدني الاول، وعد المكي والمدني الاول " من تحتها الانهار ".

لما اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار وما أعده لهم من انواع العقاب، اخبر - ههنا - عن حال المؤمنين وما أعده لهم من الثواب فقال " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها " يعني الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت والتقرب اليها بأنواع القرب. والطاغوت جماعة الشياطين في قول مجاهد والسدي وابن زيد. وإنما انث تأنيث الجماعة، ولفظه لفظ المذكر.

وقيل إن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت " وأنابوا إلى الله " أي تابوا اليه، واقلعوا عما كانوا عليه " لهم البشرى فبشر عباد " جزاء على ذلك والبشرى والبشارة واحد وهو الاعلام بما يظهر السرور به في بشرة الوجه، وضده السوء‌ى وهو الاعلام بما يظهر الغم به في الوجه بما يسوء صاحبه.

[17]

ثم امر نبيه صلى الله عليه واله فقال " فبشر عبادي " فمن اثبت الياء وفتحها، فلانه الاصل ومن حذف الياء اجتزأ بالكسرة الدالة عليها، ثم وصف عباده الذين أضافهم إلى نفسه على وجه الاختصاص فقال " الذين يستمعون القول " يعني يصغون إلى تلاوة القرآن والاقوال الدالة على توحيده " فيتبعون أحسنه " إنما قال " أحسنه " ولم يقل حسنه لانه اراد ما يستحق به المدح والثواب، وليس كل حسن يستحق به ذلك، لان المباح حسن ولا يستحق به مدح ولا ثواب. والاحسن الاولى بالفعل في العقل والشرع.

ثم اخبر تعالى فقال " أولئك " يعني هؤلاء الذين وصفهم من المؤمنين هم " الذين هداهم الله " يعني إلى الجنة وثوابها، وحكم بأنهم مهتدون إلى الحق " وأولئك هم أولوا الالباب " يعني اولوا العقول على الحقيقة، لانهم الذين انتفعوا بعقولهم من حيث اتبعوا ما يجب اتباعه، والكفار وإن كان لهم عقول فكأنهم لا عقول لهم من حيث أنهم لم ينتفعوا بما دعوا اليه.

ثم قال تعالى على وجه التنبيه " أفمن حق عليه كلمة العذاب " أي وجب عليه الوعيد بالعقاب جزاء على كفره كمن وجب له الوعد بالثواب جزاء على ايمانه وحذف لدلالة الكلام عليه تنبيها على أنهما لا يستويان.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " أفأنت تنقذ من في النار " وتقديره افأنت تنقذه، لا يمكنك ذلك، لان العقاب وجب له بكفره، واخبر تعالى انه لا يغفر له وإنما اتى بالاستفهام مرتين تأكيدا، للتنبيه على المعنى، قال الزجاج: معناه معنى الشرط والجزاء، والف الاستفهام - ههنا - معناها التوقيف، والثانية في قوله " أفانت

[18]

تنقذ " جاء‌ت مؤكدة لما طال الكلام، لانه لا يصلح أن يأتي بالف الاستفهام تارة في الاسم والاخرى في الخبر، والمعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه او في سياق الكلام حذف. وفيه دليل على المحذوف.

والمعنى افمن حق عليه كلمة العذاب، فيتخلص منه او ينجو منه افانت تنقذه أي لا تقدر عليه ان تنقذه، وقال الفراء: هما استفهام واحد وتقديره: أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب من النار. ومثله " أيعدكم أنكم إذا متم... أنكم مخرجون "(1) وتقديره أيعدكم إنكم تخرجون إذا متم.

ثم فسر وبين ما أعده للمؤمن كما فسر ما أعده للكافرين فقال " لكن الذين اتقوا ربهم " يعني اتقوا معاصيه " لهم غرف من فوقها غرف مبنية " في مقابلة ما قال للكافرين لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل لانها تنقلب عليهم.

وقيل: المعنى لهم منازل رفيعة في الجنة وفوقها منازل ارفع منها، فللمؤمنين الغرف " تجري من تحتها الانهار " وتقديره تجري من تحت اشجارها الانهار، ثم بين تعالى أن الذي ذكره من ثواب المؤمن " وعد " من " الله " وعد به المؤمن " لا يخلف الله الميعاد " أي لا يخلف الله وعده ولا يكون بخلاف ما اخبر به، ونصب " وعد الله " على المصدر.

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنون آية 35

[19]

قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لاولي الالباب(21) أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين(22) ألله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد(23) أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون(24) كذب الذين من قبلهم فأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون(25))

خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين على وجه التنبيه لهم على الادلة الدالة على توحيده واختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره " ألم تر " يا محمد ومعناه ألم تعلم " أن الله انزل من السماء ماء " يعني مطرا " فسلكه ينابيع في الارض " يعني أدخله في عيون الارض ومنابعها.

وقيل: السلوك دخول في الشئ، ولهذا حسن في صفة الماء الجارى، فقيل فسلكه ينابيع في الارض، ويقولون: دخل في الاسلام، ولا يقال سلك في الاسلام، والينابيع جمع ينبوع، وهو خروج الماء من العيون.

وقيل: الينبوع المكان الذي ينبع منه الماء تقول: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه، وعيون الماء مستودع الماء، ونبع الماء إذا انفجرت به العيون.

[20]

وقوله " ثم يخرج به " يعني بذلك الماء " زرعا " وهو كل ما ثبت علي غير ساق، والشجر ماله ساق واغصان. والنبات يعم الجميع، يقال: تنبت النخلة والشجرة والحبة تنبت نباتا.

وقوله " مختلفا ألوانه " يعني صنوفه وقيل: مختلف الالوان من اخضر واصفر واحمر وأبيض: من البر والشعير والسمسم والارز والذرة والدخن وغير ذلك.

وقوله " ثم يهيج فتراه مصفرا " معناه يجف ويضطرب، فالهيج شدة الاضطراب بالانقلاب عن حال الاستقامة والصلاح، هاج يهيج هيجا وهياجا وهاج البعير هيجا. وقيل: معنى " يهيج " أي يحمى ويجف، فكأنه عما يلحق الجميع يخرج إلى تلك الحال فيتغير عن لون الخضرة إلى لون الصفرة.

وقوله " ثم يجعله حطاما " فالحطام فتات النبن والحشيش. ثم قال " إن في ذلك " يعني في ما ذكره من انزال الماء من السماء وإنبات الزرع به ونقله من حال إلى حال " لذكرى " أي ما يتذكر به ويفكر فيه لاولي الالباب يعني ذوي العقول السليمة.

ثم قال تعالى على وجه التنبيه للحق " أفمن شرح الله صدره للاسلام " أي من لطف الله له حتى آمن وعرف الله ووحده وصدق نبيه " فهو على نور من ربه " يعني فهو على هداية من الله ودين صحيح، كمن كان بخلاف ذلك، وحذف لدلالة الكلام عليه.

ثم قال " فويل للقاشية قلوبهم " يعني الويل والعقاب للذين قست قلوبهم (عن ذكر الله) حتى لم يعرفوه ولا وحدوه يقال قسى الشئ إذا صلب، كما قال " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك "(1) ويقال: غسا وعثا وقسا بمعنى واحد، ويقال ما اقسى قلبه إذا كان لا يلين لشئ. والمعنى كلماتلي عليه ذكر الله قسى قلبه.

