• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المشرف العام .
              • القسم الفرعي : مقالاته .
                    • الموضوع : عرفات .

عرفات

سماحة الشيخ عبدالجليل أحمد المكراني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِن رَبِّكمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكرُوا آللهَ عِنْدَ آلْمَشْعَرِ آلْحَرَامِ وَآذْكرُوهُ كمَا هَدَاكمْ وَإِن كنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ آلضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ آلنَّاسُ وَآسْتَغْفِرُوا آللهَ إِنَّ آللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة: 198ـ199].

من المشاعر الحرام عرفات وهي بقعة وسيعة تقع بين مكة ومنى بحدود 22 كيلومتر في الجنوب الشرقي من مكة بسعة 18 كيلومتر مربع تقريباً يجتمع فيها الحجّاج في اليوم التاسع من ذي الحجّة من الظهر الشرعي إلى الغروب الشرعي، ويسمّى بوقوف عرفات، وانّه من أركان الحجّ.

ـ ورد في الحديث المعتبر عن النبي: «الحجّ عرفة ليدلّ على عظمة يوم عرفة وكأنّه هو الحجّ بتمامه، فمن تركه متعمّداً بطل حجّه.

ـ سمّي بعرفة لكون أرضها أعلى من غيرها من المشاعر الاُخرى، أي مزدلفة ومنى والحرم الشريف.

ـ سمّي بذلك لقول جبرئيل لآدم ولإبراهيم وللرسول الأعظم محمّد (ص): «اعرف مناسكك».

ـ في عرفات جبل عرف بجبل الرحمة وجبل عرفات، وفي قمّته (نصب أبيض) ليرمز إلى ما ورد في بعض الأخبار من لقاء آدم وحوّاء بعد هبوطهما على الأرض، وافتراقهما زمناً طويلاً يسيحان في الأرض يبكيان على خطيئتهما، فاستجاب الله وغفر لهما، فالتقيا في هذه البقعة المبارك، فسمّي بذلك كما نقلت بعض الروايات.

عَرَفة لُغةً:

عَرَف الشيء لم يُنكرهُ. وعرّف الضالّة (الناقة المفقودة) نشدها، واعترف بالشيء أقرّ به.يقال: اعترف بذنبه: أقرّ به ولم ينكره. وتعارفوا: عرف بعضهم بعضاً. وتعرّفت إلى فلان: جعلتهُ يعرفني. و(الأعراف): الحاجز بين الجنّة والنار. وعُرف الجبل: أعلاه، ويطلق على السور أيضاً. والعَرَفة: الحدُّ بين الشيئين. والمعَرَفة: الوجه والملامح، وهي إدراك الشيء على ما هو عليه. ويعرفه حقّ المعَرَفة: يعرفه جيداً، والمعَرَفة: حصيلة التعلُّم عبر العصور. ومعَرَفة الذات: تفهُّم الشخص لطبيعته أو قدراته أو حدوده، أو: وعيه بالمميزات والخصائص المكوّنة لذاته. وعرّف الحجّاج: وقفوا بعرفات. والعرفان: الاعتراف والتقدير.

بهذا التعريف، ماذا تعني عَرَفة؟

هي المعلوم الذي لا يُجهَل، وهي المفقودُ الذي يُطلَب، وهي ساحة الاعتراف والإقرار بالذنوب، مثلما هي ساحة للتعارف بين الناس من مختلف الأجناس. وهي الحاجزُ بين (أمسي) الغارق بالمعاصي والملوّث بالسيّئات، و(يومي) الساعي للاغتسال والتطهُّر من ذلك كلّه. وهي مرآتي التي أعرفُ فيها (نفسي) لأعرف فيها (ربّي)!! لأنّ (العرفان) يتآتى من (المعَرَفة)، والمعَرَفة حصيلة تراكمية لما تعلّمه الإنسان عبر العصور. هنا في (عَرَفة) محطّة استثنائية لمعَرَفة ذاتي في (حدودها) و(قدراتها) ووعيها بـ (خصائصها) و(مميزاتها)، كما هي (وقفة) متأنية ومستغرقة بين يديّ الله جل جلاله!!

