00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة الاعراف من ( آية 158 ـ 183) 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( الجزء الخامس)   ||   تأليف : شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

التبيان في تفسير القرآن

تأليف

شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي

385 - 460 ه‍.

تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي

المجلد الخامس

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله الذى وفقنا لطاعته والعمل على فهم كتابه واحكامه. وإنى اشكره إستتماما لنعمته ورضاء بتدبيره وإعترافا بربوبيته واعتقادا بحكمته. وصلى الله على محمد رسوله الامين وعلى آله الميامين الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

وبعد فاني اقدم لاخواني المؤمنين العاملين بأحكام القرآن هذا المجلد الخامس من تفسير التبيان. وقد لاقيت من العناء في اخراجه الشئ الكثير. ولما نفد هذا الجزء ورأينا الطلب باقيا توكلنا على الله واعدناه طبعة ثانية منقحة والله الملهم للصواب.

أحمد حبيب قصير

الآية: 158 - 169

قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لاإله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون(158))

آية.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب الخلق، ويقول لهم إني رسول الله أرسلني اليكم يعني إلى الناس أجمع " الذي له ملك السماوات والارض " يعني ارسلنى اليكم الذي له التصرف في السماوات والارض من غير دافع، ولامنازع " لا إله اي لا معبود " إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله " أمر من النبي صلى الله عليه وآله للخلق بأن يصدقوا بتوحيد الله ويقروا بنبوة النبي " الامي الذي يؤمن " يعني يصدق بالله وكلماته، وأمرهم بأن يتبعوه ويرجعوا إلى طاعته لكي يهتدوا إلى الثواب والجنة.

و " جميعا " نصب على الحال من ضمير المخاطب الذي عمل حرف الاضافة فيه والعامل في الحال معنى الفعل في " رسوله " الا أنه لايتقدم على حرف الاضافة، لانه قد صار بمنزلة العامل. وإنما وصفه بأنه يحيي ويميت لانه لايقدر على الاحياء إلا الله، ولاعلى الاماتة أيضا سواه لانه لو قدر أحد على الاماتة لقدر على الاحياء، لان من شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على ضده، وانما استعمل بمعنى لتهتدوا على الرجاء والطمع في الفوز به من العذاب.

قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون(159))

آية.

[6]

أخبر الله تعالى أن من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون.

قال ابن عباس والسدي: قوم وراء الصين.

وقال ابوجعفر عليه السلام: هم قوم خلف الرمل لم يغيروا ولم يبدلوا.

وأنكر الجبائي قول ابن عباس، وقال شرع موسى عليه السلام، منسوخ بشرع عيسى عليه السلام وشرع محمد صلى الله عليه واله فلو كانوا باقين لكفروا بنبوة محمد. وهذا ليس بشئ، لانه لا يمتنع ان يكون قوم لم تبلغهم الدعوة من النبي صلى الله عليه واله فلا نحكم بكفرهم.

وقال الجبائي يحتمل ذلك وجهين: احدهما - انهم كانوا قوما متمسكين بالحق في وقت ضلالتهم(1) بقتل أنبيائهم. والاخر - انهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه واله مثل ابن سلام وابن صوريا وغيرهما.

وتقدير الكلام في معنى الاية إذا: كان من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، قد مدحوا بذلك وعظموا، فعلى كل أمة أن يكونوا كهذه الامة الكريمة في هذا المعنى. والامة الجماعة التي تؤم أمرا بأن تقصده وتطلبه وأمة محمد صلى الله عليه واله تؤم شريعته وأمة موسى وعيسى مثل ذلك. وليس في الاية ما يدل على ان في كل عصر أمة هادية من قوم موسى لان بعد نبوة نبينا صلى الله عليه واله لم يبق احد يجب اتباعه في شرع موسى عليه السلام وكذلك قوله تعالى " وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون "(2) ولا دلالة في ذلك على ان تلك الامة موجودة في كل عصر، بل لو لم توجد هذه الامة الا في وقت واحد هادية بالحق عادلة به لصح معنى الاية على ان عندنا في كل عصر لا يخلون من قوم بهذا الوصف وهم حجج الله على خلقه، المعصومين الذين لا يجوز عليهم الخطأ والزلل، فقد قلنا بموجب الاية.

___________________________________

(1) أي وقت ضلالة قومهم.

(2) سورة 7 الاعراف آية.

[7]

وصريح الاية يدل على بطلان قول من قال لا يهدي إلى الحق الا الله تعالى، لان الله تعالى بين ان فيمن خلقه امة يهدون بالحق وبه يعدلون، وظاهر ذلك الحقيقة وصريح الاية بخلاف ما يقوله المخالف، ولا ينافي ذلك قوله تعالى " من يهد الله فهو المهتدي "(1) لانه يصح اجتماعه مع ذلك، والمعنى من يهده الله إلى الجنة فهو المهتدي اليها على ان قوله تعالى " من يهد الله فهو المهتدي، لا يمنع من ان يهديه ايضا غير الله ويهتدي، لان المتعلق بذلك تعلق بدليل الخطاب. وهو ليس بصحيح عند اكثر العلماء، على ان من هدى غيره إلى الحق فانما يهديه بأن ينبهه على الحجج التي نصبها الله على الحق فجاز ان يضاف ذلك إلى انه بهداية الله.

ومن حمل قوله تعالى " يهدون " على ان المعنى يهتدون فقد غلط، لان ذلك لايعرف في اللغة.

قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقيه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(160))

آية.

قد مضى تأويل معنى اكثر هذه الاية في سورة البقرة(2) فلا معنى للتطويل بذكر ما مضى وانما نذكر مالم يذكر هناك: انما انث قوله اثنتي عشرة اسباطا لان النية التقديم والتأخير والتقدير وقطعناهم امما اثنتي عشرة اسباطا ولم

___________________________________

(1) سورة الاعراف آية 177.

(2) آية 60 من سورة البقرة المجلد 1 / 269

[8]

يقل سبطا لاحد ثلاثة اشياء: احدها - انه بدل ليس بتمييز والمعنى قطعناهم اسباطا ذكر ذلك الزجاج.

الثاني - على ان كل قسم اسباط لان الواحد يقال له سبط، فيجوز على هذا عندي عشرون دراهم على ان كل قسم منها دراهم قال كثير:

علي والثلاثة من بنيه *** هم الاسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط ايمان وبر *** وسبط غيبته كربلا(1)

الثالث - ان يكون اقام الصفة مقام الموصوف. وتقديره اثنتي عشرة فرقة اسباطا.

والسبط: الجماعة التي تجري في الامر بسهولة لاتفاقهم في الكلمة على انه مأخوذ من السبوط.

وقيل انه مأخوذ من السبط ضرب من الشجر، فجعل الاب الذي يجمعهم كالشجرة التي تتفرع عنها الاغصان الكثيرة.

وقال ابوعلي لانهم كانوا بني اثني عشر رجلا من ولد يعقوب وقيل انما فرقوا اسباطا لاختلاف رتبتهم.

والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، فكان يبتدئ بقلة ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة، فلذلك ذكره ههنا بالانبجاس وفي البقرة بالانفجار.

والظلة السترة التي تقي من الشمس، والاغلب عليها العلو. فجعل الله عزوجل لهم من الغمام ظلة تكنهم لما احتاجوا إلى ذلك في التيه كما اعطاهم المن والسلوى.

والمن ضرب من الحلاوة يسقط على الشجر. والسلوى طائر كالسماني. وانما انث " اثنتا عشرة اسباطا " مع ان السبط ذكر، لاحد ثلاثة اشياء: احدها - اثنتي عشرة فرقة ثم حذف.

الثاني - وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة، فحذف على هذا التقدير.

الثالث - أن السبط لما وقع على الامة أنث.

كما قال الشاعر:

___________________________________

(1) الاغاني 9 / 14

[9]

وان كلابا هذه عشر أبطن *** وانت برئ من قبائلها العشر

وقوله تعالى " وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون " معناه: ما أنقصونا شيئا ولكن انقصوا أنفسهم تقول العرب: ظلمت سقاك إذا سقيته قبل ان يخرج زبده، ويقال: ظلم الوادي إذا بلغ الماء منه موضعا لم يكن ناله فيما مضى، قال الفراء وانشدني بعضهم:

يكاد يطلع ظلما ثم يمنعه *** عن الشواهق فالوادي به شرق

ويقال هو أظلم من حية.

لانها تأتي حجر الم تحفره فتسكنه ويقال ما ظلمك ان تفعل كذا أي ما منعك. والارض المظلومة التي لم ينلها المطر.

قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين(161))

آية بلا خلاف.

قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب (يغفر) بالياء وضمها، وفتح الفاء الباقون بالنون وكسر الفاء، وقرأ اهل المدينة ويعقوب (خطيئاتكم) على جمع السلامة ورفع التاء، وقرأ ابن عامر على التوحيد ورفع التاء، وقرأ ابوعمرو (خطاياكم) بغير همز على جمع التكسير، الباقون وهم ابن كثير واهل الكوفة (خطيآتكم) على جمع السلامة وكسر التاء.

من قرأ " يغفر " حمله على قوله تعالى " وإذ قيل لهم " ادخلوا.. يغفر، والتي في البقرة (نغفر) بالنون، فالنون هناك احسن لقوله " وإذ قلنا " وجاز ههنا بالنون كأنه قيل لهم ادخلوا.. نغفر. أي إن دخلتم غفرنا.