وقوله " عن ذكر الله " معناه غلظ قلبه عن ذكر الله. والقاسية قلوبهم هم الذين الفوا الكفر وتعصبوا له فلذلك قست قلوبهم. ثم قال

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 74

[21]

تعالى " أولئك " يعني القاسية قلوبهم عن ذكر الله " في ضلال " أي عدول عن الحق " مبين " أي واضح ظاهر.

ثم قال " الله نزل أحسن الحديث " يعني القرآن " كتابا متشابها " نصب (كتابا) على البدل من قوله (احسن) ومعناه " متشابها " في الحكم التي فيه من الحجج والمواعظ والاحكام التي يعمل عليها في الدين وصلاح التدبير يشبه بعضه بعضا لا تناقض فيه " مثاني " أي يثنى فيه الحكم والوعد والوعيد بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى ايضا في التلاوة فلايمل لحسن مسموعه في القرآن " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أى تقشعر جلود المؤمنين الذين يخافون عذاب الله لما يسمعونه فيه من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " وما ضمنه الله على ذلك من الثواب.

ثم قال " ذلك " يعني ما وصف به المؤمن من اقشعرار قلوب المؤمنين تارة ولينها أخرجى " هدى الله يهدي به من يشاء " أي لطف الله الذى يلطف به لمن يشاء من عباده الذين يعلم انه لطف لهم. وقال الجبائي: انه خص به أمة محمد صلى الله عليه واله.

ثم قال " ومن يضلل الله فما له من هاد " ومعناه من أضله الله عن طريق الجنة لا يقدر احد على هدايته اليها. ويحتمل ان يكون المراد من حكم الله بأنه ضال لا يقدر احد ان يحكم بأنه هاد.

ثم قال منبها لخلقه " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة " وتقديره كمن يدخل الجنة؟ ! وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النرا مغلولا، لا يمكنه ان يتقي النار إلا بوجهه.

ومعنى يتقي يتوفاها كما قال الشاعر:

إذا يتقون بي الاسنة لم اخم *** عنها ولكني تضايق مقدمي

أي يقدمونني إلى القتال فيتوقون بي حرها. وحذف كمن كان بخلاف ذلك لدلالة الكلام عليه، فان هذا لا يكون ابدا. ثم حكى الله تعالى ما يقال

[22]

للكلافرين الظالمين نفوسهم بالكفر بالله يوم القيامة إذا دخلوا النار (ذوقوا ما كنتم) أي جزاء ما كنتم (تكسبون) من المعاصي.

ثم اخبر تعالى عن الامم الماضية من أمثالهم من الكفار بأن قال (كذب الذين من قبلهم) بآيات الله وجحدوا توحيده وكذبوا رسله (فأتاهم العذاب) جزاء لهم على فعلهم وعقوبة عاجلة " من حيث لا يشعرون " أي حيث لا يعلمون به ولا يحتسبون.

قوله تعالى: (فأذاقهم الله الخزي في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون(26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون(27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون(28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون(29) إنك ميت وإنهم ميتون(30) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون(31))

ست آيات بلا خلاف.

قال المبرد العرب تقول لكل شئ يصل اليك بجارحة من الجوارح: ذق أي يصل معرفته اليك، كما يصل اليك معرفة ماتذوقه بلسانك من حلو ومر ومنه قوله (فذاقوا وبال امرهم)(1) وقوله (ذق انك أنت العزيز الكريم)(2) والخزي هو المكروه والهوان، وخزي فلان إذا وقع في المكروه، فالخزي افراط

___________________________________

(1) سورة 64 التعابن آية 5.

(2) سورة 44 الدخان 49

[23]

الاستحيا، يقال ما استحيا وما تخزى، ورأيته خزيان نادما، قال الشاعر: ولا أنت دياني فتخزوني قرأ ابن كثير، وابوعمرو، ويعقوب (ورجلا سالما) على وزن (فاعل) معناه خالصا لا يشركه فيه غيره لان الله تعالى ضرب مثلا للمؤمن والكافر، فشبه الكافر بشركاء متنازعين مختلفين، والمؤمن من عبد إلها واحدا.

الباقون " سلما لرجل " على المصدر من قولهم: سلم فلان الله سلما بمعنى خلص له خلوصا، كما يقولون: ربح الرجل في تجارته ربحا وربحا: وسلم سلما وسلما وسلامة، وتقديره ذا سلم، فمعنى " اذا قهم الله " أي جعلهم يدركون الالم، كما يدرك الذائق الطعام، والخزي الذل الذي يستحيا من مثله بما فيه من الفضيحة، وخزيهم في الحياة الدنيا هو ما فعله بهم من العذاب العاجل من إهلاكهم واستئصالهم الذي يبقى ذكره على الابد.

ثم قال تعالى " ولعذاب الآخرة اكبر " مما فعل بهم في دار الدنيا " لو كانوا يعلمون " صدق ما اخبرنا به. ثم اقسم تعالى بأن قال " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " فالتذكر طلب الذكر بالفكر، وهذا حث على طلب الذكر المؤدي إلى العلم، والمعنى لكي يتذكروا، ويتعظوا فيجتنبوا ما فعل من تقدم من الكفر والمعاصي، لئلا يحل بهم كما حل بأولئك.

وقوله " قرآنا عربيا " أي انزلناه قرآنا عربيا غيرذي عوج أي غير ذي ميل عن الحق بل هو مستقيم موصل إلى الحق، ويقال في الكلام عوج - بكسر العين - إذا عدل به عن جهة الصواب. والمثل علم شبه به حال الثاني بالاول. والمثال مقياس يحتذى عليه، وإنما قال: ضربنا مثلا واحدا، ولم يقل مثلين، لانهما جميعا ضربا مثلا واحدا، ومثله قوله

[24]

تعالى " وجعلنا ابن مريم وأمه آية "(1) ولوثني لكان حسنا - في قول الفراء - وقوله " لعلهم يتقون " معناه لكي يتقوا معاصي الله خوفا من عقابه.

ثم قال تعالى " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون " فالتشاكس التمانع والتنازع، تشاكسوا في الامر تشاكسا، وفي الشركاء تشاكس في البيع، وتدبير المملوك ونحو ذلك " ورجلا سلما لرجل " فضرب المثل للموحد بعبادته الله تعالى وحده - عزوجل - والمشرك بعبادته غيرالله - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد - (هل يستويان مثلا) في حسن الحال، لا يستويان لان الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وحياطته ما لا يستحقه صاحب الشركاء المختلفين في امره.

ثم قال (الحمد لله) يعني المستحق للشكر والثناء على الحقيقية هو الله تعالى (بل أكثرهم لا يعلمون) حقيقة، لجهلهم بالله ومواضع نعمه. ثم قال لنبيه (إنك يا محمد (ميت) أي عاقبتك الموت، وكذلك هؤلاء لان (كل نفس ذائقة الموت)(2) (ثم إنكم) يبعثكم الله (يوم القيامة) ويحشركم يوم القيامة فتختصمون عندالله. ومعناه كل طائفة منكم ترد على صاحبتها يوم القيامة وتخاصمها، فالاختصام رد كل واحد من الاثنين ما اتى به الآخر على وجه الانكار عليه.

وقد يكون احدهما - محقا والآخر مبطلا كالموحد والملحد. وقد يكونان جميعا مبطلين كاختصام اليهودي والنصراني، وقد يكونان جميعا محقين إذا قطع كل واحد منهما على صواب اعتقاده دون غيره، ويكون اختصامهم في الآخرة بذم رؤساء الضلالة في ما دعوهم اليه ودفع اولئك عن أنفسهم، فيقول الاولون: لولا أنتم لكنا مؤمنين

___________________________________

(1) سورة 23 المؤمنين آية 51.

