• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : عامة .
                    • الموضوع : تأمّلات عبادية في الحركة إلى الله تعالى* .

تأمّلات عبادية في الحركة إلى الله تعالى*

العلامة الشيخ حبيب الكاظمي

ما الدروس التي خرجنا بها من مجموع الإحياءات لليالي البيض وغيرها؟ أم أنه لمجرد الحصول على الثواب والأجر؟ نحن نريد أن نخرج بمجموعة من الدروس من هذه الإحياءات وهي:

الدرس الأوّل: (بداخلك قوّة كامنة كبيرة)

اكتشفنا أن القدرات المخزونة للإنسان (القدرات بالقوة) أكثر بكثير من التي نستغلها. إن مثل الواحد منا مثل دولة نفطية تملك رصيداً ومخزوناً نفطياً بملايين البراميل، ولكن هذا الإنسان يعيش على وجه الارض وهو يستجدي، طبعًا بين هذا المخزون تحت سطح الأرض ولإخراجه على سطحها يحتاج إلى أدوات، إذ ما قيمة الكنوز إذا كانت مخزونة؟ وهل يعتبر هذا الإنسان غنيًا؟ إذن أحدنا قد يكتشف أنه يمتلك قدرات قوية لو أراد أن يستخرجها لاستخرجها. بعض الرجال والنساء كبار السن لا يتحمل الوقوف لممارسة أعمال المنزل لمدة ربع ساعة أو عشر دقائق، ولكنه يقف ساعة ونصف في عبادة أمام الله عز وجل؛ تفسير ذلك: أنه أراد وأحبَّ أن يعمل فعمل، كذلك أحدنا عندما يطارد من قبل لص أو ما شابه تجد أن قوته تتضاعف للهرب، ذلك لأن الجسم يكيف نفسه مع مختلف الظروف، ومنها ليالي العبادة. فالإنسان لديه قدرات وإمكانات كامنة وهي توجب الشكر. ولكن يخاف على الإنسان من الاحتجاجات عليه يوم القيامة، فعندما يؤتى بالعبد الكسول في ذلك اليوم - والذي يعبر عنه هذا الوصف المخيف: (جيفة في الليل وبطَّال في النهار) - ويرى المقامات المدخرة له، لو أنه عمل أعمالاً معينة، ولكنه لم يعملها، ما الذي يعيشه هذا الإنسان؟ مجموع ذلك كم؟ الساعات الطويلة التي تمضي من حياتنا قد تضيع على مسلسلات لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد تنقلنا إلى أوج العرش!! فعلينا أن ننتبه لهذه الطاقات الكامنة أولاً.

الدرس الثاني: (الجوّ الجماعي في العبادة أرض خصبة)

الجو الجماعي أرضية خصبة لكل شيء للشر وللصلاح، لذلك نجد الشارع ينهى وبشدة عن الجلوس على مائدة الخمر ولو شربت ماء زمزم عليها، لعل من العلل أن لا تعيش هذا الجوّ. والجوّ الجماعي للطاعة كالجوّ الجماعي للمعصية، بعض المؤمنين يفضل القيام بالعبادة في المنزل، تستطيع أخي المؤمن أن تجمع بينهما، ولا يوجد منافاة بينهما.

إن عبادة الله في بيت من بيوته جمع جماعة من المؤمنين بينهم الشيخ الكبير والطفل الصغير توجب كرمه، والله تعالى أكرم الكرماء إذا أراد أن يكرم واحدًا فيكرم المجموع، خزائنه بين الكاف والنون (كن). في الحديث: إن الملائكة يمرون على حلق الذكر، فيقومون على رؤوسهم، فيبكون لبكائهم، ويؤمنون على دعائهم. بعض المؤمنين عندهم معاملات يؤجلونها إلى ما بعد الصلاة لو تزاحمت معها، ولو أدُّوها لربحوا مبالغ طائلة ولكن خشية أن تفوته الصلاة جماعة فيأتي إلى بيت الله، يترك شهوة، يغالب النوم، منهكٌ من الصيام فيحيي ساعةً ثم يعود لشأنه. هؤلاء لهم وزن عند رب العزة والجلال «لولا شيوخ ركَّع، وأطفال رضَّع، وبهائم رتع لصب عليكم البلاء صبًا». فالملائكة يستغفرون لبني آدم، فيقول الله تعالى: «اشهدوا اني قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون، فيقولون ربنا: إن فيهم فلانًا ولم يذكرك، فيقول: قد غفرت له بمجالسته لهم، فإن الذاكرين ممن لا يشقى بهم جليسهم». كذلك الأمر في ليالي القدر وليالي إحياء المناسبات المباركة، تنزل الرحمة على المجموع، فاغتنموا هذه الفرص، لا تقاطعوا مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، لا تعرضوا عنهم، لذلك العلماء يستشكلون في الذي لا يحضر الجماعة.