ومن قرأ تغفر بالتاء المضمومة فلانه اسند اليها خطيئاتكم وهو مؤنث فأنث

[10]

وبنى الفعل للمفعول اشبه بما قبله، لان قبله واذ قيل.

ومن قرأ بالنون فلقوله " سنزيد المحسنين " وخطايا جمع خطيئة جمع تكسير (وخطياتكم) مسكنا لانه يكثر فيه السكون وسميت القرية قرية لان الماء يقري اليها يقال قريت الماء في الحوض أقريه قريا إذا حمعته. ويجوز ان يكون مشتقا من اجتماع الناس اليها.

وقد مضى تفسير مثل هذه الاية في سورة البقرة(1) فلا معنى لاعادته.

وإنما نذكر جمل ذلك فنقول: هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يقول اذكر يا محمد اذ قيل لبني اسرائيل اسكنوا هذه القرية وهي بيت المقدس على قول الجبائي وغيره من المفسرين وقال الحسين هي ارض الشام. وقال قوم غير ذلك.

وقد ذكرنا اختلافهم في سورة البقرة(2) لانه كان امرهم بدخولها واخراج من فيها من الكفار وغيرهم ووعدهم ان يوسع عليهم فيها الزرق ويبيحهم ذلك ليأكلوا من حيث شاؤا ما يريدون من انواع الاغذية والرزق.

وقال لهم: " كلوا من حيث شئتم " على كثرة الرزق والغذاء في هذه القرية وفي كل ناحية منها.

وقوله تعالى: " وادخلوا الباب سجدا " يعني متواضعين وكانوا امروا بأن يدخلوا بابا منه معينا في هذا الموضع كانوا فيه - في قول الجبائي - وقال ذلك قبل دخلوهم إلى بيت المقدس، قال ولم يد ان يدخلوا الباب سجدا منحنين.

قال ابن عباس كان هناك باب ضيق امروا بان يدخلوه ركعا فدخلوه على استاههم. وقيل لهم " قولوا حطة " أي مغفرة، فقالوا حنطة. وذكرنا اختلاف الناس في ذلك.

وقوله " وقولوا حطة " معناه قولوا حط عنا ذنوبنا وهو بمنزلة الاستغفار والتوبة.

وقوله " نغفر لكم خطاياكم " جواب الامر وفيه معنى الجزاء. والتقدير انكم ان فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم.

___________________________________

(1، 2) آية 58 المجلد 1 / 263

[11]

وقوله (سنزيد المحسنين) معناه سنزيد المحسنين منكم نعما وفضلا في الدنيا والاخرة، ولا نقتصر لهم على نعم هذه القرية.

ورفع حطة على تقدير مسألتنا حطة ومطلوبنا حطة.

وان نصب جاز بمعنى حط عنا حطة.

وقوله سجدا نصب على الحال من دخول الباب.

وقال ابوعلي ليس بحال لدخول الباب، لانهم بدلوا في حياة موسى.

قوله تعالى: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون(162)

آية

اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين امرهم بدخول القرية متواضعين، وان يقولوا حطة لذنوبنا، انهم بدلوا قولا غير الذي قيل لهم. والتبديل تغيير الشئ برفعه إلى بدل، فقال الحسن قالوا حنطة بدل حطة.

وقال قوم: قالوا قولا ينافي الاستغفار ويخالف التوبة.

وقالوا ما يدل على الاصرار.

واخبر تعالى انه ارسل عليهم عند ذلك رجزا وهو العذاب والعقوبة جزاء بما كانوا يفعلونه من معاصي الله تعالى ويظلمون بها انفسهم.

واصل الرجز الميل عن الحق فمنه الرجازة وما يعدل به الحمل اذا مال عن خفة والرجز عبادة الوثن.

والناقة الرجزاء التي تميل في احد شقيها لداء يعرض لها في عجزها.

قوله تعالى: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لاتأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون(163)

آية.

[12]

القراء كلهم على فتح الياء في قوله تعالى (لا يسبتون) وروي عن الحسن ضمها.

من قال أسبتوا اراد دخلوا في السبت ومن فتح الياء اراد يفعلون السبت اي يقومون بأمره كما يفعل المسلون يوم الجمعة، ومثله أجمعنا اي مرت بناجمعة، وجمعنا شهدنا الجمعة.

قال الفراء: قال لي بعض العرب: أترانا اشهرنا منذ لم نلتق يريد مر بنا شهرا.

امر الله نبيه صلى الله عليه واله أن يسأل بني اسرائيل الذين كانوا في وقته عن القرية التي كانت حاضرة البحر، وعن سبب هلاكها، سؤال تقرير وتوبيخ لاسؤال استفهام، كما يقول الرجل لغيره أنا فعلت كذا؟ وانت تعلم أنك لم تفعل، وانما تسأله لتقريره وتوبيخه، فوجه امر النبي صلى الله عليه واله ان يسأل اهل الكتاب عن اهل هذه القرية مع ما اخبره الله تعالى بقصتها لتقرير هم تقديم كفرهم وتعلمهم ما لا يعلم الا بكتاب اووحى، وهو صلى الله عليه واله لم يكن ممن قرأ الكتب، فعلموا بذلك ان ذلك وحي انزل عليه.

وقوله تعالى (اذ يعدون في السبت) معناه اذ يظلمون في السبت، يقال عدا فلان يعدو عدوانا، وعدا عدوا اذا ظلم.

وقوله تعالى (اذ تأتيهم حيتانهم) في موضع نصب بيعدون.

والمعنى سلهم اذ عدوا في وقت اتيان الحيتان " شرعا " اي ظاهرة والحيتان جمع حوت واكثر ما يسمي العرب السمك بالحيتان والنيتان، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بحبسها يوم السبت ثم يأخذونها في يوم الاحد.

وقال قوم: جاهروا بأخذها يوم السبت.

وقوله تعالى (كذلك نبلوهم) اي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم.

وموضع الكاف نصب بقوله: (نبلوهم بما كانوا يفسقون) اي شددت عليهم المحنة بفسقهم.

قال الزجاج ويحتمل ان يكون " ويوم يسبتون لا تأتيهم كذلك " اي لاتأتيهم شرعا ويكون " نبلوهم " مستأنفا. والاول قول اكثر المفسرين. والوجه في تشديد المحنة التي هي التكليف أن الله تعالى أمر بني اسرائيل

[13]

بامساك السبت والنفرغ فيه للعبادة وأن لايتشاغلوا بشئ من أمر الدنيا فيه فتهاون قم ممن كان يسكن هذه القرية وهي (ايلة) في قول قوم من المفسرين. وقال قوم هي مدين.

ورويا جميعا عن ابن عباس، ولم يقوموا بما وجب عليهم فشدد الله على من اخذوه.

قال الحسن: كانت تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض فيعدون فيأخذونها وتبعد عنهم في باقي الايام وامرهم ان لايصطادوا يوم السبت فكان ذلك تشديدا للتكليف وتغليظا للمحنة والبلوى، وكان ذلك عقوبة على تهاونهم بما أوجب الله عليهم فخالفوا فأرسلوا الشباك يوم السبت واخرجوها يوم الاحد.

قوله تعالى: وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون(164)

آية بلا خلاف.

قرأ حفص وحده عن عاصم " معذرة " بالنصب. الباقون بالرفع.

من رفع فعلى تقدير موعظتنا معذرة إلى ربكم.

ومن نصب فعلى المصدر، كما يقول القائل لغيره: معذرة إلى الله واليك من كذا على النصب.

والمعنى قالوا نعتذر معذرة واعذارا.

قال ابوزيد عذرته اعذره عذرا ومعذرة وعذرى. والتقدير واذكر اذ قالت امة منهم لطائفة منهم لم تعظون قوما علمتم انهم هالكون في الدنيا ويعذبهم الله عذابا شديدا في الاخرة، فقالوا في جوابهم وعظناهم إعذارا إلى الله اي نعظهم اعتذارا إلى ربكم لئلا يقول لنا لم لم تعظوهم ولعلهم ايضا بالوعظ يتقون ويرجعون. وفي ذلك دليل على انه يجب النهي عن القبيح وإن علم الناهي ان المنهي لا ينزجر ولا يقبل، وان ذلك هو الحكمة والصواب الذي لا يجوز غيره.

[14]

واختلفوا في هذه الفرقة التي قالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ هل كانت من الناجية او من الهالكة عن الاعتداء في السبت.

ذهب اليه ابن عباس وقال نجت الطائفتان من الهلاك الناهية والتي قالت لها لم تعظون، وبه قال السدي وقال قوم الفرقة التي قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم كانت من الفرقة الهالكة ذهب اليه ابن عباس في رواية اخرى عنه.

وقال قتادة عن ابن عباس هم ثلاث فرق التي وعظت والموعظة، فنجت الاولى وهلكت الثانية، والله اعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا لم تعظون واختاره الجبائي.

وقال الكلبى: هما فرقتان الواعظة والمواعظة.

وقال الجبائي لم يريدوا بذلك الانهيهم اياهم عن ذلك القبيح.

وانما قالوا ذلك على سبيل الاياس من قبولهم منهم.

وقوله " لم " اصله (لما) الا انه حذف الالف مع حرف الجر نحو " عم يتساء‌لون " ولم يقولوا (عن ما).

قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون(165)

آية

قرأ أبوبكر إلا العليمي " بيئس " بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها همزة مفتوحة على وزن (فيعل) وروي عنه بكسر الهمزة.

وقرأ اهل المدينة والداحوني عن هشام بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة من غير همز.

وقرأ مثل ذلك ابن عامر الا الداحونى عن هشام إلا أنه همز.

والباقون بفتح الباء وبعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (فعيل).

وروى خارجة عن نافع بفتح الباء بعدها ياء بلا همز على وزن (فعل).

[15]

قال ابوزيد: قد بؤس الرجل يبؤس بأسا إذا كان شديد البأس، وفي البؤس بئس وبيس يبأس بؤسا وبيئسا وباسا والبأساء الاسم.

قال أبوعلي: من قرأ على وزن (فعيل) يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس إذا كان شديد البأس مثل " من عذاب شديد "(1) قال ابومحمد الفقعسي:

أشعث غير حسن اللبوس *** باق على عيش له بئيس

أي شديد.

والثاني - أن يكون من عذاب ذي بئيس. فوضعه بالمصدر، والمصدر قد يجئ على (فعيل) مثل نكير ونذير وشحيح وعذير الحي، والتقدير من عذاب ذي بئيس أي عذاب ذي بؤس.

ومن قرأ بكسر الباء من غير همز فانه جعلها اسما، فوصفه به مثل قوله صلى الله عليه واله (إن الله نهى عن قيل وقال) ومثله: منذ شب إلى رب. ونظيره من الصفة نقض وبصق.

ومن فتح الباء من غير همز فهو أيضا (فعل) في الاصل وصف به وابدلت الهمزة ياء وحكى سيبوية أنه سمع بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة ويدع الحرف على الاصل الذي هو (فعل) كأنه يسكن العين كما يسكن من (علم) ويقلب الهمزة ياء الا أنه لما أسكنها لم يجز أن يجعلها بين بين فأخلصها ياء.

وقراء‌ة ابن عامر مثل قراء‌ة نافع إلا أن ابن عامر حقق الهمزة.

وقراء‌ة ابي بكر على وزن " فيعل " فانه جعله وصفا كضيغم وحيدر، وهذا البناء كثير في الصفة ولا يجوز كسر العين من بيئس لان " فيعل " بناء اختص به ما كان عينه ياء أو واوا مثل سيد وطيب، ولم يجئ مثل ضيغم وجاء في المعتل حكى سيبويه عين وانشد لرؤبة.

___________________________________

(1) سورة 14 ابراهيم آية 2

[16]

ما بال عيني كالشعيب العين(1) فينبغي ان يحمل بيئس على الوهم عمن رواه عن عاصم والاعمش بالكسر وقد أنشد بعضهم:

كلاهما كان رئيسا بيئسا *** يضرب في يوم الهياج القونسا(2)

أعلى كل شئ قونسه بكسر العين.

فمن كسر العين حمله على هذه اللغة.

أخبر الله تعالى أنه لما ترك أهل هذه القرية الرجوع عن ارتكاب المعصية بصيد السمك يوم السبت بعد أن ذكرهم الواعظون ذلك ولم ينتهوا عن ذلك أنه انجى الناهين عن ذلك وأخذ الذين ظلموا انفسهم بعذاب شديد جزاء بما كانوا يفسقون ويخرجون عن طاعة الله إلى معصيته.

وروي عن عطا أن رجلا دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكى وقد أتى على هذه الاية إلى آخرها، فقال ابن عباس قد علمت ان الله اهلك الذين أخذوا الحيتان وانجى الذين نهوهم، ولاادري ما صنع بالذين لم ينهوهم ولم يواقعوا المعصية وهي حالنا.

و " نسوا " في الاية معناه تركوا ويحتمل ان يكون تركهم القبول في منزلة من نسئ، ولايجوز أن يكون المراد النسيان الذي هو السهو، لانه ليس من فعلهم فلا يذمون عليه.

وقال الجبائي العذاب الشديد لحقهم قبل ان يمسخوا قردة خاسئين.

قوله تعالى: فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين(166)

آية

___________________________________

(1) وقيل قائله الطرماح. اللسان (عين).

(2) قائله امرئ القيس بن عابس الكندي. تفسير ابن حيان 4 / 143 وتفسير الطبري 13 / 200

[17]

اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت، ونهوا فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد، فلما عتوا عما نهى الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين.

والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة.

والعتو الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب.

وقوله " خاسئين " معناه مبعدين من قولهم خسأت الكلب إذا أقصيته فخسأ أي بعد.

وقال الحسن معناه صاغرين، وقال: إن أهل المسخ يتناسلون.

وقال ابن عباس: لايتناسلون، وأجاز الزجاج كلا الامرين.

وسئل ابومالك: أكانت القردة والخنازير قبل ان يمسخوا؟ قال: نعم وكانوا فيما خلق الله من الامم.

وقول ابن عباس أصح، لان المعلوم أن القردة ليست من ولد آدم كما أن الكلاب ليست من ولد آدم.

قال قتادة: صاروا قردة لها أذناب تعاوي بعد ما كانوا نساء ورجالا.

وقوله تعالى: " كونوا قردة " صيغته صيغة الامر والمراد به الاخبار: من أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب كما قال تعالى: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون "(1).

وقال " ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين "(2) ولم يكن هناك أمر لانه تعالى لا يأمر المعدوم، وإنما هو إخبار عن تسهيل الفعل، وأجاز الزجاج أن يكون قيل لهم ذلك بكلام سمعوه فيكون ذلك أبلغ في الاية النازلة بهم لما يدل على وقوع الاول الذي تبعه الثاني.

وليس كذلك إذا قلت: لما جاء المطر خرج النباب، وقوله تعالى " ولو ردوا لعادوا " فلا يقع الرد أصلا.

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 40.

(2) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 11

[18]

قوله تعالى: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم(167)

آية بلا خلاف.

التقدير اذكر يا محمد " إن تأذن ربك " ومعنى تأذن: أعلم، والعرب تقول تعلم ان هذا كذا بمعنى إعلم، قال زهير:

تعلم أن شر الناس حي *** ينادي في شعارهم يسار(1)

ويسار اسم عبد.

وقال زهير ايضا:

فقلت تعلم ان للصيد غرة *** والا تضيعه فانك قاتله(2)

وقال الزجاج معنى (تأذن) تألا ربك ليبعثن.

وقال قوم: معناه امر من اذن يأذن.

وقوله: " ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب " قسم من الله تعالى انه يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب اي من يوليهم سوء العذاب.

قال ابوجعفر عليه السلام وابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: اراد به امة محمد صلى الله عليه اله يأخذون منهم الجزية.

فان قيل فقد جعلوا قردة كيف يبقون ال يوم القيامة؟ قلنا: إن الذكر لليهود فمنهم من مسخ فجعل منهم القردة والخنازير ومن بقى قمع بذل من الله، فهم اذلاء بالقتل او اذلاء باعطاء الجزية، فهم في كل مكان اذل اهله لقوله تعالى " ضربت عليهم الذلة اينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "(3) اى إلا ان يعطوا الذمة والعهد.

وفي الاية دليل على ان اليهود لايكون لهم دولة إلى يوم القيامة ولا عزلهم ايضا وقيل في معنى البعث ههنا قولان: احدهما - الامر والاطلاق.

___________________________________

(1) الاغاني - دار الثقافة بيروت - 10: 317 الشعار علامة ينصبونها في سفرهم.

(2) تفسير القرطي 7: 309. وروايته . (تضيعها) بدل . (تضيعه).

(3) سورة 3 آل عمران آية 112

[19]

والاخر - التخلية، وإن وقع على وجه المعصية، كما قال تعالى: " أنا ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا "(1).

وقوله تعالى: " إن ربك لشديد العقاب " معناه إن ربك يا محمد لسريع العقاب لمن يستوجبه على كفره ومعصيته " وانه لغفور رحيم " اي صفوح عن ذنوب من تاب إليه من معاصيه ورجع إلى طاعته يستر عليهم بعفوه وبفضله رحمة بهم فلا ينبغي لاحد ان يصر ويأمن عقابه بل ينبغي ان يجوز سرعة عقابه فيبادر إلى التوبة والاستغفار.

قوله تعالى: وقطعناهم في الارض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون(168)

آية

اخبر الله تعالى انه قطع بني اسرائيل يعنى فرقهم فرقا في الارض " امما " يعني جماعات شتى متفرقين في البلاد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعلى اي وجه فرقهم؟ قيل فيه قولان: احدهما - فرقهم حتى تشتت امرهم وذهب عزهم عقوبة لهم. الثاني - فرقهم على ما علم انه اصلح لهم في دينهم.

ثم اخبر عنهم فقال: من هؤلاء الصالحون يعني من بني اسرائيل الصالحون، وهم الذين يؤمنون بالله ورسله، ومنهم دون ذلك يعني دون الصالح، وإنما وصفهم بذلك لما كانوا عليه قبل ارتدادهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل ان يبعث فيهم عيسى عليه السلام.

وقوله: " وبلوناهم بالحسنا والسيئات " معناه اختبرناهم بالرخاء في العيش

___________________________________

(1) سورة 19 مريم آية 84

[20]

والحفض في الدنيا والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات.

