00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة يوسف من ( آية 46 ـ 91 ) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء السادس )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: (يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون(46))

آية بلاخلاف.

حكى الله تعالى عن الذي نجا من الفتيين انه جاء يوسف بعد أن قال لهم أبعثوني.

وقال له يا " يوسف " وحذف حرف النداء، لانه إسم علم " أيها الصديق " والصديق الكثير التصديق بالحق للادلة عليه، وكل نبي صديق بهذا المعنى " أفتنا في سبع بقرات " أي اخبرنا عن حكم هذه الرؤيا، و (الفتيا) جواب عن حكم المعنى، وقد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يسمى فتيا.

وقوله " لعلي ارجع إلى الناس لعلهم يعلمون " معنى (لعل) الشك، لانها طمع واشفاق، وانما قال ذلك لطمعه أن يكون، واشفق ان لايكون، ولو قال لارجع إلى الناس ليعلموا، لكان فيه تعليل السؤال، غير ان الشك في (لعل) قد يكون للمتكلم، وقديكون للمخاطب، و (الرجوع) إلى الشئ المرور إلى الجهة التي جاء منها، والرجوع عنه الذهاب عنه.

وقوله " لعلهم يعلمون " يحتمل أمرين: - أحدهما لعلهم يعلمون بمكانك ومنزلتك. الثاني - لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا.

[149]

قوله تعالى: (قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون(47))

آية.

حكى الله تعالى عن يوسف ماأجاب به المستفتي عن تعبير الرؤيا التي رآها الملك، فقال له إنكم " تزرعون سبع سنين دأبا " أي مستمرة.

وقيل: متوالية. وقيل: على عادتكم.

والدأب استمرار الشئ على عادة، يقال هو دأب بفعل كذا إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبا. وسكن القراء كلهم الهمزة، إلا حفصا فانه فتحها، وهي لغة مثل سمع، وسمع، ونهر ونهر. ونصب (دأبا) على المصدر أي تدأبون دأبا، وكلهم همز إلا من مذهبه ترك الهمزة وأبوعمرو اذا أدرج.

وقوله " فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون " حكاية عن تمام ما قال يوسف له: من أن ماتحصدونه لاتذروه ولاتدرسونه، ودعوه في السنبل إلا القليل الذي تأكلونه. وقيل إنما أمرهم بذلك، لان السنبل لايقع فيه السوس، ولايهلك، وان بقي مدة من الزمان، واذا صفي أسرع اليه الهلاك، و (الزرع) طرح الحب في الارض بالدفن مع التعاهد له بالسقي، تقول.

زرع يزرع زرعا، وازرع ازراعا، وزارعه مزارعة، و (الحصد) قطع الزرع، حصده يحصده حصدا استحصد الزرع إذا جاز حصاده.

قوله تعالى: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ماقدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون(48))

آية بلاخلاف.

وهذا تمام حكاية مافسر به الرؤيا يوسف (ع)، فقال لهم: إنه يجئ بعد هذه السنين التي زرعتم فيها وحصدتم، سبع سنين أخر شداد وهي جمع شديدة، والشدة قوة الالتفات، والشدة والصلابة والصعوبة نظائر. وشدة الزمان

[150]

وصعوبته بمعنى. وضدها الرخاء. وقيل الشدة تكون في سبعة أصناف في الاصل: في العقد، والمد، والزمان، والغضب، والالم، والشراب، والبدن.

وقوله " يأكلن ماقدمتم لهن " اضاف الاكل إلى السنين، لانها بمنزلة مايأكل ذلك لوقوع الاكل فيها كمايكون الاكل في الآكل قال الشاعر:

نهارك يامغرور سهو وغفلة *** وليلك نوم والردى لك لازم(1)

والتقديم التقريب إلى جهة القدام، والتأخير التبعيد إلى جهة الخلف، والاحصان الاحراز، وهو إلقاء الشئ فيماهو كالحصن المنيع، أحصنه إحصانا اذا أحرزه.

قوله تعالى: (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون(49))

آية بلاخلاف.

قرأحمزة والكسائي بالتاء (تعصرون) على الخطاب أي أنتم. الباقون بالياء على الرجوع إلى الناس، وهذا حكاية مابشربه يوسف المستفتي له أنه يأتي بعد هذه السنين الصعبة سنة. والعام السنة مأخوذ من العوم، لمالاهله فيه من السبح الطويل.

وقال الخليل: العام حول يأتي على شتوة وصيفة. والحول، والسنة مثل ذلك.

وقوله " فيه يغاث الناس " فالغوث النفع الذي يأتي على شدة حاجة ينفي المضرة، والغيث المطر الذي يجئ في وقت الحاجة، غائهم الله يغيثهم غيثا، وأصابهم غيث.

والغيث الكلا الذي ينبت من ماء السماء وجمعه غيوث. والغياث أصله من الواو، اغاثه الله اغاثة، وغوث تغويثا: اذا قال واغوثاه من يغيثني، ويقول الواقع في بلية: اغثني اغاثك الله، و (يغاث) يحتمل ان يكون من الياء.

___________________________________

(1) تفسير القرطبي 9: 294 وتفسير الطبري (الطبعة الاولى) 12: 127

[151]

ويحتمل ان يكون من الواو " ويعصرون " قيل فيه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعصرون الثمار التي تعتصر في الخصب من العنب والزيتون والسمسم.

وحكى بعضهم أنهم لم يعصروا - أربع عشرة سنة - زيتا ولاعنبا، فيكون المعنى تعصرون للخصب الذي أتاكم، كما كنتم تعصرون في ايام الخصب.

الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس تحلبون.

الثالث - قال ابوعبيدة والزجاج: تنجون نجاء المعتصر بالماء عند الغصص، كماقال عدي بن زيد:

لو بغير الماء حلقي شرق *** كنت كالغصان بالماء اعتصاري(1)

وقال ابوزيد الطائي:

صاديا يستغيث غير مغاث *** ولقد كان عصرة المنجود(2)

واصل العصر عصر العنب، ونحوه من الرطب المستخرج ماؤه وكذلك ما فيه الدهن ليستخرج دهنه، ومنه العصارة مايخرج بالعصر، والاعتصار شرب الماء قليلا قليلا عند الغصص، والمعصر الكاعب، لانه يجري فيهاماء الشباب، والمعصرات السحائب التي تنعصر بالمطر، والاعصار ريح تثير السحاب او الغبار، لانه كالمعتصر منها.

والعصرة المنجاة كنجا الغصان باعتصار الماء، والعصرة الدنية في النسب، لانه كالمعتصر من الرطب. وقرئ يعصرون بضم الياء، وفتح الصاد شاذا ومعناه يمطرون.

وقال البلخي: وهذا التأويل من يوسف يدل على بطلان قول من يقول: ان الرؤيا على ماعبرت اولا، لانهم كانوا قالوا هي أصغات احلام، فلوكان ماقالوه صحيحا لماكان يتأولها.

___________________________________

(1) مر هذا البيت في 1: 412.

(2) تفسير القرطبي 9: 204 ومجاز القرآن 1: 313 وتفسير القرطين 1: 226

[152]

قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به فلما جاء‌ه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم(50))

آية بلاخلاف.

قرأ البرجمي والسلموني " النسوة " بضم النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر افصح.

وفي الكلام حذف، لان تقديره إن الناجي الذي استفتى يوسف عن تفسير رؤيا الملك حين فسره له، رجع إلى الملك واخبره به، وعرفه ان ذلك فسره له يوسف، فقال الملك عند ذلك: ائتوني به والكلام دال عليه، وذلك من عجائب القرآن، وعظم فصاحته.

ومعنى " ائتوني به ". أجيئوني به " فلما جاء ه الرسول " يعني رسول الملك، قال له يوسف ارجع إلى سيدك.

" فاسأله مابال النسوة اللاتي قطعن ايديهن " وانمارد الرسول ليبين للملك براء‌ته مماقرف به، وانه حبس بظلم من غير بينة، ولااعتراف بذنب، وقال قتادة: طلب العذر.

وقوله " ان ربي بكيدهن عليم " قيل في معناه قولان: احدهما - وهوالصحيح - انه أخبر ان الله تعالى عالم بكيد النسوة. والثاني - ان سيدي العزيز عليم بكيدهن. والاول عليه اكثر المفسرين.

والملك هوالقادر الواسع المقدور الذي اليه السياسة والتدبير، وكان هذا الملك ملك مصر. ويجوز ان يمكن الله تعالى الظالم من الظلم، وينهاه عن فعله، ولايجوز أن يملكه الظلم، لان مايملكه، فقد جعله له، وذلك لايليق بعدله.

والتمليك تمكين الحي مما له ان يتصرف فيه في حكم الله تعالى بحجة العقل والسمع، وعلى هذا اذا مكن الله تعالى من الظلم او الغصب لايكون ملكه، لانه لم يجعل له التصرف فيه. بل زجره عنه، قال الرماني: يجوز أن يسلب الله تعالى الخلق

[153]

ماملكهم في الدنيا بسوء افعالهم، كمايسلب بعضهم بكفرهم، والافهو له، فان اخذ بالموت عنه على طريق العارية ثم يرد اليه ويعوض مما فاته بكرمه تعالى، وقيل: إن يوسف انماقال مابال النسوة جميع النساء ولم يخص امرأة العزيز حسن عشرة منه، وقال قوم ذلك يدل على ان كل واحدة منهن دعته إلى نفسها مثل امرأة العزيز.

قوله تعالى: (قال ماخطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ماعلمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين(51))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى انه حين رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف جمع النساء وقال لهن ماخطبكن اذ راودتن يوسف عن نفسه، والخطب الامر الذي يخاطب به صاحبه، مما يستعظم شأنه، يقال هذا خطب جليل، وماخطبك، وما شأنك؟.