إخوتي، العمر يمر مر السحاب، ما الذي في هذه الحياة؟ ما هي المحطات التي تعيننا على آخرتنا؟ هل هي حياتنا الروتينية من أكل وشرب ومعاشرة للنساء ومن تربية للأولاد والذهاب للعمل؟ هذا ليس زاد الآخرة، بل زاد البطن والفرج ليس إلا، زاد الآخرة شيء آخر. إن ربيع القلوب ثلاثة أشهر في السنة: شهر رجب وشهر شعبان وشهر رمضان. وشهر رجب مهبط الرحمة، تصب فيه الرحمة صبًّا، ويوم الخامس عشر من رجب من أفضل أيام السنة، فاغتنموا فرص الخير هذه.

الدرس الثالث: (أطع الله ولا تقلق)

هناك بعض المؤمنين يحرص على حضور صلاة الجماعة رغم ما يحيط بها من ثقل مثل صلاة الصبح ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة: 16]. التأكيد في صلاة الجماعة على فريضتين هما: صلاة الفجر وصلاة المغرب والعشاء. فقد يحيي الشخص مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، ويحيي ليالي الإحياء، ولكنه قد لا يرى تغييراً يُعْتَدُّ به في حياته، ويتساءل أين الأثر؟ يقول: إنَّ الاستيقاظ بين الطلوعين يوجب زيادة الرزق، وأنا واظبت على ذلك بعد صلاة الجماعة في المسجد، فماذا رأيت في حياتي؟

الإجابة:

ملاحظة 1: لو كان الله يعطي الأجر على عمل الإنسان كل أسبوع أو كل أسبوعين لما بقي إنسانٌ غير موحد على هذه الأرض. يقول عزّ وجلّ: ﴿ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 24] أنت عندما تعبد الله، عندما تحيي، عندما تعمل، تجاهد، تزور، عندما يكتمل النصاب تُعْطى جائزةً قيِّمة، أنت لا تدري ما هي؟ قد تكون ذرية صالحة، إنقاذ من مشكلات اجتماعية أو ما شابه، صحة وعافية في بدنك. وحسب تعليق أحد الفقهاء المراجع: أنت تعمل عملاً فلا تدري ما الذي حصل؟ ولكنَّ الله عزّ وجلّ يقول لملائكته أو للَّوح المحفوظ مددوا عمر هذا الإنسان عشر سنوات، أنت لا تحسّ بذلك، لعل عمرك الطبيعي أقصر، لذلك ورد في الروايات (أن الذي يموت بالآجال الطبيعية قليل)، أغلب الناس تموت في غير ساعاتها، إمَّا قبل الموعد أو بعد الموعد. لماذا؟ لأنه قد يرتكب ذنوبًا يقطع الرحم فيقدّم موعد الوفاة، ويصل الرحم فيؤخّر موعد الوفاة.

ملاحظة 2: مشكلتنا أننا نشكر الله على النعم الإيجابية مثل الحصول على مبلغ من المال، أما النعم السلبية، بأن يُدفع عنّا بلاء أو مرض. فلو كشف لك الغيب لرأيت أن نعم الله عز وجل لا تحصى، وخاصة البلاءات التي دُفعت عنك، ولكن لم نُخْبر بذلك لمصلحة ما، ولو أخبرنا بذلك لانتابنا شعورٌ عميق بالشكر والخجل والوجل.

ملاحظة 3: بعض المؤمنين يشتكي من قساوة القلب، من عدم جريان الدمع. أولاً: لعله هناك خلل وظيفي في الغدة الدمعية بالعين، ثانيًا: المهم رقة القلب، الخشوع، التوجه لله عز وجل، وليس بالضرورة أن يرتفع صوتك بالبكاء والنحيب والحنين. نعم، هناك إنسان لا يرقّ قلبه، إنسان يقرأ في ليلة الجمعة: «عفوك عفوك قبل جهنم والنيران، عفوك عفوك قبل سرابيل القطران، عفوك عفوك قبل أن تغلَّ الأيدي إلى الأعناق» وكأنه يقرأ الأخبار أو يسمعها من التلفاز، هذا الإنسان عليه أن ينظر إلى قلبه «ما جفّت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب) هناك ارتباط، العين مرتبطة بالقلب، والقلب مرتبط بالعمل، فالإنسان عندما يعصي تتجلّى المعصية في قساوة القلب، وعدم جريان الدمع، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اقشعر جلدك ودمعت عيناك ووجل قلبك فدونك دونك فقد قصد قصدك» [وسائل الشيعة 4 : 1121]. الخط الدولي مع رب العالمين فُتح الآن، قل ما تُريد، فقد أُذن لك بالدعاء. لذلك عندما يذهب أحدنا للمشاهد المشرفة ويقول: أأدخل يا الله؟ أأدخل يا رسول الله؟ لا بد أن يتريّث، أن يقف إلى أن يسمع جواب سؤاله. وقيل: من علامات الإذن أن يرقّ القلب، ويجري الدمع، فمعنى ذلك أنه أذن لك بالدخول في ذلك الحرم الشريف.

فأطلبوا من الله في مثل هذه المناسبات، وإذا كنت متوجهًا للحج أو للعمرة أن لا يعاقبكم بقساوة القلب، والكريم إذا أجَّل العقوبة يُرجى منه أن يُلغيها.

