00989338131045
 
 
 
 
 
 

 سورة التوبة 

القسم : تفسير القرآن الكريم   ||   الكتاب : تفسير الصافي ( الجزء الثاني)   ||   تأليف : المولى محسن الملقب ب‍ " الفيض الكاشاني "

سورة التوبة

وهي مدنية كلها، وقال بعضهم: غير آيتين (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) إلى آخر السورة، وعدد آيها مأة وتسع وعشرون آية، نزلت سنة تسع من الهجرة، وفتحت مكة سنة ثمان، وحج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع سنة عشر. في المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام لم ينزل (بسم الله الرحمن الرحيم) على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان والرحمة، ونزلت براءة لدفع الأمان والسيف. وفيه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام الأنفال وبراءة واحدة. (1) براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين: أي هذه براءة والمعنى: أن الله ورسوله بريئان من العهد الذي عاهدتم به المشركين. إن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي العهد ؟ اجيب بوجهين. أحدهما: أنه كان قد شرط عليهم بقاء العهد إلى أن يرفعه الله بوحي. والثاني: أنهم قد نقضوا أو هموا بذلك، فأمر الله أن ينقض عهدهم. وفي المجمع نسب الوجهين إلى الرواية. (2) فسيحوا في الاءرض أربعة أشهر: خطاب للمشركين أمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا لا يتعرض لهم، ثم يقتلون حيث وجدوا. القمي: عن الرضا عليه السلام فأجل الله المشركين الذين حجوا تلك السنة أربعة أشهر حتى يرجعوا إلى مأمنهم، ثم يقتلون حيث وجدوا.

[ 319 ]

وعن الصادق عليه السلام: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة، وكان سنة من العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، فكان من وافى مكة يستعير ثوبا ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجد عارية اكترى ثيابا، ومن لم يجد عارية ولا كرى ولم يكن له إلا ثوب واحد طاف بالبيت عريانا، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة، فطلبت عارية أو كرى فلم تجده، فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها، فقالت: وكيف أتصدق بها وليس لي غيرها ؟ فطافت بالبيت عريانة، وأشرف لها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها وأخرى على دبرها، وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله فلما فرغت من الطواف خطبها جماعة، فقالت: إن لي زوجا، وكانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلا من قاتله، ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان نزل عليه في ذلك من الله عز وجل: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا)، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقاتل أحدا قد تنحى عنه، واعتزله حتى نزلت عليه سورة براءة وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلا الذين قد كان عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة إلى مدة، منهم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فقال الله عز وجل: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) ثم يقتلون حيث ما وجدوا فهذه أشهر السياحة، عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من ربيع الآخر، فلما نزلت الآيات من أول براءة دفعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر وأمره بأن يخرج إلى مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر فلما خرج أبو بكر، نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا رجل منك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه

[ 320 ]

السلام في طلبه فلحقه بالروحاء (1) فأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول أنزل في شئ قال: إن الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني. والعياشي: عن الصادق عليه السلام كان الفتح في سنة ثمان، وبراءة في سنة تسع، وحجة الوداع في سنة عشر. وعنه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس، فنزل جبرئيل فقال: لا يبلغ عنك إلا علي عليه السلام فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فأمره أن يركب ناقته العضباء (2) وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه البراءة ويقرأها على الناس بمكة، فقال أبو بكر: أسخطه فقال: لا إلا أنه انزل عليه: (أنه لا يبلغ إلا رجل منك)، فلما قدم علي عليه السلام مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الأكبر، قام ثم قال: إني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم فقرأها عليهم (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الاءرض أربعة أشهر) عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من شهر ربيع الآخر، قال: لا يطوف بالبيت عريان، ولا عريانة، ولا مشرك، إلا من كان له عهد من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمدته إلى هذه الأربعة أشهر. قال: وفي خبر محمد بن مسلم قال أبو بكر: يا علي هل نزل في شئ منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: لا، ولكن أبى الله أن يبلغ عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا رجل منه، فوافى الموسم فبلغ عن الله، وعن رسوله بعرفة، والمزدلفة، ويوم النحر، عند الجمار في أيام التشريق كلها ينادي (براءة من الله ورسوله). الآية، ويقول: ولا يطوفن بالبيت عريان.

____________________________

1 - الروحاء موضع بين الحرمين ثلاثين أربعين ميلا من المدينة.

 2 - في الحديث لا تضح بالعضباء بالمد مكسورة القرن الداخل أو مشقوقة الاذن قاله في المغرب وغيره والعضباء اسم ؟ ؟ ؟ كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله قيل هو علم لها وقيل كانت مشقوقة الاذن وفي كلام الزمخشري وهو منقول من قولهم ناقة عضباء وهي القصيرة اليد. 

[ 321 ]

وفي المجمع: روى أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولاه أيضا الموسم وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر. وفيه، والعياشي عن الباقر عليه السلام قال: خطب علي عليه السلام الناس واخترط سيفه، فقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر، وكان خطب يوم النحر فكانت عشرون من ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. واعلموا أنكم غير معجزى الله: لا تفوتونه وإن أمهلكم. وأن الله مخزي الكافرين: مذلهم بالقتل والأسراف بالدنيا والعذاب في الآخرة. (3) وأذن من الله ورسوله إلى الناس إيذان وإعلام، وهو كالأمان والعطاء بمعنى الأيمان والأعتداء يوم الحج الاكبر: قيل: يوم العيد لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن الأعلام كان فيه. والقمي، والعياشي: عن السجاد عليه السلام: الأذان: أمير المؤمنين عليه السلام. القمي وفي حديث آخر: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كنت أنا الأذان في الناس، والأخير مروي في المعاني. والعلل: عن الصادق عليه السلام وزادا، فقيل له: فما معنى هذه اللفظة، الحج الأكبر ؟ فقال: إنما سمي الأكبر لأنها كانت سنة حج فيها المسلمون والمشركون ولم يحج المشركون بعد تلك السنة. وفي الكافي، والمعاني، والعياشي: عنه عليه السلام في عدة أخبار يوم الحج الأكبر: هو يوم النحر، الأصغر العمرة. وفي بعض أخبار الكافي، والعياشي: عنه عليه السلام الحج الأكبر: الوقوف بعرفة، ورمي الجمار، والحج الأصغر العمرة، وزاد العياشي وجمع (1) بعد عرفة. أن الله: بأن الله. برئ

____________________________

1 - وجمع بالفتح فالسكون المشعر الحرام وهو اقرب الموقفين الى مكة المشرفة ومنه حديث ادم عليه السلام ثم انتهى الى جمع فيها بين المغرب والعشاء قيل سمي به لان الناس يجتمعون فيه ويزدلفون الى الله تعالى اي يتقربون إليه بالعبادة والخير والطاعة وقيل لان آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف ودنا منها وقيل لانه يجمع فيه المغرب والعشاء. 

[ 322 ]

من المشركين ورسوله: عطف على الضمير في برئ ولا تكرير فيه، لأن الأول كان إخبارا بثبوت البراءة، وهذا إخبار بإعلامها الناس. فإن تبتم: من الكفر والغدر. فهو خير لكم وإن توليتم: عن التوبة. فاعلموا أنكم غير معجزى الله: غير سابقين الله ولا فائتين بأسه وعذابه. وبشر الذين كفروا بعذاب أليم: في الآخرة. (4) إلا الذين عهدتم من المشركين: استثناء من المشركين واستدراك، وكأنه قيل لهم - بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين -: ولكن الذين عاهدوا منهم. ثم لم ينقصوكم شيئا: من شروط العهد ولم ينكثوا ولم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط. ولم يظاهروا: ولم يعاونوا. عليكم أحدا: من أعدائكم. فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم: إلى تمام مدتهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر. إن الله يحب المتقين: تعليل وتنبيه على أن تمام عهدهم من باب التقوى. (5) فإذا انسلخ: انقضى. الاشهر الحرم: التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها. العياشي: عن الباقر عليه السلام هي يوم النحر إلى عشر مضين من ربيع الآخر. فاقتلوا المشركين: الناكثين. حيث وجدتموهم: من حل وحرم. وخذوهم: وأسروهم، والأخيذ: الأسير. واحصروهم: واحبسوهم وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. واقعدوا لهم كل مرصد: كل ممر وطريق ترصدونهم به، لئلا يبسطوا في البلاد. فإن تابوا: عن الشرك بالأيمان. وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة: تصديقا لتوبتهم. فخلوا سبيلهم: فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشئ من ذلك. إن الله غفور رحيم: يغفر لهم ما قد سلف من كفرهم وغدرهم. (6) وإن أحد من المشركين: المأمور بالتعرض لهم. استجارك: استأمنك وطلب منك جوارك. فأجره: فآمنه. حتى يسمع كلام الله: ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر، فإن معظم الأدلة فيه. ثم أبلغه مأمنه: موضع أمنه إن لم يسلم. القمي: قال: اقرأ عليه وعرفه ثم لا تتعرض له حتى يرجع إلى مأمنه. ذلك بأنهم قوم لا يعلمون: ما الأيمان، وما حقيقة ما تدعوهم إليه فلابد من أمانهم حتى يسمعوا ويتدبروا.

[ 323 ]

(7) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله كيف يكون للمشركين عهد صحيح، ومحال أن يثبت لهم عهد مع إضمارهم الغدر والنكث، فلا تطمعوا في ذلك. إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام: يعني ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام ولم يظهر منهم نكث. فما استقموا لكم فاستقيموا لهم: أي فتربصوا أمرهم، فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء. إن الله يحب المتقين. (8) كيف: تكرار لأستبعاد ثباتهم على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوما، أي كيف يكون لهم عهد. وإن يظهروا عليكم: وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. لا يرقبوا فيكم: لا يراعوا فيكم. إلا: قرابة أو حلفا. ولا ذمة: عهدا أو حقا. يرضونكم بأفواههم: بوعد الأيمان، والطاعة، والوفا بالعهد. وتأبى قلوبهم: ما يتفوه به أفواههم، استيناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر. وأكثرهم فاسقون: متمردون لا عقيدة تزعهم (1)، ولا مروة تردعهم (2)، وتخصيص الأكثر لما يوجد في بعض الكفار من التعفف عما يثلم العرض، والتفادي (3) عن الغدر. (9) اشتروا بآيات الله: استبدلوا بالقرآن 779 وبيناته. ثمنا قليلا: عرضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات. فصدوا عن سبيله: فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم. إنهم ساء ما كانوا يعملون. (10) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك (4) هم المعتدون: المتجاوزون الغاية في الظلم والكفر. (11) فإن تابوا: عن الكفر، ونقض العهد. وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم: فهم إخوانكم. في الدين: لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم. ونفصل الآيات:

____________________________

1 - تزعمهم أي تكفهم وتمنعهم (منه رحمه الله).

 2 - ردعه عنه كمنعه كفه ورده فارتدع.

 3 - تفادى منه تحاماه الناس توقوه واجتنبوا.

 4 - والفائدة في الاعادة ان الاول في صفة الناقضين للعهد والثاني في صفة الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وقيل إنما كرر تأكيدا. 

[ 324 ]

ونبينها لقوم يعلمون: اعتراض للحث على تأمل ما فصل. (12) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم وعابوه فقاتلوا أئمة الكفر أي فقاتلوهم، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأنهم صاروا بذلك ذوي الرياسة، والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل. إنهم لا أيمان لهم: على الحقيقة، وإلا لما طعنوا ولم ينكثوا، وقرئ بكسر الهمزة. ورواها في المجمع: عن الصادق عليه السلام يعني لا عبرة بما أظهروه من الأيمان. لعلهم ينتهون: متعلق ب‍ (قاتلوا)، أي ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عما هم عليه، لا إيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين، وهذا من غاية كرمه سبحانه وفضله. القمي: نزلت هذه الآية في أصحاب الجمل، وقال أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل: ما قاتلت هذه الفئة الناكثة إلا بآية من كتاب الله، يقول الله: (وإن نكثوا ايمانهم) الآية. وفي قرب الأسناد والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: دخل علي أناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير، فقلت لهم: كانا من أئمة الكفر، أن عليا يوم البصرة لما صف الخيول قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله تعالى وبينهم، فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون علي جورا في حكم ؟ قالوا: لا، قال: فحيفا في قسمة ؟ قالوا: لا، قال: فرغبة في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم فنقمتم علي فنكثتم بيعتي ؟ قالوا: لا، قال: فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم ؟ قالوا: لا، قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث ؟ إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلا الكفر، أو السيف ثم ثنى إلى أصحابه فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه: (وإن نكثوا إيمانهم) الآية. ثم قال علي عليه السلام: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، واصطفى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة أنهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت. والعياشي عنه عليه السلام من طعن في دينكم هذا فقد كفر، قال الله: (وطعنوا في

[ 325 ]

دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون). وعن أمير المؤمنين عليه السلام أعذرني الله من طلحة والزبير، بايعاني طائعين غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته، والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ نزلت حتى قاتلتهم (وإن نكثوا أيمانهم)، الآية وفي معناه أخبار كثيرة. (13) ألا تقاتلون قوما: تحريض على القتال. نكثوا أيمانهم: التي حلفوها مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا. وهموا بإخراج الرسول: حين تشاوروا في أمره بدار الندوة حتى أذن الله له في الهجرة فخرج بنفسه على ما سبق ذكره في قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا). وهم بدأوكم أول مرة بالمعاداة والمقاتلة، والبادي أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم بمثله. أتخشونهم (1): أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم ؟. فالله أحق أن تخشوه: فقاتلوا أعداءه، ولا تتركوا أمره. إن كنتم مؤمنين: فإن المؤمن لا يخشى إلا ربه. (14) قاتلوهم: أمر بالقتال بعد بيان موجبه والتوبيخ على تركه. يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم: وعد لهم إن قاتلوهم بالنصر عليهم، والتمكن من قتلهم وإذلالهم. ويشف صدور قوم مؤمنين. (15) ويذهب غيظ قلوبهم: لما لقوا منهم من المكروه، وقد أنجز الله هذه المواعيد كلها، والآية من دلائل النبوة. والعياشي: عن أبي الأعز التيمي قال: كنت واقفا يوم صفين إذ نظرت إلى العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب وهو شاك في السلاح إذ هتف به هاتف من أهل الشام يقال له عرار بن أدهم: يا عباس هلم إلى البراز ثم تكافحا (2) بسيفهما مليا (3) لا

____________________________

1 - لفظة استفهام والمراد به تشجيع المؤمنين وفي ذلك غاية الفصاحة لانه جمع بين التقريع والتشجيع.

 2 - في حديث حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما كافحت عن رسول الله (ص) أي دافعت عنه من المكافحة وهي المدافعة تلقاء الوجه.

 3 - قوله تعالى واهجرني مليا أي حينا طويلا. 

[ 326 ]

يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لامته إلى أن حط العباس درع الشامي فأهوى إليه بالسيف انتظم به جوانح الشامي فخر الشامي صريعا وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض، فسمعت قائلا يقول: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) الآية، فالتفت فإذا هو أمير المؤمنين ويتوب الله على من يشآء: استئناف أخبار بأن بعضهم يتوب عن كفره، وقد كان ذلك أيضا. والله عليم: بما كان وما سيكون. حكيم: لا يفعل إلا ما فيه الحكمة. (16) أم حسبتم أن تتركوا: أم منقطعة، وفي الهمزة معنى التوبيخ، يعني إنكم لا تتركون على ما أنتم عليه. ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم: ولم يتبين المخلصون منكم، وهم المجاهدون في سبيل الله لوجه الله. ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة: يعني المخلصين غير المتخذين من دونهم بطانة يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، ولما دلت على أنه متوقع قيل: أراد بنفي العلم: نفي العلوم. والقمي: أي لما يرى فأقام العلم مقام الرؤية، لأنه قد علم قبل أن يعلموا. وعن الباقر عليه السلام يعني بالمؤمنين آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوليجة: البطانة. وفي الكافي: عنه عليه السلام يعني بالمؤمنين الأئمة عليهم السلام. وعنه عليه السلام: لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا مؤمنين، فإن كل سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع إلا ما أثبته القرآن. وعن أبي محمد الزكي عليه السلام الوليجة: الذي يقام دون ولي الأمر، والمؤمنون في هذا الموضع: هم الأئمة عليهم السلام الذين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم. والله خبير بما تعملون: يعلم غرضكم منه. (17) ما كان للمشركين: ما صح لهم ولا استقام. أن يعمروا مساجد الله: شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام، وقرئ بالتوحيد. شاهدين على أنفسهم بالكفر: بإظهار الشرك، ونصب الأصنام حول البيت.