وقوله " قلن حاش لله " حكاية عما اجابته به النسوة، فانهن قلن للملك على وجه التنزيه " حاش لله " اي عياذ بالله، وتنزيها من هذا الامر، كقوله " معاذ الله ". وقد يستثني به، فيقال أتاني القوم حاشى زيد، بمعنى إلا زيدا " ماعلمنا عليه من سوء " اي لم نعلم عليه امرا قبيحا. قالت امرة العزيز عند ذلك معترفة بخطئها " الآن حصحص الحق " أي بان الحق يقال حصحص الامر وحصحص الحق اي حصل على امكن وجوهه، وهوقول ابن عباس، ومجاهد وقتادة، واصله حص من قولهم حص شعره اذا استأصل قطعة منه، والحصة اي القطعة

[154]

من الشئ، فمعنى " حصحص الحق " انقطع عن الباطل بظهوره. ومثله كبوا وكبكبوا، وكف الدمع وكفكفه، ورده وردده، فهو زيادة تضعيف دل عليها الاشتقاق ذكره الزجاج. واصله من حصحص البعير ثفناتة في الارض إذا برك حتى يستبين آثارها فيها.

قال حميدبن ثور الهذلي:

وحصحص في صم القنا ثفناتة *** ورام القيام ساعة ثم صمما(1)

ويقال انحص الوبر عن جنب البعير وانحت اذاانحسر ومعنى " انا راودته " انا طالبته بذلك، " وانه لمن الصادقين " في امتناعه من ذلك.

قوله تعالى: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لايهدي كيد الخائنين(52))

آية بلاخلاف.

اختلفوا في من هذا الكلام حكاية عنه؟ فقال اكثر المفسرين كالحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: انه من قول يوسف " ذلك " يعني ذلك الامر من فعلي من رد الرسول ليعلم العزيز اني لم اخنه بالغيب، وقطع الحكاية عن المرأة، وجاز ذلك لظهور الكلام الدال على ذلك، كماقال " وكذلك يفعلون " وقبله حكاية عن المرأة " وجعلوا أعزة اهلها اذلة "(2) وكماقال " فماذا تأمرون " ومثله حكاية قول الملا " يريد ان يخرجكم من ارضكم بسحره "(3) وقال الجبائي والبلخي: انه من قول المرأة.

والمعنى ان اعترافي على نفسي بذلك ليعلم يوسف اني لم اخنه بالغيب، لان العزيز سألها ولم يكن يوسف حاضرا وكلا الامرين جائز ان، والاول أشبه، والخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، وضد الخيانة الامانة،

___________________________________

(1) اللسان (صمم) وروايته:

وحصحص في صم القنا ثفناته *** وناء بسلمى نوء‌ة ثم صمما

(2) سورة النمل آية 34.

(3) سورة الاعراف آية 109 - 111

[155]

وهي تأدية الحق على ماوقع به العقد.

والفرق بين الخيانة والغدر أن الخيانة تكون على وجه السر والغدر نقض العهد بخلاف الحق جهرا، والكيد الاحتيال في ايصال الضرر إلى صاحبه، كاده يكيده كيدا، فهو كائد.

واللام في قوله " ليعلم " لام (كي) ومعناها تعليق مادخلت عليه بالفعل الذي قبله، بمعنى انه وقع من اجله، وانما يتعلق بذلك الارادة.

وقوله " وان الله لايهدي كيد الخائنين " اي لايدعوهم اليها ولا يرغبهم فيها وانما يفعلونها بسوء اختيارهم.

قوله تعالى: (وماأبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا مارحم ربي إن ربي غفور رحيم(53))

آية بلاخلاف.

هذا اخبار عماقال يوسف على وجه التواضع لله لست أبرئ نفسي من السوء، والتبرئة ازالة الشئ عماكان لازما له، لان النفس امارة بالسوء اي تنازع إلى السوء، فلست ابرئ نفسي من ذلك، وان كنت لااطاوعها فيما نازعت اليه، والامارة الكثيرة الامر بالشئ، والنفس بهذه المنزلة لكثرة ما تشتهيه وتنازع اليه مما يقع الفعل لاجله، وهذامجاز في الاصل غير انه كثر استعماله في العرف، فيقال نفسي تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا من جهة شهوتي له، والا فلا يصح ان تأمر الانسان نفسه، لانه يقتضي الرتبة، لانه قول القائل لمن دونه (افعل) وذلك لايصح بين الانسان وبين نفسه، واكثر المفسرين على ان هذا من قول يوسف.

وقال ابوعلي الجبائي هو من كلام المرأة.

وقوله " الامارحم ربي " استثناء من الانفس التي يرحمها الله، فلاتدعو إلى القبيح، بان يفعل معها من الالطاف ماتنصرف عن ذلك.

[156]

وقوله " ان ربي غفور رحيم " تمام الحكاية عن قائل ذلك انه اعترف بان الله تعال غفور رحيم اي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم بهم بان يعفو عنهم ويقبل توبتهم.

قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين(54))

آية بلاخلاف.

هذه السياقة تدل على ان مامضى حكاية عن قول المرأة، لان يوسف لم يكن حاضرا ذلك المجلس، وان الملك حين سمع جميع ذلك قال ائتوني بيوسف استخلصه لنفسي، وطلب هذا الملك ان يكون يوسف له وحده دون شريك فيه، والاستخلاص طلب خلوص الشئ من شائب الاشتراك.

وقال ابن اسحاق كان هذا الملك: الوليد ابن ريان.

وقوله " فلما كلمه " فيه حذف، وتقديره انه لما امر باحضاره فأحضر قال له بعد ان كلمه " انك " يايوسف " اليوم لدينا مكين امين " اي عرفنا امانتك، وثقتك، وانت على حالة يتمكن من كان عليها مما يريد، يقال لفلان مكانة عند الملك، وهو مكين عنده، واصله التمكن من الامر (والامين) الموثوق به، والامانة حالة ثقة يؤمن معها نقض العهد بالفتح، وذلك كالعقد في الوديعة وفي التخلية والعقد في الدين، والعقد في القيام بالحق.

قوله تعالى: (قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم(55))

آية بلاخلاف.

وهذا حكاية ماقال يوسف حين قال له الملك انك اليوم لدينا مكين امين

[157]

" اجعلني " على خزائن الارض " يعني ارضك، والالف واللام يعاقبان حرف الكناية، واراد بذلك الارض التي هي ملكه ويجمع فيها ماله وطعامه، طلب اليه ذلك ليحفظ ذلك عمن لايستحقه ويوصله إلى الوجوه التي يجب صرف الاموال لها، فلذلك رغب إلى الملك فيه، لان الانبياء لايجوز ان يرغبوا في جمع اموال الدنيا الا لما قلناه.

وقوله " اني حفيظ عليم " معناه حافظ للمال عمن لا يستحقه عليم بالوجوه التي يجب صرفها اليه، وفي الآية دلالة على جواز تقلد الامر من قبل السلطان الجائر اذا تمكن معه من ايصال الحق إلى مستحقه.

قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولانضيع أجر المحسنين(56))

آية بلاخلاف.

قرأ " نشاء " النون ابن كثير وحده. الباقون بالياء.

من قرأ بالنون، فعلى معنى ان يوسف يتبوء من الارض حيث يشاء، وطابق بينه وبين قوله " نصيب برحمتنا من نشاء "، ويكون على احد معنيين: احدهما - ان تكون المشيئة اسندت اليه، وهي ليوسف، لما كانت بأمره وارادته كما قال " ومارميت اذ رميت ولكن الله رمى "(1) فأضاف الرمي إلى الله، لماكان بقدرته وارادته.

والثاني - ان يكون الموضع المتبوء موضع نسك وعبادة او موضعا يقام فيه الحق، من أمر بمعروف، او نهى عن منكر، ويقوي النون قوله " نصيب برحمتنا من نشاء ".

___________________________________

(1) سورة الانفال آية 17.

[158]

ومن قرأ بالياء حمله، على انه يتبوء يوسف حيث يشاء هو نفسه.

اخبر الله تعالى أنه كما لطف ليوسف حين اخرجه من السجن وخلصه من المهالك كذلك مكنه من التصرف، والمقام في الارض حيث يشاء كيف يشاء، وقال الجبائي: كان هذا التمكن ليوسف ثوابا من الله على طاعته واحسانه الذي تقدم منه في الدنيا.

وقال غيره: ليس في ذلك دلالة على انه ثواب، ويجوز أن يكون تفضلا عليه بذلك من غير ان ينقص من ثوابه شئ، والتمكين الاقدار بما يتسهل به الفعل من رفع الموانع وايجاد الالات والالطاف وغيرذلك مما يحتاج اليه في الفعل.

والتبوء هو اتخاذ منزل يرجع اليه واصله الرجوع من " باؤا بغضب من الله " قال الشاعر:

فان تكن القتلى بواء فانكم *** فتى ماقتلتم آل عوف بن عامر(1)

اي يرجع بدم بعضها على بعض، فان هذا المقتول لاكفاء لدمه.

وقوله " نصيب برحمتنا من نشاء " اخبار منه تعالى انه يفعل رحمته بمن يشاء من عباده على وجه التفضل عليهم والاحسان اليهم، وانه لايضيع اجر الذين يحسنون افعالهم ويفعلون ماأمرهم الله به على وجهه، بل يثيبهم على ذلك.

والاحسان على ثلاثة اوجه: احدها - ان يحسن إلى غيره، فذلك انعام.

وثانيها - ان يحسن إلى نفسه بأن ينفعها نفعا حسنا.

وثالثها - ان يفعل حسنا مبهما لايضيفه إلى نفسه ولاالى غيره.

