00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة هو د من ( آية 98 ـ آخر السورة ) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء السادس )   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

قوله تعالى: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود(98))

آية بلاخلاف.

هذا اخبار من الله تعالى ان فرعون يوم القيامة يقدم قومه، ومعناه يمشي على قدمه يقودهم إلى النار، ولو قال يسبق، لجاز ان يوجده الله (عزوجل) قبلهم في النار. والقيامة هو وقت قيام الناس من قبورهم للجزاء والحساب باعمالهم.

وقوله " فاوردهم النار " معناه اوجب ورودهم إلى النار، والايراد ايجاب الورود إلى الماء او ما يقوم مقامه.

قال ابوعلي: انما لم يقل يوردهم النار، لانه

[60]

ذكر ليوم القيامة انه يقدمهم فيه، يدل على انه فعل مستقبل فأجرى الماضي مجرى المستقبل لدلالة الكلام عليه.

وقوله " وبئس الورد المورود " قال ابوعلي: انه مجاز، والمعنى بئس وارد النار.

وقال البلخي: بل هو حقيقة، لانه تعالى وصف النار بانها بئس الورد المورود، وهي كذلك.

والورد الماء الذي ترده الابل، والورد الابل التي ترد الماء، والورد مايجعله عادة لقراء‌ة أو تلاوة للقرآن.

والورد ورد الحمى، كل ذلك بكسر الواو، وحكي عن ابن عباس ان الورد الدخول.

والمعنى ان ما ورودوه من النار هو المورود بئس الورد لمن ورده.

ويقال إنهم اذا وردوه عطاشا فيردون على الحميم والنيران ولايزيدون بذلك إلا عذابا وعطشا. وانما وصف بأنه بئس، وان كان عدلا حسنا لما فيه من الشدة مجازا.

قوله تعالى: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود(99))

آية بلاخلاف.

معنى قوله " واتبعوا في هذه لعنة " ان الله لعنهم والملائكة والمؤمنون، فاختصر على وجه ماذكرنا على مالم يسم فاعله، لان الايجاز لايخل بهذا المعنى.

واللعن من العباد الدعاء والمسألة لله تعالى بالابعاد من الرحمة - في قولهم لعنة الله - والذم الوصف بالقبيح على وجه التحقير.

ومعنى الآية انهم كيف تصرفوا، وحيث كانوا، فاللعنة تتبعهم.

واللعنة من الله الابعاد من رحمته بان يحكم بذلك، فمن لعنه الله فقد حكم بابعاده من رحمته و انه لايرحمه.

[61]

وقوله " ويوم القيامة بئس الرفد " والرفد العون على الامر، وانما قيل ههنا - رفد، لان اللعنة جعلت بدلا من الرفد بالعطية، ويقال: رفده وهو يرفده رفدا، ورفد - بفتح الراء وكسرها - قال الزجاج كل شئ جعلته عونا لشئ واسندت به شيئا فقد رفدته، يقال عهدت الحائط ورفدته بمعنى واحد، والرفد القرح العظيم، وروي - بفتح الراء - في الاية وهي لغة شاذة.

الآية: 100 - 123

قوله تعالى: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد(100))

آية بلاخلاف.

قوله " ذلك " اشارة إلى النبأ كأنه قال النبأ من انباء القرى، وقد تقدم ذكره. ثم وقعت الاشارة اليه، والانباء جمع نبأ كالاخبار جمع خبر الا انه لايقال نبأالا في خبر عظيم، يقال لهذا الامر نبأ اي خبر عظيم.

قوله " نقصه عليه " فالقصص الخبر عن الامور التي يتلو بعضها بعضا، يقال قص قصصا وهو يقص اثره اي يتبع اثره، واقتص منه اي يتبعه بجنايته.

وقوله " منها قائم وحصيد " فالقائم المعمور، والحصيد الخراب من تلك الديار، لان الاهلاك قد اتى عليها ولم تعمر فيها بعد.

وقيل " منها قائم " على بنائه وان كان خاليا من اهله، والحصد قطع الزرع من الاصل، فالحصيد منهم كالزرع المحصود، وحصدهم بالسيف اذا قتلهم.

قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب(101))

آية بلاخلاف.

[62]

اخبر الله تعالى انه بمافعله بالامم التي أهلكها لم يظلم احدا منهم، ولكن ظلموا هم انفسهم بأن ارتكبوا المعاصي التي استحقوا بها الهلاك فكان ذلك ظلمهم لانفسهم، وبين انه " ماأغنت عنهم آلهتهم " يعني الاوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله مادفعت عنهم ولااعانتهم بشئ لماجاء امر الله واهلاكه وعذابه " ومازادوهم غير تتبيب " بمعنى غير تخسير - في قول مجاهد وقتادة - مأخوذ من تبت يده أي خسرت، ومنه تباله، وقال جرير:

عرادة من بقية قوم لوط *** ألا تبا لما فعلوا تبابا(1)

وانما قال يدعون من دون الله، لانهم كانوا يسمونها آلهة ويطلبون الحوائج منها، كما يطلب الموحدون من الله.

ومعنى " من دون الله " من منزلته ادنى من منزلة عبادة الله، لانه من الادون، وهو الاقرب إلى جهة السفلى.

قوله تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد(102))

آية بلاخلاف.

وجه التشبيه في قوله " وكذلك اخذ ربك " ان اخذه الظالم الذي يساوي من تقدمه في ظلمه وحاله في بطلان الفلاح ببقائه، كأخذه الذي قبله، لانه ليس هناك محاباة لاحد من خلقه. والاخذ نقل الشئ إلى جهة الآخذ، فلما نقلهم الله إلى جهة عقابه كان قد اخذهم به، والظالم الفاعل للظلم والعادل الفاعل للعدل.

ثم اخبر تعال ان اخذه للظالم مؤلم شديد، والشدة تجمع يصعب معه التفكك، ويقال للنقص شدة، وشدة الالم لجمعه على النفس بما يعسر زواله.

___________________________________

(1) ديوانه: 72 من قصيدة في هجاء الراعي النميري، وهو في تفسير الطبرى 15: 472

[63]

قوله تعالى: (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود(103))

آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى ان فيما أخبر به - من إهلاك من ذكره على وجه العقوبة لهم على كفرهم - أية أي علامة عظيمة بمافيهامن البيان عن الامر الكثير قال الشاعر:

بآية تقدمون الخيل زورا *** كأن على سنابكها مداما(1)

قوله " لمن خاف عذاب الاخرة " أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة، والخوف انزعاج النفس بتوقع الشر ونقيضه الامن، وهو سكون النفس بتوقع الخير.

والفرق بين العذاب والالم أن العذاب استمرار الالم قال عبيد:

فامرؤ ماعاش في تكذيب *** طول الحياة له تعذيب(2)

وقوله " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " معناه ان يوم القيامة يوم يجمع فيه الناس ويشهده جميع الخلائق، وليس يوصف في هذه الصفة يوم سواه، والجمع ضم احد الشيئين إلى الآخر. وقيل هو جعل الشيئين فصاعدا في معنى، والقبض ضم الشئ إلى الوسط كقبض البساط، وهو نقيض بسطه من غير تبري اجزائه.