[ 327 ]

وفي الجوامع: روي أن المسلمين عيروا أسارى بدر، ووبخ على العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقالوا: أو لكم محاسن ؟ قال: نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني (1) فنزلت. أولئك حبطت أعمالهم: التي هي العمارة، والسقاية، والحجابة، وفك العناة، التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك. وفى النار هم: خالدون لأجله. (18) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة: إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، والعمارة يتناول بناؤها، ورم ما (2) استرم منها، وكنسها، وتنظيفها وتنويرها بالسرج، وزيارتها للعبادة والذكر، ودرس العلم وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا، وفي الحديث القدسي إن بيوتي في الأرض: المساجد، وإن زواري فيها: عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي. فحق على المزور أن يكرم زائره، وفي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة. ولم يخش إلا الله: يعني في أبواب الدين بأن لا يختار على رضاء الله رضاء غيره فإن الخشية على المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها. فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين: ذكره بصيغة التوقع قطعا لأطماع المشركين في الأهتداء، والأنتفاع بأعمالهم. (19) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن: كإيمان من آمن. بالله واليوم الآخر وجهد في سبيل الله: أو جعلتم أهل السقاية والعمارة كمن آمن. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام أنه قرأ سقاة الحاج، وعمرة المسجد الحرام.

____________________________

1 - العاني الاسير ومنه اطعموا الجايع وفكوا العاني وكل سن ذل واستكان وخضع فقد عنى وهو عان والمرأة عانية والجمع عوان ومنه الخبر اتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم أي اسراء كالاسراء.

 2 - رممت الشئ ارمه وارمه رما ومرمة إذا أصلحته. 

[ 328 ]

والقمي: عنه عليه السلام نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: (كمن آمن بالله)، الآية. وعنه عليه السلام: نزلت في علي عليه السلام، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، وقال علي أنا أفضل فإني آمنت قبلكما، ثم هاجرت وجاهدت، فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله. وفي المجمع: ما يقرب منه، وزاد ضربت خرطومكما (1) بالسيف حتى آمنتما بالله. والعياشي: عن الصادق عليه السلام ما في معناه، وذكر عثمان بن أبي شيبة مكان شيبة. وفي الكافي، والعياشي: عن أحدهما عليهما السلام نزلت في حمزة، وعلي، وجعفر، والعباس، وشيبة إنهم فخروا بالسقاية، والحجابة، فأنزل الله، وكان علي، وحمزة وجعفر الذين آمنوا بالله، واليوم الآخر، وجاهدوا في سبيل (2) الله. لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين: بالشرك، والمسوين بينهم وبين المؤمنين. (20) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله: أعظم درجة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات. وأولئك هم الفائزون: المختصون بالفوز ونيل الحسنى عند الله. (21) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم: دائم، والتنكير المبشر به اشعار بأنه وراء التوصيف والتعريف. (22) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم: يستحقر دونه كل أجر.

____________________________

1 - قوله تعالى سسمه على الخرطوم هو بضم الخاء الانف وهو أكرم موضع في الوجه كما أن الوجه اكرم موضه في الجسد.

 2 - وروي ان المشركين قالوا لليهود نحن سقات الحجيج وعمار المسجد الحرام فنحن أفضل أم محمد وأصحابه فقالت اليهود أنتم أفضل فنزلت. 

[ 329 ]

(23) يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الاءيمان اختاروه عليه، قيل: لما أمروا بالهجرة فكان يمنعهم منها أقرباؤهم فمنهم من كان يتركها لأجلهم فنزلت. وفي المجمع: عنهما عليهما السلام نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد فتح مكة. والعياشي عن الباقر عليه السلام الكفر في الباطن في هذه الآية: ولاية الأول والثاني، والأيمان: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون: بوضعهم الموالاة في غير موضعها. (24) قل إن كان آبآؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم: أقرباؤكم، وقرئ عشيراتكم وأموال اقترفتموها: اكتسبتموها. وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا (1) حتى يأتي الله بأمره: وعيده، والأمر عقوبة. والله لا يهدى القوم الفاسقين: لا يرشدهم. القمي: لما أذن أمير المؤمنين عليه السلام بمكة أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام، جزعت قريش جزعا شديدا، وقالوا: ذهبت تجارتنا، وضاع عيالنا، وخربت دورنا، فأنزل الله عز وجل في ذلك: (قل) يا محمد (إن كان آباؤكم)، الآية. أقول: في الآية تشديد عظيم، وقل من يتخلص عنه. وفي الحديث: لا يجد أحدكم طعم الأيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله. (25) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة (2) يعني مواطن الحرب وهي مواقعها ومواقفها.

____________________________

1 - تربصت الامر تربصا انتظرته وتربصت بفلان الامر توقعت نزوله به.

 2 - في الكافي عن علي عن بعض أصحابه ذكره قال لما سم المتوكل نذران عوفي أن يتصدق بمال كثير فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا عليه فقال بعضهم مأة الف وقال بعضهم عشرة آلاف وقالوا فيه أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر فقال رجل من ندمائه يقال صفعان اتبعث الى هذا الأسود فتسأله عنه فقال له المتوكل من تعني ويحك فقال ابن = 

[ 330 ]

في الكافي والعياشي والقمي عن الهادي عليه السلام إنها كانت ثمانين موطنا ويوم حنين وهو واد بين مكة والطائف إذ أعجبتكم كثرتكم في الجوامع لما التقوا قال رجل من المسلمين لن نغلب اليوم من قلة فساءت مقالته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل كان قائلها أبو بكر. والعياشي عن الصادق عليه السلام في قوله إذ أعجبتكم كثرتكم إلى قوله ثم وليتم مدبرين قال أبو فلان فلم تغن عنكم الكثرة شيئا من الغنى أوامر العدو وذلك لما أدركتهم كلمة الاعجاب وضاقت عليكم الاءرض بما رحبت بسعتها لا تجدون فيها مقرا تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب ثم وليتم مدبرين منهزمين (26) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا. القمي عن الباقر عليه السلام وهو القتل يعني العذاب وذلك جزاء الكافرين القمي كان سبب غزوة حنين أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فتح مكة أظهر أنه يريد هوازن فتهيئوا وجمعوا الجموع والسلاح واجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النضري فرأسوه عليهم وخرجوا وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم، ومروا حتى نزلوا بأوطاس قال ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتماع هوازن بأوطاس فجمع القبائل ورغبهم في الجهاد ووعدهم النصر وأن الله قد وعده أن يغنمه أموالهم ونساءهم وذراريهم فرغب الناس وخرجوا على راياتهم وعقد اللواء الأكبر ودفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكل من دخل مكة براية أمره أن يحملها وخرج في اثني عشر ألف رجل عشرة آلاف ممن كان معه. وعن الباقر عليه السلام قال وكان معه من بني سليم ألف رجل رئيسهم عباس

____________________________

= الرضا فقال له وهو يحسن شيئا من هذا فقال يا أمير المؤمنين ان أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا والا فاضربني مأة مقرعة فقال المتوكل قد رضيت يا جعفر بن محمود سر إليه واسأله عن حد المال الكثير فصار جعفر بن محمود الى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام فسأله عن حد المال الكثير فقال الكثير ثمانون فقال له جعفر يا سيدي أرى أنه يسألني عن العلة فيه فقال أبو الحسن عليه السلام ما معناه الدليل عليه قوله تعالى في مواطن كثيرة عددنا تلك المواطن فكانت ثمانين. 

[ 331 ]

عباس بن مرداس السلمي، ومن مزينة (1) ألف رجل، قال: فمضوا حتى كان من القوم مسيرة بعض ليلة، قال: وقال مالك بن عوف لقومه: ليصير كل رجل منكم أهله أو ماله خلف ظهره، واكسروا جفون سيوفكم واكمنوا في شعاب هذا الوادي، وفي الشجر فإذا كان في غلس الصبح فأحملوا حملة رجل وهدوا (2) القوم فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب، قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغداة انحدر في وادي حنين، وهو واد له انحدار بعيد، وكان بنو سليم على مقدمته فخرج عليهم كتائب هوزان من كل ناحية. فانهزمت بنو سليم وانهزم من ورائهم ولم يبق أحد إلا إنهزم وبقى أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل، ومر المنهزمون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يلوون (3) على شئ، وكان العباس آخذا بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن يمينه، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب عن يساره، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي يا معشر الأنصار إلى أين ؟ أنا رسول الله فلم يلو أحد عليه وكانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو (أي ترمي) في وجوه المنهزمين التراب، وتقول: إلى أين تفرون عن الله، وعن رسوله. ومر بها عمر فقالت: ويلك ما هذا الذي صنعت ؟ فقال لها: هذا أمر الله. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الهزيمة ركض (4) نحو علي بغلته، فرآه وقد شهر سيفه فقال: يا عباس - وكان صيتا رفيع الصوت - إصعد هذا الظرب (5) وناد يا أصحاب البقرة، ويا أصحاب الشجرة إلى أين تفرون ؟ هذا رسول الله. ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده فقال: اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، فنزل عليه جبرئيل فقال يا رسول الله: دعوت بما دعا به موسى

____________________________

1 - مزينة قبيل من مضر.

 2 - الفلس بالتحريك الظلمة آخر الليل.

 3 - أي لا يقف أحد لاحد ولا ينتظره.

 4 - ركضت الدابة إذا ضربتها برجلك استحثها.

 5 - الظرب ككتف ما نتأ من الحجارة وحد طرفه أو الجبل المنبسط والصغير ح ظراب. 

[ 332 ]

عليه السلام حيث فلق الله له البحر ونجاه من فرعون، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفا من حصى فناوله، فرماه في وجوه المشركين، ثم قال: شاهت الوجوه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد. فلما سمعت الأنصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم، وهم يقولون: لبيك، ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالراية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس: من هؤلاء يا أبا الفضل ؟ فقال: يا رسول الله هؤلاء الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآن حمي (1) الوطيس ونزل النصر من الله وانهزمت الهوازن وكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو، وانهزموا في كل وجه، وغنم الله ورسوله أموالهم ونساءهم وذراريهم، وهو قول الله: (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين). قال: وقال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له: شجرة بن ربيعة للمؤمنين وهو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق (2) والرجال عليهم الثياب البيض فإنما كان قتلنا بأيديهم، وما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، قالوا: تلك الملائكة. وفي الكافي: عن الرضا عليه السلام أنه سئل ما السكينة ؟ فقال: ريح من الجنة لها وجه كوجه الأنسان أطيب ريحا من المسك، وهي التي أنزلها الله على رسوله بحنين فهزم المشركين. وعن الصادق عليه السلام: قال: قتل علي بن أبي طالب عليه السلام يوم حنين أربعين. (27) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء منهم بالتوفيق للأسلام. والله

____________________________

1 - وفي حديث حنين الآن حمي الوطيس الوطيس التنور وهو كناية عن شدة الامر واضطراب الحرب ويقال اول من قالها النبي (ص) لما اشتد البأس بموته وهي أحسن الاستعارات.

 2 - البلق محركة سواد وبياض كالبلغة بالضم. 

[ 333 ]

غفور رحيم: يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم. روي أن اناسا منهم جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلموا، وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم، وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا، وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس واخذ من الأبل والغنم ما لا يحصى، فقال: اختاروا إما سباياكم وإما أموالكم، فقالوا: ما كنا نعدل الأحساب شيئا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فلنعطيه مكانه، فقالوا: رضينا وسلمنا، فقال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفائكم فليرفعوا إلينا فرفعوا أنهم قد رضوا. (28) يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس: لخبث باطنهم. فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة: فقرا بسبب منعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والمنافع. فسوف يغنيكم الله من فضله: من عطائه وتفضله على وجه آخر. إن شآء: قيل: قيده بالمشيئة لينقطع الآمال إلى الله تعالى ولنبيه على أنه متفضل في ذلك، وأن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام، وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا، ووفق طائفة من أهل اليمن للأسلام فحملوا الطعام إلى مكة، ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض. إن الله عليم: بأحوالكم. حكيم: فيما يعطي ويمنع. (29) قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: يعني لا يؤمنون بهما على ما ينبغي فإن إيمانهم كلا إيمان. ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله: ما ثبت تحريمة بالكتاب والسنة. ولا يدينون دين الحق: الثابت الذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها. من الذين أوتوا الكتاب: بيان للذين لا يؤمنون. حتى يعطوا الجزية: ما يقرر عليهم أن يعطوه، من جزى دينه، إذا قضاه. عن يد: مواتية غير ممتنعة. وهم صاغرون: أذلاء، يعني يؤخذ منهم على الصغار والذل.

[ 334 ]

في الكافي، والتهذيب: عن الباقر عليه السلام بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة أسياف إلى أن قال: والسيف الثاني على أهل الذمة، قال الله تعالى: (وقولوا للناس حسنا) نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثم نسخها قوله سبحانه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية. فمن كان منهم في دار الأسلام فلم يقبل منهم إلا الجزية أو القتل وما لهم فئ، وذراريهم سبي، وإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم، وحلت لنا مناكحهم، ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم، ولم يحل لنا مناكحتهم ولم يقبل منهم إلا الدخول في دار الأسلام أو الجزية أو القتل. والعياشي: ما يقرب منه. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن المجوس أكان لهم نبي، فقال: نعم أما بلغك كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل مكة أن أسلموا وإلا فأذنوا بحرب فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن خذ منا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه، زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر (1)، فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، وكتاب أحرقوه أتاهم نبيهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور. وفيه، وفي الفقيه، والعلل: عنه عليه السلام إنه سئل عن النساء كيف سقطت الجزية ورفعت عنهن ؟ فقال: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب إلا أن تقاتلن، وإن قاتلت أيضا فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللا، فلما نهى عن قتلهن في دار الحرب كان ذلك في دار الأسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية عنها، ولو امتنع الرجال وأبوا

____________________________

1 - هجر محركة بلدة باليمن أو اسم لجميع ارض البحرين أو قرية كانت قرب المدينة. 

[ 335 ]

أن يؤدوا الجزية كانوا ناقضين للعهد وحل دماؤهم وقتلهم لأن قتل الرجال مباح في دار الشرك، وكذلك المقعد من أهل الشرك والذمة والأعمى والشيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض الحرب، ومن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية. وفي الكافي، والفقيه: عنه عليه السلام جرت السنة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه (1) ولا من المغلوب على عقله. وفيهما، والعياشي، والقمي: عنه عليه السلام أنه سئل ما حد الجزية على أهل الكتاب ؟ وهل عليهم في ذلك شئ موظف لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره ؟ فقال: ذلك إلى الأمام يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله، وما يطيق إنما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتى يسلموا فإن الله وتعالى قال: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) وكيف يكون صاغرا وهو لا يكترث (2) لما يؤخذ منه، لا حتى يجد ذلا لما أخذ منه فيألم بذلك فيسلم. وفيهما: عن الباقر عليه السلام في أهل الجزية أيؤخذ من أموالهم ومواشيهم شئ سوى الجزية ؟ قال: لا. (30) وقالت اليهود عزير ابن الله: إنما قال ذلك بعضهم ولم يقله كلهم. في الأحتجاج: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه طالبهم بالحجة، فقالوا: لأنه أحيى لبني إسرائيل التوراة بعدما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كيف صار عزير ابن الله دون موسى ؟ وهو الذي جاءهم بالتوراة ورأوا منه من المعجزات ما قد علمتم، فإن كان عزير ابن الله لما ظهر من إكرامه من إحياء التوراة، فلقد كان موسى بالنبوة أحق وأولى، الحديث. وقالت النصارى المسيح ابن الله: وهو أيضا قول بعضهم.

____________________________

1 - المعتوه الناقص العقل وفي الحديث المعتوه الاحمق الذاهب العقل وقد عنه عنها من باب تعب وعتاها بالفتح نقص عقله من غير جنون أو دهش.

 2 - في الحديث لا يكترث لهذا الامر أي لا يعبأ به ولا يباليه. 