(2) سورة 3 آل عمران آية 185 وسورة 21 الانبياء آية 35 وسورة 29 العنكبوت آية 57

[25]

ويقول الرؤساء ما كان لنا عليكم من سلطان إلا أن دعوناكم فاستجبتم لنا. واقبل بعضهم على بعض يتلاومون.

وقال ابن زيد: الاختصام يكون بين المؤمنين والكافرين.

وقال ابن عباس: يكون بين المهتدين والضالين: والصادقين والكاذبين وقال ابوالعالية: يكون بين أهل القبلة. ورجل مشكس إذا كان سئ الخلق.

وقال السدي: هذا مثل ضربه الله لاوثانهم.

وقال قتادة: هذا للمشرك تنازعه الشياطين مغريين بعضهم ببعض (ورجلا سالما) وهو المؤمن أخلص الدعوة الله والعبادة، وقال ابوعبيدة: متشاكسون الرجل الشكس ورجلا سالما الرجل الصالح.

وقال ابو عمرو: معناه خالصا لله.

وقال ابوعلي: رجلا فيه شركاء يعني في إتباعه أو في شيعته.

قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاء‌ه أليس في جهنم مثوى للكافرين(32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون(33) لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاؤ المحسنين(34) ليكفرالله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون(35))

أربع آيات بلا خلاف.

قوله (فمن اظلم) صورته صورة الاستفهام والمراد به التقريع والتوبيخ، والمعنى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فادعى أن له ولدا وصاحبة، أو أنه حرم ما لم يحرمه، أو أحل مالم يحله، وإنما كان من كذب على الله وكذب بالحق أظلم الخلق، لانه ظلم نفسه بأفحش الظلم من جهة كفره بربه وحجوده لحق نعمه حين أشرك به تعالى من لا نعمة له يستحق بها عبادته.

[26]

وقال قتادة: (وكذب بالصدق إذ جاء‌ه) يعني بالقرآن.

ثم قال تعالى مهددا لمن هذه صفته (أليس في جهنم مثوى للكافرين) والمثوى المقام يقال أثوى يثوي اثواء وثوى يثوي ثواء قال الشاعر:

طال الثواء على ربع بيسؤدي *** أردى وكل جديد مرت مود

وقوله (والذي جاء بالصدق وصدق به) قال قتادة وابن زيد: المؤمنون جاؤا بالصدق الذي هو القرآن وصدقوا به، وهو حجتهم في الدنيا والآخرة. وقيل الذي جاء بالصدق جبرائيل وصدق به محمد صلى الله عليه واله.

وفي قراء‌ة ابن مسعود (والذي جاؤا بالصدق) قال الزجاج: الذي - ههنا والذين بمعنى واحد يراد به الجمع. وقال: لانه غير موقت. وقيل: الذي جاء بالصدق النبي صلى الله عليه واله من قول لا إله إلا الله، وصدق به ايضا هو صلى الله عليه واله والصحيح أن قوله (وصدق به) من صفة الذين جاؤا بالصدق، لانه لو كان غيرهم لقال والذي جاء بالصدق والذي صدق به.

وقوله (اولئك هم المتقون) يعني من جاء بالصدق وصدق به هم المتقون معاصي الله خوف عقابه، وإنما جاء بلفظ الجمع (هم المتقون) مع أن لفظ (الذي) واحد، لانه أراد به الجنس. ومعناه الجمع كقوله (والعصر ان الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)(1) وقال الاشهب بن رميلة:

إن الذي حلت بفلج دماؤهم *** هم القوم كل القوم يالم خالد

ثم بين ما اعد لهم من النعيم فقال (لهم ما يشاؤن عند ربهم) جزاء على تقواهم، وبين أن لهم (ذلك) وانه (جزاء المحسنين) الذين يفعلون الطاعات.

___________________________________

(1) سورة 103 العصر آية 1 - 2

[27]

وقوله (ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا) أي يسقط عنهم عقاب الشرك والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بتوبتهم ورجوعهم إلى الله (ويجزيهم اجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) يعني يثيبهم على طاعاتهم من الفرض والنفل، وهي أحسن افعالهم لان المباح وإن كان حسنا لا يستحق به ثواب ولا مدح لان الثواب والمدح إنما يستحق على الطاعات.

الآية: 36 - 75

قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد(36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام(37) ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون(38) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون(39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم(40))

خمس آيات كوفي وثلاث في ما عداه عد الكوفيون (من هاد) وعدوا (فسوف تعلمون) ولم يعده الباقون.

قرأ حمزة والكسائي وخلف (بكاف عباده) على الجمع. الباقون بكاف عبده على التوحيد. من قرأ على التوحيد أراد النبي صلى الله عليه واله لقوله (ويخوفونك) ومن جمع اراد النبي وسائر الانبياء، لان أمة

[28]

كل نبي خاطبوا نبيهم بمثل ذلك، كما قال تعالى مخبرا عن قوم هود (إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء)(1) وقرأ ابوعمرو والكسائي عن أبي بكر (كاشفات ضره.. ممسكات رحمته) منون فيهما. الباقون بالاضافة. فمن أضاف فللتخفيف. ومن نون، فلانه غير واقع، واسم الفاعل إنما يعمل إذا كان لما يستقبل قوله (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)(2) على الحكاية.

وقوله (اليس الله بكاف عبده) لفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يقرر عباده، فيقول: اليس الله الذي يكفي عبده كيد اعدائه ويصرف عنه شرهم، فمن وحد - اراد محمد صلى الله عليه واله وهو قول السدي وابن زيد. ومن جمع - أراد انبيائه ك‍ (إبراهيم ولوط وشعيب).

وقوله (ويخوفونك بالذين من دونه) خطاب للنبي صلى الله عليه واله بأن الكفار يخوفونه بالاوثان التي كانوا يعبدونها - في قول قتادة والسدي وابن زيد - لانهم قالوا له: أما تخاف ان تهلكك آلهتنا.

وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي صلى الله عليه واله قالوا له ساداتها: إياك يا خالد إن بأسها شديد.

ثم قال (ومن يضلل الله فما له من هاد) يحتمل معناه شيئين: احدهما - من أضله عن طريق الجنة بكفره ومعاصيه فليس له هاد يهديه اليها. والثاني - ان من حكم الله بضلالته وسماه ضالا إذا ضل هو عن الحق فليس له من يحكم بهدايته وتسميته هاديا. ثم عكس ذلك فقال (ومن يهدي الله فما له من مضل) وهو يحتمل امرين: احدهما - من يهديه الله إلى طريق الجنة فلا احد يضله عنها.

___________________________________

(1) سورة 11 هود آية 54.

(2) سورة 18 الكهف آية 18

[29]

والثاني - من يحكم بهدايته ويسميه هاديا فلا احد يمكنه ان يحكم بضلالته على الحقيقة.

ثم قرر خلقه فقال (اليس الله بعزيز) اي قادر قاهر لا يقدر أحد على مغالبته (ذي إنتقام) من اعدائه والجاحدين لنعمته.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله (ولئن سالتهم) يا محمد يعني هؤلاء الكفار (من خلق السموات والارض) وانشأها واخترعها وأوجدها بعد أن كانت معدومة (ليقولن الله) الفاعل لذلك، لانهم لو أحالوا على غيره لبان كذبهم وافتراؤهم، لانه لا يقدر على ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه شئ. ثم قال (قل) لهم (افرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل هن ممسكات رحمته) فمن اضاف لم يعمل اسم الفاعل. ومن نون أعمله، وهما جميعا جيدان.