قوله تعالى: (وما نؤخره إلا لاجل معدود(104) يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد(105))

آيتان بلاخلاف.

قرأ أهل الكوفة إلا الكسائي وابن عامر يوم (يأت) بغير ياء.

___________________________________

(1) اللسان (أى) وروايته (شعثا) بدل (زورا)(2) مر هذا البيت في 5: 216.

[64]

الباقون بياء في الوصل دون الوقف، إلاابن كثير، فانه أثبت الياء في الحالين.

قال أبوعلي: من أثبت الياء في الوصل، فهو القياس البين، لانه لاشئ ههنا - يوجب حذف الياء في الوصل، ومن حذفها في الوقف شبهها بالفاصلة، وان لم يكن فاصلة، لان هذه الياء تشه الحركات المحذوفة بدلالة انهم قد حذفوها كما حذفوا الحركة، فكما ان الحركة تحذف في الوقف، فكذلك مايشبهها من هذه الحروف، فكان في حكمها، ومن اثبتها في الحالين فقد أحسن، لانها أكثر من الحركة في الصوت، فلاينبغي اذا حذفت الحركة للوقف ان تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ومن حذف الياء في الحالين جعلها في الحالين بمنزلة مايستعمل محذوفا مما لم يكن ينبغي في القياس ان يحذف نحو (لم يك، ولاأدر) وهي لغة هذيل، وقال الشاعر:

كفاك كفا لاتليق درهما *** جوادا وأخرى تعط بالسيف الدما(1)

فحذف الياء في تعط، وليس هذا مايوجب حذفها.

والضمير في قوله " ومانؤخره " عائدعلى قوله " يوم مشهود " وهو يوم الجزاء.

ومعناه الاخبار بأنه تعالى ليس يؤخر يوم الجزاء إلا ليستوفي الاجل المضروب لوقوع الجزاء فيه.

وانما قال " لاجل " ولم يقل إلى اجل، لان قوله " لاجل " يدل على الغرض، وان الحكمة أقتضت تاخيره. ولو قال إلى اجل لمادل على ذلك.

وقوله " يوم يأتي " يعنى يوم القيامة الذي تقدم ذكره بأنه مشهود والضمير في (ياتى) حين الجزاء، لانه قد تقدم الدليل عليه في قوله " يوم مشهود " واحسن الاضمار مايدل الكلام عليه، وانما أضاف (يوم) إلى الفعل، لانه اسم زمان فناسب الفعل للزمان من حيث انه لايخلو منه، وانه يتصرف بتصرفه. وانه لايكون حادثا الا وقتا، كما ان الزمان لايبقي.

ومعنى قوله " لاتكلم نفس إلا باذنه " أي لاتتكلم فحذف أحدى التائين. لدلالة الكلام عليه.

___________________________________

(1) تفسير القرطبى 9: 98 واللسان (ليق)

[65]

وقيل في معنى " لاتكلم " قولان: احدهما - ان فيه وقتا يمنعون من التكلم إلا بالحق فهو باذنه تعالى. والاخر - انه لايتكلم بكلام ينفع إلا بإذنه: من شفاعة ووسيلة، بدلالة قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين.

انظر كيف كذبوا على انفسهم وضل عنهم ماكانوا يفترون(1) ".

وقال الجبائي: الاذن الجاؤهم إلى الحسن، لانه لايقع منهم ذلك اليوم قبيح.

وقوله " فمنهم شقي وسعيد " اخبا رمنه تعالى بأنهم ينقسمون قسمين منهم الاشقياء، وهم المستحقون للعقاب، ومنهم السعداء وهم المستحقون للثواب. والشقاء قوة أسباب البلاء، والشقي من شقي بسوء‌عمله في معاصي الله، والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة الله، وانما وصف الاجل بأنه معدود، لانه متناه منقض، لان كل معدود قد وجد عدده، لا يكون ذلك الا متناهيا.

فان قيل كيف قال - ههنا - " يوم يأتي لاتكلم نفس إلاباذنه " وقال في موضع آخر " هذا يوم لاينطقون. ولايؤذن لهم فيعتذرون "(2) وقال في موضع آخر " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها "(3) وقال " وقفوهم انهم مسؤلون(4) وقال في موضع آخر فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(5) وهل هذا إلا ظاهر التناقض؟ !.

قلنا: لاتناقض في ذلك لان معنى قوله " وقفوهم انهم مسؤلون " انهم يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع، لايجاب الحجة عليهم لاسؤال استفهام، لانه تعالى عالم بذلك لنفسه.

___________________________________

(1) سورة الانعام آية 24 - 25.

(2) سورة المرسلات 35 - 36.

(3) سورة النحل آية 111.

(4) سورة الصافات آية 24.

(5) سورة الرحمن آية 39

[66]

وقوله " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان "(1) اي لا يسأل ليعلم ذلك منه حيث انه تعالى قد علم اعمالهم قبل ان يعملوها. وقيل ان معناه إنه لايسأل عن ذنب المذنب إنس ولاجان غيره، وانما يسأل المذنب لا غير، وكذلك قوله " يوم لاينطقون "(2) أي لاينطقون بحجة، وانما يتكلمون بالاقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم على بعض الذنوب، فاما المتكلم بحجة، فلا.

وهذا كما يقول القائل لمن يخاطبه بخطاب كثير فارغ من الحجة: ماتكلمت بشئ، ومانطقت بشئ، فسمي من يتكلم بمالا حجة فيه له: غير متكلم، كما قال " صم بكم عمي فهم لايعقلون "(3) وهم كانوا يبصرون ويسمعون إلا انهم لايقبلون ولا يكفرون فيما يسمعون، ولايتأملون، فهم بمنزلة الصم، قال الشاعر: أصم عما ساء‌ه سميع(4) وقال بعضهم ان ذلك اليوم يوم طويل له مواضع، ومواطن، ومواقف، في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم ذلك بدلالة قوله " يوم يأتي لاتكلم نفس إلا باذنه " وكلاهما حسن والاول احسن.

قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق(106) خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لمايريد(107))

 آيتان بلاخلاف.

أخبرالله تعالى في هذه الآية ان الذين شقوا باستحقاقهم عذاب النار جزاء بسوء اعمالهم داخلون في النار، وانما سمي الشقي شقيا قبل دخوله في النار، لانه

___________________________________

(1) سورة الرحمن آية 39.

(2) سورة المرسلات 35.

(3) سورة البقرة آية 171.

(4) مر تخريجه في 2: 80، 4: 134، 5: 439

[67]

على حال تؤديه إلى دخولها، من قبائح اعماله.

فاما ماروي من قوله (ع) (إن الشقي شقي في بطن امه)، فجاز، لان المعنى ان المعلوم من حال انه سيشقى بارتكاب المعاصي التي تؤديه إلى عذاب النار، كما يقال لولد شيخ هرم هذا يتيم ومعناه انه سيتيتم.