[ 336 ]

وفي الأحتجاج: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه طالبهم بالحجة فقالوا: إن الله لما أظهر على يد عيسى عليه السلام من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه ثم أعاد ذلك كله فسكتوا، الحديث. ذلك قولهم بأفواههم: اخترعوه بأفواههم لم يأتهم به كتاب ومالهم به حجة. يضاهؤن قول الذين كفروا: يضاهي قولهم قول الذين كفروا. من قبل: كالقائلين بأن الملائكة بنات الله. قاتلهم الله. في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث أي لعنهم الله فسمى اللعنة قتالا. أنى يؤفكون: كيف يصرفون عن الحق. في المجالس، والعياشي: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح بن الله، واشتد غضب الله على من أراق دمي وآذاني في عترتي. (31) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون. وفي معناه أخبار كثيرة. والمسيح ابن مريم: بأن أهلوه للعبادة. القمي عن الباقر عليه السلام أما المسيح فعصوه وعظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه إله، وأنه ابن الله، وطائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله، وأما أحبارهم ورهبانهم فإنهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم واتبعوا ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه فاتخذوهم أربابا بطاعتهم لهم، وتركهم أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم، قال:

[ 337 ]

وإنما ذكر هذا في كتابنا لكي نتعظ بهم. وما أمروا إلا ليعبدوا: ليطيعوا. إلها وحدا: وهو الله تعالى، وأما طاعة الرسل وأوصيائهم فهي في الحقيقة طاعة الله لأنهم عن الله يأمرون وينهون. لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون: تنزيه له عن الأشراك. (32) يريدون أن يطفئوا: يخمدوا. نور الله بأفواههم (1): بشركهم وتكذيبهم. ويأبى الله إلا أن يتم نوره: بإعلاء التوحيد واعزاز الأسلام. ولو كره الكفرون: مثل الله سبحانه حالهم في طلبهم إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وولاية علي عليه السلام بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم يريد الله أن يبلغه الغاية القصوى من الأضاءة والأنارة ليطفئه بنفخه. في الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثوه فيه وحرفوا منه. وعنه عليه السلام: وجعل أهل الكتاب القيمين به والعالمين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت، بعد الوقت وجعل أعداءها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره. وفي الأكمال: عن الصادق عليه السلام وقد ذكر شق فرعون بطون الحوامل في طلب موسى كذلك بنو أمية وبنو العباس لما أن وقفوا على أن زوال ملك الامراء والجبابرة منهم على يد القائم ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإبادة نسله طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم عليه السلام فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. (33) هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله:

____________________________

1 - لان الاطفاء يكون بالافواه وهو النفخ وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كبدهم لان الفم يؤثر في الانوار الضعيفة دون الاقباس العظيمة مجمع البيان. 

[ 338 ]

ليظهر دين الحق على سائر الأديان. ولو كره المشركون. القمي: نزلت في القائم من آل محمد عليه وعليهم السلام، وقال: وهو الذي ذكرناه مما تأويله بعد تنزيله. وفي الأكمال: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية والله ما نزل تأويلها بعد ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم، فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالأمام إلا كره خروجه حتى لو كان كافرا أو مشرك في بطن صخرة لقالت يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله. وفي الكافي: عن الكاظم عليه السلام في هذه الآية هو الذي أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالولاية لوصيه، والولاية: هي دين الحق ليظهره على جميع الأديان عند قيام القائم عليه السلام، والله متم ولاية القائم ولو كره الكافرون بولاية علي عليه السلام، قيل: هذا تنزيل ؟ قال: نعم هذا الحرف تنزيل وأما غيره فتأويل. وفيه: في حديث مناجاة موسى عليه السلام ربه وقد ذكر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فتمت كلماتي لأظهرن دينه على الأديان كلها ولأعبدن بكل مكان. وفي الأحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام وغاب صاحب هذا الأمر بايضاح الغدر له في ذلك لأشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشدهم عداوة، وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها ويظهر دين نبيه على يديه على الدين كله ولو كره المشركون. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام في هذه الآية إن ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد عليه وعليهم صلوات الله، فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. والعياشي: عنه عليه السلام ما في معناه قال عليه السلام وفي خبر آخر قال: ليظهره الله في الرجعة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أظهر ذلك بعد ؟ قالوا: نعم، قال: كلا فوالذي نفسي بيده حتى لا يبقى قرية إلا وتنادي بشهادة أن لا إله إلا الله، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكرة وعشيا.

[ 339 ]

وعن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: إذا خرج القائم لم يبق مشرك بالله العظيم، ولا كافر إلا كره خروجه. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر (1) ولا وبر (2) إلا أدخله الله الأسلام إما بعز عزيز أو بذل ذليل، إما يعرهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به، وإما يذلهم فيدينون له. وفي الأكمال، والعياشي: عن الباقر عليه السلام القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله به دينه على الدين كله، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، الحديث. (34) يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الاءحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل: يأخذونها من الحرام بالرشاء في الأحكام، وتخفيف الشرائع للعوام. ويصدون عن سبيل الله: عن دينه. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله: قيد الكنز بعدم الأنفاق لئلا يعم من جمع للأنفاق وبعد إخراج الحقوق. فبشرهم بعذاب أليم: هو الكي بهما. (35) يوم يحمى عليها: يوقد النار ذات حمى شديدة على الكنوز. في نار جهنم فتكوى بها: بتلك الكنوز المحماة. جباههم وجنوبهم وظهورهم: قيل: إنما خص هذه الأعضاء لأنهم لم يطلبوا بترك الأنفاق إلا الأغراض الدنيوية من وجاهة عند الناس، وأن يكون ماء وجوههم مصونا، ومن أكل طيبات يتضلعون (3) منها، ومن لبس ثياب ناعمة يطرحونها على ظهورهم، أو لأنهم يعبسون وجوههم للفقير، إذا رأوه يولونه جنوبهم، وإذا دار

____________________________

1 - المدر جمع مدرة كقصب وقصبة وهو التراب الملبد.

 2 - فيه أحب الي من أهل الوبر والمدر أي أهل البوادي والمدن والقرى وهو من وبر الابل لان بيوتهم يتخذونها منه 3 - تضلع الرجل امتلأ شبعا وريا ومنه حديث ماء زمزم شرب حتى تضلع اي اكثر من الشرب حتى تمدد جنبه واضلاعه. 

[ 340 ]

أعطوه ظهورهم. وان الجباه كناية عن مقاديم البدن، والجنوب عن طرفيه، والظهور عن االماء خير، يعني به أن الكي يستوعب البدن كله. هذا ما كنزتم: يعني يقال لهم: هذا ما كنزتم. لانفسكم: لانتفاع أنفسكم، وكان سبب تعذيبها. فذوقوا ما كنتم تكنزون: يعني وباله، القمي: عن الباقر عليه السلام في هذه الآية إن الله حرم كنز الذهب والفضة، وأمر بإنفاقه في سبيل الله، قال: كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام فينادي بأعلى صوته بشر أهل الكنوز بكي في الجباه، وكي في الجنوب، وكي في الظهور حتى يتردد الحر في أجوافهم. وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية قال: تبا للذهب تبا للفضة يكررها ثلاثا، فشق ذلك على أصحابه فسأله عمر أي المال نتخذ ؟ فقال: لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه. وفي الخصال: عنه عليه السلام الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم. والقمي: في حديث قد سبق في سورة البقرة نظر عثمان بن عفان إلى كعب الأحبار فقال له: يا أبا إسحق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شئ ؟ فقال: لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنا من فضة ما وجب عليه شئ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين ؟ قول الله أصدق من قولك حيث قال: (والذين يكنزون الذهب والفضة)، الآية. وفي المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدى زكاته أو لم يؤد، وما دونها فهي نفقة. والعياشي: عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية ؟ فقال: إنما عنى بذلك ما جاوز ألفي درهم. وفي الأمالي: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وسلم كل مال تؤدي زكوته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لا تؤدى زكوته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

[ 341 ]

وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتيه به فيستعين به على عدوه، وهو قول الله: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية. أقول: لعل التوفيق بين هذه الأخبار أن يقال: بجواز الجمع لغرض صحيح إلى ألفي درهم أو إلى أربعة آلاف بعد إخراج الحقوق، ومن جملة الحقوق حق الأمام إذا كان ظاهرا وهو ما زاد على ما يكف عن صاحبه. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل في كم تجب الزكوة من المال ؟ فقال: الزكوة الظاهرة أم الباطنة تريد ؟ فقيل: أريدهما جميعا، فقال: أما الظاهرة ففي كل ألف خمسة وعشرون، وأما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك. وعنه عليه السلام إنما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله تعالى ولم يعطكموها لتكنزوها. وفي التهذيب: عنه عليه السلام ما أعطى الله عبدا ثلاثين ألفا وهو يريد به خيرا، وقال: ما جمع رجل قط عشرة آلاف درهم من حل وقد يجمعها لأقوام إذا أعطى القوت ورزق العمل فقد جمع الله له الدنيا والآخرة. (36) إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله: فيما كتبه وأثبته عنده ورآه حكمة وصوابا. يوم خلق السموات والارض: منذ خلق الأجسام، والأزمنة. منهآ أربعة حرم: يحرم فيها القتال، ثلاثة سرد وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب. ذلك الدين القيم: أي تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القيم. فلا تظلموا فيهن أنفسكم: بهتك حرمتها وارتكاب حرامها وقاتلوا المشركين كافة. القمي: عن الباقر عليه السلام يقول جميعا. كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين: بشارة وضمان لهم بالنصرة إن اتقوا. (37) إنما النسئ تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد

[ 342 ]

العدد، وقرء النسي بقلب الهمزة ياء والأدغام، والنسي الكرمي. ونسبه في المجمع إلى الباقر عليه السلام. وفي الجوامع: إلى الصادق عليه السلام. زيادة في الكفر: لأنه تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرمه الله، فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم يضل به الذين كفروا: ضلالا زائدا، وقرئ يضل على البناء للمفعول يحلونه عاما: يحلون النسئ من الأشهر الحرم سنة، ويحرمون مكانه شهرا آخر. ويحرمونه عاما: فيتركونه على حرمته. القمي: كان سبب نزولها إن رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلين طي، وخثعم في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله صفرا، فإذا كان العام المقبل يقول: قد أحللت صفرا وأنسأته وحرمت بدله شهر المحرم، فأنزل الله (إنما النسئ) الآية. وقيل: أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل أحمر في الموسم فينادي إن آلهتكم أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي في القابل إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. ليواطئوا عدة ما حرم الله: ليوافقوا عدة الأربعة المحرم. فيحلوا ما حرم الله: فيحلوا بمواطاة العدة وحدها ما حرم الله من القتال. زين لهم سوء أعمالهم: خذلهم الله حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسنا. والله لا يهدى القوم الكافرين: لعدم قبولهم الأهتداء. (38) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الاءرض: تباطأتم مخلدين (1) إلى أرضكم والأقامة بدياركم. في الجوامع: كان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف استنفروا في وقت قحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق ذلك عليهم. والقمي: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يسافر سفرا أبعد ولا أشد

____________________________

1 - قوله تعالى اخلد الى الارض أي مال وركن الى الدنيا وشهواتها واتبع هواه في إيثار الدنيا.

 2 - الشقة بالضم والكسر والناحية يقصدها المسافر والسفر البعيد والمشقة. 

[ 343 ]

منه، وكان سبب ذلك أن الصيافة (1) كانوا يقدمون المدينة من الشام معهم الدرموك (2) والطعام وهم الأنباط (3) فأشاعوا بالمدينة أن الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عسكر عظيم وأن هرقل قد سار في جنوده، وجلب معهم غسان (4)، وجذام (5)، وبهراء، وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء، ونزل هو حمص. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالتهيؤ إلى تبوك، وهي من بلاد البلقاء، وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة وحثهم على الجهاد، وأمر رسول الله بعسكره فضرب في ثنية الوداع، وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، ومن كان عنده شئ أخرجه وحملوا وقووا وحثوا على ذلك، ثم خطب خطبة ورغب الناس في الجهاد، قال: وقدمت القبايل من العرب ممن استنفرهم وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم. أقول: وسنذكر بقايا هذه القصة متفرقة عند تفسير الآيات الآتية إلى آخر السورة. أرضيتم بالحيوة الدنيا: وغرورها. من الآخرة: بدل الآخرة ونعيمها. فما متاع الحيو ة الدنيا في الآخرة: في جنب الآخرة. إلا قليل: مستحقر. (39) إلا تنفروا: إلى ما استنفرتم إليه. يعذبكم عذابا أليما (6) ويستبدل قوما غيركم: خيرا منكم، وأطوع. ولا تضروه شيئا: إذ لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه شيئا فانه الغني عن كل شئ وعن كل أمر، أو ولا تضروا النبي شيئا لأن الله وعده أن ينصره ويعصمه من الناس، ووعده الله كائن لا محالة. والله على كل شئ قدير: فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا عدد.

____________________________

1 - اصناف القوم إذا دخلوا في الصيف وصائفة القوم مسيرتهم في الصيف.

 2 - الدرمك كجعفر دقيق الحواري الدقيق الابيض وهو الباب الدقيق وكل ما حواري بيض من طعام ق.

 3 - نبط جبل ينزلون بالبطايح بين العراق ق.

 4 - غسان كشداد ماء نزل عليه قوم من الازد فنسبوا إليه منهم بنو جفنة رهط الملوك أو غسان اسم القبيلة ق.

 5 - جذام كغراب قبيلة بجيال صمي من معد ق.

 6 - مؤلما في الآخرة وقيل في الدنيا م ن. 

[ 344 ]

(40) إلا تنصروه فقد نصره الله: إن تركتم نصرته فسينصره الله كما نصره. إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين: لم يكن معه إلا رجل واحد. إذ هما في الغار: غار ثور، وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة. إذ يقول لصاحبه: وهو أبو بكر. لا تحزن: لا تخف. إن الله معنا: بالعصمة والمعونة. في الكافي: عن الباقر عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن فإن الله معنا وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاله قال له: تريد أن اريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون. وأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون، قال: نعم فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده على وجهه فنظر إلى الأنصار يتحدثون، ونظر إلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر. فأنزل الله سكينته: أمنته التي تسكن إليها القلوب عليه. في الكافي: عن الرضا عليه السلام أنه قرأها (على رسوله) قيل له: هكذا، نقرؤها، وهكذا تنزيلها. والعياشي: عنه عليه السلام إنهم يحتجون علينا بقول الله تعالى: (ثانى اثنين إذ هما في الغار) وما لهم في ذلك من حجة، فوالله لقد قال الله: (فأنزل الله سكينته على رسوله) وما ذكره فيها بخير، قيل: هكذا تقرؤنها ؟ قال: هكذا قرأتها. وعن الباقر عليه السلام: (فأنزل الله سكينته على رسوله)، قال: ألا ترى أن السكينة إنما نزلت على رسوله. وفي الجوامع: نسب القراءة إلى الصادق عليه السلام أيضا. وأيده بجنود لم تروها: يعني الملائكة، قد سبق فيه كلام في تفسير: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) في سورة الأنفال. وجعل كلمة الذين كفروا السفلى: العياشي: عن الباقر عليه السلام، هو الكلام الذي يتكلم به عتيق. والقمي: ما في معناه. وكلمة الله هي العليا.

[ 345 ]

القمي: هو قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: هي التوحيد أو دعوة الأسلام. أقول: المستفاد مما سبق في سورة الأنفال إن كلمتهم: ما كانوا يمكرون به من إثباته أو قتله أو إخراجه وكلمة الله: نصره وغلبته عليهم. والله عزيز حكيم: في أمره وتدبيره. (41) انفروا خفافا وثقالا: القمي قال: شبانا وشيوخا، يعني إلى غزوة تبوك. وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله: بما تيسر لكم منهما. ذ لكم خير لكم إن كنتم تعلمون. (42) لو كان عرضا قريبا: أي لو كان ما دعوا إليه نفعا دنيويا قريبا سهل المأخذ. القمي: عن الباقر عليه السلام يقول: غنيمة قريبة. وسفرا قاصدا: متوسطا. لاتبعوك: لوافقوك. ولكن بعدت عليهم الشقة: المسافة التي تقطع بمشقة. القمي: يعني إلى تبوك. وفي التوحيد، والعياشي: عن الصادق عليه السلام كان في علم الله لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لفعلوا. وسيحلفون بالله: أي المتخلفون إذا رجعت من تبوك معتذرين. لو استطعنا: يقولون لو كان لنا استطاعة العدة أو البدن. لخرجنا معكم: وهذا إخبار بما سيقع قبل وقوعه. يهلكون أنفسهم: بإيقاعها في العذاب. والله يعلم إنهم لكاذبون: في التوحيد: عن الصادق عليه السلام كذبهم الله في قولهم: (لو استطعنا لخرجنا معكم) وقد كانوا مستطيعين للخروج. (43) عفا الله عنك لم أذنت لهم: في القعود حين استأذنوك واعتلوا بالأكاذيب وهلا توقفت. حتى يتبين لك الذين صدقوا: في الأعتذار. وتعلم الكاذبين: القمي: عن الباقر عليه السلام يقول لتعرف أهل الغدر والذين جلسوا بغير عذر. في الجوامع: وهذا من لطيف المعاتبة بدأ بالعفو قبل العتاب، ويجوز العتاب من الله فيما غيره أولى لا سيما للأنبياء، وليس كما قال جار الله: من أنه كناية عن الجناية، وحاشا سيد

[ 346 ]

الأنبياء وخير بني حواء من أن ينسب إليه الجناية. وفي العيون: عن الرضا (عليه الصلاة والسلام) في جواب ما سأله المأمون من عصمة الأنبياء: هذا مما نزل باياك أعني واسمعي يا جارة خاطب الله تعالى بذلك نبيه وأراد به أمته. (44) لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم: أي ليس من عادة (1) المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا وأن الخلص منهم يتبادرون إليه ولا يوقفونه على الأذن فيه، فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، أو ليس من عادتهم أن يستأذنوك في التخلف كراهة أن يجاهدوا. والله عليم بالمتقين: شهادة لهم بالتقوى وعدة لهم بثوابه. (45) إنما يستأذنك: في التخلف. الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون: يتحيرون، في الخصال: عن أمير المؤمنين عليه السلام من تردد في الريب سبقه الأولون، وأدركه الآخرون، ووطأته سنابك الشياطين. (46) ولو أرادوا الخروج لاعدوا له للخروج. عدة: اهبة. العياشي: مضمرا يعني بالعدة: النية، يقول: لو كان لهم نية لخرجوا. ولكن كره الله انبعاثهم: نهوضهم للخروج إلى الغزو ولعلمه بأنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين (2). فثبطهم: بطأهم، وجبنهم، وكسلهم، وخذلهم. وقيل اقعدوا مع القاعدين: مع النساء والصبيان وهو إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القعود، وفي هذا دلالة على أن إذنه لم يكن قبيحا، وإن كان الأولى أن لا يأذن لهم ليظهر للناس نفاقهم. (47) لو خرجوا فيكم ما زادوكم: بخروجهم. إلا خبالا: فسادا وشرا. ولاءوضعوا خلالكم: ولأسرعوا ركايبهم بينكم بالفساد.