 الدرس الرابع: (الجائزة المُعَجََّلَة)

عندما تنظر لوجوه المؤمنين بعد القيام بعمل عبادي تراها تتهلَّل فرحًا، ولا نرى هذه الصورة في غير المساجد ومواطن الطاعة، حالة من الارتياح والسرور والفرحة ويبدون أنها مصداق الحديث: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها» [بحار الأنوار 80 : 352]. حقيقةً يعيش الإنسان حالة من الفرحة وبرد القلب وسكون النفس عندما يحضر هذه المجالس المباركة، أليست هذه جائزة معجَّلة تضاهي الجوائز النقدية؟ وأهل الارض يفتقدون هذه الارتياح ويبحثون عنه تارة من المخدرات، ومع النساء، وفي السفرات اللا هادفة، يبحثون عن هذه اللذة والارتياح فلا يجدونها، وأنت حصلت عليها، بيسر، في ساعة أو ساعتين ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]. تلك لذة في الدنيا، يعقبها سرورٌ في الآخرة، ولولا تشجيع بعض المؤمنين لما قمنا ببعض الإحياءات، هناك نوع من السرور والمتابعة والرغبة. فمعنى ذلك أن الإنسان عندما يعيش هذا السرور فإن ذلك مدعاة لأن يقوم بالمزيد منها.

﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] ألا: أداة تنبيه بمعنى انتبه، بذكر: جار ومجرور تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر، والمعنى: بذكر الله يكون اطمئنان القلوب لا بغيره. نقرأ في سورة الملك: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] الله هو الذي خلق الإنسان، وهو يعلم تركيبة نفسه، وهو يقول: إن هدوء النفس، وراحة النفس، واطمئنان النفس، إنما هو بذكري لا غير. أما ما يعيشه أهل الدنيا، فكما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فما خُلِقْتُ ليشغلني أكلُ الطيبات، كالبهيمة المربوطة هَمُّها عَلَفُها، أو المرسلة شغلها تقممها» [نهج البلاغة، (45) من باب الكتب]، فالدابة تأنس بالمرعى وبالتزاوج، ولكنها لذة بهيمية نشترك فيها مع الحيوانات السائمة في البراري، وهذه اللذائذ المعنوية لا يمكن أن تُدرك، أحد العلماء في جوف الليل عندما يعيش فتحًا علميًا أو ما شابه ذلك، كان يصيح بصوت مرتفع: (أين الملوك وأبناء الملوك من هذه اللذة؟) نحن أصحاب اللذائذ في جوف الليل، بكشف علمي، أو بفتح ربَّاني، أو ما شابه ذلك.

الدرس الخامس: (عدم الابتلاء بالعجب بعد الإحياء)

عدم الابتلاء بالعجب بعد إحياء ليلة من الليالي، فمن مجموع 365 ليلة، ما وزن هذا اليوم؟ وإن زاد إلى عشرين ليلة ما وزنها؟ على الإنسان أن لا ينظر إلى ليالي التوفيق، بل ينظر إلى ليالي الحرمان، أين نحن في باقي الليالي والأيام؟ لهذا نقرأ في دعاء كميل: «وَسَكَنْتُ إِلَى قَدِيمِ ذِكْرِكَ لِي وَمَنِّكَ عَلَيَّ‏» [مصباح المتهجّد 2 : 845] بمعنى أنا مرتاح إلى ذكرك القديم لي. المهم علينا أن ننظر إلى النقص لا إلى التوفيقات، ولعلكم سمعتم «من تساوى يوماه فهو مغبون» نحن في أغلب أيام السنة على وتيرة واحدة من الغفلة وما شابه.

وأخيرًا: علينا أن نترقّى في هذا المجال فنزيد العمل كمًّا وكيفًا.

الخلاصة:

 1- إن القدرات المخزونة للإنسان أكثر بكثير من التي نستغلها، ولكن ما قيمة هذه القدرات الكامنة وهذه الكنوز إذا بقيت مدفونة لا نستخرجها ونستغلها؟

2- الجو الجماعي أرضية خصبة للشر وللصلاح، لذا علينا أن نحرص على العبادات الجماعية، كصلاة الجماعة، ومجالس الدعاء والذكر.

3- ألا يقلق الإنسان المواظب على الطاعات من عدم معاينته أثر أو جائزة فهناك آثار سلبية تتمثل في دفع الله عز وجل لبلاءات مما لا نستشعره، أو بمنح قد لا نلاحظها مثل الذرية الصالحة.

4- إن لذكر الله لذة لا يمكن أن تضاهيها لذات الدنيا الفانية.

5- لكي لا يبتلى الإنسان بالعجب عليه أن لا ينظر إلى الليالي والأيام التي وفق فيها للعبادة ـ وهي قليلة ـ بل التي حرم فيها من هذا التوفيق وهي الأكثر.

لا تقاطعوا مناسبات أهل البيت (عليهم السلام) لا تعرضوا عنهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ     

* المصدر: شبكة السراج على الانترنت ـ http://www.alseraj.net، بتصرّف يسير.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2375
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 06 / 12
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 08 / 19