وقوله " لهم فيها زفير وشهيق " قال أهل اللغة: الزفير أول نهاق الحمير، والشهيق آخر نهاقها، قال رؤبة:

حشرج في الجوف سحيلا أو شهق *** حتى يقال ناهق ومانهق(1)

والزفير ترديد النفس مع الصوت من الحزن حتى تنتفخ الضلوع قال الجعدي:

خيط على زفيرة فتم ولم *** يرجع إلى دقة ولاهضم(2)

وأصل الزفير الشدة من قولهم للشديد الخلق المزفور، والزفر الحمل على الظهر خاصة لشدته، قال الشاعر:

طوال انضية الاعناق لم يجدوا *** ريح الاماء إذا راحت بأزفار(3)

والزفر السيد، لانه يطيق عمل الشدائد، وزفرت النار اذا سمع لها صوت في شدة توقدها، والشهيق صوت فظيع يخرج من الجوف عند النفس.

واصله الطول المفرط من قولهم: جبل شاهق أي ممتنع طولا.

وقوله " خالدين فيها مادامت السموات والارض " فالخلود الكون في الامر أبدا، والدوام البقاء أبدا، ولهذا يوصف الله تعال بأنه دائم، ولايوصف بأنه خالد.

وقوله " إلا ماشاء ربك " اختلفوا في هذا الاستثناء على عدة أقوال: فالذي نختاره - ويليق بمذهبنا في الارجاء - ان الله تعالى أخبر ان الاشقياء

___________________________________

(1) ديوانه 106 وتفسير القرطبي 9: 98 واللسان (حشرج) وتفسير الطبري 15: 479.

(2) اللسان (زفر).

(3) اللسان (زفر)

[68]

المستحقين للعقاب يحصلون في النار ثم استثنى من أراد من فساق أهل الصلاة إذا أراد التفضل باسقاط عقابه، أو من يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم فانه عند ذلك لايدخله النار وتكون - على هذا - (ما) معناها (من) كأنه قال الا من شاء ربك، فلا يدخله النار، وهوقول ابن عباس وقتادة والضحاك، وجابر بن عبدالله، وابي سعيد الخدري وجماعة من المفسرين. ويجوز على هذا المذهب أن يكون استثناء من الخلود، فكأنه قال إلا ماشاء ربك بأن لايخلدهم في النار بل يخرجهم عنها.

وقال قتادة: ذكرلنا أن ناسا يصيبهم سفع من النار بذنوب اصابوا، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون، قال قتادة وحدثنا أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يخرج قوم من النار.

وقال قتادة: ولانقول ما يقول اهل حروراء.

وروي عن ابن عباس أنه قال قوله " لابثين فيها أحقابا "(1) وقوله " خالدين فيها إلا ماشاء ربك " في اهل التوحيد.

وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها أحد. وذلك بعد أن يلبثوا فيها أحقابا.

وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمرانا، واسرعهما خرابا.

ثانيها - قال ابن زيد وحكاه الرماني: إن المعنى خالدين فيها مادامت السموات سموات، والارض أرضا إلا ماشاء ربك، من الزيادة المضاعضة.

وثالثها - قال الجبائي: إن المعنى مادامت السموات لاهل الآخرة وأرضهم إلا ماشاء ربك مما كان قبل أن يدخلوها من أوقات وقوفهم في صدر يومهم في الموقف، لان الله تعالى قال " يوم تبدل الارض غير الارض والسموات ".

ورابعها - ماذكره كثير من أهل العربية كالفراء والزجاج وغيرهم: ان (إلا) في الاية بمعنى (سوى) والتقدير مادامت السموات والارض سوى ماشاء ربك كما يقول القائل: لو كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد، ولك عندي ألف درهم

___________________________________

(1) سورة النبأ آية 23

[69]

الا الالفين التي لك عندي، أي سوى الالفين ومثله قوله " ولا تنحكوا مانكح أباؤكم من النساء إلا ماقدم سلف "(1) أي سوى ماقد سلف، لان قوله " ولا تنكحوا " مستقبل " وإلا ماشاء ربك " ماض، والمعنى على هذا " خالدين فيها " مقدار دوام السموات والارض سوى " ماشاء ربك " من الخلود والزيارة.

وخامسها - ماقال الفراء: إن (الا) بمعنى الواو كما قال الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه *** لعمر أبيك الا الفرقدان(2)

وعلى هذا لو قال القائل لك عندي ألف الا الفين لزمه ثلاثة آلاف درهم، لانه أستثناء الزائد من الناقص، فكأنه قال الاألفين منفردين.

ولو قال مالك عندي الف الا الفين فانما أقر بألفين كأنه قال مالك عندي سوى الفين ولو قال لك عندي ألف الا ألفان بالرفع أقر بألف فقط، لانها صفة مثبتة، كأنه قال الف لا الفان.

وسادسها - أن ذلك تعليق لمالايكون بمالايكون، كأنه قال " الا ما شاء ربك " وهو لايشاء ان يخرجهم منها وتكون الفائدة أن لو شاء أن يخرجهم لقد ر، ولكنه قد أعلمنا انهم خالدون أبدا.

وسابعها - ذكره الزجاج: ان الاستثناء وقع على أن لهم زفيرا وشهيقا إلا ماشاء ربك من أنواع العذاب التي لم يذكرها.

وثامنها - ذكره البلخي: ان المراد بذلك الاما شاء ربك من وقت نزول الآية إلى دخولهم النار، ولولا هذا الاستثناء لوجب ان يكونوا في النار من وقت نزول الآية أر من يوم يموتون. فان قيل كيف يستثنى من الخلود فيها ماقبل الدخول فيها؟ ! قلنا: يجوز ذلك إذا كان الاخبار به قبل دخولهم.

___________________________________

(1) سورة النساء آية 22.

(2) امالي السيد المرتضي 2: 88 وسيبويه 1: 371 وتفسير القرطبي 9: 101 وقد نسب إلى عمروبن معد كرب.

[70]

وتاسعها - ماذكره قوم من اصحابنا في التفسير إن المعنى انهم فيها يعني في النار في حال كونهم في القبور دائمين فيها مادامت السموات والارض، فانها اذا عدمت انقطع عقابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب.

وقوله " الا ماشاء ربك " مما يكون في الآخرة.

وقوله " إن ربك فعال لما يريد " معناه انه كلما أراد شيئا فعله، لانه لا يجوز عليه البداء بالرجوع عما أراده، ولاالمنع من مراده ولايتعذر عليه شئ منه مع كثرته بارادة من أفعاله.

قوله تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك عطاء غير مجذوذ(108))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة واللغة: قرأ أهل الكوفة الا أبابكر " سعدوا " بضم السين. الباقون بفتحها.

قال ابوعلي: حكى سيبويه: سعد يسعد سعادة، فهو سعيد.