ثانياً: عَرَفة مكاناً: جبل قريب من مكة، يقع غربها على بُعد (10 كم).

ثالثاً: عَرَفة زماناً: يوم عرفات هو اليوم التاسع من ذي الحجة، فما هي إلّا أن يزول سواد الليلة الثامنة من ذي الحجة حتى نُطلُّ على وجهٍ نريد أن (نعرفَه) و(يعرفنا) اسمه (عَرَفة)، إنّه المكان والزمان.. (الانعطافة) التأريخية في حياتنا.

أسباب التسمية:

1ـ إنّ الأمكنة المعظَّمة، المعروفة، المشهورة كثيرة جدّاً، فهل كلّ شيء عُرّف فعُرف يُقال له: عَرَفة؟ ربما. لكنه لا يؤشر لنا بسبابته إلى حيث نريد. فالوجه غير قريب للنفس وإن كانت المعروفية في (عَرَفة) تُستلّ من (معَرَفة النفس) و(عرفان الله) و(التعارف مع الناس) إخوتنا من أبينا آدم.

2ـ الناس يتعارفون فيها وهو معنى مقبول. لأنّه لم يسبق للحجّاج أن اجتمعوا في مكانٍ واحد منذ أن توافدوا من مختلف أقطار الأرض إلى الديار المقدّسة، على الرغم من توجّههم إلى البيت الحرام جميعاً. لا اجتماع كليّاً للحجيج سوى في عَرَفة، ولعلّ هذا هو سبب من أسباب القول «الحج عَرَفة» أي لشهود الجميع الموقف (الواحِد) (الموحِّد).

وبمعنى آخر، فإنّ روافد الحج تلتقي وتصبّ في بحر عَرَفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. قبلها الحجّاج متفرقون، وبعدها الحجّاج متفرقون. (فحتى مزدلفة يتفرّق فيها الحجّاج بين مَنْ يشهدها في الليل وبين مَنْ يشهدها قبيل الفجر)، (بل حتى عند انقضاء الموسم، فإنّ البعض قد يتعجّل العودة في يومين من أيام التشريق، والبعض يتأخّر).. فلا فرصة أوسع من فرصة التعارف في (عرفات).. وهو مغنم اجتماعي جسيم لا ينبغي التفريط به.

التعارف في عَرَفة:

منذ أن أمر الوحي بالتعارف في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناكمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكمْ﴾ [الحجرات: 13]. والدعوة إلى التعارف بين بني الإنسان لا تتجه نحو (الاستحباب) في التعارف الشكليّ، وإنما إلى (الوجوب) في الحاجة الأساسية للتكامل من خلال الآخر. فالمرءُ قليلٌ بنفسه كثيرٌ بأخيه، وما عند (زيد) قد لا يوجد عند (عمرو)، وما عند (عمرو) قد لا يكون عند (زيد)، ومن هنا كانت رحلة البحث عن الآخر: الزوج عن الزوجة، والصديق عن صديقه، والرفيق عن رفيقه، والقريب عن البعيد، والقبيلة عن القبيلة، والشعب عن الشعب.

تعارف من أجل ماذا؟

- تعارف من أجل استكمال الإنسانية بالآخر سواءٌ أكان الآخر «أخاً في الدين» أو «نظيراً في الخَلق».

- تعارف من أجل الاستزادة من العلوم والمعارف.. فمائدتُنا المعرفية ـ مهما تنوّعت ـ لا تشمل كلّ الأطباق، ولذلك كانت الدعوة إلى «طلب العلم ولو في الصين». والصين مثالٌ وليس حصراً.

- تعارف من أجل المداولة في المشاكل والعقبات والحلول والمقاربات.

- تعارف من أجل التواصي (بالحقّ) و(بالصبر) و(بالمرحمة) في زمن تتقطّع فيه الأواصر وينحصر التواصل في العوالم الافتراضية.

- تعارف من أجل الاغتناء بالخبرات والثقافات والتجارب والبرامج والمشاريع.

- تعارف ليس لإلغاء (التعدُّدية) أو الانصهار في البوتقة الواحدة، بل هو تعارف لتعزيز معنى (التعدُّدية) بما هي إثراء وتلوُّن وتنوُّع ومشارب وأذواق.. إنّه تعارف يحرص على (التعدُّد) بما هو اتساع وارتفاع لا (التوحُّد) بما هو انحصار وانحسار!! للتكامل مع الآخر لا الانصهار فيه أو استنساخه.