____________________________

1 - وقيل معناه لا يستأذنك في الخروج لانه مستغنى عنه بدعائك الى ذلك بل يتأهب له م ن.

 2 - وكانوا عيونا للمشركين فكان الضرر في خروجهم اكثر من الفائدة م ن. 

[ 347 ]

القمي: أي هربوا عنكم. يبغونكم الفتنة: يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم والرعب في قلوبكم وإفساد نياتكم في غزوتكم. وفيكم سمعون لهم: أي عيون نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو فيكم قوم يسمعون قول المنافقين ويقبلونه ويطيعونهم، يريد من كان ضعيف الأيمان من المسلمين. والله عليم بالظالمين: المصرين على الفساد، يعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم. (48) لقد ابتغوا الفتنة: تشتيت شملك، وتفريق أصحابك. من قبل: قيل: يعني يوم أحد، وقيل: هي وقوفهم على الثنية ليلة العقبة ليفتكوا به. وقلبوا لك الاءمور: أي دبروا لك الحيل والمكايد، واحتالوا في ابطال أمرك. حتى جاء الحق: وهو تأييدك ونصرك. وظهر أمر الله: وغلب دينه، وعلا أهله. وهم كارهون: أي على رغم منهم، والايتان لتسلية الرسول والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لأجله، وهتك أستارهم، وإزاحة إعتذارهم، تداركا لما فات الرسول بالمبادرة إلى الأذن. (49) ومنهم من يقول ائذن لى: في القعود. ولا تفتني: ولا توقعني في الفتنة، أي العصيان والمخالفة بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أو في الفتنة بنساء الروم، كما يأتي ذكره. ألا في الفتنة سقطوا: أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلف وظهور النفاق. وإن جهنم لمحيطة بالكافرين: أي بهم لأن آثار إحاطتها بهم معهم فكأنهم في وسطها. القمي: لقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجد بن قيس فقال له: يا أبا وهب ألا تنفر معنا في هذه الغزوة ؟ لعلك أن تحتفد من بنات الأصفر، فقال: يا رسول الله والله إن قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشد عجبا بالنساء وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت بنات الأصفر فلا تفتني، وإئذن لي أن أقيم، وقال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحر، فقال ابنه: ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول ما تقول، ثم تقول لقومك ولا تنفروا في الحر والله لينزلن الله في هذا قرآنا يقرؤه الناس إلى يوم القيامة، فأنزل الله على رسوله في ذلك: (ومنهم من يقول إئذن لى) الآية، ثم قال الجد

[ 348 ]

ابن قيس: أيطمع محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم لا يرجع من حرب هؤلاء أحد أبدا. (50) إن تصبك: في بعض غزواتك. حسنة تسؤهم: لفرط حسدهم. وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل: تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا رأيهم في التخلف. ويتولوا وهم فرحون: مسرورون. القمي: عن الباقر عليه السلام أما الحسنة: فالغنيمة والعافية، وأما المصيبة: فالبلاء والشدة. (51) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا: ناصرنا ومتولي أمرنا. وعلى الله فليتوكل المؤمنون: لأن حق المؤمن أن لا يتوكل إلا على الله. (52) قل هل تربصون بنا: تنتظرون بنا. إلا إحدى الحسنيين: القمي: يقول الغنيمة والجنة. ونحن نتربص بكم: إحدى السوئين. أن يصيبكم الله بعذاب من عنده: بقارعة (1) من السماء. أو بأيدينا: وهو القتل على الكفر. فتربصوا: ما هو عاقبتنا. إنا معكم متربصون: ما هو عاقبتكم. في نهج البلاغة، وفي الكافي: عن أمير المؤمنين عليه السلام وكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة ينتظر إحدى الحسنيين إما داعي الله فما عند الله خير له، وإما رزق الله فإذا هو ذو أهل، ومال، ومعه دينه وحسبه. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام إلا إحدى الحسنيين، قال: أما موت في طاعة الله أو إدراك ظهور الأمام، ونحن نتربص بهم مع ما نحن فيه من الشدة أن يصيبهم الله بعذاب من عنده، قال: هو المسخ أو بأيدينا، وهو القتل، قل: تربصوا قال: التربص: انتظار وقوع البلاء بأعدائهم. (53) قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم: أمر في معنى الخبر، أي لن

____________________________

1 - القارعة البلية تقرع القلب بشدة المخافة. 

[ 349 ]

يتقبل منكم نفقاتكم، أنفقتم طائعين أو مكرهين. إنكم كنتم قوما فاسقين: تعليل. (54) وما منعهم أن تقبل: وقرئ بالياء. منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله: أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم. في الكافي: عن الصادق عليه السلام لا يضر مع الأيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل، ألا ترى أنه تعالى قال: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) صلى الله عليه وآله وسلم. والعياشي ما في معناه. ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى: متثاقلين. ولا ينفقون إلا وهم كارهون: لأنهم لا يرجون بهما ثوابا ولا يخافون على تركهما عقابا (1). (55) فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم: فإن ذلك استدراج ووبال لهم. في المجمع: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد: جميع المؤمنين، وقيل: الخطاب للسامع إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا: بسبب ما يكابدون (2) لجمعها وحفظها من المتاعب ما يرون فيها من الشدائد والمصايب ويشق عليهم إنفاقها في سبيل الله. وتزهق أنفسهم وهم كافرون: فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة، وأصل الزهوق الخروج بصعوبة. (56) ويحلفون بالله إنهم لمنكم: لمن جملة المسلمين. وما هم منكم: لكفر قلوبهم. ولكنهم قوم يفرقون: يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين من القتل والأسر فيظهرون الأسلام تقية. (57) لو يجدون ملجأ: حصنا يلجأون إليه. أو مغارات: غيرانا. أو مدخلا: موضع دخول.

____________________________

1 - وفي هذا دلالة على ان الكفار مخاطبون بالشرايع لانه سبحانه ذمهم على ترك الصلاة والزكاة ولو لا وجوبهما عليهما لم يذموا بتركهما م ن.

 2 - الكبد بالتحريك الشدة والمشقة من المكابدة للشئ وهي تحمل المشاق في شئ. 

[ 350 ]

القمي: قال: موضعا يلجأون إليه. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام أسرابا في الأرض. لولوا إليه: لأقبلوا نحوه. وهم يجمحون: أي يعرضون عنكم، يسرعون إسراعا لا يردهم شئ كالفرس الجموح. (58) ومنهم من يلمزك: يعيبك، في الصدقت: في قسمتها. فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون: يعني أن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين. في المجمع: عن الباقر عليه السلام بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي، وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل... الحديث إلى أن قال: فنزلت. والقمي: نزلت لما جاءت الصدقات، وجاء الأغنياء وظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسمها بينهم، فلما وضعها في الفقراء تغامزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولمزوه، وقالوا: نحن الذين نقوم في الحرب وننفر معه ونقوي أمره، ثم يدفع الصدقات إلى هؤلاء الذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئا. وفي الكافي، والمجمع، والعياشي: عن الصادق عليه السلام إن أهل هذه الآية أكثر من ثلثي الناس. (59) ولو أنهم رضوا ماءاتهم الله ورسوله: ما أعطاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الغنيمة أو الصدقة، وذكر الله للتعظيم، والتنبيه على أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان بأمره. وقالوا حسبنا الله: كفانا فضله. سيؤتينا الله من فضله: صدقة أو غنيمة اخرى. ورسوله إنآ إلى الله راغبون: في أن يوسع علينا من فضله، وجواب الشرط محذوف تقديره لكان خيرا لهم. (60) إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل: أي الزكوة لهؤلاء المعدودين

[ 351 ]

دون غيرهم. فريضة من الله: فرض لهم فريضة. والله عليم حكيم: يضع الأشياء مواضعها. في الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس (1) أجهدهم. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام الفقير: هو المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. والقمي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل من هم ؟ فقال: الفقراء هم الذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم، والدليل على أنهم هم الذين لا يسألون قول الله تعالى في سورة البقرة: (للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا)، والمساكين هم أهل الزمانة (2) من العميان، والعرجان، والجذمين (3)، وجميع أصناف الزمنى من الرجال، والنساء، والصبيان، والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها، والمؤلفة قلوبهم: قوم وحدوا الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم - أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم، ويعلمهم كي ما يعرفوا فجعل الله لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا، وفي الرقاب: قوم قد لزمهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار، وقتل الصيد في الحرم وفي الأيمان وليس عندهم ما يكفرون، وهم مؤمنون فجعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم، والغارمين: قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف فيجب على الأمام أن يقضي ذلك عنهم، ويكفيهم من مال

____________________________

1 - لعل البائس هو الذي أصابه الشدة في المال والبدن جميعا.

 2 - الزمانة العاهة وآفة في الحيوان يقال زمن الشخص زمنا فهو وزمانة فهو زمن من باب تعب وهو مرض يدوم زمانا طويلا.

 3 - الجذام كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله فيفسد مزاج الاعضاء وهيئتها وربما انتهى الى تأكل الاعضاء وسقوطها عن تقرح جذم كعنى فهو مجذوم ومجذم واجذم ق. 

[ 352 ]

الصدقات، وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبيل الخير فعلى الأمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يتقووا به على الحج والجهاد، وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فيقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الأمام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات، والصدقات تتجزى ثمانية أجزاء فيعطى كل إنسان من هذه الثمانية على قدر ما يحتاجون إليه بلا اسراف ولا تقتير، يقوم في ذلك الأمام يعمل بما فيه الصلاح. وفي الكافي: عن الباقر عليه السلام ما كانت المؤلفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم، وهم قوم وحدوا الله وخرجوا من الشرك ولم يدخل معرفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلوبهم، وما جاء به فتألفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتألفهم المؤمنون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكي ما يعرفوا. والعياشي عنه عليه السلام ما في معناه. وفي الفقيه، والعياشي: عن الصادق عليه السلام سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها ؟ قال: يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله عز وجل يقول في كتابه: (وفي الرقاب). وفي الكافي، والعياشي: عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيما مسلم أو مؤمن مات وترك دينا لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الأمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك إن الله تعالى يقول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) الآية، فهو من الغارمين وله سهم عند الأمام فإن حبسه فإثمه عليه. وفيه عنه عليه السلام كان (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسمها بينهم بالسوية، وإنما يقسمها على قدر ما يحضرها منهم وما يرى، وليس في ذلك شئ موقت موظف.

____________________________

1 - لعل ذلك لان اعين فقراء كل موطن ممدودة الى اموال ذلك الموطن فالاولى ان تصرف الى اهله ولا تخرج منه. 

[ 353 ]

وعنه عليه السلام سهم المؤلفة قلوبهم، وسهم الرقاب: عام، والباقي خاص. يعني خاص بالعارف (1) ولا يعطى غيره. وفي الخصال: عن الباقر عليه السلام لا تحل الصدقة لبني هاشم إلا في وجهين: إن كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا، وصدقة بعضهم على بعض. (61) ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن: يسمع كل ما يقال له ويصدقه. قل أذن خير لكم: تصديق لهم بأنه اذن ولكن لا على الوجه الذي ذموه به بل من حيث أنه يسمع الخبر ويقبله، وقرء اذن بالتخفيف. يؤمن بالله: يصدق به. ويؤمن للمؤمنين: يصدقهم، واللام للتفرقة بين التصديقين. القمي: قال: كان سبب نزولها أن عبد الله بن نفيل كان منافقا، وكان يقعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين، وينم عليه فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إن رجلا من المنافقين ينم عليك، وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من هو ؟ فقال: الرجل الأسود كثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران، وينطق بلسان كأنه لسان شيطان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فحلف أنه لم يفعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد قبلت منك فلا تقعد، فرجع إلى أصحابه فقال: إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم اذن أخبره الله إني أنم عليه وأنقل أخباره فقبل، وأخبرته أني لم أفعل فقبل، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق الله فيما يقول له: ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظاهر ولا يصدقك في الباطن، قوله: (ويؤمن للمؤمنين) يعني المقرين بالأيمان من غير اعتقاد.

____________________________

1 - المعرفة معرفة الامام عليه السلام. 

[ 354 ]

والعياشي: عن الصادق عليه السلام يعني يصدق الله، ويصدق المؤمنين لأنه كان رؤفا رحيما بالمؤمنين. ورحمة: أي هو رحمة، وقرئ بالجر. للذين آمنوا منكم: لمن أظهر الأيمان (الاسلام) حيث يقبله ولا يكشف سره، وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم بل رفقا بكم وترحما. والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم: بإيذائه. (62) يحلفون بالله لكم: على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلفوا. ليرضوكم: لترضوا عنهم، والخطاب للمؤمنين. والله ورسوله أحق أن يرضوه: بالطاعة والوفاق، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين. إن كانوا مؤمنين: صدقا. القمي: نزلت في المنافقين الذين كانوا يحلفون للمؤمنين أنهم منهم لكي يرضى عنهم المؤمنون. (63) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله: يشاقق، من الحد لأن كلا من المخالفين في حد غير حد صاحبه. فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزى العظيم. (64) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم: وتهتك عليهم أستارهم. قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون. (65) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب القمي: كان قوم من المنافقين لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك يتحدثون فيما بينهم ويقولون: أيرى محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم ؟ لا يرجع منهم أحد أبدا، فقال بعضهم: ما أخلقه أن يخبر الله محمدا بما كنا فيه وبما في قلوبنا وينزل عليه بهذا قرآنا يقرؤه الناس، وقالوا: هذا على حد الأستهزاء، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: الحق القوم فإنهم قد احترفوا فلحقهم عمار فقال لهم: ما قلتم ؟ قالوا ما قلنا شيئا إنما كنا نقول شيئا على حد اللعب والمزاح فنزلت. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة إئتمروا بينهم ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال بعضهم لبعض: إن فطن

[ 355 ]

نقول: - إنما كنا نخوض ونلعب - وإن لم يفطن نقتله، وذلك عند رجوعه من تبوك فأخبر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم، فلما نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم ؟ فقال: لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلان بن فلان، حتى عدهم، فقال حذيفة: ألا نبعث إليهم فنقتلهم، فقال: أكره أن يقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم. وفي الجوامع: تواثقوا على أن يدفعوه عن راحلته في الوادي إذا تسنم العقبة بالليل فأمر عمار بن ياسر بخطام ناقته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الأبل، وبقعقعة (1) السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم يا أعداء الله، وضرب وجوه رواحلهم حتى نحاهم. الحديث، إلى آخر ما ذكره في المجمع أورده عند تفسير (يحلفون بالله ما قالوا)، من هذه السورة كما يأتي. قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن. (66) لا تعتذروا: لا تشتغلوا باعتذاراتكم فإنها معلومة الكذب. قد كفرتم: قد أظهرتم الكفر. بعد إيمانكم: بعد إظهاركم الأيمان. إن يعف عن طائفة منكم: لتوبتهم وإخلاصهم. تعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين: مصرين على النفاق، وقرئ بالنون فيهما. القمي: عن الباقر عليه السلام في قوله (لا تعتذروا) قال: هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم وكانوا أربعة نفر، وقوله: (إن نعف عن طائفة منكم) كان أحد الأربعة: مختبر بن الحمير فاعترف وتاب، وقال: يا رسول الله أهلكني اسمي فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عبد الله بن عبد الرحمن، فقال: يا رب اجعلني شهيدا حيث لا يعلم أين أنا، فقتل يوم اليمامة، ولم يعلم أحد أين قتل فهو الذي عفى عنه. (67) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض: تكذيب لهم فيما حلفوا أنهم

____________________________

1 - القعقعة حكاية صوت السلاح ق. 