وينبغي أن يكون غير متعد، كما أن خلافه الذي هو (شقي) كذلك، واذا لم يكن متعديا لم يجب أن يبني منه المفعول به، وإذا كان كذلك، ضم السين مشكل الا ان يكون سمع فيه لغة خارجة عن القياس أو يكون من باب (فعل وفعلته) نحو غاض الماء وغضته، وحزن وحزنته، ولعلهم استشهدوا على ذلك بقولهم (مسعود) فانه على سعد فهو مسعود، ولادلالة في ذلك، لانه يجوز ان يكون مثل أجنه الله فهو مجنون، واحبه فهو محبوب، فالمفعول جاء في هذا على أنه حذفت الزيادة منه، كما حذف من اسم الفاعل في نحو (ويكشف جمانة دلو الدالي) وانما هو المدلي،

[71]

ومثله " وارسلنا الرياح لواقح "(1) يعني ملاقح فجاء على حذف الزيادة، فعلى هذا يكون أصله أسعدوا بحذف الزائد.

وحكى البلخي انهما لغتان - ضم السين - لغة هذيل، وفتحها لغة سائر العرب.

المعنى: لمااخبر الله تعالى أن الذين شقوا بفعلهم المعاصي واستحقوا الخلود في النار، اخبر ان الذين سعدوا بطاعات الله والانتهاء عن معاصيه يكونون في الجنة " ما دامت السموات والارض إلا ماشاء ربك، ومعنى مادامت السموات والارض المصدر، كأنه قال دوام السموات والارض الا مشيئة ربك، وفيه حسن التقابل، وفيه جميع ماذكرنا ه في الاستثناء من الخلود في النار إلا الوجهين الذين ذكرناهما في جواز إخراج بعض الاشقياء ممن تناول الوعيد لهم وإخراجهم من النار بعد دخولهم فيها، فان ذلك لايجوز - ههنا - لاجماع الامة على أن كل مستحق للثواب لابد أن يدخل الجنة، ولايخرج منها بعد دخوله فيها.

وقيل فيه وجه آخر يوافق ماقلناه في الآية الاولى، وهو أن يكون المعنى " ان الذين سعدوا بطاعات الله يدخلون الجنة خالدين فيها، واستثنى من جملتهم من كان مستحقا للنار، واراد الله عقابهم.

ثم إخراجهم منها فكأنه قال خالدين فيها الامدة ماكانوا معاقبين في النار، ذهب اليه الضحاك وهو يليق بقولنا في الارجاء.

وقوله " عطاء غير مجذوذ " يعني غير مقطوع - في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك - يقال جذه يجذه جذا فهو جاذ، وجذ الله أثرهم قال النابغة:

يجذ السلوقي المضاعف نسجه *** ويوقد بالصفاح نار الحباحب(2)

___________________________________

(1) سورة الحجر آية 22.

(2) ديوانه: 44 وتفسير القرطبي 9: 103 واللسان (حبحب)، (سلق)، (صفح) وروايته (تقد) بدل (يجذ) و (توقد) بدل (يوقد).

[72]

ويقال جذه الله جذ الصليانة، وهي نبات، وقوله (عطاء) نصب على المصدر بمايدل عليه الاول كأنه قال اعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ.

قوله تعالى: (فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء مايعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص(109))

آية بلاخلاف.

نهى الله تعالى نبيه - والمراد به أمته - ان يكونوا في شك من عبادة هؤلاء يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم، وانه باطل.

و (المرية) - بكسر الميم وضمها - الشك مع ظهور الدلالة البينة. وأصله مري الضرع ليدر بعد دروره، فلا معنى له إلا العبث بفعله.

وقوله " مايعبدون إلا كما يعبد اباؤهم من قبل " أنهم مقلدون في عبادتهم الاوثان، كما كان آباؤهم كذلك.

وقوله " وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص " أخبار منه تعالى انه يعطيهم - على جهة الوفاء - قسمتهم من خير أو شر على قدر استحقاقهم - في قول ابن عباس - وقال ابن زيد: ما يستحقونه من العذاب من غير ان ينقص منه شئ على وجه العقوبة بعد أو يوفوا ماحكم لهم به من الخير في الدنيا.

و (النصيب) القسم المجعول لصاحبه ومنه انصباء الورثة. والنصيب الحظ والنقص البخس والمنقوص المبخوس.

[73]

قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب(110))

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى أنه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة وإن قومه اختلفوا فيه يعني في صحة الكتاب الذي انزل اليه، وأراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه إياه وجحدهم للقرآن المنزل عليه، فبين له أنه كذلك فعل قوم موسى بموسى، فلا تحزن لذلك، ولاتغتم له.

ثم قال " ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم " معناه ولولا خبر الله السابق بأنه يؤخر الجزاء إلى يوم القيامة لمافي ذلك من المصلحة، لجعل الثواب والعقاب لاهله.

(والكلمة) واحدة الكلم ولذلك، يقال للقصيدة: كلمة.

ثم أخبر عن حال كفار قوم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لفي شك مما اخبرناك به مريب، و (الريب) أقوى الشك.

(والاختلاف) ذهاب كل واحد إلى جهة غير جهة الآخر، وهو على ثلاثة أوجه: احدها - اختلاف النقيضين فهذا لايجوز أن يصحا معا، فاحدهما مبطل لصاحبه. والآخر اختلاف الجنسين، كاختلاف المجتهدين في جهة القبلة، فهذا يجوز أن يصحا، لانه تابع للمصلحة ولاتناقض في ذلك، ومنه اختلاف المجتهدين في الفروع على مذهب من قال بجوازه.

قوله تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير(111))

آية بلاخلاف.

القراء‌ة: اختلف القراء في قوله " وان كلا لما " على اربعة اوجه: قرأ ابن كثير ونافع بتخفيف (إن) وتخفيف (لما) وقرأ ابن عامر وحمزة

[74]

وحفص عن عاصم بتشديدهما معا.

وقرأ أبوعمرو والكسائي بتشديد الاولى وتخفيف الثانية.

وقرأ أبوبكر عن عاصم بتخفيف الاولى وتشديد الثانية.

اللغة والاعراب والمعنى: وقيل في معنى (لما) بالتشديد خمسة أوجه: أولها - قول الفراء إنها بمعنى (لمن ما) فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت واحدة ثم ادغمت الاولى في الثانية، كماقال الشاعر:

واني لماأصدر الامر وجهه *** اذا هو أعيا بالسبيل مصادره(1)

ثم تخفف، كماقرأ بعض القراء: " والبغي يعظكم "(2) فحذف احدى اليائين ذكره الفراء.

والثاني - ما اختاره الزجاج: أن (لما) بمعنى (إلا) كقولهم سألتك لما فعلت، ومثله " إن كل نفس لما عليها حافظ "(3) لانه دخله معنى ماكلهم إلا لنوفينهم.

وقال الفراء هذا لايجوز إلا في التمييز، لانه لوجاز ذلك لجاز ان تقول جاء‌ني القوم لما زيدا بمعنى الا زيدا، هذا لايحوز بلاخلاف.

الثالث - اختاره المازني: أنها هي المخففة شددت للتأكيد.

قال الزجاج: هذا لايجوز، لانه انمايجوز تخفيف المشددة عند الضرورة، فأما تشديد المخففة، فلايجوز بحال.