لماذا الحجّ عَرَفة؟

نعتقد أنّ بعض الجواب على هذا السؤال أضحى واضحاً الآن، وهو أنّ كلمة ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، تترجم ترجمة عملية على رُبى عرفات أكثر من أي موضع آخر من مواضع الحج، وإن كنّا لا نميل إلى التجزئة والتجزيء، ذلك أنّ الحج منظومة فكرية وعملية واحدة، يعمل (الطواف) حول البيت، و(السعي) بين الصفا والمروة. و(الوقوف في عرفات) و(رمي الجمرات) على حياكة نسيج واحد هو: كيف يمكن لهذا التعدُّد أن يلتفّ حول محور كبرويّ يوحِّد نغمات السمفونية لكنه لا يسقط دور كلّ عازفٍ فيها.

لماذا الحج عَرَفة؟

أوّلاً: لأنّه يحقِّق الغاية من التعارف، وقد أشرنا إلى ذلك.

ثانياً: لأنّه يؤكد معنى (معَرَفة النفس).

عندما أوصى الإمام محمد الباقر أحد أصحابه واسمه (جابر الجعفي) قائلاً: «لا معَرَفة كمعرفتك بنفسك» فإنّه كان يشير إلى أفضل المعَرَفة، لأنّ مَنْ عرف نفسه -كما يقول الإمام عليّ 7- عَقَلَ، ومَنْ ازداد عقلاً لا يهمل نفسه ولا يهينها بالتوافه والمحرَّمات والمخزيات، بل ينتهي بها إلى ما يزينها من علوم ومعارف وآداب، وبما يجعلها مطيعة مخلصة لله تعالى من خلال زيادة معرفتها به. ولذلك كان الإمام عليّ (ع) يعجب لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه.

إنّ معَرَفة النفس تقود إلى تنزيهها عن الخطايا والدنايا والرزايا، وتبعدها عن الزلل والخلل والخبل. في (عرفات) التي تمثل وقفة دُعائية، يتضرّع فيها الواقف إلى الله تعالى مُفصحاً عن جميع ذنوبه وخطاياه، ومعترفاً لله تعالى بكلّ سوءاته، وتقصيراته في جنبه، وشاكراً له نعمه وأفضاله ومننه وألطافه.. في هذا الحمّام الروحي الذي نغتسلُ فيه من أدران العمر وأوساخه وسائر الملوّثات التي رانت وتراكمت علينا خلاله، ماذا يمكن أن نكسب؟

- نزيل العوالق والأثقال والترهلات والرواسب والشوائب التي تراكمت في فترة الابتعاد عن الله تعالى.

- نتخفف من أعباء الماضي في الإساءة إلى أنفسنا وإلى القريبين منّا.

- نتعهّد إلى الله ـ طالبين عونه وتوفيقه وهدايته ـ أن نكون عباداً صالحين حتى لا نخسر ما ربحناه في (الموقف) من غفران كلّي للذنوب ومحو تام للخطايا.

من هذه المعَرَفة بالنفس ندخل إلى (العرفان) أي معَرَفة الله تعالى التي تحصل عن طريقين: (الرجاء) بكلّ ما نرجوه من خير للدنيا والآخرة، و(الخوف) من كلّ ما نخافه من بلاء الدنيا وعقوبات الآخرة. ورد عن الإمام عليّ (ع): «أكثر الناس معَرَفة لنفسه أخوفهم لربّه» [غرر الحكم، 3126].

مقارنة بين الموقفين (عرفات) و(المحشر):

هي (مقابلة) أكثر منها (مقارنة).. وهي (مقاربة) أكثر منها تصويراً أدبياً، فـ(الموقف) هنا في عرفات، و(الموقف) هناك في المحشر في النهاية ربّاني، أي الذي دعا إلى الوقوف في عرفات فاستجاب له الناس من كلّ فجّ عميق، هو الذي يدعو في آخر سطور كتاب الأرض إلى دعوة أوسع وأشمل ليأتي الناس من كلّ بطون الأرض وأصقاعها وأقطارها، فبماذا يمكن أن نخلص من هذه المقابلة الحيّة بين مشهدين (دنيويّ) سنويّ يتكرّر، و(أخروي) فريد عقيم لا يتكرّر؟!

