• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : السيرة والمناسبات الخاصة .
              • القسم الفرعي : النبي (ص) وأهل البيت (ع) .
                    • الموضوع : عبادة الإمام الباقر (عليه السلام) * .

عبادة الإمام الباقر (عليه السلام) *

كان الإمام الباقر (عليه السلام) كآبائه المعصومين وأجداده الطاهرين (عليهم لسلام) عارفاً لله تعالى معرفة يقينية، ومستوعباً لدخائل نفسه، فأقبل على رَبِّه، فاطر السماوات والأرض، بقلب منيب، وإخلاصٍ شديد، وطاعة تامة.

وكان من مظاهر عبادته (عليه السلام):

أوّلاً: صلاته (عليه السلام):

روى المؤرخون أنه (عليه السلام) كان إذا أقبل على الصلاة اصفَرَّ لونه خوفاً من الله عزَّ وجلَّ، وخشية منه.

وهو كأبيه الإمام السجاد (عليه السلام) في وَرَعه وتُقَاه وتحرُّجِه في الدين.

فقد عرف (عليه السلام) عظمة الله تعالى، خالق الكون، وواهب الحياة، معرفة النبيِّين والمتقين.

ويقول الرواة أنه (عليه السلام) كان كثير الصلاة، كثير الدعاء، كان يصلي في اليوم والليلة مِائة وخمسين ركعة.

ولم تشغله مَرجعيَّته العامَّة للأمّة، وشؤونه العلمية، عن كثرة الصلاة، فكانت الصلاة بالنسبة إليه أعَزُّ شيء عنده، وقُرَّة عينه، لأنها الصلَة بينه وبين الله تعالى.

قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].

وجاء في الحَديث الشريف: «أقْرَبُ ما يَكون العبدُ إلى رَبِّه وهو ساجد» [وسائل الشيعة، ج‏6، ص: 305].

وكان الإمام (عليه السلام) يتجه بقلبه وعقله نحو الله رب العالمين، ليناجيه بانقطاع تام، وإخلاص شفاف، وقد أثرت عنه بعض الأدعية.

وعن أدعيته (عليه السلام) في صلاته، روي عن ابنه الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: كنت أمَهِّد لأبي فراشه، فأنتظره حتى يأتي، فإذا آوى إلى فراشه ونام، قمت إلى فراشي.

وقد أبطأ عليّ ذات ليلة، فأتيتُ المسجد في طلبه، وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره.

فسمعت حنينه وهو يقول: «سبحانك اللَّهُمَّ، أنتَ رَبِّي حقاً حقاً، سَجَدتُ لك يا ربي تَعبُّداً ورِقاً، اللَّهُمَّ إنَّ عملي ضَعيفٌ فَضَاعِفْه لي، اللَّهُمَّ قِنِي عَذابَك يوم تَبْعَثُ عبادك، وتُبْ عَليَّ إنك أنت التوَّاب الرحيم» [الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏3، ص: 323].

وروي أنه (عليه السلام) كان يدعو في سجوده فيقول: «أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ص- إِلَّا بَدَّلْتَ سَيِّئَاتِي حَسَنَاتٍ وَ حَاسَبْتَنِي حِسَاباً يَسِيراً- ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ص- إِلَّا كَفَيْتَنِي مَئُونَةَ الدُّنْيَا وَ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ- وَ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ص- لَمَّا غَفَرْتَ لِيَ الْكَثِيرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْقَلِيلَ وَ قَبِلْتَ مِنْ عَمَلِيَ الْيَسِيرَ- ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ ص- لَمَّا أَدْخَلْتَنِي الْجَنَّةَ وَ جَعَلْتَنِي مِنْ سُكَّانِهَا وَ لَمَّا نَجَّيْتَنِي مِنْ سَفَعَاتِ «2» النَّارِ بِرَحْمَتِكَ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِه‏» [وسائل الشيعة، ج‏6، ص: 340].

هذه الأدعية كما يتوضح منها، تدل على شِدَّة الإمام (عليه السلام) بِتَعلُّقه بالله، وشِدَّة تَمسُّكه بطاعته، وعظيم إنابته إليه.