الرابع - حكاه الزجاج: إنها من لممت الشئ ألمه لما إذا جمعته إلا أنها

___________________________________

(1) قائله العجاج تفسير الطبري 15: 494 وتفسير القرطبي 9: 105 ومجمع البيان 3: 200.

(2) سورة النحل آية 90.

(3) سورة الطارق آية 4.

[75]

بنيت على (فعلى) فلم تصرف نحو (تترى) كأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم.

الخامس - قراء‌ة الزهري (لما) بالتنوين بمعنى شديدا، كقوله " وتأكلون التراث اكلا لما "(1).

واللام في قوله (لما) يحتمل أن تكون لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد، ويحتمل أن تكون لام الابتداء دخلت على (ما) بمعنى الذي، كقوله " فانكحوا ماطاب لكم من النساء "(2) ومثله " وان منكم لمن ليبطئن "(3) قال الشاعر

فلو ان قومي لم يكونوا أعزة *** لبعد لقد لاقيت لابد مصرعا(4)

وحكي عن العرب اني لبحمد الله لصالح قال أبوعلي من قرأ من قرأ بتشديد (إن) وتخفيف (لما) فوجهه بين، وهو انه نصب (كلا) ب‍ (إن) و (إن) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام، فدخلت هذه اللام وهي لام الابتداء على الخبر في قوله " وان كلا لما " وقد دخلت الخبر لام اخرى وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في اكثر الامر النونين، فلما اجتمعت اللامان واتفقا في تلقى القسم، واتفقا في اللفظ فصل بينهما، كما فصل بين (إن) واللام، فدخلت (ما) لهذا المعنى، وان كانت زائدة للفصل، كما جاء‌ت النون - وإن كانت زائدة - في قوله " فاما ترين من البشر "(5) وكما صارت عوضا من الفعل في قولهم: أمالي، فهذا بين، ويلي هذا الوجه في البيان قول من خفف (ان) ونصب (كلا) وخففت (لما)، كما قال الشاعر: كأن ثدييه حقان(6)

___________________________________

(1) سورة الفجر آية 19.

(2) سورة النساء آية 3.

(3) سورة النساء آية 72.

(4) تفسير الطبري 15: 498.

(5) سورة مريم آية 26.

(6) الكتاب لسيبويه 1: 280 والفية ابن عقيل 1: 334 الشاهد 108 وتفسير الطبري 15: 497 وتمام البيت:

وصدر مشرق النحر *** كأن ثدياه حقان

[76]

وأراد (كأن) المشددة، فخفف، واعمل، لان سيبويه حكى عمن يثق به أنه سمع من العرب من يقول: ان عمرا لمنطلق، قال وأهل المدينة يقرؤن " وان كلا لما جميع لدينا محضرون "(1) يخفون وينصبون، ووجه النصب بها مع التخفيف ان (ان) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف في نحو (لم يك زيد منطلقا، فلا تك منطلقا) وكذلك " فلاتك في مرية " فاما من خفف (ان) ونصب (كلا) وشدد (لما) فقراء‌ته مشكلة لان (أن) اذا نصب بها وكانت مخففة كانت بمنزلة الثقيلة و (لما) اذا شددت كانت بمنزلة (إلا) فكذلك قراء‌ة من شدد (لما) وثقل (ان) مشكلة، لانه كما لايحسن أن تقول: ان زيد إلا منطلقا فكذلك لايحسن تثقيل (ان) وتخفيفها ويراد الثقيلة مع تثقيل (لما) فاما قولهم: نشدتك الله لما فعلت، والا فعلت، فقال الخليل: معناه لتفعلن، كما تقول: أقسمت عليه لتفعلن وإنما دخل (إلا ولما) لان المعنى الطلب، فكأنه قال: ما أسألك إلا فعل كذا، فلم يذكر حرف النفي في اللفظ، وإن كان مرادا، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وضعف ابوعلي.

الوجه الذي حكيناه من ان اصله (لمن ما) فادغم النون في الميم بعد ما قلبت ميما.

قال: لان الحرف المدغم، إذا كان قبله ساكن نحو (يوم مالك) لم يقو الادغام فيه على أن يحرك الساكن الذي قبل الحرف المدغم، فاذا لم يجز ذلك فيه، وكان التغيير أسهل من الحذف، فانه لايجوز الحذف الذي هو أجدر، في باب التغيير من تحريك الساكن على أن في هذه السورة ميمات أجتمعت في الادغام، أكثر مما اجتمعت في (لمن ما) ولم يحذف منها شئ نحو قوله " وعلى امم ممن معك "(2) ولم يحذف شئ منها فبأن لايحذف - ههنا اجدر وحكي عن الكسائي أنه قال لاأعرف وجه التثقيل في (لما) قال ابوعلي: ولم يبعد في ذلك، قال أبوعلي: ولو خففت مخفف (ان) ورفع (كلا) وثقل (لما) ويكون المعنى ماكل الا ليوفينهم، كما قال " وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا "(3) لكان ذلك أبين من النصب في (كل) وتثقيل

___________________________________

(1) سورة يس آية 32.

(2) سورة هود آية 48.

(3) سورة الزخرف آية 35

[77]

(لما) و (كل) في الآية معرفة، والمعنى وإن كل المكلفين ليوفينهم ربك أعمالهم أو كل المختلفين على ماتقدم ذكره كما يقولون: مررت بكل قائما، والتوفية بلوغ المقدار من غير نقصان، والتوفية مساواة المقدارفى معناه، لانه اذا ساواه في جنسه لم يجب به توفية.

المعنى أخبر الله تعالى في هذه الآية انه يوفي جميع المكلفين ما يستحقونه على اعمالهم من الثواب والعقاب، لانه عالم بما فعلوه خبير به، لا يخفى عليه شئ من ذلك ومن ليس بعالم لايمكنه ذلك، لانه يجوز ان يكون قد خفي عليه كثير منه، وهو تعالى لايخفى عليه خافية.

قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولاتطغوا إنه بما تعملون بصير(112))

آية بلا خلاف.

أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يستقيموا كما أمرهم الله، وكذلك من رجع إلى الله والى نبيه " ولا تطغوا " يعني في الاستقامة، فيخرجوا عن حدها بالزيادة على ما أمرهم فرضا كان أو نفلا.

وقيل: معناه لا تطغينكم النعمة، فتخرجوا من الاستقامة.

و (الاستقامة) الاستمرار في جهة واحدة، وان لا يعدل يمينا وشمالا.

و (الطغيان) تجاوز المقدار في الفساد.

والطاغي كالباغي في صفة الذم، وطغى الماء مشبه بحال الطاغي، وانما خص من تاب دون ان أسلم من أول حاله للتغليب في الاكثر ويدخل فيه الاقل على وجه التبع.

وقوله " انه بما تعملون بصير " اخبار منه تعالى أنه عالم بأعمالهم لايخفى عليه شئ منها

[78]

قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم تنصرون(113))

آية بلا خلاف.

نهى الله تعالى في هذه الآية عباده المكلفين عن أن يركنوا إلى الذين ظلموا نفوسهم وغيرهم.