[ 356 ]

لمنكم، وتحقيق لقوله: (وما هم منكم). يأمرون بالمنكر: بالكفر والمعاصي. وينهون عن المعروف: عن الأيمان والطاعة. ويقبضون أيديهم: شحا بالخيرات والصدقات (1). نسوا الله: أغفلوا ذكره. فنسيهم: (2) فتركهم عن رحمته وفضله. في التوحيد، والعياشي: عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني نسوا الله في دار الدنيا فلم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة أي لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا. فصاروا منسيين عن الخير. والعياشي: عن الباقر عليه السلام نسوا الله: تركوا طاعة الله فنسيهم، قال: فتركهم. إن المنافقين هم الفاسقون: هم الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير. (68) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم: عقابا وجزاء، فيه دلالة على عظم عذابها. نعوذ بالله منها. ولعنهم الله: أبعدهم من رحمته، وأهانهم. ولهم عذاب مقيم: لا ينقطع فيها، ويجوز أن يكون المراد به ما يقاسونه من تعب النفاق وما يخافونه أبدا من الفضيحة. (69) كالذين من قبلكم أنتم مثلهم. كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا: بيان لتشبيههم بهم، وتمثيل حالهم بحالهم. فاستمتعوا بخلاقهم: نصيبهم من ملاذ الدنيا. فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلقهم: ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الفانية، وإلتهائهم بها عن النظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية الباقية تمهيدا لذم المخاطبين لمشابهتهم بهم وإقتفائهم أثرهم. وخضتم: دخلتم في الباطل. كالذى خاضوا: كالخوض الذي خاضوه. أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة: لم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين. أولئك هم الخاسرون: الذين خسروا الدنيا والآخرة. (70) ألم يأتهم نبؤ الذين من قبلهم قوم نوح: كيف اغرقوا بالطوفان. وعاد كيف أهلكوا بالريح. وثمود: كيف أهلكوا بالرجفة. وقوم إبراهيم: كيف أهلك نمرود

____________________________

1 - وقيل معناه يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله م ن.

 2 - وذكر ذلك لازدواج الكلام لان النسيان لا يجوز عليه تعالى م ن. 

[ 357 ]

ببعوض، وأهلك أصحابه. وأصحاب مدين: قوم شعيب كيف أهلكوا بالنار يوم الظلة. والمؤتفكات قرى قوم لوط كيف ائتفكت بهم، أي انقلبت وصارت عاليها سافلها. في الكافي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المؤتفكات ؟ قال: أولئك قوم لوط ائتفكت عليهم، أي انقلبت. أتتهم رسلهم بالبينات: يعني الكل. فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب. (71) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1): في مقابلة: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض). يأمرون (2) بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله: لا محالة، فإن السين مؤكدة للوقوع. إن الله عزيز: غالب على كل شئ لا يمتنع عليه ما يريده حكيم يضع الأشياء مواضعها. (72) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة: يطيب فيها العيش. في جنات عدن: إقامة وخلود. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدن: دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيين، والصديقين، والشهداء، يقول الله تعالى: (طوبى لمن دخلك). وفي الخصال: عنه عليه السلام من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنتي التي واعدني ربي جنات عدن، قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له: (كن فيكون) فليوال علي بن أبي طالب وذريته عليهم السلام من بعده. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: إنه سأله يهودي أين يسكن نبيكم من الجنة ؟ فقال:

____________________________

1 - أي بعضهم أنصار بعض يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه وموالاته حتى ان المرأة تهيئ أسباب السفر لزوجها إذا خرج وتحفظ غيبة زوجها وهم يد واحدة على من سواهم م ن.

 2 - وفي الآية دلالة على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الاعيان لانه جعلهما من صفات جميع المؤمنين ولم يخص قوما منهم دون قوم م ن. 

[ 358 ]

في أعلاها درجة، وأشرفها مكانا في جنات عدن، فقال: صدقت والله إنه لبخط هارون وإملاء موسى. وفي الفقيه: في حديث بلال (جنة عدن) في وسط الجنان سورها ياقوت أحمر، حصياتها اللؤلؤ. ورضوان من الله أكبر: يعني وشئ من رضوانه أكبر من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل سعادة، وموجب كل فوز، وبه تنال كرامته التي أكبر أصناف الثواب. ذلك: أي الرضوان. هو الفوز العظيم: الذي يستحقر دونه كل لذة وبهجة. (73) يا أيها النبي جاهد الكفار: قيل: بالسيف. والمنافقين: قيل: بإلزام الحجة، وإقامة الحدود. القمي: عن الباقر عليه السلام جاهد الكفار والمنافقين بإلزام الفرائض. وفي المجمع: في قراءة أهل البيت جاهد الكفار بالمنافقين، قالوا لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقاتل المنافقين، ولكن كان يتألفهم، ولأن المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الأيمان. وفيه: في سورة التحريم عن الصادق عليه السلام أنه قرأ (جاهد الكفار بالمنافقين) قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم. والقمي أيضا: إنما نزلت (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجاهد المنافقين بالسيف، قاله هنا. وفي سورة التحريم عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) هكذا نزلت فجاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكفار، وجاهد علي المنافقين، فجاهد علي جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. واغلظ عليهم ومأويهم جهنم وبئس المصير. (74) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا. القمي: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الأمر في بني هاشم،

[ 359 ]

فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: (وهموا بما لم ينالوا). وقال في موضع آخر: فلما أطلع الله نبيه وأخبره حلفوا له أنهم لم يقولوا ذلك ولم يهموا به حتى أنزل الله: (يحلفون بالله ما قالوا) الآية. وعن الصادق عليه السلام: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، وهم: أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة، قال عمر: ألا ترون عينيه كأنهما عينا مجنون يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي، فلما قام قال: يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم، قالوا: الله ورسوله، قال: اللهم فاشهد، ثم قال ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، فنزل جبرئيل وأعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا فأنزل الله: (يحلفون بالله ما قالوا). وفي المجمع: نزلت في أهل العقبة فإنهم أضمروا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة حين مرجعهم من تبوك وأرادوا أن يقطعوا أنساع (1) راحلته ثم ينخسوا (2) به، فأطلعه الله على ذلك، وكان من جملة معجزاته، لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بوحي من الله فبادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة وحده، وعمار وحذيفة أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها، وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي وكان الذين هموا بقتله اثني عشر رجلا أو خمسة عشر عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماهم بأسمائهم. قال: وقال الباقر عليه السلام: كانت ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب. أقول: قد مضى بعض هذه القصة عند تفسير (يا أيها الرسول بلغ) من المائدة، وعند تفسير: (إنما كنا نخوض ونلعب) من هذه السورة.

____________________________

1 - النسع بالكسر سير بنسج عريضا يشد به الرحال القطعة منه نسعة ويسمى نسعا لطوله وجمعه نسع بالضم وانساع م‍.

 2 - نخس الدابة كنصر وجعل غرز مؤخرها بعود ونحوه م‍. 

[ 360 ]

والعياش عن الصادق عليه السلام لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما قال في غدير خم، وصاروا بالأخبية (1) مر المقداد بجماعة منهم يقولون: إذا دنا موته وفنيت أيامه وحضر أجله أراد أن يولينا عليا من بعده، أما والله ليعلمن، قال: فمضى المقداد وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الصلوة جامعة، قال: فقالوا: قد رمانا المقداد فقوموا نحلف عليه، قال: فجاؤا حتى جثوا (2) بين يديه فقالوا: بآبائنا وأمهاتنا يارسول الله، والذي بعثك بالحق، والذي كرمك بالنبوة ما قلنا ما بلغك والذي اصطفاك على البشر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا) بك يا محمد ليلة العقبة. وما نقموا: وما أنكروا وما عابوا. إلا أن أغنهم الله ورسوله من فضله: قال: كان أحدهم يبيع الرؤوس، وآخر يبيع الكراع (3) ويفتل القرامل (4) فأغناهم الله برسوله، ثم جعلوا حدهم وحديدهم عليهم والمعنى إنهم جعلوا موضع شكر النعمة كفرانها، وكان الواجب عليهم أن يقابلوها بالشكر. فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا: بالأصرار على النفاق. يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة: بالقتل، والنار. وما لهم في الارض من ولى ولا نصير: فينجيهم من العذاب. (75) ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. القمي: عن الباقر عليه السلام هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف، كان محتاجا فعاهد الله فلما أتاه بخل به. وفي الجوامع: هو ثعلبة بن حاطب، قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا،

____________________________

1 - أي دخلوا خيامهم.

 2 - أي جلسوا واجتمعوا.

 3 - الكرع: محركة من الدابة قوائهما ودقة مقدم الساقين وكغراب من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساق.

 4 - القرامل هي ما تشده المرأة في شعرها من الخيوط. 

[ 361 ]

فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فقال: والذي بعثك بالحق لأن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له فاتخد غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسم المصدق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا ويح ثعلبة. وفي المجمع: روى ذلك مرفوعا. (76) فلمآ آتيهم من فضله بخلوا به: منعوا حق الله منه. وتولوا: عن طاعة الله. وهم معرضون. (77) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم: فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم. إلى يوم يلقونه: يلقون الله. في التوحيد: عن أمير المؤمنين عليه السلام اللقاء: هو البعث. بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون. (78) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم: ما أسروه في أنفسهم من النفاق. ونجويهم: وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن. وأن الله علم الغيوب: لا يخفى عليه شئ. (79) الذين يلمزون: يعيبون. المطوعين: المتطوعين. من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم: إلا طاقتهم فيتصدقون بالقليل. وفي الحديث: أفضل الصدقة جهد المقل. فيسخرون منهم: يستهزؤون. سخر الله منهم: جازاهم جزاء السخرية، كذا في العيون عن الرضا عليه السلام. ولهم عذاب أليم. القمي: جاء سالم بن عمير الأنصار بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله كنت ليلتي أجر الجرير (1) حتى عملت بصاعين من تمر. فأما أحدهما فأمسكته وأما الآخر فأقرضته ربي، فأمر

____________________________

1 - الجرير الحبل الذي يجر به البعير يريد انه استقى للناس على اجرة صناعين (منه رحمه الله). 

[ 362 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون، فقالوا: والله إن كان الله لغني من هذا الصاع ما يصنع الله بصاعه شيئا ولكن أبا عقيل أراد أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقات فنزلت. والعياشي: عن الصادق عليه السلام آجر أمير المؤمنين عليه السلام نفسه على أن يستقي كل دلو بتمرة بخيارها فجمع تمرا، فأتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد الرحمن بن عوف على الباب فلمزه، أي وقع فيه فنزلت هذه الآية (الذين يلمزون). (80) استغفر لهم أو لا تستغفر لهم: لا فرق بين الأمرين في عدم الأفادة لهم. إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم: قيل: السبعون جاء في كلامهم مجرى المثل للتكثير. وروت العامة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله لأزيدن على السبعين فنزلت: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم). وفي لفظ آخر قال: لو علمت أنه لو زدت على السبعين مرة غفر لهم لفعلت. والعياشي عن الرضا عليه السلام إن الله قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فاستغفر لهم مأة مرة ليغفر لهم فأنزل الله: (سواء عليهم أستغفرت لهم) الآية، وقال: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فلم يستغفر لهم بعد ذلك ولم يقم على قبر أحد منهم. أقول: لا يبعد استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن يرجو إيمانه من الكفار، وإنما لا يجوز استغفاره لمن يئس من إيمانه وهو قوله عز وجل: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) إلى قوله: (تبرأ منهم) ويأتي تمام الكلام في هذا المقام عن قريب إنشاء الله ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله: إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا لقصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها. والله لا يهدى القوم الفاسقين: المتمردين في كفرهم.

[ 363 ]

(81) فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله: بقعودهم عن الغزو، وخلفه يقال: أقام خلاف القوم، أي: بعدهم وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله: إيثارا للدعة والخفض (1) على طاعة الله. وقالوا لا تنفروا في الحر: قاله بعضهم لبعض، وقد سبق قصة الجد بن قيس في ذلك عند تفسير (ومنهم من يقول إئذن لى) وهذا تفضيح له من الله سبحانه. قل نار جهنم أشد حرا: وقد آثرتموها بهذه المخالفة. لو كانوا يفقهون: أن ما بهم إليها وانها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة. (82) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا: إما على ظاهر الأمر، وإما أخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة، يعني: فيضحكون قليلا ويبكون كثيرا، أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على أنه حتم واجب، ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغم. جزاء بما كانوا يكسبون: من الكفر والتخلف. (83) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم: فإن ردك إلى المدينة، وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم ممن لم يتب ولم يكن له عذر صحيح في التخلف. فاستأذنوك للخروج: إلى غزوة اخرى بعد تبوك. فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا معى عدوا: إخبار في معنى النهي للمبالغة. إنكم رضيتم بالقعود أول مرة: تعليل له، وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم أول مرة وهي الخرجة إلى غزوة تبوك. فاقعدوا مع الخالفين: أي المتخلفين لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان. (84) ولا تصل على أحد منهم مات أبدا: لا تدعو له وتستغفر. ولا تقم على قبره: للدعاء. وفي المجمع: فإنه عليه السلام كان إذا صلى على ميت يقف على قبره ساعة ويدعو له فنهاه الله عن الصلوة على المنافقين والوقوف على قبرهم والدعاء لهم ثم بين سبب الأمرين. إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون.

____________________________

1 - الخفض الراحة والسكون يقال هو في خفض من العيش أي في سعة وراحة ومنه عيش خافض وعيش خفيض أي واسع م‍. 

[ 364 ]

القمي: في آية الأستغفار السابقة إنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ومرض عبد الله بن أبي وكان ابنه عبد الله مؤمنا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبوه يجود بنفسه، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي إنك إن لم تأت على أبي كان ذلك عارا علينا، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمنافقون عنده. فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله استغفر له، فاستغفر فقال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي عليهم أو تستغفر لهم. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعاد عليه، فقال له: ويلك إني خيرت فاخترت إن الله يقول: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته، فحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام على قبره، فقال له عمر: يا رسول الله أولم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدا وأن تقوم على قبره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ويلك وهل تدري ما قلت إنما قلت: اللهم احش قبره نارا، وجوفه نارا، واصله (1) النار، فبدا من رسول الله ما لم يكن يحب. والعياشي: عن الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لابن عبد الله بن أبي: إذا فرغت من أبيك فأعلمني، وكان قد توفى فأتاه فأعلمه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعليه للقيام، فقال له عمر: أليس قد قال الله: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) ؟ فقال له: ويحك أو ويلك إنما أقول: اللهم إملأ قبره نارا، واملأ جوفه نارا، وأصله يوم القيامة نارا. وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد ابنه في الجنازة ومضى فتصدى له عمر ثم قال: أما نهاك ربك عن هذا أن تصلي

____________________________

1 - والصلاء ككساء الشواء لانه يصلى بالنار والصلاء أيضا النار قال الجوهري فان فتحت الصاد قصرت وقلت صلا النار والاصطلاء بالنار التسخن بها وفلان لا يصطلى بناره اي شجاع لا يطاق م‍. 