ويعني بالسيئات الشدائد في الحبس والمصائب في الانفس والاموال " لعلهم يرجعون " اي لكي يرجعوا إلى طاعته وينيبوا إلى إمتثال امره.

فان قيل كيف قال: لكي يرجعوا إلى الحق. وهم لم يكونوا عليه قط؟ ! قلنا عنه جوابان: احدهما - انهم مارون على وجوههم إلى جهة الباطل فدعوا إلى الرجوع إلى جهة الحق لان الانصراف عن الباطل رجوع إلى الحق. الثاني - انهم ولدوا على الفطرة وهي دين الحق الذي يلزمهم الرجوع اليه.

قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ياخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن ياتهم عرض مثله ياخذوه الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون(169)

آية بلا خلاف.

معنى الاية ان الله اخبر انه خلف - بعد القوم الذين كانوا فرقهم في الارض - خلف، وهم قوم نشؤوا بعدهم من اولادهم ونسلهم، يقال للقرن الذي يجئ في اثر قرن خلف، والخلف ما اخلف عليك بدلا مما اخذ منك. ويقال في هذا خلف ايضا. فأما ما اخلف عليك بدلا مما ذهب منك، فهو - بفتح اللام - افصح.

قال الفراء: يقال: اعطاك خلفا مما ذهب لك، فأنت خلف صدق وخلف سوء، قال الله تعالى " فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة "(1) واكثر ما يجئ في المدح

___________________________________

(1) سورة 19 مريم آية 59

[21]

بفتح اللام - وفي الذم بتسكينها - وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح، فمن ذلك في تسكين اللام في المدح قول حسان بن ثابت:

لنا القدم الاولى اليك وخلفنا *** لاولنا في طاعة الله تابع(1)

ويقال: خلف اللبن إذا حمض من طول تركه من السقاء حتى يفسد، فالرجل الفاسق مشبه به، ومنه خلوف فم الصائم وهو تغيره.

وأما بتسكين اللام في الذم فقول لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الاجرب(2)

وقيل ان الخلف الذين ذكرهم الله في هذه الاية أنهم خلفوا من قبلهم هم النصارى - ذهب اليه مجاهد - وهذا الذي قاله جائز، وجائز أيضا أن يكون المراد به قوم خلفوهم من اليهود.

وقوله تعالى " ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى " قال قوم. كانوا يرتشون على الاحكام، ويحكمون بجور.

وقال آخرون: كانوا يرتشون ويحكون بحق، وكل ذلك عرض خسيس، ومعنى " هذا الادنى " هذا العاجل و " يقولون سيغفر لنا " معناه إذا فعلوا ذلك يقولون الله يغفر لنا ذلك تمنيا منهم للاباطيل كما قال تعالى " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم وويل لهم مما يكسبون "(3).

وقوله تعالى " وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه " دليل على اصرارهم وأنهم تمنوا أن يغفر لهم مع الاصرار، لان المعنى وان جاء‌هم حرام من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه، ولم يرتدعوا عنه - وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن عباس وقال الحسن: معناه لا يشبعهم شئ.

___________________________________

(1) ديوانه: 84. واللسان . (خلف) وتفسير القرطبي 7 / 310.

(2) ديونه القصيدة: 8. واللسان . (خلف) وتفسير القرطبي 7 / 310.

(3) سورة 2 البقرة آية 79

[22]

وقوله " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه " معناه الم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في الاحكام القائلين سيغفر لنا هذا اذا عوتبوا على ذلك و " ميثاق الكتاب " هو ما أخذ الله على بني اسرائيل من العهود باقامة التوارة والعمل بما فيها، فقال تعالى لهؤلاء الذين قصهم توبيخا لهم على خلافهم امره ونقضهم عهده وميثاقه: ألم يأخذ الله عليهم الميثاق في كتابه ان لا يقولوا على الله الا الحق، ولا يضيفوا اليه الا ما انزله على رسوله موسى في التوراة ولا يكذبوا عليه وانما احتج عليهم بميثاق الكتاب، ولم يحتج عليهم بالعقل، ليعلمنا ما لانعلمه مما هو في كتبهم من ادلة تؤكد ما في العقل.

وقوله تعالى: " ودرسوا ما فيه " المعنى قرؤوا ما فيه ودرسوه فضيعوه، وتركوا العمل به. والدرس تكرر الشئ يقال درس الكتاب اذا كرر قراء‌ته، ودرس المنزل: اذا تكرر عليه مرور الامطار والرياح حتى يمحى اثره.

وقوله تعالى " والدار الاخرة خير للذين يتقون " أي ما اعده الله تعالى لاوليائه في دار الاخرة من النعيم والثواب وذخره للعاملين بطاعته الحافظين لحدوده " خير للذين يتقون " يعني يجتنبون معاصي الله ويحذرون عقابه.

وقوله: " أفلا تعقلون " فمن قرأ بالياء معناه تعقل هذه الطائفة التي تقدم ذكرها وهم الذين يأخذون عرض هذا الادنى على أحكامهم ويقولون سيغفر لنا.

ومن قرأ بالتاء قال: معناه قل لهم: افلا تعقلون الامر على ما اخبر الله به. وحكي ان طيا في جمع ميثاق: مياثيق، وفي جمع ميزان: ميازين، وحكي عن غيرهم من اهل الحجاز أيضا ذلك وانشد بعض الطائيين:

حمى لا يحل الدهر الا باذننا *** ولا نسل الاقوام عقد المياثيق(1)

___________________________________

(1) قائله عياض بن درة الطائي اللسان (وثق)

الآية: 170 - 189

قوله تعالى: والذين يمَسّكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لانضيع أجر المصلحين(170)

آية.

قرأ ابوبكر " يمسكون " بتسكين الميم، الباقون بفتحها وتشديد السين.

من خفف السين فلقوله تعالى " فامساك بمعروف "(1) وقوله " إمسك عليك زوجك "(2) وقوله " فكلوا مما أمسكن "(3). ومن شدد أراد التكثير، وهو اولى لقول تعالى " وتؤمنون بالكتاب كله "(4) اي لاتؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه بل تؤمنون بجميعه. ويقوي التشديد ما روي عن أبي أنه قرأ (مسكوا بالكتاب " ومعنى " يمسكون " اي يأخذون فيه من حلاله وحرامه.

أخبر الله تعالى ان الذين يعملون بما في الكتاب ويقيمون الصلاة مع دخولها في التمسك بالكتاب لجلالة موقعها وشدة تأكدها أنه لا يضيع جزاء عملهم، ويثيبهم بما يستحقونه، لاني لا اضيع لاحد - أصلح عمله فعمل بطاعتي - أجر عمله، وهو قول ابن زيد ومجاهد، وجميع المفسرين.

والتقدير إنا لانضيع أجر المصلحين منهم لان من كان غير مؤمن واصلح فأجره ساقط، لانه يوقعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب.

ويمسكون بالكتاب ويمسكون ويتمسكون ويستمسكون بمعنى واحد أي يعتصمون به ويعملون بما فيه.

وخبر (الذين) قوله " إنا لا نضيع اجر المصلحين " فاستغنى بذكر العلة عن ذكر المعلول.

___________________________________

(1) سورة 2 البقرة آية 229.

(2) سورة 33 الاحزاب آية 37.

(3) سورة 5 المائدة آية 5.

(4) سورة 3 آل عمران آية 119

[24]

قوله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون(171)

آية

هذا خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه واله يقول الله له: اذكر يا محمد الوقت الذي نتقا فيه الجبل اي رفعناه فوقهم حتى صار كأنه ظلة.

وقيل: إنه رفع الجبل على عسكرهم فرسخا في فرسخ.

وامرأة منتاق وناتق كثيرة الولد.

وقال ابن الاعرابي الناتق الرافع، والناتق الفاتق، الناتق الباسط، وقال العجاج: ينتق انتقاق الشليل نتقا(1) يعني يرفعه عن ظهره.

وقال الاخر: ونتقوا أحلامنا الاثاقلا(2) وقال النابغة:

لم يحرموا حسن الغذاء وامهم *** دحقت عليك بناتق مذكار(3)

ويروى طفحت عليك بناتق.

ويقال: تتق السير اذا حركه، ويقال: ما ينتق برجله ولا يركض، والنتق نتق الدابة صاحبها حين تعدوبه وتتبعه حتى تربو فذلك النتق.

وقال بعضهم: معنى " نتقنا الجبل فوقهم " فرفعناه بنتقه نتقا.

قال ابوعبيدة: سمعت من يقول: أخذ الجراب فنتق ما فيه إذا نثر ما فيه والاصل نتقت كل شئ وقوله عزوجل " كأنه ظلة " يعني به غماما من الظلال وقول " وظنوا أنه واقع بهم " قال الحسن معناه علموا.

وقال الجبائي والرماني: هو الظن بعينه، لانه قوي في نفوسهم ذلك.

___________________________________

(1) ديوانه 40 وتفسير الطبري الطبعة الثانية 9 / 109.

(2، 3) اللسان (نتق) وتفسير الطبري الطبعة الثانية 9 / 110

[25]

وقوله " خذوا ما آتيناكم بقوة " أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد يعني ما ألزمناكم من احكام كتابنا وفرائضه فاقبلوه باجتهاد منكم في اوانه من غير تقصير ولا توان.