والمعنى إن من يعجز عن النفع والضر وكشف الكرب عمن يتقرب اليه ولا يتأنى منه ذلك كيف يحسن عبادته؟ ! وإنما تحسن العبادة لمن يقدر على جميع ذلك ولا يلحقه عجز ولا منع، وهو الله تعالى. والوجه في الزام من خلق السموات والارض إخلاص العبادة له أن من خلق السموات والارض هو القادر على النفع والضر بما لا يمكن أحد منعه ويمكنه منع كل أحد من خير او شر، والعبادة أعلى منزلة الشكر، لاجل النعم التي لا يقدر عليها غير الله، فمن اقر بخلق السموات والارض لزمه إخلاص العبادة لمن خلقهما ومن لم يقر دل عليه بما يلزمه الاقرار به.

ثم قال (قل) لهم يا محمد (حسبي الله) أي يكفني الله (عليه يتوكل المتوكلون) فالتوكل رد التدبير إلى من يقدر على الاحسان فيه، فلما كان لا يقدر على الاحسان في جميع التدبير الذي يصلح الانسان إلا الله تعالى وجب على كل عاقل التوكل عليه بما هو حسبه منه.

[30]

ثم قال (قل) لهم يا محمد (ياقوم إعملوا على مكانتكم) قال مجاهد: على ناحيتكم، وقيل على مكانكم من العمل.

وقيل: على مكانتكم أي ديانتكم على وجه التهدد لهم.

وقيل: على مكانتكم أي جهتكم التي اخترتموها وتمكنتم في العمل بها.

ثم قال (إني عامل) بما أدعوكم اليه (فسوف تعلمون) عاقبة اعمالكم وآخر كفركم وتعرفون (من يأتيه عذاب يخزيه) في الدنيا ويهينه في الآخرة (ويحل عليه) أي ينزل عليه (عذاب مقيم) أي دائم لا يزول، وذلك غاية الوعيد والتهديد.

قوله تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل(41) ألله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك الآيات لقوم يتفكرون(42) أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض ثم إليه ترجعون(44) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون(45))

خمس آيات بلا خلاف.

[31]

قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف (فيمسك التي قضي عليها) على ما لم يسم فاعله. الباقون (قضى) بفتح القاف، وهو الاجود لان اسم الله تعالى قد تقدم في قوله (الله يتوفى الانفس حين موتها) وقيل: إن الموت - ههنا - المراد به النوم.

والتوفي - ههنا - توفى النفس لا الروح، لان ابن عباس قال في ابن آدم نفس وروح، فاذا نام قبضت نفسه وبقيت روحه. والروح والذي يكون بها الغظيط. والنفس هي التي يكون بها التميز، فاذا مات قبضت نفسه وروحه.

فان قيل: كيف قال ههنا (الله يتوفى الانفس) وقال في موضع آخر (توفته رسلنا)(1) (وقل يتوفاكم ملك الموت)(2).

قيل: ان الذي يتولى قبض الارواح ملك الموت بأمر الله، ومعه رسل واعوان، فلذلك قال (توفته رسلنا). وحجة من بنى الفعل للفاعل قوله (ويرسل الاخرى) ومن بنى للمفعول به، فلان المعنى يؤل اليه.

وقال الفراء تقديره الله يتوفى الانفس حين موتها ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء اجلها.

وقيل: توفها نومها لقوله (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)(3).

يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه (إنا انزلنا عليك) يا محمد (الكتاب) يعني القرآن (للناس بالحق). ومعناه أنزلناه على انه حق، فهذه فائدة الباء. وفي ذلك حجة على

___________________________________

(1) سورة 6 الانعام آية 61.

(2) سورة 32 الم السجدة آية 11.

(3) سورة 6 الانعام آية 60

[32]

من زعم ان الله سبحانه يريد بانزاله إضلال الكافرين عن الايمان، لانه لو كان كذلك لم يكن منزلا على انه حق وجب النظر في موجبه ومقتضاه، فما رغب فيه وجب العمل به وما حذر منه وجب اجتنابه، وما صححه وجب تصحيحه وما أفسده وجب افساده، وما دعا اليه فهو الرشد، وما صرف عنه فهو الضلال.

ثم قال (فمن اهتدى) يعني بما فيه من الادلة (فلنفسه) لان منفعة عاقبته من الثواب تعود عليه (ومن ضل) عنه وحاد (فانما يضل عليها) يعني على نفسه، لان وخيم عاقبته من العقاب تعود عليه.

ثم قال (وما أنت) يا محمد (عليهم بوكيل) أي بحفيظ ولا رقيب وإنما عليك البلاغ والوكيل القائم بالتدبير.

وقيل (ما انت عليهم بوكيل) معناه وما انت عليهم برقيب في ايصال الحق إلى قلوبهم وحفظه عليهم حتى لا يتركوه ولا ينصرفوا عنه، ولا تقدر على إكراههم على الاسلام، وإنما الله تعالى القادر عليه.

قوله (الله يتوفى الانفس حين موتها) معناه انه يقبضها اليه إذا اراد إمانتها بأن يقبض روحها بأن يفعل فيها الموت " والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت " فلا يردها اليه " ويرسل الاخرى.. " التى يريد ابقائها إلى أن تستوفي اجلها الذي قدره لها. وقد ذكرنا ما روي عن ابن عباس من أن قبض الروح يكون منه ميتا. وقبض النفس يكون به فاقدا للتمييز والعقل، وإن لم يفقد حياته. والفرق بين قبض النوم والموت ان قبض النوم يضاد اليقظة، وقبض الموت يضاد الحياة وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح منه عن البدن، وقال سعيد بن جبير والسدي: ان أرواح الاحياء إذا ناموا تجتمع مع أرواح الاموات، فاذا أرادت الرجوع إلى الاجساد أمسك الله ارواح الاموات وأرسل ارواح الاحياء.

[33]

ثم قال (إن في ذلك) يعني في قبض الارواح تارة بالموت، وقبض الانفس بالنوم أخرى (لآيات) أي دلالات واضحات على توحيد الله، فانه لا يقدر عليه سواه (لقوم يتفكرون) أي يستعملون عقولهم بالفكر في ذلك فيعرفون الله تعالى بذلك.

ثم اخبر عن هؤلاء الكفار فقال (أم اتخذوا) معناه بل اتخذ هؤلاء الكفار (من دون الله شفعاء) بزعمهم، من الاصنام والاوثان فقال (قل) لهم يا محمد (اولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون) تنبيها لهم على انهم يتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يقدرون على شئ من الشفاعة ولا غيرهما ولا يعقلون شيئا. والالف في (اولو) الف الاستفهام يراد به التنبيه.

ثم قال (قل) لهم يا محمد (لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والارض) أي الشفاعة لمن له التدبير والتصرف في السموات والارض ليس لاحد الاعتراض عليه في ذلك (ثم اليه ترجعون) معاشر الخلق أي إلى حيث لا يملك احد التصرف والامر والنهي سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كل إنسان على عمله على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب.