[ 365 ]

على أحد مات منهم أبدا ؟ أو تقوم على قبره ؟ فلم يجبه، فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر أعاد عمر ما قاله أولا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر عند ذلك: ما رأيتنا صلينا له على جنازة ولا قمنا على قبر، ثم قال: إن ابنه رجل من المؤمنين وكان يحق علينا أداء حقه، فقال عمر: أعوذ بالله من سخط الله، وسخطك يا رسول الله. أقول: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حييا كريما كما قال الله عز وجل، (فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق)، فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممن يظهر الأيمان، وكان يدعو على المنافقين ويوري (1) أنه يدعو لهم وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر: ما رأيتنا صلينا له على جنازة ولا قمنا له على قبر، وكذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث القمي: خيرت فاخترت، فورى صلى الله عليه وآله وسلم باختيار الأستغفار، وأما قوله فيه: (فاستغفر له) فلعله استغفر لابنه لما سأل لأبيه الاستغفار، وكان يعلم أنه من أصحاب الجحيم، ويدل على ما قلناه قوله عليه السلام: (فبدا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يكن يحب)، هذا. إن صح حديث القمي فإنه لم يستند إلى المعصوم، والاعتماد على حديث العياشي هنا أكثر منه على حديث القمي، لأستناده إلى قول المعصوم دونه، ولأن سياق كلام القمي تارة يدل على أنه كان سبب نزول الآية قصة ابن ابي، واخرى تدل على نزولها قبل ذلك. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبر على قوم خمسا، وعلى قوم آخرين أربعا فإذا كبر على رجل أربعا أتهم يعني بالنفاق. وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا

____________________________

1 - وريت الخبر بالتشديد تورية إذا سترته وأظهرت غيره حيث يكون للفظ معنيان احدهما اشيع من الآخر فتنطق به وتريد الخفي م‍. 

[ 366 ]

صلى على ميت كبر وتشهد، ثم كبر وصلى على الأنبياء، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة ودعا للميت، ثم كبر وانصرف فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة على المنافقين كبر وتشهد، ثم كبر وصلى على النبيين، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة وانصرف ولم يدع للميت. (85) ولا تعجبك أمو لهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم في الدنيا: بما يلحقهم فيها من المصائب والغموم وبما يشق عليهم إخراجها من الزكوات والأنفاق في سبيل الله. وتزهق أنفسهم وهم كافرون: قد مر تفسير الاية، وإنما كررت للتأكيد، أو هذه في فريق غير الأول. (86) وإذا أنزلت سورة آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم: ذو الفضل والسعة. وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين: الذين قعدوا لعذر. (87) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف: جمع خالفة. العياشي: عن الباقر عليه السلام قال: مع النساء. وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون: ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة، وما في التخلف عنه من الشقاوة. (88) لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم: إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم. وأولئك لهم الخيرات: منافع الدين والدنيا النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة ونعيمها في الآخرة. وأولئك هم المفلحون: الفائزون بالمطالب. (89) أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم. (90) وجاء المعذرون من الاعراب: أهل البدو. ليؤذن لهم: المعذرون والمقصرون من عذر في الأمر - إذا توانى، ولم يجد فيه، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل، ولا عذر له. ويجوز أن يكون من إعتذر إذا مهد العذر بإدغام التاء في الذال، ونقل حركتها

[ 367 ]

إلى العين، وهم الذين يعتذرون بالباطل. وقعد الذين كذبوا الله ورسوله: في ادعاء الأيمان فلم يجيبوا ولم يعتذروا. سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم: بالقتل والنار. (91) ليس على الضعفاء ولا على المرضى: كالهرمى (1) والزمنى. ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون: لفقرهم. حرج: إثم في التأخير. إذا نصحوا لله ورسوله: بالأيمان والطاعة في السر والعلانية. ما على المحسنين من سبيل: لا جناح ولا عتاب. والله غفور رحيم. (92) ولا على الذين إذا مآ أتوك: يعني معك. لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع: أي يسيل دمعها فإن (من) للبيان كأن العين كلها دمع فائض. حزنا أن لا يجدوا: لئلا يجدوا. ما ينفقون: في مغزاهم. العياشي: عنهما عليهما السلام عبد الله بن يزيد بن ورقاء الخزاعي أحدهم. والقمي: في قصة غزوة تبوك، وجاء البكاؤن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم سبعة نضر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير قد شهد بدر الاختلاف فيه، ومن بني واقف هرمي بن عمير، ومن بنى حارثة علية بن زيد، وهو الذي تصدق بعرضه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالصدقة فجعل الناس يأتون بها فجاء علية فقال: يا رسول الله ما عندي ما أتصدق به وقد جعلت عرضي حلالا. فقال له رسول الله: قد قبل الله صدقتك، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمرو بن غنيمة، ومن بني زريق سلمة بن صخر، ومن بني المعز ماضرة بن سارية السلمي هؤلاء جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكون، فقالوا: يا رسول الله ليس بنا قوة أن نخرج معك فأنزل الله فيهم (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) إلى قوله: (ألا يجدوا ما ينفقون) قال: وإنما سأل هؤلاء البكاؤن نعلا يلبسونها. (93) إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع

____________________________

1 - الهرم محركة والمهرم والمهرمة أقصى الكبر. 

[ 368 ]

الخوالف: قال: كانوا ثمانين رجلا من قبائل شتى، والخوالف: النساء. وطبع الله على قلوبهم: حتى غفلوا عن وخامة (1) العاقبة. فهم لا يعلمون: مغيبه. (94) يعتذرون إليكم: في التخلف. إذا رجعتم إليهم: من الغزوة. قل لا تعتذروا: بالمعاذير الكاذبة. لن نؤمن لكم: لن نصدقكم. قد نبأنا الله من أخباركم: أعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد. وسيرى الله عملكم ورسوله: أتتوبون عن الكفر ؟ أم تثبتون عليه ؟ ثم تردون إلى علم الغيب والشهادة: أي إليه، فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم، لا يفوت عن عمله شئ من ضمايرهم وأعمالهم. فينبئكم بما كنتم تعملون: بالتوبيخ، والعقاب. (95) سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم: فلا تعاتبوهم. فأعرضوا عنهم: ولا توبخوهم. إنهم رجس: لا ينفع فيهم التوبيخ والنصح والعتاب، لا سبيل إلى تطهيرهم. ومأويهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. (96) يحلفون لكم لترضوا عنهم: بحلفهم فتستديموا عليهم بما كنتم تفعلون بهم. فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين: ولا ينفعهم رضاكم إذا كان الله ساخطا عليهم. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إلتمس رضى الله بسخط الناس، رضى الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن إلتمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس. القمي: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، وكانوا يحلفون لهم أنهم على الحق وليسوا هم بمنافقين لكي تعرضوا عنهم وترضوا عنهم فأنزل الله (سيحلفون بالله لكم) الآية.

____________________________

1 - وخامة العاقبة سوؤها وعدم موافقتها وثقلها وردائها. 

[ 369 ]

الاءعراب: أهل البدو. أشد كفرا ونفاقا: من أهل (1) الحضر، لتوحشهم، وقساوتهم، وجفائهم، ونشوهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل. وأجدر أن لا يعلموا: وأحق بأن لا يعلموا. حدود ما أنزل الله على رسوله: من الشرايع وفرائضها وسننها. والله عليم: يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر. حكيم: فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابا وثوابا. (98) ومن الاءعراب من يتخذ: يعد. ما ينفق: يصرفه في سبيل الله ويتصدق مغرما: غرامة وخسرانا إذ لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابا، وإنما ينفق رياء وتقية ويتربص بكم الدوآئر: دوائر الزمان، وعقباته، وحوادثه، لينقلب الأمر عليكم فيتخلص من الأنفاق. عليهم دائرة السوء: اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه، أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، والله سميع: لما يقولون عند الأنفاق. عليم: بما يضمرون. (99) ومن الاءعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات: سبب قربات. عند الله وصلوات الرسول: وسبب دعواته لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم. ألا إنها قربة لهم: شهادة من الله لهم بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم. سيدخلهم الله في رحمته: وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم. إن الله غفور رحيم: تقرير لهم. (100) والسابقون الاولون من المهاجرين والأنصار. القمي: هم النقباء، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، وعمار، ومن آمن وصدق وثبت على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. وفي نهج البلاغة: لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر. والذين اتبعوهم بإحسان: بالأيمان والطاعة إلى يوم القيامة. في الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام في حديث فبدأ بالمهاجرين

____________________________

1 - ومعناه ان سكان البوادي إذا كانوا كفارا ومنافقين فهم أشد كفرا من أهل الحضر لبعدهم عن مواضع العلم وعن استماح الحجج ومشاهدة المعجزات وبركات الوحي م‍ ن. 

[ 370 ]

الأولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالأنصار، ثم ثلث بالتابعين باحسان فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده. رضى الله عنهم: بقبول طاعتهم وإرتضاء أعمالهم. ورضوا عنه: بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية. وأعد لهم جنات تجرى تحتها الانهار: وقرء من تحتها كما هو في سائر المواضع. خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (1). (101) وممن حولكم: ممن حول بلدتكم يعني المدينة. من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة: عطف على ممن حولكم. مردوا على النفاق: صفة للمنافقين، أي تمهروا (2) فيه وتمرنوا (3). لا تعلمهم: لا تعرفهم بأعيانهم، وهو تقرير لمهارتهم فيه، يعني يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك (4) لفرط تحاميهم مواقع الشك في أمرهم. نحن نعلمهم: ونطلع على أسرارهم. سنعذبهم مرتين: في الجوامع: هو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، وعذاب القبر (5). ثم يردون إلى عذاب عظيم: عذاب النار. (102) وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم. القمي، وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقد سبقت قصته عند تفسير (لا تخونوا الله والرسول) من سورة الأنفال.

____________________________

1 - قيل نزلت هذه الآية فيمن صلى إلى القبلتين وقيل نزلت فيمن بايع بيعة الحديبية ومن اسلم بعد ذلك وهاجر فليس من المهاجرين الاولين وقيل وهم اهل بدر وهم الذين اسلموا قبل الهجرة (مجمع البيان).

 2 - المتمهر الاسد الحاذق بالافتراس وتمهر حذق ق.

 3 - مرن على الشئ يمرن مرونا ومرانة تعود واستمر عليه ص.

 4 - في الحديث اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الفراسة بالكسر الاسم من قولك تفرست فيه خيرا وهي نوعان احدهما ما يوقعه الله قي قلوب أوليائه فيعلمون بعض احوال الناس بنوع من الكرامات واصابة الحدس والظن وهو ما دل عليه ظاهر الحديث اتقوا آه وثانيهما نوع يعلم بالدلائل والتجارب والاخلاق م‍.

 5 - فيه اقوال احدها ما ذكره المصنف رحمه الله والثاني معناه نعذبهم في الدنيا بالفضيحة فان النبي صلى اله عليه وآله ذكر رجالا منهم واخرجهم من المسجد الحرام يوم الجمعة في خطبته وقال اخرجوا فانكم منافقون ونعذبكم في القبر والثالث مرة في الدنيا بالسبي والقتل ومرة في الآخرة بعذاب القبر وروى عذبوا بالجوع مرتين والرابع اخذ الزكاة منهم وعذاب القبر الخامس غيظهم من اهل الاسلام وعذاب القبر السادس اقامة الحدود عليهم وعذاب القبر وكل ذلك محتمل وهاتان المرتان قبل ان يردوا الى عذاب النار. 

[ 371 ]

وفي الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام أولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ويكرهونها فاولئك عسى الله أن يتوب عليهم. والعياشي: عنه عليه السلام في هذه الآية قال: - عسى - من الله واجب وإنما نزلت في شيعتنا المذنبين. وفي رواية أخرى: قوما اجترحوا ذنوبا مثل حمزة وجعفر الطيار، ثم تابوا، ثم قال: ومن قتل مؤمنا لم يوفق للتوبة إلا أن الله لا يقطع طمع العباد فيه، ورجاءهم منه، قال: هو أو غيره إن - عى - من الله واجب. (103) خذ من أموالهم صدقة. القمي: نزلت حين أطلق أبو لبابة وعرض ماله للتصدق. تطهرهم: الصدقة أو أنت. وتزكيهم بها: أي تنسبهم إلى الزكاء، والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الأنماء والبركة في المال. وصل عليهم: وترحم عليهم بالدعاء لهم بقبول صدقاتهم وغيره. إن صلوتك سكن لهم: تسكن إليها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم، والله سميع: يسمع دعاءك لهم. عليم: يعلم ما يكون منهم. في المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: (اللهم صل عليهم). والعياشي: عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية أجارية هي في الأمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نعم. وفي الكافي: عنه عليه السلام لما نزلت آية الزكوة: (خذ من أموالهم صدقة) وانزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله مناديه فنادى في الناس إن الله فرض عليكم الزكوة كما فرض عليكم الصلوة، ففرض الله عليهم من الذهب والفضة، وفرض عليهم الصدقة من الأبل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى بهم في رمضان، وعفى لهم عما سوى ذلك، قال: ثم لم يتعرض لشئ من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل فصاموا وأفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين أيها المسلمون زكوا أموالكم

[ 372 ]

تقبل صلوتكم، قال: ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق (1). (104) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده: إذا صحت. ويأخد الصدقات: إذا صدرت عن خلوص النية يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدي بدله. في التوحيد: عن الصادق عليه السلام في حديث والأخذ في وجه القبول منه، كما قال: (ويأخذ الصدقات) أي يقبلها من أهلها ويثيب عليها. وفي الكافي: عنه عليه السلام إن الله يقول ما من شئ إلا وقد وكلت به من يقبضه غيري إلا الصدقة فإني أتلقفها (2) بيدي تلقفا حتى أن الرجل ليتصدق بالتمرة أو بشق التمرة فأربيها له كما يربي الرجل فلوه (3) وفصيله (4) فيأتي يوم القيامة وهو مثل أحد وأعظم من أحد. والعياشي عن السجاد عليه السلام ضمنت على ربي أن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب وهو قوله: (هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات). وعنه عليه السلام أنه كان إذا أعطى السائل قبل يد السائل، فقيل له: لم تفعل ذلك ؟ قال: لأنها تقع في يد الله قبل يد العبد، وقال: ليس من شئ إلا وكل به ملك إلا الصدقة فإنها تقع في يد الله، قال الراوي: أظنه يقبل الخبز أو الدرهم. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام كان أبي إذا تصدق بشئ وضعه في يد السائل ثم ارتده منه وقبله وشمه ثم رده في يد السائل. وفي الخصال: عن أمير المؤمنين عليه السلام إذا ناولتم السائل شيئا فاسألوه أن يدعو لكم فإنه يجاب له فيكم ولا يجاب في نفسه لأنهم يكذبون، وليرد الذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها فإن الله تعالى يأخذها قبل أن تقع في يده كما قال تعالى: (ألم يعلموا أن الله هو

____________________________

1 - الطسوق بالفتح ما يوضع من الخراج على الجربان منه رحمه الله.

 2 - لقفه كسمح لقفا ولقفانا محركة تناوله بسرعة ق.

 3 - الفلو بالكسر وكعدو وسمو الجحش والمهر فطما أو بلغا السنة جمعه افلا ق.

 4 - الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن امه جمعه فصلان بالضم والكسر وككتاب ق. 

[ 373 ]

يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) وأن الله هو التواب الرحيم: من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم. (105) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون خيرا كان أو شرا. في الكافي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام أنه ذكر هذه الآية فقال: هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وعن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: والمؤمنون: هم الأئمة عليهم السلام. والقمي: عنه عليه السلام مثله. وفي الكافي: عنه عليه السلام قال: إيانا عنى. وعنه عليه السلام إنه قرأ هذه الآية فقال: ليس هكذا هي إنما هي والمأمونون فنحن المأمونون. وفيه، والعياشي: عنه عليه السلام قال: تعرض الأعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمال العباد كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروها، وهو قول الله تعالى: (وقل اعملوا) الآية. والعياشي: عنه عليه السلام في هذه الآية قال: إن الله شاهد في أرضه وإنما أعمال العباد تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي الكافي: عنه عليه السلام ما لكم تسوؤن رسول الله فقيل: كيف نسوؤه فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى معصية فيها ساءه ذلك فلا تسوؤا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسروه. وعن الرضا عليه السلام: أنه قيل له: ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل والله إن أعمالكم تعرض علي في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك، فقال: أما تقرأ كتاب الله فقال: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، قال: هو والله علي بن أبي طالب.

[ 374 ]

والقمي: عن الصادق عليه السلام إن أعمال العباد تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل صباح أبرارها وفجارها فاحذروا وليستحي أحدكم أن يعرض على نبيه العمل القبيح. وعنه عليه السلام، والعياشي: عن الباقر عليه السلام ما من مؤمن يموت أو كافر يوضع في قبره حتى يعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أمير المؤمنين عليه السلام وهلم جرا إلى آخر من فرض الله طاعته على العباد. فذلك قوله: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). وستردون إلى عالم الغيب والشهادة: بالموت. فينبئكم بما كنتم تعملون: بالمجازاة. (106) وآخرون مرجؤن: مؤخرون أي موقوف أمرهم من أرجأته إذا أخرته، وقرئ مرجون بالواو وهو بمعناه. (1) لأمر الله: في شأنهم. إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم: بأحوالهم. حكيم: فيما يفعل بهم. في الكافي، والعياشي عن الباقر عليه السلام، والقمي: عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ثم أنهم دخلوا في الأسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ولم يعرفوا الأيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار فهم على تلك الحال إما يعذبهم الله وإما يتوب عليهم. (107) والذين اتخذوا مسجدا: وقرئ الذين بدون الواو لأنه قصة برأسها. في الجوامع: روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء (2) وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فبنوا مسجدا إلى جنب

____________________________

1 - قال الازهري الارجاء يهمز ولا يهمز يقال أرجأت الامر وأرجيته.