وقال الجبائي: معناه خذوه بالقدرة التي آتاكم الله وأقدركم بها لانهم لو لم يكونوا قادرين لما كلفهم الله ذلك، وذلك يفسد مذهب من قال القدرة مع الفعل.

وقوله " واذكروا ما فيه " معناه ما في كتابه من العهود والمواثيق التي أخذناها عليكم، بالعمل بما فيه لكي تتقوا ربكم فتخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتم ما اخذ عليكم فيه من مواثيق. وكان سبب رفع الجبل عليهم ان موسى عليه السلام لما اتاهم بالتوراة ووقفوا على ما فيها من الاحكام والحدود والتشديد في العبادة ابوا أن يقبلوا ذلك وان يتمسكوا به وان يعملوا بما فيه.

وقالوا: إن ذلك يغلظ علينا، فرفع الله الجبل كالظلة عليهم، وعرفهم موسى انهم إن لم يقبلوا التوراة ولم يعملوا بما فيها وقع عليهم فأخذوا بالتوراة وقبلوا ما فيها وصرف الله نزول الجبل عليهم.

قال ابن عباس فلذلك صارت اليهود تسجد على قرنها الايسر، لانهم سجدوا كذلك ينظرون إلى الجبل وكأنها سجدة نصبها الله. وإنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لان مريم عليها السلام اتخذت مكانا شرقيا حين حملت بعيسى.

وقال مجاهد: معناه إن أخذتموه بجد وحسن نية وإلا القي الجبل عليكم.

وقال ابومسلم إن رفع الجبل كان ليظلم من الغمام، وذلك خلاف اقوال المفسرين وما يقتضيه سياق الكلام.

[26]

قوله تعالى: واذ أخذ ربك من بني دم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين(172) أو تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون(173)

آية

قرأ ابن كثير وأهل الكوفة " ذريتهم " على التوحيد. الباقون ذرياتهم على الجمع.

وقرأ ابوعمرو " وان يقولوا، او يقولوا " بالياء فيهما. الباقون بالتاء و (الذرية) قد يكون جمعا نحو قوله تعالى " وكنا ذرية من بعدهم " وقوله تعالى " ذرية من حملنا مع نوح "(1) وقد يكون واحدا كقوله: " هب لي من لدنك ذرية طيبة.. فنادته الملائكة.. أن الله يبشرك بيحيى "(2) فهو مثل قوله: " فهب لي من لدنك وليا يرثني "(3) فقال الله: " يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى "(4). فمن أفرد جعله اسما واستغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع.

ومن جمع قال: لانه إن كان واقعا على الواحد فلا شك في جواز جمعه وإن كان جمعا فجمعه أيضا حسن، لانه قد وردت الجموع المكسرة وقد جمعت نحو الطرقات وصواحبات يوسف.

وحجة من أفرد قال: لايقع على الواحد والجميع. فأما وزن (ذرية) فانه يجوز أن تكون (فعلولة) من الذر، فابدلت من الراء التي هي لام الفعل الاخيرة ياء كما أبدلت من دهرية، يدلك على البدل فيه قولهم: دهرورة، ويحتمل ان تكون فعلية منه فأبدلت من الراء الباء، كما تبدل من هذه الحروف في التضعيف وإن وقع فيها الفصل.

ويحتمل أن تكون (فعليه) نسبة إلى الذر وأبدلت الفتحة منها ضمة كما أبدلوا في الاضافة إلى الدهر دهري والى سهل سهلي ويجوز أن تكون (فعلية) من ذرأ الله الخلق، أجمعوا على تخفيفها كما أجمعوا على تخفيف البرية. ويجوز ان

___________________________________

(1) سورة 17 الاسراء آية 3.

(2) سورة 3 آل عمران آية 38 - 39.

(3) سورة 19 مريم آية 4.

(4) سورة 19 مريم آية 6

[27]

تكون من قوله " تذروه الرياح "(1) ابدلت من الواو الياء لوقوع ياء قبلها.

وحجة أبي عمرو في قراء‌ته يالياء ان ما تقدم ذكره من الغيبة وهو قوله عزوجل " واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم " كراهية ان يقولوا أولئلا يقول، ويؤكد ذلك ما جاء بعد من الاخبار عن الغيبة وهو قوله: " قالوا بلى ".

وحجة من قرأ بالتاء انه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا " وكلا الوجهين حسن لان الغيب هم المخاطبون في المعنى. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه واله قال الله تعالى له: واذكر أيضا الوقت الذي اخذ الله فيه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟.

واختلفوا في معنى هذا الاخذ فيه وهذا الاشهاد: فقال البلخي والرماني اراد بذلك البالغين من بني آدم واخراجه اياهم ذرية قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر واشهاده إياهم على انفسهم تبليغه إياهم وإكماله عقولهم، وما نصب فيها من الادلة الدالة بأنهم مصنوعون وان المصنوع لابدله من صانع، وبما اشهدهم مما يحدث فيهم من الزيادة والنقصان والالام والامراض الدال بجميع ذلك على ان لهم خالقا رازقا تجب معرفته والقيام بشكره، وما اخطر بقلوبهم من تأكيد ذلك والحث على الفكر فيه، ثم إرساله الرسل وإنزاله الكتب، لئلا يقولوا إذا صاروا إلى العذاب: إنا كنا عن هذا غافلين، لم ينبه علينا ولم تقم لنا حجة عليه ولم تكمل عقولنا فنفكر فيه، او يقول قوم منهم: إنما أشرك آباؤنا حين بلغوا وعقلوا فأما نحن فكنا أطفالا لانعقل ولا نصلح للفكر والنظر والتدبير.

وقال الجبائي: أخذه ذرياتهم من ظهورهم انه خلقهم من ظهور الاباء، ثم خلقهم في ارحام الامهات، ثم نقلهم من خلقة إلى خلقة، وصورة إلى صورة، ثم صاروا حيوانا بأن احياهم الله في الارحام، واتم خلقهم، ثم اخرجهم من الارحام بالولادة

___________________________________

(1) سورة 18 الكهف آية 46

[28]

وقوله تعالى: " واشهدهم على انفسهم " يعني عند البلوغ وكمال العقل وعندما عرفوا ربهم فقال لهم على لسان بعض انبيائه " الست بربكم "؟ فقالوا: بلى شهدنا بذلك واقررنا به لانهم كانوا بالله عارفين انه ربهم.

وقوله تعالى " ان تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين " معناه لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فأراد بذلك اني انا قررتكم بهذا لتواظبوا على طاعتي وتشكروا نعمتي ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.

وقوله تعالى " او تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم " فنشأنا على شركهم فتحنجوا يوم القيامة بذلك، فبين انى قد قطعت بذلك حجتكم هذه بما قررتكم به من معرفتي واشهدتكم على انفسكم باقراركم وبمعرفتكم إياي.

وقوله " افتهلكنا بما فعل المبطلون " من آبائنا. وهذا يدل على انها مخصوصة في قوم من بني آدم وانها ليست في جميعهم، لان جميع بني آدم لم يؤخذوا من ظهور بني آدم لان ولد آدم لصلبه لايجوز ان يقال: إنهم اخذوا من ظهور بني آدم فقد خرج ولد آدم لصلبه من ذلك وخرج ايضا اولاد المؤمنين من ولد آدم الذين لم يكن آباؤهم مشركين، لانه بين ان هؤلاء الذين اقروا بمعرفة الله واخذ ميثاقهم بذلك كان قد سلف لهم في الشرك آباء. فصح بذلك انهم قوم مخصوصون من اولاد آدم.

فأما ما روي ان الله تعالى اخرج ذرية آدم من ظهره واشهدهم على انفسم وهم كالذر، فان ذلك غير جائز لان الاطفال فضلا عمن هو كالذر لاحجة عليهم، ولا يحسن خطابهم بما يتعلق بالتكليف، ثم ان الاية تدل على خلاف ما قالوه. لان الله تعالى قال " وإذ اخذ ربك من بني آدم " وقال " من ظهورهم " ولم يقل من ظهره.

وقال " ذريتهم " ولم يقل ذريته، ثم قال " او تقولوا إنما اشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم افتهلكنا بما فعل المبطلون " فأخبر ان هذه الذرية قد كان قبلهم آباء مبطلون وكانوا هم بعدهم.

[29]

على ان راوي هذا الخبر سليمان بن بشار الجهني، وقيل مسلم بن بشار عن عمر بن الخطاب وقال يحيى بن معين: سليمان هذا لايدري اين هو. وايضا فتعليل الاية يفسد ما قالوه. لانه قال: فعلت هذا لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والعقلاء اليوم في دار الدنيا عن ذلك غافلون.

فان قيل نسوا ذلك لطول العهد اولان الزمان كان قصيرا كما يعلم الواحد منا اشياء كثيرة ضرورة ثم ينساها كما ينسى ما فعله في امسه وما مضى من عمره. قلنا إنما يجوز ان ينسى مالا يتكرر العلم به ولا يشتد الاهتمام به، فأما الامور العظيمة الخارقة للعادة، فلا يجوز ان ينساها العاقل. الا ترى ان الواحد منا لودخل بلاد الزنج وراى الافيلة ولو يوما واحدا من الدهر لايجوز ان ينسى ذلك حتى لايذكره اصلا مع شدة اجتهاده واستذكاره؟ ولو جاز ان ينساه واحد لما حاز ان ينساه الخلق بأجمعهم. ولو جوزنا ذلك للزمنا مذهب التناسخ وان الله كان قد كلف الخلق فيما مضى واعادهم، إما لينعمهم او ليعاقبهم. ونسوا ذلك. وذلك يؤدي إلى التجاهل. على ان أهل الاخرة يذكرون ما كان منهم من احوال الدنيا ولم يجب ان ينسوا ذلك لطول العهد، ولا المدة التي مرت عليهم وهم اموات وكذلك اصحاب الكهف لم ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مع طول المدة في حال نومهم، فعلمنا ان هؤلاء العقلاء لما كانوا شاهدوا ذلك وحضروه وهم عقلاء لما جاز ان يذهب عنهم معرفة ذلك لطول العهد، ولوجب أن يكونوا كذلك عارفين.