واللام في قوله " مكنا ليوسف " يحتمل ان يكون مثل قوله " ردف لكم "(2) و " للرؤيا تعبرون "(3) بدلالة قوله " مكناهم فيما ان مكناكم فيه "(4) وقوله " مكناهم في الارض مالم نمكن لكم "(5) " ويتبوء " في موضع نصب على الحال.

___________________________________

(1) قائلة ليلى الاخيلية، قدمر في 1: 378 وهو في اللسان (بوأ).

(2) سورة النمل آية 72.

(3) سورة يوسف آية 44.

(4) سورة الاحقاف آية 26.

(5) سورة الانعام آية 6

[159]

قوله تعالى: (ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون(57))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى ان الثواب الذي يثيب الله به الذين يؤمنون به ويتقون معاصيه في الآخرة، وهي النشأة الثانية، فان الدنيا هي النشأة الاولى والآخرة خير واعظم نفعا من منافع الدنيا التي تنالها الكفار.

وقال ابوعلي الجبائي: اجر الآخرة خير من ثواب الدنيا، لان ماتقدم في الآية الاولى يقتضيه.

قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون(58))

آية بلاخلاف.

حكى الله تعالى عن اخوة يوسف الذين كانوا ألقوه في الجب، وباعوه بثمن بخس انهم جاؤه ودخلوا عليه، فعرفهم يوسف ولم يشك فيهم، ولم يعرفه اخوته بل كانوا جاهلين بحاله منكرين له، وكان سبب مجيئهم اليه مجئ سني القحط التي كان ذكرها يوسف في تعبير الرؤيا، فجاؤا إلى مصر يمتارون كماجاء غيرهم من الناس - في قول السدي، وابن اسحق وغيرهما، وليس لاحد ان يقول: كيف يجوز مع كمال العقل ان يعرفهم يوسف، وهم يجهلونه مع انه نشأ معهم؟.

وذلك ان عنه جوابين. احدهما - قال الجبائي: انهم فارقوه وهو صبي امرد، فجاؤوه وقد التحى وكبر وتغيرت حاله، فلم يعرفوه. وقال البلخي: ان ذلك مما خرق الله تعالى فيه العادة لنبيه (ع).

[160]

قوله تعالى: (ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أو في الكيل وأنا خير المنزلين(59))

آية بلا خلاف.

اخبر الله تعالى في هذه الآية ان يوسف لما أمر بتجهيز اخوته فجهزهم، والجهاز فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد، ومنه قولهم: فلان يجهز، ومنه جهاز المرأة، قال لهم جيئوني " بأخ لكم من أبيكم " وانماقال ذلك، لانه كان اخا يوسف لابيه وامه، وهو ابن يامين - في قول قتادة وغيره - وكان اخاهم لابيهم خاصة.

وقوله " الاترون اني أوفي الكيل " خطاب من يوسف لاخوته، فقال أليس قدعرفتم عدلي وإيفائي الكيل من غير بخس له. والوفاء تمام الامر على مايوجبه الحق، ويكون ذلك في الكيل، وفي الوزن، وفي الذرع، وفي العد، وفي العقد.

و (الكيل) مصدر كان يكيل، وهو فصل المكيال بملئه.

و (المكيال) مقدار يفصل عليه ما يطرح فيه.

وقوله " وانا خير المنزلين " فيه قولان: احدهما - قال مجاهد: خير المضيفين. والثاني - خير المنزلين في سعر الطعام.

و (المنزل) واضع الشئ في منزلته، وقد يكون للشئ منزلتان، احداهما اولى من الاخرى، فمن وضعها في الاولى فهو خير المنزلين كسعر الطعام الذي يضعه في اولى منزلتيه.

الآية: 60 - 79

قوله تعالى: (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولاتقربون(60))

آية بلاخلاف.

[161]

ثم قال يوسف لاخوته بعد ان قال لهم " ائتوني بأخ لكم من ابيكم " متى مالم تفعلوا ماامرتكم به من اتيانكم بأخيكم، فأني لااكيل لكم الطعام، ولا ابايعكم، ومع هذا فلا تقتربون يعني لاتجيئوني، والذي اقتضى طلبه الاخ من ابيهم انه فاوضهم وساء‌لهم عن اخبارهم واحوالهم، واخبار اهلهم، كما يتسأل الناس عن مثل ذلك، ودل الكلام على ذلك، وهو من عجيب فصاحة القرآن، وإنما استجاز ان يطلب اخاهم ولامعاملة بينه وبينهم، لانهم ذكروا ان اباهم آثره عليهم بالمحبة مع حكمته وفضله، احب ان يراه وتطلعت نفسه إلى ان يعلم السبب فيما يقتضي هذه الحال، وانما اخفاهم امره ولم يطلعهم على ماانعم الله عليه، لانه خاف ان يكتموا اباه امره لماتقدم لهم فيه واحب ان يجري تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليه مايشتد معه اضطرابهم.

قوله تعالى: (قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون(61))

آية بلاخلاف.

هذاحكاية مااجاب به اخوة يوسف يوسف حين حثهم على الاتيان بأخيهم بأنهم " قالوا سنراود عنه اباه " ونحن نفعل ذلك، والمراودة المطالبة من قولهم راد يرود، فهو رائد اي طلب، وفلان يرتاد موضعا اي يطلبه، وفي المثل (الرائد لايكذب اهله) ومنه الارادة وهي طلب الفعل بماهو كالسبب له، لان الداعي إلى الفعل داع إلى ارادته، لان باجتماع الامرين يقع الفعل من عالم قادر، والفاعل من جعل الشئ موجودا بعد ان كان معدوما، وكل فاعل جاعل، وليس كل جاعل فاعلا، لانه قد يكون جاعلا على صفة، كالجاعل للجسم متحركا وقال الرماني: الفرق بين العامل والفاعل ان العامل للشئ قد يكون المتغير له، والفاعل لايكون إلا الموجد له، والفرق بين العامل والجاعل ان العامل لا

[162]

يكون الا مغيرا له، وقد يكون الجاعل غير مغير له، لانه يجعله على صفة بحكمه فيه كالذي يجعله كافرا بحكمه انه كافر.

وقال ابن اسحاق: الذي وعدوا بفعله الاجتهاد في المصير بأخيهم اليه لانهم جوزوا ان لايجيبهم ابوهم إلى الارسال به معهم.

وقال ابوعلي: وعدوه بان يصيروا به اليه ان اررسله ابوه معهم، فالعدة به كانت واقعة بشرط.

قوله تعالى: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون(62))

آية بلاخلاف.

قرأ اهل الكوفة إلا أبابكر " لفتيانه " الباقون " لفتيته " قال ابوالحسن كلام العرب قال: لفتيانك، ومافعل فتيانك، وان كانوا ايضا في أدنى العدد إلاان يقولوا: ثلاثة وأربعة.

اخبر الله تعالى عن يوسف انه أمر فتيانه بأن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم.

و (الفتي) الشاب القوي، وجمعه فتية وفتيان.

وقال قتادة: كانوا غلمانه.

وقال غيره: كانوا مماليكه.

و (البضاعة): قطعة من المال التي للتجارة.

و (الرحال) جمع رحل وهوالشئ المعد للرحيل من وعاء المتاع او مركب من مراكب الجمال، وجمعه في القليل ارحل وفي الكثير رحال.

وانما جعل بضاعتهم في رحالهم، ليقوي دواعيهم في الرجوع اليه اذا رأوا إكرامه اياهم، ورد بضاعتهم اليهم مع جدوب الزمان وشدته. ويجوز ان يكون جعلها في رحالهم ليرجعوا اليه متعرفين عن سبب ردها.

وقال قوم معناه ليعلموا اني لست اطلب أخاهم للرغبة في مالهم.

وقوله " لعلهم يعرفونها " معناه لكي يعرفونها، وانماقال (لعل) لانه جوز أن تشتبه عليهم، فيمسكوا فيها " إذا انقلبوا " أي اذا رجعوا إلى اهليهم " لعلهم

[163]

يرجعون " اي لكي يرجعوا، وللام لام الغرض، وانما اتى ب‍ (لعل) لانه جوز أن لايعودوا.

قوله تعالى: (فلما رجعوا إلي أبيهم قالوا ياأبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون(63))

آية بلاخلاف.

قرأ (يكتل) بالياء حمزة والكسائي. الباقون بالنون.

من قرأ بالياء رد الكناية إلى أخو يوسف، ومن قرأ بالنون رده إلى جماعتهم، لقوله " ونمير اهلنا ".

حكى الله تعالى عن أخوة يوسف أنهم حين رجعوا إلى ابيهم وحصلوا معه، قالوا ياأبانا منعنا الكيل " فأرسل معنا أخانا " اي ابعثه " معنا نكتل " ونحن نحفظه ونحتاط عليه.

والاكتيال هوالكيل للنفس، وهوافتعال من الكيل، وانما قال " منع منا الكيل، " وهو قد كال لهم، لان المعنى منع منا الكيل ان لم نأت باخينا.

لقوله " فلاكيل لكم عندي ولاتقتربون " وهو قول الحسن والزجاج والجبائي.

وهو الصحيح.

وقال قوم: معناه إنه لماكان لهم كال لكل واحد كيل بعير ومنعهم تمام الكيل الذي أرادوه.

قوله تعالى: (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين(64))

آية بلاخلاف.

[164]

قرأ اهل الكوفة إلا أبابكر " حافظا " على وزن فاعل. الباقون " حفظا " على المصد ر.