 2 - هو بضم القاف يقصر ويمد ولا يصرف ويذكر ويؤنث موضع بقرب المدينة المشرفة من جهة الجنوب نحوا من ميلين وهو المسجد الذي اسس على التقوى من اول يوم م‍. 

[ 375 ]

مسجد قباء وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وهو يتجهز إلى تبوك إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر، ولما انصرف من تبوك نزلت فأرسل من هدم المسجد وأحرقه وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقى فيها الجيف والقمامة. ضرارا: مضارة للمؤمنين أصحاب مسجد قباء وكفرا: وتقوية للكفر الذي كانوا يضمرونه. وتفريقا بين المؤمنين: الذين كانوا يجتمعون للصلوة في مسجد قبا، أرادوا أن يتفرقوا عنه، وتختلف كلمتهم. وإرصادا: وإعدادا أو ترقبا. لمن حارب الله ورسوله من قبل: يعني أبا عامر (1) الراهب. قيل: بنوه على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر إذا قدم من الشام. في الجوامع: أنه كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، فلما قدم النبي المدينة حسده وحزب عليه الأحزاب، ثم هرب بعد فتح مكة وخرج إلى الروم وتنصر، وكان هؤلاء يتوقعون رجوعه إليهم وأعدوا هذا المسجد له ليصلي فيه، ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان يقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته إلى أن هرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ومات بقنسرين (2) وحيدا. وليخلفن إن أردنا إلا الحسنى: ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة والذكر، والتوسعة على المصلين. والله يشهد إنهم لكاذبون: في حلفهم. القمي: كان سبب نزولها أنه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله أتأذن لنا أن نبني مسجدا في بني سالم للعليل، والليلة المطيرة، والشيخ الفاني، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على الخروج إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله لو أتيتنا فصليت فيه، قال: أنا على جناح السفر فإذا وافيت إن شاء الله آتيته وأصلي فيه. فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك نزلت عليه هذه الآية

____________________________

1 - وهو من اشراف قبيلة خزرج وله مهارة في علم التوراة والانجيل وكان يحدث نعت النبي على اهل المدينة فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله وقدم بالمدينة حسده وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الذي قتل مع النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد وكان جنبا فغسله الملائكة.

 2 - قنسرين وقنسرون بالكسر فيهما كورة بالشام وتكسر نونهما ق. 

[ 376 ]

في شأن المسجد، وأبي عامر الراهب، وقد كانوا حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يبنون ذلك للصلاح والحسنى، فأنزل الله على رسوله (والذين اتخذوا مسجدا) الآية، قال: (وإرصادا لمن حارب الله) يعني أبا عامر الراهب كان يأتيهم فيذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. وفي تفسير الأمام عليه السلام عند قوله: (ولا تقولوا راعنا) من سورة البقرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة (1) الجندل وكان ملك النواحي له مملكة عظيمة مما يلي الشام وكان يهدد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقصده، وقتل أصحابه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خائفين وجلين من قبله. قال: ثم إن المنافقين اتفقوا وبايعوا لأبي عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفاسق وجعلوه أميرا عليهم ونجعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة لئلا أتهم إلى أن يتم تدبيركم، وكاتبوا اكيدر - صاحب دومة الجندل - ليقصد إلى المدينة فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعرفه ما أجمعوا عليه من أمره، وأمره بالمسير إلى تبوك. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما أراد غزوا ورى بغيره إلا غزاة تبوك فإنه أظهر ما كان يريده، وأمرهم أن يتزودوا لها، وهي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون وذمهم الله تعالى في تثبطهم عنها، وأظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أوحى الله تعالى إليه أن الله سيظهره باكيدر حتى يأخذه ويصالحه على ألف أوقية ذهب في رجب ومائتي حلة وألف أوقية في صفر وينصرف سالما إلى ثمانين يوما، فقال لهم رسول الله: إن موسى وعد قومه أربعين ليلة وإني أعدكم ثمانين ليلة ارجع سالما غانما ظافرا بلا حرب يكون ولا يشتاك أحد من المؤمنين. فقال المنافقون: لا والله ولكنها آخر كرامة كذا التي لا ينجبر بعدها إن

____________________________

1 - دومة الجندل حصن عادي بين المدينة والشام يقرب من تبوك وهي اقرب الى الشام وهي لفصل بين الشام والعراق وهي احد حدود فدك ويقال انها تسمى بالجوف قال الجوهري واصحاب اللغة يقوون بضم الدال واصحاب الحديث يفتحونها م‍. 

[ 377 ]

أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحر، ورياح البوادي، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر، وقتيل وجريح، واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها بعضهم يعتل بالحر وبعضهم بمرض بجسده، وبعضهم بمرض في عياله، وكان يأذن لهم فلما أصبح وضح عزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرحلة إلى تبوك. عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا، وهو مسجد الضرار يريدون الأجتماع فيه، ويوهمون أنه للصلوة وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة فيتم تدبيرهم، ويقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون، ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك فإنا نكره الصلوة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور وقد بنينا مسجدا فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه لنتيمن ونتبرك بالصلوة في موضع مصلاك. فلم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عرفه الله عن أمرهم ونفاقهم، وقال: إئتوني بحماري فأتي باليعفور فركبه يريد نحو مسجدهم فكلما بعثه هو وأصحابه لم ينبعث، ولم يمش، فإذا صرف رأسه عنه إلى غيره سار أحسن سيره وأطيبه، قالوا: لعل هذا الحمار قد رآى من الطريق شيئا كرهه ولذلك لا ينبعث نحوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إئتوني بفرس فركبه فلما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حركوه نحوه لم يتحرك حتى إذا فتلوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير، فقالوا: ولعل هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق، فقال: تعالوا نمش إليه فلما تعاطى هو ومن معه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، ولم يقدروا على الحركة وإذا هموا بغيره من المواضع خفت حركاتهم، ونقيت أبدانهم وبسطت قلوبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا أمر قد كرهه الله وليس يريده الآن وأنا على جناح سفر فأمهلوني حتى أرجع إن شاء الله، ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله، وجد في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلفيهم إذا خرجوا فأوحى الله تعالى إليه يا محمد إن العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول: إما أن تخرج أنت

[ 378 ]

ويقيم علي، وإما أن يخرج علي وتقيم أنت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك لعلي فقال: علي السمع والطاعة لأمر الله وأمر رسوله، وإن كنت أحب أن لا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حال من الأحوال. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فقال: رضيت يا رسول الله، فقال له رسول الله: يا أبا الحسن إن أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، وإن الله قد جعلك أمة وحدك كما جعل إبراهيم امة تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيعه علي خاض المنافقون وقالوا: إنما خلفه محمد بالمدينة لبغضه له وملاله منه، وما أراد بذلك إلا أن يبيته المنافقون فيقتلوه، فاتصل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال علي: أتسمع ما يقولون يا رسول الله. فقال رسول الله ما يكفيك إنك جلدة ما بين عيني، ونور بصري، وكالروح في بدني، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، وقام علي بالمدينة، فكان كلما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين فزعوا من علي وخافوا أن يقوم معه عليهم يدفعهم عن ذلك، وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرة محمد التي لا يؤب منها، ثم ذكر قصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع اكيدر وأخذه له وصلحه معه على ما مر ذكره. ثم قال: وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غانما ظافرا وأبطل الله كيد المنافقين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإحراق مسجد الضرار فأنزل الله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) الآيات ثم ذكر إن أبا عامر الراهب كان عجل هذه الأمة كعجل قوم موسى وأنه دمر الله عليه وأصابه بقولنج وبرص وفالج ولقوة وبقى أربعين صباحا في أشد عذاب ثم صار إلى عذاب الله. (108) لا تقم فيه أبدا: أي لا تصل فيه أبدا، يقال: فلان يقوم بالليل أي يصلي. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم: من أيام وجوده.

[ 379 ]

في الكافي: عن الصادق، والعياشي: عنهما عليهما السلام، والقمي: يعني مسجد قبا. قيل: أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقبا. أحق أن تقوم فيه: أولى بأن تصلي فيه. العياشي: قال: يعني من مسجد النفاق، وكان على طريقه رجل إذا أتى مسجد قبا فقام فينضح بالماء والسدر ويرفع ثيابه عن ساقيه ويمشي على حجر في ناحية الطريق ويسرع المشي ويكره أن يصيب ثيابه منه شئ فسألته هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في مسجد قبا ؟ قال: نعم. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين. العياشي: عن الصادق عليه السلام هو الاستنجاء بالماء. والقمي: كانوا يتطهرون بالماء. وفي المجمع: عن الباقر والصادق عليهما السلام يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغايط والبول. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأهل قبا: ماذا تفعلون في طهركم ؟ فإن الله قد أحسن عليكم الثناء، قالوا نغسل أثر الغايط، فقال: أنزل الله فيكم (والله يحب المطهرين). (109) أفمن أسس بنيانه: بنيان دينه. على تقوى من الله ورضوان: على قاعدة محكمة هي الحق الذي هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة. خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار: على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل (شفا جرف هار) في قلة الثبات، والشفا: الشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي ينحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، والهار: الهاير الذي أشفى على السقوط والهدم، وقرئ أسس على البناء للمفعول، وجرف بالتخفيف. فانهار به في نار جهنم: لما جعل الجرف والهار مجازا عن الباطل قيل: فانهار به في نار جهنم، والمعنى: فهوى به الباطل في نار جهنم، فكأن المبطل أسس بنيانا على شفير جهنم فطاح به إلى قعرها. القمي: عن الباقر عليه السلام مسجد الضرار الذي أسس على شفا جرف هار

[ 380 ]

فانهار به في نار جهنم. والله لا يهدى القوم الظالمين: إلى ما فيه صلاح ونجاة. (110) لا يزال بنيانهم الذى بنوا: يعني مسجد الضرار. ريبة في قلوبهم: سبب شك وازدياد نفاق في قلوبهم لا يضمحل أثره، ثم لما هدمه الرسول رسخ ذلك في قلوبهم، وازداد بحيث لا يزول رسمه. إلا أن تقطع قلوبهم: قطعا بحيث لا يبقى لها قابلية الأدراك والأضمار. في الجوامع عن الصادق عليه السلام إنه قرأ (إلى أن تقطع والقمي: حتى تقطع قلوبهم). وقرئ نقطع والله عليم: بنياتهم. حكيم: فيما أمر بهدم بنائهم. القمي: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك بن دخثم الخزاعي، وعامر بن عدي أخا بني عمرو بن عوف على أن يهدموه ويحرقوه فجاء مالك فقال لعامر: انتظرني حتى أخرج نارا من منزلي فدخل وجاء بنار وأشعل في سعف النخل ثم أشعله في المسجد فتفرقوا، وقعد زيد بن حارثة حتى احترقت البنية ثم أمر بهدم حايطه. (111) إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: تمثيل لأثابة الله إياهم بالجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون: استيناف ببيان ما لأجله الشرى، وقرئ بتقديم المبني للمفعول. وعدا عليه حقا في التورية والانجيل والقرآن: وعد ذلك على نفسه وعدا ثابتا مثبتا في الكتب الثلاثة. ومن أوفى بعهده من الله: أي لا أحد أوفى بعهده من الله. فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به: فافرحوا به غاية الفرح إذ بعتم فانيا بباق، وزائلا بدائم. وذلك هو الفوز العظيم. (112) التائبون: رفع على المدح أي هم التائبون. وفي قراءة الباقر والصادق عليهما السلام التائبين إلى قوله والحافظين رواها في المجمع عنهما عليهما السلام اجراء على الصفة للمؤمنين. في الكافي: عن الباقر عليه السلام إنه تلا (تلي ظ) عنده (التائبون العابدون)، فقال: لا، إقرأ (التائبين العابدين) إلى آخرها، فسئل عن العلة في ذلك، فقال: اشترى من

[ 381 ]

المؤمنين التائبين العابدين. العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين. في الكافي: عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الآية (إن الله اشترى من المؤمنين) قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله أرأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلا أنه يقترف من هذه المحارم أشهيد هو ؟ فأنزل الله على رسوله (التائبون العابدون) الآية فبشر النبي المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم وحليتهم بالشهادة والجنة. وقال: (التائبون): من الذنوب، (العابدون): الذين لا يعبدون إلا الله ولا يشركون به شيئا، (الحامدون): الذين يحمدون على كل حال في الشدة والرخاء، (السائحون): الصائمون، (الراكعون الساجدون): الذين يواظبون على الصلوات الخمس، (الحافظون): لها والمحافظون عليها بركوعها وسجودها والخشوع فيها وفي أوقاتها الآمرون بالمعروف بعد ذلك، والعاملون به، والناهون عن المنكر، والمنتهون عنه، قال: فبشر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة الحديث. أقول: إنما فسر السياحة بالصيام لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سياحة أمتي الصيام. وعنه عليه السلام لقى عباد البصري علي بن الحسين عليه السلام في طريق مكة فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينته إن الله اشترى من المؤمنين الآية، فقال له علي بن الحسين عليه السلام: أتم الآية فقال: (التائبون العابدون) الآية، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج. والقمي: لقى الزهري علي بن الحسين عليه السلام إلى آخر الحديث. العياشي: قال: هم الأئمة عليهم السلام. والقمي: قال نزلت الآية في الأئمة عليهم السلام لأنه وصفهم بصفة لا تجوز في

[ 382 ]

غيرهم فالآمرون بالمعروف: هم الذين يعرفون المعروف كله صغيره وكبيره ودقيقه وجليله، والناهون عن المنكر: هم الذين يعرفون المنكر صغيره وكبيره، والحافظون لحدود الله: هم الذين يعرفون حدود الله صغيرها وكبيرها، ودقيقها وجليلها ولا يجوز أن يكون بهذه لصفة غير الأئمة عليهم السلام. وفي نهج البلاغة: أنه ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها. وفيه: فلا أموال بذلتموها للذي رزقها ولا أنفس خاطرتم (1) بها للذي خلقها. والعياشي: عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن قول الله تعالى (إن الله اشترى) الآية. فقال: يعني في الميثاق، ثم قرأت عليه (التائبون العابدون)، فقال: لا إقرأها (التائبين العابدين) إلى آخر الآية، وقال: إذا رأيت هؤلاء فعند ذلك هؤلاء اشترى منهم أنفسهم وأموالهم يعني في الرجعة. (113) ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم بموتهم على الشرك أو بوحي من الله أنهم لن يؤمنوا. (114) وما كان استغفار إبرهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه: قطع استغفاره. العياشي: عن الصادق عليه السلام أنه قال: ما يقول الناس في قول الله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه) ؟ فقيل: يقولون: إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، قال: ليس هو هكذا، إن أبا إبراهيم وعده أن يسلم فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية اخرى لما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له. أقول: لا ينافي هذا التفسير ما رواه القمي: إن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه:

____________________________

1 - الخطر بالتحريك الاشراف على الهلاك وقوله خاطر بنفسه من استغنى برأيه وبئس الخطر لمن خاطر الله يترك طاعته كلاهما من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطر وهلاك م‍. 