ثم اخبر عن حالهم وشدة عنادهم، فقال (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني نفرت نفوسهم عن التوحيد وانقبضت عنه يقال: فلان مشمئز عن كذا إذا انقبض عنه.

وفي قوله: اشمأزت قلوبهم دليل على فساد قول من يقول المعارف ضرورة (وإذا ذكر الذين من دونه) قال السدي: يعني اوثانهم (إذا هم يستبشرون) أي يفرحون ويسرون حتى يظهر السرور في وجوههم.

[34]

قوله تعالى: (قل اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون(46) ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لا فتدوا به من سوء العذاب يوم القيمة وبدالهم من الله مالم يكونوا يحتسبون(47) وبدالهم سيات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن(48) فاذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون(49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون(50))

خمس آيات.

هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين ان يدعوه بهذا الدعاء فيقولوا (اللهم فاطر السموات والارض) أي خالقهما ومنشئهما ومبتدئهما (عالم الغيب والشهادة) أي عالم ما غاب علمه عن جميع الخلائق وعالم ما شهدوه وعملوه، لا يخفى عليك شئ من الاشياء (أنت تحكم بين عبادك) يوم القيامة (في ما كانوا فيه يختلفون) في دار الدنيا من أمر دينهم ودنياهم وتفصل بينهم بالحق.

و (فاطر السموات) عند سيبويه لا يجوز أن يكون صفة (اللهم) قال لانه غير الاسم في النداء، ولانه لا يذكر بهذا الذكر إلا بعد ما عرف

[35]

كما لا يضمر الاسم إلا بعد ما عرف، فكما لا توصف المضمرات، فكذلك هذا الاسم، وليس يجب مثل ذلك في قولنا: (الله) لانه قد يذكره العارف لمن لا يعرفه فيعرفه إياه بصفته، فيقول: الله فاطر السموات والارض وخالق الخلق ورب العالمين ومالك يوم الدين.

وقال ابوالعباس: يجوز أن يكون صفة (اللهم) حملا له على (يا الله فاطر السموات والارض).

ثم اخبر تعالى على وجه المبالغة في وقوع عقاب الكفار وعظمه بأنه لو كان لهم ملك جميع مافي الارض، ومثله معه، زيادة عليه وأراد الظالم لنفسه بارتكاب المعاصي أن يفتدي نفسه من شدة ذلك العذاب يوم القيامة لما قبل منه، ولما فودي به، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه.

ثم قال (وبدالهم) يعني الكفار ما لم يكونوا يحتسبونه ولا يظنونه واصلا اليهم، والاحتساب الاعتداد بالشئ من جهة دخوله في ما يحسبه، فلما كان أهل النار لم يكونوا يدرون ما ينزل بهم من العذاب صح ان يقال (بدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) ولا قدروا أنهم يصيرون اليه.

ثم قال (وبدالهم) أي ظهر لهم ايضا (سيئآت ما كسبوا) أي جزاء سيئآت ما كسبوا من اعمالهم (وحاق بهم) أي نزل بهم " ما كانوا به يستهزؤن " في الدنيا من قول الله ووعده ووعيده.

ثم اخبر تعالى عن شدة تقلب الانسان وتحوله من حال إلى حال بأنه إذا مسه ضر من مرض ومصيبة وبلاء " دعانا " وفزع الينا " ثم " بعد ذلك " إذا خولناه " أي أعطيناه " نعمة منا " والتخويل العطاء بلا مكافات ولا مجازات بل تفضلا محضا " قال إنما اوتيته على علم " قال الحسن معناه أني اوتيته بحيلتي وعملي وقال غيره: معناه على علم برضاه عني فلذلك اعطاني ما أولاني من النعمة. وقال

[36]

آخرون: معناه على علم بأن تسببت به للعافية وكشف البلية وانه لم ينلها من قبل ربه.

ثم قال ليس الامر على ما يقوله " بل هي فتنة " أي بلية واختبار يبتليه الله به فيظهر كيف شكره في مقابلتها، فيجازيه بحسبها، لانه وإن كان عالما بحاله لم يجز ان يجازيه على علمه، وإنما يجازيه على فعله " ولكن اكثرهم لا يعلمون " صحة ما قلناه من ان ذلك محنة واختبار لقلة معرفتهم بالله وبصفاته.

ثم قال " قد قالها الذين من قبلهم " يعني قد قال كلمة مثل ما قال هؤلاء " فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون " من الاموال ويجمعونه بل صارت وبالا عليهم.

قوله تعالى: (فأصابهم سيآت ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيآت ما كسبوا وما هم بمعجزين(51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(52) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم(53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون(54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون(55))

خمس آيات بلا خلاف.

[37]

يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار في الآخرة وما يصيرون اليه فقال " فاصابهم سيئآت ما كسبوا " قيل في معناه قولان: احدهما - فاصابهم عقاب سيئآت ما كسبوا وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه لدلالة الكلام عليه. الثاني - انه اراد فأصابهم عقاب ما كسبوا من المعاصي وسماه سيئآت لازدواج الكلام، كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها "(1).

ثم قال " والذين ظلموا من هؤلاء " يعني من كفار قوم النبي صلى الله عليه واله " سيصيبهم " أيضا " سيئآت ما كسبوا وما هم بمعجزين " أي ليس يفوتون الله، ثم قال على وجه التنبيه لهم على معرفته " اولم يعلموا ان الله يبسط الرزق لمن يشاء " أي يوسعه على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من مصلحته " ويقدر " أي ويضيق على من يشاء منهم بمثل ذلك " إن في تلك لآيات " أي دلالات واضحات " لقوم يؤمنون " أي يصدقون بتوحيد الله ويقرون بأنبيائه.

وأضاف الآيات إلى المؤمنين لانهم الذين انتفعوا بها، ثم قال " قل " لهم يا محمد " يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم " بارتكاب المعاصي " لا تقنطوا من رحمة الله " أي لا تيأسوا من رحمة الله يقال: قنط يقنط قنوطا إذا يئس " ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم " وفى ذلك دلالة واضحة على انه يجوز ان يغفر الله بلا توبة تفضلا منه وبشفاعة النبى صلى الله عليه واله لانه لم يشرط التوبة بل أطلقها.

وروي عن فاطمة عليها السلام أنها قالت: إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي.

وروي عن علي عليه السلام وابن عباس: أنهما قالا: إن لارجى آية في كتاب الله قوله (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم "(2) فقال عبدالله بن عمرو بن العاص بل أرجى آية في كتاب الله قوله " قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم " وهو المروي عن علي ايضا.

___________________________________

(1) سورة 42 الشورى آية 40.

(2) سورة 13 الرعد آية 7

[38]

وقوله " وانيبوا إلى ربكم " امر مستأنف من الله لخلقه بالرجوع إلى الله والتوبة من معاصيهم. والانابة هي الرجوع " وأسلموا له " معناه آمنوا به وسلموا لا وامره " من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون " عند نزول العذاب بكم " واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم " إنما قال " أحسن ما أنزل " لانه اراد بذلك الواجبات والنفل التي هي الطاعات دون المباحات والمقبحات التي لا يأمر بها.

وقال السدي (أحسن) أي ما أمر الله تعالى به في الكتاب، وقال قوم (أحسن ما انزل اليكم من ربكم) يريد به الناسخ دون المنسوخ، وهذا خطأ، لان المنسوخ لا يجوز العمل به بعد النسخ وهو قبيح، ولا يكون الحسن أحسن من قبيح، وقال الحسن احسنه ان يأخذوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه " من قبل ان يأتيكم العذاب بغتة " أي فجأة في وقت لا تتوقعونه " وأنتم لا تشعرون " أي لا تعرفون وقت نزوله بكم.

قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين(56) أو تقول لو أن الله هديني لكنت من المتقين(57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين(58) بلى قد جاء‌تك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين(59) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين(60))

خمس آيات.

[39]

قرأ ابوجعفر من طريق ابن العلاف " يا حسرتاي " بياء ساكنة بعد الالف. وفتح الياء النهرواني عن أبي جعفر. الباقون بلا ياء.

لما امر الله تعالى باتباع طاعاته والانتهاء عن معاصيه تحذيرا من نزول العذاب بهم بغتة وهم لا يعلمون، بين الغرض بذلك وهو لئلا تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وحذف (لا) كما حذف من قوله (يبين الله لكم أن تضلوا)(1) وقال الزجاج: معناه كراهية أن تقول نفس، ومثله قوله (والقى في الارض رواسي أن تميد بكم)(2) في قول الفراء.

وعلى قول الزجاج: كراهية ان تميد بكم، والنفس نفس الانسان. والفرق بين النفس والروح أن النفس من النفاسة، والروح من الريح. وأنفس ما في الحيوان نفسه، وهي جسم رقيق روحاني من الريح، ونفس الشئ هو الشئ بعينه. والتفريط إهمال ما يجب ان يتقدم فيه حتى يفوت وقته، ومثله التقصير، وضده الاخذ بالحزم، يقال: فلان حازم وفلان مفرط.

وقوله (في جنب الله) معناه فرطت في طاعة الله او في أمر الله إلا أنه ذكر الجنب كما يقال: هذا صغير في جنب ذلك الماضي في أمره، وفي جهته، فاذا ذكر هذا دل على الاختصاص به من وجه قريب من معنى جنبه.

وقال مجاهد والسدي: معنى (في جنب الله) أي في أمر الله.

والالف في قوله (يا حسرتى) منقلبة عن (ياء) الاضافة. ويفعل ذلك في الاستفهام والاستغاثة بمد الصوت. والتحسر الاغتمام على مافات وقته لا نحساره عنه بما لا يمكنه إستدراكه، ومثله التأسف.

___________________________________

(1) سورة 4 النساء آية 175.

(2) سورة 16 النحل آية 15 وسورة 31 لقمان آية 10

[40]

وقوله (وإن كنت لمن الساخرين) قال قتادة والسدي: معناه المستهزئين بالنبي والكتاب الذي معه.

وقيل: معناه كنت ممن يسخر بمن يدعوني إلى الايمان، ومعناه وما كنت إلا من جملة الساخرين إعترافا منهم على نفوسهم.

وقوله تعالى (او تقول لو ان الله هداني لكنت من المتقين) معناه فعلنا ذلك لئلا يقول: لو أراد الله هدايتي لكنت من المتقين لمعاصيه خوفا من عقابه (او تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فاكون من المحسنين) ومعناه إنا فعلنا ذلك لئلا يتمنوا إذا نزل بهم البلاء والعذاب يوم القيامة لو أن لي رجعة إلى دار الدنيا لكنت ممن يفعل الطاعات. ونصب (فاكون) على انه جواب (لو) ويجوز أن يكون نصبا باضمار (ان) بمعنى لو أن لي كرة فان اكون. وفي ذلك دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الكافر لا يقدر على الايمان لانه لو كان إذا رد لا يقدر إلا على الكفر لم يكن لتمنيه معنى.

ثم قال تعالى منكرا عليهم " بلى قد جاء‌تك آياتي " أي حججي ودلالاتي " فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين " الجاحدين لنعمي عليك. وإنما خاطب بالتذكير والنفس مؤنثة لانه أراد يا إنسان. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار في الآخرة، فقال " ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة " جزاء على كفرهم.

ثم قال " اليس في جهنم مثوى " أي موضع إقامة " للمتكبرين " الذين تكبروا عن طاعة الله وعصوا أوامره.

[41]

قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون(61) ألله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل(62) له مقاليد السموات والارض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون(63) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون(64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين(65) بل الله فاعبد و كن من الشاكرين(66))

ست آيات بلا خلاف.

قرأ روح " وينجي الله " بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن كثير " تامروني اعبد " مشددة النون مفتوح الياء. وقرأ نافع وابن عامر في رواية الداجوني خفيفة النون. وفتح الياء نافع، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن عامر في غير رواية الداجوني " تأمرونني " بنونين. الباقون مشددة النون ساكنة الياء. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " بمفازاتهم " جماعة. الباقون " بمفازتهم " على واحدة. فمن وحده قال: هو بمنزلة السعادة والنجاة، كما قال الله تعالى " بمفازة من العذاب "(1) وقال قوم المفازة الصحراء، فهي مهلكة وتسمى مفازة تفاؤلا، كما قالوا - لمعوج الرجلين - احنف، وللحبشي ابوالبيضاء.

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 188.

[42]

وقال ابن الاعرابي: ليست مقلوبة بل المفازة المهلكة، يقولون: فوز الرجل إذا هلك ومات.

ومن قرأ " تأمرونني " فلانه الاصل. ومن شدد أدغم احدى النونين في الاخرى.

ومن خفف حذف احدى النونين، كما قال الشاعر:

تراه كالثغام يعل مسكا *** بسوء الغانيا إذا قليني(1)

أراد قلينني فحذف.

لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وأن الله يحشرهم يوم القيامة مسودة وجوههم، وأن مقامهم في جهنم، اخبر انه ينجي الذين اتقوا معاصي الله خوفا من عقابه، ويخلصهم.

وقوله " بمفازتهم " بمنجاتهم من النار بطاعاتهم التي أطاعوا الله بها. واصل المفازة المنجاة، وبه سميت الفلاة مفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها، كما سموا اللديغ سليما. ومن وحد فلانه اسم جنس او مصدر يقع على القليل والكثير. ومن جمع أراد تخلصهم من مواضع كثيرة فيها هلاك الكفار وانواع عذابهم.

وقوله " لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون " معناه إن هؤلاء المؤمنين الذين يخلصهم الله من عقاب الآخرة وأهوالها لا يمسهم عذاب أصلا، ولا هم يغتمون على وجه.

وقوله " لا يمسهم السوء " معناه نفيا عاما لسائر انواع العذاب، والعموم في قوله " ولا هم يحزنون " فيه تأكيد له، وقيل: لئلا يظن ظان انه لما لم يمسهم العذاب جاز أن يمسهم بعض الغم، ففي ذلك تفصيل واضح يزيل الشبهة. ثم اخبر تعالى انه خلق كل شئ، ومعناه انه يقدر على كل شئ، " وهو على كل شئ وكيل " أي له التصرف في ما يريد حافظ له، وإن حملنا معنى الخلق على الاحداث، فالمراد به " خالق كل شئ " من مقدوراته من الاجسام والاعراض.

وقوله " له مقاليد السموات والارض " والمقاليد المفاتيح واحده

___________________________________

(1) قد مر في 6 - 341

[43]

(مقليد) كقولك: منديل ومناديل، ويقال في واحده ايضا (إقليد) وجمعه (أقاليد) وهو من التقليد، والمعنى له مفاتيح خزائن السموات والارض يفتح الرزق على من يشاء ويغلقه عمن يشاء.