وهذا حكاية ماقال يعقوب لولده حين قوالوا له " ارسل معنا اخانا " فانه قال لهم " هل آمنكم عليه " والامن إطمئنان القلب إلى سلامة الامر يقال: أمنه يأمنه. أمنا وائتمنه يأتمنه ائتمانا. ومنه قوله " فليؤد الذي اؤتمن أمانته "(1) ثم أخبر تعالى، فقال " فالله خير حافظا " فمن قال على لفظ الفاعل نصبه على الحال.

ويحتمل ان يكون نصبه على التمييز، ولم ينصبه على الحال، والحال يدل على انه تعالى الحافظ. والتمييز يرجع إلى من يحفظ بأمره من الملائكة وكلا الوجهين أجازهما الزجاج.

ومن قرأ على المصدر نصبه على التمييز لاغير، ولوقرئ (خير حافظ) على الاضافة لدل على ان الموصوف حافظ، وليس كذلك التمييز، وحقيقة (خير من كذا) انه أنفع منه على الاطلاق، وانه لاشئ انفع منه، قال ابوعلي الفارسي: وجه قراء‌ة من قرأ (حفظا) بغير ألف انه قد ثبت من قولهم " ونحفظ أخانا " وقولهم " وانا له لحافظون " انهم اضافوا إلى انفسهم " حفظا " فالمعنى على الحفظ الذي نسبوه إلى انفسهم، وان كان منهم تفريط في حفظ يوسف، كما قال " اين شركائي "(2) ولم يثبت لله شريك، ولكن على معنى الشركاء الذين نسبتموهم الي، فكذلك المعنى على الحفظ الذي نسبوه إلى انفسهم، والمعنى " فالله خير حفظا " من حفظكم الذي نسبتموه إلى انفسكم.

ومن قرأ (حفظا) فعلى التمييز دون الحال.

قوله تعالى: (ولمافتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا مانبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير(65))

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) سورة البقرة آية 283.

(2) سورة النحل آية 27، وسورة القصص آية 62، 74.

[165]

أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لمافتحوا متاعهم، والمتاع مبيع التجار ممايصلح للاستمتاع، فالطعام متاع والبر متاع وأثاث البيت متاع، والمراد به ههنا أوعية الطعام " وجدوا بضاعتهم ردت اليهم " اي اصابوا بضاعتهم التي كانوا وزنوها بشري الطعام قد جعلت في وسط امتعتهم، فلما رأوا ذلك " قالوا ياأبانا مانبغي " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة: مانطلب؟ على وجه الاستفهام. والثاني - قال الجبائي: مانبغي: فيما أخبرناك به عن ملك مصر ليس بالكذب.

ودليله ان هذه بضاعتنا ردت الينا، واجاز الفراء، والزجاج كلا الوجهين، وقولهم " ونمير اهلنا " اي نجلب لهم الميرة، والميرة الاطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد يقال: ماره يميره ميرا اذا حمل له الطعام إلى بلده قال الشاعر:

بعثتك مائرا فمكثت حولا *** متى يأتي غياثك من تغيث(2).

وقوله " ونزداد كيل بعير " اي ويعطينا فضل كيل بعير، لمكان أخينا " ذلك كيل يسير " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: ان ذلك كيل قليل، لايكفينا نحتاج ان نضيف اليه كيل بعير اخينا. الثاني - قال الحسن: ان ذلك متيسر على من يكيل لنا، واليسر إتيان الخير بغير مشقة، وضده العسر. وكذلك اليسير والعسير.

___________________________________

(2) تفسير الطبري (الطبعة الاولى) 13 / 8 وتفسير القرطبي 9 / 224 واللسان (غوث) وروايته:

بعثتك مائرا فلبثت حولا *** متى يأتي غواثك من تغيث

[166]

قوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما اتوه موثقهم قال الله على مانقول وكيل(66))

آية بلاخلاف.

هذه حكاية ماقال يعقوب - لبنيه حين سألوه إنفاذ أخيهم معهم، وان بضاعتهم ردت اليهم، وانه ان انفذه معهم ازدادوا كيل بعير - اني لست " ارسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله " ومعناه حتى تحلفوا لي بالله لتجيؤني به.

والايتاء الاعطاء آتاه يؤتيه ايتاء، والاتيان به المجئ به، والموثق العقد المؤكد بالقسم، وانما قال موثقا من الله، وانما هو موثق من انفسهم. لان المعنى موثقا من جهة اشهاد الله او القسم بالله، فاما على انفسهم، فهو العقد عليها بما لايجوز حله لها.

وقوله " الا ان يحاط بكم " موضع (أن) نصب بأنه مفعول له، وتقديره إلا لاحاطة بكم، كمايقول القائل: ماتأتيني إلا، لاخذ الدراهم، وماتأتيني إلا ان تأخذ الدراهم - ذكره الزجاج - والاحاطة أصله ضرب السور حول الشئ. ومنه قيل يعلمه علم احاطة اي على التحديد. والمعنى ههنا إلا ان يحال بينكم وبينه.

وقوله " فلما آتوه موثقهم قال الله على مانقول وكيل " معناه انهم لما أجابوه إلى اليمين، وحلفوا له واشهدوا على انفسهم بذلك قال يعقوب " الله على مانقول وكيل " اي حافظ وقيم به.

والوكيل القيم بالتدبير والقائم بالقسط فهو العدل في حكمه.

[167]

قوله تعالى: (وقال يابني لاتدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وماأغني عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون(67))

آية بلاخلاف.

حكى الله تعالى عن يعقوب أنه قال لبنيه حين أنفذ اخاهم معهم " يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة " وقيل في سبب قوله ذلك قولان: احدهما - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، والحسن: انه خاف عليهم العين، لانهم كانوا ذوي صور حسنة وجمال وهيبة.

وقال الجبائي: انه خاف عليهم حسد الناس لهم، وان يبلغ الملك قوتهم وشدة بطشهم فيقتلهم محوفا على ملكه، وانكر العين.

وقال لم ثثبت بحجة. وانما هو شئ يقول الجهال العامة.

والذي قاله غير صحيح في امر العين بل غير منكر ان يكون مال قال المفسرون. صحيحا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (العين حق)، وانه عوذ الحسن والحسين (ع)، فقال في عوذته: (وأعيذكما من كل عين لامة) وقد رويت فيه أخبار كثيرة، وقد جرت العادة به.

واختاره البلخي، والرماني واكثر المفسرين، وليس يمتنع ان يكون الله تعالى أجرى العادة لضرب من المصلحة أنه متى مانظر انسان إلى غيره على وجه مخصوص اقتضت المصلحة اهلاكه أو إمراضه أو اتلاف ماله، فالمنع من ذلك لاوجه له.

وقوله " ومااغني عنكم من الله من شئ " اعتراف منه بأنه لايملك الامر، ولايغني عمن يريده الله بسوء. والغنى ضد الحاجة.

وقوله " ان الحكم الا لله " اي ليس للفصل بين الامور على ماتقتضيه الحكمة الا الله.

وقوله " عليه توكلت " اي فوضت امري إلى الله يدبره كيف يشاء. والتوكل من صفات المؤمنين.

[168]

قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ماكان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون(68))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى ان اخوة يوسف، لماوردوا عليه، ودخلوا عليه من ابواب متفرقة حسب ماامرهم به ابوهم ورغبهم فيه لم يكن يعقوب يغنى عنهم من الله شيئا الا حاجة في نفس يعقوب قضاها من خوف العين عليهم أو الحسد على اختلاف القولين، و (الا) بمعنى (لكن) لان مابعدها ليس من جنس ماقبلها.

وقوله " وانه لذو علم لما علمنا " اخبا رمن الله تعالى ان يعقوب عالم بما علمه الله. وقيل في معناه قولان: احدهما - ان ماذكره الله من وصفه بالعلم كان ترغيبا فيه. والاخر - انه ليس ممن يعمل على جهل، بل على علم، براء‌ة له من الامر لولده بما لايجوز له، ولكن " اكثر الناس لايعلمون " ذلك من حاله، كما علمه الله.

قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون(69))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لمادخلوا على يوسف آوى يوسف أخاه اليه، والايواء ضم المحبوب وتصييره إلى موضع الراحة. ومنه المأوى المنزل الذي يأوي اليه صاحبه للراحة فيه.

وقال الحسن وقتادة: ضمه اليه وأنزله معه، وقد اجتمعت في (آوى) حروف العلة كلها الالف والواو والياء، والعلة في ذلك

[169]

أن الهمزة بمنزلة الحرف الصحيح، لانها ليست حرف مد ولين، فجاز ذلك على قلبه لهذه العلة.

وقال له حين اواه إلى نفسه " إني انا أخوك " يوسف " فلا تبتئس بما كانوا يعملون " وإنما قال له ذلك، لانه وإن كان علم ان له أخا من أبيه وأمه إلا انه لايعلم انه هذا، والابتئاس والاكتئاب والاغتمام نظائر، ومعناه اختلاط البؤس بالحزن، وانما جاز ان يأخذه بالصواع مع تعريفه انه أخوه لامرين: احدهما - انه كان بمواطأة منه له. والثاني - قال وهب بن منيه: انه أراد أنا أخوك مكان أخيك الذي هلك. والاول اصح.

قوله تعالى: (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون(70))

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى ان يوسف لما جهز أخوته بجهازهم يعني الطعام الذي اشتروه ليحملوه إلى بلدهم. ومنه جهاز المرأة " جعل السقاية في رحل أخيه " والسقاية المراد بها ههنا صواع الملك الذي كان يشرب فيه.

وقيل: كان من فضة.

وقال ابن زيد كان كأسا من ذهب.

وقيل انه صير مكيا لاللطعام.

والسقاية في الاصل الاناء الذي يسقى فيه، والرحل آلة السفر من وعاء أو مركب، والمراد ههنا وعاء أخيه الذي يحمل فيه طعامه.