1- في (عرفات) (نداء) و(استجابة)، و(أمرٌ) و(امتثال)، وفي (المحشر) نداءٌ واستجابة وأمرٌ وامتثال، لكن في عرفات الاستجابة طوعية.. هناك مَنْ استجاب وهناك مَنْ لم يستجب، أما في المحشر، فالاستجابة عنوةٌ وقسرية لا تخلّف فيها لأحد.

2- على صعيد (عرفات) يجتمع الناس من كلّ مكان في الأرض ليلتحموا بالزمان والمكان، أما على صعيد (المحشر) فيُجمع الأوّلون والآخرون من لدن (آدم) حتى آخر (آدميّ).. عرفات بهذا المنظور صورةٌ مصغّرةٌ للمحشر.

3- في (عرفات) الكلّ في زيٍّ موحّدٍ يجمع بين (القِماط) وبين (الكفن).. في (المحشر) عراة حفاة، في عريٍ فاضحٍ كمولودٍ قبل أن يُلفّ بقِماطه، وكميّت قبل أن يُلفّ بأكفانه.

4- في (عرفات) كلّ العيون شاخصة لنزول الرحمة والمغفرة يحدوها الأمل والرجاء والثقة وحُسن الظنّ بالله، وفي (المحشر) كلّ العيون شاخصة والأعناق مشرأبّة والقلوب واجفة راجفة في انتظار إعلان النتائج، والرجاء في (عرفات) في رحمة الله مضاعف لكنه يتضاعف درجاتٍ عُليا وكبرى في ساحة المحشر. ولأنّ عرفات محفلٌ دعائيٌ تضجُّ فيه الأصوات بالضراعة والابتهال والتوسل إلى الله، فإننا بصفتنا ضيوفاً للرحمان نهتبلها فرصةً أثمن من ثمينة لندعوه بنّيات صادقة؛ يا ربّ العالمين وأرحم الراحمين..

في ساحةٍ صغيرةٍ كساحةِ عرفات أعلمتنا عن طريق نبيّك الصادق الأمين أنّ مَنْ وقفَ في عرفات وظنّ أنْ لن يُغفَر، له فقد أساء الظنّ بك!! هذا والمجالُ مفتوح بعد تلك الوقفة، ليتجدد في ساحة الحياة العطاء والرجاء والعمل، فكيف بنا إذا كانت الوقفة نهائية لا مجال فيها لعودةٍ عن ذنب وتوبةٍ من معصية، إنّ ثقتنا بك لكبيرة، وحُسنُ ظننا بك لوطيد أن تشملنا برحمتك في (الموقف) الأصعب والأعصب، حيث لا فرصة لحجّةٍ أخرى نستدرك بها بعض تقصيراتنا ونستكمل بها بعض نواقصنا..

- بعد (عرفات) نعود إلى ديارنا.. وبعد (المحشر) إمّا جنةٌ (دار السلام والقرار) وإمّا (نار) ساءت مستقراً ومقاماً. في الدنيا وبعد الوقفة العرفاتية نعودُ جميعاً فرحين إنّك غفرت لنا ما تقدَّم من ذنوبنا (ولم تجوِّز لأحدٍ منّا أن يُسيء الظنّ بأنّك لم تغفر له في الموقف العرفاتي) فكيف بنا بعد الوقفة المحشرية التي لا تملُك فيها ظُنونُنا إلّا أن تكون حسنةً في رحمتك التي ادخرت منها ليوم الفاقة  من رحمتك الكلِّية، فإذا كنت برحمة الواحد بالمئة غفرت لنا ذنوبنا بموقفنا في عرفات، فإنّ ظننا وطمعنا بمغفرتك في اليوم العصيب والموقف الرهيب، لأعظم.

هذا استذكارٌ نضعه نصب أعيننا ونحن في (الموقف) في عرفات ...


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2527
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 08 / 11
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 16