أما أدعيته (عليه السلام) في قنوته، فنذكر منها:

«يَا مَنْ يَعْلَمُ هَوَاجِسَ السَّرَائِرِ وَ مَكَامِنَ الضَّمَائِرِ وَ حَقَائِقَ الْخَوَاطِرِ يَا مَنْ هُوَ لِكُلِّ غَيْبٍ حَاضِرٌ وَ لِكُلِّ مَنْسِيٍّ ذَاكِرٌ وَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَادِرٌ وَ إِلَى الْكُلِّ نَاظِرٌ بَعُدَ الْمَهَلُ وَ قَرُبَ الْأَجَلُ وَ ضَعُفَ الْعَمَلُ وَ أَرَابَ [أَرْأَبَ‏] الْأَمَلُ وَ آنَ الْمُنْتَقَلُ وَ أَنْتَ يَا اللَّهُ الْآخِرُ كَمَا أَنْتَ الْأَوَّلُ مُبِيدُ مَا أَنْشَأْتَ وَ مُصَيِّرُهُمْ إِلَى الْبِلَى وَ مُقَلِّدُهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ مُحَمِّلُهَا ظُهُورَهُمْ إِلَى وَقْتِ نُشُورِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ قُبُورِهِمْ‏ عِنْدَ نَفْخَةِ الصُّورِ وَ انْشِقَاقِ السَّمَاءِ بِالنُّورِ وَ الْخُرُوجِ بِالْمَنْشَرِ إِلَى سَاحَةِ الْمَحْشَرِ لَا تَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ- وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ مُتَرَاطِبِينَ فِي غُمَّةٍ مِمَّا أَسْلَفُوا وَ مُطَالِبِينَ بِمَا احْتَقَبُوا وَ مُحَاسَبِينَ هُنَاكَ عَلَى مَا ارْتَكَبُوا الصَّحَائِفُ فِي الْأَعْنَاقِ مَنْشُورَةٌ وَ الْأَوْزَارُ عَلَى الظُّهُورِ مَأْزُورَةٌ لَا انْفِكَاكَ وَ لَا مَنَاصَ وَ لَا مَحِيصَ عَنِ الْقِصَاصِ قَدْ أَفْحَمْتَهُمُ الْحُجَّةُ وَ حَلُّوا فِي حَيْرَةِ الْمَحَجَّةِ وَ هَمْسِ الضَّجَّةِ مَعْدُولٌ بِهِمْ عَنِ الْمَحَجَّةِ إِلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى فَنَجَا مِنْ هَوْلِ الْمَشْهَدِ وَ عَظِيمِ الْمَوْرِدِ وَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ فِي الدُّنْيَا تَمَرَّدَ وَ لَا عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَنَّدَ وَ لَهُمُ اسْتَبْعَدَ وَ عَنْهُمْ بِحُقُوقِهِمْ تَفَرَّدَ اللَّهُمَّ فَإِنَّ الْقُلُوبَ قَدْ بَلَغَتِ الْحَنَاجِرَ وَ النُّفُوسَ قَدْ عَلَتِ التَّرَاقِيَ وَ الْأَعْمَارَ قَدْ نَفِدَتْ بِالانْتِظَارِ لَا عَنْ نَقْصِ اسْتِبْصَارٍ وَ لَا عَنِ اتِّهَامِ مِقْدَارٍ وَ لَكِنْ لِمَا تُعَانِي مِنْ رُكُوبِ مَعَاصِيكَ وَ الْخِلَافِ عَلَيْكَ فِي أَوَامِرِكَ وَ نَوَاهِيكَ وَ التَّلَعُّبِ بِأَوْلِيَائِكَ وَ مُظَاهَرَةِ أَعْدَائِكِ اللَّهُمَّ فَقَرِّبْ مَا قَدْ قَرُبَ وَ أَوْرِدْ مَا قَدْ دَنَا وَ حَقِّقْ ظُنُونَ الْمُوقِنِينَ وَ بَلِّغِ الْمُؤْمِنِينَ تَأْمِيلَهُمْ مِنْ إِقَامَةِ حَقِّكَ وَ نَصْرِ دِينِكَ وَ إِظْهَارِ حُجَّتِكَ وَ الِانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَائِك‏» [مهج الدعوات ومنهج العبادات، ص:51- 52].

هذا الأدعية وثيقة كاملة، تحفل بصورة واضحة عن سعة علم الإمام (عليه السلام) في جميع حقوق المعرفة، في الظاهر والخفي، والمعاد وحشر الناس يوم القيامة، لعرضهم للحساب أمام الله.