وقوله " ثم أذن مؤذن " اي نادى مناد. والايذان الاعلام بقول يسمع بالاذن. ومثله الاذن، والاذن الاطلاق في الفعل بقول يسمع بالاذن، و (والعير) قافلة الحمير - في قول مجاهد. وقيل هي القافلة التي فيها الاجمال.

والاصل الحمير إلا انه كثر حتى صارت تسمى كل قافلة محملة عيرا تشبيها.

وقوله " انكم لسارقون " فالسرقة أخذ الشئ من حرز في خفى بغير حق، إلا ان الشرع قدر أنه لايتعلق بها القطع

[170]

إلا إذا سرق مقدارا معينا على خلاف بين الفقهاء، فعندنا هوما قدره ربع دينار، وعندقوم عشرة دراهم، وعند آخرين ثلاث دراهم.

وقيل في وجه ندائهم بالسرقة مع انهم لم يسرقوا شيئا قولان: احدهما - ان ذلك من قول اصحابه، ولم يأمرهم يوسف بذلك، ولاعلم. وإنما كان أمر بجعل السقاية في رحل أخيه على ماأمره الله تعالى، فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بها. وهواختيار الجبائي. والثاني - انهم نادوهم على ظاهر الحال فيما يتغلب على ظنونهم ولم يكن يوسف أمر به، وإن علم انهم سيفعلونه.

وقال قوم قولا ثالثا: ان معناه إنكم سرقتم يوسف من أبيه حين طرحتموه في الجب.

وقال آخرون: ان ذلك خرج مخرج الاستفهام، وليس في جعل السقاية في رحل أخيه تعريضا لاخيه بأنه سارق، لانه إذا كان ذلك يحتمل السرقة، ويحتمل الحيلة فيه حتى يمسكه عنده، فلا ينبغي ان يسبق احد إلى اعتقاد السرقة فيه، وليس في ذلك ادخال الغم على أخيه لانا بينا انه كان اعلمه إياه، وواطأه عليه، ليتمكن من امساكه عنده على ماأمره الله تعالى به، والنداء وان كان للعير فالمراد به اهل العير، كماقال " واسأل القرية " وإنما أراد اهلها.

قوله تعالى: (قالوا واقبلوا عليهم ماذا تفقدون(71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم(72))

آيتان.

حكى الله تعالى عن اهل العير انهم حين سمعوا نداء‌هم بأنكم سارقون أقبلوا عليهم وقالوا اي شئ فقدتموه، فقال لهم اصحاب يوسف انا فقدنا صواع الملك، ومن جاء به ورده، فله حمل بعير من الطعام. والاقبال مجئ الشئ إلى جهة المقابلة بوجهه، وضده الادبار. ومثله التوجه، والتحاذي.

[171]

والفقد غيبة الشئ عن الحس بحيث لايدرى اين هو، والفاقد من الوحش هي التي تغيب ولدها عنها قال الشاعر:

بكاء ثكلى فقدت حميما *** فهي ترثي بأبي وابني ما(1)

والصواع مكيال الطعام.

وكان هذا الصواع كأسا للملك يشرب فيه وجمعه صيعان وأصواع.

وقال ابن عباس: كان من فضة، و (الحمل) بالكسر على الظهر وبفتح الحاء في البطن، وجمعه احمال وحمول. والبعير الجمل وجمعه بعران وابعرة.

وقوله " وانا به زعيم " اي كفيل به، وضمين له، وقائل، قال الشاعر:

فلست بآمن فيها بسلم *** ولكني على نفسي زعيم(2)

وإنما قال وانا به زعيم وقبله ذكر جمع، لان زعيم القوم متكلم عنهم فكأنه قدكلم بذلك جميعهم قالت ليلى الا خيلية:

حتى اذا برزوا اللواء رأيته *** تحت اللواء على الخميس زعيما(3)

وذلك انه زعيم القوم لرئاسته، زعم زعامة وزعاما إذا صار رئيسا، قال ابو علي: اصله القول.

قوله تعالى: (قالوا تالله لقد علمتم ماجئنا لنفسد في الارض وما كنا سارقين(73))

آية بلاخلاف.

هذا حكاية مااجاب به اهل العير لما سمعوا النداء، ومايدل على رد الصواع

___________________________________

(1) قائلة رؤبة اللسان (بني) ويروى (ترثي بأبا وابنا ما).

(2) تفسير الطبري (الطبعة الاولى) 13: 13 ومجاز القرآن 1: 315.

(3) تفسير القرطبي 9: 232 وسمط اللالي: 43 وتفسير الطبري 13: 13 وامالي السيد المرتضى 1: 497 حاشية.

[172]

انهم اقسموا بالله انا لم نجئ للافساد في الارض وإنا لم نكن سارقين.

والفساد اضطراب التدبير على وجه قبيح، ونقيضه الصلاح.

ويقالل فسد الشئ اذاتغير إلى حال تضر كفساد الطعام، وغيره من الامور، وقوله " تالله " التاء بدل من بدل، لانها بدل من الواو والواو بدل من الباء، فضعفت عن التصرف، فاختصت بدخولها على اسم الله لاغير دون غيره من الاسماء، لانه لايقال (تالرحمن) ودخلت التاء في تالله على وجه التعجب، لانها لما كانت نادرة في حروف القسم جعلت للنادر من المعاني يتعجب منه.

وإنما قالوا " تالله لقد علمتم ماجئنا لنفسد في الارض " مع انهم لم يعلموا ذلك لامرين: احدهما - لما رأوا من صحة معاملتهم وشدة توقيهم لمالايجوز لهم مما ينبئ عن مقاصدهم. الثاني - قيل لانهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ظنا منهم أن ذلك عن سهو، وهذا لا يليق بحال السراق من الناس.

وضعف البلخي هذا الوجه، وقال كيف يكون ذلك وهم لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت اليهم اظهروا السرور به والفرح، وقالوا ما نبغي هذه بضا عتناردت الينا فكيف يردونها مع ذلك !.

قوله تعالى: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين(74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين(75))

آيتان.

حكى الله تعالى عن اصحاب يوسف انهم قالوا لاهل العير لماسمعوا جحودهم الصواع، وانكروا ان يكونوا سارقين " ماجزاؤه ان كنتم كاذبين " في جحودكم وإنكاركم، وقامت البينة على انكم سرقتموه، وماالذي يستحق ان يفعل بمن

[173]

سرق؟ فأجابهم اهل العير، وقالوا من ادرك عنده الصواع، ووجد في رحله جزاؤه اخذ من وجد في رحله رقا، فهو جزاؤه عندنا كجزائه عندكم لانه كان من عادتهم ان يسترقوا السارق - في قول الحسن، ومعمر، والسدي، وابن اسحاق - وفيه تقدير ان في الاعراب: احدهما - جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، فهذا الجزاء جزاؤه، كماتقول جزاء السارق القطع، فهو جزاؤه لتمكين البيان الاخير. الثاني - جزاؤه من وجد في رحله، فالسارق جزاؤه، فيكون مبتدأ ثانيا، والفاء جواب الجزاء، والجملة خبر (من) و (من) ههنا يحتمل وجهين: احدهما - ان يكون بمعنى الذي، وتقديره جزاؤه الذي وجد في رحله مسترقا. والآخر - معنى الشرط، كأنه قال جزاء السراق إن وجد في رحل إنسان منا، فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقا، وقوله " كذلك نجزى الظالمين " اخبار منهم بأن ذلك عادتهم في مجازاة كل ظالم.

وقد قيل في تأويل الآية وجهان: احدهما - ان يكونوا في ذلك على شرع لنبي من انبياء الله. والآخر - ان يكون ذلك على عادة الملوك في اهل الجنايات لمصالح العباد لا على حقيقة الجزاء الذي يعمل بأمر الله بدلالة قوله فيمابعد " ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك " فاضاف الجزاء إلى دين الملك دون الله.

[174]

قوله تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم(76))

آية بلاخلاف.

قرأ يعقوب " يرفع درجات من يشاء " بالياء فيهما على وجه الكناية عن الله. الباقون بالنون فيهما على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه.

ونون التاء من (درجات) اهل الكوفة. الباقون على الاضافة.

اخبر الله تعالى ان يوسف أمر اصحابه بأن يفتشوا اوعيتهم ورحالاتهم، وان يبدؤوا بأوعية الجماعة قبل وعاء أخيه ليكون ابعد من التهم، فلما لم يجدوا فيها شيئا امر حينئذ باستخراجها من وعاء أخيه.

ثم اخبر الله تعالى انه كاد ليوسف، والكيد التعريض للغيظ، وكان التدبير على أخوة يوسف حتى اخذ منهم أخوهم بمايوجبه حكمهم، هو كالتعريض للغيظ من جهة اغتمامهم بمانزل من ذلك الامر بهم. والتقدير كدنا اخوته له بما دبرنا في امره. وقيل الكيد التعريض للضر بما خفي، وقد يعبر عن الجزاء على المعصية بالكيد، كقوله " واملي لهم ان كيدي متين " اي عقوبتي.

وقوله " ماكان ليأخذ اخاه في دين الملك " معناه إنه لم يكن يوسف ممن يأخذ اخاه على دين الملك في جزاء من سرق ان يستعبد قال الشاعر:

تقول اذا درأت لها وضيني *** اهذا دينه ابدا وديني(1)

اي هذا عادته ابدا وعادتي.

وقوله " الا ان يشاء الله " قال الحسن إنما قال ذلك لانه تعالى كان امره بذلك بدلالة قوله " نرفع درجات من نشاء " اي بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد.

وقوله " وفوق كل ذي علم عليم " قيل في معناه قولان:

___________________________________

(1) مرهذا الشعر في 1: 36، 2: 148، 3: 45.