وقال قوم وهو المروي في أخبارنا إنه لايمنع ان يكون ذلك مختصا بقوم خلقهم الله وأشهدهم على أنفسهم بعد ان أكمل عقولهم واجابوه ب‍ (بلى)، وهم اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه، ولا يكون ذلك عاما في جميع العقلاء وهذا وجه ايضا قريب يحتمله الكلام. وحكى أبوالهذيل في كتابة الحجة: أن الحسن البصري واصحابه كانوا

[30]

يذهبون إلى ان نعيم الاطفال في الجنة ثواب عن إيمانهم في الذر.

وحكى الرماني عن كعب الاحبار: انه كان يخبر خبر الذر غير انه يقول ليس تأويل الاية على ذلك. وإنما فعل ليجروا على الاعراف الكريمة في شكر النعمة والاقرار لله بالوحدانية، كما روي انهم ولدوا على الفطرة.

ويدل على فساد قولهم قوله تعالى " والله اخرجكم من بطون امهاتكم لاتعلمون شيئا "(1) فهم لو كانوا أخرجوا من ظهر آدم على صورة الذر كانوا بعد من ان يعلموا او يعقلوا ومتى قالوا أكمل الله عقولهم فقد مضى الكلام عليهم.

وذكر الازهري وروي ذلك عن بعض من تقدم ان قوله: " وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم ألست بربكم قالوا بلى " تمام الكلام.

وقوله " شهدنا ان تقولوا يوم القيامة " حكاية عن قول الملائكة انهم يقولون شهدنا لئلا تقولوا. وهذا خلاف الظاهر وخلاف ما عليه جميع المفسرين لان الكل قالوا (شهدنا) من قول من قال (بلى) وان اختلفوا في كيفية الشهادة على ان الملائكة لم يجر لها ذكر، فكيف يكون ذلك إخبارا عنهم.

قوله تعالى: وكذلك نفصل الايات ولعلهم يرجعون(174)

آية

إنا كما بينا لكم هذه الايات كذلك نفصلها للعباد ونبينها لهم. وتفصيله الايات هو تمييز بعضها من بعض ليتمكنوا من الاستدلال بكل واحدة منها على جهتها وبين أنه فعل ذلك بهم ليتوبوا وليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته وعن الكفر إلى الايمان به.

___________________________________

(1) سورة 16 النحل آية 78

[31]

قوله تعالى: واتل عليهم نبأ الذي اتيناه اياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين(175)

آية بلا خلاف.

هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله يأمره بأن يقرأ على بني اسرائيل وغيرهم من أمته خبر الذي اتاه الله حججه وبيناته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من جملة الغاوين الخائبين الخاسرين. وقيل معناه الضالين الهالكين.

واختلفوا في المعني بقوله " آتيناه آياتنا ": فقال ابن عباس ومجاهد: هو بلعام بن باعورا من بني اسرائيل.

وقال: معنى " فانسلخ منها " مانزع منه من العلم.

وروي عن عبدالله بن عمر انها نزلت في أمية بن ابى الصلت.

وقال مسروق وعبدالله: هي في رجل من بني اسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء.

وقال قوم: هو رجل من الكنعانيين.

وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله للكافر آتاه الله آيات دينه " فانسلخ منها " يقول اعرض عنها وتركها " فاتبعه الشيطان " خذله الله وخلى عنه وعن الشيطان، وهو مثل قوله تعالى " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله "(1) اى كتب على الشيطان انه من تولى الشيطان فان الشيطان يضله.

وقال الجبائي اراد به المرتد الذي كان الله آتاه العلم به وبآياته فكفر به وبآياته وبدينه من بعد ان كان به عارفا فانسلخ من العلم بذلك ومن الايمان.

وقوله " فأتبعه الشيطان " معناه ان الشيطان اتبعه كفار الانس وغواتهم حتى اتبعوه على ما صار اليه من الكفر بالله وبآياته. وقيل اتبعه الشيطان بالتزيين والاغواء حتى تمسك بحبله وكان من الغاوين الخائبين من رحمة الله، قال وهو رجل من المتقدمين يقال له: بلعام بن باعورا.

___________________________________

(1) سورة 22 الحج آية 4

[32]

اتبعه الشيطان، واتبعه لغتان وبالتخفيف معناه فقاه، وبالتشديد حذا حذوه وإذا اردت اقتدا به فبالتشديد لاغير.

فأما ما روي أن الاية كانت النبوة فانه باطل، فان الله تعالى لايؤتي نبوته من يجوز عليه مثل ذلك، وقد دل دليل العقل والسمع على ذلك قال الله تعالى " ولقد اخترناهم على علم على العالمين "(1) وقال " المصطفين الاخيار "(2) فكيف يختار من ينسلخ عن النبوة.

وقيل: إن الاية كانت الاسم الاعظم وهذا ايضا نظير الاول لايجوز ان يكون مرادا، والقول هو ما تقدم من اكثر المفسرين: ان المعني به بلعم بن باعورا ومن قال امية بن ابي الصلت قال كان اوتي علم الكتاب فلم يعمل به.

والوجه الذي قاله الحسن يليق بمذهبنا دون الذي قاله الجبائي، لان عندنا لايجوز ان يرتد المؤمن الذي عرف الله على وجه يستحق به الثواب.

والنبأ الخبر عن الامر العظيم ومنه اشتقاق النبوة: نباه الله جعله نبيا وإنما آتاه الله الايات باللطف حتى تعلمها وفهم معانيها وقال ابومسلم: الاية في كل كافر بين الله له الحق فلم يتمسك به.

وقال ابوجعفر عليه السلام في الاصل بلعم ثم ضرب مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله تعالى من اهل القبلة.

قوله تعالى: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هويه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا باياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون(176)

آية.

___________________________________

(1) سورة 44 الدخان آية 32.

(2) سورة 38 ص آية 47

[33]

الهاء في (لرفعناه) كناية عن الذي تقدم ذكره، وهو الذي آتاه اله آياته فانسلخ منها، فأخبره الله تعالى انه لو شاء لرفعه بتلك الايات.

واختلفوا في معنى هذه المشيئة فقال الجبائي: المعنى لو شئنا لرفعناه بايمانه ومعرفته قبل ان يكفر لكن ابقيناه ليزداد الايمان، فكفر.

وقال البلخي هذا اخبار عن قدرته انه لو شاء لحال بينه وبين الكفر والارتداد، وهو الذي نختاره لانا قد بينا ان المؤمن لايجوز ان يرتد.

وقال الزجاج: معناه لو شئنا ان نحول بينه وبين المعصية لفعلنا.

وقوله " ولكنه أخلد إلى الارض " معناه سكن إلى الدنيا وركن اليها ولم يسم إلى الغرض الاعلى.

يقال أخلد فلان إلى كذا وكذا وخلد، وبالالف اكثر في كلام العرب، والمعنى إنه سكن إلى لذات الدنيا واتبع هواه أي لم نرفعه بالايات لاتباع هواه.

وقيل معنى أخلد قعد ويقال: فلا مخلد إذا أبطأ عنه الشيب ومخلد إذا لم تسقط اسنانه - هكذا ذكره الفراء - ومن الدواب الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رباعيتاه.

وأخلد بالمكان اذا اقام به، قال زهير:

لمن الديار غشيتها بالفدفد *** كالوحي في حجر المسيل المخلد(1)

وقال مالك بن نويرة:

بأبناء حي من قبائل مالك *** وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا(2)

وقال ابوعبيدة هو اللزوم للشئ والتقاعس فيه وقال سعيد بن جبير معناه ركن إلى الارض، وقال مجاهد: معناه سكن اليها.

___________________________________

(1) ديوانه 268، واللسان (خلد). و (الفدفد) الفلاة التي لاشئ بها.

وقيل: هي الارض الغليظة ذات الحصى، وقيل غير ذلك و (الوحي) الكتابة و (حجر المسيل) هو حجر صلب يكتبون فيه.

(2) الاصمعيات: 323.

[34]

وقوله: " فمثله كمثل الكلب " ضرب الله مثل البارك لاياته والعادل عنها بأخس مثل في أخس احواله، فشبهه بالكلب، لان كل شئ يلهث فانما يلهث في حال الاعياء والكلال إلا الكلب فانه يلهث في حال الراحة والتعب، وحال الصحة وحال المرض.

وحال الري وحال العطش وجميع الاحوال، فقال تعالى إن وعظته فهو ضال وان لم تعظه فهو ضال كالكلب إن طردته وزجرته فانه يلهث، وإن تركته يلهث، وهو مثل قوله " وإن تدعوهم إلى الهدى لايتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم انتم صامتون "(1) وقوله تعالى " ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا " يعني هذا المثل الذى ضربه بالكلب هومثل الذين كذبوا بآيات الله.

