• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات القرآنية التخصصية .
              • القسم الفرعي : الأخلاق في القرآن .
                    • الموضوع : القرآن نور في ظلمات الليل .

القرآن نور في ظلمات الليل

المرجع الديني الشيخ مكارم الشيرازي

عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في خطبته: «لا عيش إلاَّ لعالم ناطق أو مستمع واع. أيُّها الناس، إنَّكم في زمان هدنة وإنَّ السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يُبليان كلَّ جديد ويقرّبان كل بعيد ويأتيان بكل موعود» فقال له المقداد: يا نبيَّ الله، وما الهدنة؟ فقال (صلى الله عليه وآله): «دار بلاء وانقطاع، فاذا التبست عليكم الاُمور كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفَّع وصادق مصدَّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار...»(1).

شرح الحديث

يخاطب الرسول (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث الناس ويقول لهم: انهم في حال هدنة، وهم فيها مختارون أحرار، والدنيا تسير بسرعة والليل والنهار يحولان الجديد بالياً عتيقاً ويقرّبان البعيد ويأتيان بالموعود. وهذا ما نلاحظه ونعجب منه دائماً، فان البيئة التي نعيش فيها غير ساكنة ولا هدوء فيها وكل شيء يتحرك بتسارع خاص ويتغيّر بنحو وآخر. لاحظوا حالات الانسان، فالأطفال يشبّون بسرعة والشباب يتّجهون نحو الشيخوخة والشيوخ نحو القبور، وبين الحين والآخر نقرأ إعلان وفاة شخص، وذلك إنذار لجميع البشر.

ثمّ يسأله المقداد عن مراده من الهدنة، فيجيبه بأنها دار بلاء وانقطاع وأن الله لا يجازي الانسان على أعماله فيها مباشرة، بل يتركه إلى يوم آخر(2).

ثمّ أصدر أمراً ورد بنحو مستقل في روايات اُخرى، حيث قال: «فاذا التبست عليكم الاُمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه...».

في عبارة جعل القرآن في الخلف أو في الأمام يوجد احتمالان:

الاول: الاهتمام بالقرآن وعدم الاهتمام به.

الثاني: أن يكون القرآن معلماً ومرشداً للانسان لا وسيلة بين يديه، أي على الانسان أن يعرض نفسه على القرآن لا يعرض القرآن على نفسه.

البعض من الناس يحكم في موضوع ويطلق فكرته في البداية ثم يسعى للحصول على مبرّر من القرآن، وبعد ما يجد ما يبرّر فكرته من آية يتمسك بها ويترك ما بقي من آيات، وهذا مصداق الآية الكريمة: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض)(3)، وانسان من هذا القبيل جعل القرآن خلفه لا أمامه.

الكثير من المذاهب المنحرفة في الاسلام (من قبيل الوهابية) مبتلية بهذا المرض، وعندما نلاحظ عقائدهم وندقق فيها نراهم قد تركوا الآيات الواضحة الدلالة وتمسكوا بالآيات التي تحتمل وجهين، واعتبروها منطبقة على عقائدهم.

ويقابل هؤلاء بعض يعدون أنفسهم تلامذة للقرآن ولا يرون غير ما يرى القرآن، ويعتبرونه حلالاً لمشاكلهم، فهم مصاديق للآية الكريمة: (فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً)(4).

لابدَّ أنكم سمعتم بما ورد في (نهج البلاغة) بأن الاسلام هو التسليم(5)،

والانسان لا يكون مسلماً حقيقياً ما لم يسلّم نفسه تسليماً خالصاً للقرآن، ومن غير الصحيح أن نحمّل القرآن عقائدنا، فذلك يعد نوع اعتداد بالنفس وعبادة لها، في وقت يأمر القرآن المسلم التسليم إليه في الظاهر والباطن.