وقوله " والذين كفروا بآيات الله " يعني كفروا بآياته من مقاليد السموات والارض وغيرها وقوله " أولئك هم الخاسرون " يعني هؤلاء الذين كفروا بأدلة الله وحججه " هم الخاسرون "، لانهم يخسرون الجنة ونعيمها ويحصلون في النار وسعيرها.

وقوله " قل أفغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون " أمر للنبي صلى الله عليه واله ان يقول لهؤلاء الكفار تأمروني أيها الكفار ان اعبد الاصنام من دون الله ايها الجاهلون بالله وبآياته؟ ! والعامل في قوله " أفغير " على احد وجهين: احدهما - ان يكون " تأمروني " اعتراضا، فيكون التقدير: أفغير الله اعبد ايها الجاهلون في ما تأمروني. الثاني - ان لا يكون اعتراضا ويكون تقديره: اتأمروني اعبد غير الله ايها الجاهلون في ما تأمروني فاذا جعلت " تأمروني " اعتراضا، فلا موضع لقوله " اعبد " من الاعراب، لانه على تقدير اعبد ايها الجاهلون، وإذا لم تجعله اعتراضا يكون موضعه نصبا على الحال، وتقديره اتأمروني عابدا غير الله، فمخرجه مخرج الحال ومعناه ان اعبد، كما قال طرفة:

ألا ايهذا الزاجري احضر الوغا *** وأن اشهد اللذات هل انت مخلد(1)

أي الزاجر أن احضر، وحذف (أن) ثم جعل الفعل على طريقة الحال.

ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " ولقد أوحي اليك " يا محمد " وإلى الذين من قبلك " من الانبياء والرسل " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " لثواب الله.

___________________________________

(1) مر في 1 - 327 و 8 - 243

[44]

وقال قوم: فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولقد أوحي اليك لئن اشركت ليحبط عملك، وإلى الذين من قبلك مثل ذلك.

وقال آخرون: هذا مما اجتزئ بأحد الخبرين عن الآخر، كما يقول القائل: لقد قيل لزيد وعمرو ليذهبن، ومعناه لقد قيل لزيد: ليذهبن وعمرو ليذهبن فاستغني بقوله وعمرو عن ان يقال ليذهبن بما صار لزيد. وليس في ذلك ما يدل على صحة الاحباط على ما يقوله اصحاب الوعيد، لان المعنى في ذلك لئن اشركت بعبادة الله غيره من الاصنام لوقعت عبادتك على وجه لا يستحق عليها الثواب، ولو كانت العبادة خالصة لوجهه لا ستحق عليها الثواب، فلذلك وصفها بأنها محبطة، وبين ذلك بقوله " بل الله فاعبد " أي وجه عبادتك اليه تعالى وحده دون الاصنام ودون كل وثن " تكن من الشاكرين " الذين يشكرون الله على نعمه ويخلصون العبادة له. ونصب قوله " بل الله " بفعل فسره قوله " فاعبد " وتقديره اعبدالله فاعبدو قال الزجاج: هو نصب بقوله (فاعبد) وتقديره قد بلغت فاعبد الله وقال المبرد: ومعنى (ليحبطن) ليفسدن يقولون: حبط بطنه إذا فسد من داء معروف.

قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون(67) ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون(68) وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون(69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون(70))

أربع آيات بلا خلاف.

[45]

يقول الله تعالى مخبرا عن حال الكفار أنهم ما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره.

وقال الحسن: معناه إذ عبدوا الاوثان من دونه.

والاول أقوى - وهو قول السدي - قال محمد بن كعب القرطي " ما قدروا الله حق قدره " معناه ما علموا كيف حق الله.

قال المبرد إشتقاقه من قولك: فلان عظيم القدر يريد بذلك جلالته. والقدر اختصاص الشئ بعظم حجم او صغر أو مساواة.

وقوله " والارض جميعا قبضته.

قال الفراء: كان بجوز في (قبضته) النصب.

وقال الزجاج لا يجوز ان يقال: زيد دارك أي في دارك على حذف (في) كقولهم شهر رمضان انسلاخ شعبان أي في انسلاخه.

قال المبرد: الناصب ل‍ (جميعا) محذوفة تقديره والارض إذا كانت جميعا قبضته، وخبر الابتداء (قبضته) كأنه قال: والارض قبضته إذا كانت جميعا. ومثله: هذا بسر الطيب منه تمرا أي إذا كان. ومذهب سيبويه أي ثبتت جميعا في قبضته كقولك هنيئا مريئا أي ثبت ذلك، لانه دعاء في موضع المصدر، كما قلت سقيا ومثل الآية قول الشاعر:

إذا المرؤ اعيته المروء‌ة ناشئا *** فمطلبها كهلا عليه شديد

أي إذا كان كهلا.

وقال الزجاج: هو نصب على الحال.

والمعنى " والارض " في حال اجتماعها (قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) على الابتداء والخبر.

ومعنى الآية أن الارض باجمعها في مقدوره كما يقبض عليه

[46]

القابض، فيكون في قبضته وكذلك قوله (والسموات مطويات بيمينه) معناه أي في مقدوره طيها، وذكرت اليمين مبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك.

وقيل اليمين القوة قال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين(1) ثم نزه نفسه تعالى عن أن يكون له شريك في العبادة او معين في خلق شئ من الاشياء.

وقال سبحانه وتعالى عما يشركون يعني ما يضيفه اليه الكفار من الاصنام والاوثان.

وقوله (ونفخ في الصور) قال قتادة هو جمع صورة، فكأنه ينفخ في صور الخلق وروى في الخبر ان الصور قرن ينفخ فيه الصور. ووجه الحكمة في ذلك انه علامة جعلها الله تعالى ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف. ثم تجديد الخلق، فشبه بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول، ولا يتصور ذلك للنفس بأحسن من هذه الطريقة.

وقوله (فصعق من في السموات ومن في الارض) قيل: معناه يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السموات والارض، ومنه الصواعق التي تأتي عند شدة الرعد، وصعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة الشديدة.

وقوله (إلا من شاء الله) استثنى من جملة الذين يهلكون قوما من الملائكة، لان الملك الذي ينفخ فيه يبقى بعده، ويجوز أن يبقى غيره من الملائكة.

وقال السدي: المستثنى جبرائيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت - وهو المروي في حديث مرفوع - وقال سعيد بن جبير: هم الشهدا. الذين قتلوا في سبيل الله.

وقوله (ثم نفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون) فهذه النفخة الثانية للحشر.

___________________________________

(1) مر تخريجه في 8 - 512 وهو في تفسير الشوكاني 4 - 462

[47]

وقال قتادة: وروي أيضا ان صاحب الصور إسرافيل عليه السلام وقيل: يفني الله تعالى بعد الصعق وموت الخلق الاجسام كلها ثم يعيدها ومعنى فاذاهم قيام ينظرون إخبار عن سرعة إيجادهم، لانه إذا نفخ النفخة الثانية اعادهم عقيب ذلك فيقومون من قبورهم احياء ينظرون ما يراد ويفعل بهم.

وقوله (واشرقت الارض بنور ربها) قيل: معناه أضاء‌ت بعدل ربها والحكم بالحق فيها.

وقال الحسن: معناه بعدل ربها (ووضع الكتاب) يعني الكتب التي أعمالهم فيها مكتوبة (وجئ بالنبيين والشهداء) لانهم يؤتى بهم.