[175]

احدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: معناه " وفوق كل ذي علم " معلم " عليم " وهو الله تعالى الغني بنفسه عن التعليم.

والثاني - ان معناه " وفوق كل ذي علم " ممن رفعه الله " عليم " قد رفعه بالعلم من وجه آخر، فهو أعلم بذلك الامر الآخر.

وفي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم لنفسه، لانه لوكان عالم بعلم، لكان فوقه عليم، وذلك باطل.

والضمير في قوله تعالى " استخرجها " عائدة إلى السقاية.

وقال الزجاج هي عائدة إلى الصواع وانه يذكر ويؤنث، ومن قرأ درجات من نشاء " على الاضافة، فالمعنى نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك على مراتب اخوته.

ومن قرأ بتنوين " درجات " فالمعنى نرفع من نشاء درجات ومراتب كما رفعنا ليوسف، ف‍ " من " منصوبة على هذه القراء‌ة، وعلى القراء‌ة الاولى مخفوضة.

قوله تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون(77))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انه لمااستخرج الصواع من رحل أخيه، قالوا إن كان هذا سرق، فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف، واختلفوا فيما نسبوه اليه من السرقة من قبل، قال سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج انه كان سرق صنما كان لجده أبي امه، فكسره والقاه على الطريق، فقال ابن اسحاق: إن جدته خبأته في ثيابه منطقة اسحاق لتملكه بالسرقة محبة لمقامه عندها.

وقال قوم انه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين.

[176]

وقوله " فاسرها يوسف في نفسه " يعني أخفى هذه الكلمة في نفسه، " لم يبدها لهم " أي لم يظهرها لهم.

واختلفوا فيما اسر في نفسه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: اسر قوله " انتم شر مكانا " أي ممن قلتم له هذا " والله أعلم بما تصفون " انه كذب.

وقال قوم: أسرها باضمار الكلمة للدلالة عليها قال حاتم طي:

اماوي مايغني الثراء عن الفتى *** اذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر(1)

وانما قال إن مكانكم شرا لما ظهر من الامر الذي يقتضي هذا الوصف.

والصفة والوصف مصدران بمعنى واحد مثل وعد وعدة، ووجه وجهة.

وقال الحسن لم يكن اخوة يوسف يومئذ انبياء، وإنما اعطوا النبوة فيما بعد، وعندنا إنهم لم يكونوا أنبياء في وقت، لا في الحال، ولافيما بعد، لان مافعلوه بيوسف من الافعال القبيحة ينافي النبوة لان النبي لايقع - عندنا - منه قبيح أصلا، لا صغير ولا كبير.

وقال البلخي: كذبوا في قولهم " سرق أخ له من قبل " والله اعلم بمايعنون في ذلك وانه كذب، وقال لم يصح عندنا ان اخوة يوسف كانوا انبياء وجوز ان يكون الاسباط غيرهم او كانوا من اولادهم.

قوله تعالى: (قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين(78))

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى في هذه الآية عن أخوة يوسف انه لما أخذ يوسف أخاه منهم مظهرا لاسترقاقه قالوا له، وهم لايعرفونه " ياايها العزيز " والعزيز الممتنع بقدرته من ان يضام.

___________________________________

(1) مر هذا البيت في 5: 63.

[177]

والعز منع الضيم بسعة المقدور والسلطان " ان له أبا شيخا كبيرا " يعنون يعقوب أبا اخيهم اي انه كبير السن، ويجوز ان يريدوا: كبير القدر " فخذ احدنا مكانه " اي خذ واحدا منا عبدا بدله - في قول الحسن وغيره - " إنا نراك من المحسنين " الينا في الكيل ورد بضاعتنا. وقد أملنا ذلك منك.

قوله تعالى: (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون(79))

آية بلاخلاف.

هذا حكاية ماأجاب به يوسف أخوته حين قالوا له خذ واحدا منا بدله، لانه قال لهم " معاذ الله " أي اعتصاما بالله أن يكون هذا.

والاعتصام امتناع الهارب من الامر بغيره، ولذلك يقال اعتصم بالجبل من عدوه.

واعتصم بالله من شرعدوه، فانا لانأخذه " إلا من وجدنا متاعنا " يعني الصواع " عنده.

إنا اذا لظالمون " ومعناه إنالو أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لكنا ظالمين، واضعين للشئ في غير موضعه.

والعرب تقول معاذ الله، ومعاذه الله وعوذه الله وعياذ الله. وتقول: اللهم عائذا بك اي اني أعوذ عائذا بك، فكأنه قال استجير بالله من أن آخذ بريئا بسقيم.

الآية: 80 - 111

قوله تعالى:(فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل مافرطتم في يوسف فلن أبرح الارض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين(80))

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف حين آيسوا من تسليم أخيهم اليهم، فاليأس ضد الطمع، يقال: يئس يأسا واستيأس استيئاسا، فهو يائس، ومستيئس، وآيس يأس مثله.

وقوله " خلصوا نجيا " أي انفردوا من غير أن يكون معهم غيرهم ممن ليس منهم، وهذا من عجيب فصاحة القرآن الخارقة للعادة لان بقوله " خلصوا " دل على ما قلناه من معنى الكلام الطويل.

واصل الخلوص حصول الشئ من غير شائب فيه من غيره، كخلوص الذهب من الشئاب، وسمي الخلاص لذلك، وقوله " نجيا " مصدر يدل بلفظه على القليل والكثير، والواحد والجمع.

والنجوى مثله، ولذلك قال تعالى في الواحد " وقربناه نجيا "(1) وفي الجمع " خلصوا نجيا " قال الشاعر:

إني اذا ماالقوم كانوا أنجيه *** واضطرب القوم اضطراب الارشيه

هناك أوصيني ولاتوصي بيه(2).

والمناجاة رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه على وجه خفي.

واصل النجو الارتفاع من الارض والمناجاة المسارة ونجي جمعه أنجية، وهم يتناجون.

و " قال كبيرهم " يعني اكبرهم، وقال قتادة وابن اسحاق: هو روبيل، فانه كان اكبرهم سنا.

وقال مجاهد: هو شمعون، وكان اكبرهم عقلا وعلما دون السن.

والاول أليق بالكلام والظاهر: " ألم تعلموا أن أباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله " يعني أما علمتم أن أباكم قد حلفكم واقسمتم له بالله في حفظ أخيكم، وقبل هذا مافرطتم في يوسف أي قصرتم في حفظه.

واصل التفريط التقديم من قوله صلى الله عليه وسلم (انا فرطكم على الحوض) أي متقدمكم.

والموثق والايثاق: العهد الوثيق و (ما) في قوله

___________________________________

(1) سورة مريم آية 52.

(2) مر هذا الشعر في 1: 218 وهو في تفسير القرطبي 9: 241

[179]

" مافرطتم " يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - ان تكون منصوبة ب‍ (تعلموا)، كأنه قال ألم تعلموا تفريطكم في يوسف.

الثاني - رفع بالابتداء والخبر (من قبل).

الثالث - ان تكون صلة لا موضع لها من الاعراب، لانها لم تقع موقع اسم معرب.

وقوله " فلن ابرح الارض حتى يأذن لي أبي " لست أقوم من موضعي الا أن " يأذن لي ابي او يحكم الله " اي إلى ان يحكم الله.

وقيل معناه بمجازاة أو غيرهما مما أرد به أخي ابن يامين على ابيه، وكانوا تناجوا بمحاربته بمحاربته فلم يتفقوا على ذلك خوفا من غم أبيهم بأن يقتل بعضهم في الحرب وقوله " وهوخير الحاكمين " اخبا رمن هذا القائل بأنه تعالى خير الحاكمين والفاصلين، واعتراف منه برد الامر إلى الله تعالى.

قوله تعالى: (إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وماكنا للغيب حافظين(81))

آية بلاخلاف.

وهذا اخبار من الله تعالى بماقال احدهم المتخلف عنهم بمصر، فانه قال لاخوته الباقين ارجعوا إلى ابيكم. ويحتمل ان يكون حكاية عما قال اخوة يوسف بعضهم لبعض، فانهم قالوا ارجعوا إلى ابيكم.

وقوله " ياابانا ان ابنك سرق " يعنون ابن يامين، على ماظهر لنا من الامر ولانشهد الا بما علمنا من الظاهر، فأما الغيب والباطن فلا نعلمه ولانحفظه. وقيل ماشهدنا إلابما علمنا في قولنا لهم إن من يسرق يستعبد، لان ذلك متقرر عندنا في شرعنا - ذكره ابن زيد - والشهادة خبر عن مشاهدة أو اقرار او حال

[180]

ويجوز أن يشهد الانسان بماعلمه من جهة الدليل كشهادتنا بأن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وقال الرماني: علم الغيب هو علم من لو شاهد الشئ لشاهده بنفسه لابأمر يستفيده. والعالم بهذا المعنى هو الله وحده تعالى.

وقيل في معنى قوله " وماكنا للغيب حافظين " قولان: احدهما - ماكنا نشعر ان ابنك سيسرق، في قول الحسن ومجاهد وقتادة: والثاني - انا لاندري باطن الامر في السرقة، وهوالاقوى.

وروي عن ابن عباس وقراء‌ة الكسائي في رواية قتيبة عنه " سرق " بتشديد الراء على مالم يسم فاعله، ومعناه انه قذف بالسرقة، واختار الجبائي هذه القراء‌ة.

قال لانها ابعد من ان يكونوا اخبروا بمالم يعلموا.

قوله تعالى: (وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون(82))

آية بلاخلاف.

