• الموقع : دار السيدة رقية (ع) للقرآن الكريم .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : السيرة .
                    • الموضوع : الزهراء (عليها السلام) والقرآن الكريم .

الزهراء (عليها السلام) والقرآن الكريم

سماحة الشيخ عبد الجليل أحمد المكراني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([1]).

عندما هبط أمين وحي الله جبريل بالرسالة الخاتمة على قلب نبيّنا الأعظم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، تجلّت مفاهيمها بعده (صلّى الله عليه وآله) في عترته وآل بيته (عليهم السلام)، فكانت بضعة النبيّ وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ممّن تجلّت في شخصيّتها هذه الرسالة، فكان كلامها ونطقها وسلوكها هو انعكاس لهذه المفاهيم الربّانيّة المتمثّلة بدستورها الخالد القرآن الكريم.

إنّ فاطمة (عليها السلام) هي امتداد الرسالة الإلهيّة، وتجسيد لمفاهيم القرآن الكريم في تربية النفس وعمق الفكر، لذا فهي (عليها السلام) القدوّة الحقيقيّة في نشر أهداف الرسالة والثبات على مبادئها؛ لما حملته من القيم النبيلة والمُثل العليا التي مثّلت برصيدها التاريخي العظيم كلّ معاني الإنسانيّة والفضيلة والكمال البشري.

فلقد مثّلت في حياتها دروساً تربويّة وقرآنيّة؛ لأنّها مكوّن أساسي من مكوّنات الرسالة الإسلاميّة، فكانت تواكب مراحل الرسالة بالعمل والمشاركة وإعطاء الدروس في ذلك.

لذا ينقل لنا القرآن الكريم جانباً من حياة فاطمة وسلوكيّاتها، ذلك الجانب المنطلق من الإعداد القرآني والذوبان في المفاهيم القرآنيّة، وذلك في سورة كاملة هي سورة (الإنسان)، حيث نزل الوحي بآياتها حاملاً ثناء الله على فاطمة الزهراء؛ لأنّها سيّدة البيت التي حملت رغيفها وجمعت أرغفة أطفالها الصائمين لتتصدّق بها، مكرّرة ذلك ثلاثة أيّام متتالية على مسكين ويتيم وأسير، متغلّبة بذلك على عواطفها وطبيعتها كأمّ تحاول العطف على أطفالها والحفاظ عليهم دون غيرهم، لكنّها (عليها السلام) صارعت ذلك بسلاح الصبر والإيثار لتطعم المساكين والأيتام والأسارى؛ ضاربة بذلك أروع الأمثلة في تطبيق أهداف الرسالة السماويّة التي تتطلّب إشعار الأمّة بأنّ صاحب الرسالة يجب عليه أن يجسّد مفاهيمها وسلوكيّاتها عمليّاً، ليؤثّر في نفوس أبناء الأمّة، فكان في عملها هذا خطوة عمليّة في تجسيد قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}([2]).

إنّ هذا السلوك يُعدّ سلوكاً طبيعيّاً من الزهراء (عليها السلام) إذا ما عرفنا أنّها تربّت في أحضان الرسالة، وعاشت في أجواء القرآن والوحي، الأمر الذي جعلها تتحدّى كلّ الغرائز وعوامل الضعف في النفس البشريّة.

وصف القرآن عند الزهراء (عليها السلام)

لا يخفى أنّ للزهراء في القرآن الكريم وجوداً واضحاً في كثير من الآيات المباركات، وقد بيّنت هذه الآيات بمجموعها حقائق هامّة تكشف عن دور هذه المرأة العظيمة في البناء المعرفي والفكري والعقدي، وفي الوقت نفسه هناك وجود لذكر القرآن ووصفه على لسان الزهراء تصرّح به أمام الملأ؛ إعلاءً لمكانته وبياناً لمفاهيمه، فهي (عليها السلام) قد وصفت القرآن بوصف مختصر كامل يُعدّ من أروع ما قيل في توصيفه، وذلك في خطبتها الفدكيّة الشهيرة، فقالت (عليها السلام):

>أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم وبلغاؤه إلى الأمم، وزعيم حقّ له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة أشياعه، قائداً إلى الرضوان أتباعه، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة<([3]).

فقد أجادت في وصفها لكتاب الله؛ إذ فيه آيات واضحة الدلالة ظاهرة المعنى، وآيات تشتمل على معانٍ دقيقة وأسرار خفيّة، وأنّ أتباع القرآن لهم درجة عند الله تعالى يغبطهم عليها غيرهم، فهو القائد إلى رضا الله تعالى ورضوانه، فكأنّما بيّنت (عليها السلام) أنّ القرآن هو الحجّة التي يحتجّ بها الإنسان في القضايا والأحكام الشرعيّة، وقد فُسّرت عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، فهو دليل كلّ شيء. وقد استدلّت بكلّ وضوح في هذه الخطبة على أهمّيّة القرآن وأنّه الشريعة الخالدة التي جُعلت دستوراً للبشريّة.