و (الركون) إلى الشئ هو السكون اليه بالمحبة اليه والانصات اليه، ونقيضه النفور عنه. وانما نهاهم عن الركون إلى الظلمة لما في ذلك من الاستئناس به " فتمسكم النار " جواب النهي وبيان، لانهم متى خالفوا هذا النهي، وسكنوا إلى الظالمين نالتهم النار، ولم يكن لهم ناصر من دون الله يدفع عنهم ثم لايجدون من ينصرهم، ويدفع عنهم على وجه المغالبة، والولي ضد العدو، وجمعه أولياء.

وقال الجبائي معنى " ثم لاتنصرون " انكم إن ركنتم إلى الكفار والظالمين: وسكنتم اليهم مستكم النار في الآخرة ثم لا تنصرون في الدنيا على الكفار.

قوله تعالى: (وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين(114))

آية بلا خلاف.

قرأ أبوجعفر (زلفا) بضم اللام.

أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم وأمة نبيه باقامة الصلاة، واقامتها هو الاتيان بأعمال الصلاة على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل اقامة الصلاة هو عمل على استواء كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. وقيل هو الدوام على فعلها من قولهم: قائم اي دائم واقف.

[79]

وقوله " طرفي النهار " يريد بهما صلاة الفجر والمغرب - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد الجبائي - وقال الزجاج يعنى الغداة الظهر والعصر، وبه قال مجاهد، ومحمد بن كعب القرطي، والضحاك. ويحتمل أن يريد بذلك صلاة الفجر والعصر، لان طرف الشئ من الشئ وصلاة المغرب ليست من النهار.

وقوله " وزلفا من الليل " قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: يريد العشاء الآخرة وقال الزجاج يعني المغرب والعشاء الآخرة.

و (الزلفة) بمنزلة وجمعها زلف قال العجاج:

ناج طواه الاين مما وجفا *** طي الليالي زلفا فزلفا(1)

قال الزجاج: ويجوز زلفا بضم اللام، ونصبه على الظرف وهو واحد مثل الحلم، ويجوز أن يكون جمع زليف مثل قريب وقرب، ومنه اشتقاق المزدلفة لان ازدلاف الناس اليها منزلة من عرفات.

ومن قال: المراد ب‍ (طرفي النهار) الفجر والمغرب، قال ترك ذكر الظهر والعصر لاحد أمرين: احدهما ترك ذكرهما لظهورهما في انهما صلاة النهار، والتقدير أم الصلاة طرفي النهار مع الصلاة المعروفة من صلاة النهار. والآخر - انهما ذكرا على التبع للطرف الاخير، لانهما بعد الزوال، فهما أقرب اليه.

وقد قال الله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل "(2) ودلوكها زوالها.

___________________________________

(1) ديوانه: 84 ومجاز القرآن 1 / 300 وسيبويه 1: 180 واللسان (زلف، حقف، سما، وجف) والصحاح، والتاج (زلف) يصف الشاعر بعيره.

وبعده: * سماوة الهلال حتى احقوقفا * والاين التعب، والوجف السرعة في السير.

شبهه بالهلال. لعوجاجه، عند علوه وصعوده.

(2) سورة الاسرى آية 78.

[80]

وقوله " ان الحسنات يذهبن السيئات " قيل فيه وجهان: احدهما - تذهب به على وجه التكفير اذاكانت المعصية صغيرة. والآخر - ان المراد بالحسنات التوبة تذهب بالسيئة أي تسقط عقابها، لانه لاخلاف في ان سقوط العقاب عند التوبة. وقد قيل ان الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات فكأنها اذهبت بها.

وقوله " ذلك ذكرى للذاكرين " يعني ماذكره من قوله " ان الحسنات يذهبن السيئات فيه تذكار لمن تذكر به وفكر فيه.

قوله تعالى: (واصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين(115))

آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه وتكذيبهم اياه، والتجلد عليه، وعلى القيام بما افترض عليه من اداء الواجب، والامتناع من القبيح، وبين له انه يضيع ولايهمل أجر المحسنين على احسانهم بل يكافيهم عليه أتم الجزاء وأكمل الثواب، و (الصبر) حبس النفس عن الخروج إلى مالايجوز من ترك الحق، وضده الجزع قال الشاعر:

فان تصبرا فالصبر خير مغبة *** وان تجزعا فالامر ماتريان(1)

والصبر على الباطل مذموم، قال الله تعالى " وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم "(2) ويعين على الصبر شيئان:

___________________________________

(1) مرهذ البيت في 1: 202.

(2) سورة ص آية 6.

[81]

احدهما - العلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له. والثاني - استشعار مافي لزوم الحق من العز والاجر بطاعة الله والصبر مأخوذ من الصبر المر، لانه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى.

قوله تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين(116))

آية بلاخلاف.

معنى " فلولا كان " هلاكان، ولم لا، وألا كان، ومعناه النفي وتقديره لم يكن من القرون من قبلكم، فهو تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من كان قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود، وسائر القرون الذين مر ذكرهم في القرآن، وأخبر الله بهلاكها " أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض " أي كان يجب أن يكون منهم قوم باقون في الارض ينهون عن الفساد في الارض مع إنعام الله عليهم بكمال العقل والقدرة، وبعثة الرسل اليهم، واقامة الحجج.

وأولوا بقية هم الباقون، فعجب الله نبيه كيف لم يكن منهم بقية في الارض يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب والعقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له ثم استثنا بقوله " الا قليلا " والمعنى انهم هلكوا جميعا الا قليلا ممن انجى الله منهم، وهم الذين آمنوا مع الرسل، ونجوا معهم من العذاب الذي نزل بقومهم.

وقوله " واتبع الذين ظلموا مااترفوا فيه وكانوا مجرمين " معناه أنهم اتبعوا

[82]

التلذذ والتنعم بالاموال والنعم التي أعطاهم الله اياها، وقضوا الشهوات وذلك من الحرام. وبين انهم كانوا بذلك مجرمين عاصين الله تعالى.

وقال الفراء والزجاج: ان قوله " الا قليلا " استثناء منقطع، لانه ايجاب لما تقدم فيه صيغة النفي وإنما تقدم تهجين لمخرج السؤال، ولورفع لجاز في الكلام.

ومعنى " اترفوا فيه " اي عودوا الترفة بالتنعيم واللذة، وذلك ان الترفة عادة النعمة قال الشاعر:

يهدي رؤس المترفين الصداد *** إلى أمير المؤمنين الممتاد(1)

اي المسؤل، وأبطر بهم النعمة حتى طغوا وبغوا، وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر، لانه تعالى ذمهم بترك النهي عن الفساد، وانه نجا القليل بنهيهم عنه، فلو نهى الكثير كما نهى القليل لما اهلكوا، ومعنى " أولوا بقية " اصحاب جماعة تبقى من نسلهم، والبقية ممدوحة يقال في فلان بقية أي فيه فضل وخير، كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي.

قوله تعالى: (وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون(117))

آية بلاخلاف.