وكل واحد منهم يحمل وزره على ظهره، ومطالبه بما اقترفه في الدار الدنيا، ولا ينجو من أهوال ذلك المشهد الرهيب، إلا من سبقت له من الله الحسنى، ولم يكن من المستعبدين لعباد الله، ولا من المتمرِّدين على حقوق الله.

كما يبدو من الدعاء تَعريض بِحُكَّام الأمويِّين، الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، وإن القلوب قد بَلَغت الحناجر من ظُلمِهم.

ثانياً: ذكره (عليه السلام) لله عزَّ وجلَّ:

كان إمامنا الباقر (عليه السلام) دائم الذكر لله، يلهج بذكر الله في أكثر أوقاته، يمشي ويذكر الله، ويتحدث مع الناس ويذكر الله، ولا يشغله عن ذكره تعالى أي شاغل.

وكان يجمع ولده ويأمرهم بذكر الله حتى تطلع الشمس، كما كان يأمرهم بقراءة القرآن، ومن لا يقرأ منهم أمره بذكر الله.

وكان أبو جعفر (عليه السلام) يناجي الله تعالى في غَلَس الليل البهيم، وكان مما قاله في مناجاته: «أمرتَني فلم أئْتَمِر، وزَجَرْتَني فلم أنزجر، ها أنذا عبدك بين يديك».

ثالثاً: حَجُّه (عليه السلام):

كان الإمام (عليه السلام) إذا حَجَّ البيت الحرام انقطع إلى الله تعالى، وظهر عليه الخشوع والطاعة، وأناب نفسه كلياً إلى رب العالمين.

وقد روى عنه مولاه (أفلح): خرجت مع محمد بن علي حاجاً فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته‏.

فقلت: بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو رفقت بصوتك قليلاً.

فلم يعن به الإمام (عليه السلام) وقال له: «ويْحَك يا أفلح، إنِّي أرفع صوتي بالبكاء لَعلَّ الله ينظر إليَّ برحمة، فأفوز بها غداً».

ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه‏. [كشف الغمة في معرفة الأئمة (ط - القديمة)، ج‏2، ص: 117]

وحج (عليه السلام) مَرَّة أخرى، فازدحم الحُجَّاج عليه، وأخذوا يستفتونه عن مناسكهم ويسألونه عن أمور دينهم، والإمام (عليه السلام) يجيبهم.

فَبُهروا من سِعَة علومه، وأخذ بعضهم يسأل بعضاً عنه، حتى انبرى شخص من أصحابه فَعرَّفه لهم قائلاً: ألا أنَّ هذا باقر علم الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهذا مبين السبل، وهذا خَيرُ من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة، هذا ابن فاطمة الغَرَّاء العَذْراء الزهراء (عليها السلام).

هذا بقية الله في أرضه، هذا ناموس الدهر، هذا ابن محمد وخديجة وعلي وفاطمة (عليهم الصلاة والسلام)، هذا منار الدين القائمة.

رابعاً: زهده (عليه السلام):

كيف لا يزهد الإمام (عليه السلام) وجَدُّه أمير المؤمنين (عليه السلام) كان زاهداً في جميع مباهج الحياة؟ فأعرض عن بَهارِجها وزينتها، فلم يتَّخذ الرياش في داره، وإنما كان يفرش بمنزله حصيراً.

فنظر (عليه السلام) نظرة عميقة في جميع شؤون الحياة، فزهد في ملاذِّها، واتجه نحو الله تعالى بقلب منيب.

يقول جابر بن يزيد الجعفي: قال لي محمد بن علي (عليه السلام): «يا جابر والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب‏».

فانبرى إليه جابر قائلاً: جعلت فداك وما شغلك وما حزن قلبك‏‏؟

قال (عليه السلام): «يا جابر إنه من دخل قلبَهُ صافي خالصِ دينِ الله شغل قلبه عما سواه‏.

 يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها» [الكافي (ط - الإسلامية)، ج‏2، ص: 132- 133].

وقد أثرت عنه (عليه السلام) كلمات كثيرة في الزهد والإقبال على الله، والتحذير من غرور الدنيا.

إنه ابن العترة الطاهرة (عليهم السلام)، الذين أرسلهم الله تعالى لإرشاد الناس إلى الطريق الصحيح، ليأمروا بالحق، ولِيَنهوا عن الباطل، ويعملوا في سبيل الخير والصلاح.

_______________

(*) مركز آل البيت العالمي للمعلومات، بتصرّف.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2525
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2019 / 08 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 16