ورغم التأكيد الوارد في هذا المجال فان القرآن لم يحتل مقامه المناسب لشأنه في حوزتنا، وليتنا نهتم بالقرآن بقدر اهتمامنا بعلم المعاني والبيان، ففيه كل شيء، كما ورد هذا المعنى في الآية الكريمة: (...ولا رطب ولا يابس إلاَّ في كتاب مبين).

البعض من أمثال الوهابين يهتمون بألفاظ القرآن فحسب ويسعون حثيثاً في مجال قرائته، ولا شأن لهم بمحتواه، وعندما يقرأ القارئ آيات كثيرة بنفس واحد يطلقون صرخات الله، لكنهم يسكتون في آيات القيامة إذا لم تُقرأ بنفس واحد.

القرآن مظلوم بيننا، والمفروض أن يصبح منهج دراساتنا، وعليكم إقامات حلقات تفسيره عنوانها (ماذا يقول القرآن) لا (ماذا أقول أنا)، والمهم أن تكونوا أصحاب عقيدة تتعاملون مع القرآن أكثر فأكثر، وبذلك تكتسبون نورانية وصفاء طازجاً، نورانية فكر الانسان تحصل عندما يبدأ تعامله مع القرآن. واعلموا أن عليكم ثلاث وظائف فيما يخص القرآن، هي تلاوته وفهمه والأهم من ذلك العمل به.

المصادر :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. بحار الأنوار 74: 177.

2. وردت بحوث كثيرة فيما يخص الاختبار والبلاء الإلهي، نشير إلى القليل منها:

الف: لماذا يبتلي الله الناس ويختبرهم؟ ألم يكن الاختبار لإيضاح أمر مبهم ومجهول، وذلك لزيادة المعلومات؟ وعلى هذا، لماذا يختبر الله الناس رغم كونه عالماً ومحيطاً بكل شيء؟ وهل يخفى على الله شيء لكي يكشفه من خلال الاختبار؟

ينبغي البحث عن الجواب على هذه الأسئلة في الاختلاف المستبطن في معنى الاختبار عندنا والاختبار عند الله. إنَّ هدف الاختبار عندنا هو رفع الابهام والجهل ورفع مستوى المعرفة، بينما الاختبار الإلهي عبارة اُخرى عن التربية.

عمل الله في اختباراته يشبه عمل الزارع الخبير الذي ينثر البذور في الأراضي الخصبة، فتنمو هذه البذور من خلال ما رُدع فيها من قابليات طبيعية، وتكافح المشاكل تدريجياً وتصمد أمام الحوادث من الإعصار والبرودة والحرارة لكي تستمر حياتها وتبدو للعيان نبتة قوية صامدة.

لكي يُرفع من مستوى استعداد الجنود وقوتهم يؤمرون بإقامة مناورات وتمارين خاصة يدربونهم فيها على مقاومة مشاكل الجوع والعطش والحر والبرد وما شابه، ومن ذلك القبيل يكون الاختبار الإلهي.

باء: الاختبار الإلهي عام.

بما أن نظام الحياة وعالم الوجود هو نظام التكامل والتربية، والموجودات الحية جميعها تسير في هذا الطريق، وحتى الأشجار تبرز قابلياتها وجدارتها من خلال الإثمار، ووفقاً لهذا القانون العام فان المفروض على الجميع، من الأنبياء وغيرهم، أن يخضعوا لهذا القانون فيبتلون ويختبرون لكي تبرز قابلياتهم ومؤهلاتهم.

جيم: طرق الاختبار.

ذكرت الآيات نماذج من الاُمور التي يمتحن بها الانسان، وهي من قبيل: الخوف والجوع والخسائر المالية والموت والأولاد والرسل والأوامر الإلهية وحتى بعض المنامات، (ونبلونكم بالشرِّ والخير).

3. النساء: 105.

4. النساء: 65.

5. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 120


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=555
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2009 / 06 / 18
  • تاريخ الطباعة : 2024 / 07 / 24