وقال الجبائي إنما شبهه بالكلب لانه لما كفر بعد ايمانه صار يعادي المؤمنين ويؤذيهم، كما ان الكلب يؤذي الناس طردته أو لم تطرده فانه لايسلم من اداه.

وقوله تعالى " فاقصص القصص " معناه فاقصص على الناس ما نبينه لك لكي يتذكروا ويتفكروا فيرجعوا إلى طاعة الله وينزجروا عن معاصيه.

وقال ابن جريج مثله بالكلب، لان الكلب لافؤاد له فيقطعه الفؤاد حملت عليه او تركته، شبه من ترك الايات كأنه لافؤاد له. واللهث التنفس الشديد من شدة الاعياء، وفي الكلب طباع يقال: لهث يلهث لهثا فهو لاهث ولهثان.

قوله تعالى: ساء مثلا القوم الذين كذبوا باياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون(177)

آية بلا خلاف.

التقدير ساء مثلا مثل القوم، وحذف لدلالة الكلام عليه و " أنفسهم " نصب

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 192

[35]

ب‍ (يظلمون) وصف الله تعالى هذا المثل الذي ضربه وذكره بأنه ساء مثلا اي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وانهم بذلك لا يظلمون إلا انفسهم دون غيرهم، لان عقاب ما يفعلونه من المعاصي يحل بهم فان الله تعالى لايضره كفرهم ولامعصيتهم كما لا ينفعه طاعتهم وإيمانهم.

قوله تعالى: من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون(178)

آية.

" فهو المهتدي " كتب - ههنا - بالياء ليس في القرآن غيره بالياء، واثبت الياء في اللفظ ههنا جميع القراء.

وقال الجبائي: معنى الاية من يهديه الله إلى نيل الثواب. كما يهدي المؤمن إلى ذلك والى دخول الجنة فهو المهتدي للايمان والخير، لان المهتدي هو المؤمن فقد صار مهتديا إلى الايمان والى نيل الثواب. ومن يضله الله عن الجنة وعن نيل ثوابها عقوبة على كفره او فسقه، " فأولئك هم الخاسرون " لانهم خسروا الجنة ونعيمها وخسروا انفسهم والانتفاع بها.

وقال البلخي المهتدي هو الذي هداه الله فقبل الهداية واجاب اليها، والذي أضله الله هو الضال الذي اختار الضلاله فأضله الله بمعنى خلى بينه وبين ما اختاره وترك منعه بالخير على انه إذا ضل عن امر الله عند امتحانه وتكليفه جاز أن يقال: ان الله أضله.

وقيل: معنى " من يهدي الله " من يحكم الله بهدايته " فهو المهتدى " ومن حكم بضلالته فهو الخائب الخاسر.

[36]

قوله تعالى: ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم اذان لايسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون(179)

آية بلا خلاف.

معنى " ذرأنا " خلقنا يقال: ذرأهم يذرأهم واللام في (لجهنم) لام العاقبة.

والمعنى انه لما كانوا يصيرون اليها بسوء اختيارهم وقبح أعمالهم جاز أن يقال: إنه ذرأهم لها والذي يدل على ان ذلك جزاء على اعمالهم قوله " لهم قلوب لايفقهون بها " وأخبر عن ضلالهم الذي يصيرون به إلى النار، وهو مثل قوله تعالى " إنما نملي لهم للزدادوا إثما "(1) ومثل قوله " ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة واموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك "(2) ومثل قوله عزوجل " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا "(3) وإنما التقطوه ليكون قرة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه " فرة عين لي ولك لاتقتلوه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولدا "(4)

ومثله قول القائل: اعددت هذه الخشبة ليميل الحائط فاسنده بها وهو لا يريد ميل الحائط.

ومثله قول الشاعر:

وللموت تغذو الوالدات سخالها *** كما لخراب الدهر تبنى المساكن(5)

وقال الاخر:

اموالنا لذوي الميراث نجمعها *** ودورنا لخراب الدهر نبنيها(6)

وقال الاخر:

___________________________________

(1) سورة 3 آل عمران آية 178.

(2) سورة 10 يونس آية 88.

(3) سورة 28 القصص آية 8.

(4) سورة 28 القصص آية 9.

(5) قائله سابق البربري او (البريدي) العقد الفريد 1 / 269.

(6) إنظر 3 / 60 من هذا الكتاب

[37]

وام سماك فلا تجزعي *** فللموت ماتلد الوالدة(1)

وقال آخر:

لدوا للموت وابنوا للخراب *** فكلكم يصير إلى ذهاب(2)

وقوله " لهم قلوب لايفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها " معناه انهم لما لم يفقهوا بقلوبهم ولم يسمعوا بآذانهم ولم يبصروا بعيونهم ما كانوا يؤمرون به ويدعون اليه سموا بكما عميا صما. ولما لم ينتفعوا بجوارحهم اشبهوا العمي البكم الصم، لان هؤلاء لا ينتفعون بجوارحهم فأشبهوهم في زوال الانتفاع بالجوارح وسموا باسمائهم، ومثله قول مسكين الدارمي:

أعمي اذا ما جارتي خرجت *** حتى يواري جارتي الخدر

ويصم عما كان بينهما *** سمعي وما بي غيره وقر(3)

فجعل نفسه اصما واعمى لما لم ينظر ولم يسمع وقال آخر:

وكلام سئ قد وقرت *** أذني عنه ومابي من صمم

وقال آخر:

صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به *** وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا(4)

وهذا كثير.

ويجوز أن يكون قوله تعالى " ذرأنا لجهنم " معناه ميزنا.

ويقال: ذرأت الطعام والشعير أي ميزت ذلك من التبن والمدر، فلما كان الله

___________________________________

(1، 2) إنظر 3 / 60 من هذا الكتاب.

(3) تفسير الطبري الطبعة الثانية 9 / 132. وروايته " الستر " بدل " الخدر " " وما بالسمع من وقر " بدل " وما بي غيره وقر " وقد مر البيتان في 1 / 90 وفي 2 / 113 من هذا الكتاب.

(4) قائله قنعب بن أم صاحب اللسان والتاج (أذن) وفي مجاز القرآن 1 / 177 هكذا:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا *** وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

[38]

تعالى قد ميز اهل النار من اهل الجنة في الدنيا بالتسمية والحكم والشهادة جاز ان يقول ذرأناهم اي ميزنا هم. ثم وصفهم بصفة تخالف اوصاف اهل الجنة يعرفون بها فقال " لهم قلوب لايفقهون بها " إلى آخرها.

ويجوز ان يكون قوله " ذرأنا " بمعنى سنذرأ كما قال: " ونادى اصحاب الجنة اصحاب النار "(1) بمعنى سينادون، فكأنه قال سيخلقهم خلقا ثانيا للنار بأعمالهم التي تقدمت منهم في الدنيا إذ كانوا استحقوا النار بتلك الاعمال.

ولايجوز أن يكون معنى الاية إن الله خلقهم لجهنم واراد منهم ان يفعلوا المعاصي فيدخلوا بها النار، لان الله تعالى لا يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، ولان مريد القبيح منقوص عند العقلاء تعالى الله عن صفة النقص، ولانه قال " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون "(2) فبين انه خلق الخلق للعبادة والطاعة وقال " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع "(3) وقال " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا "(4) وقال " ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط "(5) وقال " إنا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله "(6) ونظائر ذلك اكثر من ان تحصى، فكيف يقول بعد ذلك " ولقد ذرأنا لجهنم " وهل هذا إلا تناقض تنزه كلام الله عنه.

وقوله " اولئك كالانعام " يعني هؤلاء الذين لايتدبرون بآيات الله ولا يستدلون بها على وحدانيته وصدق رسله اشباه الانعام والبهائم التي لاتفقه ولاتعلم ثم قال " بل هم اضل " يعني من البهائم، لان في البهائم ما إذا زجرتها انزجرت واذا أرشدتها إلى طريق اهتدت. وهؤلاء لعتوهم وكفرهم لايهتدون إلى شئ من الخيرات مع ما ركب الله فيهم من العقول التي تدلهم على الرشاد وتصرفهم عن الضلال

___________________________________

(1) سورة 7 الاعراف آية 43.

(2) سورة 51 الذاريات آية 56.

(3) سورة 4 النساء آية 63.

(4) سورة 25 الفرقان آية 50.

(5) سورة 57 الحديد آية 25.

(6) سورة 63 المؤمنون آية 45

[39]

وليس ذلك في البهائم. ومع ذلك تهتدي إلى منافعها وتتحرز عن مضارها، والكافر لا يفعل ذلك.

ثم قال " أولئك هم الغافلون " يعني هؤلاء هم الغافلون عن آياتي وحججي والاستدلال بها والاعتبار بتدبرها على ما تدل عليه من توحيده، لان البهائم التي هي مسخرة مصروفة لااختيار لها.

قوله تعالى: ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون(180)

آية اجماعا.

قرأ حمزة " يلحدون " بفتح الحاء والياء - ههنا - وفي النحل وحم السجدة وافقه الكسائي وخلف في النحل، والباقون بضم الياء.

من قرأ بكسر الحاء، فلقوله " ومن يرد فيه بالحاد "(1) وألحد أكثر في الكلام قال الشاعر:

ليس الامام بالشحيح الملحد *** ولايكاد يسمع لاحد(2)

والالحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه فمعنى " يلحدون في آياتنا " يجورون عن الحق فيها.