والشهداء هم الذين يشهدون على الامم للانبياء بأنهم قد بلغوا، وانهم كذبتهم اممهم، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير (وقضي بينهم بالحق) أي يفصل بينهم بالحق ولا ينقص احد منهم شيئا مما يستحقه من الثواب ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب، وقوله (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) معناه انه يعطي كل نفس عاملة بالطاعات جزاء ما عملته على الكمال دون النقصان والله تعالى أعلم من كل احد بما يفعلون من طاعة أو معصية لا يخفى عليه شئ منها.

[48]

قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين(71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين(72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين(73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين(74) وترى الملئكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين(75))

خمس آيات بلا خلاف

قرأ اهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر (فتحت.. وفتحت) بالتخفيف فيهما. الباقون بالتشديد.

من خفف قال: لانها تفتح دفعة واحدة، ومن شدد قال: لانها تفتح مرة بعد اخرى. ولقوله (مفتحة لهم الابواب)(1).

لما اخبر الله تعالى عن حال الكافرين والمؤمنين وانه يحشر الخلق في ارض الموقف، وانه يعاقب كل احد على قدر استحقاقه، اخبر - ههنا - عن قسمة احوالهم فقال (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) فالسوق الحث على السير يقال: ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق وذاك مسوق، ومنه قولهم: الكلام يجري على سياقة واحدة، ومنه السوق لان المعاملة فيها تساق بالبيع والشراء، ومنه الساق لانه ينساق به البدن، و (الزمر) جمع زمرة وهي الجماعة لها صوت المزمار، ومنه مزامير داود عليه السلام يعني اصوات له كانت مستحسنة، وقال الشاعر:

له زجل كأنه صوت حاد *** إذا طلب الوسيقة اوزمير(2)

___________________________________

(1) سورة 28 صلى الله عليه وآله آية 50.

(2) قائله الشماخ اللسان (زجل) وسيبويه 1 - 11

[49]

قال ابوعبيدة: معناه جماعات في تفرقة بعضهم في أثر بعض (حتى إذا جاؤها) يعني جاؤا جهنم (فتحت أبوابها) أي ابواب جهنم (وقال لهم خزنتها) الموكلون بها على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم (ألم يأتكم رسل منكم) يعني من امثالكم من البشر (يتلون) أي يقرؤن (عليكم آيات ربكم) أي حجج ربكم، وما يدلكم على معرفته ووجوب عبادته (وينذرونكم لقاء يومكم هذا) أي ويخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه، فيقول الكفار لهم (بلى) قد جاء‌تنا رسل ربنا، وخوفونا لانه لا يمكنهم جحد ذلك لحصول معارفهم الضرورية (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) ومعناه أنه وجب العقاب على من كفر بالله، لانه تعالى اخبر بذلك وعلم من يكفر ويوافي بكفره، فقطع على عقابه، فلم يكن يقع خلاف ما علمه واخبر به، فصار كوننا في جهنم موافقا لما أخبر به تعالى وعلمه، فيقول لهم عند ذلك الملائكة الموكلون بجهنم (إدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها) أي مؤبدين لا آخر لعقابكم ثم قال تعالى (فبئس مثوى) أي بئس مقام (المتكبرين) جهنم.

ثم اخبر تعالى عن حال أهل الجنة بعد حال اهل جهنم فقال (وسيق الذين اتقوا ربهم " باجتناب معاصيه وفعل طاعاته " إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت ابوابها " وإنما جاء في الجنة، وفتحت ابوابها بالواو، وفى النار فتحت بغير واو، لانه قيل: أبواب النار سبعة، وابواب الجنه ثمانية، ففرق بينهما للايذان بهذا المعنى، قالوا: لان العرب تعد من واحد إلى سبعة وتسميه عشرا ويزيدون واوا تسمى واو العشر، كقوله " التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعرون " ثم قال (والناهون عن

[50]

المنكر)(1) فاتى بالواو بعد السبعة، وقال (مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا)(2) فاتى بالواو في الثامنة.

وقيل: ان المعنى واحد، وإنما حذفت تارة وجئ بها اخرى تصرفا في الكلام.

قال الفراء: الواو لا تقحم إلا مع (لما) و (حتى) و (إذا) وانشد. فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى(3) أرار انتحى وقيل: دخلت الواو لبيان انها كانت مفتحة قبل مجيئهم وإذا كان بغير واو افادانها فتحت في ذلك الوقت وجواب (حتى إذا) في صفة اهل الجنة محذوف وتقديره حتى إذا جاؤها قالوا المنى او دخلوها او تمت سعادتهم او ما اشبه ذلك وحذف الجواب ابلغ لاحتماله جميع ذلك ومثله قول عبد مناف بن ربيع.

حتى إذا سلكوهم في قتائدة شلا *** كما تطرد الجمالة الشردا(4)

وهو آخر القصيدة، فحذف الجواب.

وقوله (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم) أي طابت أفعالكم من الطاعات وزكت (فادخلوها) أي الجنة جزاء على ذلك (خالدين) مؤبدين لا غاية له ولا انقطاع، وقيل: معناه طابت أنفسكم بدخول الجنة. ثم حكى تعالى ما يقول أهل الجنة إذا دخلوها، فانهم يقولون اعترافا بنعم الله عليهم (الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الارض) يعنون ارض الجنة.

وقيل: ورثوها عن أهل النار، وقيل: لما صارت الجنة عاقبة أمرهم كما يصير الميراث، عبر عن ذلك بأنه اورثهم وقوله (نتبؤ من الجنة حيث نشاء) معناه

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 113.

(2) سورة 66 التحريم آية 5.

(3) مر تخريجه في 6 / 109.

(4) مر في 1 / 128، 149 و 6 / 322، 459 و 7 / 363

[51]

نتخذ متبوء‌ا أي مأوى حيث نشاء، وأصله الرجوع من قولهم: باء بكذا أي رجع به.

ثم قال (فنعم اجر العاملين) يعني المقام في الجنة والتنعم فيها.

ثم قال تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش) أي محدقين به - في قول قتادة والسدي - (يسبحون بحمد ربهم) أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها.

وقيل: تسبيحهم ذلك الوقت على سبيل التنعم والتلذذ ثوابا على أعمالهم لا على وجه التعبد، لانه ليس هناك دار تكليف.

وقيل: الوجه في ذلك تشبيه حال الآخرة بحال الدنيا، فان السلطان الاعظم إذا أراد الجلوس للمظالم والقضاء بين الخلق قعد على سريره واقام حشمه وجنده قدامه وحوله تعظيما لامره فلذلك عظم الله أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش وقيام الملائكة حوله معظمين له تعالى مسبحين وإن لم يكن تعالى على العرش لان ذلك يستحيل عليه لكونه غير جسم، والجلوس على العرش من صفات الاجسام.

ثم قال تعالى (وقضي بينهم بالحق) أي فصل بين الخلائق بالحق لا ظلم فيه على أحد، وقيل (الحمد لله رب العالمين) اخبار منه تعالى أن جميع المؤمنين يقولون عند ذلك معترفين بأن المستحق للحمد والشكر الذي لا يساويه حمد ولا شكر (الله) الذي خلق العالمين ودبرها.

وقيل لان الله خلق الاشياء الحمد لله الذي خلق السموات والارض، فلما أفنى الخلق ثم بعثهم واستقر اهل الجنة في الجنة ختم بقوله (الحمد لله رب العالمين).




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 12105240

  • التاريخ : 7/02/2023 - 12:34

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net