وأخبر الله تعالى انه لم يهلك أهل قرية فيما مضى، ممن ذكر إهلاكهم مع أن أهلها او اكثرهم يفعلون الصلاح، وانما اهلكهم اذا افسدوا كلهم او اكثرهم والاصلاح فعل الصلاح.

وقوله " بظلم " فيه ثلاثة أوجه: اولها بظلم صغير، فيكون منهم لانه يقع مكفرا بما معهم من الثواب الكثير.

___________________________________

(1) قائلة رؤبة وقد مر في 4 / 63 من هذا الكتاب؟ وهو تفسير الطبري 12 / 79 (الطبعة الاولى).

[83]

الثاني - بظلم كثير من قليل منهم، مع أن اكثرهم المصلحون، لان القليل لا يعتد به في جنب الكثير.

الثالث - ان المعنى بظلم منا، كما قال الله تعالى " إن الله لايظلم الناس شيئا "(1).

قوله تعالى: (ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين(118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين(119))

آيتان في الكوفي والبصري تمام الاولى عند قوله مختلفين وهي آية فيما سوى ذلك.

هذه الآية تتضمن الاخبار عن قدرته تعالى بأنه لو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة أي على دين واحد، كماقال " إنا وجدنا آباء‌نا على أمة "(2) وقال " ولو لا ان يكون الناس أمة واحدة "(3) أي على دين واحد بأن يلجئهم إلى الاسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو داموا على غير ذلك لمنعوا منه، لكن ذلك ينافي التكليف ويبطل الغرض بالتكليف لان الغرض به استحقاق الثواب.

وقوله " ولايزالون مختلفين " معناه في الاديان كاليهود والنصارى والمجوس وغير ذلك من اختلاف المذاهب الباطلة في قول مجاهد وقتادة وعطا والاعمش والحسن في رواية، وفي رواية أخرى عن الحسن أنهم يختلفون بالارزاق والاحوال ويتحيز بعضهم لبعض والاول أقوى.

___________________________________

(1) سورة يونس آية 44.

(2) سورة الزخرف آية 22، 23.

(3) سورة الزخرف آية 33.

[84]

والاختلاف هو اعتقاد كل واحد نقيض مايعتقده الآخر، وهو مالايمكن أن يجتمعا في الصحة وان امكن ان يجتمعا في الفساد، ألاترى أن اليهودية والنصرانية لايجوز أن يكونا صحيحين مع اتفاقهما في الفساد، ويجوز ان يكون في اختلاف اهل املل المخالفة للاسلام حق، لان باعتقاد اليهودي ان النصرانية باطلة واعتقاد النصراني ان اليهودية فاسدة حق.

وقوله " الا من رحم ربك " استثناء منقطع، ولذلك جعل رأس آية، ولوكان متصلا لم يجز ذلك، وانما كان استثناء منقطعا، لان الاول على انهم يختلفون بالباطل، وليس كذلك من رحم لاجتماعهم على الحق.

والمعنى " ولايزالون مختلفين " بالباطل " الا من رحم ربك " بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب، فان من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل.

وقوله " ولذلك خلقهم " قيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ان المراد وللرحمة خلقهم وليس لاحد ان يقول لو أراد ذلك لقال: ولتلك خلقهم لان الرحمة مؤنثة اللفظ وذلك ان تأنيث الرحمة ليس بتأنيث حقيقي، وماذلك حكمه جاز ان يعبر عنه بالتذكير، ولذلك قال الله تعالى " ان رحمة الله قريب من المحسنين "(1) ولم يقل قريبة على انه لايمتنع ان يكون المراد: ولان يرحم خلقهم، لان الرحمة تدل على ذلك، فعلى هذا يكون التذكير واقعا موقعه. الثاني - ان يكون اللام لام العاقبة، والتقدير أنه خلقهم وعلم أن عاقبتهم. تؤل إلى الاختلاف المذموم، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(2) وكما قلنا في قوله " ولقد ذرانا لجهنم "(3) وهو المروي عن ابن عباس والحسن وعطاء ومالك، وقد يكون اللام بمعنى (على) كقولك اكرمتك على

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية 56.

(2) سورة القصص آية 8.

(3) سورة الاعراف آية 179.

[85]

برك بي اي لبرك بي، فيكون التقدير، وعلى ذلك خلقهم، ولايجوز ان يكون اللام لام الغرض، ويرجع إلى الاختلاف المذموم، لان الله تعالى لايخلقهم ويريد منهم خلاف الحق، لانه صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. وايضا فلو أراد منهم ذلك الاختلاف، لكانوا مطيعين له، لان الطاعة هي موافقة الارادة والامر، ولوكانوا كذلك لم يستحقوا عقابا.

وقد قال تعالى " وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون "(1) فبين تعالى انه خلقهم وأراد منهم العبادة، فكيف يجوز مع ذلك ان يكون مريدا لخلاف ذلك، وهل هذا الا تناقض؟ ! يتعالى الله عن ذلك. على ان في اختلاف أهل الضلال مايريده الله، وهو اختلاف اليهود والنصارى في التثليث، واختلاف النصارى لليهود في تأبيد شرع موسى وقيل ان معنى الاختلاف ههنا هو مضي قوم ومجئ قوم آخرين، كماقال " هو الذي جعل الليل والنهار خلفة "(2) وهذا الاختلاف يجوز ان يريده الله.

وقال الحسن قوله " ولذلك خلقهم " مردود على قوله " وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون "(3) والمعنى خلقهم ليكون عدله فيهم، هذا، لا أن يهلكهم وهم مصلحون.

وقوله " ولوشاء ربك الجعل الناس امة واحدة " على الايمان، وهذه مشيئة القدرة " ولذلك خلقهم " ان تكون مشيئته وقدرته عليهم، ولا يزالون مختلفين " الا من رحم ربك ولذلك خلقهم " قال ليخالف اهل الحق اهل الباطل، وهو كقوله " لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لاريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير "(4)

___________________________________

(1) سورة الذاريات آية 56.

(2) سورة الفرقان آية 62.

(3) سورة هود آية 118.

(4) سورة الشورى آية 7.

[86]

ويقوي هذا التأويل قوله " وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وانا برئ مما تعملون "(1).

وقوله " قل ياايها الكافرون لااعبد ما تعبدون ولاانتم عابدون مااعبد "(2)، فيكون الله خلقهم ليخالفوا الكافرين والمبطلين.

وقال عمر عن الحسن: ان معنى " ولذلك خلقهم " ليكون أمر الكفار مختلفا بكفرهم وتكذيبهم.

وقال البلخي: أخبر أنهم لايزالون مختلفين إلا من رحم، فانهم غير مختلفين، هذا معنى الآية، والا فلا معنى لها.

ثم قال " ولذلك خلقهم " اي لان يكونوا أمة واحدة متفقين غير مختلفين.

وقوله " وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين "، معناه التحذير لكل احد ان يكون ممن تملا جهنم به، وتمامها وقوع مخبرها على ماتقدم بها، وهذا يمين أقسم الله به، وتقديره يمينا لا ملان، كماتقول: حلفي لاضربنك، وبدا لي لاضربنك.