وروى ابوعبيدة عن الاحمر: لحدت جرت وملت وألحدت ماريت وجادلت قال: وقال ابوعبيدة: لحدت له والحدت للميت بمعنى واحد.

قال أبن جريج اشتقوا العزى من العزيز واللات من الله. وكان ذلك إلحادا.

وقال ابن عباس: الحادهم تكذيبهم.

وقال قتادة: هو شركهم.

وقال قوم: هو تسميتهم الاصنام بآنها آلهة.

أخبر الله تعالى ان له الاسماء الحسنى نحو قوله تعالى " بسم الله الرحمن الرحيم "

___________________________________

(1) سورة 22 الحج آية 25.

(2) قائله حميد بن ثور. اللسان " لحد "

[40]

وغير ذلك من الاسماء التي تليق به، وهي الاسماء الراجعة إلى ذاته او فعله نحو العالم العادل، والسميع البصير المحسن المجمل، وكل اسم لله فهو صفة مفيدة لان اللقب لايجوز عليه.

وامر تعالى ان يدعوه خلقه بها وان يتركوا اسماء اهل الجاهلية وتسميتهم اصنامهم آلهة ولاتا وغير ذلك.

وقال الجبائي: يحتمل أن يكون اراد تسميتهم المسيح بأنه ابن الله وعزيزا بأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقال قوم: هذا يدل على أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه.

وقوله " وذروا الذين يلحدون " فيه تهديد للكفار وأن الله تعالى سيعاقبهم على عدولهم عن الحق في تغيير أسمائه.

وقوله تعالى " سيجزون ما كانوا يعملون " معناه سيجزون جزاء ما كانوا يعملون من المعاصي بانواع العذاب.

قال الرماني الاسم كلمة تدل على المعني دلالة الاشارة، والفعل كلمة تدل على المعني دلالة الافادة. والصفة كلمة مأخوذة للمذكور من اصل من الاصول لتجري عليه تابعة له.

قوله تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون(181)

آية.

أخبر الله تعالى أن من جملة من خلقه جماعة يهدون بالحق. وهداهم بالحق هو دعاؤهم الناس إلى توحيد الله والى دينه وتنبيههم إياهم على ذلك.

وقال قوم معنى (يهدون) يهتدون " وبه يعدلون " معناه إنهم يعملون بالعدل والانصاف فيما بينهم وبين الناس.

وهذا إخبار ان فيما خلق قوما هذه صفتهم ولايدل ذلك على ان في كل عصر يوجد قوم هذه صفتهم ولو لم يوجدوا إلا في وقت واحد كانت الفائدة حاصلة بالاية، فلا يمكن الاستدلال بها على ان اجماع اهل الاعصار حجة. على ان عندنا انه لايخلوا وقت من الاوقات ممن يجب اتباعه وتثبت عصمته ويكون حجة الله على

[41]

خلقه فيمكن أن يكون المراد بالاية من ذكرناه.

وقال ابوجعفر عليه السلام وقتادة وابن جريج: الاية في أمة محمد صلى الله عليه واله وهو مثل قوله تعالى " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا "(1) فكما أنه لايدل على وجود أئمة في كل وقت فكذلك ما قالوه.

قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون(182) وأملي لهم إن كيدي متين(183)

آيتان

المعنى إن الذين كذبوا بآيات الله التي تضمنها القرآن والمعجزات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه واله وكفروا بها سنستدرجهم من حيث لايعلمون استدراجا لهم إلى الهلكة حتى يقعوا فيها بغتة من حيث لايعلمون، كما قال تعالى " بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها "(2) وقال: " فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون "(3) فيقولوا هل نحن منظرون؟ ويجوز ان يكون من عذاب الاخرة.

فأما من قال من المجبرة: إن معنى الاية أن الله يستدرجهم إلى الكفر والضلال فباطل، لان الله تعالى لايفعل ذلك لانه قبيح ينافي الحكمة، ثم إن الاية بخلاف ذلك لانه بين أن هؤلاء الذين يستدرجهم كفار بالله ورسوله وبآياته، وانه سيستدرجهم في المستقبل لان السين لاتدخل إلا على المستقبل فلا معنى لقوله " إن الذين كفروا سنستدرجهم " إلى الكفر، لانهم كفار قبل ذلك، ولا يجب في الكافر أن يبقى حتى يواقع كفر آخر، لانه يجوز أن يميته الله تعالى، فبان بذلك أن المراد أنه سيستدرجهم إلى العذاب والعقوبات من حيث لايعلمون في مستقبل أمرهم بقوا أو لم يبقوا. على ان الاستدراج عقوبة من الله والله لايعاقب أحدا على فعل نفسه كما لا يعاقبهم على طولهم او قصرهم.

___________________________________

(1) سورة 21 الانبياء آية 73.

(2) سورة 21 الانبياء آية 40.

(3) سورة 26 الشعراء آية 202

[42]

ويحتمل ان يكون معنى الاية إنا نعاقبهم على استدراجهم للناس وإغوائهم إياهم ونعاقبهم على كيدهم، فجعل العقوبة على الاستدراج استدراجا، والعقوبة على الكيد كيدا، كما قال " سخر الله منهم "(1) وقال " الله يستهزئ بهم "(2) وقال يخادعون الله وهو خادعهم "(3) وقال " والله خير الماكرين "(4) وما اشبه ذلك.

ويحتمل ان يكون المراد: إني سأفعل بهم ما يدرجون في الفسوق والضلال عنده ويكون ذلك إخبار عن بقائهم على الكفر عند إملائه لهم، فسمى ذلك استدراجا لانهم عند البقاء كفروا وازدادوا كفرا ومعصية. وان كان الله لم يرد منهم ذلك ولا بعثهم عليه، كما قال " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر "(5) كما يقول القائل: أبطر فلان فلانا بانعامه عليه. ولقد ابطرته النعمة واكفرته السلامة، وإن كان المنعم لايريد ذلك بل اراد ان يشكره عليها.

ومعنى قوله " وأملي لهم " أؤخر هؤلاء الكفار في الدنيا وابقيهم مع إصرارهم على الكفر ولا أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم، لانهم لايفوتوني ولا يعجزوني، ولا يجدون مهربا ولا ملجأ.

وقوله تعالى " إن كيدي متين " معناه إن عذابي وسماه كيدا لنزوله بهم من حيث لايشعرون.

وقيل: إنه اراد أن جزاء كيدهم وسماه كيدا للازدواج على ما بينا نظائره.

ومعنى " متين " شديد قوي قال الشاعر:

عدلن عدول اليأس والشيخ يبتلى *** افانين من الهوب شد مماتني(6)

___________________________________

(1) سورة 9 التوبة آية 80.

(2) سورة 2 البقرة آية 15.

(3) سورة 4 النساء آية 141.

(4) سورة 3 آل عمران آية 54.

(5) سورة 35 فاطر آية 47.

(6) تفسير الطبري 13 / 288 والطبعة الثانية 9 / 136 وفيه اختلاف

[43]

يعني شد او شديدا باقيا لا ينقطع.

والمتن أصله اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب وهما متنان.

والكيد والمكر واحد، وهو الميل إلى الشر في خفى، كاد يكيد كيدا ومكيدة، وفلان يكيد بنفسه.

وأصل الاستدراج اغترار المستدرج من حيث يرى أن المستدرج محسن اليه حتى يورطه مكروها.

والاستدراج أن يأتيه من مأمنه من حيث لايعلم.

و (أملي) بمعنى أؤخر من الملي - ثقيلة الياء - يقال مضى عليه ملي من الدهر وملاؤ من الدهر - بفتح الميم وضمها وكسرها - أي قطعة منه.

ووجه الحكمة في اخذهم من حيث لا يعلمون أنه لو اعلمهم وقت ما يأخذهم وعرفهم ذلك لامنوه قبل ذلك وكانوا مغريين بالقبيح قبله تعويلا على التوبة فيما بعد وذلك لايجوز عليه تعالى.

والاستدراج على ضربين: احدهما - ان يكون الرجل يعادي غيره فيطلب له المكايدة والختل من وجه يغتره به ويخدعه ويدس اليه من يوقعه في ورطة حتى يشفي صدره ولايبالي كيف كان ذلك، فهذا سفيه غير حكيم. والاخر - أن يحلم فيه ويتأنى ويترك العجلة في عقوبته التي يستحقها على معاصيه كيدا ومكرا واستدراجا. ألا ترى لوان إنسانا عادى غيره فجعل يشتمه ويعيبه وذاك يعرض عنه ولا يكا فيه مع قدرته على مكافاته جاز أن يسمى كيدا واستدراجا ومكرا وحيلة، ولجاز ان يقال: فلان متين الكيد شديد الاستدراج، بعيد الغور محكم التدبير.

وقيل في معنى " سنستدرجهم " سنأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم، يقال: امتنع فلان على فلان واتى عليه حتى استدرجه اي خدعه حتى حمله على ان درج اليه درجانا أي اخذ في الحركة نحوه كما يدرج الصبي اول ما يمشي، ويقال: صبي دراج: ويقال: درجوا قرنا بعد قرن اي فنيوا قليلا قليلا.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 11231056

  • التاريخ : 18/05/2022 - 16:31

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net