إنّ الزهراء وأهل البيت (عليهم السلام) جميعاً يحاولون أن يضعوا القرآن أمامنا في كلّ شيء وقبل كلّ شيء وبعده؛ لأنّه كلام الله تعالى، فهم (عليهم السلام) يريدون أن يكون القرآن الكريم في كلّ بُعد من أبعاد حياتنا، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: >إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض<، ومن هذا الحديث نستنتج أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يريدنا أن نبتعد عن القرآن، وإنّما نلازمه مع أهل بيته؛ لأنّهم مفسّروه وترجمانه.

خصائص القرآن في كلام الزهراء (عليها السلام)

لقد ألمحت الزهراء (عليها السلام) في هذا المقطع من خطبتها في وصف كتاب الله المجيد إلى مفاهيمه السامية الرائعة، وأنّ كلّ مَن قرأ القرآن الكريم وتفكّر في معانيه وتأمّل في ما ترمي إليه آياته يعلم بأنّه كلام الله لا يأتيه الباطل، وأنّه نور ساطع وضياء لامع، جعله الله ضياءً في ظلمات العقول والقلوب ليعطيها ضوء الحقيقة.

وأنّه قد نزل واضح المعاني جليّاً لكلّ مَن يفهمه وتذوّق فصاحته وبلاغته، وأنّ أهل الذكر ـ الذين هم أهل البيت (عليهم السلام) ـ هم الذين يعلمون جميع علومه، وأنّهم أتباع القرآن وقد طبّقوا أحكامه، فلهم منزلة يوم القيامة يغبطهم عليها أهل المحشر.

هذا مضافاً إلى أنّ قارئ القرآن يزهر نوره إلى أهل السماء كما تزهر النجوم لأهل الأرض.

إنّ القرآن الكريم به تُنال العلوم والمعارف العالية، والمتدبّر فيه يجد بيّنات واضحة وبراهين كافية قاطعة لمَن أراد أن يؤمن بها أو يسير عليها.

هكذا استرسلت الزهراء (عليها السلام) في توضيح ما للقرآن الكريم من أمور عظيمة إذا أمعن فيها قارؤه، فأوضحت خصائصه متحدّثةً عن آفاق القرآن الذي يتضمّن الحقّ والعهد، والذي ينطق دون أن يُسمع صوته؛ لأنَّ نطق القرآن في آياته يمثّل عمق الصوت الإلهيّ، الذي عندما يصغي إليه الإنسان يسمع صوت الله همساً.

إنّ القرآن الكريم بيّن البصيرة، فهو الذي يعطي الإنسان البصيرة بكلّ وضوح، ومن دون أيّ غموض، ويكشف الأسرار في طبيعة الأفكار التي يُثيرها، والمناهج التي يحرّكها، وأنّ قارئه يقرأه بكلّ جلاء، فلا غموض فيه ولا تعقيد، يُشعر شيعته وأتباعه بالغبطة؛ إذ يبيّن لهم في كلّ آية يقرأونها علماً جديداً، وروحاً جديدةً، وخلقاً جديداً.

وهو بالإضافة إلى ذلك يهدي النّاس إلى رضوان الله، وإلى مواقع رضاه وخطوطها، وإلى كلّ ما يمكن أن يحصلوا به على ذلك.

أمّا مَن يستمع إليه فإنّه يجعل فكر القرآن فكره، وروح القرآن روحه، وهذا يقوده إلى العمل والنّجاة: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}([4]).

لقد صوّرت الزهراء (عليها السلام) في جملها الأخيرة في وصف القرآن معنًى هامّاً للإنسان، وهو قوّة الحجّة، وهذا عنصر لابدّ أن يحتاجه الإنسان في مفصل ما من مفاصل حياته، فبالقرآن الكريم تُنال الحجّة، فإذا قرأه الإنسان، وأراد أن يحتجَّ على فكرةٍ، أو يردّ عليها، أو يبيّن حقيقةً في جانب ما، فإنّه يستطيع من خلال ذلك أن يأخذ الحجَّة من القرآن في مواجهة التحدّيات كلّها، وأن يشرح الحقائق والأفكار كلّها.

بهذه الكلمات الرائعة القصيرة أعطت الزّهراء (عليها السلام) لمستمعيها درساً في أسرار القرآن وخصائصه، وفي ما يمكن للإنسان أن يصل إليه من خلاله، ومَن تأمّل في ذلك يمكنه اكتشاف الكثير من المعارف التي ترنو إليها (سلام الله عليها) في كلماتها عن القرآن الكريم، إلاّ إنّنا وبهذه الصفحات الوجيزة لا يمكننا أن نستوعب ما تحمله الزهراء تجاه القرآن؛ لأنّها بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي بيتها كان يهبط الوحي حاملاً آيات الله إلى رسوله، فقد تلقّت القرآن وفهمته من مصدره الأوّل حامل الرسالة ومبلّغها.

والحمد لله ربّ العالمين.

 

([1]) الأحزاب: 33.

([2]) الحشر: 9.

([3]) الاحتجاج (الطبرسي) 1: 134.

([4]) الزمر: 17ـ 18.


  • المصدر : http://www.ruqayah.net/subject.php?id=2336
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2018 / 03 / 08
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 06 / 23