وكل فعل كان تأويله كتأويل بلغني، أو قيل لي أو انتهى الي، فان (اللام) و (ان) يصلحان فيه، فتقول بدا لي لاضربنك، وبدا لي ان اضربك، فلو قيل وتمت كلمة ربك أن يملا جهنم من الجنة والناس كان صوابا.

قوله تعالى: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاء‌ك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين(120))

آية بلا خلاف.

قوله " وكلا " نصب على المصدر، وتقديره، كل القصص نقص عليك.

وقال قوم: نصب على الحال، فقدم الحال قبل العامل، كما تقول: كلا ضربت، ويجوز ان يكون نصبا على انه مفعول به، وتقديره: وكل الذي تحتاج اليه نقص عليك،

___________________________________

(1) سورة يونس آية 41.

(2) سورة الكافرون آية 1 - 2.

[87]

ويكون " مانثبت به فؤادك " بدلا منه - في قول الزجاج - والقصص الخبر عن الامور بما يتلو بغضه بغضا، مأخوذا من قصه يقصه اذا اتبع أثره، ومنه قوله " قالت لاخته قصيه "(1) أي اتبعي اثره.

والانباء جمع نبأ، وهو الخبر بما فيه عظم الشأن، وكذلك يقولون لهذا الامر نبأ، والتثبيت تمكين اقامة الشئ ثبته تثبيتا اذا مكنه، ومعنى " مانثبت به فؤادك " يحتمل ان يكون ذلك بتسكينه، ويحتمل ايضا ان يكون بالدلالة على وجوده.

والفؤاد القلب مأخوذ من المفتاد، وهو المشوي قال النابغة:

كان خارجا من حيث صفحته *** سفود شرب نسوه عند مفتأد(2)

ومعنى " وجاء‌ك في هذه الحق " قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: يعني في هذه السورة.

وقال الجبائي يعني جاء‌ك في هذه الانباء.

وقال الزجاج: يعني في هذه الازمان.

وقال قتادة: معناه في هذه الدنيا.

والاول أصح، والتقدير وجاء‌ك في هذه السورة الحق مع ما جاء‌ك في سائر السور.

ومعنى (الاية) الاعتبار بقصص الرسل لما فيه من حسن صبرهم على أمتهم واجتهادهم في دعائهم إلى عبادة الله مع الحق الذي من عمل عليه نجا، ومع الوعظ الذي يلين القلب لسلوك طريق الحق، ومع تذكر الخير والشر، ومايدعو اليه كل واحد منهما في عاقبة النفع أو الضرر.

وقوله " وموعظة " يعني جاء‌ك موعظة تعظ الجاهلين بالله.

وقوله (وذكرى للمؤمنين " معناه تذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يفعلوا غير الواجب.

___________________________________

(1) سورة القصص آية 11.

(2) اللسان (فأد) ومجمع البيان 3 / 203

[88]

قوله تعالى: (وقل للذين لايؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون(121) وانتظروا إنا منتظرون(122))

آيتان في الكوفي والبصري، وإحدى المدينين تمام الاولى انا عاملون، وآية فيما سوى ذلك.

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول للكفار الذين لايصدقون بتوحيد الله ولايعترفون بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم " اعملوا على مكانتكم " والمكانة الطريقة التي يتمكن من العمل عليها، ويقال: له مكانة عند السلطان - أي جاه، وقدر وهذا خرج مخرج التهديد، وهو مثل قوله " اعملوا ماشئتم "(1).

وقوله " إنا عاملون " معناه إنا عاملون على الايمان الذي أمرنا الله به ودعانا اليه.

وقوله " وانتظروا " أي توقعوا، وقد فرق بينهما بأن التوقع طلب مايقدر أنه يقع، لانه من الوقوع. والانتظار طلب ما يقدر النظر اليه، لانه من النظر.

والفرق بين الانتظار والترجي، أن الترجي للخير خاصة، والانتظار في الخير والشر.

ولو دخلت الفاء في قوله " إنا " لافاد أن الثاني لاجل الاول وحيث لم تدخل لم تفد ذلك.

ومتعلق الانتظار يحتمل أمرين: احدهما - انتظروا مايعدكم الشيطان من الغرور، فانا منتظرون مايعدنا ربنا من النصر والعلو، في قول ابن جريج. الثاني - انتظروا مايعدكم ربكم على الكفر من العذاب، فانا منتظرون ما يعدنا على الايمان من الثواب.

___________________________________

(1) سورة حم السجدة آية 40.

[89]

قوله تعالى: (ولله غيب السموات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وماربك بغافل عما تعملون(123))

آية بلاخلاف.

قرأ نافع وحفص يرجع - بضم الياء وفتح الجيم - وقرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، ويعقوب (يعملون) بالياء - ههنا، وفي النمل. الباقون بالتاء.

من ضم الياء فلقوله " ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق "(1)، والمعنى رد أمرهم إلى الله.

ومن فتح الياء فلقوله " والامر يومئذ لله "(2)، والمعنيان متقاربان.

ومن قرأ بالتاء في " تعملون " جعل الخطاب للنبي ولامته، وهو أعم فائده ومن قرأ بالياء في " يعملون " جعل ذلك متوجها إلى من تقدم ذكره من الكفار، وفيه ضرب من التهديد.

أخبر الله تعالى في هذه الآية بأن له غيب السموات والارض، وخص الغيب بذلك لاحد امرين: احدهما - لان ذلك يدل على ان له شهادة ايضا. الثاني - لعظم شأن الغيب الذي له.

___________________________________

(1) سورة الانعام اية 62، وفي سورة يونس آية 30 " ورودوا إلى الله ".

(2) سورة الانفطار آية 19.

[90]

ومن كان له الغيب كان له الشهادة، والغيب كون الشئ بحيث لايلحقه الحس، ومنه " عالم الغيب والشهادة "(1). أي عالم الموجود والمعدوم، ومايغيب عن احساس الناس ومايظهر لها، ومعنى " واليه يرجع الامر كله " أي يذهب إلى حيث ابتدأ منه، فرجوع الامر إلى الله بالاعادة بعد النشأة الاولى. وقيل ترجع الامور إلى ان لايملكها سواه تعالى - في قول أبي علي الجبائي.

وقوله " فاعبده " أي وجه عبادتك اليه وحده " وماربك بغافل عما تعملون " فالغفلة السهو، الا ان الغفلة يغلب عليها ان تكون بعد اليقظة، كالنوم بعد الانتباه، والسهو نقيض الذكر من غير علة في الصفة. والمعنى انه ليس ربك يامحمد صلى الله عليه وسلم بساه عن اعمال عباده، بل هو عالم بها ومجاز كلا على مايستحقه من ثواب أو عقاب، فلايحزنك إعراضهم عنك، وترك قبولهم منك.

وقال كعب الاحبار خاتمه التوراة خاتمه هود.

___________________________________

(1) سورة التوبة آية 95، 106 وسورة المؤمنون آية 93، وسورة الزمر آية 46، وسورة الجمعة آية 8.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 10096914

  • التاريخ : 26/07/2021 - 04:09

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net