هذاحكاية ماقال اخوة يوسف ليعقوب ابيهم حين رجعوا اليه وحكوا له ماجرى، فقالوا له سل أهل القرية التي كنافيها، واهل العير التي اقبلنا فيها عما أخبرناك به " وانا لصادقون " فيما اخبرناك به، وحذف المضاف الذي هو الاصل، واقام المضاف اليه - من القرية والعير - مقامه اختصارا لدلالة الكلام عليه.

والمراد بالقرية - ههنا - مصر، في قول ابن عباس والحسن وقتادة. وكل أرض جامعة لمساكن كثيرة بحدود فاصلة تسمى - في اللغة - قرية، وأصلها من قريت الماء اي جمعته، والقرية والبلدة والمدينة نظائر في اللغة. وانما ارادوا بذلك أن من سألت من اهلها أخبروك بماظهر في هذه القصة. وانا ماكذبناك.

[181]

قوله تعالى: (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم(83))

آية بلاخلاف.

هذا حكاية ماقال يعقوب لبنيه حين قالواله ماتقدم ذكره، فإنه قال " بل سولت لكم انفسكم " وقال قتادة معناه بل زينت. وقال غيره: معناه سهلت.

والتسويل حديث النفس بما تطمع فيه، ومنه السؤل، والمنى، ويقال اعطاك الله سؤلك، فكأنه قال هذا من تقدير النفس فيما تطمع ان يكون.

ثم اخبر يعقوب، فقال " صبر جميل " اي شأني او أمري صبر جميل، فعلى هذا يكون واقع بأنه خبر الابتداء. ويجوز ان يكون ابتداء، وخبره محذوف، وتقديره فصبر جميل امثل من غيره، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لايجوز. والصابر على هذا الوجه من صفات المدح، والجميل معناه - ههنا - مايتقبله العقل، وقد يسمى مايتقبله الطبع بأنه جميل.

وقوله " عسى الله ان يأتيني بهم جميعا " يعني روبيل وابن يامين ويوسف " انه هو العليم الحكيم " معناه - ههنا - انه عليم بحسرتي على فقد اولادي وصدق ما يقولونه من كذبه، انه الحكيم في تدبيره بخلقه، عسى ان يأتيني بهم اجمع.

قوله تعالى: (وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم(84))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن يعقوب أنه تولى عنهم بعد ان قال لهم ماتقدم ذكره بمعنى أعرض بوجهه عنهم، والتولي والاعراض بمعنى واحد " وقال ياأسفى على يوسف "

[182]

اي ياحسرتاه، في قول الحسن وقتادة والضحاك. وانما نادى بالاسف على وجه البيان، لان الحال حال حزن كأنه قال: يااسف احضر، فانه من احيانك واوقاتك، ومثله (واحزناه).

والاسف الحزن على مافات.

وقيل: هو أشد الحزن يقال: أسف يأسف أسفا وتأسف تأسفا، وهو متأسف.

وقوله " ابيضت عيناه " فالابيضاض انقلاب الشئ إلى حال البياض.

والمعنى انه عمي فلم يبصر شيئا.

والعين حاسد الادراك للمرئيات.

والحزن الغم الشديد، وهو من الحزن، وهي الارض الغليظة، والكظيم هو الممسك للحزن في قلبه لايبثه بمالايجوز إلى غيره، ومنه قوله " والكاظمين الغيظ "(1) اي لايتسرع بموجبه إلى غيره.

وقيل كظيم على الحزن لم يقل يا اسفاه - في قول مجاهد والضحاك، والحسن - وقيل كظيم بالغيظ على نفسه، لم ارسله مع إخوته - في قول السدي والجبائي.

قوله تعالى: (قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين(85))

آية بلاخلاف.

هذاحكاية ماقال بنو يعقوب لابيهم حين رأوه حزينا " تالله تفتؤ تذكر " معناه لاتزال تذكر، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي، يقال فتئ يفتؤ فتئا وفتوء‌ا، وقال اوس بن حجر:

فما فتئت خيل تثوب وتدعي *** ويلحق منها لاحق وتقطع(2)

اي فمازالت، وحذفت (لا) من تفتأ، لانه جواب القسم بمعنى نفي

___________________________________

(1) سورة آل عمران آية 134.

(2) ديوانه 58 ومجاز القرآن 1 / 316 وتفسير القرطبي 9 / 250.

[183]

المستقبل، لانه لوكان اثباتا لم يكن بد من اللام والنون، فجاز لما فيه من الايجاز من غير إلتباس، كماقال امرؤ القيس:

فقلت يمين الله ابرح قاعدا *** ولو قطعوا رأسي لديك واوصالي(1)

والحرض ذو المرض والبلى - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال الحسن وقتادة: معناه حتى تكون ذا الهرم او تكون من الميتين.

واصل الحرض فساد الفعل والجسم للحزن والحب، قال العرجي:

اني امرؤ لج بي حب فاحرضني *** حتى بليت وحتى شفني السقم(2)

ورجل محرض اذا كان مريضا قال امرؤ القيس:

ارى المرء ذا الاذواد يصبح محرضا *** كإحراض بكر في الديار مريض(3)

ولايثنى حرض ولايجمع لانه مصدر، يقال: حرضه على فلان اي أفسده عليه بما يغريه، وإنما قالوا هذا القول إشفاقا عليه وكفا له عن البكاء اي لاتزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه، لانه كان قد أشفى على ذهاب بصره وفساد جسمه، اوتموت بالغم.

والهلاك ذهاب الشئ بحيث لايدري الطالب له اين هو، فالميت هالك لهذا المعنى.

قوله تعالى: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لاتعلمون(86))

آية بلاخلاف.

___________________________________

(1) ديوانه 161 وقدمر في 2 / 227، 3 / 216.

(2) مجاز القرآن 1 / 316 وتفسير القرطبي 9 / 251 وتفسير الطبري (الطبعة الاولى) 13 / 25.

(3) ديوانه 129 ونفسير القرطبي 9 / 251 والطبري 13 / 25.

[184]

هذا حكاية ماأجاب به يعقوب بنيه لماقالوا له ماتقدم ذكره، أي انما أشكو، والشكوى صفة مايجده من البلوى، وانما وصف (ع) ذلك لله طلبا للفرج من جهته، والبث تفريق الهم باظهاره عن القلب، يقال: بثه مافي نفسه بثا وأبثه إبثاثا، وبث الخيل على العدو: إذا فرقها عليه.

وقال ابن عباس معنى (بثي) همي.

وقوله " واعلم من الله مالاتعلمون " قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس: اعلم ان رؤيا يوسف صادقة واني ساجد له. والثاني - قال قتادة: أعلم من احسان الله (عزوجل) الي مايوجب حسن ظني به، وانما جاز على يعقوب وهونبي، ان يبكي حتى تبيض عيناه من الحزن، لان عظم المصيبة يهجم على النفس حتى لايملك معه القرار بالصبر حتى يرتفع الحزن، مع انه على ولد لا كالاولاد، في جماله، وعقله، وعفافه، وعلمه، وأخلاقه، وبره، من غير تأس يوجب السلوة، ولارجاء يقرب الحال الجامعة، ومع هذا فلم يكن منه الا مايوجب الاجر العظيم والثواب الجزيل الكريم، والبكاء ليس بممنوع منه في الشرع، وانما الممنوع اللطم، والخدش، والجز، وتخريق الثياب، والقول الذي لايسوغ، وكل ذلك لم يكن منه (ع) وإنما جاز أن يخفى خبر يوسف على يعقوب مع قرب المسافة بينهما، لان يوسف كان بمصر ويعقوب بأرض الجزيرة من أرض حران، ولم يعرف يوسف أباه مكانه ليزول همه، لانه في تلك المدة كان بين شغل وحجر على ماتوجبه سياسة الملك، وبين حبس في السجن، لانه مكث فيه سبع سنين لمامحن به من امرأة العزيز، فلما تمكن من التدبير تلطف في ذلك لئلا يكون من أخوته حال تكره في ايصال خبره إلى أبيه لشدة ماينالهم من التهجين في أمره إذا وقف على خبره.

وانما جاز ان يستخرج الصواع من رحل أخيه مع ايجاب التهمة في ذلك عند الناس، وغم أبيه وأخيه خاصة وسائر اخوته عامة لوجوه: احدها - انه كان ذلك بمواطأة اخيه على ذلك بمايسر في باطنه.

[185]

ومنها انه ليس لاحد اتهامه بالسرقة مع امكان جعله في رحله بما لاصنع له فيه.

ومنها اغمام أبيه بالامر اليسير ليزيل عنه الغم العظيم، وتأتيه البشرى بسلامتهما على أجمل حال يتمنى لهما، وذلك يحسن ولايقبح.

قوله تعالى: (يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولاتايئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون(87))

آية بلاخلاف.

هذا إخبار عماقال يعقوب لبنيه بعد ان قال ماتقدم ذكره " يابني اذهبوا فتحسسوا " والتحسس طلب الشئ بالحاسة فاما طلبه بالدعاء إلى فعله، فلايسمى تحسسا، والتحسس والتجسس بالحاء والجيم بمعنى واحد.

" ولاتيأسوا من روح الله " اي لاتقطعوا رجاء‌كم منه. والروح والفرج نظائر، وهو رفع ترح بلذة، مأخوذ من الريح التي تأتي بما فيه اللذة.

وقوله " انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون " اخبار منه بأن الذي يائس من رحمة الله الكافرون، وذلك يدل على ان الفاسق الملي لاييأس منه، بخلاف مايقوله اهل الوعيد، وقد أجاب عن ذلك اهل الوعيد بجوابين: احدهما - ان ذلك على وجه التغليب، فيدخل فيه الفاسق في الجملة. والثاني - أنه لاييأس في حال التكليف إلا الكافر الذي لايعرف الله تعالى، فاما من يعرف الله فانه لاييأس منه، لانه يسوف التوبة.