[ 383 ]

إن لم تعبد الأصنام أستغفرت لك، فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه، وذلك لجواز وقوع كلا الوعدين وكون استغفار إبراهيم له مشروطا بإسلامه، وكون المراد بالوعد في هذه الآية وعد أبيه إياه، ويدل على وعد إبراهيم إياه قوله تعالى: (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) إن إبرهيم لاواه حليم. في الكافي: عن الباقر عليه السلام. وفي المجمع عن الصادق عليه السلام: الأواه: هو الدعاء. والقمي: عن الباقر عليه السلام الأواه: المتضرع إلى الله في صلوته، وإذا خلا في قفرة من الارض، وفي الخلوات. وقيل: هو الذي يكثر التأوه والبكاء، والدعاء، ويكثر ذكر الله عز اسمه. (115) وما كان الله ليضل: قوما بعد إذ هديهم: للأسلام. حتى يبين لهم ما يتقون: ما يجب إتقاؤه. في الكافي، والعياشي، والتوحيد: عن الصادق عليه السلام حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه. إن الله بكل شئ عليم: يعلم أمرهم في الحالين. (116) إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير يعني ولا يتأتى ولاية ولا نصرة إلا من الله فتوجهوا بشراشركم إليه وتبروا عما عداه. (117) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار. في الاحتجاج: عن الصادق، وفي المجمع: عن الرضا عليه السلام إنهما قرءا لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين. والقمي: عن الصادق عليه السلام هكذا نزلت. وفي الاحتجاج: عن أبان بن تغلب، فقلت له يا ابن رسول الله إن العامة لا تقرأ كما عندك، قال: وكيف تقرأ يا أبان قال: قلت: إنها تقرأ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار، فقال: ويلهم وأي ذنب

[ 384 ]

كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تاب الله منه إنما تاب الله به على أمته. الذين اتبعوه في ساعة العسرة (1). القمي: في قصة تبوك هم أبو ذر، وأبو خيثمة، وعميرة بن وهب الذين تخلفوه ثم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: وتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوم من أهل ثبات وبصاير لم يكن يلحقهم شك ولا ارتياب، ولكنهم قالوا: نلحق برسول الله، منهم أبو خيثمة (2) وكان قويا وكان له زوجتان وعريشان فكانتا زوجتاه قد رشتا (3) عريشته (4)، قال: لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قد خرج في الضح (5) والريح وقد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشه وامرأتين حسناوين، لا والله ما هذا بإنصاف ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كن أبا خيثمة فكان أبا خيثمة، أقبل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما كان فجزاه خيرا ودعا له، وكان أبو ذر تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام، وذلك أن جمله كان أعجف فلحق بعد ثلاثة أيام ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه، وحمل ثيابه على ظهره. فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كن أبا ذر، فقالوا: هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

____________________________

1 - وهي صعوبة الامر قال جابر يعني عسرة الزاد وعسرة الظهر وعسرة الماء والمراد بساعة العسرة وقت العسرة لان الساعة تقع على كل زمان م‍ ن.

 2 - بالخاء المفتوحة المعجمة والياء التحتانية الساكنة والثاء المثلثة والميم والهاء.

 3 - أي طلبتنا ان تتخذاهما.

 4 - العريش كالهودج وما عرش للكرم والبيت الذي يستظل به ق.

 5 - الضح: الشمس وقولهم جاء فلان بالضح والريح أي بما طلعت عليه الشمس وما جرت عليه الريح يعني من الكثرة (ص). 

[ 385 ]

أدركوه بالماء فإنه عطشان، فأدركوه بالماء ووافى أبو ذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أداوة فيها ماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له: يا أبا ذر معك ماء وعطشت ؟ فقال: نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلت لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله له: يا أبا ذر رحمك الله تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يسعد بك قوم من العراق يتولون غسلك، وتجهيزك، ودفنك. وفي الجوامع: والعسرة: حالهم في غزوة تبوك كان يعتقب العشرة على بعير واحد وكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، والاهالة (1) السنخة وبلغت الشدة بهم إلى أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء (2)، وكانوا في حمازة القيظ، وفي الضيقة الشديدة من القحط وقلة الماء. من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم: عن الثبات على الايمان ومن اتباع الرسول في تلك الغزوة، وقرء تزيغ بالتاء، قيل: إن قوما منهم هموا بالانصراف عن غزاتهم بغير استيذان فعصمهم الله حتى مضوا. القمي: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتبوك رجل يقال له: المضرب، لكثرة ضرباته التي أصابته ببدر وأحد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عد لي أهل العسكر، فعددهم، فقال: هو خمسة وعشرون ألف رجل، سوى العبيد والتباع، فقال: عد المؤمنين فقال: خمسة وعشرون رجلا. ثم تاب عليهم: إنه بهم رؤف رحيم: تداركهم برأفته ورحمته. (118) وعلى الثلاثة الذين خلفوا:

____________________________

1 - الاهالة كل هن يؤتدم به والسنخة بالمهملة والنون والخاء المعجمة الريح وحمازة القيظ بالحاء المهملة والزاي شدته (منه رحمه الله).

 2 - اي الماء المتغير م‍. 

[ 386 ]

العياشي: عن الصادق عليه السلام هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أمية. وفي المجمع: عن السجاد، والباقر، والصادق عليهم السلام إنهم قرؤا (خالفوا) (1). والقمي: قال العالم عليه السلام: إنما نزل وعلى الثلاثة الذين خالفوا، ولو - خلفوا - لم يكن عليهم عتب. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام لو كانوا خلفوا لكانوا في حال طاعة. حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت: أي مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم كأنهم لا يجدون في الارض موضع قرار وضاقت عليهم أنفسهم: أي قلوبهم من فرط الوحشة، والغم. وظنوا: وعلموا. أن لا ملجأ من الله: من سخط الله. إلا إليه ثم تاب عليهم: ثم رجع عليهم بالقبول. في المعاني: عن الصادق عليه السلام هي الاقالة. ليتوبوا: ليعودوا إلى حالتهم الاولى. إن الله هو التواب الرحيم: لمن تاب ولو عاد في اليوم مأة مرة، وقد مضى تحقيق معنى التوبة من الله ومن العبد في سورة البقرة. والقمي: في قصة غزوة تبوك وقد كان تخلف عن رسول الله قوم من المنافقين، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق، منهم: كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. فلما تاب الله عليهم، قال كعب: ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك، وما اجتمعت لي راحلتان إلا في ذلك اليوم فكنت أقول: أخرج غدا أخرج بعد غد، فإني قوي وتوانيت وبقيت (2) بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أياما أدخل السوق ولا أقضي حاجة فلقيت هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقد كانا تخلفا أيضا فتوافقنا أن نبكر إلى السوق ولم نقض حاجة، فما زلنا نقول: نخرج غدا وبعد غد حتى بلغنا إقبال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

____________________________

1 - وفي رواية العياشي الاخرى والكافي ان الثلاثة هم عثمان وصاحباه ان الله سلط عليهم الخوف فما سمعوا صوت كافر ولا قعقعة حجرية الا قالوا اتينا فاقالهم الله وما تابوا فلعله تأويل للآية واجراء لها فيهم (منه رحمه الله).

 2 - الوني كفتي التعب والفترة ضد ويمدوني يني ونيا وونيا ووني ونية وونية وونى واوناه وتوانى هو وناقة وآنية فاترة طليح ق. 

[ 387 ]

فندمنا، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استقبلناه نهنيه بالسلامة، فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام، فأعرض عنا، وسلمنا على إخواننا فلم يردوا علينا السلام، فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، وكنا نحضر المسجد فلا يسلم علينا أحد ولا يكلمنا فجاءت نساؤنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا أفنعتزلهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تعتزلنهم ولكن لا يقربوكن، فلما رآى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حل بهم، قال: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إخواننا ولا أهلونا فهلموا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتى يتوب الله علينا أو نموت، فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة فكانوا يصومون، وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية، ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم، فبقوا على هذه الحالة أياما كثيرة يبكون بالليل والنهار، ويدعون الله أن يغفر لهم، فلما طال عليهم الامر، قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا، ورسوله قد سخط علينا وإخواننا سخطوا علينا، وأهلونا سخطوا علينا، فلا يكلمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض، فتفرقوا في الليل وحلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب الله عليه فبقوا على هذه ثلاثة أيام كل منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلمه. فلما كان في الليلة الثالثة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أم سلمة نزلت توبتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت) حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا إخوانهم، ولا أهلوهم، فضاقت المدينة عليهم حتى خرجوا منها، وضاقت عليهم أنفسهم حيث حلفوا أن لا يكلم بعضهم بعضا فتفرقوا وتاب الله عليهم لما عرف صدق نياتهم. (119) يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين: في الكافي: عن الباقر عليه السلام إيانا عنى. وعن الرضا عليه السلام الصادقون: هم الائمة عليهم السلام والصديقون بطاعتهم.

[ 388 ]

وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام قال مع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والقمي: قال: هم الائمة عليهم السلام. وفي الاكمال: عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال في مجمع من المهاجرين والانصار أيام خلافة عثمان أسألكم بالله أتعلمون أنه لما نزلت هذه الآية قال سلمان: يا رسول الله عامة هذه الآية أم خاصة ؟ فقال: أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك، وأما الصادقون فخاصة لأخي وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة، قالوا: اللهم نعم. وفي المجمع: عن الصادق عليه السلام أنه قرأ (من الصادقين). (120) ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه: بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء، ويكابدوا معه الشدائد برغبة ونشاط كما فعله أبو ذر وأبو خيثمة. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ: شئ من العطش. ولا نصب: تعب. ولا مخمصة: مجاعة. في سبيل الله: في طريق الجهاد. ولا يطأون: لا يدوسون بأرجلهم، وبحوافر خيولهم، وأخفاف رواحلهم. موطئا: موضعا. يغيظ الكفار: وطأهم إياه ويضيق صدورهم بتصرفهم في أرضهم. ولا ينالون من عدو نيلا: بقتل أو أسر أو نهب. إلا كتب لهم به عمل صلح: واستوجبوا الثواب عند الله. إن الله لا يضيع أجر المحسنين. (121) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا: أرضا في مسيرهم، والوادي: كل منعرج ينفذ فيه السيل. فشاع بمعنى الارض. إلا كتب لهم: ذلك الانفاق وقطع الوادي. ليجزيهم الله: بذلك. أحسن ما كانوا يعملون: جزاء أحسن أعمالهم، أو أحسن جزاء أعمالهم. (122) وما كان المؤمنون لينفروا كآفة: وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعا. فلولا نفر من كل فرقة منهم: فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة. طائفة: جماعة قليلة. ليتفقهوا في الدين:

[ 389 ]

ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا (1) مشاق ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم: فيه دلالة على أنه ينبغي أن يكون غرض المتفقه أن يستقيم (2) ويقيم. لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد. لعلهم يحذرون: إرادة أن يحذروا عما ينذرون منه. في العلل: عن الصادق عليه السلام أنه قيل له: إن قوما يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اختلاف أمتي رحمة، فقال صدقوا، فقيل: إن كان إختلافهم رحمة فإجتماعهم عذاب ؟ قال ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل: (فلولا نفر من كل فرقة) الآية فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويختلفوا إليه فيتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم إنما أراد اختلافهم من البلدان لا إختلافا في دين الله، إنما الدين واحد. وفي الكافي: قيل للصادق عليه السلام: إذا حدث على الامام حدث كيف يصنع الناس ؟ فقال: أين قول الله عز وجل: (فلولا نفر من كل فرقة) الآية، قال: قلت: فما حالهم ؟ قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع إليهم أصحابهم. والعياشي عنه عليه السلام ما في معناه. وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام كان هذا حين كثر الناس فأمرهم أن ينفر منهم طائفة، ويقيم طائفة للتفقه، وأن يكون الغزو نوبا. أقول: يعني يبقى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة للتفقه وإنذار النافرة فيكون النفر للغزو والقعود للتفقه. وفي الكافي: عن الصادق عليه السلام، والعياشي: عن الباقر عليه السلام تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله يقول في كتابه: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم).

____________________________

1 - جشم الامر كسمع جشما وجشامة تكلفه على مشقة كتجشمه ق.

 2 - أي يستقيم نفسه ويقيم غيره.  

[ 390 ]

(123) يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار: امروا بقتال الاقرب منهم فالأقرب، نظيره (وأنذر عشيرتك الاءقربين)، فإن الاقرب أحق بالشفقة والاستصلاح. في الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام قال: الديلم. والقمي: يجب على كل قوم أن يقاتلوا من يليهم ممن يقرب من الامام ولا يجوزوا ذلك الموضع. وليجدوا فيكم غلظة: شدة وصبرا على القتال. القمي: أي غلظوا لهم القول والقتل. واعلموا أن الله مع المتقين: بالحراسة والاعانة. (124) وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم: فمن المنافقين. من يقول: إنكارا واستهزاء. أيكم زادته هذه: السورة. إيمانا فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا: بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الايمان بها وبما فيها. وهم يستبشرون: بنزولها، لأنه سبب زيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم. القمي: وهو رد على من يزعم أن الايمان لا يزيد ولا ينقص. وفي الكافي، والعياشي: عن الصادق عليه السلام إن الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها ثم بين صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، قيل: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته ؟ قال: قول الله تعالى: (وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول) الآية، وقال: (وزدناهم هدى)، ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر، ولا استوت النعم فيه، ولا استوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار. وقد مضى لهذا المعنى زيادة بيان في سورة الانفال. (125) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم: القمي، والعياشي: عن الباقر عليه السلام يقول: شكا إلى شكهم. وماتوا وهم كافرون:

[ 391 ]

القمي والعياشي عن الباقر يقول شكا إلى شكهم واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه. (126) أولا يرون: يعني المنافقين. أنهم يفتنون: يبتلون بأصناف البليات أو بالجهاد مع رسول الله فيعاينون ما يظهر عليهم من الآيات. والقمي: يمرضون. في كل عام مرة أو مرتتن ثم لا يتوبون: من نفاقهم. ولا هم يذكرون: لا يعتبرون. (127) وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: تغامزوا بالعيون، إنكارا لها وسخرية، أو غيظا لما فيها من عيوبهم. هل يريكم من أحد: أي يقولون: هل يريكم من أحد من المسلمين إن قمتم وانصرفتم ؟ فإنا لا نصبر على استماعه، وترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال، فإن لم يرهم أحد قاموا وإن يرهم أحد أقاموا. ثم انصرفوا: تفرقوا مخافة الفضيحة. صرف الله قلوبهم: عن الايمان والانشراح به بالخذلان. والقمي: عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق. قيل: ويحتمل الدعاء. بأنهم: بسبب أنهم. قوم لا يفقهون: لسوء فهمهم وعدم تدبرهم. (128) لقد جاءكم رسول من أنفسكم: من جنسكم عربي. القمي: مثلكم في الخلقة، قال: ويقرء (من أنفسكم) أي من أشرفكم. في الجوامع: قيل: هو قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفاطمة عزيز عليه: شديد شاق. ما عنتم: عنتكم ولقاؤكم المكروه. والقمي: ما أنكرتم وجحدتم. حريص عليكم: على إيمانكم، وصلاح شأنكم حتى لا يخرج أحد منكم عن الاستسعاد بدينه الذي جاء به. بالمؤمنين: منكم ومن غيركم. رؤف رحيم. (129) فإن تولوا: عن الايمان بك. فقل حسبى الله: استعن بالله فإنه يكفيك أمرهم وينصرك عليهم. لا إله إلا هو عليه توكلت: فلا أرجو غيره ولا أخاف إلا منه. وهو

[ 392 ]

رب العرش العظيم: في التوحيد: عن الصادق عليه السلام أي الملك العظيم. العياشي: عنه عليه السلام (رسول من أنفسكم) قال: فينا، (عزيز عليه ما عنتم) قال: فينا، (حريص عليكم) قال: فينا، (بالمؤمنين رؤف رحيم) قال: يشركنا المؤمنون في هذه الرابعة، وثلاثة لنا. وفي رواية اخرى: فلنا ثلاثة أرباعها، وليشعتنا ربعها. وفي الكافي: عنه عليه السلام هكذا أنزل الله تعالى (لقد جاءنا رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤف رحيم). وفي ثواب الاعمال، والعياشي: عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة الانفال وسورة البراءة في كل شهر لم يدخله نفاق أبدا، وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وزاد العياشي: ويأكل يوم القيامة من موائد الجنة مع شيعته حتى يفرغ الناس من الحساب.




 
 

  أقسام المكتبة :
  • نصّ القرآن الكريم (1)
  • مؤلّفات وإصدارات الدار (21)
  • مؤلّفات المشرف العام للدار (11)
  • الرسم القرآني (14)
  • الحفظ (2)
  • التجويد (4)
  • الوقف والإبتداء (4)
  • القراءات (2)
  • الصوت والنغم (4)
  • علوم القرآن (14)
  • تفسير القرآن الكريم (95)
  • القصص القرآني (1)
  • أسئلة وأجوبة ومعلومات قرآنية (12)
  • العقائد في القرآن (5)
  • القرآن والتربية (2)
  • التدبر في القرآن (9)
  البحث في :



  إحصاءات المكتبة :
  • عدد الأقسام : 16

  • عدد الكتب : 201

  • عدد الأبواب : 83

  • عدد الفصول : 1939

  • تصفحات المكتبة : 9843047

  • التاريخ : 16/05/2021 - 18:13

  خدمات :
  • الصفحة الرئيسية للموقع
  • الصفحة الرئيسية للمكتبة
  • المشاركة في سـجل الزوار
  • أضف موقع الدار للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • للإتصال بنا ، أرسل رسالة

 

تصميم وبرمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net

دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم : info@ruqayah.net  -  www.ruqayah.net