[186]

قوله تعالى: (فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين(88))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى ان اخوة يوسف لماقال لهم يعقوب " اذهبوا فتحسسوا من يوسف واخيه " رجعوا إلى يوسف ودخلوا عليه، وقالوا له " ياايها العزيز " لانهم كانوا يسمون الملك العزيز.

والعزيز في اللغة هوالواسع المقدور الذي لايهتضم المنيع بسعة مقدوره " مسنا وأهلنا الضر " أي اصابنا الضر، والمس ملابسة مايحس، ولماكان الضر بمنزلة الملامس لهم، وهو مما يحس، عبر عنه بأنه مسه.

والاهل: خاصة الشئ الذي ينسب اليه، ومنه قوله " ان ابني من أهلي "(1) وتسمى زوجة الرجل بأنها أهله وكذلك اهل البلد واهل الدار، وهم خاصته الذين ينسبون اليه.

وقوله " وجئنا ببضاعة مزجاة " قيل في معنى المزجاة ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: إنها ردية لاتؤخذ الا بوكس.

وقال الحسن ومجاهد وابراهيم وقتادة وابن زيد: إنها قليلة.

وقال الضحاك: هي كاسدة غير نافعة.

وروي انه كان معهم متاع البادية من الصوف والشعر والسمن والحبال البالية وغير ذلك.

وأصلها القلة قال الاعشى:

الواهب المئة الهجان وعبدها *** عوذا يزجي خلفها اطفالها(2)

اي يسوقهم قليلا قليلا، وقال النابغة:

وهبت الريح من تلقاء ذي أرل *** تزجي مع الليل من صرادها صرما(3)

يعنى تسوق، وتدفع، وقال آخر:

___________________________________

(1) سورة هود آية 45.

(2) ديوانه 152 (دار بيروت) وتفسير الطبري 13: 29.

(3) ديوانه 102 واللسان (صرم). ومجمع البيان 3: 259

[187]

وحاجة غير مزجاة من الحاج(1) وقيل الاصل الدفع بالسوق فهي مدفعه لاتنفق.

وقوله " فاوف لنا الكيل " اي لاتنقصنا من كيلنا لنقصان بضاعتنا، وتصدق علينا. وقيل في معناه قولان: احدهما - قال سعيد بن جبير: سألوا التفضل بترك النقصان من السعر، لان الصدقة ماكانت تحل لهم.

وقال سفيان بن عيينة. إنهم سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالالهم، وكان مجاهد يكره ان يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي، لان الصدقة ممن يبتغي الثواب.

والصدقة العطية للفقراء ابتغاء الاجر، ولهذا يطلق، فيقال: " إن الله يجزي المتصدقين " و " لايضيع أجر المحسنين "(2) من العباد، والمعنى انه يثيبهم على ذلك.

قوله تعالى: (قال هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه إذ انتم جاهلون(89))

آية بلاخلاف.

هذاحكاية ماأجاب به يوسف إخوته حين سألوه التصدق عليهم وايفاء كيلهم، فرق لهم، وقال: هل علمتم مافعلتم بيوسف وإخيه؟ ! على وجه التوبيخ لهم والتذكير لهم بمافعلوه من إلقائه في الجب بعد ان كانوا عزموا على قتله ثم بيعهم إياه عبدا للتاجر الذي حمله إلى مصر، وفعلوا بأخيه ماعرضوه به للغم بأن أفردوه عن أخيه لابيه وامه مع جفائهم له حتى كان لاذلالهم إياه لايمكنه ان يكلم احدا منهم الا كلام الذليل للعزيز، فعاملوه هذه المعاملة، وسلكوا في امره هذه الطريقة.

ومعنى قوله " اذ انتم جاهلون " انكم فعلتم ذلك في حال

___________________________________

(1) اللسان (زجا) ومجاز القرآن 1: 317.

(2) سورة التوبة آية 121 وسورة هود آية 116 وسورة يوسف آية 90

[188]

كنتم فيها جاهلين جهالة الصبي لاجهالة المعاصي، وذلك يقتضي انهم الآن على خلافه، ولولا ذلك لقال وأنتم جاهلون. وانما وبخو بحال قد أقلعوا عنها وتابوا منها على وجه التذكير وليتنبهوا على حال من يخاطبهم ويعرفوه بها، لا ان تلك الحال ذكرت بطريق التقبيح لها.

وقال السدي وابن اسحاق إن يوسف لماقالوا له ماقالوا أدركته الرقة، فدمعت عينه وباح لهم بماكان يكتمه من شأنه وشأنهم.

قوله تعالى: (قالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين(90))

آية بلاخلاف.

قرأ ابن كثير وابوجعفر " انك " بهمزة واحدة على الخبر. الباقون بهمزتين، وحققهما ابن عامر، وأهل الكوفة، وروح، إلا ان الحلواني عن هشام فصل بينهما بألف. الباقون يخففون الاولى ويلينون الثانية. وفصل بينهما بألف نافع إلا ورشا وابوعمرو.

قال ابوعلي: الاجود الاستفهام لقوله " قال انا يوسف " وهذا جواب الاستفهام، ومن قرأ على الخبر أراد الاستفهام، وحذف حرف الاستفهام كما حكى ابوالحسن في قوله " وتلك نعمة تمنها علي "(1) ومعناه اي تلك نعمة، وحذف حرف الاستفهام.

هذا حكاية ماقال اخوة يوسف له حين قال لهم " هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه " فانهم قالوا حينئذ له " أئنك لانت يوسف " على وجه الاستفهام له، فانهم تنبهوا واستيقظوا غير انهم لم يقطعوا به، فاستفهموه.

___________________________________

(1) سورة الشعراء آية 22.

[189]

وقال الزجاج يجوز في " أئنك " اربعة اوجه في العربية: تحقيق الهمزتين، وهو مذهب اهل الكوفة واهل الشام.

الثاني - ادخال الالف بين الهمزتين (آإنك) وهو مذهب هشام ابن عمار عن ابن عامر.

الثالث - تليين الثانية بان يجعل بين بين أينك، وهو مذهب أبي عمرو، وابن كثير ونافع.

الرابع - بهمزة واحدة على الخبر.

فقال يوسف مجيبا لهم " أنا يوسف وهذا أخي " يعني ابن يامين من أبي وأمي " قدمن الله علينا " أي انعم علينا بنعمة قطعتنا عن حال الشدة يقال: من الله عليه يمن منا، واصله القطع من قوله " لهم اجر غير ممنون "(1) أي غير مقطوع، ومنه من عليه في الصنيعة اذا ذكرها بمايجري مجري التعيير بها، لانه قاطع عن شكرها.

والمنون الموت، لانه يقطع عن تصرف الاحياء.

ثم أخبر يوسف فقال إنه من يتق الله باجتناب معاصيه، وفعل طاعاته ويصبر على بليته ويتجرع مرارة المنع، لمايشتهي من الامر " فان الله لايضيع اجر المحسنين " اي لايذهب بثوابهم.

والاضاعة هوالاهلاك وهو إذهاب الشئ بحيث لايدري الطالب له اين هو.

والاجر مايستحق على العمل الصالح من الثواب، ومنه الاجارة.

وتقول: آجره الله يآجره أجرا، والاحسان فعل حسن يستحق به الحمد.

وحكى ابن كثير انه قرأ " من يتقي " بالياء في الوصل.

والوجه فيه ان يجعل (من) بمعنى (الذي) فيكون (ينقي) في موضع رفع، ويكون قوله " ويصبر " حذف الحركة استخفافا، او جملة على الموضع، كما قال " فاصدق واكن من "(2) ولايجوز ان يكون مثل قول الشاعر:

___________________________________

(1) سورة حم السجدة آية 8 وسورة الانشقاق آية 25 وسورة التين آية 6.

(2) سورة المنافقون آية 10.

[190]

ألم يأتيك، والابناء تنمي(1) لان ذلك يجوز في الشعر، والاجود قول من قرأ بحذف الياء.

قوله تعالى: (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين(91))

آية بلاخلاف.

هذا حكاية عماقال إخوة يوسف حين سمعوا اعتراف يوسف بأنه يوسف، وان أخاهم الذي احتبسه أخوه، وان الله من عليهم بذلك، فقالوا له عند ذلك " تالله " على وجه القسم " لقد آثرك الله علينا " اي فضلك الله علينا.

والايثار إرادة التفضيل، لاحد الشيئين على الآخر ومثله الاختيار، ويقال: آثرت له، وآثرت عليه ضده.

وأصل الايثار الاثر الجميل، فيما يؤثر على غيره بمنزلة ماله أثر جميل والآثار الاخبار، لانها إخبار عن أثر ماتقدم في أمر الدين والدنيا.

وقوله " وان كنا لخاطئين " اعتراف منهم بأنهم كانوا خاطئين.

وقال قوم: إنهم كانوا صبيانا وقت مافعلوا بأخيهم مافعلوا وسموا أنفسهم " خاطئين " اي ابتداء فعلهم كان وهم صبيان. ثم بلغوا مقيمين على كتمان الامر عن ابيهم موهمين له ما كانوا اخبروه به من شأنهم فالايهام معصية لاتبلغ تلك المنزلة.

والخطيئة ازالة الشئ عن جهته إلى مالايصلح فيه، يقال خطئ يخطأ فهو خاطئ مثل أثم إثما فهو آثم.

و (خطئ) اذا تعمد الخطأ و (أخطأ) إذا لم يتعمد الخطأ كمن رمى شيئا فأصاب غير ماأراد.

___________________________________

(1) قائلة قيس بن زهير العبسي. اللسان (اتى) وعجزه: بمالاقت لبون بني زياد

[191]




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11512896

  • التاريخ : 16/08/2022 - 15:34

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net